أقسام مقاصد الدعوة إلى الله تعالى
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: أقسام مقاصد الدعوة إلى الله تعالى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,618

    افتراضي أقسام مقاصد الدعوة إلى الله تعالى

    أقسام مقاصد الدعوة إلى الله تعالى [*]


    د. عبدالناصر بن خليفة اللوغاني[**]



    ملخص البحث:


    قد يلحظ المستقرئ لكتب الدعوة وساحتها العلمية غياب التصريح بمقاصد الدعوة فيها، أو عدم تحديد أنواع هذه المقاصد، وهذا ما استدعى كتابة بحث في هذا الموضوع، وفيه تكمن مشكلته.
    وقد تبين من خلال محاولة استنباط هذه المقاصد وتأملها.. أنها تنوعت إلى ثلاثة أنواع:
    النوع الأول: ما يتطابق مع مقاصد الشريعة ومقاصد سائر العلوم الإسلامية كل التطابق، ليس له حظ من الاستقلال والانفصال، وهو المقصد العام الأكبر الذي تندرج تحته سائر المقاصد للعلمين: مقاصد الشريعة، ومقاصد الدعوة، وهو المعبر عنه بـ (تحقيق كمال العبودية لله تعالى).
    والنوع الثاني: ما انبثق أصلة من التقسيمات العلمية لمقاصد الشريعة، وهي المقاصد المشاكلة والمتفرعة عن مقاصد الشريعة، وقد نتج عن هذا النوع ثلاثة أقسام باعتبارات مختلفة:

    فانقسمت بالنظر إلى فئات المدعوين إلى مقاصد عامة، وأخرى خاصة، وقد مثل للخاص بما جاءت به الشريعة الإسلامية من أحكام خاصة بأهل الذمة.
    ثم انقسمت بالنظر إلى الموضوعات الدعوية إلى مقاصد قطعية كلية، ومقاصد قطعية تفصيلية، فالقطعية الكلية هي تلك المبادئ والأصول الكبرى في الشريعة، كإقامة التوحيد، وحفظ الحقوق، وأركان العبادات، وأما القطعية التفصيلية، فهي ما سوى الكبرى من التشريعات، وهي على مرتبتين:
    الأولى: ما كان منها مطلوبا على سبيل اللزوم.
    الثانية: ما كان منها مطلوبا من غير إلزام.

    ثم انقسمت مقاصد الدعوة، باعتبار المنفعة الدنيوية الحاصلة للداعية، إلى مقاصد دعوية أصلية، وأخرى تابعة، فالمقاصد الأصلية هي ما أمرت به الشريعة وندبت إليه، مما يتكلفه الإنسان ويبذل جهده في تحقيقه، فيقصده تعبدا وتحقيقا لأمر الشارع لا غير، وأما التابعة فهي مصالح تنتج عن المقصد الأصلي، لكنها غير مرادة للشرع بالأصالة، وجعلت مع ذلك مقصدا لما تتضمنه من المصلحة، ثم علامتها - في الغالب – أنها تكون مشوبة بحظ النفس ونصيب الدنيا.
    وأما النوع الثالث: من أنواع مقاصد الدعوة، فهو ما انبثق أصله من ماهية الدعوة وحقيقتها، وهي المقاصد الموسومة بـ (المقاصد الكلية للدعوة)، وقد تلخصت في ثلاثة مقاصد:
    الأول: تحقيق التبليغ والبياني، والنذارة والبشارة للناس.
    الثاني: التزكية، التربية للنفس البشرية، وهي التنقية والتخلية من دنس الطباع وسوء الاعتقاد والأعمال، ثم تحليتها بضد ذلك.

    الثالث: نشر علوم الشريعة النقلية والعقلية، والتوقيف على أحكامها ومعانيها وأسرارها، من خلال:
    تفهيم معاني الفرقان الكريم وحقائقه، والتوقيف على دلائل آياته، وما انطوى عليه من الحكم والأسرار.
    والتفقيه في الدين وتغفله، بتعليم طرق استنباط أحكامه من نصوصه، وتنزيلها من الواقع على وجهها الصحيح، ورسم وإيضاح منهج التفكير السليم.
    مقدمة:


    الحمد لله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، استوى في علمه الظاهر والمكتوم، والموجود والمعدوم، خلق المدارك ويسر الفهوم، حمدا يليق بجلال صفات جماله، وجمال صفات جلاله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الدائمان على من أوضح المقاصد والغايات، وأجلى سبل الهدايات، وأغلق باب الضلالات، وعلى آله السراة، وصحابته النجوم الزاهرات. وبعد
    فقد نشطت في هذا العصر الكتابة في ميدان مقاصد الشريعة، وتناوله الباحثون من زوايا متعددة، وجوانب مختلفة، ومن ذلك: بيان علاقته بسائر العلوم والفنون الشرعية التخصصية.
    وقد تلفت حول ما كتب في حقيقة العلاقة بين المقاصد الشرعية وعلم الدعوة، فأضحيته موضوعا مغفولا عنه، غيز متطرقي إليه، فشرعت أولا في الكتابة في بيان ذي العلاقة من الناحية العلمية الشرعية، قبل تحديد وبيان مقاصد الدعوة.
    ثم بدا لي أن الأوفق لهذا الموضوع أن يسبق بأساسه، وتوضع بذور غراسه، وذلك ببيان أقسام المقاصد الدعوية.
    فتوقفت الكتابة في الموضوع الأول على نية العود، واسئؤنفت بما سيورد في هذه الأوراق القليلة، راجيا من المولى عز وجل فيها السداد والتوفيق، وعموم النفع والقبول.

    مشكلة البحث:


    لا شك أن للدعوة الإسلامية مقاصد كبرى، مأخوذة من نصوص الشريعة أو قواعدها وكلياتها، ولا شك أن ثمة علاقة بين مقاصد الدعوة ومقاصد الشريعة الإسلامية، ولكن ستبقى هذه العلاقة غير واضحة إلى أن تتضح مقاصد الدعوة، وتتبين أقسامها وأنواعها.
    ولكن هل هذه المقاصد واضحة المعالم للعاملين في حقلها.

    وهل يمكنهم استشفافها بيسر وسهولة من مقاصد الشريعة الإسلامية ؟.
    وهل لها صورة واحدة محددة، أو يمكن أن تتشكل وتنقسم باعتبارات وحيثيات مختلفة ؟.

    هذا ما يسعى الباحث لتوضيحه والجواب عنه في هذا البحث.
    وبطبيعة الحال سيتضح من خلال ذلك جوانب مهمة من جوانب العلاقة والصلة بين العلمين: علم الدعوة، وعلم مقاصد الشريعة، وسيتضح - أيضا- محل مقاصد الدعوة من مقاصد الشريعة إلى حذ ما، ومع ذلك فليس غرض البحث هو بيان حقيقة هذه العلاقة([1]).

    أهمية الموضوع:


    باتضاح واكتمال الرؤية لمقاصد وأهداف الدعوة الصحيحة، يتبين للدعاة أولوياتهم، وتتضح لهم الرؤية في زمنية الإقدام والإحجام، وفي أي ميدان يجب تكريس الجهود.
    كما أن وضوح هذه الرؤية سيقلل من ساحة الخلاف بين المسلمين عموما، والعاملين في الدعوة خصوصا، فأي عمل أو مؤسسة إذا غابت أهدافها الكلية عن أفرادها، فإن دائرة اجتهاداتهم وتنوع رؤاهم ستتسع وتتعدد، وقد تتباين، وأما عند تحديد الأهداف والمقاصد الكبرى والوسطى.. فإن الخلاف في وجهات النظر ثم في ميدان العمل سيقل بطبيعة الحال.
    وقد يتساءل سائل:
    لماذا الكتابة في أقسام المقاصد الدعوية وإفرادها، وعدم الاكتفاء بما كتب في مقاصد الشريعة؟
    والجواب: أن الدعوة لما كانت جزءا من الشريعة، كان من لازم ذلك أن تكون مقاصد الدعوة جزءا من مقاصد الشريعة، أو ذاتها لا تخرج عنها، وهذا واضح لا غبار عليه.
    غير أن الفرع -لاسيما في ساحة العلم - لابد أن يخص بشيء عن غيره، بما يحقق تمئينه عن سائر الفروع والأجزاء، بل ويميزه عن أصله الذي تفرع منه، وبذلك تحرر العلوم وتقعد، وتؤصل وترشد.
    ثم إن العلوم الشرعية الأخرى -غير علم الدعوة - قد اتضحت ملامحها، وبعضها قد نضجت الكتابة فيه، وبعضها قد احترقت كما يعبر بعضهم، وعلم الدعوة علم جديد ناشئ مقارنة بالعلوم الإسلامية الأخرى، وما زالت ملامحه الكبرى في طور التشكل والاكتمال، وعليه فالدراسات التي تؤصل هذا العلم وتقعده مهمة وضرورية.

    فحدا ذلك بكاتب هذه السطور إلى محاولة متواضعة في ذلك، تقدم بين يدي أهل الاختصاص والشأن، لتأملها وتقليب النظر فيها، موافقة واقرارا لما كتب الله فيه الصواب والتسديد، أو نقدا وإضافة لما أخطأ أو قصر فيه النظر من مسائل هذا الموضوع الجديد، وعساه أن يكون لبنة الأساس في تفصيل ذا الموضوع وتأصيله.
    الدراسات السابقة:


    هذا الموضوع (أقسام المقاصد الدعوية)، لم أقف على من طرقه وتكلم فيه على نحو مستقل مفصل بخصوصه.
    نعم، الكتابات في مقاصد الشريعة -عموما- قد نشطت في عصرنا الحالي كثر من ذي قبل، وشملت جوانب مختلفة، فهناك الكتابات والبحوث التي تؤصل علم المقاصد الشرعية على نحو مباشر، وهناك الدراسات التي تحوم حول المقاصد ولكنها تعالج موضوعات أخرى بالأصالة، ومنه ما دون في علم الدعوة.
    وما أريد قوله: إن البحث في مقاصد الدعوة يستدعي البحث في مقاصد الشريعة، ولذلك يمكننا أن نعد كل ما كتب في ميدان المقاصد الشرعية عموما.. هو ضمن الدراسات السابقة للموضوع، لكن ليس على نحو مباشر.

    لكن ألصق من ذلك بموضوع البحث تلك الدراسات الدعوية المتعلقة بعلم المقاصد، ومن أهمها: ما كتب في فقه الأولويات والموازنات، ومن أمثلة الكتابات فيه:
    في فقه الأولويات، للدكتور يوسف القرضاوي ([2]).
    فقه الموازنات وحاجة الداعي إليه، لصالح الحربي، بحث مكمل لنيل درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في كلية الدعوة بالمدينة المنورة (1414 ه).
    فقه الموازنات الدعوية معالمه وضوابطه، للدكتور معاذ أبو الفتح البيانوني، بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراه، في جامعة أم درمان الإسلامية في السودان([3]).
    غير أن هذه الدراسات كلها لم تتوجه لدراسة أنواع أقسام مقاصد الدعوة الإسلامية، ولا أبالغ لو قلت: بأن الكتابة في هذا الموضوع على نحو خاص مستقل لم أقف عليه بعد إلى هذه الساعة.
    نعم قد توجد إشارات في مؤلفات الدعوة المختلفة، من ذلك: ما تطرق إليه الدكتور أبو الفتح البيانوني في كتابه (المدخل إلى علم الدعوة)([4])، حيث تكلم حول أهداف المناهج الدعوية على نحو سريع مقتضب، أثناء حديثه في مناهج الدعوة.

    منهج البحث:


    أما عن منهج البحث، فهو (المنهج الاستنباطي)، ذلك أن مقاصد الدعوة –كما ذكرت- لم تحرر ولم تدون بعد فيما اطلعت عليه من مراجع، وتأسيسها يحوج إلى استنباط ذلك إما من المقاصد الشرعية التي حررت ودونت في كتب الأصول والمقاصد، أو من النصوص الشرعية مباشرة.
    وقد قسم هذا البحث علي النحو التالي:

    تمهيد: في تعريف كل من المقاصد والدعوة.
    المبحث الأول: في بيان المقصد العام الأكبر، المندرج تحته سائر المقاصد، وفيه ثلاثة مطالب:
    الأول: في أن شريعة الدعوة تمتاز عن سائر الشرائع من حيث إنها وسيلة لتحقيق سائر الشرائع.
    الثاني: في معنى العبادة المشار إليها في قوله تعالى: (ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)([5]).
    الثالث: في بيان أن تحقق العبودية مناط بالتقاء مقصدين: مقصد المكلف مع المقصد الشرعي.
    المبحث الثاني: في مقاصد الدعوة المشاكلة والمتفرعة عن مقاصد الشريعة، وفيه ثلاثة مطالب:
    الأول: في تقسيم المقاصد الدعوية، بالنظر إلى فئات المدعوين إلى، مقاصد عامة، وأخرى خاصة.

    الثاني: في تقسيم المقاصد الدعوية بالنظر إلى الموضوعات الدعوية، إلى قطعية كلية، وقطعية تفصيلية.
    الثالث: في تقسيم المقاصد الدعوية، بالنظر للمنفعة الحاصلة للداعية، إلى أصلية وتابعة.

    المبحث الثالث: في المقاصد الدعوية الكلية المنبثقة عن ماهية الدعوة، وفيه مطلبان:

    الأول: في بيان وشرح هذه المقاصد الكلية.

    الثاني: في أسئلة قد يعترض بها على هذا القسم من أقسام المقاصد الدعوية، مع الجواب عنها.
    ثم خاتمة البحث، وفيها أهم نتائجه مع بعض التوصيات.
    وقبل الشروع في المقصود أحب أن أتقدم بالشكر الجزيل لإدارة الأبحاث بجامعة الكويت على دعمها لهذا البحث برقم: (08/ 02 hb).

    التمهيد


    ( في تعريف كلى من المقاصد والدعوة)


    أولا- تعريف المقاصد:

    ليعلم أن الكلام في تعريف المقاصد لغة واصطلاحا قد أشبع بحثا ([6])، والإطالة فيه تكرار تمجة جدية العلم وعمليته، ولذا سأختصر الكلام فيه، وكتفي باللب وما الحاجة ماسة إليه في هذا البحث، فأقول:
    المقاصد جمع (مقصد) مصدر ميمي من الفعل: (قصد)، وهو يطلق في اللغة على عدة معان:
    الاعتزام، والتوجه، والنهوض نحو الشيء.
    وهذا في الحقيقة أصلة، وسائر المعان الآتية راجعة إليه، على ما قاله ابن جني([7]).

    استقامة الطريق وسهولته، تقول: طريق قاصد، أي: سهل مستقيم. ومنه قوله تعالى: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ) ([8]).
    العدل والتوسط وترك الإفراط، ومنه قوله تعالى: (واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ)([9]).
    الكسر والقطع في أي وجه كان، وقيل هو الكسر بالنصف، يقال: قصدته فانقصد وتقصد، ورمح قصد: سريع الانكسار([10]).
    ويحسن هنا إيراد التعريف الاصطلاحي لمقاصد الشريعة، إذ ليس لكلمة (المقصد) تعريف اصطلاحي إلا بعد الإضافة إليها، فيكونان لقبا لشيء ما، كما هو الحال في (مقاصد الشريعة).

    والملاحظ أن السابقين لم يبدوا اعتناء به، مكتفين بالتعداد والتقسيم ([11])، وأما المعاصرون فاجتهدوا وبذلوا الوسع فيه، وجاءت تعريفاتهم مختلفة العبارات، غير أن هذا الاختلاف عند التحقيق راجع للألفاظ والتعبيرات، لا للحقائق والمعاني، هذا هو الغالب.
    وقد كان شروق شمس ذلك من المغرب، فأول من تصدى لتعريفها ووضع حد لها بحسب ما وقفت عليه.. العلامة محمد بن الطاهر بن عاشور، رحمه الله تعالى، حيث عرفها بقوله:
    "هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة"([12]).

    وجاء بعده الشيخ علال بن عبدالواحد الفاسي، رحمه الله تعالى، فعرفها "الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها "([13]).
    ثم كثرت المحاولات من العلماء والباحثين المعاصرين، وغالبها يدور حول هذين التعريفين، لا يكاد يخرج عنهما.

    من ذلك تعريف الدكتور أحمد الريسوني، قال: "هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها، لمصلحة العباد"([14]).
    ومنها تعريف الدكتور عبدالرحمن الكيلاني، وهو: "المعاني الغائية التي اتجهت إرادة الشارع إلى تحقيقها عن طريق أحكامه"([15]).
    والتعريف المختار في هذا البحث هو تعريف الأستاذ علال الفاسي، وذلك للأسباب التالية:

    شمولية معناه، إذ تعريف ابن عاشور قد اقتصر على المقاصد الكلية، ولم يصرح بغيرها، فقال: "بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة "، في حين أن بعض المقاصد مقصورة على بعض أبواب الشريعة، كمقاصد الصلاة، والصيام، والحج، أو في بعض مقاصد وأسرار أحكام جزئية ضمن هذه العبادات الكلية، وهذا نوع من أنواع المقاصد، وقد لف فيه العلماء قديما وحديثا ([16])، وهذا لا يشمله تعريف الطاهر بن عاشور، أو ليس صريحا بتضمنه على أقل تقدير.
    ثم لوجازة لفظه.
    وضوح عبارته.
    وأسبقيته بالنسبة للتعريفات الأخرى التي جاءت بعده، التي لم تخرج عن معناه، ولم تكن أكثر وضوحا ويسرا منه.
    ثانيا- تعريف الدعوة:
    أما لغة: فلها عدة معان، وهى تدور حول: الطلب، والسؤال، والنداء، والتجمع، والاستمالة، وغيرها ([17]).
    ومرد هذه المعاني إلى طلب ميل الشيء إليك بصوت وكلام، كما قاله ابن فارس في معجمه ([18]).
    وأما اصطلاحا([19])، فهي:

    "تبليغ الإسلام للناس، وتعليمهم إياه، وتطبيقه في واقع الحياة" ([20]).
    وهو التعريف الذي ذكره الدكتور أبو الفتح البيانوني في كتابه المدخل إلى علم الدعوة.
    واخترته لكونه:

    شاملا لجميع جوانب الدعوة، أو مراحلها الثلاثة بعبارة أخرى، وهي: التبليغ، والتكوين، والتنفيذ.
    ثم لوجازة ووضوح عبارته.
    كما أنه موافق ومتناسق مع ما سيرد ويقرر في هذا البحث من أن أجل مقاصد الدعوة هي: المقاصد الكلية المعبرة عن ماهيتها، الآتي الحديث عنها في المبحث الثالث إنشاء الله تعالى، وهي ثلاثة مقاصد:
    تحقيق التبليغ والبيان، والنذارة والبشارة للناس.
    والتزكية والتربية للنفس البشرية.
    ونشر علوم الشريعة النقلية والعقلية، والتوقيف على أحكامها ومعانيها ([21]).
    المبحث الأولى ([22])


    المقصد العام الأكبر، المندرج تحته سائر المقاصد

    ليعلم ابتداع أن للشريعة الإسلامية، بل للشرائع الربانية كلها، مقصدا عاما كبر واحدا، وهو تحقيق العبودية لله تعالى، أو تحقيق الصلاح والفلاح والنجاح في الأولى والأخرى، أو تحصيل سعادة الدارين.
    وقد يعبر بغير ذلك أيضأ، والمقصود واحد.
    ولو أردت أن أوثر تعبيرا منها فسأكتفي بـ(تحقيق العبودية لله تعالى)، موافقة للتعبير القرآني الكريم في قوله عز وجل: (ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)([23]).
    يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، مشيرا لهذا المقصد العام الأكبر:
    "المقصد الشرعي من وضع الشريعة: هو إخراج المكلف من داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا"([24]).

