التاريخ من المنظور الإسلامي صونا وفقها وتوظيفا



د. محمد سعيد باه


أكاديمي سنغالي



نسوق هنا استهلالا، مقولة حكيمة لابن الأثير الذي نعت بها التاريخ بأنه: "معاد معنوي يعيد الأعصر وقد سلفت.. لولاه لجملت الأنساب"، وأما ابن خلدون فقد جاءت عبارته على هذا النحو: "فن التاريخ عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية" (1)؛ وهو ما يجعلننعبر عنه بمصطلح العصر كونه أطول فيلم شاهده البشر على الإطلاق وأبرز نقيصة فيه أن بعض مقاطعه مدبلجة والبعض الآخر قد لعب فيه مقص الرقابة والذي يبقى على رونقه ويحافظ على نصاعته غالبا ما يكون في أسطر باهتة.

تشتد العلة القادحة، لأن مخ التاريخ رواية مسندة وحكاية مهذبة، حين يتعلق الأمر بنا نحن الذين كان الأجدر بنا أن نكون أكثر صونا لجوهره، وأدق فهما لمنعرجاته، وأرشد استنتاجا من دروسه وعبره، وأصلح توظيفا لإفرازاته؛ لو لم يكن قد غام إلى حد يقرب من الانطماس.. ذلك النهج السديد الذي خطه لنا كتاب الله وهو يمهد لسرد أحد أكثر فصول التاريخ جذبا وتأثيرا من خلال دعامتين يصبح التاريخ بدونهما أسمالا بالية يتدثر بها أولئك الذين وصفوا بأنهم ممن "لا تاريخ لهم" (2):
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ ......) (الكهف: 13).
ننطلق من هذه المقولة "لولا التاريخ لجملت الأنساب "، لنناقش إشكالية " التاريخ " من زاوية رصد علل قد تكون ساهمت في شل قدرتنا على صون ثم توظيف تاريخنا الذي يمثل أضخم صفحات الحضارة البشرية وأشدها نصاعة على الإطلاق ، رغم أن هذه الصفحة قد تعرضت من التشويش ما لو وقع على غيرها لكانت قد تمزقت شذر مذر واختفى آخر سطر فيها.
لا يمكننا أن نديم النظر في العلل التي عرت تاريخنا دون أن نمرر النظر ولو يسيرا على مصدره الأم والمنبع الأصل، مضموما إلى ما وثقه كتاب الله من أحداث جسام هزت مرارا الموكب البشري وهو يرشد سير المجتمع الإيماني الذي كان ينشأ على مكث، ألا وهو السيرة النبوية التي شكلت مصدرا للإلهام لأجيال تلاحقت طيلة كل هذه القرون التي مضت ونحن نعارك الأمم ونبدل في تركيبة الحضارات ونقترب من حقائق ديننا أحيانا فنسمو ونسود ونتجافى حينا فتنتكس راياتنا وننكفئ.
رغم الجهد المستأنف الذي ظلت الجهابذة يبذلونه من أجل تحرير صفحات السيرة العطرة، حتى ما سطره بعض المعاصرين أمثال المباركفوري الذي قارب الكمال في صحة الإسناد والاتساق، فإن النظرة المنعكسة على محيا من ينظر فيها (إذا لم يكن ممن استقر الإيمان بصدق الرسالة في قلبه) قد تصطبغ بقدر غير يسير حين يجد تلك الصفحات الغالبة على سطور الكتاب تحت عنوان يكاد يختزل العناوين الأخر "غزوة.."، ووصل طغيان هذا الخط على بقية الخطوط درجة أصبحت بها بقية الوقائع في بناء المجتمع وتحديد ملامح شخصية الأمة ورسم معالم حضارة متصلة بالسماء وانتشال الإنسان من حما الرذيلة الفكرية والرداءة السلوكية .. مجرد خيط رفيع لا يكاد يعثر عليه الباحث حتى ولو أمعن النظر وأصاخ السمع، لأن هدير المعركة العسكرية المزعومة والمتصلة من البعثة للحظات الوداع يحجب كل مشهد أخاذ ويطغى على كل صوت ندي.
لمعالجة هذا الزوغان في تعاملنا مع التاريخ في عمومه وفي الشق الخاص بالسيرة النبوية الشريفة نحتاج إلى صياغة منهجية جديدة تصلح في منطلقاتها الكلية وفي رؤاها التصور، وفي آلياتها التطبيقية إلى إعمال الرؤية الجديدة التي هدي إليها بعض
مجددي هذا العصر من عمالقة الإسلام الذين استعادوا لهذه السيرة العطرة بعض رونقها حين أعادوا بناء المصطلح الأم في باب تناول السيرة ووظفوا "فقه السيرة " (3) وتعاملوا مع ذلك الكم المتراكم بقدر عال من سمو الهدف ودقة النظرة؛ ما جعلهم يختزلون المسافة الزمنية الفاصلة بين الحقبتين ودفع الجماهير المتعطشة إلى الأنموذج الصالح إلى الانعطاف نحو السيرة مجددا بعد حقب من الهجران تحت مفعول التشكيك.

