معرفة





بالعلم والمعرفة تنهض الحضارات، وذلك لأن العلم بمفهومه الشامل والكامل وضوابطه هو مهد الرسالات، ولقد افتتحت الرسالة المحمدية بالعلم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق:1)، فكان ختامها الكمال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (المائدة:3)، وسارت الأمة الإسلامية في ركاب الخيرية وقيادة البشرية عندما فهمت حقيقة الرسالة {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ } (الجمعة:2)، وطبقت هذا المنهج، منهج التزكية القائم على العلم والمعرفة تطبيقا عمليا، فكان اعترافا لها بالنعمة وشكرا لها: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (آل عمران:164).
وقد جعل النبي " صلى الله عليه وسلم" فداء ناس من الأسارى يوم بدر أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، وبذلك شرع الأسرى يعلمون غلمان المدينة القراءة والكتابة، وكل من يعلم عشرة من الغلمان يفدي نفسه. وقبول النبي " صلى الله عليه وسلم" تعليم القراءة والكتابة بدل الفداء في ذلك الوقت الذي كانوا فيه في أشد الحاجة إلى المال، يرينا سمو الإسلام في نظرته إلى العلم والمعرفة، وإزالة الأمية (1).
هذه هي أمة اقرأ التي أولت العلم اهتماما بالغا.. ولكن أمة اقرأ الآن تغتال، ثقافيا وعلميا، عن طريق مارد الجهل. ومن صور اغتيال العلم ووأد المعرفة:
< أن يسند الأمر إلى غير أهله. فقد اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فعندما ينطق الرويبضة، ويسمع لكلامهم، ويصبحون نخبا، ويؤخر أهل العلم والفكر والثقافة، فهذا اغتيال واضح وصريح للعلم والمعرفة، وكل من شارك في هذا الاغتيال هو مجرم في حق نفسه أولا؛ لأنه كلف نفسه ما لا تطيق، ووضعها في مكانها الخطأ. ومجرم في حق وطنه؛ لأن الأوطان لا تبنى إلا بالعلم وبأيدي العلماء. ومجرم في حق دينه؛ لأن كل الأديان التي أنزلها الله قوامها العلم والمعرفة.
< أن يطلب لغير الله ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، ومن فعل ذلك فقد كتب على نفسه الشقاء في الدنيا قبل الآخرة، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي " صلى الله عليه وسلم" قال: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار» (2).
< ومن صور اغتيال العلم أيضا ضياع هيبته واحتقار أهله، فجميع الفنون الآن لها قوانين لابد أن تحترم ويحترم أهلها، بل ويتقدم أهلها الصفوف، في وقت نرى فيه تأخيرا متعمدا لأهل العلم والفضل.
< ومن صور الاغتيال أيضا طلب العلم والفتوى من غير المتفقهين العلماء الربانيين.
< وأكبر اغتيال للعلم والمعرفة أن نرى أسفارا من العلوم يحملها من لا يعقل ولا يعرف مقدار هذه العلوم وقيمتها: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} (الجمعة:5).
فبنو إسرائيل - ومن سار على طريقتهم - حملوا التوراة، وكلفوا أمانة العقيدة والشريعة.. {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} (الجمعة:5).. فحملها يبدأ بالإدراك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع. لكن سيرة بني إسرائيل، كما عرضها القرآن الكريم، وكما هي في حقيقتها، لا تدل على أنهم قدروا هذه الأمانة، ولا أنهم فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها، ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام، وليس له منها إلا ثقلها، فهو ليس صاحبها. وليس شريكا في الغاية منها! (3).
والطامة الكبرى أن يقود هؤلاء الحملة (حملة الأسفار) المشهد، وتكون لهم القيادة والريادة، مما يترتب عليه قلب الموازين وضياع أمانة العلم؛ بغياب الفهم، وقدر الرسالة التي يحملها، وهي ميراث الأنبياء، وعندما نضع هذا الميراث عند الحملة، عند عقول غير ناضجة وواعية، فإن ذلك يعد وأدا للمعرفة وانتحارا للثقافة والفكر، وذلك لأن الرويبضة سيصبحون في زمن اختلاط المفاهيم هم الجهابنة، وتنطلق ألسنتهم وأقلامهم للتحدث في أمور العامة، ويقدم مَنْ رأس ماله الجهل على أصحاب الكفاءات، وهذا ما حذر منه سيد الأولين والآخرين سيد العلماء " صلى الله عليه وسلم" ، عن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم" : «بين يدي الساعة سنون خداعة، يتهم فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة». قالوا: وما الرويبضة؟ قال: «السفيه ينطق في أمر العامة»، وفي رواية: «الفاسق يتكلم في أمر العامة»، وفي رواية الإمام أحمد: «إن بين يدي الدجال سنين خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن»، وذكر باقيه (4).
إن من أعظم الظلم قتل المواهب والإبداعات، وتحطيم الكفاءات، وتقديم العجزة فكريا وثقافيا، وفتح الباب لهم على مصراعيه ليقولوا ما يريدون من دون فهم ووعي.
< ومن صور اغتيال العلم ووأد المعرفة: ضآلة الإنفاق على التعليم، فإن حجم الإنفاق على التعليم في أي دولة يعكس مدى اهتمامها به. ومن أبرز الحقائق التي كشف عنها تقرير منظمة العمل العربية عن الفجوة العلمية والتكنولوجية بين العرب والكيان الصهيوني ما يلي:
- معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي لا يزيد على اثنين في الألف سنويا من الدخل القومي، في حين أنه يبلغ في الكيان الصهيوني 1.8 في المئة.
- نصيب المواطن العربي من الإنفاق على التعليم لا يتجاوز 340 دولارا سنويا، في حين يصل في الكيان الصهيوني إلى 2500 دولار سنويا.
- في حين يأتي الكيان الصهيوني في المرتبة رقم 23 في دليل التنمية البشرية على مستوى العالم، والذي يقيس مستويات الدخل والتعليم والصحة، فإن مصر تحتل المرتبة رقم 199 طبقا لتقرير عام 2002م، وسورية تحتل المرتبة 111، والأردن المرتبة 92، ولبنان المرتبة 82، وهي الدول العربية المحيطة بالكيان الصهيوني، أو دول الطوق. وكشف التقرير أن مصر وحدها فقدت 450 ألف عالم وباحث ومتخصص من أفضل الكفاءات العلمية بهجرتهم إلى الغرب، وأن نسبة العقول العربية تزيد بين العلماء والتكنولوجيين في أميركا وكندا على 2 في المئة (5).


الهوامش


(1) السيرة النبوية، دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة، 6/76، علي الصلابي.
(2) أخرجه الترمذي، وقال الشيخ الألباني: حسن، انظر حديث رقم: 6383 في صحيح الجامع.
(3) الظلال، 7/205.
(4) سنن ابن ماجه، ومسند الإمام أحمد، وقال الشيخ الألباني: صحيح، الصحيحة (1887).
(5) الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل، جمع وإعداد علي بن نايف الشحود، 8/2.
منقول