فقه اللغة العربية وأثراه في فقه الحديث النبوي الشريف وفهمه
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: فقه اللغة العربية وأثراه في فقه الحديث النبوي الشريف وفهمه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,368

    افتراضي فقه اللغة العربية وأثراه في فقه الحديث النبوي الشريف وفهمه

    فقه اللغة العربية وأثراه في فقه الحديث النبوي الشريف وفهمه


    الأستاذ الدكتور بنعيسى بويوزان


    الكلية المتعددة التخصصات. تازة


    جامعة سيدي محمد بن عبد الله. فاس



    ملخص


    إن تبيين كتاب الله عز وجل الذي هو في حد ذاته بيان مطلق، يتطلب لغة تقع موقعا عاليا جدا من البلاغة والبيان والفصاحة، بحيث تقع كل لفظة من هذه في موقعها الصحيح الذي ينبغي أن تكون فيه، لأن الخطأ في التبليغ مستحيل في حق صلى الله عليه وسلم، لأنه معصوم من الله عز وجل، فما دام كلامه صلى الله عليه وسلم في سنته وحيا، يبين به الكتاب الكريم الذي أنزل إليه من ربه سبحانه، فإن الدقة اللغوية شكلا ومضمونا، يجب أن تكون في مستوى هذا التبليغ والتبيين الذي كُلف به صلى الله عليه وسلم. لأن مهمته صلى الله عليه وسلم، بالغة الدقة أيضا.

    وهذه الدقة في تبيين هذه الأحكام تقتضي، فيما تقتضيه، الدقة اللغوية، والتي تعني في هذا البحث، ثلاثة أمور:

    الثروة اللغوية على مستواها المعجمي: بحيث إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يملك ثروة معجمية هائلة.

    البيان: ويكون على مستوى التركيب بين أجزاء الكلام، بحيث يكون الكلام المؤلّف في سياق مركب، غاية في الدقة والوضوح، والنبي صلى الله عليه وسلم أوتي هذا التركيب الفائق من لدن الله عز وجل.

    ج- الفصاحة: ويكون على مستوى اختيار المعجم الأفصح ليكون أكثر بيانا وإبانة في التركيب الذي يوضح فيه، ذلك لأن الإحاطة بألفاظ اللغة العربية، والعلم بمسالك تأليف تلك الألفاظ بعضها مع بعض، هو عين الفصاحة في أعلى مراتبها، وهو ما كان من شأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا يعني على وجه الإجمال، أن البلاغة والفصاحة النبوية، هما في أعلى المراتب، بما أنعم به الله عز وجل على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من بليغ القول وفصيحه، وهو يخاطب العرب من حوله بلغتهم التي توارثوا التخاطب والإبداع بها أمدا طويلا، والذين كانوا يفهمون كلامه جيدا، ولكن سبيلهم إلى الكلام بمثل ما تكلم به، كان سبيلا قصرت دونه الهمم، وعييت ولا شك دونه الألسنة.

    وعليه فإن الحديث النبوي الشريف، مبني على مجموعة من الضوابط لا مناص منها لكل من أراد أن يتناول الحديث الشريف تناولا علميا، هي:

    أ- لغة الحديث النبوي والعرف اللغوي:
    وهذا الضابط في غاية الأهمية، لأن احترام العرف اللغوي العربي في كل شيء، يعتبر عصب اللغة العربية وقطبها الذي عليه المدار، وهذا رأي كل البلاغيين العرب وهم يحللون الكلام العربي شكلا ومضمونا.

    ب- العرف اللغوي والتطور اللغوي:
    وهذا العنصر هو أيضا في غاية الأهمية، لارتباطه الوثيق بالاستدلال على الأحكام الشرعية المستنبطة من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يراع العرف اللغوي، وما حصل من تطور في الاستعمال اللغوي لبعض المفردات العربية، حصل الزلل في الاستدلال، والشطط في البرهنة.

    ج- «فهم اللغة» و«فقه اللغة»:

    رغم ما قد يبدو في الظاهر من تماثل بين مصطلحي الفهم والفقه اللغويين، إلا أن المتمعن في الأمر مليا، يظهر له بأن هناك فارقا واضحا، وإن كان بين الجانبين تداخل لا مرية فيه، لأن التمييز حتمي بين مدلولات الألفاظ، ومجالات استعمالاتها حسب العرف اللغوي، لأن اللفظة الواحدة، رغم احتفاظها ببنيتها الصرفية والصوتية لأمد غير قصير، إلا أنها تخضع باستمرار لعمليتي الإفراغ والشحن: إفراغ من مدلول سابق، وشحن بمدلول لاحق، وهذا ما يحتم، ليس الفهم اللغوي فحسب، وإنما يحتم الفقه اللغوي.

    د- إتقان علوم اللغة العربية: لأن فقه دلالات الألفاظ في سياقاتها المختلفة، لا يتأتى مطلقا إلا بإتقان المعرفة بتصاريف الكلام العربي، لأن الجملة الواحدة في اللغة العربية، ما هي إلا نتاج لعملية لغوية معقدة تجمع بين اللفظ والمعنى والنحو والصرف وعلوم البلاغة: المعاني والبيان والبديع: وعليه فلابد لفقه آية من القرآن الكريم أو حديث من الأحاديث الشريفة، من إتقان هذه العلوم على أحسن وجه، وهو ما جعل علماء الأمة يلحون على هذا أيما إلحاح.

    هـ- فقه اللغة والتلقي عن السلف:

    وهذا ضابط له أهمية خاصة تجعل كل ما قلناه سابقا متوقفا عليه إلى حد كبير، لأن التفقه في اللغة والتبحر في علومها، يجب أن يسير بموازاة مع ما أُثر عن السلف الصالح في القضايا المتناولة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما ألح عليه العلماء القدامى.

    و- دلالة الألفاظ ودلالة السياق في الحديث النبوي الشريف:
    إن منهج علم أصول الفقه بخاصة، في تعامله مع الحديث الشريف، أنه ينظر في الألفاظ الواردة في نص الحديث في ذاتها أولا، ينظر إليها في علاقتها بالسياق العام للحديث الشريف، فيخلص إلى ما يخلص إليه بعد النظر والتمحيص، لأن إغفال جانب من هذين الجانبين يؤدي ولا شك إلى مجانبة الصواب، وهنا ينبغي التركيز على أمرين:

    1- دلالة الألفاظ في ذاتها:
    وهذا يعني بالدرجة الأولى ضرورة الإلمام بالمخزون اللغوي العربي، لأن اللفظة الواحدة في العربية، لها عدة معانٍ سمعت عن العرب، واستعملوها في أشعارهم وأنثارهم وأمثالهم، ولابد من ضبط معنى اللفظة الواحدة، لن هذا الضبط هو البوابة إلى ما هو أهم، وهو معرفة دلالتها داخل سياق الحديث، فإذا كانت اللفظة مما يحتمل أكثر من معنى، فلا يضبط ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم إلا من خلال السياق الذي وردت فيه.

    2- دلالة الألفاظ داخل سياق الحديث الشريف:
    فمن المعلوم أن اللفظة العربية الواحدة لا تستعمل منفردة أو منعزلة عن غيرها من الألفاظ ليعبر بها عن معنى مقصود، وحتى وإن كانت ترى منفردة في سطر ما، فإنها لابد وأن تكون متعلقة بمحذوف مضمر جوازًا أو وجوبًا، يجب تقديره لفهم المطلوب، لأن الألفاظ في اللغة العربية وضعت أصلا لكي تركب في سياق معين.

    وهذا العنصر الأخير، لا يتأتى فقط بالدربة على الاستعمال اللغوي اصطلاحا وعرفا، أو الحذق بالأساليب المختلفة في التعبير، وإنما لابد من عنصر آخر في غاية الأهمية، كثيرًا ما يغفل عنه، فيقع المحذور منه، وهو عنصر «الذوق اللغوي» الذي اهتم به علماء اللغة العربية اهتماما خاصا في مثل هذا المقام.

    وكل هذا، برهن عليه البحث من خلال تطبيقات مختلفة على شواهد متنوعة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، مما جرى كثيرًا على ألسنة علماء الأصول. وهو يستنبطون الأحكام الفقهية من السنة النبوية الشريفة.
    توطئة:


    اقتضت حكمة الله –جل وعلا- ومشيئته سبحانه ألا يرسل رسولا إلى أمته ليبلغهم رسالاته –عز وجل- إلا بلسان قومه، حتى تحصل المنفعة من الرسالة، وتقع الحجة على الأمة المرسل إليها بحصول الفهم المقصود من الخطاب الذي كلف رسولها بتبيينه لها على الوجه المطلوب، فقال الله عز وجل: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ). إبراهيم، الآية 4؛ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: «هذا من لطفه تعالى بخلقه، أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم»([1]).

    وعليه، فإن حصول المقصود من الرسالات السماوية، يقتضي أن تكون بلغات أمم الأنبياء والمرسلين، وبألسنتها التي يسهل التوصل بها أفرادا وجماعات، حتى تتمكن من فهم الأحكام الربانية على الوجه الأوضح والأكمل، لكيلا يكون للناس على الله –جل وعلا- حجة بعد الرسل.
    ورسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وسلم تسير على هذا النهج نفسه، فقد أرسله الله –جل وعلا- بأفضل الرسالات إلى الناس كافة، بلسان عربي مبين، تماما كما أرسل الله –عز وجل- إخوانه من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام إلى أممهم بألسنتها ولغاتها، إلا أن كل نبي كان يرسل إلى قومه خاصة، وأرسل محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس كافة، عربا كانوا أو غير عرب، لأنها رسالة خاتمة جامعة، لمن يعرف العربية ولمن لا يعرفها، لهذا قال القرطبي –رحمه الله في تفسير الآية السابقة من سورة إبراهيم، وقد أجاد: «قوله تعالى (ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ)، أي قبلك يا محمد (إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، أي بلغتهم؛ ليبينوا لهم أمر دينهم، ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم: لأن المراد اللغة، فهو اسم جنس يقع على القليل والكثير، ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية؛ لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها، لزمته الحجة»([2]).

    وأكثر من ذلك، أن الله عز وجل شفع كتابه الكريم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مبينة ومفصلة لجميع أوامره ونواهيه، وكل أحكامه بعامة، على نحو واضح المعالم، وبلغة شديدة الوضوح، سهلة المتناول، قريبة المأخذ، كان يفهمها العرب زمن النزول والتشريع على حقيقتها –وإلى اليوم، وإن حالت الهجنة والعجمة التي أصابت ألسنة الناس بعد زمن السليقة العربية –صافية النبع، صفاء الرسالة التي أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم.

    لذلك جاءت لغة السنة النبوية الشريفة في المقام العالي. بعد لغة القرآن الكريم. من البيان والفصاحة، لأن مقام التبليغ عن الله عز وجل، بتوضيح كتابه الكريم المعجز ببيانه ولغته، وتفصيل آياته وأحكامه، يقتضي لغة لا تقل عنه بيانا ووضوحا، ولهذا نجد الله عز وجل، يخاطب نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله جل وعلا: (وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل، الآية 44، قال القرطبي: «( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ) في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم مبين عن الله عز وجل مرادَه مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة وغير ذلك مما لم يفصله»([3]).

    فالتبيين بالقول، قول الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني أقصى درجات التوضيح، بحيث لا يدع مجالا للغموض أو الإبهام في المقصود من هذا الحكم أو ذاك، خاصة وأن الله –عز وجل- وصل كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، بأنه وحي يجب العمل به، لأنه من صميم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أطاع الله جل وعلا، لذلك قال ابن حزم الأندلسي رحمه الله: «لما بينا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه، فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدناه –عز وجل- يقول فيه واصفًا لرسوله صلى الله عليه وسلم: (ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى)، النجم الآيتان 3. 4، فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم إلى الله عز وجل إلى سوله صلى الله عليه وسلم على قسمين: أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام، وهو القرآن، والثاني وحي مروي منقول، غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المبين عن الله عز وجل مراده منا، قال الله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ) النحل 44، ووجدناه تعالى، قد أوجب طاعة هذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول، الذي هو القرآن، ولا فرق، فقال تعالى (أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ)»([4]).

    وعليه، فإن تبيين كتاب الله –عز وجل الذي هو في حد ذاته بيان مطلق- يتطلب لغة تقع. هي أيضا. موقعا عاليا جدا من البلاغة والبيان والفصاحة، بحيث تقع كل لفظة منها في موقعها الصحيح. أو بالأحرى الأصح. الذي ينبغي أن تكون فيه، لأن الخطأ ممتنع عنه صلى الله عليه وسلم، لأنه معصوم من الله عز وجل، فما دام كلامه صلى الله عليه وسلم في سنته وحيا، يبين به الكتاب الكريم الذي أنزل إليه من ربه سبحانه، فإن الدقة اللغوية شكلا ومضمونا، يجب أن تكون في مستوى هذا التبليغ والتبيين الذي كُلف به صلى الله عليه وسلم، لأن مهمته صلى الله عليه وسلم، بالغة الدقة أيضا، خاصة وأن القرآن الكريم «يكون محتملا لأمرين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما، فيرجع إلى السنة ويترك مقتضي الكتاب، وأيضا، فقد يكون ظاهر الكتاب أمرا، فتأتي السنة فتخرجه عن ظاهره. .. وحسبك أنها تقيد مطلقه، وتخص عمومه، وتحمل على غير ظاهره، حسبما هو مذكور في الأصول»([5]).

    فالدقة في تبيين هذه الأحكام، تقتضي الدقة اللغوية أيضا، كما قلنا، وأقصد بهذه الدقة اللغوية، ثلاثة أمور:
    أ- الثروة اللغوية على مستواها المعجمي: بحيث إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يملك ثروة معجمية هائلة، وهذا بتوفيق من –الله عز وجل- لأن مقام النبوة يقتضي ذلك، وإلى هذا يشير الإمام الشافعي رحمه الله حين قال: «ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي»([6]).

    ب- البيان: ويكون على مستوى التركيب بين أجزاء الكلام، بحيث يكون الكلام المؤلف في سياق مركب، غاية في الدقة والوضوح، والنبي –صلى الله عليه وسلم- أوتي هذا التركيب الفائق من لدن الله عز وجل، كما في صحيح مسلم عن سعيد بن أبي بردة، قال: حدثنا أبو بردة عن أبيه حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البتع والمزر، فقال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه، فقال صلى الله عليه وسلم: أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة»([7]).

    ج- الفصاحة: وتكون على مستوى اختيار المعجم الأفصح ليكون أكثر بيانا وإبانة في التركيب الذي يوضع فيه، ذلك لأن الإحاطة بألفاظ اللغة العربية، والعلم بمسالك تأليف تلك الألفاظ بعضها مع بعض، هو عين الفصاحة في أعلى مراتبها، وهو ما كان من شأن كلام النبي. صلى الله عليه وسلم، كما سنبينه في الفقرة التالية:

    1- فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    قلت بأن التبليغ عن الله عز وجل، وتبيين مجمل كتابه العزيز، وتفصيله للناس، يقتضي مقاما عاليا جدا من الإحاطة باللغة العربية ومن الفصاحة والبيان، وهذا ما آتاه الله عز وجل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، قال الإمام السيوطي: «قال الخطابي: "اعلم أن الله لما وضع رسوله صلى الله عليه وسلم موضع البلاغ من وحيه، ونصبه منصب البيان لدينه، اختار له من اللغات أعربها، ومن الألسن أفصحها وأبينها، ثم أمده بجوامع الكلم"»([8]).