أميل إلى القول بأنه لو كان السابقون أو اللاحقون قد عنوا باستقصاء المسار المنهجي للأبعاد التاريخية في المسيرة البشرية الجامع بين المطالب الثلاثة (صون ، فقه ، توظيف )، والذي يرسمه القرآن الكريم عبر عشرات السور بدءا بالصفحة الأولى لهذا التاريخ والتي كتبت سطورها في الملإ الأعلى، لو تم ذلك ما لحق بتاريخنا كل ما لحق به من عطب على شاكلة قص ولصق إلى أن طال هذا الغبش الكثيف بعض مصادرنا، وربما بسبب ذلك، أن يجهد المستشرقون خيلهم ورجلهم في حملة للتشكيك لم يشهد التاريخ الفكري مثلها.
فإذا تصفحنا الكتاب الكريم ونحن نبحث عن صفحات التاريخ وجدنا حشدا من السور والآيات تتناول مسائل التاريخ من زوايا عديدة، حيث نعثر إلى جانب سرد الأحداث مع إيراد دقائق مطوية لن تجد لها آثارا إلا بين دفتيه، نجد القوانين الحضارية في صرامتها والتي ظلت تسري على الأمم لن تحابي أحدا ولن تستثني أمة، وفي مقابل الدفع إلى استخلاص العبر يعنى الكتاب الكريم بقضية المنهجية التاريخية، ثم يخرج التناول من المألوف حين يسرد علينا القرآن التاريخ القادم بصرامة تضاهي تلك التي ينتهجها وهو يحكي وقائع الماضي المنصرم في تتابعها وتشابهها أو تضاربها.
من أكثر النماذج تجلية لهذا المنحى في كتاب الله ذلك التشخيص التاريخي للعلل التي غالبا ما تنخر في الحضارات البشرية ساعة تبلغ ذروة السؤدد فينتشر في مضاربها ثقافة الترف التي تبدأ في أوساط محصورة قبل أن تصبح ظاهرة متفشية (4) وتتوقف عن العطاء الذي هو الوقود الحقيقي لكل حضارة ويكون ذلك لحظة ميلاد فترة تآكل الأجهزة المحركة لخطوات الأمة الممكنة ثم يعقب ذلك التحطم الذي عبر عنه القرآن الكريم على طريقته الخاصة ب: "سوط عذاب ".
إن كون الأمة الإسلامية تملك إرثا من أنفس ما في أيدي البشر من لدن أبيهم حقيقة راسخة نحن في غنى عن الانتصار لها بحجة أو شاهد، لكن الذي يعكر هذه المفخرة يكمن في الطريقة الفجة التي تعاطينا بها مع هذا الميراث الضخم الذي آل إلينا حيث لا يزال تاريخنا الإسلامي بين لوحات مطمورة وأخرى مشوشة يجعلنا الجهد الذي يتحتم أن نبذله لقراءته نفضل الزهد فيهة ما يجعله مرتعا لغلمان يجتزئون نصاهنا ويبترون واقعة هناك ثم يبنون على ذلك أوهاما تكبر حتى تغطي وجه الحقيقة.
أما السؤال الذي ظل يقض المضجع طيلة الانهماك في رص هذه الأسطر فلا يعدو القول :
أنى لهذه الأمة الشاهدة أن تستعيد إدارة عجلة التاريخ البشري في الاتجاه الصحيح؟


الهوامش


مقدمة كتاب "العبر..".
وصف استخدمه شيخ حامد كن المفكر ورجل الدولة السنغالي المسلم، وهو يتحدث عن العالم الغربي يوم التقى بالمسلمين وهم "يحملون العالم فوق أكتافهم " على حد تعبيره.
كما فعل كل من الشيخين / محمد الغزالي والبوطي في مؤلفيهما التجديديين.
وهي الثقافة التي تتحدث عنها الآية الكريمة : (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) ( الإسراء:16 ).