    واذا علم ذلك، علم أن سائر التشريعات الربانية التفصيلية، وسائر غاياتها ومقاصدها الشرعية، إنما هي وسيلة لتحقيق غاية واحدة كبرى، هي غاية الغايات، ونهاية النهايات، وهو تحقيق العبودية لرب البريات، (ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ) ([25])، تلك العبودية الكاملة التي يزول فيها أي تعارض بين اختيار الإنسان وأوامر الرحمن سبحانه.
    وهذا شامل لتشريعات العبادات، وتشريعات المعاملات المالية، وتشريعات الأسرة، وغير ذلك، ومنه شريعة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    وما أريد تقريره والوصول إليه هنا، في بحث: (مقاصد الدعوة إلى الله تعالى)، هو: أن المقصد العام للدعوة إلى الله تعالى إنما هو المقصد العام للشريعة الإسلامية، وسائر الشرائع الربانية، وهو تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى.

    وثمة مسائل يحسن إيرادها في هذا المقام، أوردها في المطالب التالية:
    المطلب الأولى


    في أن شريعة الدعوة تمتاز عن سائر الشرائع من حيث إنها وسيلة لتحقيق سائر الشرائع


    إن في شريعة الدعوة ومقاصدها -مقارنة مع سائر التشريعات الأخرى - زيادة فضل لا توجد في غيرها، وذلك من حيث إن الدعوة وسيلة لتحقيق الشرائع، وتطبيقها في الواقع الإنساني، وحكم الوسائل تابع لحكم المقاصد كما هو مقرر، وعليه فللدعوة ومقاصدها مزية على سائر التشريعات الربانية الأخرى من هذا الوجه.
    ولذا قرن الأمران في القرآن الكريم، أعني الوسيلة والغاية، أو الرسالة والأمر بالعبادة، في محل واحد في عدد من الآيات، مثل قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)([26]).
    المطلب الثاني


    في معنى العبادة المشار إليها في قوله تعالى:


    (ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)([27])
    لا يخفى أن صرف الإنساني لجميع أعماله الجارحية في العبادة، ليلا ونهارا، صغرا وكبرا، صحة ومرضا، حضرا وسفرا.. ليس في مقدوره وطاقته، إذ هو محل الغفلة والنسيان، والحاجة للراحة النوم، فالصرف الكامل إنما يتصور في الملائكة الأبرار، الذين (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ)([28]).
    ولعل هذا ما حدا ببعض السلف وغيرهم أن يذهب في تأويله للعبودية في هذه الآية الكريمة إلى التوحيد، وبعضهم إلى المعرفة بالله تعالى.
    وثمة تأويلات أخرى لا يظهر فيها الشاهد -على ما نحن بصدده، وما نقصده من مقاصد الشريعة والدعوة - ظهوره في هذين التفسيرين المذكورين([29]).
    ويظهر لي - والله أعلم - أنه لا تعارض حقيقيا بين التأويلين، إذ من عرف الله تعالى وحدة ضرورة، ومن لم يوحد الله تعالى لم يعرفه، كما أن المعرفة هي أخص أجزاء الإيمان.
    وقد وفقت عرضا بفضله تعالى إلى الوقوف على آيات قرآنية تشهد لكون المراد من الخلق هو معرفتهم بخالقهم، لصفات جماله وجلاله وكماله، وعظيم سلطانه.

    منها قوله تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ والشَّهْرَ الحَرَامَ والْهَدْيَ والْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ وأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)([30])
    فمعلوم أن الغرض من الكعبة وسائر الشعائر الربانية في البيت الحرام، إنما هو لتحقيق العبودية، أو نوع عظيم من أنواع العبودية، فذكرت الآية أولا أن الغرض من هذه الشعائر أن تكون قائمة بأمور دين الناس ودنياهم، ثم ذكرت ثانيا أن المقصد من هذه الشعائر وما يتبعها من تحصيل مصالح دينية ودنيوية إنما هو لتحقيق المعرفة والعلم ببعض صفات الحق جل وعلا، وهي صفة العلم المحيط المطلق الذي لا يخفى عليه شيء: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ...) الخ.
    بعبارة أخرى: إن الغرض من تلك الشعائر إنما هو لتحقيق معنى العبودية، وهو العلم والمعرفة بصفات رب البرية عز وجل.

    وأصرح من هذه الآية قولة عز وجل: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ومِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)([31]).
    فخفق السموات السبع وما فيهن، والأرضين السبع وما فيهن، بل وتنزل الأوامر الكونية والشرعية بينهن، كل ذلك ليتعرف هذا المخلوق على صفات الحق تعالى قدرة، وجلت عظمته، لاسيما صفة القدرة المطلقة، والعلم المحيط الشامل([32]).
    والحاصل أن هاتين الآيتين الكريمتين تضمنتا ذكر المقصد من الخلق والأمر، أو التكوين والتشريع، وهو الوقوف على صفات الخالق سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم بالصواب.
    قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى بعد ما أورد عددا من الأقوال في تفسير قوله تعالى: (إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، قال: "وقال مجاهد: إلا ليعرفون. وهذا أحسن، لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده، دليفه قوله تعالى: (سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) ([33])،([34]).

    وفي هذا الاستدلال بهذه الآية من الإمام البغوي رحمه الله تعالى، إشارة إلى أن المعرفة غير محصورة على المؤمن، بل هي شاملة للكافر أيضأ، فإنه سيعرف ربه بالمهيمن القوي العزيز الذي لا يغلب، شديد العقاب ذو الطول،... الخ، غير أن هذه المعرفة مرجأة من الكافر إلى حين لا نفع لها في حقه، أو على هيئة لا تنفعه في أخراه.
    ولا يخفى أن ما سبق ليس المقصود منه أن تقصر العبادة في المعرفة، بل للعبادة أشكال أخرى، بدنية، ومالية، وغير ذلك، فللقرب من الحق تعالى سبل وليس سبيلا واحدا، كما تشير إليه الآية الكريمة: (ومَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا)([35])، والآية الأخرى: (والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا) ([36]).
    غير أن الأصل الذي يتفرع عنه غيره، والأساس الأعظم، والمقصود الأهم.. هو هذه المعرفة المحققة للتوحيد، والتوحيد المحقق للمعرفة، وسائر العبادات على اختلاف أنواعها وأشكالها، إن لم تزد في معرفة العبد بربه.. أضحت أجسادا بلا أرواح، وصورا بلا حقائق.
    بل عند التأمل بعين البصيرة والتفكر، نجد أن سائر أحوال المؤمن وتقلباته، إنما هي لتحقيق هذه المعرفة، فإذا وفق للطاعة والاستقامة، كان ذلك سبيلا لمعرفة الرب بعطائه، وجوده، وكرمه، وإحسانه، وإذا أذنب وزلت قدمه، كان ذلك سبيلا لمعرفة الرب برأفته، ورحمته، وستره، وعفوه، وحلمه، وهكذا.

    وهذا حال سائر التغيرات والتقلبات في الوجود، إذ كل تغير وتقلب وتجدد في هذا الكون.. إنما يدل - بنوع من دلالاته - على الخالق سبحانه، وعلى بعض صفاته.
    ومن هنا يمكن أن نفهم معنى وبعدا جديدا لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) ([37]).

    فالقلب محل هذه المعرفة، وصلاحه وترقيه بتحصيلها واكتسابها، وذلك من خلال دوام المراقبة لله تعالى، وشهوده بحسب تهيئه واستعداده، حتى يصل للمقام المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) ([38]).
    فهذا هو كمال العبودية التي يجب على المؤمن تطلبها، والسعي في تحقيقها، والوصول إليها، وهو مقصد سائر التشريعات الربانية، والله تعالى أعلم.

    المطلب الثالث


    في بيان أن تحقق العبودية فناط بالتقاء مقصد المكلف مع المقصد الشرعي:


    بعد أن تقرر أن الشرائع الإلهية كلها ترجع لمقصد واحد، وهو تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى، أقول:
    إن المقاصد التي ينظر فيها قسمان:

    مقاصد الشارع من التكاليف الشرعية.
    ومقاصد المتشرعين - أي المتعبدين - من أعمالهم التكليفية.
    وقد صرح بذلك الشاطبي رحمه الله تعالى ([39]).
    ومعلوم أن الأول ليس للمكلف مدخل في وضعه وتحديد وجهته، بل عمله مقصور على تأمل هذه التشريعات الربانية، لاستكشاف معانيها ومقاصدها، إما للوقوف على حكمة الخالق وعظمته جل وعلا، أو لذلك ولأمر آخر، وهو مراعاة هذا المقصد في الأحكام الشرعية والأعمال التكليفية في النظر الفقهي الاستنباطي القياسي([40]).
    وأما القسم الثاني: فهو من فعل المكلف وكسبه، وهو ساحة النوايا والعزائم والمرادات.

    وقد يطن عند الوهلة الأولى ألا رابط بين الوجهتين، ولا علاقة بين الساحتين، غير أن العلاقة وثيقة لازمة لتحقيق العبودية، ذلك أن تحقيق الأول متوقف على الثاني، بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وغنما لكل امرئ ما نوى))([41]).
    والحاصل أنه متى ما التقى قصد المكلف في عمله مع قصد الشارع من التكليف.. تحققت العبودية على أتم وجهها، واكتملت شروطها المتوقفة عليها، ومتى اختل أحدهما اختلت العبودية، وعرض صاحبها للعقوبة من رب البرية.

    قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: "كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غيز ما شرعت له، فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل".
    ثم قال رحمه الله تعالى: "إن الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد، آخذ في غير مشروع حقيقة، لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض، فإذا أخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم، فلم يأت بذلك المشروع أصلا، واذا لم يأت به ناقض الشارع في ذلك الأخذ، من حيث صار كالفاعل لغير ما أمر به، والتارك لما أمر به"([42]).
    فإذا تقرر ما سبق، علم أن الداعية إذا لم يكن مخلصا في دعوته لربه تعالى، لم يشب دعوته بحظ نفس، ولا هوى طبع، ولا غرض سياسي أو حزبي أو قبلي.. الخ، فهو داعية إلى الله تعالى، وإلى طريقه المستقيم، وصراطه القويم.
    والا فهو في الحقيقة داعية للشيطان، قاطع صاد عن طريق الرحمن، ولا يؤمن أن ينطبق عليه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، مالك! ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟!. فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه))([43]).
    المبحث الثاني


    في مقاصد الدعوة المشاكلة والمتفرعة عن مقاصد الشريعة


    سنورد في هذا المبحث ثلاثة أنواع من مقاصد الدعوة التي استوحيت أو تفرعت عن مقاصد الشريعة المشهورة المقررة عند أهلها، وسنفرد لكل نوع منها مطلب خاص به.
    وسأبين في مطلع كل نوع منها.. الأصل الذي تفرعت عنه أو استوحيت منه، وهو نوع من أنواع مقاصد الشريعة، ثم أتبع الكلام في هذا النوع من مقاصد الدعوة.

    وأود قبل الشروع في موضوع هذا المبحث أن أشير إلى أن كل أو جل تلك المقاصد الآتي الحديث عنها، إنما كانت مقاصد باعتبار أنها مطلوب شرعي، وإلا فإنها باعتبار آخر إنما هي وسائل لمقصد أعلى منها، فهي مقصد وهدف من جهة، وهي في الوقت نفسه مرحلة لما هو أعظم وأعلى من جهة أخرى، إلى أن يصل الأمر إلى المقصد الكلي العام الذي لا مقصد بعده، ولا مطلب سواه، وهو تحقيق العبودية الخالصة لله تبارك وتعالى ومعرفته على ما سبق بيانه في المبحث السابق.
    وهذا الأمر، كما ينبغي أن يلحظ هنا، ينبغي أن يلحظ أيضأ في ما سيأتي في المبحث الثالث عند الكلام على مقاصد الدعوة الكلية إن شاء الله تعالى.
    وأعد ذا التنبيه هنا مغنيا عن تكراره وإعادة التذكير به.

    المطلب الأولى


    في تقسيم المقاصد الدعوية ، بالنظر إلى فئات المدعويين، إلى عامة وخاصة


    لقد قسم العلماء مقاصد الشريعة إلى مقاصد عامة، وأخرى خاصة، بالنظر إلى تعلقها بمصالح الخلق، ولذا - والله أعلم - كثر أو استحسن عندهم التعبير عنها بالمصالح بدل المقاصد.
    والمراد من المصلحة العامة كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: "ما يعم جدواها، وتشمل فائدتها، ولا تخص الواحد المعين" ([44]).
    فالمقاصد أو المصالح العامة: هي التي لا يلحظ فيها شخص أو فئة معينة، بل تعم الخلق، أو تناط بالغالب، من غير تعيين أو حصر.
    وأما الخاصة فبعكسها، تكون خاصة بشخص معين، أو فئة محصورة بوصف أو قيد أو غير ذلك.

    وهنا ملحظ مهم، وهو أن المصلحة الخاصة - والكلام في المعتبرة شرعا- هي في الحقيقة خاصة ابتداء ولكنها في النهاية لبنة في تحقيق المصالح العامة، لأنه بصلاح الأفراد يصلح المجتمع المركب منهم ([45]).
    وفي ضوء هذا النوع من مقاصد الشريعة. يمكن أن نقسم مقاصد الدعوة إلى عامة وخاصة، بالنظر إلى فئآت وأجناس المدعويين.
    ونعني بالمقاصد الدعوية العامة: ما لا تتعلق بشخص أو فئة معينة من المدعويين، وبالتالي تكون موضوعاتها والخطاب الدعوي فيها عاما وصالحا للجميع.
    ومن أمثلة ذلك: تحقيق المبادئ العامة في الشريعة والأخلاق، كتحقيق العبودية لله تعالى، والعدل بين الخلق وإزالة الظلم، والإحسان للآخرين وإعانتهم، وأمثال ذلك، فهذه لا تخص فئة دون فئة.
    وأما الخاصة: فهي التي يلحظ فيها مدعو أو فئة بعينها، وبالتالي تكون موضوعاتها بحسب حاجة تلك الفئة أو ذلك الشخص، وبحسب مستواه وقدراته العلمية والعملية.

    وأضرب مثالا واقعيا شرعيا يوضح ذلك ويجليه:
    وهو ما قضت به الشريعة من أحكام خاصة بأهل الذمة([46]) في المجتمع الإسلامي، مما يظهر فيه تمييزهم كأنهم طبقة في المجتمع دون غيرهم.
    من ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه آن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه))([47]).
    وقد تقرر بالنصوص الربانية والقواعد الكلية، أن الإسلام ما جاء ليفرق بين الأجناس، ولا ليبذر عنصرية في المجتمعات، وذلك هو المتوافق مع الفطر السليمة، والطباع القويمة، فيعلم من ذلك بداهة أن ما أوهم مثل ذلك وخرج عن الأصل العام، فإنما خرج لأمر محدد، ومقصد خاص بتلك الحالة أو هذه الفئة، لما فيه صلاحهم وخيرهم، لا لمضرتهم أو الانتقاص من ذواتهم، وهو ما نسميه بالمصلحة الدعوية، أو بالمقصد الدعوي الذي اتسم بالخصوصية في خطابه، لتعلقه بفئة لها وضعها الخاص بها.

    واليك بيان ذلك من خلال عدد من المقدمات والنقاط تيسيرا للغرض، فأقول، والله تعالى أعلم وأحكم:
    إن الحق تبارك وتعالى عالم بخلقه وبمصالحهم، (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)([48])، وأوجدهم في دار الدنيا ابتلاع واختبارا، ومن مقتضيات الاختبار.. وضع وإقرار الاختيار، ولذلك فقد نفت الشريعة الإكراه في الدين، (لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ([49])، هذا هو الأصل.
    ثم لا يخفى أن من مقتضى إقرار الشريعة أهل الذمة على دينهم، موتهم على دين الضلالة المستوجب للخلود في النار، وهو أمر لن تسكت عنه الشريعة وتقف تجاهه على نحو سلبي بطبيعة الحال.
    فحسن حينئذ سلك سبيل وسط، متجافية عن الإكراه من جهة، وعن ترك من ضل عن الصراط هملا بلا هداية من جهة أخرى، فشرعت الدعوة وأمر بها، ووجب البيان والدلالة إلى الحق المبين من قبل المكلفين، إقامة للحجة، وأداع للأمانة، فجاء قوله عز وجل: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ)([50])، مكملا للصورة والبيان قبله: (لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ) فلا إكراه في الدين إذا تبين وتميز الرشد والهدى عن الغي والضلالة.

    ولكن هل ترك الله تعالى أمر البيان والتبليغ على المكلفين من المسلمين فقط؟، وهل اقتصرت الدعوة وتوقفت على ما يبذله المكلفون من واجب التبليغ ؟.
    لا، بل وضع الحق تبارك وتعالى، برحمته وكرمه، التشريعات والأحكام التي تحقق ذلك، كيف وهو القائل عز شأنه وعظم مقداره: (واللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)([51])، فكان من مقتضى ذلك: ما شرع من أحكام خاصة بأهل الذمة، تكون سببا لهدايتهم، ووسيلة من وسائل دعوتهم، تضمم إلى ما أوجبه الله تعالى من واجب الدعوة على المكلفين من المسلمين.
    ولعل هذا الكلام ما زال يحمل في طياته نوع إجمال، ويحتاج لزيادة التوضيح والتفصيل، وبيانه:
    أن من لازم هذه الأحكام أنها تستثير ما غرس في النفس البشرية من رغبات وتطلع إلى الرقي وحيازة الفضل على الآخرين، فضلا عن تحصيل رتبة التساوي، وهذا دافع فطري، وشعور جبلي، وعكسه شذوذ وانحراف ([52]).
    فمن خلال هذه الأحكام يستثير الإسلام في نفس الذمي تحصيل الرتبة العليا في المجتمع -أو (جنسية) البلد بالعبارة المعاصرة - وبذلك تكون هذه الأحكام سببا لهداية هذا الإنسان، ووسيلة لدعوته.

    فمن المعلوم اليوم في قانون الشعوب والدول: أن المقيم والوافد من الخارج ليس له من الحقوق والتشريعات والامتيازات ما للحاصلين على (جنسية) ذلك البلد، ومعلوم أيضأ: أن الحصول على تلك (الجنسية) إنما يكون بحسب شروط أهل البلد وبقرارهم لا بقرار طالب (الجنسية).
    والإسلام يقر من حيث العموم بوجود الفئتين، أو الفئات في المجتمع، وهو من مقتضيات طبيعة الحياة الدنيا التي لا تنكر، (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا) ([53]).
    غير أن الإسلام جعل الحصول على هذه الرتبة أمرأ مناطا باختيار الإنسان نفسه وقراره، وهو النطق بالشهادتين.

    فالإسلام يقول للذمي بلسان حال هذه التشريعات: إن مرد الأمر في البقاء على حالك أو الحصول على (الجنسية) الإسلامية.. إليك، والخيار في البقاء في ديار المسلمين أو غيرها.. بين يديك، وليس لنا إكراه عليك سوى ما نقدمه من ترغيبات ودوافع، ومنها ما يعطاه المسلم من ميزات، هي حق عند سائر البشر لأهل الأصالة، وبكلمة واحدة تكون منهم، وليس لنا مع بقائك على ما أنت عليه إجبار أو سلب حق من حقوقك.

    وبهذا يكون الإسلام قد وضع هذه التشريعات دعوة لهم إلى الصراط المستقيم، وللنجاة يوم المعاد من الجحيم.
    وبناء على ما تقدم، واذا سلم بسلامة هذا المقصد وصحته في هذه الأحكام ([54])، فينبغي حينئذ أن يراعى ويلاحظ ذلك في التعامل مع أهل الذمة على اختلاف الأزمنة والظروف، بما يحققه ويقرب ثمرته -وهو هدايتهم - لا بما يبعده ويقطع ثمرته، شريطة ألا يعطل نص ثابت، أو يلغى أصل عام، مع العناية بما فصله العلماء من ضوابط الأخذ بالمصالح والمقاصد.

    ولا يعني ما دكر أننا نغفل مقاصد أخرى في هذه الأحكام المتعلقة بأهل الذمة، تكون متعلقة بالمجتمع المسلم أو أفراده، غير أن هذا المقصد المتعلق بدعوة أهل الذمة وهدايتهم، من الأهمية بحيث لا ينبغي تقديم شيء عليه، بل هو عمل بالنص القرآني: (ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ)([55])، والحكمة وضع الشيء في محله الزماني والمكاني.
    ومن خلال ما تقدم أرى مناسبا أن أشير إلى وجه علاقة بين هذه الأحكام المتعلقة بأهل الذمة، وبين ما شرعه الله تعالى من تخصيص جزء من الزكاة للمؤلفة قلوبهم ([56]).
    فهما يجتمعان في أنهما وسيلتان دعويتان ترغبان في الإسلام، ويفترقان في أن الأول (أحكام أهل الذمة)، قائم على الترغيب المعنوي، وهو الترغيب بتحصيل المكانة الاجتماعية، والثاني قائم على العطاء المادي.
    وأيضا فإن الأول فيه صورة المنع لأجل العطاء ([57]).
    المطلب الثاني


    في تقسيم المقاصد الدعوية ، بالنظر إلى الموضوعات الدعوية، إلى قطعية كلية ، وقطعية تفصيلية


    تنقسم مقاصد الشريعة باعتبار العموم والخصوص، وبالنظر إلى متعلقاتها من التشريعات الربانية، والأحكام الشرعية إلى ثلاثة أقسام:
    أولها: المقاصد الكلية: وهي المقاصد التي ظهرت بعد استقراء جميع التشريعات الإسلامية، وهي الضروريات أو الكليات الخمس، والتي تفرعت عن تقسيم مقاصد الشريعة إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات ([58])، فكانت هذه الكليات الخمس، بيانا وتفصيلا للمرتبة الأولى (الضروريات).

    وهي بحسب الترتيب المشهور:
    1- الدين، 2- فالنفس، 3- فالعقل، 4- فالنسل، 5– فالمال ([59]).
    ويزيد البعض (العرض) سادسا بعد المال، مفرقا بينه وبين النسل، ومستندا في تفريقه إلى تفريق الشريعة في حديهما، فلحفظ النسب قد شرع حد الزنا، ولحفظ الجرض قد شرع حد القذف أو التعزير ([60]).
    ثانيها: المقاصد الإجمالية لشرائع مخصوصة: كشريعة الصلاة، والزكاة، والنكاح،.. الخ، فينظر إلى المقصود الأعظم فيها على سبيل العموم، كما يقال: إن المقصود من الصلاة تحقيق تمام الخضوع والتذلل لله تعالى، وإظهار نهاية التعظيم، وأداء حق الشكر له سبحانه، والمقصود من النكاح هو بقاء النسل والمحافظة عليه وعدم اختلاطه، وهكذا ([61]).

    ثالثها: المقاصد التفصيلية الجزئية: وهي إما مقاصد لفروع الشرائع الكبرى، من الصلاة، والحج، والأنكحة.. الخ، كمقصد الركوع أو التسبيح في الصلاة، أو التسبيع أو التيامن في الطواف، وما شابه ذلك، أو مقاصد خاصة وهي التي أطلق عليها المقاصد التابعة للمقاصد الأصلية التي روعي فيها حظ المكلف، على ما سيأتي بيانه في المطلب الثالث.

    وهذه القسمة الثلاثية مجتمعة لمقاصد الشريعة لم يصرح بها العلماء السابقون ([62])، ولكنهم تكلموا عن كل واحد منها على نحو مستقل، فأما المقاصد الكلية فقد اشتهر الحديث عنها والتصريح بها في كتب المقاصد وأصول الفقه، وأما القسمان الآخران فلم يصرحوا بهما، ولكنهم لفوا فيهما مؤلفات ([63])، ومزجوا بينهما([64]).
    ومشاكلة لهذا التقسيم السابق لمقاصد الشريعة، الملحوظ فيه العموم والخصوص بالنسبة للتشريعات الربانية.. يمكن تقسيم مقاصد الدعوة بالنظر إلى الموضوعات الدعوية إلى ما يلي:
    المقاصد القطعية الكلية.

    والمقاصد القطعية التفصيلية ([65]).

    أولا- الكلام في المقاصد القطعية الكلية:
    نعني بها تلك المبادئ الكبرى، والأصول العظمى في الدين، سواء في باب العقائد أو التشريعات العملية أو الأخلاقية، التي لا تقبل الاجتهاد، بل هي ثوابت لا تتغير.([66])
    ومن أمثلتها: إقامة الدين على التوحيد، وإقامة ذكر الله تعالى في الأرض، والخضوع والتذلل له، وتحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وإقامة العدل والميزان، وكفالة كرامة الإنسان، وحفظ الحقوق، وأداء الأمانات، والتكافل والتراحم في المجتمعات، والتواصل ونبذ العداوات، والوقوف في وجه الإباحية، من قتل، وزنى، وشرب مسكر ومخدرات، ومنع سائر الفواحش والإثم والبغي، وما شابه وماثل من ثوابت الدين الحنيف ومبادئه.
    ومن أمثلتها أيضا: أركان العبادات، من حيث أصل تشريعها، لا من حيث تفصيلات تشريعاتها، فأصل الصلاة مثلا، وهو وجود العبادة الدالة على الخضوع والتذلل لله تعالى.. أمر كلي عام، وأما تحديد أوقاتها وعددها وأعداد ركعاتها وهيئآتها فتفصيلات لها، فهي خارجة بقيد (الكلية).
    ومن أمثلة القطعيات التفصيلية أيضأ الخارجة بهذا القيد: أنصبة المواريث المنصوص عليها في القرآن، فهي من القطعيات، لكنها لا تتسم بالكلية، بل هي تفصيل لإثبات مبدأ العدل وإثبات الحقوق.

    ومن سمات هذا النوع من مقاصد الدعوة (القطعية الكلية): أنها كفيلة بمجموعها أن تعطي تصورا إجماليا كليا للدين الإسلامي، أو كفيلة بالتعبير عن جوهر الإسلام وحقيقته، فهي تصلح أن تكون جوابا لسائل عن الدين الإسلامي وتفا يدخل فيه: إلى ماذا يدعو إليه هذا الدين ؟.
    ولهذا كانت هذه الموضوعات هي أول ما علق في أذهان كفار قريش من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم، يتضح ذلك من خلال حديث أبي سفيان رضي الله عنه قبيل إسلامه مع قيصر، وقد سأل أبا سفيان عدة أسئلة، وكان آخرها قوله له: "ماذا يأمركم ؟." فقال أبو سفيان: "يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة" ([67]).
    ومن الأمثلة أيضأ لهذه المقاصد الدعوية الكلية القطعية: ما يفيده قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ وإيتَاءِ ذِي القُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ([68]).
    قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وأمر ونهي من هذه الآية "، فذكرها، وفي رواية الحاكم في مستدركه: "إن أجمع آية في القرآن للخير والشر في سورة النحل: (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ.....)" ([69]).
    وقال ابن عبد البر: "وقد قالت العلماء: إن أجمع آية للبر والفضل ومكارم الأخلاق: قوله عز وجل..." فذكرها ([70]).

    وقد كان حسنا وموافقا لمقاصد الدعوة.. أن تواضع المسلمون أعصارا على أن تكون هذه الآية ختام أهم مظهر دعوي أسبوعي يتسم بالخطاب العام وعدم الخصوصية، وبحضور عامة الناس على اختلاف مستوياتهم، وهو خطبة الجمعة ([71]).
    وأشير هنا إلى أن هذه المقاصد القطعية الكلية منها: ما هو لصق بمفهوم الدعوة وحقيقتها من غيره، وهو ما كان متضمنا لأسباب الصلاح ومقاصد الهداية للمكلف، وعلى نحو قريب، وذلك كشريعة الصلاة، إذ نص القرآن الكريم على أن من أهم مقاصدها: النهي عن الفحشاء والمنكر، وهو مقصد دعوي، وإن شئت قل حقيقة الدعوة، قال الله عز وجل: (وأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ)([72]).
    ومن ذلك: شريعة الزكاة التي شرعت لأجل تزكية النفس وتطهيرها من الدنس، وهو مقصد دعوي أيضأ، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا) ([73]).
    وقال تعالى في شأن الصيام منبها على مقصد التقوى فيه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ([74]).

    فهذه الغايات والأهداف المشار إليها في الآيات الكريمات، من الكف عن الفحشاء والمنكر، وتحصيل التزكية والتطهير للنفس، واكتساب التقوى، هي مقاصد وغايات دعوية، تحققها تلك الشرائع العبادية، مما تجعلها أكثر لصوقا بالدعوة من غيرها من الشرائع غير المتسمة بمثل هذه السمة.
    ولذا يجوز أن نقصر مقاصد الدعوة القطعية الكلية على ما اتسم بذلك لو أردنا زيادة في الخصوصية للدعوة([75]).
    ثانيا: الكلام في المقاصد القطعية التفصيلية:

    ونعني بها التشريعات التي فضلت فيها الكليات القطعية السابقة، أي هي سائر أحكام الشريعة سوى الكليات القطعية.
    وجعلت على كثرتها وتشعبها مقصدا دعويا، بالنظر إلى أن الشريعة كلها من حيث العموم.. هي موضوع الدعوة إلى الله تعالى.
    ثم هذه المقاصد القطعية التفصيلية تنقسم إلى مراتب، أختار إجمالها في مرتبتين:
    الأولى: ما كان منها مطلوبا على سبيل اللزوم، فعلا أو تركا، وذلك كعدد الركعات، وكثير من أنصبة الزكوات والمواريث، وكثير من شروط العقود المالية أو الأسرية، وكتحريم الذهب على الذكور، وتحريم بيع الغرر، ونحو ذلك.
    المرتبة الثانية: ما كان منها مطلوبا بغير إلزام، بل على وجه الندب، كالنوافل الراتبة، وأذكار اليوم والليلة، وغير ذلك.

    وأريد من القطعي هنا: المتفق عليه الذي سلم من الخلاف المعتد به.
    فيخرج بذلك الاجتهاديات، فلا أرى وجها لإدخالها في مقاصد الموضوعات الدعوية، إذ ليس تفة اجتهاد بأولى من اجتهاد، فكلاهما شرعيان، إذ لو كانا أو أحدهما غير شرعيين، لما ترتب عليهما ثواب من الله تعالى، مع ثبوته بالنص كما في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب.. فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطا فله أجر واحد" ([76]).
    وقد بني على شرعية الاجتهاد وترتب الثواب عليه.. منع الإنكار فيه.
    يقول الإمام أبو الحسن الماوردي: "وأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته، فلا مدخل له في إنكاره، إلا أن يكون مما ضعف فيه الخلاف، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه" ([77]).

    ويقول الإمام النووي، رحمه الله تعالى: "ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين، أو كثرهم، وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه "([78]).

    لكن أشير هنا لأمرين:
    الأول: أن بعض المسائل الاجتهادية تكون مترددة بين الوجوب والندب، فهذه من قبيل المتفق على مطلوبيته، المختلف في مرتبة هذا الطلب، كصلاة الوتر مثلا، فهي داخلة في موضوعات الدعوة بالنظر إلى عموم الطلب فيها، بقطع النظر عن الاختلاف الواقع في مرتبة هذا الطلب، هل هو الوجوب أو الندب.

    الأمر الثاني: أن البحث في المسائل الاجتهادية وتحريرها، يختلف عن ذات المسائل الاجتهادية، أعني المسألة العملية الواقعة في محل الاجتهاد، فالبحث والتحرير باعتبارهما من قبيل طلب العلم الشرعي.. هما من الموضوعات الدعوية، فطلب العلم وتحريره من المتفق عليه، وأما ما هو في محل الاجتهاد، وهو ذات المسألة المجتهد فيها، فلا أرى وجه دخولها في موضوعات الدعوة، والله أعلم.
    والحاصل أن هناك فرقا بين مفردات المسائل الاجتهادية، وبين البحث في تحرير تلك المسائل، والخلط بين الأمرين يوقع في الاشتباه.
    ثم هذا النوع من مقاصد الدعوة (المقاصد التفصيلية)، بمرتبتيه، يقال فيه ما قيل في سابقه (المقاصد الكلية القطعية) من أن هذه التشريعات التفصيلية منها ما هو لصيق قريب من حقيقة الدعوة، وهو ما كان متضمنا لأسباب الصلاح ومقاصد الهداية على وجه قريب، ومنها البعيد من ذلك.
    فمن أمثلة النوع القريب للدعوة: الشفقة أو الرحمة على الخلق.
    وكانت مثالا للمقصد التفصيلي لأن الكمال في الشفقة والرحمة ليس له حد مقدر، وان كانت رحمة الخلق في أصلها مقصدا كليا، فالمقصود هنا كمال هذه الصفة لا أصل وجودها، وهي بهذا من قبيل المقاصد التفصيلية.

    وأما عن قربه للدعوة، فلأنه سبب من أسباب إصلاح النفس الإمارة بالسوء، دليل ذلك من مقدمتين:
    الأولى: أن النفس أمارة بالسوء، إلا النفس التي دخلت في الرحمة الإلهية، بمقتضى موله تعالى: (ومَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)([79])، حيث دلت هذه الآية أن الرحمة الإلهية تصلح هذه النفس وتمنع سوءها، وتنقلها من النفس الأمارة إلى النفس المرحومة، وهو مقصد دعوي.
    والمقدمة الثانية: أنه يلزم من ذلك أن كل ما يستجلب الرحمة الإلهية، يكون سببا في إصلاح النفس البشرية، ومن ذلك الرحمة والشفقة بالخلق، بمقتضى قوله عليه الصلاة والسلام: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرخمكم من في السماء "([80]).
    فينتج عن ذلك أن الرحمة والشفقة بالخلق مما يصلح النفس ويمنع ضرر الأمر بالسوء الناتج عنها.
    ويقال في كل ما ورد في الشرع: إنه يستجلب الرحمة الإلهية، ما قيل في الشفقة والرحمة بالخلق.

    ومن الأمثلة الشرعية على المقاصد التفصيلية القريبة من حقيقة الدعوة: مجاهدة الإنسان نفسه، قال الله تعالى: (والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ"([81])، وهذه المجاهدة شاملة لمجاهدة المحرمات، والمكروهات، والتوسع في الملذات المباحة، فهي من قبيل المقاصد التفصيلية، وقد أثبتت الآية الكريمة أنها سبب لتمام الهداية الربانية، وهو ما يسعى الداعية إلى تحقيقه في نفسه والآخرين.
    وأشير في ختام الكلام على هذا النوع من أقسام المقاصد الدعوية: (القطعية الكلية، والقطعية التفصيلية، بالنظر إلى الموضوعات الدعوية) إلى عدة أمور:
    أن هذا التقسيم للمقاصد الدعوية بنوعيه القطعيين - الذي لوحظ فيه الموضوعات الشرعية - قد أطلق عليه في كتب الدعوة المعاصرة: فقه الأولويات ([82])، إذ بناؤه على الأهم والأولى، وعلى اختلاف مراتب الأحكام الشرعية.
    وأن هذا التقسيم من قبيل الجائز، فهو غير محصور بما ذكر، بل يمكن أن يختلف التقسيم أو تتعدد مراتبه، أو يلحظ فيه أمور أخرى، كالاختلاف بين فروض العين وفروض الكفاية، أو بين الكبائر والصغائر والمشتبهات، وغير ذلك([83]).
    أننا إن يممنا التحقيق والدقة في هذا النوع من المقاصد الدعوية، فإنها لا تعدو في حقيقتها أن تكون صورا جزئية لمقاصد الشريعة، ولذا يمكننا القول: بأنها مقاصد شرعية ذات طابع دعوي.

    يتبع



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,618

    افتراضي رد: أقسام مقاصد الدعوة إلى الله تعالى

    أقسام مقاصد الدعوة إلى الله تعالى [*]


    د. عبدالناصر بن خليفة اللوغاني[**]

    المطلب الثالث


    تقسيم المقاصد الدعوية ، بالنظر للمنفعة الحاصلة للداعية، إلى أصلية وتابعة

    تنقسم مقاصد الشريعة إلى مقاصد أصلية، ومقاصد تابعة أو فرعية.
    وقد أبان ذلك الشاطبي وكشف عنه في (موافقاته).
    وحاصل هذا التقسيم الثنائي: أن الأصلية هي ما لا حظ فيها للمكلف، وهي الضروريات المعتبرة في كل ملة، وأما التابعة: فهي ما روعي فيها حظ المكلف ([84]).

    فالصلاة مثلا، مقصودها الأصلي تحقيق الانقياد والخضوع والتذلل والانكسار للملك الغفار، ويتبع ذلك ما يجنيه المكلف من صحة بدن، وراحة نفس، وانضباط وقت، وغير ذلك من فوائد وعوائد لشريعة الصلاة.
    فهذا نوع من أنواع مقاصد الشريعة.
    وعليه يمكن أن نقسم مقاصد الدعوة على منوال هذا النوع من مقاصد الشريعة، أي على قسمين:

    المقاصد الدعوية الأصلية: وهي ما أمرت به الشريعة وندبت إليه، مما يتكلفه الإنسان ويبذل جهده في تحقيقه، فيقصده تعبدا وتحقيقا لأمر الشارع لا غير، وعلامتها: أنها غير مشوبة بحظ النفس ونصيب الدنيا.

    والمقاصد الدعوية التابعة: وهي تلك المصالح التي تنتج عن مقصد أصلي، لكنها غير مرادة للشرع بالأصالة، وجعلت مع ذلك مقصدا لما تتضمنه من المصلحة، ثم علامتها -في الغالب - أن تكون مشوبة بحظ النفس ونصيب الدنيا.

    والمهم في ميدان الدعوة إلى الله تعالى بيان أن المقاصد الأصلية هي التي يجب على الداعية أن يلحظها في دعوته، ويعقد عليها قلبه في نصرته، إذ هي المتعبد بها من قبل الحق عز وجل، وهي الأمر الشرعي الذي كلف به ([85]).
    وأما التابعة، فهي خادمة للأصلية، فلا تلحظ لذاتها، بل يتعين مراقبة النوايا والعزائم من دخولها وتسللها، حتى لا تفسد مشروعية المقصد الأصلي، فإنها إن قصدت لذاتها فقد خرج الأمر عن أن يكون محبوبا لله تعالى، مشروعا في دينه.
    وهي - على ذلك - لا تختلف عن مقاصد الشريعة، سوى في أن موضوعاتها متعلقة بالدعوة إلى الله تعالى.
    وبالمثال يتضح المقال:
    فمن ذلك هداية الناس ودخولهم في الإسلام، فإنه مقصد أصلي من مقاصد الدعوة، بل هو مقصدها الأول، وقد دعت الشريعة إليه بما لا مزيد عليه.


    والدخول في الإسلام له نتائج وثمار كثيرة، تتوافر فيها شروط المقصد التابع، من كونه نتيجة وثمرة لمقصد أصلي، ومشتملا في الوقت نفسه على مرغوب للنفس من حظوظ الدنيا.
    ولذلك صور كثيرة، منها:


    ما يتحصل من أموال زكوات هؤلاء الناس، والاستفادة من خبراتهم وصناعاتهم، وما شابه ذلك.
    ومنها - ولعله أوضح من سابقه - ما: لو كان لمسلم قريب كافر يرثه، كزوجة ذمية مثلا، فإن في إسلامها تحصيل ميراثها، ووقوع هذا المال في يد أحد المسلمين من المصالح الظاهرة، غير أن حظ النفس فيه أظهر وأجلى، أعني في حق الوارث.
    ومن ذلك: ما يتحصل من المغانم في الجهاد القتالي، فهي من التوابع، وحظ النفس فيها ظاهر.
    بل لو عددنا إقامة الجهاد والخروج في سبيل الله تعالى مقصدا أصليا.. لم نكن مباعدين ولا متكلفين، بل هو كذلك، فإن بالجهاد -على اختلاف أنواعه- يقوم كيان الدعوة، وتقوى وتحمى به، وهذه مقاصد أصلية.
    وقد جمع الأمران - أعني الجهاد في سبيل الله من حيث إنه مقصد أصلي، وما يتبعه من مقاصد تابعة - في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو على ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة))([86]).

    و ((إلا)) في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يخرجه إلا جهادا في...)) أداة قصر، وفي ذلك تصريح بمطلوبية وقصد هذا الأمر: الجهاد الخالص النية لله تعالى، من غير إشراك شيء معه ([87]).
    فهذا الحديث يدل على عدة دلالات، منها:


    أن المقصد التابع، مقصد معتبر شرعا.
    وأن الواجب على الداعية أن يقصر نيته على إرادة المقصد الأصلي، دون أن يلتفت لغيره: ((لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي)).
    وأن المقاصد الشرعية الأصلية، قد تكون وسيلة باعتبار، ومقصدا باعتبار آخر، كما هو الحال في شريعة الجهاد.
    وعند تأمل الأمثلة السابقة لهذا النوع، نجدها أمثلة لمقاصد مادية فقط.

    ودفعا لتوهم أن الأمر مقصور على ذلك، أمثل لبعض مقاصد تابعة معنوية:
    من ذلك توابع نشر علوم الشرع، فإن نشر علوم الشريعة مقصد أصلي، من أجل وأشرف وظائف كفل الدعاة، ثم يتبع ذلك مقاصد تابعة كثيرة، كتكثير الأتباع، وتحصيل المكانة الاجتماعية، وغير ذلك من أمور تعين على نشر الدعوة.
    وقد يتساءل سائل حول فائدة هذا التقسيم السالف الذكر، فإن فائدته مقارنة بسابقيه قد تكون أقل ظهورا، ولذا سأورد هنا بعض فوائده، فمنها:

    ترجيح المقاصد الأصلية على التابعة عند تعارضهما، وهذا أمر واضح غني عن التصريح.
    ومنها الاعتبار بالمقاصد التابعة في الترجيح عند تعارض المصالح الأصلية ذاتها، إذ إننا لما رأينا الشرع قد اعتبر المقاصد التابعة بوجه من الاعتبار، علمنا أن لها محلا في الترجيح.

    ومنها - بل من أهمها -: حصول التمييز والوضوح لدى الداعية بين المقاصد، فيسهل عليه مراقبة قصود؟ ونواياه، فلا تتوجه همته ولا تخلص عزيمته ونيته للمقاصد التابعة دون الأصلية، فيحبط عمله، وتنزع البركة من جهده، فكم من داعية ادعى تحصيل شيء من هذه المقاصد التابعة لأجل الدعوة، فاستفرغ جهده، وصرف أيامه ولياليه عليها باسم الدعوة، ثم يكشف الواقع أنه داع لحظوظ نفسه، ساع لمصلحة شخصه، وهذا أسوأ حالا ممن ترك مهمة الدعوة رأسا.
    قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: "إن كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق، من غير التفات إلى الأمر أو النهي أو التخيير، فهو باطل بإطلاق، لأنه لا بد للعمل من حامل يحمل عليه، وداع يدعو إليه، فإذا لم يكن لتلبية الشارع في ذلك مدخل، فليس إلا مقتضى الهوى والشهوة، وما كان كذلك فهو باطل بإطلاق؛ لأنه خلاف الحق بإطلاق"([88]).

    ثم أورد حديث ابن مسعود رضي الله عنه لبعض أصحابه: "إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسال، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون في الخطبة، يبدؤون أعمالهم قبل أهوائهم، وسياتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسال، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدؤون فيه أهواءهم قبل أعمالهم" ([89]).

    وهنا مسألة مشهورة عند أهل العلم، يحسن إيرادها والعود بالذهن إليها في هذا المقام، وهي:
    هل يؤجر الإنسان على أعماله الصالحة التي شابها بقصود دنيوية، وحظوظ نفسية ؟.

    والكلام في المشوب - كما لا يخفى - لا فيما كان خالصا لله تعالى، ولا فيما فعل لغيره تعالى من غير شوب.
    للعلماء في هذه المسألة مذاهب:
    فقيل: لا يترتب على العمل أفي ثواب إلا إذا كان خالصا لوجه الله تعالى، لم يشب بشيء من حظوظ النفس وأغراض الدنيا، وأما لو شيب بشيء من ذلك ولو قليلا.. بطل رأسا، وكان حكمه كما لو تمحض للدنيا، وهو اختيار الحارث المحاسبي، والعز ابن عبدالسلام رحمهما الله تعالى ([90]).
    وقيل: إذا كان الباعث الأول هو إرادة وجه الله تعالى، لم يضره ما انضاف إليه بعد ذلك من باعث النفس، وهذا ما ذهب إليه الطبري، وابن أبي جمرة، ونسبه لمالك ([91])، ويفهم من صنيع الحافظ في الفتح أنه اختياره ([92]).
    وقيل: إن مرد الأمر بحسب قوة الباعث، فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي، تقاوما وتساقطا، وصار عمل الإنسان لا له ولا عليه، وإن كان باعث الرياء أقوى، فهو ضار بصاحبه، مقتض للعقاب، غير أن العقاب فيه أخف من العقاب في العمل الذي تجرد للرياء، وأما إن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر، فله ثواب بقدر النسبة الزائدة في الباعث الديني، وهذا اختيار الغزالي، وأبي العباس القرطبي، وحكاه عن الجمهور ([93]).
    قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: "وعندي أن الغزاة لا يدركون في أنفسهم تفرقة بين غزو الكفار في جهة تكثر فيها الغنائم وبين جهة لا غنيمة فيها، ويبعد أن يقال: إدراك هذه التفرقة يحبط بالكلية ثواب جهادهم، بل العدل أن يقال: إذا كان الباعث الأصلي والمزعج القوي هو إعلاء كلمة الله تعالى، وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية، فلا يحبط به الثواب، نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا، فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة" ([94]).


    فهذه ثلاثة أقوال.
    ويظهر لي، والله تعالى أعلم، ألا تعارض بين القولين: الثاني والثالث، إذ هما غير واردين على محل واحد، أو صورة واحدة، بيان ذلك:
    أن أصحاب القول الثاني أطلقوا القول: بأن مرد الأمر للباعث الأول، ويبعد كل البعد أنهم يقولون بذلك حتى لو فلبت النية رأسا، ولم يرد من الفعل وجه الله تعالى إلا في جزء صغير جدا في الابتداء.

    وإنما حداهم إلى ذلك - والله أعلم - أن الغالب من أحوال الناس في الأعمال، الذي يقع عليه غالبا السؤال والإشكال، هو وقوع العمل بشوب يعسر تمييزه وتحديد مقداره، فاعتبروا حينئذ بالابتداء، إذ تقدير نسبة الإخلاص أو الرياء في غيره عسير.
    وأما القول الثالث ففصل الأمر ولم يجمل، وقيد ولم يطلق، ولم ينظر لسهولة التمييز أو عدمه من قتل عامة الناس، طلبا لتحرير المسألة.
    ثم إني بعد كتابة ما سبق وقفت على عبارة في المسألة للإمام الشاطبي، رحمه الله تعالى، قال فيها: "وأما إن امتزج فيه الأمران، فكان معمولا بهما، فالحكم للغالب والسابق" ([95])، فانظر وتأمل الجمع بين: (الغالب) و(السابق)، وعدم جعل أحدهما قسيما للآخر. والله تعالى أعلم.


    المبحث الثالث


    في المقاصد الدعوية الكلية المنبثقة عن ماهية الدعوة


    المقاصد الكلية للدعوة إلى الله تعالى هي مقاصد كبرى، غير أنها لا تنتهي إلى المقصد الأكبر أو الأعظم للدعوة، الذي هو نهاية المقاصد والغايات، هو إيصال العباد لرب البريات، أو هداية الخلق إلى الحق، وتحقيق الفلاح لهم في الأولى والآخرة، والذي هو المقصد الأكبر للشريعة عامة، وقد سبق الكلام عليه في المبحث الأول.
    أقول: المقاصد الكلية لا تنتهي إلى ذلك، بل هي في مرتبة قبل هذه المرتبة الكبرى، وفوق غيرها من مراتب المقاصد ([96]).
    وقد قسمت هذه المقاصد إلى ثلاثة أقسام، استرشادا واستلهاما من الصفات التي وصف الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في أربعة مواطن من كتابه الكريم ([97]).


    وهي أوصاف تتعلق بدعوته لأمته، وبمدعويه ونوع خطابه لهم في رسالته وبعثته.
    -فالوصف الأول: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ).
    والثاني: (ويُزَكِّيهِمْ).
    والثالث: (ويُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ).
    وهذه الصفات الشريفة، إنما هي صفات ملحوظ فيها جانب الدعوة والرسالة والهداية والإصلاح في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي تفسير لمعنى رسالته، أو لجزء مهم منها.
    ولهذا - والله أعلم - شبقت بالإشارة إلى البعثة والرسالة: (رَبَّنَا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً)، (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ)، (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ)، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً).

    وعليه فإن أصول هذه الصفات ومعانيها العامة تمثل ماهية الدعوة، وتتضمن الإشارة إلى أهم أركانها، وبناع على ذلك فقد تجلت مقاصد الدعوة في ثلاثة مقاصد:

    تحقيق التبليغ والبيان، والنذارة والبشارة للناس، إقامة لحجة الله تعالى على خلقه، وإعذارا لهم.
    التزكية والتربية للنفس البشرية، وهي التنقية والتخلية من "دنس الطباع وسوء الاعتقاد والأعمال" ([98])، ثم تحليتها بضد ذلك.

    نشر علوم الشريعة النقلية والعقلية، والتوقيف على أحكامها ومعانيها وأسرارها، وذلك من خلال:
    تفهيم معاني الفرقان الكريم وحقائقه، والتوقيف على دلائل آياته، وما انطوى عليه من الحكم والأسرار.
    والتفقيه في الدين وتغفله، بتعليم طرق استنباط أحكامه من نصوصه، وتنزيلها من الواقع على وجهها الصحيح، ورسم وإيضاح منهج التفكير السليم.
    وستفصل هذه المقاصد في مطلب آتي، يتلوه مطلب ثاني في أسئلة قد يعترض بها على هذا القسم من أقسام المقاصد الدعوية، مع إيراد الجواب عنها، والله الموفق.
    المطلب الأولى


    في بيان وشرح هذه المقاصد الكلية


    المقصد الكلي الأولى:

    تحقيق التبليغ والبيان، والنذارة والبشارة للناس، إقامة لحجة الله تعالى على خلقه، وإعذارا لهم.
    وهذا المقصد قد خص في بعض الآيات الكريمات بالذكر الصريح، منها: قوده تعالى: (رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ([99]).
    ومنها قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ وهُوَ الَعَزِيزُ الحَكِيمُ) ([100]).

    بل جاءت آيات أخرى فقصرت مقصد الرسالة ومهمة الرسل في ذلك، بيانا لأهميته وعلو رتبته، قال عز من قائل: (ومَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلاَّ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ) ([101]).
    والدعاة إلى الله تعالى أخذوا هذا الحكم (التبشير والنذارة) أو هذا التكليف.. بالتبعية الصحيحة للنبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ) ([102]).
    أو بحكم الوراثة النبوية المنصوص عليها بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن العلماء ورثة الأنبياء" ([103]).
    المقصد الكلي الثاني:

    التزكية والتربية للنفس البشرية، وهي التنقية والتخلية من "دنس الطباع وسوء الاعتقاد والأعمال"([104])، ثم تحليتها بضد ذلك.
    قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: "... فمعنى قوله: (ويُزَكِّيهِمْ) في هذا الموضع: ويطهرهم من الشرك، وعبادة الأوثان، وينفيهم ويكثرهم بطاعة الله" ([105]).

    فتطهير النفس البشرية من سيئ الاعتقادات، من الشرك والكفر بصورتيه: الأكبر والأصغر، ومن ذميم الأخلاق، من كبر، وحسد، وعجب، وبغضاء، وتعلق بالدنيا وحطامها، وتشاحن عليها، وإسراف في الشهوات والملذات، وغير ذلك، ثم تحليتها بضد ذلك...هو أحد المقاصد الدعوية الكلية، أو الكبرى.

    وهذا أمر يختلف عن مجرد التبليغ ويزيد عليه، إذ التبليغ مرحلة هدفها الرئيس الإقناع بالأمر، وبيان حقيته، وتوضيح صورته، وإجلاء حقيقته، ثم تأتي التزكية بعد اقتناع المدعو بالدعوة وإيمانه بها، فإن الانصياع والاستسلام للأوامر الربانية، ومخالفة النفس والهوى والشيطان.. لا يتوقف على مجرد الاقتناع والتصديق، والا لما كان هناك مؤمن طائع، وآخر عاص، ولما اختلفت مراتب أهل الاصطفاء الرباني بالتوحيد، المشار إليهم بقوله عز وجل: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ومِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ)([106]).

    ومن هنا يعلم أن هذا المقصد يتوجه إليه ويؤم بعد الأول، إذ من شرطه تحقق الأول.
    المقصد الكلي الثالث:

    نشر علوم الشريعة النقلية والعقلية، والتوقيف على أحكامها ومعانيها وأسرارها، وذلك من خلال:

    تفهيم معاني الفرقان الكريم وحقائقه، والتوقيف على دلائل آياته، وما انطوى عليه من الحكم والأسرار.
    والتفقيه في الدين وتعقله، بتعليم طرق استنباط أحكامه من نصوصه، وتنزيلها من الواقع على وجهها الصحيح، ورسم وإيضاح منهج التفكير السليم.
    استرشادا واستلهاما من قوله تعالى: (ويُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ).
    فالكتاب هو القرآن، وأما الحكمة فللمفسرين فيها أقوال متعددة، وهي بالإجمال متقاربة غير متعارضة مع ما نحن بصدده، ومن أشهر الأقوال وأشملها في تفسير الحكمة في هذه الآية: أنها الفقه في الدين والمعرفة فيه وتعقله، وهو قول النخعي ([107]) ومالك بن أنس، وابن زيد ([108])، رحمهم الله تعالى، وقرأ ابن زيد بعد تفسيره للحكمة: (واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا)([109])، ثم قال:
    "لم ينتفع بالآيات حيث لم تكن معها حكمة، قال: والحكمة شيء يجعله الله في القلب ينور له به" ([110]).


    وقال الإمام مالك: "وانه ليقع في قلبي: أن الحكمة هي الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما بأمر دينه، بصيرا به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله" ([111]).
    وفي تفسير ابن عطية: "وروى ابن وهب عن مالك: الحكمة: الفقه في الدين، والفهم الذي هو سجية ونوز من الله تعالى" ([112]).
    فتعليم الكتاب والحكمة، وتعليم الشريعة منقولا ومعقوفي والتوقيف على أحكامها ومعانيها.. من أجل وأسمى مقاصد الدعوة الكلية، وهو مرتبة تقصد بعد التخلي عن دنس الصفات والطباع.
    قال العلامة محمود الآلوسي رحمه الله تعالى في تفسيره (روح المعاني): "(ويُعَلِّمُكُ مُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ)، صفة -أي للنبي صلى الله عليه وسلم- إثر صفة ([113])، وأخرت لأن تعليم الكتاب وتفهيم ما انطوى عليه من الحكمة الإلهية والأسرار الربانية إنما يكون بعد التخلي عن دنس الشرك ونجس الشك بالاتباع، وأما قبل ذلك فالكفر حجاب" ([114]).
    وهذا المقصد الثالث، إنما يؤم ويقصد بعد سابقيه، من حيث الواقع الخارجي، إذ العلوم الاختصاصية في الشريعة إنما تناط بأهل العلم والعمل والخشية، وأهل التزكية والصلاح، الذين هم ورثة الأنبياء، وأهل الدعوة الكاملة حقا.


    أما من لم تكتمل تزكيته وتربيته من حملة العلوم الشرعية، فهو غير مؤهل للدعوة الكاملة، والدلالة على الله تعالى، التي تعبر عن الميراث النبوي، بل قد لا يكون مؤتمنا على بيان أحكام الله تعالى، فعليم اللسان قد يكون أعظم صدا عن سواء السبيل من أهل الكفر والإلحاد.
    ولا يعني ذلك أن تعليم العلوم الشرعية التخصصية لا يكون إلا بعد اكتمال التزكية والتربية على الوجه المطلوب، بل قد يكون الجانبان -في كثير من مراحل مسيرة نموهما- متصاحبين متزامنين، وإنما المراد أن التزكية من حيث الأصالة مقدمة على العلم، بدليل أنه لا يصح أن يوصف شخص بأنه من علماء الشريعة وهو خالي عنها، مع صحة العكس.
    وأيضا يحتاج لهذا الترتيب، ويفزع له عند ترتيب الأولويات الدعوية في حالة تعارض الأهداف والمصالح.
    ولعل هذا أحد الأسباب في تقديم التزكية في الآيات الكريمات على التعليم، سوى في موضع واحد، وهو آية البقرة رقم (129) في دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام.
    ولا ريب أن هذا الترتيب في هذه الآية خولف لحكمة خاصة، تطرق لها العلامة الألوسي، رحمه الله تعالى في تفسيره على سبيل الاحتمال فقال: "رأى يطهرهم،...، وهو إشارة إلى التخلية، كما أن التعليم إشارة إلى التحلية، ولعل تقديم الثاني على الأول ([115])، لشرافته" ([116]).
    أي لشرف العلم، لا إلى الترتيب بحسب الواقع المقتضي لتقديم التخلية على التحلية.


    المطلب الثاني


    في أسئلة قد يعترض بها على هذا القسم من أقسام المقاصد الدعوية ، مع الجواب عنها

    وهنا قد ترد بعض الإشكالات، أو الأسئلة والاستفسارات، أورد سؤالين منها، فتبعا لهما بما يظهر لي من جوابهما، والله الموفق:
    فقد يقال: إن هذا المقصد الثالث: (نشر علوم الشريعة النقلية...) الخ، قد بني وأسس على قول واحد من عدة أقوال في تأويل للحكمة في الآية الكريمة، وثمة تأويلات أخرى لأهل العلم والتفسير، أفلا يلزم فيها التعارض مع ما قرر؟.
    وقد يقال أيضا: ما الفرق بين المقصد الأول الذي هو التبليغ والبيان، والمقصد الثالث الذي هو التعليم لما سبق تقريره، فهلا كانا مقصدا واحدا؟.
    جواب السؤال الأول:

    والجواب عنه من وجهين: عام، وخاص:
    أما الجواب العام: فإنه لم يرد من عبارة هذا المقصد، إيراد تفسير الآية الكريمة بعينه، إنما هو استهداء واستلهام بإضاءاتها الشريفة، يسمح بتضمين وجمع كثير من تأويلي للحكمة، بل ويشتمل على هدايات آيات أخرى في المقصد، وعليه فلا أثر للخلاف الجاري بين المفسرين في تأويلهم للحكمة فيما نحن بصدده.

    وهذا الكلام جار على المقاصد الثلاثة المذكورة كلها على حد سواء.

    وأما عن الجواب الخاص: فإن الذي يلوح بعد التأمل، أنه لا تعارض حقيقي بين أقوال السادة العلماء، وأن الجمع بينها قريب غير بعيد.

    نعم، التعبير بالفقه في الدين في هذا المقام قد يكون أولى من غيره، لاسيما إذا أخذ بالاعتبار واستصحب المعنى الأصلي للحكمة، الذي هو: إصابة الحق بالعلم والعقل ([117])، ووضع الشيء في موضعه ([118]).
    وبيان ذلك أن اختلافهم في معنى (الْحِكْمَةَ) في الآية الكريمة، يمكن أن نرده في جملته إلى ثلاثة معان ([119]):

    - الشريعة.
    - والسنة.
    - والفقه في الدين وتعقله.

    فأما الشريعة، فلها معنيان: عام وخاص:
    فأما المعنى الشرعي العام: فهو الائتمار بالتزام العبودية (([120])).
    وأما المعنى الشرعي الخاص: فهو الأحكام العملية الفرعية، مما تختلف فيه الشرائع السماوية ويعترضه النسخ، كما قاله الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى ([121]).


    فأي تعارض بين هذه المعاني للشريعة، وبين المقصد المذكور! بل هو جزء أصيل فيه، لاسيما على المعنى الخاص للشريعة.
    وأما عن تأويل الحكمة بالسنة، فالأمر فيه قريب من الأمر في التأويل بالشريعة، فالسنة في معناها الشرعي العام، الوارد في كلام النبي صلى الله عليه وآله سلم وكلام الصحابة والتابعين رضي الله عنهم: هي الطريقة المشروعة المتبعة في الدين، أو طريقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي كان يتحراها، أي المنهج النبوي الحنيف([122]).

    ثم إننا إذا رمنا المعنى المتحصل من الائتمار بالتزام العبودية ([123])، ونهاية مقصده، رأيناه متطابقا متوافقا مع المعنى المتحصل من السنة، التي هي الطريقة المشروعة المتبعة في الدين، فما المراد من ذلك إلا التزام العبودية والتحقق بها على الوجه الكامل.
    بل إن السنة بمعناها الشرعي الأصلي.. تطلق على الشريعة أيضا، وقذتم هذا المعنى في تعريفه للسنة على غيره.. المحقق محمد أعلى التهانوي في كتابه الموسوعي الجامع (كشاف اصطلاحات الفنون)، وعبارته:
    "وفي الشريعة تطلق (أي السنة) على معان، منها: الشريعة، وبهذا المعنى وقع قولهم: الأولى بالإمامة الأعلم بالسنة" ([124])، ثم أخذ في إيراد المعاني الأخرى.
    وبما قرر وذكر.. يعلم أن التعارض المتوهم مدفوع، ولا ضير على قائل: إن من مقاصد الدعوة الكبرى: تعليم الحكمة. التي هي مفهوم شامل لتعليم الشريعة المنقولة، ولتعليم أدوات القدرة على الفقه والفهم والنظر في الأمور المعقولة، ولرسم المنهج الصحيح في الاستنباط للأحكام.
    وهي مفهوم شامل - أيضا - لما جاء في الوحي المعصوم من السنة النبوية الشريفة في فهم الكتاب وفهم الدين، والتوقف عند حده" لاسيما فيما يتردد العقل البشري عند الاستنباط في الوقوف على المصلحة الراجحة فيه، فتتأرجح كفتا الميزان ولا ترجح، فلا تتضح المصلحة على نحو جلي موثوق، وخذ أنصبة المواريث مثالا على ذلك.


    بل أحيانا يقف العقل حائرا لا يقف على أي مرجح واضح في المسألة، ومن ذلك تحديد عدد ركعات الفرائض مثلا، فتأتي السنة لتبين ذلك.
    وبهذا المفهوم للحكمة، الشامل لتعليم طرق الاستنباط والأخذ بالمعقول تجتمع وتتلاقى التأويلات للحكمة ولا تتعارض، ويعلم أن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة لأمته، إنما هو تعليم لكيفية وضع الأمور في محالها، وعلى مقاديرها وأنصبتها التي تستحقها على أتم وجه وأكمله.
    واذا استصحب المعنى الأصلي للحكمة السابق ذكره، وهو: إصابة الحق بالعلم والعقل، ووضع الشيء في موضعه. علم دقة التعبير القرآني وعظمته، وأنه لا تعبير أدق ولا أوضح وأجلى منه، والله تعالى أعلم.
    ولا يفوتني أن أنبه قبل الانتقال لجواب السؤال الثاني إلى إن المقصود في هذا الجواب إنما هو دفع توهم التعارض أو التناقض المشار إليه، لا إثبات التماثل بين التأويلات، ولعله قد حصل بما ذكر.
    ثم إن مسالك بعض المفسرين تشير من مكان بعيد إلى عدم التعارض، ليس بين تأويلات الحكمة وما قرر فحسب، بل بين التأويلات المختلفة نفسها.
    فتجد بعضهم يمزج بين التأويلات ويرادفها، كما هو صنيع الإمام ابن عطية، رحمه الله تعالى، حيث قال في تفسير آية البقرة رقم (151):
    "و(الْحِكْمَةَ ): ما يتلقى عنه عليه السلام من سنة وفقه ودين"([125])، فرادف بين السنة والفقه.


    ونجده في تفسيره لآية البقرة، رقم (129)([126]) يفارق بين المعاني، في حين أنه في الموضعين الآخرين: آية آل عمران، رقم (379)([127])، وآية الجمعة، رقم (2) ([128])، نراه يقتصر في تفسيره للحكمة على السنة دون ما سواها.
    ونجد بعضا آخر من العلماء يختار من التأويلات في موضع ما لا يختاره في الموضع الآخر، كالإمام الخطيب الشربيني، رحمه الله تعالى، في تفسيره (السراج المنير)، فقد عبر في الموضع الأول للتأويل بالسنة بلفظة (قيل)، المشعر عنده بالمرجوحية ([129])، وأضاف إلى ذلك أن أخره فجعله سادس ستة تأويلات.


    ثم نجده في الموضع الثاني يقتصر على تفسير الحكمة بتعليم الأحكام، ويغفل سائر الأقوال، وكذا في الموضع الثالث يغفل سائر الأقوال، لكنه يقتصر على التفسير بالسنة، وفي الرابع يفسر الحكمة بأنها غاية الحكم بالكتاب في قوة فهمه والعمل به، ثم ينقل تفسيرها بالسنة عن غير واحد من السلف بلفظ (قال فلان)([130]).
    وليس نحو هذا الصنيع مقصورا على هذين المفسرين الإمامين الجليلين، بل مثلهما كثير، وإنما اقتصرت عليهما لوضوح التمثيل، ولترك التطويل.

    جواب السؤال الثاني:

    وهو ما الفرق بين المقصد الأول الذي هو التبليغ والبيان، والمقصد الثالث الذي هو التعليم لما سبق وفصل ذكره، فهلا كانا مقصدا واحدا؟.
    والجواب:
    أنه قد أشير إلى أن هذين المقصدين قد استلهما من قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ) ([131])، أي أنهما فرع لما ذكر في الآية، وقد فارقت الآية الكريمة بين التلاوة والتعليم، إذ عطفت بينهما، والأصل في العطف المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو وان كان جائزا لغير المغايرة، بأن يكون على سبيل التكرار للتأكيد، إلا أنه لا يصار إليه مع احتمال المغايرة، بل ترجحها، كيف وليس العطف من باب عطف المفردات، بل من باب عطف الجمل، وهي جمل صفات للنبي صلى الله عليه وسلم.
    وأيضا لم أقف على قائل بغير المغايرة.
    فهذا فيما يتعلق بإثبات وجود أصل المغايرة.
    وأما عن تفصيل وجوه الفرق بين التبليغ والتعليم، فيظهر لي أن الفرق من أربع جهات أو حيثيات:
    من حيث النوع وطبيعة المادة العلمية، ومن حيث القائم به، ومن حيث الفئة المستهدفة، ومن حيث الزمن والمرحلة.

    فأما النوع وطبيعة المادة العلمية، فالأصل في التبليغ أن يكون لقطعيات الدين وواضحاته، والمعلوم منه وضرورياته، وما شابه وقارب.
    وأما في التعليم فدائرته وميدانه الاجتهاديات الشرعية، والدقائق العلمية، وما يختص ببيانه والنظر فيه أهل العلم والرسوخ.
    وأما من حيث القائم به، فالتبليغ - في الأصل - مناط بكل مسلم، إذ هو تبليغ قطعيات الدين وواضحاته كما ذكر، والتعليم إنما يناط بأهل الاختصاص في علوم الشريعة.

    وأما من حيث الفئة المستهدفة، فالتبليغ شريحته كبر وأوسع، يقصد في خطابه المؤمن والكافر، والتقي والفاسق.
    وأما التعليم فهو للصفوة المستجيبة المختارة المريدة، ثم هو مراتب متفاوتة، ولكل مرتبة أهلها، وعليه فيخص بعض الناس ببعض العلوم دون غيرهم، بحسب مراتبهم ومستوياتهم، وليس هذا موجودا في التبليغ.

    وأما من حيث الزمن والمرحلة، فالأصل في التعليم أن يكون بعد حصول التصديق والاستجابة للدعوة، وبالعبارة المعاصرة: بعد القناعة بالفكرة الرئيسة للدعوة، أي بعد التبليغ والإقناع.

    ولا يخفى أن هذه الفروق بالنظر للحال الأصلي في الأمرين والغالب، لا للاستثناء وغير الغالب.
    هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلى وأعلم، وهو ولي التوفيق والسداد.
    يتبع




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,618

    افتراضي رد: أقسام مقاصد الدعوة إلى الله تعالى

    أقسام مقاصد الدعوة إلى الله تعالى [*]


    د. عبدالناصر بن خليفة اللوغاني[**]

    خاتمة في نتائج البحث وبعض التوصيات


    من خلال ما تقدم في هذا البحث، وصل الباحث إلى عدة نتائج وتوصيات، أجمل أهمها بما يلي:

    أن للدعوة إلى الله تعالى مقاصد وغايات محددة، تميزها عن سائر التشريعات الربانية، وبتمييز تلك المقاصد وضبط حدودها يتميز علم الدعوة عن غيره من العلوم الإسلامية، وتثريه وتكمل بناءه.
    كما تبين أن مقاصد الدعوة قد تنوعت إلى ثلاثة أنواع:
    النوع الأول: ما تطابق مع مقاصد الشريعة ومقاصد سائر العلوم الإسلامية كل التطابق، ليس له حظ من الاستقلال والانفصال، وهو المقصد العام الأكبر، وهو تحقيق كمال العبودية لله تعالى.
    النوع الثاني: ما انبثق أصله من التقسيمات العلمية لمقاصد الشريعة، وقد نتج عن هذا النوع ثلاثة أقسام باعتبارات مختلفة:

    فانقسمت بالنظر إلى فئات المدعوين إلى مقاصد عامة وأخرى خاصة.
    ثم انقسمت بالنظر إلى الموضوعات الدعوية إلى مقاصد قطعية كلية، ومقاصد قطعية تفصيلية، فالقطعية الكلية هي تلك المبادئ والأصول الكبرى في الشريعة، كإقامة التوحيد، وحفظ الحقوق، وأركان العبادات، وأما القطعية التفصيلية، فهي ما سوى الكبرى من التشريعات، وهذه القطعية التفصيلية على مرتبتين:
    الأولى: ما كان منها مطلوبا على سبيل اللزوم.
    الثانية: ما كان منها مطلوبا بغير إلزام.

    ثم انقسمت باعتبار المنفعة الدنيوية الحاصلة للداعية - مقاصد الدعوة - إلى مقاصد دعوية أصلية، وأخرى تابعة.
    النوع الثالث: ما انبثق أصله من ماهية الدعوة وحقيقتها، وهي المقاصد الموسومة بـ(المقاصد الكلية للدعوة)، وتلخصت في ثلاثة مقاصد:
    الأول: تحقيق التبليغ والبيان، والنذارة والبشارة للناس.
    الثاني: التزكية والتربية للنفس البشرية.
    الثالث: نشر علوم الشريعة النقلية والعقلية، والتوقيف على أحكامها ومعانيها وأسرارها، من خلال: تفهيم معاني الفرقان الكريم وحقائقه، والتوقيف على دلائل آياته، حكمه وأسراره، ومن خلال التفقيه في الدين وتغفله، بتعليم طرق استنباط أحكامه من نصوصه، وتنزيلها من الواقع على وجهها الصحيح، ورسم وإيضاح منهج التفكير السليم.

    واتضح من خلال هذا البحث أن تحقيق العبودية لله تعالى هو المقصد العام الأكبر، الذي تندرج تحته سائر المقاصد للأحكام الشرعية والمقاصد الدعوية على حد سواء، غير أن الدعوة إلى الله تعالى لما كانت وسيلة لهذا المقصد العام، كان لها من المكانة ما تشير إليه القاعدة الشهيرة: حكم الوسائل تابع لحكم المقاصد.
    وقد تقوى لدى الباحث في معنى العبادة الوارد في قوله تعالى: (ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)([132])، أن تفسيرها بـ(يعرفون).
    وتبين أن تحقيق العبودية الكاملة فناط بالتقاء مقصدين: مقصد المكلف، مع مقصد الشرع، فمتى اختل أحدهما، لم تتحقق العبودية المرجوة.
    وأن من خلال هذه الدراسة أن المقاصد الدعوية المنبثقة عن مقاصد الشريعة - عند التحقيق والدقة - لا تعدو أن تكون صورا وأمثلة جزئية لمقاصد الشريعة العامة المشهورة، أو قل: أمثلة لمقاصد شرعية ذات علاقة مباشرة بالدعوة.
    وهذا لا يلغي قيمة هذا النوع من المقاصد، بل لا يقلل من أهميتها في ميدان التنظير والتطبيق، لما لها من أثر في توسيع مدارك فقه الدعاة في دعوتهم، وتقويم مسيرتهم.

    وتبين أن المقاصد الدعوية الكلية التي فصلت في المبحث الثالث.. هي المقاصد التي عبرت عن ماهية الدعوة، وأعطت الخصوصية لشريعة الدعوة وعلمها عن سائر الشرائع الإسلامية وعلومها، وهي التي يمكن أن يعول عليها ويفزع إليها عند الحاجة لبيان ومعرفة خلاصة القول في المقاصد الدعوية.
    كما تبين أن الآية الكريمة (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)([133])، وما شابهها من الآيات.. قد أشارت إلى ماهية الدعوة، ومن ثم إلى مقاصدها الكلية.
    وكان هذا سر الانسجام والتوافق بين هذه المقاصد الكلية وتعريف الدعوة المذكور أول هذا البحث، وهو: "تبليغ الإسلام للناس، وتعليمهم إياه، وتطبيقه في واقع الحياة ([134])، إذ كلاهما مستلهم من هذه الآية الكريمة، فقد نص هذا التعريف بصريح العبارة على المقصدين الكليين: الأول والثالث ([135])، وأشار تضمنا إلى المقصد الثاني ([136])، فإن تطبيق الإسلام في واقع الحياة يتضمن التزكية والتربية للنفس البشرية.
    أظهرت هذه الدراسة بعض جوانب العلاقة والترابط بين علمي الدعوة ومقاصد الشريعة، غير أن بيان سائر أوجه هذه العلاقة وحقيقتها.. يحوج إلى دراسة مستقلة، وهو مما يوصي الباحث بالعناية بدراسته وتفصيل الكلام فيه.
    يوصي الباحث - أيضا - بدراسة أقوال أهل التفسير في قوله تعالى: (رَبَّنَا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) ([137])، وبقية الآيات الأربع ([138])، وتحقيق معاني التلاوة والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة، وتحقيق معنى السنة فيمن فسر الحكمة بها، فلم أر من أهل التفسير أو غيرهم من وسع في ذلك القول على وجه التتبع والتفصيل والتحرير.
    كما يوصي بأن تتناول دراسة أحكام أهل الذمة تناولا فقهيا دعويا جديدا، ضمن مفهوم المصلحة الدعوية التي أشير إلى شيء منها في المطلب الأول من المبحث الثاني المتعلق بتقسيم المقاصد الدعوية إلى خاصة وعامة بالنظر إلى فئات المدعوين.
    وليس المقصود من ذلك تغيير أحكام الأئمة المجتهدين من سلف هذه الأمة، وإنشاء بديل عنها، حاشا وكلا، بل المقصود أغراض أخرى، من أجلها:
    تفهم هذه الاجتهادات ومقاصد قائليها على وجهها الصحيح، ومن ثم الإصابة في تطبيقها، إذ حسن التطبيق فرع عن حسن الفهم، وسلفنا الصالح قد فقهوا النصوص، والخلف بحاجة لفقه أقوالهم واجتهاداتهم في فهمهم لتلك النصوص.
    تثوير الحكم والأسرار الشرعية في مثل هذه التشريعات التي قد تستغل لتشويه الشريعة الربانية والطعن بها، وإثارة الشبه عليها، ولبيان عظمتها وصلاحيتها الأبدية.
    السعي في تذليل صعوبات النظر الفقهي في مستجدات ونوازل معاصرة في هذا الميدان، لإعطائها الأحكام المناسبة الصحيحة من قبل المتأهلين، على ما تقتضيه قواعد أئمة الاجتهاد رحمهم الله تعالى.
    هذا، وعلى الله تبارك وتعالى المعول في أن يكون هذا البحث لبنة صالحة من لبنات علم الدعوة إلى الله عز وجل، وما زال موضوع مقاصد الدعوة مرتعا خصبا للباحثين والدارسين، وما قدم في هذه الوريقات إنما هو لبنة من لبنات بناء أرجو من الله تعالى كماته وتمامه على منوال العلوم الشرعية الأخرى التي نضجت.
    والله ولي التوفيق والسداد، وهو نعم المولى ونعم النصير،

    والحمد لله رب العالمين
    وصلى الله وسلم على خير خلقه سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
    والحمد لله رب العالمين


    فهرس المصادر والمراجع


    إتحاف السادة المتقين، لمحمد بن محمد الزبيدي. دار الفكر. بيروت.
    إثبات العلل. لمحمد بن علي الحكيم الترمذي. تحقيق خالد زهري. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء. المملكة المغربية. الأولى (1998).
    إحياء علوم الدين. لمحمد بن محمد الغزالي. دار الكتب العربية الكبرى مصطفى البابي الحلبي. القاهرة.
    الأحكام السلطانية. لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي. تحقيق خالد عبداللطيف السبع العلمي. دار الكتاب العربي. بيروت. الأولى (1410 ه- 1990 م).
    الأدب المفرد. لمحمد بن إسماعيل البخاري. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار البشائر الإسلامية. الثالثة (1409 ه- 1989 م).
    أساس البلاغة. لمحمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري. دار الفكر، بيروت (1399 ه- 1979 م).
    أساليب الدعوة الإسلامية المعاصرة. لحمد بن ناصر العمار. ط. مركز الدراسات والإعلام / دار إشبيليا. الرياض. الثالثة ( 1418 هـ- 1998 م).
    الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي. تحقيق سالم محمد عطا، ومحمد علي معوض. دار الكتب العلمية. بيروت. الأولى (2000 م).
    أصول الفقه الإسلامي. لوهبة الزحيلي. دار الفكر. دمشق. الثالثة (1989 م).
    البرهان في أصول الفقه. لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني. تحقيق عبدالعظيم ديب. دار الأنصار. القاهرة. الثانية (1400 هـ).
    بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها. لعبد الله بن أبي جمرة. دار الكتب العلمية. بيروت. مصورة عن دار الكتب المصرية. القاهرة.
    تاج العروس من جواهر القاموس. لمحمد بن محمد الزبيدي. تحقيق عبد الستار فراج وآخرون. وزارة الإعلام بدولة الكويت. الكويت. الثانية (1986 م).
    تاريخ الخلفاء. لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد. مطبعة السعادة. الأولى (1371 هـ- 1952 م).
    تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار. لأبي الحسنات محمد بن عبدالحي اللكنوي. تحقيق عبدالفتاح أبو غدة. مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب. الأولى (1412 هـ- 1992 م).
    تفسير ابن عطية، المسمى بالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. لعبدالحق بن غالب بن عطية الأندلسي. دار ابن حزم. بيروت. الأولى (1423 هـ- 2002 م).
    تفسير ابن كثير، المسمى بتفسير القرآن العظيم. لإسماعيل بن كثير. دار المعرفة. بيروت. الأولى (1423 هـ- 2003 م).
    تفسير الألوسي - روح المعاني.
    تفسير البغوي، المسمى بمعالم التنزيل. للحسين بن مسعود البغوي. تحقيق محمد عبدالله النمر ورفاقه. دار طيبة. الرياض (1409 هـ).
    تفسير البيضاوي، المسمى بأنوار التنزيل وأسرار التأويل. لعبد الله بن عمر البيضاوي. بهامش حاشية زاده. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
    تفسير الطبري المسمى بجامع البيان. لمحمد بن جرير الطبري. مكتبة مصطفى البابي الحلبي. القاهرة (1968 م).
    تفسير القرطبي المسمى بالجامع لأحكام القرآن، لمحمد بن أحمد القرطبي. دار إحياء التراث العربي. بيروت. مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية. القاهرة (1405 هـ).
    تفسير الماوردي. لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي البصري. دار الصفوة. القاهرة. بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت. الأولى. (1413 ه- 1993 م).
    التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري. تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد عبدالكبير البكري. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية. المملكة المغربية.
    التوقيف على مهمات التعاريف. لمحمد بن عبدالرؤوف المناوي. تحقيق محمد رضوان الداية. دار الفكر المعاصر. بيروت. ودار الفكر. دمشق. الأولى (1410 هـ-1990 م).
    جمع الجوامع (بشرح المحلي وحاشية العطار). دار الكتب العلمية (مصورة). بيروت. الأولى (1420 ه- 1999 م).
    جهود الإمام النووي في الدعوة إلى الله تعالى، لعبدالناصر بن خليفة اللوغاني. بحث مكمل لنيل درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في كلية الدعوة، فرع المدينة المنورة (1421 هـ).
    حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. لمحمد بن أحمد الدسوقي. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة.
    حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، المسماة بعناية القاضي وكفاية الراضي. لأحمد شهاب الدين الخفاجي. دار إحياء التراث العربي (مصورة). بيروت.
    الحدود الأنيقة في التعريفات الدقيقة. لزكريا بن محمد الأنصاري. تحقيق مازن المبارك. دار الفكر المعاصر. بيروت. ضمن مطبوعات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث. دبي. الأولى (1411 هـ- 1991 م).
    حكمة التشريع الإسلامي وفلسفته. لعلي أحمد الجرجاوي. دار الفكر. بيروت.
    روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. لمحمود الآلوسي. دار إحياء التراث العربي. بيروت. مصورة عن طبعة إدارة الطباعة المنيرية. القاهرة.
    سر صناعة الإعراب. لأبي الفتح عثمان ابن جني. تحقيق حسن هنداوي. دار القلم. دمشق. الأولى (1405 هـ- 1985 م).
    السراج المنير. لمحمد بن أحمد الشربيني المعروف بالخطيب. تعليق أحمد عزو عناية الدمشقي. دار إحياء التراث. بيروت. الأولى (1425 هـ- 2004 م).
    سنن ابن ماجه. لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه. بترقيم وتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي. المكتبة العلمية. بيروت.
    سنن أبي داود. لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني. تحقيق وترقيم محمد عوامة. دار القبلة للثقافة الإسلامية. جدة. الأولى.
    سنن الترمذي. لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي. بتحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
    السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها. للدكتور يوسف القرضاوي. مكتبة وهبة. القاهرة. الثانية ( 1426 هـ-2005 م).
    سير أعلام النبلاء. لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون. مؤسسة الرسالة. بيروت. التاسعة (1413 هـ).
    شرح الكوكب المنير. لمحمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار. تحقيق محمد الزحيلي، ونزيه حماد. مكتبة العبيكان. الرياض (1413 هـ- 1993 م).
    شرح المحلي على المنهاج المسمى بكنز الراغبين، بحاشيتي القليوبي وعميرة البرلسي. لجلال الدين المحلي. مطبعة دار إحياء الكتب العربية لعيسى البابي الحلبي. القاهرة.
    شرح صحيح مسلم. ليحيى بن شرف النووي. دار الكتب العلمية. بيروت. مصورة عن إدارة الطباعة المنيرية. القاهرة.
    شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل. لمحمد بن محمد الغزالي. تحقيق حمد الكبيسي. مطبعة الإرشاد. بغداد (1390 هـ- 1971 م).
    صحيح ابن خزيمة. لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. تحقيق محمد مصطفى الأعظمي. المكتب الإسلامي. دمشق. الثانية (1412 هـ- 1992 م).
    صحيح البخاري. لمحمد بن إسماعيل البخاري. تحقيق محمد زهير الناصر. دار طوق النجاة. بيروت. الأولى (2001 م).
    صحيح مسلم. لمسلم بن الحجاج النيسابوري. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
    ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية. لمحمد سعيد رمضان البوطي. مؤسسة الرسالة. بيروت. السادسة (1422 هـ- 2001 م).
    طرح التثريب في شرح التقريب. لأبي الفضل عبدالرحيم العراقي. جمعية النشر والتأليف الأزهرية. القاهرة. مصورة عن دار إحياء التراث العربي. القاهرة. (1413 هـ-1992 م).
    غاية الوصول شرح لب الأصول. لزكريا بن محمد الأنصاري. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. القاهرة.
    فتح الباري. للأحمد بن حجر العسقلاني. ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. المكتبة السلفية. القاهرة.
    الفتح المبين بشرح الأربعين. لشهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي. عني به أحمد جاسم محمد المحمد ورفاقه. دار المنهاج للنشر والتوزيع. جدة. الأولى ( 1428 ه-2008 م).
    فقه الموازنات الدعوية معالمه وضوابطه. لمعاذ أبو الفتح البيانوني. الإبداع الفكري. الكويت. الأولى (426 1 هـ- 2005 م).
    فقه الموازنات وحاجة الداعي إليه. لصالح الحربي. بحث مكمل لنيل درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. كلية الدعوة. فرع المدينة المنورة (1414 هـ).
    في فقه الأولويات. ليوسف القرضاوي. المكتب الإسلامي. بيروت، ودمشق، وعمان. الأولى (1420 هـ- 1999 م).
    قواعد الأحكام في مصالح الأنام. لعز الدين عبدالعزيز بن عبدالسلام. تحقيق الدكتورين: نزيه حماد وعثمان ضميرية، دار القلم. دمشق. الأولى (1421 ه- 2000 م).
    قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي عرضا ودراسة وتحليلا. للدكتور عبدالرحمن إبراهيم الكيلاني. المعهد العالمي للفكر الإسلامي (سلسلة الرسائل الجامعية). دار الفكر. دمشق. الثانية (1426 هـ- 2005 م).
    الكامل في التاريخ. لعز الدين علي بن أبي الكرم المشهور بابن الأثير. دار الكتاب العربي. بيروت. السادسة (1406 ه- 1986 م).
    كشاف اصطلاحات الفنون. لمحمد أعلى بن علي التهانوي. سهيل أكيديمي لاهور، باكستان. الأولى (1413 هـ).
    الكليات. لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي. تحقيق عدنان درويش. دار الكتاب الإسلامي. القاهرة. الثانية (1992 م).
    لسان العرب. لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي. دار صادر. بيروت. الأولى (1410 هـ).
    محاسن الإسلام. لمحمد بن عبد الرحمن البخاري، الملقب بالزاهد. دار الكتب العلمية. بيروت.
    محاسن الشريعة. لمحمد بن علي القفال الشاشي الكبير. تحقيق عبد الناصر اللوغاني. رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة ويلز. المملكة المتحدة (1424 ه- 2003 م).
    المحكم المحيط الأعظم. لعلي بن إسماعيل بن سيده المرسي. تحقيق عبد الحميد هنداوي. دار الكتب العلمية. بيروت. الأولى (2000 م).
    المدخل إلى علم الدعوة. لمحمد أبو الفتح البيانوني. مؤسسة الرسالة. بيروت. الأولى (1412 هـ).
    المدخل إلى علم مقاصد الشريعة من الأصول النصية إلى الإشكالات المعاصرة. لعبدالقادر بن حرز الله. مكتبة الرشد. الرياض. الأولى (1426 هـ- 2005 م).
    المصنف. لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني. تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. المكتب الإسلامي. بيروت. الثانية (1403 هـ).
    المعجم الكبير. لسليمان بن أحمد الطبراني. تحقيق حمدي بن عبدالمجيد السلفي. مكتبة الزهراء. الموصل. الثانية (1404 ه- 1983).
    معجم مقاييس اللغة. لأحمد بن فارس بن زكريا. تحقيق عبدالسلام محمد هارون. دار الجيل. بيروت.
    المغني. لموفق الدين عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي. تحقيق عبد الله بن عبدالمحسن التركي وعبدالفتاح بن محمد الحلو. هجر للطباعة والنشر. القاهرة. الثانية (1412 هـ).
    مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة. لمحمد بن أبي بكر أيوب الزرعي المعروف بابن القيم. دار الكتب العلمية. بيروت.
    مفردات لفاظ القرآن. للراغب الأصفهاني. تحقيق صفوان عدنان داوودي. دار القلم. دمشق. الثانية (1418 هـ).
    المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم. لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي. تحقيق محيي الدين مستو ورفاقه. دار ابن كثير. دمشق، ودار الكلم الطيب. دمشق. الأولى (1417 ه- 1996 م).
    مقاصد الشريعة الإسلامية. لمحمد بن الطاهر بن عاشور. مصنع الكتاب للشركة التونسية للتوزيع. تونس. الأولى (1978 م).
    مقاصد الشريعة الإسلامية تأصيلا وتفعيلا، للدكتور محمد بكر إسماعيل حبيب. دار طيبة الخضراء. مكة المكرمة. الأولى (1427 ه- 2006 م)
    مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها. لعلال بن عبد الواحد الفاسي الفهري. الرسالة. الرباط. المملكة المغربية. الثانية. (1979 م).
    مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام. لعمر بن صالح بن عمر. دار النفائس. الأردن. الأولى (1423 ه- 2003 م).
    مقاصد الشريعة وعلاقتها بالأدلة الشرعية. لمحمد سعد اليوبي. دار الهجرة للنشر والتوزيع. الرياض. الأولى (1418 ه- 1998 م).
    الموافقات. لإبراهيم بن موسى الشاطبي. تحقيق مشهور حسن آل سلمان. دار ابن عفان. الخبر. السعودية. الأولى (1417 ه- 1997 م).
    الموطأ. لمالك بن أنس الأصبحي. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي. مصر.
    نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي. للدكتور أحمد الريسوني. نشر وتوزيع الدار العالمية للكتاب الإسلامي. الرياض. والمعهد العالمي للفكر الإسلامي. الولايات المتحدة الأمريكية. الرابعة (1416 ه- 1995 م).
    نهاية السول في شرح منهاج الأصول. لجمال الدين عبدالرحيم بن الحسن الإسنوي. عالم الكتب. بيروت. مصورة عن المطبعة السلفية. القاهرة.

    [*] بحث مدعوم من إدارة الأبحاث بجامعة الكويت برقم (08 /02 (hb.

    [**] مدرس بقسم العقيدة والدعوة، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت.

    [1]وأرى أن يفرد لهذا الموضوع (حقيقة العلاقة بين العلمين) بحثا مستقلا، وذلك بعد اتضاح صورة مقاصد الدعوة.

    [2]طبع (المكتب الإسلامي. بيروت ودمشق وعمان. الأولى 1420 هـ- 1999 م).

    [3]طبع البحث في مطبعة (الإبداع الفكري. الكويت. الأولى 1426 هـ- 2005 م)، ولينظر من أراد الوقوف على كتب أخرى في الأولويات والموازنات: قسم الدراسات السابقة من هذا البحث الأخير.

    [4](ص 198 - 203)، (طبع مؤسسة الرسالة. بيروت. الأولى 1412 هـ).

    [5]سورة الذاريات، آية (56).

    [6]انظر على سبيل المثال: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، لمحمد سعد اليوبي (ص 25)، (طبع دار الهجرة للنشر والتوزيع. بالرياض. الأولى 1418 هـ- 1998 م)، وقواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي عرضا ودراسة وتحليلا، للدكتور عبدالرحمن إبراهيم الكيلاني (ص 44)، (طبع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية، ودار الفكر. دمشق. الثانية 1426 هـ- 2005 م).

    [7]نقله عنه المحكم المحيط الأعظم، لعلي بن إسماعيل بن سيده المرسي، (تحقيق عبد الحميد هنداوي. دار الكتب العلمية. بيروت. الأولى 2000 م)، ولسان العرب، لمحمد ابن مكرم بن منظور الأفريقي، (دار صادر. بيروت. الأولى 1410 هـ)، وتاج العروس من جواهر القاموس. لمحمد بن محمد الزبيدي، (تحقيق عبد الستار فراج وآخرون. وزارة الإعلام بدولة الكويت. الثانية 1986)، كلها في مادة: (قصد)، وعزاه الزبيدي في التاج إلى (سر صناعة الإعراب)، لأبي الفتح عثمان ابن جني. (تحقيق حسن هنداوي. دار القلم. دمشق. الأولى 1405 هـ- 1985 م)، ولم أقف عليه فيه.

    [8]سورة التوبة، آية (42).

    [9]سورة لقمان، آية (19).

    [10]ينظر: المحكم المحيط، وأساس البلاغة، لمحمود بن عمر الزمخشري. (دار الفكر، بيروت 1399 هـ- 1979 م)، ولسان العرب، وتاج العروس، كلها في مادة (قصد).

    [11]كتقسيمهم المقاصد إلى ضرورية، وحاجية، وتحسينية، كما ذكره الغزالي في شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، (ص 161)، (تحقيق حمد الكبيسي. مطبعة الإرشاد. بغداد 1390 هـ- 1971 م). وزكريا الأنصاري في غاية الوصول شرح لب الأصول (ص 123)، (مصطفى البابي الحلبي. القاهرة )، وغيرهما، وكذا تقسيمهم لها إلى مقاصد أصلية وأخرى تابعة، كما فصله الشاطبي في موافقاته (2/ 300)، (تحقيق مشهور حسن آل سلمان. دار ابن عفان. الخبر. السعودية. الأولى 417 1 هـ- 1997 م)، وغير ذلك.
    وقد لاحظ ذلك ونبه عليه من المعاصرين: الدكتور أحمد الريسوني في كتابه نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (ص 17)، (نشر وتوزيع الدار العالمية للكتاب الإسلامي، بالرياض، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية. الرابعة 1416! ه 199 م)، والدكتور محمد سعد اليوبي في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية: (ص 33)، والدكتور عبدالرحمن إبراهيم الكيلاني في كتابه قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي عرضا ودراسة وتحليلا: (ص 45).

    [12]مقاصد الشريعة الإسلامية، لمحمد بن الطاهر بن عاشور (ص 51)، (الشركة التونسية للتوزيع 1979 م).

    [13]مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، لعلال بن عبدالواحد الفاسي الفهري (ص 3)، (الرسالة. الرباط. المملكة المغربية. الثانية 1979 م).

    [14]نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (ص 19).

    [15]قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي عرضا ودراسة وتحليلا (ص 47).

    [16]فممن ألف فيه قديما: الحكيم الترمذي، من علماء القرن الرابع الهجري، وله عدة كتب في هذا الموضوع، منها: إثبات العلل، (تحقيق خالد زهري. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء. المغرب. الأولى 1998)، ومحمد بن عبدالله البخاري، المعروف بالزاهد، من علماء القرن السادس الهجري، في كتابه محاسن الإسلام، (دار الكتب العلمية. بيروت). ومن المعاصرين: علي أحمد الجرجاوي، في كتابه حكمة التشريع الإسلامي وفلسفته، (دار الفكر. بيروت).

    [17]ينظر: لسان العرب، وتاج العروس، مادة (دعو).

    [18]معجم مقاييس اللغة، مادة (دعو)، (تحقيق عبد السلام محمد هارون. دار الجيل. بيروت).

    [19]والاصطلاح المراد هنا هو باعتبار المعنى المشهور المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، وهو التبليغ والبيان، لا الذي بمعنى الدين والرسالة، وينظر للوقوف على من تكلم على معنى الدعوة بالاعتبارين: أساليب الدعوة الإسلامية المعاصرة، لحمد بن ناصر العمار. (طبع مركز الدراسات والإعلام، مع دار إشبيليا بالرياض. الثالثة 1418 هـ- 1998 م).

    [20]المدخل إلى علم الدعوة (ص 17)، وفيه: "وتعليمه إياهم" بدل ما أثبت.

    [21]وسبب هذا التوافق بين التعريف المختار وبين هذه المقاصد، أن كليهما كان ملاحظا فيه ومنطلقا من قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، سورة الجمعة، آية (2)، والآيات المشابهة.

    [22]كان يمكن تأخير هذا المبحث وختم سائر المباحث به، باعتبار عمومه وشموليته ورجوع سائر المقاصد إليه، ولا ضير في ذلك، ولكني آثرت تقديمه لسببين:
    الأول: أنه مقصد غير مختص بالدعوة، بل هو عام للدعوة ولغيرها كما سيتضح.
    الثاني: أنه متضمن للكلام في النية وقصد المكلف والإخلاص، وهو مما يقدم ويبتدأ به في الأعمال الشرعية، كما أن كثير من العلماء استحسنوا استفتاح عدد من مؤلفاتهم به، فناسب ذلك تقديم هذا المبحث على غيره، والله تعالى أعلم.

    [23]سورة الذاريات، آية (56).

    [24]الموافقات (2/289)، ولينظر: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، لمحمد سعيد رمضان البوطي (110). (مؤسسة الرسالة. بيروت. السادسة 1422 هـ- 2001 م).

    [25]سورة الذاريات، آية (56).

    [26]سورة الأنبياء، آية (25).

    [27]سورة الذاريات، آية (56).

    [28]سورة الأنبياء، آية (20).

    [29]من تلك التأويلات: أنه بمعنى: إلا ليقروا بالعبودية طوعا أو كرها، أو: إلا للعبادة، وقيل: إلا لآمرهم وأنهاهم، وقيل: إلا لأجبلهم على الشقاء والسعادة، هذه أشهر التفسيرات للآية، واكتفى بها الماوردي في تفسيره (4/117)، (طبع دار الصفوة مع وزارة الأوقاف الكويتية. الأولى 1413 ه- 1993 م)، وانظر: تفسير البغوي (7/380). (تحقيق محمد عبدالله النمر ورفاقه. دار طيبة. الرياض 1409 هـ). وتفسير ابن كثير (ص 1509)، (دار المعرفة. بيروت. الأولى 1423 ه- 2003 م).
    وفي تأويلها بالعبادة أو بالإقرار بها، يبقى السؤال: ما هو المراد منها أو من الإقرار بها، وعلى القول بأنها الأمر والنهي الإلهي، فهذا من فعل الحق جل وعلا، فلا يظهر في ذلك معنى العبادة المتعلقة بالمخلوق المطالب بها، وكذا يقال في الشقاوة والسعادة، فلا يظهر في هذه التفاسير الشاهد على ما نحن بصدده


    [30]سورة المائدة، آية (97).

    [31]سورة الطلاق، آية (12).

    [32]ولا يخفى ما في صفتي العلم المطلق الشامل، والقدرة الكاملة النافذة، من دلالة على كثير من الصفات الربانية: كالوجود، والوحدانية، والحياة، والغنى، والإرادة...، الخ.

    [33]سورة الزخرف، آية (87).

    [34]تفسير البغوي (7/ 380).

    [35]سورة إبراهيم، آية (12).

    [36]سورة العنكبوت، آية (69).

    [37]رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، حديث (52)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث (1599).

    [38]رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بقدر الله، حديث (8).
    وقد قرر هذا المعنى - وهو أن القلب محل الإيمان والشهود، وأن صلاحه بالمعرفة بالله تعالى، وصفاته وأسمائه وتصديق رسله فيما جاؤوا به من العلوم والأحكام، وغير ذلك - ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في الفتح المبين بشرح الأربعين:
    (ص 250). (تحقيق أحمد جاسم المحمد ورفاقه. دار المنهاج للنشر والتوزيع. جدة. الأولى 1428 ه- 2008 م).


    [39]ينظر: الموافقات (2/7).

    [40]لاسيما عند من يحتج بالمصلحة المرسلة، أو المناسب المرسل، كما يسميها البعض.

    [41]رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث (1)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنية))، وأنه يدخل في الغزو وغيره من الأعمال، حديث (1907).

    [42]الموافقات (3 / 27، 30)

    [43]رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، حديث (3267) ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله، حديث (2989)، واللفظ له.
    أقول: وليتأمل في نوع هذا العقاب، فإن فيه مناسبة لجنس صنيع هذا المتظاهر بالدعوة والإصلاح، وذلك - والله أعلم - أنه في عناء وجهد في الحياة الدنيا، لدفع التعارض بين مقصد الشرع ومقصده كمكلف، بما لا فائدة فيه، فهو في الدنيا يجهد نفسه في شؤون الدعوة والاضطلاع بمهامها، وتوجيه الناس وإرشادهم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية: يجهد نفسه في التكلف بأحوال المصلحين بما يتناسب مع مروءاتهم، وفي إخفاء حقيقة حاله السيئ، وباطنه الفاسد. فكان جزاؤه استمرار هذا العناء والجهد في الدوران بالرحى، دورانا لا خير ولا نفع فيه غير العنت والتعب، فحاله كحال الحمار الذي لن ينتفع بهذا الجهد الذي يبذله، ثم تكون ثمرة دورانه لغيره.
    فهذا ما يتعلق بدورانه في الرحى.
    وأما عن خروج أقتاب بطنه، فكان ذلك متناسبا - أيضا - مع حاله المتناقض في الدنيا من حيث ظاهره وباطنه، فكان جزاؤه في الآخرة كشف سريرته الخبيثة، وإيقاع العقاب الإضافي عليها. هذا ما خطر لي، والله تعالى أعلم.


    [44]شفاء الغليل (ص 260)، وانظر: مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبدالسلام، لعمر بن صالح بن عمر (ص 158)، (دار النفائس. الأردن. الأولى 1423 هـ- 2003 م). و(المدخل إلى علم مقاصد الشريعة) (ص 122).
    ويجدر هنا إيراد رأي الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الاحتجاج بالمناسب المرسل، (المصلحة المرسلة)، إذ في المسألة ثلاثة مذاهب: أولها: أن المصلحة المرسلة غير معتبرة مطلقا. وثانيها: أنها حجة مطلقا، وهو مشهور عن مالك واختاره إمام الحرمين، وثالثها، وهو رأي الغزالي: أنها إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية.. اعتبرت، والا فلا، فالضرورية: هي إحدى الضروريات الخمس، والقطعية: هي التي يجزم بحصول المصلحة فيها، والكلية: هي التي ترجع فائدتها لعامة المسلمين. ينظر: نهاية السول في شرح منهاج الأصول، لجمال الدين عبدالرحيم بن الحسن الإسنوي، وحاشيته للشيخ بخيت المطيعي (4/385)، (المطبعة السلفية. القاهرة. تصوير عالم الكتب. بيروت).


    [45]ينظر: مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبدالسلام (ص 163)
    وتجدر الإشارة إلى أن من أشهر من تكلم في المقاصد بهذا الاعتبار: الإمام العز ابن عبدالسلام، رحمه الله تعالى، في كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) المشهور بالقواعد الكبرى. (تحقيق الدكتورين: نزيه حماد وعثمان ضميرية، دار القلم. دمشق. الأولى 1421 ه- 2000 م).


    [46]ولا أقصد - هنا - جميع ما ذكر وورد من ذلك في تراثنا الفقهي، بما يشمل الأحكام الاجتهادية على اختلافها، التي قد يراعى في بعضها وضعا آنيا، ومصلحة راهنة، بل أعني الأمر على عمومه، مما يفاد من مجموع النصوص الشرعية في هذا الموضوع، لا بخصوص جزئية محددة.

    [47]رواه مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، حديث (2167). قال الإمام الحافظ أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي في كتابه (المفهم) (5/490): "وقوله ((واذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)) معناه: لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكراما لهم واحتراما...،، وليس معنى ذلك أنا إذا لقيناهم في طريق واسع أننا نلجئهم إلى حرفه حتى يضيق عليهم، لأن ذلك أذى منا لهم من غير سبب، وقد نهينا عن أذاهم". (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم. تحقيق محيي الدين مستو ورفاقه. دار ابن كثير. دمشق. ودار الكلم الطيب. دمشق. الأولى 1417 ه- 1996 م).
    ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11/40) (بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. المكتبة السلفية. القاهرة). كلام القرطبي هذا وسكت عليه، وكذا نقل الخلاف في جواز ابتداء الكفار بالسلام (11/39).

    [48]سورة، الملك، آية (14).

    [49]سورة البقرة، آية (256)، وهذا ظاهر في أهل الذمة أكثر من غيرهم، وسببه أن لهم شبهة رسالة وكتاب.

    [50]سورة البقرة، آية (256).

    [51]سورة يونس، آية (25).

    [52]وما ظاهره خلاف ذلك من صور إيجابيه، كما يظهر على الزهاد مثلا من ترك الدنيا والبعد عن المناصب، وتفضيل الخمول، ونحو ذلك، إنما هو في الحقيقة ترك رتبة لتحصيل أعلى منها، وهو الرفعة والعلو الحقيقي، والإكرام الذي سيحصل لهم في الآخرة، تصديقا بوعد الله تعالى.

    [53]سورة الزخرف، آية (32)، وفي قوله تعالى: (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا) قال الألوسي رحمه الله تعالى في تفسيره (25/78): "ليستعمل بعضهم بعضا في مصالحهم، ويستخدمونهم في مهنهم، ويسخرونهم في أشغالهم ؟ حتى يتعايشوا ويترافدوا، ويصلوا إلى مرافقهم، لا لكمال في الموسع عليه، ولا لنقص في المقتر عليه "" ثم قال: ""وزعم بعضهم أنه هنا من السخر بمعنى الهزء، أي ليهزأ الغني بالفقير. واستبعده أبو حيان، وقال السمين: إنه غير مناسب للمقام"، (تفسير روح المعاني. تصوير دار إحياء التراث العربي. بيروت. عن طبعة إدارة الطباعة المنيرية بالقاهرة).
    هذا، ولم يورد الطبري (25/67) هذا القول الذي استبعده أبو حيان والسمين. انظر: تفسير الطبري. (مكتبة مصطفى البابي الحلبي. القاهرة 1968 م).


    [54]مع التسليم بوجود مقاصد أخرى.

    [55]سورة النحل، آية (125).

    [56]وهذا على القول ببقائه، وهو الذي ذهب إليه جمع على تفصيل بينهم، منهم المالكية والشافعية والحنابلة، في المعتمد عندهم، وذهب آخرون إلى أن حكم المؤلفة قد زال ونسخ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مذهب جمهور الحنفية. ثم إن القاضيين المالكيين عبد الوهاب وابن العربي ذهبا إلى أن المدار مع الحاجة والمصلحة. ينظر: المغني لابن قدامة (9/316)، (تحقيق عبد الله بن عبدالمحسن التركي وعبدالفتاح بن محمد الحلو. هجر للطباعة والنشر. القاهرة. الطبعة الثانية 1412 هـ)، وتفسير القرطبي (8/181) (المسمى بالجامع لأحكام القرآن. تصوير دار إحياء التراث العربي عن طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة 5 140 هـ)، وشرح المحلي على المنهاج (3/196)، (بحاشيتي القليوبي وعميرة. مطبعة دار إحياء الكتب العربية لعيسى البابي الحلبي. القاهرة)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/495)، (دار إحياء الكتب العربية. القاهرة).

    [57]حبذا لو تناول بعض الباحثين أحكام أهل الذمة بدراسة تلحظ فيها المقاصد الدعوية، والأسرار التشريعية، ليس لاستحداث أحكام جديدة، بل أولا: لتفهم اجتهادات أئمتنا، الذين اكتملت عندهم ألة النظر والاستنباط، وحققوا النظر المقاصدي في اجتهاداتهم على أحسن وجه وأقومه، وثانيا: للوقوف على الحكم والأسرار الشرعية في مثل هذه التشريعات التي قد تستغل لتشويه الشريعة الربانية، لتعلم عظمتها وربانيتها.

    [58]وهذا التقسيم ملحوظ فيه الأولوية والأهمية، لا العموم والخصوص.

    [59]ينظر: نهاية السول في شرح منهاج الأصول للأسنوي (4/515)، وجمع الجوامع لابن السبكي (2/322)، (بشرح المحلي وحاشية العطار. دار الكتب العلمية. مصورة عن المصرية. بيروت. الأولى 1420 هـ- 1999 م). وأصول الفقه الإسلامي، لوهبة الزحيلي (2/771)، (دار الفكر. دمشق. الثالثة 1989 م)، ومقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية (ص 182، 305)، والمدخل إلى علم مقاصد الشريعة من الأصول النصية إلى الإشكالات المعاصرة، لعبدالقادر بن حرز الله (ص 114). (مكتبة الرشد. الرياض. الأولى 1426 هـ- 2005 م).

    [60]ينظر: جمع الجوامع (2/322)، وغاية الوصول شرح لب الأصول (ص 123).
    وبعض الأصوليين نقل قولا بتقديم الأربعة على الدين، لأنها من حقوق الآدميين، وهي -كما هو معلوم - مبنية على المشاحة، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة.
    ولم أر من نسب هذا القول لقائل.
    وفيما يتعلق بالأربعة الأخرى فقد اتفق الأصوليون على تقديم النفس، ثم اختلفوا في الترتيب بين العقل والنسل، سواء في التعداد الخماسي أو السداسي، فمنهم: من يقدم العقل على النسل، ومنهم: من يعكس.
    وقع الخلاف - أيضا - في التعداد السداسي، في الترتيب بين المال والعرض، فمنهم: من يقدم المال على العرض، ومنهم: من يسوي بينهما، ويجعلهما في رتبة واحدة.
    ينظر: جمع الجوامع (2/322)، نهاية السول (4/515)، شرح الكوكب المنير لابن النجار (4/727)، (تحقيق محمد الزحيلي، ونزيه حماد. مكتبة العبيكان. الرياض 1413 هـ -1993 م). ومقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية (ص 305، 313)، وأشير هنا إلى أن هذا الكتاب الأخير من كثر الكتب المعاصرة التي توسعت في موضوع الضروريات الخمسة.


    [61]ينظر: محاسن الشريعة لمحمد بن علي القفال الشاشي الكبير (ص 14)، (تحقيق عبدالناصر اللوغاني. رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة ويلز. المملكة المتحدة 1424 هـ- 2003 م)، ومقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية (ص 411).

    [62]وقد كنت أظن أن هذا التقسيم لم يصرح به المعاصرون أيضا، ثم وقفت بعد كتابة ما كتبت على تقسيم مشابه أو متطابق معه، وذلك في كتاب (نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي) للدكتور أحمد الريسوني (ص 19-21)، حيث قسم مقاصد الشريعة إلى عامة، وخاصة، وجزئية، وعنى بالعامة ما راعته الشريعة في سائر التشريعات، أو أكثرها، وبالخاصة ما تهدف الشريعة إلى تحقيقه في باب معين، أو في أبواب قليلة متجانسة، كأحكام الأسرة مثلا، وبالجزئية، ما يقصده الشارع من كل حكم شرعي تفصيلي، من إيجاب أو تحريم أو ندب أو شرط أو سبب.. الخ، كما يقال: مقصود الرهن التوثق، ومقصود الطلاق وضع حد للضرر المستمر، وهكذا

    [63]فممن ألف فيه قديما: الحكيم الترمذي، من علماء القرن الرابع الهجري، ألف عددا من الكتب في ذلك، منها: (إثبات العلل)، ومحمد بن عبدالله البخاري المعروف بالزاهد، من علماء القرن السادس الهجري، في كتابه (محاسن الإسلام). ومن المعاصرين: علي أحمد الجرجاوي في كتابه (حكمة التشريع الإسلامي وفلسفته). وقد سبقت الإشارة لذلك في التمهيد.

    [64]ويطلق علي هذين النوعين الأخيرين ألقابا مختلفة: كأسرار الشريعة، وعلل الأحكام، ومحاسن الإسلام أو الشريعة، وحكمة التشريع أو فلسفته.
    فمن أمثلة اللقب الأول: قول ابن القيم في مناسك الحج في (مفتاح دار السعادة) (2/4): "وأما أسرار ما في هذه العبادة من الإحرام، واجتناب العوائد...،، وسائر شعائر الحج.. فمما شهدت بحسنه العقول السليمة، والفطر المستقيمة...،"الخ .، (مفتاح دار السعادة. دار الكتب العلمية. بيروت). ومن أمثلة الثاني: كتاب (إثبات العلل) للحكيم الترمذي، ومن أمثلة الثالث: كتاب (محاسن الإسلامي) للزاهد البخاري، ومن أمثلة الرابع: كتاب (حكمة التشريع الإسلامي وفلسفته) للجرجاوي.


    [65]أفدت اعتبار القطعية في التقسيم، مما كتبه القرضاوي في كتابه: (السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها) (ص 310)، (مكتبة وهبة. القاهرة. الثانية 1426 ه- 2005 م).

    [66]كما أفدت في شيء من هذا التقسيم وبعض صوره من كتاب (المدخل إلى علم الدعوة) للدكتور البيانوني (ص 198 - 203)، ولعل ما كتبه كان أول ما ظهر من تقسيمات مقاصد الدعوة في ساحة الكتابة الدعوية المعاصرة، وأنا أورد لك حاصل ما ورد فيه:
    ذكر أن أهداف المناهج الدعوية منقسمة أولا إلى قسمين: أهداف خاصة جزئية، وأهداف عامة كلية، فالجزئية كبعض الغايات التي شرعت من أجلها الصلاة والزكاة وغيرهما من سائر العبادات، والتي تضمنت أهدافا دعوية واضحة.
    وأما الأهداف العامة الكلية فهي منقسمة إلى نوعين أيضا: أهداف مجملة، وأخرى تفصيلية، فالمجملة كقوله تعالى (ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، أو تحقيق مرضاته سبحانه في مختلف الميادين، والمفصلة: ما تفصل فيها الأهداف الدعوية العامة، كإحقاق الحق وإبطال الباطل، وكهداية الناس وإنقاذهم من الظلمات إلى النور.


    [67]رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث (7).

    [68]سورة النحل، آية (90).

    [69]رواه عبدالرزاق في مصنفه، كتاب فضائل القرآن، باب تعليم القرآن، حديث (6002)، والبخاري في الأدب المفرد، باب الظلم ظلمات، حديث (489)، والطبراني في الكبير (9/133) حديث (8658)، وصحح إسناد (الأدب المفرد) الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/479).

    [70]التمهيد (24/334)، (تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد عبدالكبير البكري. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية. المغرب).

    [71]وقد ذكرت بعض الكتب أن أول من سن ذلك هو عمر بن عبدالعزيز، رحمه الله تعالى، عندما أساء بعض خطباء بني أمية في فترة من فترات حكمهم بسبهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابر الجمعة، فلما صارت إليه الخلافة أنكر ذلك، وأبدله بهذه الآية الجامعة، ولم أقف على هذا الأثر مسندا، ولكن ذكر في عدد من الكتب، منها: الكامل في التاريخ لابن الأثير (4/154) وعنون له: "ذكر ترك سب أمير المؤمنين علي عليه السلام"، (دار الكتاب العربي. بيروت. السادسة 1406 ه- 1986 م)، و(تاريخ الخلفاء) للسيوطي (ص 243). (تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. مطبعة السعادة. الأولى 1371 هـ- 1952 م)، وغيرهما.

    [72]سورة العنكبوت، آية (45).

    [73]سورة التوبة، آية (103).

    [74]سورة البقرة، آية (183). وقد أفدت هذه الأمثلة للمقاصد الشرعية الكلية اللصيقة بالدعوة من كتاب (المدخل إلى علم الدعوة ) للدكتور البيانوني (ص 198 - 203).

    [75]ومن ثم يقتضي الوقوف على هذه الشرائع أن نستقرئ الشريعة كلها، ونتتبع جميع نصوصها.

    [76]رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث (7352)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث (1716).

    [77]الأحكام السلطانية، للماوردي (ص 406)، (تحقيق خالد عبداللطيف السبع العلمي. دار الكتاب العربي. بيروت. الأولى1410 ه- 1990 م).

    [78]شرح صحيح مسلم، للنووي (2/ 30)، (تصوير دار الكتب العلمية. بيروت. عن إدارة الطباعة المنيرية. القاهرة).

    [79]سورة يوسف، آية (53).

    [80]رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة، حديث (4941)، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب في رحمة الناس، حديث (1924)، وقال: حسن صحيح.

    [81]سورة العنكبوت، آية (69).

    [82]انظر: السياسة الشرعية للقرضاوي (ص 306)، ولعل الدكتور القرضاوي هو أول من أطلق هذا اللقب (فقه الأولويات).

    [83]المرجع السابق (ص 314- 319).

    [84]الموافقات (2/ 300).

    [85]فصل الشاطبي في موافقاته (2/289) القول في أن المقصد من وضع الشريعة إنما هو إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا، والرجوع إليه ؟ مما يزيد ما نحن بصدده وضوحا ويجليه.

    [86]رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب الجهاد من الأيمان، حديث (36)، ومسلم، كتاب الإمارة باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، حديث (1876) واللفظ له.
    * تنبيه: قال محقق صحيح مسلم - الأستاذ محمد فؤاد عبدالباقي رحمه الله. هكذا ورد الحديث في جميع النسخ (جهادا)، (وإيمانا)، (وتصديقا)، وهو منصوب على أنه مفعول له. وتقديره لا يخرجه المخرج، ولا يحركه المحرك إلا للجهاد والإيمان والتصديق. ومعناه: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص.


    [87]أحب أن أنبه - هنا - إلى أن ظاهر اللفظة الأخيرة من الحديث: ((من أجر أو غنيمة)): أن الراجع يرجع بأحد الأمرين فقط، وأنهما لا يجتمعان. وهو غير مراد، فإنه لا قائل بهذا كما نص عليه الحافظ العراقي رحمه الله تعالى، في طرح التثريب (7/195)، (طبع جمعية النشر والتأليف الأزهرية. بالقاهرة. تصوير دار إحياء التراث العربي 1413-1992).
    ثم العلماء اختلفوا في تفسير هذه اللفظة، ومن الأجوبة المشهورة في ذلك من قال بأن (أو) هنا جاءت بمعنى الواو، وصوب آخرون - منهم: الإمام النووي، رحمه الله تعالى - أن (أو) على حقيقتها - وهو التخيير - ويكون المعنى حينئذ: أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا، فإن أجرهم يكون أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، ثم قال الإمام النووي، رحمه الله تعالى: "وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة"، شرح صحيح مسلم للنووي (13 /52). وانظر: فتح الباري (6/8).


    [88]الموافقات (2 / 295).

    [89]رواه مالك في الموطأ، كتاب قصر الصلاة، باب جامع الصلاة، حديث (88)، قال الحافظ ابن عبد البر: "هذا الحديث قد روي عن ابن مسعود من وجوه متصلة حسان متواترة". الاستذكار (2/363)، (تحقيق سالم محمد عطا، ومحمد علي معوض. دار الكتب العلمية. بيروت. الأولى 2000 م).

    [90]ملخصا من إتحاف السادة المتقين (10/60)، (دار الفكر. بيروت )، وانظر: فتح الباري (6/28).

    [91]انظر: بهجة النفوس (1/149)، (تصوير دار الكتب العلمية. بيروت. عن دار الكتب المصرية. القاهرة).

    [92]انظر: فتح الباري (6/28).

    [93]ملخصا من إتحاف السادة المتقين (10/ 60)، وانظر: فتح الباري (6/28).

    [94]إحياء علوم الدين (4/329)، (دار الكتب العربية الكبرى مصطفى البابي الحلبي. القاهرة).

    [95]الموافقات (2/297).

    [96]ولذا يمكن أن يطلق عليها بالمقاصد الوسطى إذا ما لوحظ المقصد العام الأكبر، والأمر نسبي، والحال هنا شبيه بما يقرره علماء الأصول في مبحث العام والخاص، من أن العام إنما كان عاما بالنسبة لما دونه، وخاصا بالنسبة لما فوقه، فالوصف بالرجل مثلا عائم بالنسبة للمسلم والكتابي، أو الفقير والغني، أو الحر والعبد، وهو في الوقت نفسه خاص بالنسبة للإنسان، وهكذا.

    [97]وهذه المواطن كالتالي:
    الأول: في سورة البقرة، آية رقم (129)، قال تعالى: (رَبَّنَا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ).

    والثاني: في البقرة أيضأ، آية رقم (151): (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ويُزَكِّيكُمْ ويُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ).
    والثالث: في سورة آل عمران، آية رقم (164): (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ).
    والرابع: في سورة الجمعة، آية رقم (2): (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ).

    [98]ما بين علامتي الاقتباس عبارة البيضاوي في تفسيره (1/684)، (المطبوع بهامش حاشية زاده. دار إحياء التراث العربي. بيروت).

    [99]سورة النساء، آية (165).

    [100]سورة إبراهيم، آية (4).

    [101]سورة الأنعام، آية (48).

    [102]سورة يوسف، آية (108).

    [103]رواه أبو داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، حديث (3641)، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث (2682)، وابن ماجه، المقدمة، باب فضل العلماء، حديث (223).

    [104]ما بين علامتي الاقتباس عبارة البيضاوي في تفسيره (1/684).

    [105]تفسير الطبري (1/558).

    [106]سورة فاطر، آية (32).

    [107]نقله عنه ابن كثير في تفسيره (ص 247) في تفسير قوله تعالى: (ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، سورة البقرة، آية (269).

    [108]نقله عنهما الطبري (1/557) وغيره، وابن زيد: هو عبدالرحمن بن زيد بن أسلم العمري، من أتباع التابعين كان صاحب قرآن وتفسير، جمع تفسيرا في مجلد كما في سير أعلام النبلاء (8/349)، (تحقيق وإشراف شعيب الأرنؤوط وآخرون. مؤسسة الرسالة. بيروت. التاسعة 1413 هـ).

    [109]سورة الأعراف، آية (175).

    [110]الطبري (1/557)، قال الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي (8/195): "فالكتاب والحكمة كناية عن جميع العقليات والنقليات، كالسماوات والأرض.. لجميع الموجودات". (حاشية الشهاب، المسماة بعناية القاضي وكفاية الراضي. تصوير دار إحياء التراث العربي. بيروت).

    [111]تفسير ابن كثير (ص 247).

    [112](ص 135)، في تفسير آية البقرة (129)، (تفسير ابن عطية، المسمى بالمحرر الوجيز. دار ابن حزم. بيروت. الأولى 1423 هـ- 2002 م).

    [113]أي إثر وصفه صلى الله عليه وسلم بـ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ).

    [114]لوح المعاني (2/18).

    [115]أي في هذه الآية دون الآيات المشابهة لها التي قدمت فيها التزكية على التعليم.

    [116]روح المعاني (2/387).

    [117]مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة (حكم)، (ص 249)، (تحقيق صفوان عدنان داوودي. دار القلم. دمشق. الثانية 1418 هـ).

    [118]الحدود الأنيقة، لزكريا الأنصاري (ص 73)، (تحقيق مازن المبارك. دار الفكر المعاصر. بيروت. ضمن مطبوعات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي. الأولى 1411 هـ- 1991 م). وتمام عبارته، وفيها إجلاء للمعنى: "الظلم لغة: وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلم الشعر، إذا ابيض في غير أوانه، واصطلاحا: التعدي عن الحق إلى الباطل وهو الجور. الحكمة: وضع الشيء في موضعه. الشقة: ضد الحكمة ".

    [119]وعولت على ما جاء فيه أثر عن أحد من السلف الصالح من الصحابة أو التابعين وتابعيهم دون غيره، وانظر على سبيل المثال: تفسير الطبري: (1/557)، وتفسير ابن كثير: (ص 145)، والسراج المنير للخطيب الشربيني (1/148)، (1/410)، (7/422)، (تحقيق أحمد عزو عناية الدمشقي. دار إحياء التراث. بيروت. الأولى 1425 هـ- 2004 م).

    [120]كشاف اصطلاحات الفنون، لمحمد بن أعلى التهانوي (1/759)، (طبع سهيل أكيديمي لاهور، باكستان. الأولى 1413 هـ)، وقال بعده: "وقيل: هي الطريق في الدين، وحينئذ الشرع والشريعة مترادفان، كذا في الجرجاني".

    [121]ومثل له بقوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا)، سورة الجاثية، آية (18)، ثم قال: "وقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا)، (سورة الشورى، آية (13))، فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل، فلا يصح عليها النسخ، كمعرفة الله تعالى، ونحو ذلك "، مفردات ألفاظ القرآن، مادة (شرع)، (ص 450)، فالآية الأولى مثال للمعنى الخاص، والثانية للمعنى العام.

    [122]وقال محمد أعلى التهانوي رحمه الله تعالى في كشاف اصطلاحات الفنون، مادة (شرع)، (ص 760): "والشرع كالشريعة: كل فعل أو ترك مخصوص من نبي من الأنبياء صريحا أو دلالة (أي بالنظر الاجتهادي)، فإطلاقه على الأصول الكلية مجاز، وان كان شائعا، بخلاف الملة فإن إطلاقها على الفروع مجاز، وتطلق على الأصول حقيقة".
    ينظر: مفردات ألفاظ القرآن، مادة (سنن)، (ص 429)، والتوقيف على مهمات التعاريف، لمحمد بن عبدالرؤوف المناوي، (ص 415)، باب السين فصل النون، (تحقيق محمد رضوان الداية. دار الفكر المعاصر. بيروت. ودار الفكر. دمشق. الأولى 1410 هـ- 1990 م).، وكشاف اصطلاحات الفنون، مادة (سنن)، (1/704).
    وللسنة -كما هو مشهور متداول - معنى فقهي خاص، وهو: ما قابل الواجب أو الفرض، وهو مصطلح متأخر الحدوث عن عهد الوحي والصحابة والتابعين، ظهر في القرن الثاني من الهجرة.
    وللتوسع في بيان هذا الأمر والتدليل عليه، ينظر: مقدمة التحقيق لكتاب: (تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار) (ص 9)، لمحققه الشيخ عبدالفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى. (مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب. الأولى 1412 هـ- 1992 م).
    ومما قاله هناك: "ووقع من بعض علماء المذاهب خلط بين المعنيين ".
    أقول: بل وقع نحوه في بعض كتب المعاجم والاصطلاحات العلمية، فمزجت في التعريف الواحد بين المعنيين: الشرعي الأصلي، والاصطلاحي الحادث، ومن أمثلته ما جاء في كتاب الكليات لأبي البقاء الكفوي (3/9)، قال في تعريف السنة: "السنة: بالضم والتشديد: الطريقة ولو غير مرضية، وشرعا: اسم للطريقة المرضية المسلوكة في الدين، من غير افتراض ولا وجوب"، (تحقيق عدنان درويش. دار الكتاب الإسلامي. القاهرة. الثانية 1992)..
    وهذا القيد الأخير "من غير افتراض ولا وجوب".. غير حسن، إذ يوهم أن المعنى الشرعي الحقيقي للسنة لا يكون إلا فيما قابل الواجب والفرض، ولو خلا التعريف عنه لوقع على المعنى الحقيقي، أو أنه ثنى بالتعريف الممزوج بعد التعريف الشرعي الحقيقي الخلي من هذا القيد -كما هو صنيع صاحب (كشاف اصطلاحات الفنون)- لما حصل هذا الإيهام، والله تعالى أعلم.


    [123]وهو تعريف الشريعة كما سبق.

    [124]كشاف اصطلاحات الفنون (1/703).

    [125]تفسير ابن عطية (ص 144)، في تفسيره لآية سورة البقرة برقم (151).

    [126](ص 135).

    [127](ص 379).

    [128](ص 1856).

    [129]قال، رحمه الله تعالى، في مقدمة تفسيره (السراج المنير) (1/22): "وقد أذكر بعض أقاويل وأعاريب لقوة مدركها، أو لورودها، لكن بصيغة (قيل) ليعلم أن المرضي أولها".

    [130]انظر مواطن تفسير الآيات الأربع على ترتيبها في المصحف: (1/149)، (1/164)، (1/ 410)، (7/422).

    [131]سورة الجمعة، آية (2).

    [132]سورة الذاريات، آية (56).

    [133]سورة الجمعة، آية (2).

    [134](المدخل إلى علم الدعوة): (ص 17)، وفيه: "وتعليمه إياهم" بدل ما أثبت.

    [135]الأول: تحقيق التبليغ والبيان، والنذارة والبشارة للناس، والثالث: نشر علوم الشريعة النقلية والعقلية، والتوقيف على أحكامها ومعانيها وأسرارها.

    [136]وهو: التزكية والتربية للنفس البشرية.

    [137]سورة البقرة: (129).

    [138]وهي: آية البقرة، رقم (151)، وآية آل عمران، رقم (164)، وآية الجمعة، رقم (2).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •