الجالية المسلمة ودورها في الدعوة بالغرب
محمد الدرداري

إن الأقليات المسلمة التي تعيش في بلاد المهجر، يمكن أن تقوم بدور فعّال في دعوة أهل الغرب إلى الإسلام، وتعريفهم بحقيقته، فهؤلاء يعدون بمثابة سفراء الإسلام ورسله في الغرب، يقول الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله: «ومن المقطوع به أن جماهير المسلمين المهاجرين- وهم ألوف مؤلفة- يمكن استبقاؤهم على دينهم، بل يمكن جعلهم طلائع لنشره، لو أرادت الأمة الإسلامية ذلك، وعملت له» (1).
فهذه الأقليات بإمكانها أن تكون مصدر إشعاع دعوي وروحي بما تحمله إلى العالم من خير، وبما تقدمه للناس من فضل، إلا أن «الحياة المعاصرة تكشف عن ضعف هذا الدور بين الجاليات المسلمة في تعريف الناس بالإسلام، وأن من يدخل في الإسلام - غالبا - إنما تعرف عليه من الكتب والبحوث والمجلات، لا من خلال دعوة المسلمين لغيرهم» (2).
ومن المعلوم أن ثمة عقبات كثيرة تقف في وجه دعوة أهل الغرب إلى الإسلام، وهي عقبات تحول دون تعرف المواطنين الغربيين على الإسلام في صورته النقية، إن الدعوة التي يمكن أن تقوم بها الأقليات المسلمة في الغرب، لا تتوقف على نمط واحد، أو وسيلة موحدة، بل تتنوع إلى أنماط أو طرق مختلفة، بحيث يصبح بإمكان جميع المسلمين العائشين في الغرب القيام بواجب الدعوة إلى الله، وتبليغ شرعه للناس.
التبليغ بالقدوة

ولعل من أهم وسائل دعوة الغرب للإسلام: القدوة الحسنة، فالمسلم في الغرب مكلف بتطبيق إسلامه اعتقادا وقولا وعملا أينما وجد، وهو بذلك يقدم شهادة عملية للإسلام، فعلى المسلم في بلاد المهجر أن يكون كتابا مفتوحا يقرأ فيه أهل الغرب أخلاق الإسلام وتعاليمه السمحة التي ترتقي بالإنسان، وتسمو به إلى القمم السامقة، بحيث لا يطلع هؤلاء منه إلا على الفضائل ومكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ولقد نقل عن إبراهيم بن أدهم أنه قال يوما لأصحابه: «ادعوا الناس وأنتم صامتون، قالوا: كيف ذلك؟ قال: ادعوا الناس بأفعالكم».
ولقد انتشر الإسلام في بقاع كثيرة من العالم بالقدوة الحسنة والسمعة الطيبة للمسلمين، فالقدوة الحسنة التي يظهر بها المسلم هي في الحقيقة بمثابة شهادة عملية ودعوة واقعية للإسلام، يستدل بها النبهاء والأذكياء من غير المسلمين على ربانية رسالة الإسلام، وصحة نبوة محمد " صلى الله عليه وسلم" .
إن القدوة في مجال الدعوة والتبليغ هي بمثابة القلب من جسم الإنسان، ولذلك لما تمنى الناس ذهبا ينفقونه في سبيل الله، كانت مقولة عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" : «ولكني أتمنى رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ ابن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله».
وتأكيدا على أهمية القدوة في مجال الدعوة إلى الإسلام في الغرب، تقول الأستاذة «ليلى بيومي» في مقال لها تحت عنوان: «إشكاليات الدعوة عند مسلمي الغرب» وإذا كان المسلمون الذين يقيمون في الغرب يرغبون حقا في ممارسة الدعوة الإسلامية على أسس سليمة في أوساط الغربيين، فعليهم أولا البدء بأنفسهم، وتنقية صفوفهم، وتنقية أفكارهم، وإقامة شؤون حياتهم على أسس الشورى الإسلامية، وتغليب المصالح الإسلامية العامة على مصالح الأشخاص الخاصة، وتصحيح مسار حياتهم تماما، كي ينظر إليهم الإنسان الغربي على أنهم القدوة والنموذج (3).
التبليغ بالقول

وهذا يتطلب انفتاحا على الناس، وتواصلا مستمرا معهم، والتبليغ بالقول هو الأصل في تبليغ الدعوة ونشرها في الآفاق، ومما لا شك فيه فإن الدعوة الإسلامية في الغرب استفادت من جو الحرية المكفولة في الدساتير الغربية، خاصة حرية التعبير وحرية الرأي، وهو ما أتاح أمام الدعاة فرص اللقاء مع المدعوين في أوطانهم، ومخاطبتهم بحرية قل أن تتوفر لنظرائهم في بلدانهم الأصلية.
والقول المطلوب من الداعية في مجال التبليغ يتخذ أشكالا متعددة، فتارة يكون عبارة عن محاضرة دعوية يستدعى إليها من يوثق في عقله من الغربيين، ونتلمس فيه قبول الحق، وقد ننفتح على أشكال دعوية أخرى، كالاتصال المباشر مع المدعوين في العمل، أو الجامعة، أو المدرسة، أو الشارع، وغيرها من المرافق، أو الاتصال غير المباشر من خلال وسائل الإعلام المختلفة.
والذي يتولى دعوة غير المسلمين في بلاد المهجر - من أبناء الأقليات المسلمة - يجب عليه أن يكون راسخا في علم الشريعة، متعمقا في فقهها، «لأن فاقد الشيء لا يعطيه»، إضافة إلى اطلاعه الواسع على الشُبه المثارة حول الإسلام، وسبل دحضها والرد عليها، كما يجب أن يكون خطابه الدعوي مراعيا لقواعد التخاطب الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم وحث عليها النبي " صلى الله عليه وسلم" ، ومن هذه القواعد:
الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: 125). فالواجب على دعاة المهجر وغيرهم أن يخاطبوا الناس ويدعوهم إلى الإسلام بالرفق واللين والإحسان، ويتجنبوا كل أسلوب فيه إغلاظ في القول أو احتقار للآخرين.
وتبدو قيمة هذه الخصلة في دعوة الكفار، ما خاطب به الله تعالى نبيه موسى وأخاه هارون حينما قال لهما: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)} (طه: 43- 44)، قال إبن كثير يرحمه الله في تفسيرها: «هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون كان في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين» (4).
وقال الإمام الشوكاني: «أمرهما بإلانة القول له، لما له في ذلك من التأثير في الإجابة، فإن التخشين بادئ ذي بدء يكون من أعظم أسباب النفور والتصلب في الكفر، والقول اللين هو الذي لا خشونة فيه، يقال: لان الشيء يلين لينا والمراد تركهما للتعنيف» (5).
الجدال بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125). وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46).
ومن المعلوم أن التعبير القرآني في مقام الموعظة اكتفى بأن تكون «حسنة»، أما بالنسبة للجدال فلابد أن يكون بالتي هي «أحسن»، والفرق أن الموعظة تكون مع الموافقين، عكس الجدال الذي يكون مع المخالفين، لهذا وجب أن يكون بالتي هي أحسن، يقول الشيخ القرضاوي:
« معنى التي هي أحسن: يعني الطريقة التي هي أفضل الطرق وأجودها وأقربها للوصول إلى القلوب والعقول، بمعنى أنه إذا كان هناك طريقتان في الجدال والحوار، طريقة حسنة جيدة وطريقة أحسن منها وأجود، فنحن باعتبارنا مسلمين مطالبون بأن نحاور بالطريقة التي هي أحسن وأجود» (6).
هذا هو الخطاب الدعوي الذي يجب على المسلمين في المهجر الالتزام به، وتلك هي معالمه الأساسية التي تكسبه الفاعلية والقدرة على التأثير والتأقلم مع الأوضاع العامة التي يعيشها الإنسان الغربي في وطنه.


الهوامش


(1) مستقبل الإسلام خارج أرضه..كيف نفكر فيه؟ الشيخ محمد الغزالي، مؤسسة الشرق للعلاقات والنشر والترجمة، عمان، ط/1، 1984م ص:154.
(2) د. أحمد شاهين، مقال تحت عنوان «دور الأقليات في الدعوة» منشور على موقع: عودة ودعوة.
(3) ليلى البيومي، «إشكاليات الدعوة عند مسلمي الغرب».
(4) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط/1997،1م، تحقيق: سامي محمد السلامة، ج/5، ص:294.
(5) فتح القدير، الإمام الشوكاني، الناشر: دار الوفاء، 1994 م، دون طبعة، حققه وخرج أحاديثه: د. عبد الرحمان عميرة، ج/3، ص:503.
(6) د. يوسف القرضاوي، «الانفتاح على الغرب: مقتضياته، وشروطه»، بحث منشور ضمن كتاب جماعي تحت عنوان: رسالة المسلمين في بلاد الغرب، ص 15/16.