مقاصد القرآن الكريم وثمرتها





د. يوسف الحزيمري






القرآن الكريم، كلام الله المعجز إلى الخلائق، هذا الكتاب الخالد الذي غير الله به مجرى تاريخ البشرية جمعاء، من الضلال إلى الهدى، ومن الطريق المعوج إلى الصراط المستقيم، لم ولن يوجد كتاب على وجه البسيطة كتب عنه, وسخرت له جميع العلوم مثله، والواقع يشهد بذلك... كتاب جعله الله فرقانا ونورا وهدى ورحمة وشفاء، واشتمل على أمور الدين والدنيا، قال عزوجل: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (الأنعام:38).



وعن علي "رضي الله عنه" عنه قال: قيل لرسول الله " صلى الله عليه وسلم" : إن أمتك ستفتتن من بعدك، فسأل رسول الله " صلى الله عليه وسلم" ، أو سئل: ما المخرج منها؟ فقال: «كتاب الله العزيز الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت:42)، من ابتغى العلم في غيره أضله الله، ومن ولي هذا الأمر فحكم به عصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، وهذا الذي سمعته الجن، فلم تتناه أن قالوا: { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ } (الجن:1-2)، لا يخلق عن كثرة الرد على طول الدهر، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه» (1).



ومن ثم شملت عناية المسلمين بكتابهم الكريم «كل ما فيه وكل ما يتصل به: من حفظه في الصدور وحفظه في السطور، ومن إبراز لوجوه إعجازه وأسرار بلاغته إلى عنايتهم بفنون تجويده وترتيله وشرح ألفاظه، وعباراته وبيان معانيه ودلالاته, ومن ضبط رسمه وشكله، وتحديد ابتدائه ووقفه، إلى إعرابه وشرح غريبه. ومن تاريخه وأسباب نزوله، إلى استقراء قواعده وكلياته، وتحليل قصصه وأمثاله. ومن عد حروفه وآياته، إلى سبر مقاصده ومناسباته...» (2).



وكان من هذه العناية والاهتمام بيان مقاصد القرآن الكريم ومحاوره الكبرى، التي تعد قواعد وكليات، يرجع إليها في فهم مراد الله عزوجل، وفي الاجتهاد والاستنباط، مما نجده عند علماء التفسير في مقدمات تفاسيرهم.



وقد لخص العلامة ابن عاشور في مقدمة تفسيره مقاصد القرآن الأصلية التي جاء لتبيانها، بحسب ما بلغ إليه استقراؤه إلى ثمانية أمور، وهي:



- إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح.



- تهذيب الأخلاق.



- التشريع، وهو الأحكام خاصة.



- سياسة الأمة، وهو باب عظيم في القرآن، القصد منه صلاح الأمة، وحفظ نظامها.



- القصص وأخبار الأمم السالفة، للتأسي بصالح أحوالهم.



- التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين، وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرها، وذلك علم الشرائع وعلم الأخبار... وهذا أوسع باب انبجست منه عيون المعارف، وانفتحت به عيون الأميين إلى العلم.



- المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير، وهذا يجمع جميع آيات الوعد والوعيد، وكذلك المحاجة والمجادلة للمعاندين، وهذا باب الترغيب والترهيب.



- الإعجاز بالقرآن، ليكون آية دالة على صدق الرسول " صلى الله عليه وسلم" (3).



وجعل رحمه الله غرض المفسر هو: «بيان ما يصل إليه أو ما يقصده من مراد الله تعالى في كتابه، بأتم بيان يحتمله المعنى ولا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن، أو ما يتوقف عليه فهمه أكمل فهم، أو يخدم المقصد تفصيلا وتفريعا... فلا جرم كان رائد المفسر في ذلك أن يعرف على الإجمال مقاصد القرآن، مما جاء لأجله». (4)



أما الشيخ محمد الغزالي رحمه الله فذهب إلى أن: «القرآن الكريم مع استفاضة معانيه، وكثرة سوره، يمكن القول بأنه يدور على محاور خمسة، وهي: الله الواحد، والكون الدال على خالقه، والقصص القرآني، والبعث والجزاء، والتربية والتشريع... هذه هي المحاور الخمسة التي أفاض القرآن في ذكرها»، (5)، وانتهى فضيلته إلى أنها أمهات لمسائل أخرى كثيرة تندرج تحتها.



وقد فصل الدكتور أحمد الريسوني الحديث عن المقاصد العامة للقرآن الكريم، معتبرا أن العناية بهذه المقاصد الكلية، لم تبرز بوضوح إلا على يد بعض المفسرين والدارسين المعاصرين، مع أن معرفة هذه المقاصد وتحقيقها هي الفائدة الكبرى والغاية القصوى للقرآن وعلومه ومباحثه، ليصل بعرضه وبحثه إلى وضع «مقاصد مقاصد القرآن الكريم»؛ أي ذكر الأهمية والفائدة الإجمالية لمعرفة مقاصد القرآن الكريم.




فمن أهم ما يستفاد من معرفة مقاصد القرآن - وخاصة مقاصده العامة - ما يلي:




1- معرفة مقاصد القرآن الكريم هي المدخل السليم إلى فهم الرسالة القرآنية الإسلامية على وجهها الصحيح، بلا زيادة ولا نقصان، ولا إفراط ولا تفريط.



2- معرفة هذه المقاصد العامة, واستحضارها عند قراءة القرآن وتدبره، تـمكن قارئه من الفهم السليم للمعاني التفصيلية والمقاصد الخاصة لأمثاله وقصصه ووعده ووعيده، ولكل آية وكل لفظ وكل حكم ورد فيه.



3- بمعرفة مقاصد القرآن يتسدد فهمنا لمقاصد السنة النبوية جملة وتفصيلا، ومن خلال ذلك يتسدد النظر الفقهي، والاجتهاد الفقهي.



4- مقاصد القرآن هي الميزان والمعيار الذي يجب أن نزن به أعمالنا الفردية والجماعية، وحياتنا الخاصة والعامة، فكل عمل قلبي أو أخلاقي أو اقتصادي أو سياسي أو عسكري أو حضاري لا يهتدي بمقاصد القرآن، وبمقاصده في القرآن، فهو حائد عن هدي القرآن.



5- مقاصد القرآن هي الميزان والمعيار الذي لا بد منه كذلك للمفسرين في مناهجهم وتفسيراتهم؛ فبمعرفتها ومراعاتها يضمن المفسر لنفسه ولتفسيره أن تكون اهتماماته ومقاصده واستنباطاته في نطاق مقاصد القرآن، بلا زيادة ولا نقصان. وهذا ضرب من «تفسير القرآن بالقرآن»، ويمكن تسميته: «تفسير القرآن في ضوء مقاصده» (6).



فحري بنا أن نعرف هذه المقاصد، وأن نقطف منها هذه الثمرات، كيما تعيننا على فهم كتاب الله حق الفهم، وتدبره أحسن تدبر، لأجل العمل به في حياتنا على المنهج الوسط القويم.



الهوامش




1- الدر المنثور في التفسير بالمأثور (6/ 376)، والحديث أخرجه الدارمي في السنن 2/526، والترمذي في السنن (2906)، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.



2- مقاصد المقاصد، الدكتور أحمد الريسوني، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2013م، ص:8.



3- التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر - تونس،1984م، (1/ 39-41).



4- التحرير والتنوير (1/ 41).



5- المحاور الخمسة للقرآن الكريم، محمد الغزالي، طبعة دار الشروق، ص:18.




6- مقاصد المقاصد، الدكتور أحمد الريسوني، ص:50-51.