    فالبيان والإعراب والإفصاح، كل هذه العناصر مجتمعة، توفرت في لغته. صلى الله عليه وسلم، لأن المهمة التي نصبه الله عز وجل لها. كما قال الخطابي وغيره. ممن سآتي على ذكرهم من بعد إن شاء الله تعالى. تقتضي هذا الاستيعاب الشامل للغة التي أنزل بها القرآن الكريم، حتى لا تترك أي مجال للإبهام أو الغموض، ومن ثم للشك أو الريبة، خاصة وأن العرب الذين بُعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا فرسان الكلمة، وأرباب التحبير والإبداع شعرا ونثرا، لأمد غير قصير، لذلك فإن الله عز وجل لما أمد رسوله. صلى الله عليه وسلم. بمخزون لغوي عربي لم يتيسر لأحد قبله. صلى الله عليه وسلم. ولا لأحد بعده، مع قمة الفصاحة والبيان، مناسب جدًا لآخر الرسالات السماوية التي هيمنت على كل الرسائل قبلها، حتى تكون شاملة وجامعة لكل ما ينفع العباد في دينهم ودنياهم.

    وهذا ما لمسه فصحاء العرب في لغة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى إن كتب اللغة والأدب وكتب السيرة والسنن، طافحة بأخبار تروي عن النبي. صلى الله عليه وسلم. في فصاحته، ومع أن أفراد تلك الأخبار لا يكاد يسلم من الضعف، إلا أن دلالاتها متواترة، نظرًا لكثرة الكتب والمصادر التي تناقلتها، من ذلك مثلا. ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: «قال رسول الله. صلى الله عليه وسلم. في يوم دَجْنٍ: كيف ترون بَوَاسِقَها ؟ قالوا ما أحسنها وأشد تراكمها ! قال: كيف ترون قواعدها؟ قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها! قال كيف ترون جونها؟ قالوا ما أحسنه وأشد سواده! قال: ترون رحاها استدارت؟ قالوا: نعم، ما أحسنها وأشد استدارتها! قال: كيف ترون برقها؟ أخَفِيًّا أو وميضًا أم يشق شقًا؟ قالوا: بل يشق شقًا، قال: الحياء! فقال رجل، يا رسول الله ما أفصحك! ما رأينا الذي هو أعرب منك، قال: حُقَّ لي، فإنما أنزل القرآن علي بلسان عربي مبين»([9]).

    وهذا الحديث وغيره([10])، يدل على مفهوم الاستيعاب النبوي لكلام العرب، ومعرفته. صلى الله عليه وسلم. بأساليبه وطرق أدائه، فضلا عن معجمه الذي لا يند عنه منه شيء صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهر هذا في كتب الأدب والبلاغة العربية على حد تعبير الشيخ محمود محمد شاكر، كما كثر فيها ما روي عن علي بن أبي طالب. رضي الله عنه.، حيث قال: «ما سمعت كلمة عربية من العرب إلا وسمعتها من رسول الله. صلى الله صلى الله عليه وسلم.، وسمعته يقول: «مات حتف أنفه»، وما سمعتها من عربي قبله»([11]).
    وإلى هذا يشير القاضي عياض. رحمه الله. وهو يتحدث عما أوتيه الرسول. صلى الله عليه وسلم .من بيان وفصاحة وإحاطة بكلام العرب، فقال: «وأما فصاحة اللسان، وبلاغة القول، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل: سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله»([12]).

    فالحديث النبوي الشريف جمع كل بهاء اللغة العربية من جميع جوانبها التي ذكرها القاضي عياض، بل إن هناك من البلاغيين العرب من تتبع كلامه صلى الله عليه وسلم مستقرئا ومستقصيا طريقته صلى الله عليه وسلم في مراعاة المخاطب ومستواه اللغوي. حيث ينقل إليه صلى الله عليه خطابه بما فيه من إخبار، إلى جانب الإفادة والإمتاع، حتى وإن تُرْجِمَ كلامه صلى الله عليه وسلم، وحسبنا من ذلك ما قام به أبو هلال العسكري، حيث يقول معلقًا على الرسالة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى «فسهل الألفاظ كما ترى غاية التسهيل حتى لا يخفى منها شيء على من له أدنى معرفة في العربية، ولما أراد أن يكتب إلى قوم من العرب فخم اللفظ، لما عرف من فضل قوتهم على فهمه، وعادتهم لسماع مثله»([13]).

    وهذا هو الهدف الأسمى من التخاطب، كما أنه الهدف الصعب في الوقت نفسه، ولا يقدر عليه أحد إلا ما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم: لأن العبرة ليست في الألفاظ فقط، وإنما في الألفاظ والمعاني معا، ناهيك عن دقة التأليف والتنسيق بين مختلف أجزاء الكلام، فأدنى تساهل أو تذبذب في هذه الأجزاء كلها أو في أحدها، سيقذف في قلب المخاطَبِ الشك والريبة، وهذا ما لم يكن قطعًا في لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث لم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم. زلة لسان مهما تكن صغيرة، إن في الإعراب أو في تنزيل الألفاظ ومعانيها في غير منازلها، لأن علمه. صلى الله عليه وسلم.، مما آتاه الله عز وجل، بطرق التعبير وأساليب العرب في الكلام ,وانتقاءه .صلى الله عليه وسلم. لأحسن الألفاظ ليضعها في أنسب المواقع من كلمه صلى الله عليه وسلم، هو الذي أضفى على كلامه ذلك البهاء الذي عبر عنه القاضي عياض، وقبله الجاحظ بأجمل ما يكون من التعابير.
    وهذا ما أكده كل البلاغيين العرب، بلا استثناء، وهم يتحدثون عن فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلاغته، وحسبنا من ذلك ما ذكره ابن سنان الخفاجي وهو يميز بين البلاغة والفصاحة في كلامه صلى الله عليه وسلم، ومن خلاله في اللغة العربية بعامة، فقال: «والفرق بين الفصاحة والبلاغة، أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني، لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة، وإن قيل فيها فصيحة، وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل بليغ فصيحا»([14]).

    فالأسلوب النبوي الشريف جمع إذن بين الفصاحة والبلاغة في أرقى معالمهما، فإذا أردنا أن نكتب ما قاله الخفاجي بما هو متداول اليوم في المصطلحات اللغوية، أن الفصاحة ما هي إلا ألفاظ أو معجم أو ثروة لغوية، بينما البلاغة هي السياق وحسن التأليف بين هذه الألفاظ حتى تؤدي معنى من المعاني، والنبي .صلى الله عليه وسلم. جمع بين اختيار أحسن الألفاظ وركبها في أحسن سياق، فجاء كلامه .صلى الله عليه وسلم. أبلغ كلام وأفصحه، حتى قال عنه شيخ البلاغيين العرب القاضي عبد القاهر الجرجاني: «فلم يشك أحد أنه .صلى الله عليه وسلم .لم يكن منقوصا في الفصاحة, بل الذي أتت به الأخبار أنه. صلى الله عليه وسلم .كان أفصح العرب»([15]).

    وهذا عينه، هو ما عبر عنه اللغويون العرب المعاصرون بالمصطلحات المعاصرة وهم يصفون كلامه .صلى الله عليه وسلم.، من ذلك مثلا ما قاله الدكتور فخر الدين قباوة، وقد أجاد: «وقد أوضح الله عز وجل أن تلك الكفايات البيانية، وهي صفة أصيلة في لغة رسوله الكريم .صلى الله عليه وسلم.، وليست في حاجة أن ينص عليها وتبين بدليل، فهي فيه فطرة يطلب منه استخدامها في مواجهة المعاندين (وقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا)، أي يبلغ منهم ويؤثر فيهم، ويصل إلى كنه المراد، مطابقا لما سبق له من المقصود؛ وبليغ القول، هو الذي يعبر أحسن التعبير عما في نفس قائلة ومقاصده، ويناسب أحوال المخاطبين بما لديهم من أساليب القول ومستوى التفكير والبيان والتفهم وأنواع التجارب، والخبرات والتوجهات، وفي هذا الأمر من الله سبحانه شهادة لرسوله. صلى الله عليه وسلم. بغاية البلاغة والإحكام»([16]).

    وخلاصة الأمر أن البلاغة والفصاحة النبوية، هما في أعلى المراتب وأسناها، بما أنعم به الله. عز وجل .على رسوله الكريم .صلى الله عليه وسلم .من بليغ القول وفصيحة، وهو يخاطب العرب من حوله بلغتهم التي توارثوا التخاطب والإبداع بها أبًا عن جد، يفهمون كلامه جيدا، ولكن سبيلهم إلى الكلام بمثل ما تكلم به، كان سبيلا قصرت دونه الهمم، وعييت .ولا شك .دونه الألسنة.

    2- ضوابط فقه لغة الحديث الشريف:
    بعدما تبين لنا المقام العالي جدا الذي تبوأه الكلام النبوي الشريف، فإن فقهه وفهمه حق الفهم، يتطلب ضوابط لابد منها، وقد عرج على ذكرها علماء اللغة والأصول معا، أرى من الضروري الإتيان على ذكرها بما يناسب المقام، لاستحالة تناول الحديث الشريف تناولا علميا دون الإحاطة بها. وهي:

    أ- لغة الحديث النبوي والعرف اللغوي:
    قلت بأن همم العرب الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قصرت عن التحدث بالأسلوب الذي تحدث به الرسول .صلى الله عليه وسلم.، وما حباه الله .جل وعلا. به من كفايات لغوية هائلة، لأن اللغة التي كان يتحدث بها. صلى الله عليه وسلم. عربية فصيحة معهودة بين الناس عامتهم وخاصتهم، فلم يكن يخاطبهم بما لا عهد لهم به، أو بما لم يألفوا سماعه، لذلك فإنهم لم يكونوا يحاورونه أو يجادلونه. صلى الله عليه وسلم.، إلا لأن مقصد الفهم قد تحقق، وأن المخاطب قد فهم كلامه .صلى الله عليه وسلم. حق الفهم، وتفاعل معه وانفعل به، مما يعني. بكل بساطة. أن النبي. صلى الله عليه وسلم. كان يتكلم من داخل العرف اللغوي العربي، ويحترم غاية الاحترام ما درجوا عليه في كلامهم ومخاطباتهم وإبداعاتهم من أعراف لغوية ما كانوا مستعدين للتخلي عنها، وما كان هذا غرضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان غرضه تبليغ رسالة ربه عز وجل بلسان قومه في أوسع مجالاته: أساليبَ تعبيرٍ وطرق أداء ومراعاة أحوال الناس وأفهامهم، وإعراب كلام على ما جري عليه العرف في التخاطب باللسان العربي.

    ومعنى هذا، أن النبي .صلى الله عليه وسلم. قد بلغ الغاية في الفصاحة والبيان من داخل منظومة اللغة العربية، ومن صميم أساليبها، وليس من خارجها، بحيث أسمعهم ما لم يسبق لهم سماعه من ألفاظ أو إعراب، وإنما احترم صلى الله عليه وسلم طباع القوم وعرفهم اللغوي، وهو يدرك تمام الإدراك منزلة هذه الطباع وهذا العرف في شحذ الألسنة العربية والمحافظة على طرقها في التعبير؛ وقد قال حازم القرطاجني في هذا الصدد: «ولا شك أن الطباع أحوجُ إلى التقويم في تصحيح المعاني والعبارات عنها من الألسنة إلى ذلك في تصحيح مجاري أواخر الكلم، إذ لم تكن العرب تستغني بصحة طباعها وجودة أفكارها عن تسديد طباعها وتقويمها، باعتبار معاني الكلام بالقوانين المصححة لها، وجعلها ذلك علما تتدارسه في أنديتها، ويستدرك به بعضهم على بعض، وتبصير بعضهم بعضا في ذلك»([17]).

    فإذا كان هذا طبع العرب وعريكتهم التي جبلوا عليها في التخاطب، حتى دأبت على احترامها وتلقينها لأجيالها للحفاظ على السليقة اللغوية العربية، وعلى أفانين القول العربي الفصيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولى الناس حرصا على الحفاظ على هذا الطبع أو هذه الأعراف اللغوية، لأن القرآن الكريم الذي أنزل عليه عربي، ولأن حصول القصد من التبليغ والإفهام لابد وأن يكون عبر قنوات التواصل المعتادة في لغة العرب، معجماً وطرقَ أداء وأساليب تعبير، وإلا فإن الخطاب سيتهشم في وسط الطريق، وينقطع التواصل أصلا، فينعدم الفهم، وتسقط الحجة بعد ذلك، ولكان هذا أقرب الحجج وأسرعَها إلى ألسنة المشركين، وكان يكفي أن يقولوا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم يخاطبهم بغير ما ألفوه من لغة أو تعبير أو ما شابه ذلك.

    ولكن الرسول. صلى الله عليه وسلم. حافظ على هذا العرف اللغوي، وعلى ما جرت به العادة في الكلام العربي، لكي يكون كلامه الشريف صلى الله عليه وسلم نابعا من صميم التعبير العربي، ومن جوهر كلام العرب.
    أقول هذا الكلام، لأن احترام العرف اللغوي العربي في كل شيء، يعتبر عصب اللغة العربية وقطبها الذي عليه المدار، وقد رأينا ما قاله حازم القرطاجني، وهو قول سائر البلاغيين العرب وهم يحللون الكلام العربي شكلا ومضمونا، فهذا ابن سنان الخفاجي يتحدث عن "العرف العربي" في أي كلام عربي، فقال عن شروط الإبداع الفصيح: «أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح، غير شاذة، ويدخل في هذا القسم ما ينكره أهل اللغة ويرده علماء النحو من التصرف الفاسد في الكلمة»([18])، وأكد على هذا أيضا وهو يتحدث عن الكلمة المركبة في الكلام المؤلف، أو في السياق، فقال: «أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح، وللتأليف بهذا القسم علقة وكيدة، لأن إعراب اللفظة تبع لتأليفها من الكلام، وعلى حكم الموضع الذي وردت فيه من الكلام»([19]).

    وما من شك في أن التأكيد على "العرف اللغوي"، إنما هو آت من شعور العربي بتناسق طرق الأداء اللغوي لديه لفظا ومعنى، منذ مراحل مبكرة من العصر الجاهلي, فيجمع بين السابقين واللاحقين على صعيد لغوي واحد، يأخذ فيه الكلام العربي بعضه برقاب بعض، تنتفي صفة الفصاحة والبيان عن كل من يخرج عنه بطريقة أو بأخرى، فيرمي بالهجنة أو العجمة، فيستبعد من دائرة الاستشهاد: وهذا قدامة بن جعفر يلح أيضا على هذا العرف إلحاحا شديدا فقال: «ومن عيوب المعاني: مخالفة العرف والإتيان بما ليس في العادة والطبع»([20]). وفي كتاب له آخر قال: «وأما الفصيح من الكلام، فهو ما وافق لغة العرب، ولم يخرج عما عليه أهل الأدب، ولتصحيح ذلك وضع النحو، ولجمعه وضعت الكتب في اللغة»([21]).

    وهذا يعني ضرورة، أن فهم الكلام العربي فهما صحيحا، وفقهه حق الفقه ينبغي أن يكون نابعا من إلمام حقيقي بالاستعمال العربي لفنون الخطاب وأساليب التعبير، فكما أنهم متمسكون بالعرف اللغوي في هذا التعبير، ويعتبرونه شاهدا على الفصاحة والبيان، فإن تلقيه يفرض ضرورة الإمساك بناصية ذلك العرف، بالمعرفة الحقيقية بكل صيغ القول وفنون الأداء العربي، وعلى كل المستويات الدلالية والمعجمية والتركيبية، سواء في الأفعال أو الكلمات أو الحروف، وكل هذا يعتبر العُدّة الحقيقية واللازمة للأصولى، وهو يشمر عن ساعده لاستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة.

    لهذ، فإن كل مصادر اللغة العربية وبلاغتها، ألحت إلحاحا شديدا على الاستعمال اللغوي حسب العرف العربي([22])، وهذا الإلحاح نفسه. وبشدة أيضا. نجده عند علماء الأصول بخاصة، كما سيأتي بيانه في حينه إن شاء الله تعالى، بل إن هذا العرف اللغوي أصبح حجة يُدافع بها عن كتاب الله تعالى وسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وعن السلف الصالح، على نحو ما فعل ابن قتيبة. وهو من هو في اللغة والأدب والعلوم الشرعية. حيث قال مثلا مدافعا عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: «وكيف يكذب ابن مسعود في أمر توافقه عليه العرب في الجاهلية والإسلام»([23]).

    ب- العرف اللغوي والتطور اللغوي:
    وهذا العنصر هو أيضا في غاية الأهمية لارتباطه الوثيق بالاستدلال على الأحكام الشرعية المستنبطة من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يراع العرف اللغوي، وما حصل من تطور في الاستعمال اللغوي لبعض المفردات العربية، حصل الزلل في الاستدلال، والشطط في البرهنة.

    ذلك أن كثيرا من الألفاظ العربية، طرأ عليها تطور في الاستعمال. ولا أقصد التطور هنا لا في البنية ولا في المعجم([24])، أي إن اللفظة الواحدة تحتفظ ببنيتها الصرفية وبمدلولها اللغوي كما هو، إلا أنها كانت تستعمل في زمن ما، للدلالة على معنى ما، ثم أصبحت تستعمل كما هي، لكن للدلالة على معنى آخر، قد يختلف اختلافا كليا أو جزئيا عن الاستعمال الأول، وقد تنبه علماؤنا الأوائل لهذا، مما يفرض علينا ضرورة الاحتياط له، والتنبيه عليه.
    ومن ذلك مثلا، ما رواه البخاري في صحيحه، فقال: «حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا عاصم قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع، فقال: كذب، إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا. .. الحديث»([25])، فقال ابن حجر شارحا لهذا الحديث: «ومعنى قوله «كذب» أخطأ، وهو لغة الحجاز، يطلقون الكذب على ما هو أعم من العمد والخطأ»([26]).

    فالفعل «كذب» لا يستعمل اليوم إلا كما هو معهود ومتعارف عليه بين الناس عند إطلاقه، حيث يتبادر إلى أذهان الناس كل معاني القدح والعيب فيمن يقال فيه «كذب»، أو هو «كاذب»، وهذا أبعد ما يكون عن لغة التخاطب بين رجال الحديث ممن هم من السلف الصالح. رضوان الله عليهم.، فاستعمال أنس بن مالك. رضي الله عنه. للفعل «كذب»، وهو يتحدث عن أحد التابعين الذين سمعوا عنه، بعيد كل البعد عن معناه العرفي المتداول بين الناس اليوم، وإنما قصد. كما قال ابن حجر، ولعل في تنبيهه على هذا دلالة واضحة. «أخطأ» في لغة الحجاز، والبون شاسع جدا بين الخطأ والكذب.

    وهذا يعني أن العرف في الاستعمال اللغوي جزء لا يتجزأ عن فقه اللغة، وعن فقه الأحكام الشرعية أيضا، مما يؤكد ضرورة فهم القرآن الكريم والحديث الشريف، حسب ما درج على فهمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم العرب الأقحاح، لمعرفتهم الدقيقة بطرق استعمال الألفاظ كما هي جارية على العرف العربي.

    ومن هذه الأمثال أيضا، ما أورده ابن سنان الخفاجي وهو يتحدث عن شروط الفصاحة العربية، فقال: «أن لا تكون الكلمة قد عُبر بها عن أمر آخر يُكره ذكره، فإذا أوردت، وهي غير مقصودة بها ذلك المعنى: قبحت، وإن كملت في الصفات التي بيناها. ومثل هذا قول عروة بن الورد العبسي:

    وقلت لقوم في الكنيف تروحوا * عشية بتنا عندما وان رزح

    والكنيف أصله الساتر، ومنه قيل للترس: كنيف، غير أنه قد استعمل في الآبار التي تستر الحدث وشهرتها، فأنا أكرهه في شعر عروة. وإن كان ورد صحيحًا. لموافقة هذا العرف الطارئ، على أن لعروة عذرا، وهو جواز أن يكون هذا الاستعمال حدث بعده، بل أشك أنه كذلك، لأن العرب أهل الوبر لم يكونوا يعرفون هذه الآباء، فهو وإن كان معذورًا وغير ملوم فبيته مما يصح التمثيل به. .. فأما قول عمرو:
    وكم غائط من دون سلمي * قليل الأنس ليس به كتيع

    فجار هذا المجرى، والغائط: البطن من الأرض، إلا أنه يستعمل في الحدث على ذلك الأصل، فذكره قبيح على ما تقدم، لكن عمرو معذور كعروة»([27]).
    فلا شك في أن الفارق بين «العرف القديم» في الاستعمال اللغوي، و«العرف الطارئ»، فارق كبير جدًا، لأن الشاهدين المذكورين جاءا في الأصل في سياق المتعة واللذة، لأنهما كانا يستعملان استعمالا درج عليه العرب يومها حين تنتشي أنفسهم بين المياه والظلال، أما وقد تطور الأمر، وقد استعمل ابن سنان عبارة «يستعمل الآن»، فقد أصبحت اللفظتان تدلان على مغنيين مغايرين تمامًا لمعنييهما اللذين كانتا تدلان عليهما أول الأمر، مما يعني أن تطبيق الفهم الطارئ على الاستعمال القديم، يستحيل معه فهم المقصود من الخطاب.

    لهذا فإن العلماء المعاصرين، قد أولوا العرف اللغوي في الاستعمال العربي اهتمامًا بالغًا في التعامل مع نصوص الحديث النبوي الشريف بخاصة، حتى تفهم الفهم الصحيح انطلاقا من مراعاة ذلك العرف الذي كان يتحكم في استعمال اللغة زمن النبوة، يقول مثلا الأستاذ الدكتور حمزة المليباري في هذا الشأن: «وعلى الباحث أن يأخذ بعين الاعتبار أساليب القدامى في مخاطبة معاصريهم، ومعاني الكلمات التي يستخدمونها فيها، لاسيما أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كثيرًا ما يطابق أسلوب القرآن الكريم، من حيث التحدث بالمعجزات والغيبيات والصفات الإلهية، ومن حيث التنبؤ بما يجري قبل يوم الساعة، واعتماد أسلوب صالح لعقلية المجتمع الذي خاطبهم مباشرة، دون أن يتناقض في الوقت نفسه مع عقلية المجتمعات التي ستلحقهم، مع اختلاف الظروف والثقافات والطبائع والأعراف والتقاليد، فلغة القدامى وأساليب مخاطبتهم تختلف عن لغة عصرنا، وقد يقصدون من الكلمة معنى غير المعنى الذي تعارفنا عليه، أو استقر عليه اصطلاحنا»([28]).

    وهذا الرأي الوجيه، كان قد حذر منه الشيخ يوسف القرضاوي أيضًا حين قال بأن «هناك ألفاظًا كثيرة بدلت في مجالات شتي يصعب حصرها. ثم لا يزال هذا التبدل يتسع مع تغير الزمان والمكان وتطور الإنسان، إلى أن تصبح الشقة بعيدة بين المدلول الشرعي الأصلي للفظ، والمدلول العرفي أو الاصطلاحي الحادث المتأخر، وهنا ينشأ الغلط وسوء الفهم غير المقصود، كما ينشأ الانحراف والتحريف المتعمد، وهو ما حذر منه الجهابذة والمحققون من علماء الأمة: أن تنزل الألفاظ الشرعية على المصطلحات المستحدثة على مر العصور»([29]).
    من هنا فإن التريث في فهم الألفاظ الواردة في نصوص الحديث النبوي الشريف، أمر لا مفر منه، بل إن الأمر يتعدي «الفهم اللغوي» إلى «الفقه اللغوي» في أوسع مجالاته.

    ج- بين «فهم اللغة» و«فقه اللغة»:

    رغم ما قد يبدو في الظاهر من تماثل بين مصطلحي الفهم والفقه اللغويين، إلا أن المتمعن في الأمر مليا، يظهر له بأن هناك فارقا واضحا، وإن كان بين الجانبين تداخل لا مرية فيه، لأن التمييز حتمي بين مدلولات الألفاظ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك قبل قليل، ومجالات استعمالاتها حسب العرف اللغوي، لأن اللفظة الواحدة، رغم احتفاظها ببنيتها الصرفية والصوتية لأمد غير قصير، إلا أنها تخضع باستمرار لعمليتي الإفراغ والشحن: إفراغ من مدلول سابق ، وشحن بمدلول لاحق، وهذا ما يحتم، ليس الفهم اللغوي فحسب، وإنما يحتم الفقه اللغوي، لأن «الفقه أخص من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت الناس في هذا، تتفاوت مراتبهم في اللغة والعلم»([30]).

    بذلك يبدو بأن الفهم اللغوي مرتبط بالمعنى اللفظي الخاص بهذه اللفظة أو تلك، بينما الفقه اللغوي بجمع بين هذا المعنى اللفظي نفسه، مع الدلالة العامة للسياق الذي وردت فيه الألفاظ مجتمعة، والتي تحمل في طياتها دلالة معينة، تكون المقصود منها لدي المتكلم، أي إن الفهم اللغوي مرتبط بالمعنى، بينما الفقه اللغوي مرتبط بالمعنى والدلالة معًا، لذلك قال ابن القيم رحمه الله: «والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون، إذا خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: ماذا قال آنفا، وقد أنكر الله سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله {فَمَا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} النساء الآية 78، فذم من لم يفقه كلامه»([31]).

    وإلى هذا أيضًا يشير القرطبي رحمه الله وهو يفسر قوله تعالى {لِّيَتَفَقَّهُ ا فِي الدِّينِ} التوبة الآية 122، فقال: «أن يتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين»([32])، فالفقه إذن، هو التبصر بالشيء والتدبر فيه إلى أقصى الحدود لمعرفة المقصد والمراد.
    وعليه، فلا شك في أن المنافقين الذين كانوا يسمعون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفهمون معناه بلا ريب، فقد كانوا من العرب الأقحاح، ولكنهم مع ذلك لا يفقهون مراد النبي صلى الله عليه وسلم ومقصوده، لذلك نسب الله جل وعلا إليهم عدم الفقه {فَمَا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا }، بينما نسب إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقه {لِّيَتَفَقَّهُ ا فِي الدِّينِ }، والفرق واضح جلي إن شاء الله تعالى.

    لذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم. كان يستعمل لفظة «الفقه» في غير ما موطن من حديثه صلى الله عليه وسلم، ولا يستعمل لفظة «الفهم»، من ذلك مثلا قوله. صلى الله عليه وسلم. «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»([33])، وقوله .صلى الله عليه وسلم.: «من يرد الله به خير يفقهه في الدين»([34])، من هنا تظهر مزية الفقه عن مزية الفهم، سواء في اللغة أو في الدين، مع العلم أنه من المستحيل أن يتفقه امرؤ في الدين من دون أن يتفقه في اللغة، كما سيأتي بيانه بضوابطه إن شاء الله تعالى؛ وحتى في معاجم اللغة، نجد أن هناك من يلمح إلى هذا الفارق، من ذلك مثلا، قول ابن منظور: «الفقه: العلم بالشيء والفهم. .. والفقه في الأصل: الفهم، يقال: أوتي فلان فقها في الدين أي فهما فيه، قال الله عز وجل {لِّيَتَفَقَّهُ ا فِي الدِّينِ} أي: ليكونوا علماء به،. .. وفقه فقها: بمعنى علم علماً. .. وفقه الشيء علمه، وفقهه وأفقهه: علمه. ..» ([35]).

    فيظهر بوضوح أن الفقه هو الفهم مع العلم، بحيث إن المركب من إضافة الفهم إلى العلم، هو عين الفقه وماهيته، وهو ما أشار إليه الفارابي أيضا في ديوان الأدب، حيث قال: «وفلان يتفقه، من الفقه، كما يقول يتعلم من العلم»([36]) وإن كان قبل ذلك قد قال: »الفقه: الفهم، قال أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه»([37])، مما يعني عنده أن الفقه يجمع بين الفهم والعلم.
    ويزداد الأمر وضوحا مع الزجاجي حيث يقول: «ألا ترى أن الفقه: الفهم، يقال فهمت الحديثَ مثل فهمت، ورجل فقيه، وفقه أي فهم، ثم صار الفقه علم الدين خاصة، فإذا قيل: رجل فقيه، فإنما يراد به العالم بأمر الشريعة، وإن كان كل من فهم علما وحذقه: فهو فقيه»([38])، حيث يظهر عنده بأن الفقه جامع بين العلم والفهم والحذق، والحذق: المهارة بالشيء.

    وكل هذا يعني أن فقه اللغة، هو الوقوف على أسرار الألفاظ ومعانيها دلالاتها، مفردة ومركبة في سياقات مختلفة، على ما جرى عليه العرف في الاستعمال اللغوي العربي، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال ثلاثة أمور:
    أ- التوسع ما أمكن في الإحاطة بدلالات هذه الألفاظ ومعانيها في ذاتها، كما وضعت أصلا في اللغة العربية، أي العلم بالمعجم العربي.
    ب- الإلمام ما أمكن بدلالات هذه الألفاظ، من خلال سياقات تراكيبها المختلفة التي درج عليها العرب في الاستعمال اللغوي على أنحاء متنوعة بتنوع المقاصد والإرادات التي يروم إليها المتكلم، مع مراعاة العرف اللغوي في الاستعمال.
    وهذا العنصر الثاني، لا يتأتى فقط بالدربة على الاستعمال اللغوي اصطلاحا وعرفًا، أو الحذق بالأساليب المختلفة في التعبير، وإنما لابد من عنصر آخر في غاية الأهمية، كثيرا ما يغفل عنه، فيقع المحذور منه، وهو عنصر «الذوق اللغوي»، وقد تنبه له الإمام السيوطي رحمه الله فقال: «وأما الكلام فلا يدرك إلا بالذوق، وليس كل من اشتغل بالنحو واللغة والفقه يكون من أهل الذوق وممن يصلح لانتقاد الكلام، وإنما أهل الذوق، هم الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر، وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة، فإلى أولئك يرجع في معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض»([39]).

    وقد أصاب .لعمري .كبد الحقيقة؛ لأن هذا الذوق الذي يتجاوز ظواهر الأشياء، كما قد يتجاوز المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الأذهان من أول قراءة لأي نص من النصوص، إلى ما هو أعمق من ذلك، وهو الدلالة الخفية الصحيحة التي لا تنجلي إلا لمن يحسن تذوق النصوص لتمرسه بها، ولخبرته بالأساليب العربية ودلالاتها، وتفقهه في اللغة وطرق أدائها التي يعبر بها.
    وما دام السيوطي قد ربط بين «أهل الذوق» و«علم البيان» الذي هو عمدة اللسان العربي، فإنه يذكر بما كان قد أشار إليه القاضي عبد القاهر الجرجاني حين ميز بين «المعنى» و«معنى المعنى»، فقال: «وإذ عرفت هذه الجملة، فهاهنا عبارة مختصرة، وهي أن تقول: «المعنى» و«معنى المعنى»، تعني بالمعنى: المفهوم من ظاهر النص، والذي تصل إليه بغير واسطة، و«بمعنى المعنى» أن تعقل في اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر»([40]).

    ولعله واضح جدا أنه استعمل الفعل «يعقل» للوصول إلى «معنى المعنى»، ولم يستعمل الفعل «فهم»، الذي يبدو بأن صاحبه لا يكاد يتجاوز به المعنى الظاهر، وما أكثر ما يربط الله عز وجل في كتابه الكريم، بين آيات القرآن الكريم، والمركب الفعلي: « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » و« أَفَلَا تَعْقِلُونَ ».
    وهذا يعني أن الإمام السيوطي، وهو يدندن حول «الذوق»، والجرجاني وهو يتحدث عن «العقل» وعلاقته بـ «معنى المعنى». وكلاهما فقيه في اللغة والدين، كل ذلك يوحى بأن المطلوب من الناظر في كتاب الله تعالى والحديث النبوي الشريف، أن يتجاوز مجرد فهم النصوص إلى فقه النصوص، وأما فهم ألفاظ اللغة، فما هي إلا عتبة أولى لابد ولا مفر من الولوج منها إلى أغوار النص ومكنوناته، حيث يبصر فيها ما لا يبصره فيها غيره، وهذا مما يؤتيه الله عز وجل من يشاء من عباده، ممن يفقهه في دينه.

    ج- إتقان علوم اللغة العربية: لأن فقه دلالات الألفاظ في سياقاتها المختلفة، لا يتأتى مطلقا إلا من إتقان المعرفة بتصاريف الكلام العربي، لأن الجملة الواحدة في اللغة العربية، ما هي إلا نتاج لعملية لغوية معقدة تجمع بين اللفظ والمعنى والنحو الصرف وعلوم البلاغة: المعاني والبيان والبديع؛ وعليه فلابد لفقه آية من القرآن الكريم أو حديث من الأحاديث الشريفة، من إتقان هذه العلوم على أحسن وجه، وهو ما جعل علماء الأمة يلحون على هذا أيما إلحاح، حتى إن الإمام الشافعي رحمه الله، قد نبه على هذا في مراحل مبكرة من مراحل تأسيس علم أصول الفقه، فقال: «فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده. .. وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره، لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها»([41]).

    وزاد هذا التأكيد ابنُ حزم الأندلسي، فألح وفصل على عاده فقال: «ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله عز وجل وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون عالما بالنحو الذي هو علم ترتيب العرب لكلامهم الذي نزل به القرآن، وبه يفهم معاني الكلام التي يعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ، فمن جهل اللغة، وهي الألفاظ الواقعة على المسميات، وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات لاختلاف المعاني، فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا الله تعالى ونبينا صلى الله عليه وسلم، ومن لم يعرف ذلك اللسان، لم يحل له الفتيا فيه لأنه يفتي بما لا يدري»([42]).

    وأما إذا وصلنا إلى أبي إسحاق الشاطبي، فإنه قد بلغ الغاية في تحديد المصطلحات، حيث قال وهو يتحدث عن مطالب الاجتهاد: «أما الثاني من المطالب، وهو فرض علم، تتوقف صحة الاجتهاد عليه، فإن كان ثم علم لا يحصل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه، فهو بلا بد مضطر إليه، لأنه إذا فرض كذلك، لم يمكن في العادة الوصول إلي درجة الاجتهاد دونه، فلا بد من تحصيله على تمامه، وهو ظاهر، إلا أن هذا العلم مبهم في الجملة، فيسأل عن تعيينه، والأقرب في العلوم إلى أن يكون هكذا «علم اللغة العربية» ولا أعني بذلك النحو وحده ولا التصريف وحده، ولا اللغة، ولا علم المعاني، ولا غير ذلك من أنواع العلوم المتعلقة باللسان، بل المراد جملة «علم اللسان» ألفاظا ومعاني، كيف تصورت»([43]). ولا يخفي ما في مصطلح «علم اللسان» من دلالة لدى الشاطبي، بدلا من «علم اللغة العربية»، لأنه أشمل وأعلم في الإحاطة بكل علوم اللغة العربية والتفقه فيها، وقد أكد على هذا ابن خلدون من بعد هؤلاء جميعا، فقال وهو يتحدث عما أسماه «علم اللسان العربي»: «أركانه أربعة، وهي اللغة والنحو والبيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، إذ مأخذ الحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين، عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلابد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة»([44]).

    فيتضح من كل هذه الآراء إذن، بأن العلاقة بين فقه اللغة العربية أو بالأحرى اللسان العربي، وفقه الشريعة الإسلامية، هي علاقة الجسد بالروح، يستحيل الفصل بينهما، لأن التفقه في الدين، يتوقف ضرورة على التفقه في اللغة([45]).

    وإذا كنا قد استشهدنا بهذه النصوص أعلاه للتأكيد على انبناء فقه الشريعة الإسلامية برمتها على فقه اللسان العربي، فإن هناك من العلماء من ربط بشكل خاص بين السنة النبوية المطهرة وفقهها، وضرورة التمكن من علوم اللغة العربية([46]). قبل التعامل مع الحديث الشريف. من ذلك مثلا من العلماء القدامى، الحافظ العراقي، حيث قال: «قلت: فحق لطالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به من شيئين: اللحن والتحريف ومعرتهما، وروينا عن شعبة، قال «من طلب الحديث ولم يبصر العربية، فمثله مثل رجل عليه برنس ليس له رأس» أو كما قال، وعن حماد بن سلمة قال: «مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار، عليه مخلاة لا شعير فيها»»([47]).
    وإلى هذا أيضا ذهب المعاصرون، من ذلك مثلا ما قاله الدكتور نور الدين عتر: «قرر العلماء واتفقوا على أنه ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفا بالعربية، فعن الأصمعي أنه قال: «إن أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه، كذبت عليه»»([48]).

    ما نخلص إليه من خلال هذه الفقرة، هو أنه من المستحيل قطعا أن يهتدي امرؤ إلى فقه الحديث النبوي الشريف وقبله القرآن الكريم، دون التفقه في اللغة العربية وعلومها تفقها يسلم معه من الغلط أو الزلل، سواء في الاستنباط والاستنتاج، أو في البرهنة والاستدلال، مهما تكن القضايا التي يعالجها في هذين الوحيين الشريفين.

    د- فقه اللغة والتلقي عن السلف:
    وهذا ضابط له أهمية خاصة تجعل كل ما قلناه سابقا متوقفا عليه إلى حد كبير، لأن التفقه في اللغة والتبحر في علومها، يجب أن يسير بموازاة مع ما أُثِرَ عن السلف الصالح في القضايا المتناولة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما ألح عليه العلماء القدامى، كما فعل الإمام الغزالي حين حذر من المسارعة «إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل، فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية، كثر غلطه، ودخل في زمرة من يفسر بالرأي. فالنقل والسماع لابد منه في ظاهر التفسير أولا، ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط»([49]).

    وإلحاح الغزالي على السماع من أفواه المشايخ، الذين تلقوا العلم بتفسير القرآن الكريم أو الحديث الشريف سماعا عن مشايخهم، حتى يتصل بهم السنة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، آت من كون فهم هؤلاء الصحابة. رضوان الله عليهم حجة .ولأنهم أعلم الخلق بالقرآن والسنة، بعد الرسول صلى الله عليه وسلم: يعلمون سبب نزول آيات القرآن الكريم، تماما كما يعلمون سبب ورود الحديث الشريف، وعليه فلا يجوز الخروج عما سمع عنهم، ونقلته عنهم الأجيال اللاحقة بالسماع، وهو ما نقرؤه اليوم مخطوطا أو مطبوعا.

    وهذا "السماع" في الواقع، ولأهميته البالغة، أمر قد درج عليه العرب حتى في فهم إيداعهم وتعابيرهم المختلفة التي تناقلتها الأجيال، فأصبحت تقاليدَ ثابتةً أو سننا متبعا، لا تفهم إلا بالتلقي المباشر عن الشيوخ وسماعاتهم، وإلى ذلك أشار ابن طباطبا العلوي حين قال في باب عنوانه "سنن العرب وتقاليدها": «وأمثلة لسنن العرب المستعملة بينهما، التي لا تفهم إلا بالسماع»([50]).
    وهذا يعني ضرورة التقيد بما أثر عن السلف الصالح في فهم مستغلق القرآن والسنة، وما قد يكون فيهما من مشكل أو مبهم، مما لا يكون معه الفهم اللفظي مجديا على أي حال، وعليه فلا يجوز العدول عما أثر عن السلف فيما فسروا به السنة النبوية الشريفة، لأنهم، وهم العرب الأقحاح، هم الذين أتقنوا صهر اللغة العربية مع الضوابط الشرعية، وأي فصل بينهما مآله الزلل والشطط في تحميل النصوص الشرعية ما لا تحتمله. قال الغزالي: «فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضي ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وتسقط به منفعة كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم»([51]).

    فلو ترك الأمر إلى الفهم اللغوي للألفاظ، فإن القرآن الكريم والحديث الشريف، تستباح نصوصهما الشريفة، يخوض فيها كل خائض، ويقول فيهما من شاء ما شاء، فلابد من الانضباط بما أثر عن السلف الصالح مع هذين الوحيين، وبعد ذلك إن احتياج إلى إعمال الرأي والاجتهاد جاز ذلك، لكن لابد من البحث عن الأشباه والنظائر، مما يدل عليه العرف اللغوي العربي السليم، حتى يسلم القياس وتصح النتائج، مع الالتفات دائما إلى علم وعمل السلف الصالح، يقول الدكتور محمد أديب صالح: «الرأي المحمود، وهو الذي يجري على موافقة معهود العرب في لسانها وأساليبها في الخطاب، مع مراعاة الكتاب والسنة وما أثر عن السلف»([52]).

    وعليه فإن التسلح بالمخزون اللغوي العربي في التعاطي مع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هو المنطق الأساس، ولكن لابد من مراعاة العرف العربي في التعبير والخطاب، لأنه المدخل الرئيسي إلى فهم مقاصد النصوص أولا؛ وثانيا، لابد من التقيد بالجهد الشاق والمرهق الذي قام به السلف الصالح في ضبط دلالات تلك النصوص للاستدلال بها على الأحكام الشرعية، خاصة وأن «الدراسة اللغوية للنص بدأت كاتجاه مبكر في علم أصول الفقه الذي أكد أهمية ضبط العلاقة بين اللفظ والمعنى، كمدخل لدراسة النص القرآني ونص الحديث، على أساس أن الضبط محوري في دراسة وجود دلالة الأدلة على الأحكام الشرعية»([53]).

    وعبارة «ضبط»، بما تعنيه من دقة وتحرز، تدل على أن ضبط العلاقة بين الجانب اللفظي الذي يجري على سنن العرب ومعهود أسلوبهم في التخاطب والتعبير، مع الجانب الدلالي الذي يتناسق تناسقا تاما مع القرآن والسنة ومقاصدهما، نتح عنه علم أصول الفقه الذي قعد القواعد الأصولية التي نتجت عنهما الأحكام الفقهية، وفق شواهد وأدلة شرعية من الكتاب والسنة.

    ثم إن هذا يعني أيضا، أن الألفاظ في تركيبها العربية المختلفة، لا تضبط دلالتها ضبطا حقيقيا ودقيقا، إلا داخل منظومة من الضوابط الشرعية التي أثرت عن السلف الصالح الذي استثمر مخزونه اللغوي العربي الهائل، فجعله منصاعا مطواعا لمقاصد كتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث إن الفهم اللغوي البحت للكتاب والسنة أصبح مرجوحا معزولا، ما لم يلق سندا يعززه من فهم السلف، سواء للقرآن الكريم، لأنهم أعلم بمحكمه ومتشابهة وبناسخه ومنسوخة، وبأسباب نزوله، أو من فهمهم للحديث النبوي الشريف، لأنهم أيضا أعلم به وبسبب وروده وبناسخه ومنسوخه، وبذلك انصهر عندهم فقه اللغة مع فقه الدين على صعيد واحد، فأصبحوا بذلك كله لمن بعدهم، وإلى قيام الساعة، الأسوة والقدوة والحجة، ينبغي اقتفاء أثرهم فيه، ولا ينبغي العدول عنهم بحال من الأحوال.

    3- دلالة الألفاظ ودلالة السياق في الحديث النبوي الشريف:
    إن منهج علم أصول الفقه بخاصة، في تعامله مع الحديث الشريف، أنه ينظر في الألفاظ الواردة في نص الحديث في ذاتها أولا، ثم ينظر إليها في علاقتها بالسياق العام للحديث الشريف، فيخلص إلى ما يخلص إليه بعد النظر والتمحيص؛ لأن إغفال جانب من هذين الجانبين يؤدي ولا شك إلى مجانبة الصواب، لذلك قال ابن خلدون: «يتعين النظر في دلالة الألفاظ، وذلك أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام على الإطلاق، يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية مفردة ومركبة»([54]). وهذا يعني أن في الحديث الشريف دلالتين لابد من النظر فيهما:

    أ- دلالة الألفاظ في ذاتها:
    وهذا هو الذي أشرت إليه سابقا، وغير ما مرة، من ضرورة الإلمام بالمخزون اللغوي العربي، لأن اللفظة الواحدة في العربية، لها عدة معانٍ سمعت عن العرب، واستعملوها في أشعارهم وأنثارهم وأمثالهم، ولابد من ضبط معنى اللفظة الواحدة، لأن هذا الضبط هو البوابة إلى ما هو أهم، وهو معرفة دلالتها داخل سياق الحديث، فإذا كانت اللفظة مما يحتمل أكثر من معنى، فلا يضبط ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم إلا من خلال السياق الذي وردت فيه، ثم إن امتلاك ثروة لغوية مهمة، لابد منها لكل من أراد النظر في الحديث الشريف؛ وقد سبق أن قلنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان على إلمام واسع جدا. بما مكنه الله جل وعلا من ذلك. بالمعجم العربي في استعمالاته المختلفة لدي القبائل العربية الفصيحة المتعددة، مما يفرض على الباحث في كلامه صلى الله عليه وسلم، أن يسعى ما أمكنه السعي والجهد إلى الإلمام ببعض هذا المخزون اللغوي الهائل.
    يتبع




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,368

    افتراضي رد: فقه اللغة العربية وأثراه في فقه الحديث النبوي الشريف وفهمه

    فقه اللغة العربية وأثراه في فقه الحديث النبوي الشريف وفهمه


    الأستاذ الدكتور بنعيسى بويوزان


    الكلية المتعددة التخصصات. تازة


    جامعة سيدي محمد بن عبد الله. فاس


    ب- دلالة الألفاظ داخل سياق الحديث الشريف:

    فمن المعلوم أن اللفظة العربية الواحدة لا تستعمل منفردة أو منعزلة عن غيرها من الألفاظ ليعبر بها عن معنى مقصود أو مراد، وحتى وإن كانت ترى منفردة في سطر ما، فإنها لابد وأن تكون متعلقة بمحذوف مضمر جوازا أو وجوبا، يجب تقديره لفهم المطلوب، لأن الألفاظ في اللغة العربية وضعت أصلا لكي تركب في سياق معين، حتى قال الجرجاني بأن «الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف يما بينهما (من) فوائد، وهذا علم شريف وأصل عظيم»([55]).
    ولا يختلف علماء الأصول عما ذهب إليه الجرجاني في هذا النص الذي بني عليه نظرية النظم، فهذا الإمام الشاطبي رحمه الله يقول: «أن يكون اعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم، بناءً على أن العرب، إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها، وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد. والمعنى هو المقصود. ولا أيضا كل المعاني، فإن المعنى الإرادي قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبي مفهوما»([56]). وهذا شبيه بما قاله الجرجاني في "الدلائل"، وبما قاله في "أسرار البلاغة"، من أن «الألفاظ خدم المعاني، والمعرفة في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستها المستحقة طاعتها، فمن نصر اللفظ على المعنى، كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته»([57]).
    وعليه فإن الاهتمام بالسياق. بعد المعرفة الدقيقة بمعاني الألفاظ. يجب أن يكون من أولويات الناظر في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، للوقوف على المقصد النبوي، وفهم دلالات الحديث وفقهها، لاستنباط الشاهد منه، وتنزيله منزلته المطلوبة في الاستدلال به، وعلى هذا أكد الشاطبي رحمه الله فقال: «فإذا كان الأمر هكذا، فاللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب، لأنه المقصود والمراد، وعليه ينبني الخطاب ابتداء، وكثيرا ما يغفل هذا النظر بالنسبة للكتاب والسنة، فتلتمس غرائبه ومعانيه على غير الوجه الذي ينبغي، فتستبهم على المتلمس، وتستعجم على من لم يفهم مقاصد العرب، فيكون عمله في غير معمل، ومشيه على غير طريق، والله الواقي برحمته»([58]).
    فالخبرة بمسالك العرب في التعابير وتفننهم في أدائها. كما قلنا سابقا. إضافة إلى التفطن لمعاني الألفاظ ودلالاتها وعلاقاتها بعضها ببعض داخل سياق الحديث الشريف، كل هذا يأخذ بيد الباحث في الحديث الشريف للوقوف على مراده صلى الله عليه وسلم ومقصده.
    وقد يكون الحديث النبوي الشريف أحيانا يدور حول لفظة محورية، يكون فهمها هو محور فهم الحديث الشريف، فآنئذ لابد من النظر في كافة أوجه العبارة ومعانيها التي استعملتها فيها العرب في كلامها، لحمل تعبير رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، قصد الوقوف على المعنى الحقيقي من الحديث، قال الشاطبي رحمه الله مرة أخرى: «فلو كان فهم اللفظ الإفرادي يتوقف عليه فهم التركيبي، لم يكن تكلفا بل هو مضطر إليه، كما روي عن عمر رضي الله عنه، نفسه في قوله تعالى {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ }، فإنه سئل عنه على المنبر، فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا: التنقص»([59]).
    وبناء على هذا، فإن التمرس والخبرة بأساليب اللغة العربية، وفقه دلالات الألفاظ منفردة ومركبة، أمر ضروري لفقه أحكام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد بسط المشتغلون المعاصرون بالحديث النبوي الشريف آراءهم في هذا الشأن، فأكدوا على هذا، كما فعل القدامى، وحسبنا من ذلك، ما أكد عليه عبد الوهاب خلاف حين قال: «ونصوص القرآن والسنة باللغة العربية، وفهم الأحكام منها إنما يكون فهما صحيحا إذا روعي فيه مقتضي الأساليب في اللغة العربية وطرق الدلالة فيها، وما تدل عليه ألفاظها مفردة ومركبة، ولهذا عني علماء أصول الفقه الإسلامي باستقراء الأساليب العربية وعباراتها ومفرداتها، واستمدوا من هذا الاستقراء ومما قرره علماء اللغة من قواعد وضوابط، يتوصل بمراعاتها إلى فهم الأحكام من النصوص الشرعية فهما صحيحا، يطابق ما يفهمه العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، ويتوصل أيضا إلى إيضاح ما فيه من خفاء من النصوص، ورفع ما قد يظهر بينها من تعارض، وتأويل ما دل دليل على تأويله، وغير هذا مما يتعلق باستفادة الحكام من نصوصها»([60]).
    فمن خلال هذا الاستقراء الشامل للأساليب العربية ودلالات الألفاظ في اللغة العربية أثناء النظر في الحديث الشريف، يتوصل إلى استنباط الأحكام الشرعية استنباطا صحيحا، لأن الفهم أو بالأحرى الفقه، يكون صحيحا بتوفر شروط صحته المبنية على استقراء عام، أو فقه عام في لغة العرب وأساليبها ودلالات ألفاظها، لأنه «لابد لتفسير النص الشرعي في الكتاب والسنة، عند استنباط الحكم الشرعي، من إدراك سليم لدلالات الألفاظ على المعاني المرادة من الكلام»([61]).
    وهنا لابد من الإشارة إلى أمر هام أشار إليه ابن القيم رحمه الله في حديثه عما نحن بصدده، وهو أن الناظر في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي له أن يكون دقيقا في التعامل مع اللفظ والمعنى معا، ويوفي كلا منهما حقه الذي يستحقه، فقال: «والمقصود أن الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني، أن لا يتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يقصر بها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه»([62]).
    ولا أكاد أشك في أن ابن القيم رحمه الله، قد أراد أن يرتفع بعلم أصول الفقه عن المعارك التي وقعت بين البلاغيين واللغويين العرب حول اللفظ والمعنى، فناصر بعضهم اللفظ وتعصبوا له، بينما ناصر آخرون المعنى وتعصبوا له، فأراد أن ينأى بالفقهاء عن هذا الصراع، لأن الأمر يتعلق بكلام الله جل وعلا، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب أن يكون الأمر في نصابه، وفي المقام الذي ينبغي أن يكون فيه، فقال رحمه الله معلقًا على كلام لعلي رضي الله عنه حين سئل: «هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ فقال: «لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه»، ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه، فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد»([63]).
    وهذا القول الرائق، هو عين الفقه وجوهره في تسخير فقه اللغة العربية، لفقه الشريعة، حيث ينبغي أن يكون العدل بين اللفظ والمعنى، في التعامل مع كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    بعد هذا القسم من هذا البحث المتواضع، أنتقل إلى رصد بعض مجالات تطبيق ما سلف ذكره على الحديث النبوي الشريف من خلال الأبواب التي دأب عليها علماء أصول الفقه الإسلامي في الاستدلال على الأحكام الشرعية وتأصيلها، حيث يظهر بأن ذلك المخزون اللغوي العربي، إضافة إلى الأساليب العربية التي دأب عليها العرب شعرا ونثرًا، هي العمدة في ذلك كله، مما يحتم على الأصولي إتقانه إلى أبعد الحدود، مخافة مجانبة الصواب، قال الشيخ العربي اللوه: «ولقد تقرر عند علماء الأصول أن الأحكام الشرعية مستمدة من الأدلة النقلية: الكتاب والسنة وأقوال أهل الحل والعقد ممن يعتد بأقوالهم من الأئمة المجتهدين؛ والعلم بالأحكام الشرعية التي دلت عليها الأدلة النقلية، يتوقف على معرفة ما وضعت له في اللسان العربي من المعاني، لأن القرآن أنزل باللسان العربي، والنبي المرسل عربي، وكذا الأئمة المجتهدون، وهذا ما دعا الأصوليين إلى الكلام على الوضع وتقسيم اللفظ إلى الاسم والفعل والحرف، وجعلهم يبحثون أيضًا عن معاني الأمر والنهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والحقيقة والمجاز والحذف والإضمار والمنطوق والمفهوم والاشتراك والترادف، إلى غير ذلك مما لا يعرف إلا من طريق العلوم العربية، ثم بعد تتبعهم للكتاب والسنة وأساليب العرب في شعرهم ونثرهم وخطبهم وحديثهم، واستقراء ما دون منها، قرروا قواعد عامة، هي أصول الفقه، بعد أن أقاموا عليها الحجج والبراهين، تلك هي القوانين الكلية التي استمدوها من مدلولات الألفاظ اللغوية لتعرض عليها الأدلة الجزئية التفصيلية لتصحيحها»([64]).
    وهذا يعني بوضوح، بأن كل مباحث اللغة العربية بالنسبة للأصولي، هي بمثابة معدات الطبيب الجراح الذي يشرح بها وعلى ضوئها النص النقلي، سواء كان من القرآن أو من الحديث الشريف، قبل أن يستنبط ما ينبغي استنباطه، ويصل إلى النتيجة التي هي بغيته وغنيته.
    لذلك، فإن الناظر في النماذج التطبيقية الآتية، سيجد بأن الفقهاء يركزون تركيزا أساسيا على مباحث اللغة العربية، وبخاصة علم النحو وعلمي البيان والمعاني، إضافة إلى الدلالة المعجمية للفظة المعينة، ومنها ينطلقون للاستدلال على الأحكام المستخلصة، مما ينم عن وعي دقيق بأسرار اللغة، وبأساليب العرب في التعبير عن المقاصد والإرادات([65]).

    1- الاشتراك:
    يعرف الاشتراك بأنه هو «ما وضع في اللغة لمعنيين أو معان مختلفة الحقائق على سبيل التبادل»([66])، ويعرفه البلاغيون تعريفا مشابها لتعريف الأصوليين، حيث يقول مثلا أبو هلال العسكري: «ومشتركات الألفاظ. .. أن يريد الإبانة عن معنى، فيأتي بألفاظ لا تدل عليه خاصة، بل تشترك معه معانٍ أخر فلا يعرف السامع أيها أراد، وربما استبهم الكلام في نوع من هذا الجنس، حتى لا يوقف على معناه إلا بالتوهم»([67]). وقد نال هذا الاشتراك حظا وافرا من اهتمام البلاغيين والفقهاء على السواء، والسبب في ذلك، كما الباقلاني «بأن لا نجد في القدر الذي نعرفه من الألسنة للشيء الواحد من الأسماء، ما نعرف من اللغة العربية، وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية»([68]).
    وينقسم الاشتراك من حيث الوضع إلى قسمين:
    أ- المشترك اللفظي: وهو ما وضع في اللغة لمعنيين أو معان مختلفة الحقائق على سبيل التبادل.
    ب- المشترك المعنوي: وهو لفظ وضع وضعا واحدا لقدر مشترك بين عدة معان، لكل منها ماهية خاصة([69]).
    أما أقسامه من حيث أنواع الكلام، فإنه عادة ما ينقسم إلى قسمين كبيرين، هما:
    أ- اشتراك في اللفظة الواحدة، ويكون في الاسم أو في الفعل أو في الحرف، على ما جرى عليه الأمر في اللغة العربية.
    ب- اشتراك في التركيب أو السياق، سواء كان اشتراكا ناتجا عن الأحوال التي تعرض للفظة المفردة من إعراب وتصريف، أو كان اشتراكا عارضا من قبل الكلام وتركيبه، أو كان اشتراكا من قبل مقارنة الكلام بغيره.
    وأما أقسامه من حيث معانيه، فإنه أيضا ينقسم إلى قسمين كبيرين، هما:
    أ- اشتراك يجمع معاني مختلفة متضادة، كالمعاني التي تدل على متناقضين في إطلاق لفظة واحدة، فالجون مثلا، يطلق على الأبيض والأسود معا.
    ب- اشتراك معاني مختلفة غير متضادة، كلفظة «العين» التي يحمل معناها على أنحاء مختلفة، كما هو معروف في أسلوب "الجناس التام"، من علم البديع.
    وفي هذين النوعين كليهما لابد من فقه السياق وفهمه، حتى يتبين المقصود من هذه العبارة أو تلك، وحتى تفهم مقاصد النص حق الفهم.
    أمثلة المشترك بين معان متضادة:

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى»([70])، والشاهد في الفعل «عفا»، ذلك أن مدلوله في لغة العرب يحتمل معنيين متضادين، أولهما «عفا النبت والشعر وغيره، يعفو فهو عافٍ :كثر وطال»، وثانيهما: «عفا المنزل يعفو وعفت الدار ونحوها عفاء وعفوًا وعفت وتعفت تعفيا: درست. .. والعفاء: الدروس والهلاك وذهاب الأثر»([71]).
    وقد ترتب عن هذا التضاد اللغوي اختلاف الفقهاء في معنى الحديث الشريف على فريقين:

    أ- ذهب بعضهم إلى أن معناه قصروا وانقصوا.
    ب- وذهب الجمهور إلى أن معناه وفروا وكثروا([72]).
    وقد قال ابن حجر العسقلاني موجزا هذا الاختلاف: «وقال ابن دقيق العيد: تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبب، لأن حقيقة الإعفاء: الترك، وترك التعرض للحية، يستلزم تكثيرها، وأغرب ابن السيد فقال: حمل بعضهم قوله «وأعفوا اللحى» على الأخذ منها بإصلاح ما شذ منها طولا وعرضا، واستشهد بقول زهير «على آثار من ذهب العفاء» وذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وفروا أو كثروا، وهو الصواب، قال ابن دقيق العيد : لا أعلم أحدا فهم من الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم «وأعفوا اللحى» تجويز معالجتها بما يغزرها كما يفعله بعض الناس، قال: وكان الصارف عن ذلك قرينة السياق في قوله صلى الله عليه وسلم في بقية الخبر «واحفوا الشوارب» انتهى، ويمكن أن يؤخذ من بقية طرق ألفاظ الحديث على مجرد الترك، والله أعلم»([73]).
    والظاهر من هذا الحديث الشريف، وتنوع ألفاظه، أن الأسلوب النبوي الشريف فيه يتناسق مع الأسلوب القرآني الكريم، فعلى كثرة ورود مشتقات المصدر «العفو»، إلا أنه ليس في القرآن الكريم ما يفيد ما ذهب إليه بعضهم من أن معنى الحديث الشريف، هو الدروس والزوال، ثم إنه صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يستعمل هذا الأسلوب الذي يفيد المغايرة والانتقال من حال إلى حال تضادها كلا أو جزءا، لذلك تكثر المقابلة والطباق في كثير من الأحاديث الشريفة، من ذلك مثلا، قوله صلى الله عليه وسلم «أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»([74])، أو قوله صلى الله عليه وسلم «صم يوما وأفطر يوما»([75])، وهذا كثير جدا في الحديث النبوي الشريف، وأسلوب هذا الحديث الشريف في إعفاء اللحى من سنخها.
    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة كافة، لا يعدل عن الأسلوب المشهور المتداول إلى غيره إلا لضرورة؛ وليس من هديه صلى الله عليه وسلم التعبير بالمبهم عما هو واضح في حياة الناس، ودأب عليه المسلمون من خير القرون إلى قريب من زماننا هذا.
    ثم إن الاستعمال العربي للفعل «عفا» في الأغلب الأعم، هو الترك والإبقاء والإكثار، كما هو واضح جدا في القواميس العربية.
    2- مثال المشترك بين معان مختلفة غير متضادة:

    وحسبنا من هذا النوع من المشترك قوله صلى الله عليه وسلم في رؤية هلال شهر رمضان، فيما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له»([76]).
    والشاهد في هذا الحديث الشريف، هو: «فاقدروا له»، حيث اختلف الفقهاء في معنى هذه الجملة، على اعتبار أنها تحتمل معنيين:
    أ- الأول هو معنى التضييق، من «قدر عليه الشيء يقدره ويقدره قدرا وقدرا وقدرة: ضيقه».

    ب- الثاني هو بمعنى التدبير من: «قدر القوم أمرهم يقدرونه قدرا: دبروه، وقدرت عليه الثوب قدرا

    فانقدر، أي جاء على المقدار»([77]).
    وتبعا لهذين الاحتمالين اللذين يحيل عليهما المعنى المستفاد من دلالة هذه الجملة النبوية، فقد «اختلف العلماء في تحديد يوم الشك الذي لا يجوز صومه، فإذا انقضى من شعبان تسعة وعشرون يوما، وجب على المسلمين التماس هلال رمضان، إن رأوه صاموا بالإجماع ؛ وإن لم يروه، فإن كانت السماء مصحية ليس فيها غيم أو قترٌ لم يجز صومه عن رمضان بالإجماع أيضا، لعدم رؤية الهلال، وهو من شعبان عند الجمهور لعدم رؤية الهلال مع صفاء السماء، وهو يوم الشك عند الحنبلية لاحتمال أنه ظهر ولم يره الناس، إذ الأصل أن يكون الشهر القمري تسعة وعشرين يوما، وإذا كانت السماء غير مصحية فقد اختلفوا:
    أ- ذهب أحمد في الرواية المشهورة التي اختارها الحنبلية، إلى أنه من رمضان، وقد حال دون الهلال غيم أو قتر فيجب صومه»([78]).
    ب- وذهب «الجمهور. ومنهم أحمد في رواية ثانية. إلى أنه إن لم ير الهلال بعد تسع وعشرين يوما من شعبان، فاليوم التالي يعد الثلاثين سواء كانت السماء مصحية أو غير مصحية»([79])، وعليه فإنهم قالوا بأن «المراد بقوله صلى الله عليه وسلم «فاقدروا له» أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين، ويرجع هذا التأويل، الروايات المصرحة بالمراد, وهي ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم «فأكملوا العدة ثلاثين»، ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث، وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة في هذه الزيادة، فرواها البخاري كما ترى بلفظ «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» وهذا أصرح ما ورد في ذلك»([80]).
    ولا شك في أن حجة ابن حجر قوية جدا، خاصة وأنه قد استشهد بحديث شريف آخر، يصب في حمل الجملة «فاقدروا له» على التدبير والتخمين، وليس على التضييق، ثم إن الجمع بين الأحاديث النبوية الشريفة، والمقارنة بين أساليبها يساعد كثيرا على ضبط دلالة السياق فيها، فقد ورد حديث آخر في صحيح مسلم بالصيغة ذاتها، وهو حديث طويل، لكن الشاهد فيه هو: «قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم، قال: لا، أقدروا له قدره»([81])؛ فقال التونجي: «اقدروا له قدره، قدروا زمانه وعدده، يعني زمان ما بين الصلاتين، يقال: قدرت لأمر كذا، أقدر له وأقدر: نظرت فيه ودبرته وقايسته»([82]).
    وعليه، فإن الجمع بين الأحاديث النبوية الشريفة، والتدبر في سياقاتها المختلفة، إضافة إلى المقارنة بين أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم فيها، يساعد كثيرا على تجاوز ما قد يثيره المشترك من الألفاظ من إبهام، نتج عنه اختلاف الفقهاء في التفسير وتوضيح المقاصد منها.

    3- الحقيقة والمجاز:
    الحقيقة والمجاز هما قطب اللغة العربية وروحها، وعلى أساسهما تأسست البلاغة العربية، كما أن البحث فيهما كان السبب المباشر في التعمق في الأساليب العربية المختلفة، كما هي واردة سواء في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي، أو في القرآن الكريم، أو في الحديث النبوي الشريف.
    والحقيقة عادة ما تعرف في الإصلاح العربي، بأنها اللفظ المستعمل فيما وضع له أصلا في اللغة أو في الشرع أو في العرف أو في الإصلاح([83])؛ وأما المجاز، فإنه يعرف في الاصطلاح بأنه اللفظ المستعمل في التعبير اللغوي عن غير ما وضع له أصلا لعلاقة ما، بين المعنيين المعبر عنهما، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي([84])، وعليه فإن «كل لفظ وضعه واضع اللغة بإزاء شيء ويدل عليه من غير وساطة، فهو حقيقة له، فإذا استعمل في غيره لمناسبة ما، كان مجازًا لا حقيقة»([85]).
    والحقيقة أنواع، هي: الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية والحقيقة الاصطلاحية والحقيقة الشرعية([86])، وأما المجاز فإنه ينقسم كذلك إلى أقسام، هي: المجاز اللغوي والمجاز الشرعي والمجاز العرفي الخاص والمجاز العرفي العام([87])، وأما عند البلاغين فإنه ينقسم من حيث علاقة المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي إلى قسمين كبيرين، هما:
    أ- الاستعارة بكل أنواعها، وهي مبنية على علاقة هي المشابهة.
    ب- المجاز المرسل بأنواعه أيضا، ويكون مبنيا على علاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، وله علاقات مختلفة ومتنوعة.
    ومعلوم أن هناك اختلافًا بين الفقهاء في وقوع المجاز في القرآن الكريم والحديث الشريف، والجمهور يرى بأن «المجاز وقع في الأصح في اللغة وفي القرآن الكريم والحديث الشريف»([88])، حتى إن ابن رشيق قال بأن «العرب كثيرا ما تستعمل المجاز، وتعده من مفاخر كلامها، فإنه دليل الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات»([89]).
    وبالتالي، فإن وقوع المجاز في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يكون إما في اللفظة الواحدة، وإما في السياق أو التركيب، كما يظهر من خلال ما يلي:
    أ- المجاز الواقع في اللفظة الواحدة: وحسبنا من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر، يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»([90])؛ وقد اعتمد الفقهاء في تفسير معنى هذا الحديث الشريف على ما درج عليه العرب في الاستعمال اللغوي لمثل هذه التعابير، لذلك قال البطليوسي: «ولهذا الحديث تأويلان صحيحان لا يقتضيان التشبيه:
    أحدهما: أشار إليه مالك رحمه الله، وقد سئل عن هذا الحديث فقال: «ينزل أمره كل سحر، فأما هو عز وجل فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلا هو»، وسئل عنه الأوزاعي فقال: «يفعل الله ما يشاء»، وحقيقة الذي ذهبا إليه رحمهما الله، أن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به، كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه، فيقولون: كتب الأمير لفلان كتابا، وقطع الأمير يد اللص، وضرب السلطان فلانا، ولم يباشر شيئا من ذلك بنفسه، إنما أمر بذلك، ولأجل هذا أحتيج إلى التأكيد الموضوع في الكلام، فقيل: جاء زيد نفسه، ورأيت زيدا نفسه، فمعناه على هذا. أن الله تعالى يأمر ملكا بالنزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره. .. فهذا تأويل. كما تراه: صحيح جارٍ على فصيح كلام العرب في محاوراتها، والمتعارف من أساليبها ومخاطباتها»([91]).
    وقد أحسن ابن حجر حين علق. وهو يتحدث عن هذا الحديث الشريف. على كلام لأبي إسماعيل الهروي حيث قال عنه: «وقد أجاد هو في قوله في آخر كتابه (الفاروق)، فأشار إلى ما ورد من الصفات، وكلها من التقريب لا من التمثيل، وفي مذاهب العرب سعة، يقولون: أمر بين كالشمس وجواد كالريح وحق كالنهار، ولا تريد تحقيق الاشتباه، وإنما تريد تحقيق الإثبات والتقريب على الأفهام، فقد علم من عقل أن الماء أبعد الأشياء شبهًا بالصخر، والله يقول (فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ)، فأراد العظم والعلو لا الشبه في الحقيقة، والعرب تشبه الصورة بالشمس والقمر، واللفظ بالسحر، والمواعيد الكاذبة بالرياح، ولا تعد شيئا من ذلك كذبا ولا توجب حقيقة، وبالله التوفيق»([92]).
    ب- المجاز العارض من طريق التركيب/ السياق: ومثاله ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني فريظة »، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلى حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعنف واحدًا منهم»([93]).
    فكلام «النبي صلى الله عليه وسلم سمعه العرب الفصحاء منه واختلفوا في فهمه:
    أ- صلى بعضهم في الطريق على الوقت المحدد سابقًا، وقالوا: لم يرد الرسول صلى الله عليه وسلم أن تدعوا الصلاة، أي إنما اراد التعجيل بهذا الكلام، لا تغيير وقت تلك الصلاة، وبمعنى آخر، إن النص ليس على ظاهره وحقيقة ألفاظه، بل هو مجاز يراد منه السرعة.
    ب- وأخرها بعض آخر إلى أن وصلوا، فصلوها بعد الوقت المحدد المتعارف عليه سابقًا، تمسكا بظاهر اللفظ في النص الجديد»([94]).
    ج- مثال تعارض الحقيقة والمجاز: فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»([95])؛ والشاهد في هذا الحديث الشريف هو قوله صلى الله عليه وسلم «البيعان» و« ما لم يتفرقا»، إذ من المعلوم لدي أهل اللغة أن فعلي «شري» و«باع» من الألفاظ المشتركة، كما أنها من الأضداد، ففي اللسان: «شاراه من الشراء والبيع جميعا، وشريت بعت، وشريت أي اشتريت، قال الله عز وجل (ولَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ)، قال الفراء: بئسما باعوا به أنفسهم، وللعرب في شروا واشتروا مذهبان: فالأكثر منهما أن يكون شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما بمعنى باعوا، شريت الشيء أشريه شراء إذا بعته وإذا اشتريته أيضًا، وهو من الاضداد»([96])، وقال أيضا: «البيع ضد الشراء، والبيع: الشراء أيضا، وهو من الأضداد»([97]).
    وتبعا لهذا التضاد الوارد في اللفظين، اختلف الفقهاء في المراد بهذا الحديث الشريف؛ فأما الأحناف والمالكية ومعهم الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة، فقد قالوا بأن «البيعان» هنا، هما المتساومان، لأنهما ما زال بصدد البيع والمساومة، والعرب تطلق الشيء على ما يقاربه، كما أن المراد بـ «ما لم يتفرقا»، أي افتراقهما بالقول، أي الفراغ من إبرام العقد؛ وعليه، فمعنى الحديث عندهم، هو أن البيعان أو المتبايعان «بالخيار ما داما في المساومة وتقرير الثمن قبل تمام العقد، لأنهما قبل تمام العقد لا يسميان متبايعين حقيقة، وإنما يقال: كان متبايعين، فإذا أمضيا العقد فقد افترقا ولزم البيع، فالحديث في اجتهادهم لا يدل على خيار المجلس»([98])، وبالتالي فإن «خيار المجلس مقصور عند هؤلاء على ما قبل تمام العقد، فإذا أوجب أحد المتعاقدين، فالآخر بالخيار إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رد، وهذا هو خيار القبول وخيار الرجوع»([99]).
    وأما الحنابلة والشافعية، ومعهم سفيان الثوري وإسحاق، فقد ذهبوا إلى «إلى أن المراد بالمتبايعين: البائع والمشتري حقيقة، لأنه اسم مشتق من البيع، فما لم يوجد البيع لم يجز الاشتقاق منه، وما داما في المقاولة، يسميان متساومين لا متبايعين»([100])، كما أن الجملة «ما لم يتفرقا»، المراد منها «التفرق بالأبدان»، والرجوع بالتفرق إلى العادة، فما عده الناس تفرقًا، فهو تفرق، وما لا فلا، لأن التفرق ورد مطلقًا، فوجب أن يحمل على التفرق المعهود، ومعنى الحديث: أن البائع والمشتري بعد إبرام العقد بالخيار في فسخ العقد ما دام في المجلس»([101])، كما أن من الحجج التي اعتمد عليها هؤلاء، هو أن «إطلاق المتبايعين على المتساومين مجاز، وإطلاق التفرق على التفرق بالأقوال مجاز أيضًا، والأصل في الكلام الحقيقةُ، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذرت، ولم تتعذر هنا»([102]).
    وخلاصة الأمر في هذا الحديث الشريف، وما فهمه الفريقان، هو أن الفرق الأول، حمل الشاهدين المشار إليهما على المجاز، بينما حملهما الفرق الثاني على الحقيقة، وعزز رأيه بالاحتكام إلى العرف اللغوي، فخلص إلى أن حمل الشاهدين على المجاز لا مسوغ له، ما دام وجه الحقيقة وهو الأقوى، كما أنه الأصل، ولا يعدل عنه إلى سواه إلا لضرورة، وهي هنا منتفية كما هو ظاهر؛ وعليه فإن حمل هذا الحديث الشريف على المجاز يعارض حمله على الحقيقة، لذلك كان الفهم بين الفريقين متباينًا، ولعل هذا ما جعل ابن حجر يورد، وبإسهاب، آراء مختلفة في تفسير هذا الحديث الشريف، حيث نلاحظ هيمنة الشق اللغوي والبلاغي على أقوال الفقهاء([103]).

    4- الوضوح والإبهام في دلالة الحديث النبوي الشريف:

    أ- دلالة المنطوق:

    تعرف دلالة المنطوق بأنها «دلالة اللفظ على حكم ذكر في الكلام ونطق به مطابقة أو تضمينا أو التزاما»([104])، وينقسم من حيث الصراحة إلى قسمين كبيرين، هما:
    منطوق صريح ومنطوق غير صريح.
    وينقسم المنطوق غير الصريح من حيث كونه مقصودًا للمتكلم من اللفظ بالذات أو لا، إلى ثلاثة أقسام، قسمان فيما إذا كان المتكلم مقصودًا للمتكلم، وهما:
    دلالة اقتضاء:

    وتعرف بأنها «دلالة اللفظ على معنى خارج يتوقف على تقديره صدق الكلام أو صحته شرعا وعقلا»([105])، ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»([106])؛ فالشاهد في هذا الحديث هو الفعل «وضع» وفي رواية «رفع»، فإن «الخطأ والنسيان لم يرفعا، بدليل وقوع الأمة في كل منهما، وكذلك رفع العمل بعد وقوعه محال، مع أن ظاهر النص يفيد أن الخطأ والنسيان وما استكرهت عليه الأمة موضوع عنها، وعلى هذا، فلا بد لصدق هذا الكلام. وهو واقع من الرسول المعصوم عليه السلام. من تقدير محذوفٍ، بأن تقول «وضع إثم الخطأ. .. أو حكمه»، وبهذا التقدير يتفق الكلام مع الواقع ولا يخالفه»([107]).
    بذلك، فإن سياق الحديث الشريف يقتضي تقدير المحذوف بما يناسب المقام، حتى يرفع اللبس عن المقصود فيتضح جليا، كما تتضح المجالات والحدود التي ينبغي أن يستشهد فيها بهذا الحديث الشريف([108]).
    دلالة الإيماء:

    وتعرف بأنها «دلالة اللفظ على لازم مقصودٍ للمتكلم، لا يتوقف عليه صدق الكلام، ولا صحته عقلا أو شرعا، لكنه مقترن بوصف، لو لم يكن علة لكان بعيدًا»([109])، ومثاله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»([110])، فالشاهد في الفعل «أحي» وحرف «الفاء»، لأن «الحكم هو الإحياء، حيث رتب الملكية على إحياء الأرض بحرف الفاء»([111])، لذلك فإن «ما رتب عليه الحكم (بالفاء) يكون علة للحكم، لكون (الفاء) في اللغة ظاهرة في التعقيب، ويلزم من إفادتها التعقيب السببية، لأنه لا معنى لكون الوصف سببًا إلا أن يثبت الحكم عقيبه، وإن كان ذلك على سبيل الظاهر لا على سبيل القطع»([112]).
    دلالة الإشارة:

    وتعرف هذه الدلالة بأنها «دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للمتكلم، لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته، أي يؤخذ من إشارة اللفظ لا من اللفظ نفسه»([113])، ويستشهد لهذا النوع من الدلالة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»([114]).
    وقد اختلف الفقهاء في الإشارة التي يشير إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، من حيث الوجوب أو الندب أو الاستحباب، فقد أخذ بعموم الحديث الإمام «الشافعي والجمهور، فاستحبوه عقب كل نوم، وخصه أحمد بنوم الليل. .. فاستحبابه بعد النوم أولى، ويكون تركه لبيان الجواز»([115]).
    ب- دلالة المفهوم:

    وتعرف هذه الدلالة بأنها «دلالة اللفظ على حكم لم يذكر في الكلام ولم ينطق به، أي فهم غير المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصود الكلام»([116])، وهي نوعان كبيران، هما:
    مفهوم الموافقة: وهو «أن يكون المسكوت عنه موافقا في الحكم للمنطوق»([117]).
    مفهوم المخالفة: وهو «أن يكون المسكوت عنه مخالفا في الحكم للمنطوق»([118]).
    وسأقتصر للتمثيل من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم على مفهوم المخالفة، بقوله صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع»([119])، فقد قال ابن حجر في هذا الحديث الشريف: «الذي يشعر به حديث الباب، التوقف عن الطلب، لأن المطل يشعر به، ويدخل في المطل كل من لزمه حقٌّ كالزوج لزوجته والسيد لعبده، والحاكم لرعيته، وبالعكس، واستدل به على أن العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم، وهو بطريق المفهوم، لأن تعليق الحكم بصفة من صفات الذات، يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة، ومن لم يقل بالمفهوم، أجاب بأن العاجز لا يسمى ماطلا، وعلى الغني الذي ماله غائب عنه لا يدخل في الظلم»([120]).
    ولهذا المفهوم. مفهوم المخالفة. أنواع، هي:

    أ- مفهم الصفة:
    ويعرف بأنه «دلالة اللفظ المقيد على نقيض الحكم الثابت للموصوف عند انتفاء ذلك الوصف»([121])، وعليه، فهو «تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف وجودا عدما، لأن يثبت الحكم في المنطوق المقيد بوصفٍ بما جاء به اللفظ، وينفيه إذا تخلف الوصف»([122])، وهذا هو عينه الذي يشير إليه ابن حجر في كلامه السابق عن الحديث الشريف المستشهد به.
    ومن الأمثلة التي يستشهد بها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا النوع إضافة إلى الحديث الشريف السابق. قوله صلى الله عليه وسلم من حديث طويل: «في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة، شاة»([123])؛ فإن هذا الحديث الشريف «يدل في منطوقه على وجوب الزكاة في الغنم السائمة، ويدل بمفهومه المخالف على أن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها، وذلك لانتفاء وصف السوم الذي قيد به وجوب الزكاة في المنطوق»([124]).
    ب- مفهوم الشرط:

    ويعرف بأنه «دلالة اللفظ المفيد لحكم معلق بشرط على انتفاء ذلك عند عدم الشرط، فهو ثبوت نقيض الحكم المقيد بشرط عند عدم تحققه، لأن الحكم المقترن بشرط يوجب العدم عند عدم الشرط»([125])، ومثاله من الحديث النبوي الشريف، ما رواه مسلم من أن «يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»([126])؛ فقد دل فيهم عمر رضي الله عنه «على أن تعليق الحكم على شرط، يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، ولولا أن الأمر كذلك، لما تبادر إلى عمر ويعلى رضي الله عنهما هذا الفهم، ولما تعجب من جواز قصر الصلاة حالة الأمن، ولما أقر الرسول صلى الله عليه وسلم فهم عمر وتعجبه، وجعل القصر جاريا مجرى الرخصة، وكان يمكن أن يبين لعمر أن الآية ليست كما فهم، ولا داعي للتعجب»([127]).
    ج- مفهوم الغاية:

    ويعرف بأنه «دلالة اللفظ الذي قيد فيه الحكم بغاية على نقيض ذلك الحكم لما بعده»([128])، وعليه فإذا كان «في النص لفظ (إلى) أو (حتى) الدالة على الغاية، فإنه يدل مفهوم المخالفة على ثبوت حكمٍ مخالفٍ للحكم المنطوق به، فيما عدا تلك الغاية»([129])؛ ومثال ذلك ما رواه الإمام الترمذي من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل»([130]).
    فهذا الحديث الشريف واضح في أنه يفيد بمنطوقه «أن التكليف مرفوع عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ من نومه، وعن المبتلي بداء الجنون حتى يفيق من جنونه ويعقل، وعن الصبي وإن ميز حتى يبلغ، وأفاد بمفهوم المخالف عدم رفع القلم ووقوع التكليف بعد اليقظة وبعد الإفاقة وبعد البلوغ»([131]).

    د- مفهوم العدد:
    ويعرف بأنه «دلالة اللفظ الذي قيد فيه الحكم بعدد على نقيض ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد، فإذا ورد النص مقيدا بعدد معين، فهو في الحقيقة تعليق للحكم بذلك العدد، ولذلك يدل على انتفاء الحكم عند عدم تحقق هذا العدد زيادة أو نقصانا، وثبوت حكم للمسكوت عنه مخالفٍ لحكم المنطوق لانتفاء ذلك القيد»([132])؛ ومثال ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «لما توفى عبد الله بن أبي، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني الله فقال (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ, إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وسأزيد على السبعين، قال: إنه منافق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله (ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا ولا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)»([133]).
    وقد علق ابن حجر العسقلاني على هذا الحديث، وأجاد، فقال: «وقد تمسك بهذه القصة من جعل مفهوم العدد حجة، وكذا مفهوم الصفة من باب أولى، ووجه الدلالة، أنه صلى الله عليه وسلم، فهم أن ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، قال «سأزيد على السبعين» وأجاب من أنكر القول بالمفهوم، بما وقع في بقية القصة، وليس ذلك بدافع للحجة، لأنه لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين، المبالغة، لكان الاستدلال بالمفهوم باقيا»([134]).
    خاتمة:


    من خلال كل ما سبق. وقد أضربت عن أبوابٍ أخر بنماذجها خشية التطويل. يتبين بأن لفقه اللغة العربية الدور الأكبر فق فقه السنة النبوية الشريفة، فقد استعمل الفقهاء كل طاقاتهم لاستثمار معرفتهم العميقة بأسرار اللغة العربية، وبمعجمها الغني والمتنوع وبأساليبها التي درج العرب على التعبير بها في لغتهم التي أبدعوا بها، من أجل فهم مقاصد الأحاديث النبوية الشريفة ، خاصة وأنهم تقيدوا بما فصلنا فيه القول سابقا، من ضرورة الانطلاق من داخل العرف اللغوي للغة العربية لفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه هو أيضا صلى الله عليه وسلم كان ينطق ويعبر من داخل هذا العرف اللغوي ذاته، فقد رأينا كيف أنهم يحيلون دائما على أن العرب ألفوا التعبير عن كذا بكذا، مما يكون لهم في سلامة النتيجة، بعد صحة القياس.
    ثم إننا وجدنا من خلال هذه النماذج اليسيرة، بأن الفقهاء كانوا يراعون السياق اللغوي الذي وردت فيه هذه العبارة أو تلك، بعد البحث عن كل المدلولات المعجمية لتلك العبارة في اللغة العربية، لعدم استبعادهم أي مدلول قريب من سياق الحديث الشريف.
    كل هذا كان وعيا منهم، رحمهم الله، بأن اللسان الذي نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يفهم من الداخل، حتى يكون الحكم الفقهي نابعا من صلب الحديث الشريف وجوهره، وكما نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يؤكد بأن فقه الحديث الشريف، يستلزم فقه اللغة العربية، بل هو قطبه الذي عليه المدار، عنه يصدر علماء الأصول، وإليه يعودون في التعامل مع السنة النبوية الشريفة.

    المصادر والمراجع


    الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا، طبعة 1408هـ - 1988م.
    أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، عبد الوهاب عبد السلام طويلة، دار السلام للطباعة، بدون تاريخ.
    الاجتهاد والمنطق الفقهي في الإسلام، د. مهدي فضل الله، دار الطليعة، الطبعة الأولى 1987.
    الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم الأندلسي، تحقيق الدكتور محمود حامد عثمان، دار الحديث، القاهرة، طبعة 1426هـ- 2005م.
    أحكام القرآن، أبو بكر ابن العربي، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه، محمد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، دار الفكر، بيروت بدون تاريخ.
    إحياء علوم الدين، الإمام الغزالي، دار الفكر، الطبعة الثانية 1409هـ- 1989م.
    اختلاف الفقهاء، المروزي، تحقيق الدكتور محمد الطاهر الحكيم، دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 2000م.
    أدب الكاتب، ابن قتيبة، تحقيق محمد الفاضلي، دار الجيل، بيروت، طبعة 2001م.
    أسرار البلاغة في علم البيان، عبد القاهر الجرجاني، عناية السيد محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية- الطبعة الأولى 1988.
    أصول الفقه الإسلامي، الدكتور وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق الطبعة الثانية، 1418هـ 1998م.
    أصول الفقه، الشيخ العربي اللوه، مطابع الشويخ، تطوان، المغرب، الطبعة الثانية، 1984م.
    إعجاز القرآن، أبو بكر الباقلاني، شرح وتعليق د. عبد المنعم خفاجي، دار الجيل، الطبع 1، 1991.
    إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم الجوزية، حققه وخرج أحاديثه، عصام فارس الحرستاني وحسان عبد المنان، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ 1998م.
    الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين وآرائهم، ابن السيد البطليوسي، تحقيق الدكتور محمد رضوان الداية. دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة، 1407هـ- 1987م.
    الإيضاح في علل النحو، أبو القاسم الزجاجي، تحقيق الدكتور زكي مبارك، دار النفائس، الطبعة الرابعة، 1402هـ- 1982م.
    بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، تحقيق فريد الجندي، دار الحديث، القاهرة، طبعة 2004م.
    البيان والتبيين- الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون الطبعة الرابعة- دار الفكر بدون تاريخ.
    تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، تحقيق سليم الهلالي، دار ابن القيم، الرياض، الطبعة الأولى 2005م.
    تاريخ الاحتجاج النحوي بالحديث الشريف، الدكتور فخر الدين قباوة، دار الملتقي، حلب، الطبعة الأولى، 1425هـ- 2004م.
    تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، محمد المبارك فوري، دار الكتب العلمية، ط: 1، 1990م.
    تفسير القرآن العظيم، الحافظ ابن كثير مكتبة النور العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1412هـ- 1991م.
    تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، الدكتور محمد أديب صالح، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة 1993.
    التقييد والإيضاح، شرح مقدمة ابن الصلاح، الحافظ زين الدين العراقي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر، طبعة 1401هـ- 1981م.
    تيسير مصطلح الحديث، الدكتور محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة التاسعة، 1996م.
    الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله القرطبي، خرج أحاديثه وضبطه وعلق عليه، الدكتور محمد إبراهيم الحفناوي والدكتور محمود حامد عثمان، دار الحديث. القاهرة، طبعة 1422هـ، 2002م.
    جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم ابن رجب الحنبلي، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى 1408هـ- 1988م.
    الحديث الشريف وتحديات العصر، أعمال الندوة العلمية الثانية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية، بدبي، الإمارات العربية المتحدة، 18-20 صفر 1426-28-30 مارس 2005 الطبعة الأولى: 2005م.
    دراسات في فقه اللغة، د. صبح الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة التاسعة 1981.
    دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلق عليه، محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي ط2، 1989.
    ديوان الأدب، الفارابي، تحقيق د. أحمد مختار عمر ومراجعة إبراهيم أنيس، مؤسسة دار الشعب، القاهرة 1974.
    الرسالة، الإمام الشافعي، تحقيق الدكتور عبد العظيم الهميم والدكتور ماهر ياسين الفحل، دار الكتب العلمية، بيروت، 1426هـ- 2005.
    زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة والعشرون، 1421هـ- 1991م.
    كتاب البديع، عبد الله ابن المعتز، نشر وتعليق كراتشكوفسكي، لندن 1935.
    كتاب الصناعتين، الكتابة والشعر، أبو هلال العسكري، تحقيق علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية- بيروت طبعة 1986.
    لسانا لعرب –ابن منظور- دار صادر 1300هـ.
    مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، طبعة 1416هـ- 1995م.
    المرايا المقعرة، نحو نظرية نقدية عربية، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، أغسطس من العام 2002، برقم 272.
    المدونة الكبرى، الإمام مالك، تحقيق حمدي الدمرداش محمد، المكتبة العصرية، بيروت الطبعة الأولى 1999.
    المزهر في علوم اللغة وأنواعها، عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، دارا لجيل ودار الفكر، تحقيق محمد أحمد جاد المولى، علي محمد البجاوي حمد أبو الفضل إبراهيم بدون تاريخ.
    منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثالثة 1986.
    المعجم المفصل في تفسير غريب الحديث، إعداد الدكتور محمد التونجي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1424هـ- 2003م.
    المغني على مختصر الخرقي، أبو محمد عبد الله ابن قدامة المقدسي، ضبط وتصحيح عبد السلام محمد شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت. الطبعة الأولى 1414هـ- 1994م.
    المقدمة، ابن خلدون، دار القلم، الطبعة الرابعة بيروت 1981.
    الموازنة بين أبي تمام والبحتري، الآمدي تحقيق محي الدين عبد الحميد، المكتبة العلمية بيروت، بدون تاريخ.
    الموافقات في أصول الشريعة، أبو إسحاق الشاطبي، خرج أحاديثه أحمد السيد سيد أحمد علي، مع شرح تعليقات الشيخ أحمد دراز، المكتبة التوفيقية. القاهرة، طبعة 2203.
    مواهب الجليل من أدلة خليل، الشيخ أحمد بن محمد بن مختار الشنقيطي، مراجعة عبد الله إبراهيم الأنصاري، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة، 1426هـ- 2005م.
    الموطأ، الإمام مالك بن أنس، دار إحياء الكتب العربية، طبعة: محمد فؤاد عبد الباقي بدون تاريخ.
    نقد النثر، قدامة بن جعفر، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة 1402هـ- 1982م.
    نقد الشعر، قدامة بن جعفر تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي دار الكتب العلمية، بدون تاريخ.
    صحيح مسلم، دار الجيل، دار الثقافة، بيروت بدون تاريخ.
    العظمة، أبو محمد عبد الله بن حيان الأصفهاني، تحقيق رضاء الله بن محمد بن إدريس المباركفوري، الطبعة الأولى، دار العاصمة. الرياض 1408.
    علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، دار القلم, القاهرة، 1366هـ- 1947.
    علم اللغة العربية، الدكتور محمود فهمي حجازي، وكالة المطبوعات، الكويت، طبعة 1973م.
    العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، دار إحياء التراث العربي، لطبعة الأولى، بيروت 1989.
    العمدة، بن رشيق القيرواني تحقيق محيي الدين عبد الحميد دار الجيل، الطبعة الخامسة 1981.
    عيار الشعر، ابن طباطبا العلوي، تحقيق عباس الساتر، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1982.
    فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني, حقق أصله عبد العزيز بن باز ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى 1410هـ 1989.
    الفصل في الملل والهواء والنحل، ابن حزم، تحقيق أحمد أحمد علي، المكتبة التوفيقية، القاهرة، طبعة 2003م.
    الفقه الإسلامي وأدلته، الدكتور وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة 1989م.
    فقه اللغة وأسرار العربية، شرح الدكتور ياسين الأيوبي المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الثانية 2000م.
    الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن الجزيري، دار الكتب العلمية، طبعة 1986.
    قواعد التحديث، محمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.
    سر الفصاحة، ابن سنان الخفاجي، تحقيق علي فودة، مكتبة الخانجي، الطبعة 2 القاهرة 1994.
    سلسلة الأحاديث الصحيحة ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى (تاريخ الطبع، حسب المجلدات) من 1995 إلى 2002.
    سلسلة الأحاديث الضعيفة ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى (تاريخ الطبع، حسب المجلدات) من 1992 إلى 2004.
    شعب الإيمان، أبو بكر البيهقي، تحقيق محمد سعيد بسيوني، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، 1410.
    الوجيز في أصول الفقه، الدكتور وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1994م.
    الوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي الجرجاني، تحقيق وشرح، محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، منشورات المكتبة العصرية، بيروت بدون تاريخ.

    [1]تفسير القرآن العظيم، 2/504.

    [2]الجامع لأحكام القرآن، 5/307.

    [3]نفسه 5/461، وراجع كلامه في تفسير الآية الكريمة الثانية، 5/473-474.

    [4]الإحكام في أصول الأحكام 1/111، وراجع فصلا جيدا بعنوان "ما روي أن الحديث وحي"، في كتاب "قواعد التحديث"، محمد جمال الدين القاسمي، ص 58-59.

    [5]الموافقات في أصول الشريعة للإمام الشاطبي 4/9-10.

    [6]الرسالة للإمام الشافعي ص 79.

    [7]صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب "أن كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" 6/100، وفيه الحديث بتمامه مع شرح بالهامش، وراجع جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ص3.

    [8]المزهر في علوم اللغة وأنواعها، 1/209.

    [9]شعب الإيمان، أبو بكر البيهقي 2/158، ورواه أيضا أبو محمد ابن حيان الأصفهاني في كتاب العظمة، 4/1442، وأورده القاضي عياض في الشفا 1/106، ولم يعلق عليه بشيء، وأورده السيوطي في المزهر 1/34-35، وأبو علي القالي في الأمالي 1/8، والحديث ضعيف جدًا لأن في سنده موسى بن محمد بن إبراهيم، وهو يروي عن أبيه ما ليس من حديثه، كما أن رواية محمد بن إبراهيم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة لأنه تابعي وليس صحابيا، راجع تاريخ الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف للدكتور فخر الدين قباوة، ص 59.

    [10]نجد في المصادر المذكورة، وسواها كثير من الكتب البلاغة والأدب، غير هذا الحديث، ومنها ما هو من المناكير كحديث "أنا أعربكم، أنا من قريش ولساني لسان بني سعد بن بكر"، أورده الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، 4/185، برقم 1689.

    [11]دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني، ص 404، وراجع الهامش رقم (1) من الصفحة نفسها.

    [12]الشفا 1/95-96، وراجع أيضًا 1/501 من المصدر نفسه، وراجع أيضا كلاما في غاية الجودة لكل من الجاحظ في البيان والتبيين 2/18، ولابن القيم الجوزية في زاد المعاد 1/182.

    [13]كانت الصناعتين، الكتابة والشعر، ص 154-155.

    [14]سر الفصاحة، ص 55.

    [15]دلائل الإعجاز، ص 614.

    [16]تاريخ الاحتجاج النحوي بالحديث الشريف، ص 62.

    [17]منهاج البلغاء، ص 26، وراجع أيضا الصفحة 328-329 من المصدر نفسه.

    [18]سر الفصاحة، ص 72.

    [19]نفسه، ص 100.

    [20]نقد الشعر، ص 203، وقد نقل عنه هذا الكلام المرزباني في الموشح، ص 294.

    [21]نقد النثر، ص 142، وراجع أيضا منهاج البلغاء ص 17.

    [22]راجع على سبيل التمثيل الصفحات التالية من هذه المصادر لمعرفة أهمية هذا العرف العربي في الاستعمال اللغوي: الإيضاح في علل النحو للزجاجي: 48-58-62-99-104-118، الموشح للمرزباني: ص 83-135-140-141، نقد الشعر: 93-94-162-172-199، نقد النثر: 52-58-59-69-70-73-74، الوساطة للآمدي: 99-185-186-209-247-175-355-438-440-442-444-447-453-454-461-462-463-467-470، إعجاز القرآن، للباقلاني: 281-314، دلائل الإعجاز: 272-273، الفروق اللغوي لأبي هلال العسكري: 14-15-16-29-33-64-129-165-166-169-180-194-207-227-239-249-253، العمدة لابن رشيق القيرواني: 1/117- 1/326، منهاج البلغاء: 369-370-385، العقد الفريد لابن عبد ربه: 2/117- 4/326، الأمالي لأبي علي القالي: 1/142، وغير هذا كثير جدا في معاجم اللغة العربية، حيث تترد عبارة "وهذا معهود العربي في كلامهم" أو نحو هذا.

    [23]تأويل مختلف الحديث، 103، وراجع مثلا الصفحات 311 و317، وغيرها، بما فيه من شواهد.

    [24]راجع في هذا فصلا عقده الدكتور محمود فهمي حجازي في "علم اللغة العربية"، ص 299 وما بعدها.

    [25]صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده، 2/623.

    [26]نفسه 2/623.

    [27]سر الفصاحة، ص 78-79.

    [28]الدراسات الحديثية المعاصرة، تحليل وحلول، عنوان البحث الذي تقدم به لندوة الحديث الشريف في دورته الثانية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية، بدبي، تحت شعار "الحديث الشريف وتحديات العصر"، ما بين 18-20 صفر 1426، الطبعة الأولى 1426هـ- 2005م، 1/179.

    [29]كيف نتعامل مع السنة النبوية، معالم وضوابط، ص 180.

    [30]إعلام الموقعين، لابن القيم 1/298.

    [31]نفسه، 1/298.

    [32]تفسيره، 4/605.

    [33]صحيح البخاري، كتاب "حديث الأنبياء"، باب "أم كنتم شهداء ..." 6/511-512.

    [34]صحيح البخاري، كتاب "العلم"، باب "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، 1/217.

    [35]لسان العرب، مادة فقه، حرف الفاء.

    [36]ديوان الأدب، 2/464.

    [37]نفسه، 2/255.

    [38]الإيضاح في علل النحو، ص 89-90.

    [39]الإتقان في علوم القرآن 4/187، وراجع بحثنا "مناهج البحث عند اللغويين في العلوم الشرعية" الذي شاركنا به في ندوة بالكلية المتعددة التخصصات بالناطور، جامعة محمد الأول بوجده، يوم الخميس 22 مارس 2007م.

    [40]دلائل الإعجاز، ص 263.

    [41]الرسالة، ص 84.

    [42]الإحكام في أصول الأحكام 5/730، وراجع الإيضاح في علل النحو ص 95.

    [43]الموافقات، 4/94-95.

    [44]المقدمة، ص 545.

    [45]من هنا كان حرص السلف الصالح على التشبث باللغة العربية تعليما وتعلما، لما علموه من منزلتها من الشريعة الإسلامية، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: «ومعلوم أن تعلم اللغة العربية، وتعليم العربية فرض على الكفاية، وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي، ونصلح الألسنة المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو ترك الناس على لحنهم كان ذلك نقصا وعيبا» الفتاوى 32/252.

    [46]أشرت إلى شيء من هذا من قبل عند الحديث عن "العرف اللغوي" و"التطور اللغوي"، حيث أحلت على ما قال الدكتور حمزة المليباري والشيخ يوسف القرضاوي، وذلك سياق آخر غير الذي أتحدث فيه الآن.

    [47]التقييد والإيضاح، شرح مقدمة ابن الصلاح، ص 228-229.

    [48]منهج النقد في علوم الحديث، ص 231، وراجع قواعد التحديث، ص 173-229، وتيسير مصطلح الحديث، ص 174، وتاريخ الاحتجاج النحوي بالحديث الشريف ص 124-143.

    [49]إحياء علوم الدين، 1/343، ونقل عنه هذا الكلام القرطبي في تفسيره 1/44.

    [50]عيار الشعر، ص 37 وما بعدها، وراجع سر الفصاحة، ص 102-167-273.

    [51]إحياء علوم الدين، 1/49.

    [52]تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، 1/72، وراجع أيضا 1/76 منه.

    [53]المرايا المقعرة، للدكتور عبد العزيز حمودة ص 322.

    [54]المقدمة، ص 453.

    [55]دلائل الإعجاز، ص 539.

    [56]الموافقات، 2/73.

    [57]أسرار البلاغة، ص 5، وراجع الأمثلة التي أوردها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [58]الموافقات 2/73.

    [59]نفسه، 2/73.

    [60]أعلم أصول الفقه، ص 140-141.

    [61]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 343.

    [62]إعلام الموقعين، 1/305.

    [63]إعلام الموقعين، 1/306.

    [64]أصول الفقه، ص 282-283، وراجع أيضا الاجتهاد والمنطق الفقهي في الإسلام، ص 32.

    [65]لابد من الإشارة إلى أن المقام لا يسمح باستقصاء التفاصيل الدقيقة التي أوردها علماء الأصول وهم يتحدثون عن المباحث التي سأوردها، فحسبي من ذلك أمثلة عامة لرصد التطابق الشديد بين المباحث اللغوية والأبواب الفقهية.

    [66]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 95 وأصول الشاشي، ص 36، وأصول الفقه الإسلامي للزحيلي، 1/283، وتفسير النصوص في الفقه الإسلامي، محمد أديب صالح، 2/138، وأصول الفقه للعربي اللوه، ص 291، وعلم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص 177 وراجع مقارنة ممتازة بين الاشتراك لدي اللغويين وعلماء الأصول في "دراسات في فقه اللغة" لصبحي الصالح ص 301.

    [67]كتاب الصناعتين، ص 32، وراجع العمدة لابن رشيق 2/96 ومنهاج البلغاء 185 وراجع التطور الدلالي واللفظي بين لغة الشعر ولغة القرآن، للدكتور عودة أبي عودة، ص 59.

    [68]إعجاز القرآن، ص 79-80، وراجع العمدة 1/274 ومنهاج البلغاء ص 69-369-370.

    [69]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 96.

    [70]رواه البخاري في كتاب الزينة، باب إعفاء اللحى، 10/430، رواه مسلم في كتاب الطهارة 2/153 ومالك في الموطأ في كتاب الشعر 2/947، وألفاظ الحديث متنوعة بين "جزوا وأرخوا واحفوا وأوفوا"، راجع "تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي"، 8/38، وما بعدها.

    [71]لسان العرب، مادة "عفا".

    [72]الإنصاف، لابن السيد البطليوسي، ص 46-47، وأثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 118.

    [73]فتح الباري، 10/430، وراجع ما ذكره ابن القيم الجوزية مفصلًا في زاد المعاد 1/178 وما بعدها.

    [74]صحيح البخاري مع الفتح، كتب النكاح، 9/129.

    [75]نفسه 4/281.

    [76]صحيح البخاري مع الفتح 4/141-142 وصحيح مسلم 2/122 والموطأ 1/286.

    [77]لسان العرب، مادة "قدر".

    [78]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 123، وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على من ينسب هذا الوجوب إلى أحمد رحمه الله فقال: «لكن الثابت عن أحمد لمن عرف نصوصه وألفاظه أنه كان يستحب صيام يوم الغيم إتباعا لعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة، ولم يكن عبد الله بن عمر يوجب صيامه على الناس، بل كان يفعله احتياطا، وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطا ... ومنهم من كان لا يصومه مثل كثير من الصحابة، ومنهم من كان ينهي عنه كعمار بن ياسر وغيره، فأحمد رضي الله عنه، كان يصومه احتياطا، وأما إيجاب صومه، فلا أصل له في كلام أحمد، ولا كلام أحد من أصحابه، لكن كثيرًا من أصحابه اعتقدوا أن مذهبه إيجاب صومه، ونصروا ذلك القول» الفتاوى، 25/99.

    [79]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 125 ؟

    [80]فتح الباري، 4/152، راجع ما قاله الشيخ الشنقيطي في "مواهب الجليل من أدلة خليل" 2/14-15، وهو جيد، ومالك رحمه لله في المدونة الكبرى 1/330، وابن قدامه في المغني 3/64.

    [81]راجع الحديث بتمامه في صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، 8/197، وتحفة الأحوذي، باب "ما جاء في فتنة الدجال"، 6/413.

    [82]المعجم المفصل في تفسير غريب الحديث، ص 283

    [83]الإنصاف، للبطليوسي، ص 71، وأصول ألشاشي، ص 41، ودلائل الإعجاز، ص 262 وص293، وأسرار البلاغة، ص 302، والعمدة لابن رشيق 1/265، وأصول الفقه الإسلامي للزحيلي 1/292، وأصول الفقه، للعربي اللوه، ص 292.

    [84]بالإضافة إلى المصادر والمراجع المذكورة بأجزائها وصفحاتها في الهامش السابق، راجع ما قاله ابن حزم عن المجاز بخاصة في الفصل 1/63، و4/460.

    [85]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 156.

    [86]نفسه، ص 157، وعند وهبة الزحيلي والعربي اللوه نجد اختلافا في تسمية الأقسام، مع أنها تعبر عن مسميات واحدة، راجع أصول الفقه الإسلامي، 1/293، وأصول الفقه، للعربي اللوه، ص 296.

    [87]أصول الفقه الإسلامي 1، الزحيلي/ 293-294.

    [88]نفسه، 1/299 وأثر اللغة، ص158، وأصول الفقه للعربي اللوه، ص 297.

    [89]العمدة 1/265.

    [90]صحيح البخاري مع الفتح، في كتاب التهجد 2/36، وكتاب التوحيد 13/568.

    [91]الإنصاف ، ص 82-83، وراجع قوله عن التأويل الثاني بأن العرب تستعمل النزول على وجهين أحدهما حقيقة والآخر مجاز واستعارة، ص 84؛ وإلى هذا ذهب ابن حجر بقوله «ومنهم من أوله على وجه ويليق، مستعمل في كلام العرب»، الفتح 2/38، والقرطبي في التفسير 2/412.

    [92]فتح الباري، 13/573.

    [93]صحيح البخاري، كتاب المغازي، 7/518.

    [94]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 199، وراجع زاد المعاد 3/131، وفتح الباري 7/521، وراجع أمثلة لأحاديث نبوية شريفة أخرى للمجاز في أسرار البلاغة للجرجاني وقد أجاد تحليلها، ص 51-52.

    [95]صحيح البخاري، كتاب البيوع باب "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" 4/412، وجامع الترمذي، مع تحفة الأحوذي، باب ما جاء في "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" 4/374.

    [96]لسان العرب مادو "شري".

    [97]نفسه مادة "بيع".

    [98]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 204.

    [99]الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، 4/352.

    [100]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 205، والفقه الإسلامي وأدلته 4/353.

    [101]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 205، والفقه الإسلامي وأدلته 4/353.

    [102]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 205.

    [103]فتح الباري، 4/414، وما بعدها.

    [104]تفسير النصوص 1/591 وأثر اللغة 362 وأصول الفقه الإسلامي 1/360 والعربي اللوه 297.

    [105]أصول الشاشي، ص 87، وأثر اللغة، ص 355.

    [106]حديث قال عنه الحاكم "صحيح على شرط الشيخين"، راجع تفسير النصوص في الفقه الإسلامي 1/349، الحاشية رقم 2 وأخرجه ابن كثير في تفسيره، 1/324، وقال: "أغله أحمد وأبو حاتم".

    [107]تفسير النصوص 1/548 و1/564، وأثر اللغة، ص 356.

    [108]راجع ذلك مفصلا جيدا في تفسير النصوص 1/548 و1/565، وأثر اللغة، ص 359.

    [109]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 364.

    [110]حديث صحيح، أورده الألباني في الأحاديث الصحيحة 2/11-112.

    [111]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 365.

    [112]تفسير النصوص، 1/602.

    [113]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 365.

    [114]صحيح البخاري، كتاب الوضوء 1/349، ومسلم 1/160 والموطأ 1/21، وجامع الترمذي مع تحفة الأحوذي 1/89.

    [115]فتح الباري 1/350 وبداية المجتهد ونهاية المقتصد 1/16-17.

    [116]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 371، وأصول الفقه الإسلامي، 1/361.

    [117]أثر اللغة، ص 371، وتفسير النصوص 1/607-608، وأصول الفقه الإسلامي 1/362، وأصول الفقه للعربي اللوه، ص 298.

    [118]أثر اللغة، ص 371، وتفسير النصوص 1/609-610، وأصول الفقه الإسلامي 1/362، وأصول الفقه للعربي اللوه، ص 298.

    [119]صحيح البخاري، كتاب الحوالة 4/588، ومسلم 5/34، والموطأ 2/674.

    [120]فتح الباري، 4/588.

    [121]أثر اللغة، ص 383، وتفسير النصوص 1/610، وأصول الفقه الإسلامي 1/362.

    [122]أثر اللغة، ص 383.

    [123]صحيح البخاري، كتاب الزكاة 3/404-405، والموطأ، كتاب الزكاة 1/260، وجامع الترمذي مع تحفة الأحوذي "باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم" 3/202.

    [124]تفسير النصوص 1/611 وأصول الفقه الإسلامي 1/362، وراجع تفاصيل الفقهاء في نصاب الغنم سواء كانت سائمة أو معلوفة في المغني 2/375 وبداية المجتهد 2/24 والفقه الإسلامي وأدلته 3/844 والفقه على المذاهب الأربعة 1/600-601.

    [125]أثر اللغة، ص 387، وتفسير النصوص 1/613، وأصول الفقه الإسلامي 1/363.

    [126]كتاب صلاة المسافرين وقصرها، 2/143.

    [127]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 388.

    [128]نفسه، ص 390.

    [129]نفسه، ص 390، وتفسير النصوص 1/613-614، وأصول الفقه الإسلامي 1/364.

    [130]جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي، باب "ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد "4/570، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال أيضا: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم 4/572.

    [131]أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص 391.


    [132]أثر اللغة، ص 30، وتفسير النصوص 1/617، وأصول الفقه الإسلامي 1/365.


    [133]صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التعبير 8/425.

    [134]نفسه، 8/428.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •