الأصيل والدخيل من التفسير في قصة أيوب عليه السلام
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الأصيل والدخيل من التفسير في قصة أيوب عليه السلام

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي الأصيل والدخيل من التفسير في قصة أيوب عليه السلام

    الأصيل والدخيل من التفسير


    في قصة أيوب عليه السلام




    د. عدنان عبد الكريم خليفات [·]




    ملخص البحث:


    يتعلق هذا البحث بسيرة نبي من أنبياء الله، ضرب به المثل في الصبر، وهو أيوب عليه السلام.

    وهذا البحث هو اجتهاد وعمل يقصد به تنقية سيرة ذلك النبي الكريم عليه السلام مما الصق بها من قصص إسرائيلية أو روايات وآثار لا تصح سندا ولا تقبل عقلا، وتمحيص الصحيح من الدخيل من الروايات الواردة عموما.
    وقد كان منهجي تفسير قصة أيوب عليه السلام من خلال الآيات القرآنية، مستنيرا بكلام أهل التفسير عموما، وتفسيرها من خلال ما ورد من التفسير بالمأثور، لاسيما الأحاديث النبوية الصحيحة، وما ورد من روايات صحيحة عن الصحابة مع الموازنة والترجيح بين المتعارض منها، وأما ما ورد عن التابعين في شأن أيوب فإنها روايات –إن صحت-تخضع كذلك للقواعد المتعلقة بعصمة الأنبياء، وموافقتها للنقل وللعقل على السواء. ولذا استبعدت الروايات التي نسبت إلى نبي الله أيوب انه كان مريضا مرضا منفرا، والروايات التي ترى ان الشيطان قد تسلط على جسد أيوب -عليه السلام – او ماله وولده؛ لكونها لبس لها دليل صريح من القرآن الكريم او السنة الصحيحة.
    هذا، وقد اختتمت البحث بذكر بعض العبر المستفادة من قصته عليه السلام.


    المقدمة:


    الحمد لله رب العالمين، انزل على عبده كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهدى الله به من الضلالة أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا.
    والصلاة والسلام الأتمان الاكملان على نبينا محمد، واله وصحبه أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين.
    وبعد..
    فإن علوم القرآن هي خير العلوم؛ لأنها متعلقة بأعظم الكتب على الإطلاق وهو القرآن العظيم.
    وقد شغل القصص في القرآن الكريم حيزا كبيرا يقارب ثلثه؛ وهذا يدل على أهمية القصص القرآني؛ ثم إن قصص الأنبياء قد اخذ قدرا وافيا من القصص القرآني؛ لما لها من تأثير توجيهي عظيم لهذه الأمة.
    فالله عز وجل أمر نبيه – صلى الله عليه وسلم -أن يقتدي في كثير من الأخلاق بإخوانه من الأنبياء والمرسلين قال سبحانه: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ...} (الأحقاف: 35)
    وقال سبحانه: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى } (يوسف :111)
    وقال: {وكُلًّا نقُصُّ عليك من أنباء الرُّسُل ما نُثبّتُ به فُؤادك} (هود:120)
    وقد أصاب التفسير عموما والقصص القرآني خصوصا بعض الدخل لأسباب متعددة؛ منها: وجود الإسرائيليات في تفسير القرآن، والتي قد تخالف في بعض الأحيان عقيدتنا الإسلامية.

    سبب اختيار الموضوع والجهود السابقة:


    إن قضية البلاء او قانون البلاء عند الإنسان من الأمور الأساسية التي لا ينفك عنها إنسان، كما قال سبحانه: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} (آل عمران :186). وإن البلاء يظهر المكنون من شر او خير في خبايا النفوس، قال تعالى: {ونبلُوكُم بالشّرّ والخير فتنةً} (الأنبياء: 35) فتبتلى آنا بالشر وآنا بالخير؛ لتفجر منك خفاياك من حناياك؛ قال سبحانه: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (آل عمران:179)
    ولقد كانت قصة أيوب عليه السلام من قصص الأنبياء المؤثرة في مسألة الصبر على البلاء، حتى صار النبي أيوب عليه السلام مضرب المثل في الصبر مع طول البلاء وشدته.
    ولكن القصة التي معنا أحاطها طائفة من القصاص والمفسرين بهالة من الخرافات حينا، والمبالغة حينا آخر، مما جعل الحق يختلط بالباطل والحقيقة بالأسطورة.
    صحيح أن هناك طائفة من المفسرين التزمت بالمنهج الدقيق في عرض الروايات المتعلقة بالقصص القرآني؛ مما جعلها ترفض كثيرا مما ورد في تفسير القصص القرآني عامة وقصة أيوب خاصة، ومن هؤلاء المحققين د. محمد أبو شهبة الذي كتب كتابا يجلي فيه ويحذر من الإسرائيليات والموضوعات التي ذكرت في بعض التفاسير وسمى كتابه (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير)، إلى غير هذا من الجهود المتعددة في هذا الجانب المهم ، ومن ذلك : كتاب (الإسرائيليات في التفسير والحديث) للدكتور محمد حسين الذهبي ، وكتاب (الدخيل في التفسير) للدكتور عبد الوهاب فايد، بالإضافة إلى رسالة دكتوراه في الموضوع بعنوان (الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير) للباحث رمزي نعناعة.
    كما كان لبعض من تكلم في القصص القرآني إسهامات طيبة ونافعة في هذا المجال مثل (قصص القرآن الكريم) للدكتور فضل حسن عباس -رحمه الله -، والقصص القرآني ل (محمد احمد جاد المولى) وآخرين، جزاهم الله جميعا على جهودهم خيرا.
    كما كان لطائفة من المفسرين -قدماء ومحدثين -التزام بالمنهج العلمي ([1]) ، ذلك المنهج الذي يجلي الحقيقة وينفي الأباطيل التي أشيعت حول قصص الأنبياء عموما وأيوب عليه السلام خصوصا، ومن ذلك: تفسير القاسمي -محاسن التأويل، وتفسير الظلال لسيد قطب.
    خطة البحث:


    تشتمل الخطة على مقدمة، وتمهيد، ومطالب، وهي:

    المطلب الأول: الدخيل الوارد في قصة أيوب عليه السلام


    وفيه مبحثان:

    المبحث الأول: الضعيف من التفسير الوارد في قصة أيوب عليه السلام

    المبحث الثاني: التأويلات البعيدة في قصة أيوب عليه السلام

    المبحث الثالث: استخلاص الموضوعات التي أصابها الدخل في القصة.

    المطلب الثاني: الآثار المترتبة عن إذاعة وإشاعة الأخبار الإسرائيلية في تشويه صورة الأنبياء عموما ونبي الله أيوب على وجه الخصوص.

    المطلب الثالث: قصة أيوب عليه السلام من خلال تفسير آيات سورة الأنبياء وسورة .

    المطلب الرابع: أحاديث صحيحة وأقوال مأثورة في شأن أيوب عليه السلام.

    المطلب الخامس: بعض الفوائد والعبر في قصة أيوب عليه السلام

    الخاتمة: وفيها أبين ما استفدته من هذه الدراسة، والتوصيات التي أراها.

    والله عز وجل اسأل التوفيق لما يحب ويرضى؛ إنه أكرم مسؤول وخير مأمول.


    تمهيد


    أولا: القصص لغة واصطلاحا:


    القصة مأخوذة من القص، وهو تتبع الأثر، قال سبحانه على لسان أم موسى وهي ترشد ابنتها لتتبع أثر موسى عليه السلام بعد أن ألقته في اليم: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (القصص: 11)، والقصص مصدر القص: قال تعالى: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا} (الكهف:64) أي رجعا يقصان الأثر الذي جاءا به.
    ويطلق القصص على الحوادث والأخبار، وقد اقتصصت الحديث: رويته على وجهه، وقد قص عليه الخبر قصصا، والاسم -أيضا -القصص بالفتح، والقصص بكسر القاف: جمع القصة التي تكتب؛ قال صلي الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} (يوسف: 111) وقال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ} (يوسف: 3)
    وقصص القرآن هو: إخباره عن أحوال الأمم الماضية والنبوات السابقة والحوادث الواقعة. ([2])
    أنواع قصص القرآن:


    من خلال التعريف السابق، وباستقراء القصة في القرآن، يمكن تقسيم القصة القرآنية إلى أنواع رئيسة، وهي:

    قصص الأنبياء: وقد ذكر الله في القرآن قصص خمسة وعشرين نبيا، تتراوح قصصهم ما بين التفصيل والإجمال؛ فمنهم: من وردت سورة بأكملها في شأنه كقصة يوسف عليه السلام، ومنهم: من أشار القرآن إلى ذكره إشارة عابرة، كإلياس وإدريس واليسع -عليهم الصلاة والسلام -، ومنهم: من ذكرت قصته مرات عديدة، لأهداف متنوعة، وبأساليب مختلفة، ومعظم القصص من هذا القبيل، كما هو بالنسبة لنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، وغيرهم -عليهم الصلاة والسلام .. ولعل الحكمة في ذلك أن الله سبحانه – وهو اعلم بمراده -قد حكى لنا ما ينفعنا مما قد حدث لكل نبي مع قومه. وقد أخبرنا عز وجل بأنه قد أرسل أنبياء ورسلا كثيرين، منهم: من قص الله علينا بما حدث له مع قومه، ومنهم: من لم يخبرنا بشيء من أحواله.
    ومن الأنبياء الذين جاء الحديث عنهم بصورة تتناسب مع مقتضى أحوالهم مع أقوامهم أيوب عليه السلام. ([3])
    وهناك قصص لأمم وأشخاص غير الأنبياء، كما هو الحال في قصة ذي القرنين، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وابني ادم، وطالوت وجالوت، وأهل الكهف، وأصحاب السبت، وأصحاب الأخدود، وغيرهم. ([4])
    ثانيا: أهمية القصص القرآني:


    القصص في القرآن يحتل مساحة كبيرة منه، لعلها تبلغ ثلث القرآن، وهذا دليل على أهمية القصة في القرآن. ويمكن أن نجمل أهميتها فيما يأتي:

    تثبيت قلب النبي وقلوب الأمة المحمدية على دين الله، وتقوية ثقة المؤمنين بنصرة الحق وجنده. قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } (هود: 120)
    إظهار صدق محمد في دعوته بما أخبر به عن أحوال الماضين عبر القرون والأجيال، كقصة عيسى وأمه، وداود، وأيوب، ويونس، ونوح.
    مقارعة أهل الكتاب بالحجة فيما كتموه من البينات والهدى، وتحديه لهم بما في كتبهم قبل التحريف والتبديل كقوله تعالى {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران :93)
    الاعتبار بمن سبقنا، وذلك في أكثر من جانب؛ فالعبرة للمؤمنين بما ختم الله كثيرا من القصص من نصرة جنده وهزيمة أعدائه؛ فالعبرة هي في الثقة بالله والتوكل عليه والثبات على المبدأ، وفي جانب الأعداء كانت العبرة ببيان مصير المكذبين بالرسل وسوء عاقبتهم.
    القصص القرآني زاد غزير الفائدة للدعاة إلى الله سبحانه، فهو ترجمة لما جرى بين الأنبياء وأقوامهم، وبين الدعاة من غير الأنبياء ومن عاشوا معهم، وهو بذلك يبين لنا أطيافا متعددة في الأساليب الملائمة للدعوة، مع اختلاف البيئات، واختلاف المقام، وأسس الدعوة إلى الله، وترتيب الأولويات.
    إن من أدب الشريعة معرفة تاريخ سلفها في التشريع من الأنبياء بشرائعهم؛ فكان اشتمال القرآن على قصص الأنبياء وأقوامهم تكليلا لهامة التشريع الإسلامي.
    ما في القصص من فائدة التاريخ، كمعرفة ترتيب المسببات على أسبابها في الخير والشر، والتعمير والتخريب؛ لتقتدي الأمة وتحذر؛ قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} (النمل: 52) وما فيها من فائدة ظهور المثل العليا في الفضيلة، وزكاء النفوس، او ضد ذلك.
    إن في حكاية القصص سلوك أسلوب التوصيف والمحاورة، وذلك أسلوب لم يكن معهودا للعرب؛ فكان مجيئه في القرآن ابتكار أسلوب جديد في البلاغة العربية، شديد التأثير في نفوس أهل اللسان، وهو من إعجاز القرآن؛ إذ لا ينكرون انه أسلوب بديع، ولا يستطيعون الإتيان بمثله؛ إذ لم يعتادوه. انظر إلى حكاية أحوال الناس في الجنة والنار والأعراف، في سورة الأعراف.
    والقصة نوع من التسلية، ونموذج للأدب العفيف، والخلق القويم، وذلك بما احتواه من نماذج فريدة في الأخلاق، كالصدق والصبر، والوفاء والتضحية. ([5])
    ثالثا: تعريف النبي لغة واصطلاحا


    النبي في اللغة مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، تقول: نبأ ونبأ، أي أخبر، ومنه اخذ النبيء؛ لأنه أنبأ صلي الله عليه وسلم عن الله، وهو فعيل، بمعنى فاعل، او مأخوذ من النبوة: من نبا ينبو نبوا وهو الارتفاع؛ لأن نبا بمعنى ارتفع، ولا شك في ارتفاع رتبة النبي. ([6])
    وأما في الاصطلاح: فهو من أوحي إليه بملك او الهم في قلبه، او نبه بالرؤيا الصالحة، او هو من جاء بتجديد شريعة رسول سابق ([7]) ، ولعل التعريف الأخير هو الصحيح، والله اعلم.
    رابعا: أيوب عليه السلام في القرآن


    ذكر نبي الله أيوب عليه السلام في القرآن أربع مرات وهي:
    الأولى في قوله سبحانه: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ...} (النساء:163).
    الثانية في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (الأنعام :84)
    الثالثة وهي قوله عز وجل: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (الأنبياء :83).
    الرابعة في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} (ص :41). ([8])
    والآيتان الأخيرتان هما اللتان تحدثتا عما حصل لأيوب عليه السلام من ابتلاء.
    نسبه:


    أيوب عليه السلام من ذرية إبراهيم الخليل -عليهما السلام -، وذلك اعتمادا على قوله سبحانه في سورة الأنعام: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} إلى أن يقول {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} أي ومن ذرية إبراهيم {دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ}؛ وذلك لأن الكلام سيق في الحديث عن إبراهيم عليه السلام. وذهب بعض أهل العلم إلى أن أيوب عليه السلام ليس من ذرية إبراهيم، وجعل الضمير في قوله {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} راجعا إلى نوح؛ لأنه أقرب مذكور، والصحيح ما ذكرنا، والله اعلم ([9]) .
    مكانه وزمانه:


    كان أيوب عليه السلام نبيا غنيا، من أرباب العقار والماشية. وكان أميرا في قومه، وكانت أملاكه، ومنزله في الجنوب الشرقي من البحر الميت، بين بلاد أدوم وصحراء العربية، وكانت إذ ذاك خصيبة رائعة التربة، كثيرة المياه، وكان زمنه بعد زمن إبراهيم. ورأى القرطبي انه في زمن يعقوب عليه السلام، وان أمه ابنة لوط عليه السلام. وقيل انه في زمن موسى عليه السلام.. هذا ما ذكره عن أيوب عليه السلام -المفسرون مما يستأنس به، ولا يقطع به ([10]) .
    رسالة أيوب:


    ذكر الله تعالى أيوب مع الأنبياء والرسل الذين يوحى إليهم في سورة النساء، بقوله سبحانه: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ ...} (الآية 84)
    ومع ذلك فإن القرآن لم يذكر لنا شيئا عن قوم أيوب، ولا عن دينهم، ولا عن الأحوال التي اقتضت بعثة أيوب إليهم، وهل امن به أحد أولا؟ ([11])
    ولعل في قصة أيوب عليه السلام وصبره من العبر والعظات ما يهم المؤمنين أكثر من ذكر قومه، او غير ذلك من أمور.
    المطلب الأول


    الدخيل من التفسير الوارد في قصة أيوب عليه السلام


    ينبغي أولا أن نبين معنى الدخيل لغة واصطلاحا.
    الدخيل في اللغة يطلق على: من دخل في قوم وانتسب إليهم وليس منهم، وعلى الضيف لدخوله على المضيف، وكل كلمة أدخلت في كلام العرب وليست منه، وعلى الفرس بين الفرسين في الرهان. ([12]) ثم صار يطلق على: الإسرائيليات التي تطرقت إلى كتب التفسير، والموضوعات، وبدع المفسرين وأخطاء بعضهم، وآراء أهل الفرق الضالة.
    ويمكن تقسيم الدخيل من التفسير الذي جاء في قصة أيوب -عليه السلام -إلى قسمين، كل قسم منهما مبين بالتفصيل في المبحثين الأول والثاني، نعقبهما بالمبحث الثالث والمتضمن استخلاص المواضع التي غزاها الدخيل في القصة، وهاكم بيانه:
    المبحث الأول: الضعيف من التفسير الوارد في قصة أيوب عليه السلام


    وهي الروايات الضعيفة والموضوعة التي نقلها المفسرون في كتبهم عن بعض السلف، وأكثرها إسرائيليات.
    أولا: الرواية المشهورة في قصة أيوب:


    الروايات التي تداولها المفسرون والإخباريون في قصة أيوب -عليه السلام -تدور في اغلبها حول رواية الطبري التي ذكرها في تفسيره؛ لذلك اخترت هذه الرواية للحديث عن جوانب الضعف فيها.
    رواية الإمام الطبري ([13]) :

    روى ابن جرير في تفسير قوله سبحانه : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} (الأنبياء:83) وكذلك آيات (سورة ص 41 -44) روى فيها رواية طويلة، إذ قال : ؛يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -عليه الصلاة و السلام -: واذكر أيوب يا محمد، إذ نادى ربه ، وقد مسه الضر والبلاء { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} يقول تعالى ذكره : فاستجبنا لأيوب دعاءه إذ نادانا، فكشفنا ما كان به من ضر وبلاء وجهد. وكان الضر الذي أصابه ، والبلاء الذي نزل به ، امتحانا من الله له واختبارا، وكان سبب ذلك كما حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن هشام ؛ قال : ثني عبد الصمد بن معقل، قال : سمعت وهب بن منبه ([14]) يقول : كان بدء أمر أيوب الصديق صلوات الله عليه ، انه كان صابرا نعم العبد .قال وهب : إن لجبريل بين يدي الله مقاما ليس لأحد من الملائكة في القربة من الله والفضيلة عنده ، وإن جبريل هو الذي يتلقى الكلام ، فإذا ذكر الله عبدا بخير تلقاه جبرائيل منه ، ثم تلقاه ميكائيل ، وحوله الملائكة المقربون ، حافين من حول العرش .... وكان إبليس لا يحجب بشيء من السموات، وكان يقف فيهن حيث شاء ما أرادوا. ومن هنالك وصل إلى ادم حين أخرجه من الجنة، فلم يزل على ذلك، يصعد في السموات، بعث الله عيسى ابن مريم، فحجب من أربع، وكان يصعد في ثلاث، فلما بعث الله محمدا صلي الله عليه وسلم-حجب من الثلاث الباقية ([15]) ، فهو محجوب هو وجميع جنوده من جميع السموات إلى يوم القيامة .. ..قال وهب : فلم يرع إبليس إلا تجاوب ملائكتها بالصلاة على أيوب ، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه ، فلما سمع إبليس صلاة الملائكة، أدركه البغي والحسد، وصعد سريعا حتى وقف من الله مكانا كان يقفه ([16]) ، فقال : يا إلهي ، نظرت في أمر عبدك أيوب ، فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك ، وعافيته فحمدك، ثم لم تجربه بشدة ،ولم تجربه ببلاء،، وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك ،ولينسينك ،وليعبدن غيرك ، قال الله تبارك وتعالى له : انطلق ، فقد سلطتك على ماله، فإنه الأمر الذي تزعم انه من اجله يشكرني ، ليس لك سلطان على جسده ، ولا على عقله . فانقض عدو الله حتى وقع على الأرض، ثم جمع عفاريت الشياطين، وعظماءهم.
    وكان لأيوب البثنية من الشام كلها، ([17]) بما فيها من شرقها وغربها، وكان له بها ألف شاة برعاتها، وخمس مئة فدان، يتبعها خمس مئة عبد، . . .. فلما جمع إبليس الشياطين، قال لهم: ماذا عندكم من القوة والمعرفة؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، فهي المصيبة الفادحة، والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال. قال عفريت من الشياطين: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار؛ فأحرقت كل شيء آتي عليه، فقال له إبليس: فأت الإبل ورعاتها. فانطلق يؤم الإبل،..، فلم تشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار، تنفخ منها أرواح السموم، لا يدنو منها أحد إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها، حتى أتى على أخرها. فلما فرغ منها تمثل إبليس على قعود منها ([18])براعيها، ثم انطلق يؤم أيوب ، حتى وجده قائما يصلي ، فقال : يا أيوب ، قال : لبيك قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترت وعبدت ووحدت بإبلك ورعاتها ؟ قال أيوب : إنها مال أعارنيه ، وهو أولى به ؛ إذا شاء نزعه ، وقديما ما وطنت نفسي ومالي على الفناء ([19]) . قال إبليس : وإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت ورعاتها، حتى وهم وقوف عليها يتعجبون ؛ منهم : من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا، وما كان إلا في غرور ([20]) ، ومنهم : من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يمنع من ذلك شيئا لمنع وليه ، ومنهم: من يقول : بل هو فعل الذي فعل ؛ ليشمت به عدوه ، وليفجع به صديقه ([21]) . قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني ، وحين نزع مني ، عريانا خرجت من بطن أمي . . . . ثم رجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا، فقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني لم أكلم قلبه؟ قال عفريت من عظمائهم: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه. قال له إبليس: فأت الغنم ورعاتها، فانطلق يؤم الغنم ورعاتها، حتى إذا وسطها صاح صوتا جثمت أمواتا من عند آخرها ([22]) ورعاءها. ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاء ([23]) ، حتى إذا جاء أيوب وجده وهو قائم يصلي، فقال له القول الأول، ورد عليه أيوب الرد الأول. ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه، فقال لهم: ماذا عندكم من القوة، فإني لم أكلم قلب أيوب؟ ([24])فقال عفريت من عظمائهم: عندي من القوة إذا شئت تحولت ريحا عاصفا، تنسف كل شيء تأتي عليه، حتى لا ابقي شيئا.
    قال له إبليس: فأت الفدادين والحرث، فانطلق يؤمهم. .، فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف تنسف كل شيء من ذلك، حتى كأنه لم يكن. ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الحرث، فقال له مثل قوله الأول، ورد عليه أيوب مثل رده الأول.
    فلما رأى إبليس انه قد أفني ماله، ولم ينجح منه، صعد سريعا، حتى وقف من الله الموقف الذي كان يقفه ([25]) ، فقال: يا إلهي، إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده، فأنت معطيه المال، فهل أنت مسلطي على ولده؟ فإنها الفتنة المضلة، والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال، .... فقال الله تعالى له: انطلق فقد سلطتك على ولده، ولا سلطان لك على قلبه ولا جسده، ولا على عقله. فانقض عدو الله جوادا ([26]) ، حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم ، فلم يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده ، ثم جعل يناطح الجدر بعضها ببعض ، ويرميهم بالخشب والجندل ، حتى إذا مثل بهم كل مثلة ، رفع بهم القصر، حتى إذا اقله بهم فصاروا فيه منكسين ، انطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة ، وهو جريح ، مشدوخ الوجه ، يسيل دمه ... فلما نظر إليه أيوب هاله وحزن ، ودمعت عيناه ، وقال له : يا أيوب ، لو رأيت كيف افلت من حيث افلت، والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا، ولو رأيت بنيك كيف عذبوا، وكيف مثل بهم، وكيف قلبوا ؛ فكانوا منكسين على رؤوسهم ، تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم، وتقطر من اشفارهم ، ...، ولو رأيت العظام متهشمة في الأجواف ، ولو رأيت الوجوه مشدوخه ،([27]) ولو رأيت الجدر تناطح عليهم ، ولو رأيت ما رأيت قطع قلبك ، فلم يزل يقول هذا ونحوه ، ولم يزل يرققه حتى رق أيوب فبكى ، وقبض قبضة من تراب ، فوضعها على رأسه ([28]) ، فاغتنم إبليس عند ذلك ، فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب ، مسرورا به . ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر؛ فاستغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبة منه، فبدروا إبليس إلى الله، فوجدوه قد علم بالذي رفع إليه من توبة أيوب، فوقف إبليس خازيا ذليلا، فقال: يا إلهي، إنما هون على أيوب خطر المال والولد انه يرى أنك ما متعته بنفسه؛ فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده؟ فأنا لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك، وليكفرن بك، وليجحدنك نعمتك. قال الله: انطلق فقد سلطتك على جسده ([29]) ، ولكن ليس لك سلطان على لسانه، ولا على قلبه، ولا على عقله. فانقض عدو الله جوادا، فوجد أيوب ساجدا، فعجل قبل إن يرفع رأسه، فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده؛ فترهل، . . .، ووقعت فيه حكة لا يملكها، فحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حك بالعظام، وحك بالحجارة الخشنة، وبقطع المسوح الخشنة، فلم يزل يحكه حتى نفد لحمه وتقطع. ولما نغل جلد أيوب وتغير وانتن أخرجه أهل القرية، فجعلوه على تل، وجعلوا له عريشا، ورفضه خلق الله غير امراته ([30]) ، فكانت تختلف إليه بما يصلحه ويلزمه. وكان ثلاثة من أصحابه اتبعوه على دينه، فلما راوا ما ابتلاه الله به تركوه من غير ان يتركوا دينه، واتهموه؛ يقال لأحدهم: بلدد، واليفر، وصافر. قال: فانطلق إليه الثلاثة، وهو في بلائه، فبكتوه؛ فلما سمع منهم اقبل على ربه، فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: رب لأي شيء خلقتني؟ لو كنت إذ كرهتني في الخير تركتني فلم تخلقني، يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، وياليتني مت في بطنها، فلم اعرف شيئا ولم تعرفني، ما الذنب الذي أذنبت لم يذنبه أحد غيري؟ ......." ([31])
    التعليق:


    هذه رواية الإمام الطبري -مع بعض الاختصار-في تفسير آية سورة الأنبياء التي تحدثت عن الضر الذي أصاب أيوب عليه السلام. وقد اعتمد على هذه الرواية ونحوها كثير من المفسرين في كتبهم، كابن أبي زمنين، والقرطبي، كذلك اعتمد عليها كثير ممن كتب في قصة أيوب من الكتاب والأدباء ([32]).
    وقد ترك ابن كثير هذه القصة، فلم يذكرها في تفسيره؛ لما فيها من غرابة – كما يقول -، وكذلك لطولها ([33]) .
    وعلق الشوكاني على هذه القصة بقوله: "وفي هذا نكارة شديدة؛ فإن الله تعالى لا يمكن الشيطان من نبي وأبنائه، ويسلطه عليه هذا التسليط العظيم" ([34])
    وسنتحدث عن جوانب الضعف في قصة أيوب عليه السلام والدخيل فيها، في الصفحات القادمة، من خلال رواية الإمام الطبري إن شاء الله تعالى.
    المبحث الثاني: التأويلات البعيدة في قصة أيوب عليه السلام


    وهي التأويلات التي حاول بعض المفسرين الفرار بها من الإسرائيليات الدخيلة على القصة.
    فرأى أولئك تفسير قصة أيوب تفسيرا يبعد القصة عن الإسرائيليات التي حيكت حولها، كرد فعل اتجاه من فسرها بالروايات الإسرائيلية من المفسرين والقصاص؛ فحملوا الآيات ما لا تحتمل:
    ففسروا قوله تعالى: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}: إعراض الناس واستهزاؤهم بالدعوة والداعين؛ فإن ذلك من عمل الشيطان، فشكوى الأنبياء لم تكن إلا بسبب إعراض أممهم عن الاستجابة، وحزنهم لم يكن إلا بسبب بط ء في سير الدعوة، واستدل بقوله تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} (النحل :127)
    أما قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} فالمراد بـ {ارْكُضْ} عقد العزيمة وتأكيدها، واستتمام الثقة وإكمالها؛ وذلك لأن الشكوى تشعر بالوهن وعدم القوة في السير إلى الغاية لذلك، هذا ما كان من جواب تلك الشكاية" ([35])
    أما قوله تعالى: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} فلما كان تردد المرء في غايته، ووهن عزيمته مرضا يضايق الصدور. كان عقد العزيمة واستكمال الثقة غسلا للروح من صدئها، وشفاء للنفس من مرضها، فالمراد من المغتسل هو عقد العزيمة، واستكمال الثقة، وهنا يكون اسم الإشارة راجعا إلى الركض بالرجل التي هي كناية عن عقد العزيمة" ([36])
    وأما قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} فأولها بعضهم ب: هدينا أهله فأمنوا به واستجابوا لدعوته، وهدينا له مثلهم من غير أهله، فالهبة هنا هي الهداية والإرشاد، لا هبة الخلق؛ لأن ما يهتم به الأنبياء هو أن يهدي الله بهم لا أن يولد لهم.
    وقوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} فسروها: أي لا ترفع في وجوه قومك رمحا، ولا عصا، ولا تغلظ لهم في القول، بل لوح في وجوههم الرياحين، ولا تأثم بالغلظة"([37])
    وهناك تأويل آخر قال به بعض المفسرين: حيث أولوا المغتسل البارد والشراب في قصة أيوب بأنه الوحي "الذي انزله الله عليه، وهداه إلى العمل به"، فهو الذي يغسل الأوضار والأدران ([38]) ، وهو "المغتسل البارد والشراب". وحجته في ذلك أن "القرآن كثيرا ما يكني عن الوحي بالماء والمطر؛ ولا شك أن كلام الله هو العلاج لكل داء، والدواء لكل مرض" ([39]) .
    كما فسر هذا المفسر قوله تعالى: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} تفسيرا بعيدا؛ فقد فسر الأهل هنا بأنهم "أتباعه في الدين" ([40]) .
    أقول:


    وهذه التأويلات -كما نرى -بعيدة كل البعد عن مدلول اللفظ القرآني، ولا يصح أن نحمل الألفاظ ما لا تحتمل، وليس مبررا صحيحا لكي نبعد النص القرآني عن الإسرائيليات أن نقع بهذا التحريف الكبير له ؟! فكيف يفسر الماء البارد بكلام الله ؟! والأصل في الكلام العربي أن يحمل على الحقيقة إلا إذا جاءت قرينة تصرفه من الحقيقة إلى المجاز. . .. ولا قرينة ثمة هنا.
    والأصل في الأهل أنهم أهل الرجل؛ جاء في اللغة: أهل فلان يأهل ويأهل أهولا أي تزوج، والأهل: الأقارب والعشيرة والزوجة ([41]) . فتفسير أهله في الآية بأنهم أتباعه في الدين تأويل بعيد، يخالف اللغة؛ فلا يقبل.
    المبحث الثالث: استخلاص الموضوعات التي أصابها الدخل في القصة.


    واستخلاصا لما جاء في القسمين السابقين فإنه يمكن تقسيم ما ورد من دخيل في التفسير في قصة أيوب بمختلف رواياتها ورواتها وتأويلاتها إلى الأقسام التالية:

    أولا:


    سبب ما أصابه من بلاء.
    ثانيا:


    طبيعة البلاء الذي أصابه.
    ثالثا:


    مدة البلاء.
    رابعا:


    ما نسب إلى أيوب من الشكوى.
    خامسا:


    كيف شفي من مرضه.
    سادسا:


    كيف عوض الله عليه أهله وماله.
    وهذا تفصيل لما أجمل:
    أولا: ما ورد في ذكر سبب ما أصابه من بلاء


    قد وردت روايات عديدة ذكرت سبب ما أصاب أيوب عليه السلام من بلاء، واغلبها يعود إلى الإسرائيليات، منها:

    "أن الله تعالى أثني على أيوب في الملأ الأعلى، وتجاوبت الملائكة بذكره والصلاة عليه، وذاع صيته في الملأ الأعلى، وسمع بذلك إبليس فحسده على مكانته عند الله، وسأل الله أن يسلطه عليه؛ ليفتنه عن دينه؛ فسلطه الله..." ([42]) بل ذكر بعضهم اسم الشيطان الذي سلط على أيوب -في زعمهم -؛ فعن نوف البكالي ([43]) قال: كان (الشيطان) الذي سلط على أيوب اسمه مسوط. ([44])
    الرواية الأخرى في سبب بلائه: انه كان بسبب سكوته عما كان يصنع فرعون من المنكرات؛ فقد اخرج ابن الأثير وابن عساكر عن أبي إدريس الخولاني ([45]) ؛ قال: "أجدب الشام، فكتب فرعون إلى أيوب: أن هلم إلينا؛ فإن لك عندنا سعة، فأقبل بخيله وماشيته، فأقطعهم، فدخل شعيب على فرعون، ووعظه وخوفه، وأيوب ساكت لا يتكلم، فلما خرج شعيب وأيوب، أوحى الله إلى ايوب: سكت عن فرعون لذهابك إلى أرضه؛ استعد للبلاء. وفي رواية قال ايوب: فديني؟ ([46]) قال (اي الله): أسلمه لك. قال: لا ابالي". ([47])
    واخرج ابن عساكر من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس -رضي الله عنه-قال: "إنما كان ذنب ايوب انه استعان به مسكين على ظالم يدرؤه عنه، فلم يعنه، ولم يأمر بمعروف وينه الظالم عن ظلم المسكين؛ فابتلاه الله" ([48]) .
    وهذه الرواية أحد رواتها هو جويبر، وهو ضعيف؛ ذكره البخاري في الضعفاء ([49]) ؛ فهي إذا رواية مردودة.
    واخرج ابن عساكر عن الليث بن سعد ([50]) قال: " كان السبب الذي ابتلي فيه ايوب انه دخل أهل قريته على ملكهم، -وهو جبار من الجبابرة -، وذكر بعض ما كان من ظلمه الناس، فكلموه فأبلغوا في كلامه، ورفق ايوب في كلامه له؛ مخافة منه لزرعه، فقال الله: "اتقيت عبدا من عبادي من اجل زرعك"؟ فأنزل الله به ما انزل من البلاء". وقد اختار هذه الرواية ابن عطية والقرطبي، وذكرها السيوطي في تفسيره ([51]).
    وروي الإمام احمد بسنده، عن سفيان بن عيينة ([52]) قال: "لما أصاب ايوب عليه السلام الذي أصابه أرسل إلى أصحابه؛ فقال: تدرون لأي شيء أصابني هذا؟ قالوا: أما نحن فلم يكن يظهر لنا منك شيء نعرفه إلا إن تكون أسررت شيئا ليس لنا به علم، فقاموا من عنده، وذهبوا، فلقوا إنسانا دونهم في العلم، فقال: لأي شيء دعاكم نبي الله عليه السلام؟، فأخبروه، قال: فأنا أخبره بما أصابه هذا، فأتاه فسأله، فقال: لأنك شربت شربة لم تحمد الله عليها، ولم تشكر النعمة، ولعلك استظللت في ظل لم تشكر النعمة!"([53])
    هذه الروايات مردودة؛ فالرواية الأولى -رواية ابن الأثير -ليس لها دليل من الكتاب او السنة على أن إبليس تكلم مع الله تعالى. .. .؟!
    وأما الروايات الباقية فلا شك ببطلانها؛ فكيف ينسب إلى نبي الله ايوب انه سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، "والسكوت على ذلك غير مقبول من القادرين عليه، فكيف إذا كان السكوت من العلماء؟ بل كيف إذا كان من أحد الأنبياء؟" ([54]).
    وأما الرواية الأخيرة عن سفيان بن عيينة: "لأنك شربت شربة لم تحمد الله عليها . . ."، فلا شك ببطلانها؛ فكيف ينسب لنبي الله انه لم يشكر النعمة ؟! ومن يشكر الله إذا لم يشكره اعلم الناس به تعالى وادراهم بواجبه؟. وهل نبي الله بحاجة إلى من يعرفه بخطئه من أمته -إن أخطأ؟!


    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: الأصيل والدخيل من التفسير في قصة أيوب عليه السلام

    الأصيل والدخيل من التفسير


    في قصة أيوب عليه السلام




    د. عدنان عبد الكريم خليفات [·]

    ثانيا: طبيعة البلاء الذي أصابه:


    وهنا وجدنا بعض المؤرخين والمفسرين قد نقلوا روايات عجيبة وغريبة في طبيعة المرض الذي أصاب ايوب عليه السلام، وكلها من الإسرائيليات، حتى زعم بعضهم انه كان مكتوبا على جبينه: المبتلى الصابر !؟([55])
    من هذه الروايات: "أن الدود كان يتناول بدنه فصبر، حتى تناولت دودة قلبه، وأخرى لسانه، فقال: (مسني الضر)" ([56]) .
    وقد روي عن الحسن قال: ما كان بقي من ايوب إلا عيناه، وقلبه ولسانه، فكانت الدواب تختلف في جسده، قال: ومكث في الكناسة سبع سنين وأياما، او قال وأشهرا. وروي عن سليمان التيمي مثل ذلك ([57]).
    وبالغ بعض المفسرين فزعم أن الله سلط على جسده اثنتي عشر ألف دودة؛ وذلك "لأنها عدد الجند الكامل، كما قال الرسول عليه السلام: (اثنا عشر ألف لن يغلب عن قلة أبدا)، وزعم صاحبنا أن "الدود أكل جميع جسده حتى بقي العظام والقلب، واللسان والأذنان والعينان" ([58])
    ومنها: "انه أصابته أكله في بدنه، فلما عظمت وتقطع بدنه أخرجه الناس من بينهم، ولم يبق معه غير زوجته". ([59])
    وروى ابن جرير عن وهب بن منبه قال: "لم يكن بأيوب الآكلة، إنما كان يخرج منه مثل ثدي النساء، ثم يتفقأ"([60])
    ومن هذه الروايات: انه انقطع الوحي عنه أربعين صباحا، وخاف هجران ربه؛ فقال: (مسني الضر) ([61])
    ومنها: أن الضر الذي أصابه هو شماتة الأعداء. ([62])
    ومنها "أن ضره قول إبليس لزوجه: اسجدي له، فخاف ذهاب الإيمان عنها، فتهلك، ويبقى بغير كافل"([63])
    ومن هذه الروايات: انه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض. ([64]) ورجح هذا الالوسي ([65])
    وزعم بعض المفسرين أن ما أصاب ايوب هو مرض في جلده -لكنه ليس منفرا، ولعله يستند في هذا إلى ما نسب إلى مجاهد من أن ايوب عليه السلام كان أول من أصابه الجدري. ([66])
    ورأى بعض العلماء أن ما أصاب ايوب من الابتلاء -على الوجه الذي ذكره المفسرون وعلماء التاريخ من مرض منفر-إنما كان قبل النبوة، وان منحة النبوة إنما كانت لما بدا منه من الصبر والرضا بما أصابه من مكروه. وبهذا قال عبد الوهاب النجار، وتابعه عليه محمد الوكيل. ([67])
    وبين أن الروايات الثلاث الأولى فيها الادعاء بأن الدود أصابه -وبغض النظر عن عدده -،
    وهذا مما يتنافى مع عصمة الأنبياء وسلامتهم من الأمراض المنفرة التي لا تليق بمنصب النبوة، كما نص على ذلك العلماء ([68]) ؟! فكيف يدعى أن ايوب بسبب هذا المرض اخرج إلى خارج البلدة وألقي على مزبلة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
    قال القاسمي: "وقد روى المفسرون ههنا في بلاء ايوب روايات مختلفات، بأسانيد واهيات، لا يقام لها عند أئمة الأثر وزن، ولا تعار من الثقة أدني نظر. نعم، يوجد في التوراة سفر لأيوب، فيه من شرح ضره، بفقد كل مقتنياته ومواشيه وآل بيته، وبنزول مرض شديد به، عدم بعدها الراحة ولذة الحياة، غرائب. إلا أنها مما لا يوثق بها جميعها؛ لما داخلها من المزيج، وتوسع بها في الدخيل، حتى اختلط الحابل بالنابل...." ([69])
    ثم قال: "ولو علم الله خيرا في أكثر مما أجمله في تنزيله الحكيم، لتفضل علينا بتفصيله، ولذا يوقف عند إجماله فيما أجمل، وتفصيله فيما فصل". ([70])
    قال الصابوني: "وقد ذكر بعضهم أمورا لا يجوز اعتقادها بالنسبة لبلاء ايوب عليه السلام، وهي منقولة عن إسرائيليات لم تصح؛ منها: أن ايوب حين اشتد به المرض، وطال به البلاء عافه الجليس، وأوحش منه الأنيس، وانقطع عنه الناس، وتعفن جسده حتى كاد الدود يخرج منه، فأخرج من البلد وألقي على مزبلة خارجها. .، إلى غير ذلك من الحكايات المنقولة عن التوراة المحرفة، او هي من أقوال أهل الكتاب.."([71])
    وأما الروايات الأربع الأخرى في وصف ضر ايوب وهي: انقطاع الوحي، وشماتة الأعداء، وقول إبليس لزوجة ايوب ما قال ...، وكونه مرضا جلديا...، فليس عليها دليل صحيح من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه الأمور الثلاثة او أي واحد منها -عدا المرض الجلدي -لا يطلق على الضر -كما هو معلوم في اللغة، وكما فسره المفسرون.
    وأما الرواية الأخيرة من أن ايوب عليه السلام وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض، فهي تدل على مظهر من مظاهر المرض الذي أصابه عليه السلام، وليس بالضرورة أن يكون ذا مرضه!
    وأما قول النجار ومن معه: بأن الابتلاء الذي أصاب ايوب عليه السلام إنما أصابه قبل النبوة، فليس بقول مقبول؛ وذلك لأننا لا نسلم أولا أن ما أصاب ايوب هو مرض منفر، فليس هناك دليل صحيح عليه. كما أن الأنبياء عموما أوحي إليهم بالنبوة من غير أن يسبق ذلك أمراض تصيبهم فتنهكهم!
    وكيف يصاب نبي الله بمرض منفر مدة طويلة، تبلغ ثماني عشرة سنة -كما في بعض الروايات -؟ وكيف سيبلغ النبي دعوته للناس إذا أصيب بمرض منفر طول تلك المدة؟ هذا محال.
    ورابعا: إن سياق الآيات التي تحدثت عن ايوب عليه السلام، وهي آيات الأنبياء وسورة ص-، يثبت ان الابتلاء حصل خلال النبوة؛ ذلك أنها ذكرت إيحاء الله تعالى لأيوب خلال الابتلاء وبعده مباشرة {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ....}، والجملة بدئت بفاء التعقيب التي تفيد العطف من غير تراخ.
    كما ان الله تعالى أثني عليه بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، فصار قدوة لكل المسلمين على مر الزمان في الصبر على البلاء، فهل كان مديح الله له قبل النبوة؟ هذا بعيد جدا.
    ومن ناحية أخرى: فإنه لم يثبت عن الله، ولا عن رسوله -صلي الله عليه وسلم -تحديد نوع البلاء الذي أصيب به ايوب عليه السلام في جسمه، إلا أن بعض المفسرين قد فهم من الآية الكريمة {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ...} انه أصيب بنوع من الحمى الشديدة؛ إذ جعل الله سبحانه وتعالى علاجه من مرضه أن يغتسل بماء بارد، وان يشرب منه، ومستدلين ([72]) بحديث (الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء) ([73]) ، والصحيح: ما ذكرناه من عدم وجود ما يدل على طبيعة مرضه، والله اعلم.
    ثالثا: مدة البلاء:


    اختلف في المدة التي مكث فيها ايوب مريضا:

    فقيل ثلاث سنين؛ وروي هذا عن وهب بن منبه؛ إذ قال: إنه-أي ايوب -ابتلي ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص، وفي رواية أخرى عنه قال: سبع سنين.
    وروي عن انس قال: ابتلي سبع سنين وأشهرا، وألقى على مزبلة لبني إسرائيل ... كما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه -قوله: "سبع سنين، وسبعة أشهر، وسبعة أيام، وسبع ساعات. وقيل عشر سنين، وقيل كذلك أربعين سنة. ([74])
    وقال طائفة من المحققين : أن ايوب - عليه السلام - مكث في البلاء ثماني عشرة سنة ؛ وقد نسب هذا القول إلى أبي حيان في تفسيره ([75]) ، ومن المعاصرين : الشعراوي والجزائري في تفسيريهما ([76]) ؛ فقد ذكرا ما رواه ابن أبي حاتم بسنده ، عن الزهري ، عن انس بن مالك - رضي الله عنه - إن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال :"إن نبي الله ايوب كان في بلائه ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلان من إخوانه ، كانا من اخص إخوانه ، كانا يغدوان إليه ويروحان ، فقال احدهما لصاحبه : تعلم والله - لقد أذنب ايوب ذنبا ما أذنبه احد من العالمين . فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له ، فقال ايوب -عليه السلام-: ما ادري ما تقول ، غير أن الله - عز وجل - يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان ، فيذكران الله ، فأرجع إلى بيتي ، فكفر عنهما، كراهية أن يذكرا الله إلا في حق ([77]) ، قال : وكان يخرج في حاجته ، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده ، حتى يبلغ ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه ، فأوحى الله إلى ايوب في مكانه : اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب"، فاستبطأته ، فتلقته بنظر، واقبل عليها قد اذهب الله ما به من البلاء، وهو أحسن ما كان ، فلما رأته قالت : أي بارك الله فيك ، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ؟، والله على ذلك ما رأيت أشبه به منك إذ كان صحيحا.
    قال: فإني أنا هو، وكان له اندران ([78])؛ أندر القمح، واندر للشعير. فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على اندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وافرغت الأخرى في اندر الشعير الورق حتى فاض". أخرجه ابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأخرجه أبو يعلى، وقال الضياء: إسناده صحيح، وقال الهيثمي في مجمعه: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة، وصححه. ([79])
    ونفى أبو بكر ابن العربي صحة الأحاديث الواردة في شأن ايوب -عليه السلام-على وجه العموم، وتبعه على ذلك القرطبي. فقال ابن العربي: "وأما النبي -صلي الله عليه وسلم-فلم يصح عنه انه ذكره بحرف واحد، إلا قوله؛ بينا ايوب يغتسل إذ خر عليه رجل جراد من ذهب "الحديث" ([80])
    وقال ابن كثير: رفع هذا الحديث غريب جدا، وقال ابن حجر: واصح ما ورد في قصته: ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير، وصححه ابن حبان والحاكم بسند عن انس: أن ايوب .... ثم ذكر مثل ذلك.
    وقال محمد أبو شهبة: والمحققون من العلماء على أن نسبة هذا إلى المعصوم -صلي الله عليه وسلم-إما من عمل بعض الوضاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون، او من غلط بعض الرواة، وان ذلك من إسرائيليات بني إسرائيل وافتراءاتهم على الأنبياء، والأصحية هنا نسبية، على أن صحة السند لا تنافي أن أصله من الإسرائيليات .. والإمام ابن حجر على جلالته ربما يوافق على تصحيح ما يخالف الأدلة العقلية والنقلية" ([81])
    وأقول: إن حديث انس المرفوع ([82]) هو نص في المسألة إذا ما صح، ولكن فيه ما يخالف الأدلة القطعية على عصمة الأنبياء من كل ما من شأنه التنفير منهم، كالمرض المنفر.، كما أن أبا بكر ابن العربي والقرطبي قد ضعفا الحديث. وشكك المفسر المحدث ابن كثير في رفع الحديث، وتبعه أبو شهبة على تضعيفه. وبناء على ذلك فإن مدة البلاء والمرض التي تعرض لها ايوب عليه السلام ليست محددة، بل مبهمة -كما تركها القرآن الكريم ولم تحددها أحاديث نبوية صحيحة -، كما لم يحدد نوع المرض الذي أصابه عليه السلام.
    رابعا: ما نسب إلى أيوب من الشكوى:


    نسبت الروايات الإسرائيلية إلى نبي الله ايوب -عليه السلام -بعض الأفعال والأقوال، التي تدل على جزعه، وعدم صبره على ما أصابه من بلاء، وذلك مما يتنافى مع منصب النبوة، ومع وصف القرآن له!
    من هذه الروايات رواية الطبري السابقة ([83]) -، التي تناقلها بعد ذلك القصاص في القديم والحديث، وفيها:

    أن ايوب وضع التراب على رأسه لما جاءه خبر مقتل أولاده.
    وفي كتاب "صبر أيوب" لمؤلف معاصر نقل عن ايوب قوله: "لماذا كل ذلك يا ربي؟ لماذا جئت بي إلى هذه الحياة؟".
    لماذا لم أمت وانا جنين في رحم أمي؟ او لماذا لم تزهق روحي بعد خروجي من بطنها؟ لماذا يا ربي لم تجعل مصيري القبر؟ ([84]) .
    وقال على لسان نبي الله ايوب: "ولكنني لم أخطئ! أريد أن يخبرني الله بما اقترفته من الآثام والخطايا! " ([85])
    وقال على لسانه كذلك: "لماذا يعيش المنافقون في بسطة من العيش، وتطول أعمارهم، ويعظم اقتدارهم؟ بينما يتمرغ الطيبون والمؤمنون في الشقاق والعذاب! لماذا يا ربي؟ لماذا؟" ([86])
    أنا لا أدرى من أين جاء هذا الكاتب بمثل هذا الكلام، ونسبه إلى نبي الله ايوب عليه السلام ؟! فلا ريب ان هذا كله مما يتنافى -كما أسلفت -مع ما ثبت للأنبياء من العصمة من الذنوب -باتفاق العلماء-، ومع ثناء الله على ايوب بصبره على البلاء، ولا سيما ان هذا الكلام المنسوب لأيوب -عليه السلام -يتضمن تسخطا لأقدار الله، واتهاما للحق تعالى بمجانبة العدل ؟!
    فكيف ينسب مثل هذا الكلام لمؤمن فضلا ان يكون نبيا يضرب به المثل في الصبر ؟!
    قال ابو القاسم الأنصاري في تعليقه على ما نسب إلى ايوب من الشكوى: "ولو كان ذلك صحيحا لاغتنمه إبليس، فإن قصده ان يحمله على الشكوى، وان يخرجه عن حلية الصابرين، والله تعالى لم يخبر عنه إلا قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ([87])
    وقد روى البيهقي في (الشعب) عن سفيان الثوري ([88]) قال : "ما أصاب إبليس من ايوب في مرضه إلا الأنين". ([89]) والله اعلم.



    خامسا: كيفية شفائه من مرضه:


    ذكر القرآن كيف شفي ايوب عليه السلام من مرضه بقوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} (ص: 43)، ولأنه حلف على بعض أهله، وحتى لا يحنث جاء التوجيه القرآني: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ}. هذا النص مجمل، ومع ذلك وجدنا روايات عديدة في تفسيره وتوضيحه:

    منها: ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما -قال: اتخذ إبليس تابوتا، فوقف على الطريق يداوي الناس، فأتته امرأة ايوب، فقالت: يا عبد الله؛ إن ها هنا إنسانا مبتلى، من أمره كذا وكذا، فهل لك ان تداويه؟
    قال لها: نعم، على إني إن شفيته يقول كلمة واحدة: أنت شفيتني، لا أريد منه غيرها.
    فأخبرت بذلك ايوب، فقال: "ويحك! ذلك الشيطان، لله علي إن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، فلما شفاه الله أمره ان يأخذ ضغثا فيضربها به، فأخذ شماريخ قدر مائة، فضربها ضربة واحدة". ([90])
    وروى وهب بن منبه قال: إن إبليس لقيها، فقال: إني أنا الذي فعلت بأيوب ما به، وانا إله الأرض، وما أخذته منه فهو بيدي، فانطلقي أريك، فمشى بها غير بعيد، ثم سحر بصرها، فأراها واديا عميقا، فيه أهلها وولدها ومالها، فأتت أيوب فأخبرته؛ فقال: ذاك الشيطان، ويحك كيف وعى قوله سمعك؟ والله لئن شفاني الله عز وجل لأجلدنك مائة ..
    ومن الروايات كذلك: ما روي عن الحسن ان إبليس جاء إلى زوجة ايوب بسخلة، فقال: ليذبح لي هذه وقد برأ، فأخبرته، فحلف ليجلدنه ([91]).
    وروى سعيد بن المسيب ([92]) : أنها (أي امرأة ايوب) جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز، فخاف خيانتها، فحلف ليضربنها. ([93])
    ومنها: "ان الشيطان ظهر للسيدة رحمة (يقصد زوجة ايوب) على شكل رجل، وانه حدثها عن ايوب، ولكنهم اختلفوا (أي المفسرون والمؤرخون) في الشكل الذي ظهر به الشيطان على شكل ملاك ([94]) ، وسبب عزمه على ضرب زوجته -كما يروون -.
    فروى بعضهم: انه طلب منها ان تسجد له فيشفي زوجها ..." ([95]).
    هذه الروايات ليس عليها دليل، بل إن القرآن يردها، فالله تعالى يقول عن الشيطان: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} (النحل: 99-100).
    وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ} (سبأ: 21) وقال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر: 42)، فالشيطان ليس له سلطة على الإنسان عموما إلا بالوسوسة كما ذكر المفسرون.
    والآية الكريمة بينت لنا كيف تم علاج ايوب عليه السلام؛ قال تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}، والظاهر ان المرض الذي أصاب ايوب عليه السلام كان في غاية الشدة والألم، وليس ذلك بغريب؛ فإن اشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.
    والقرآن ذكر ان ايوب أمر ان يضرب برجله عين الماء فيغتسل ويشرب منه، ولم يبين لنا طبيعة المرض الذي أصابه، فنسكت عما سكت عنه القرآن -كما سبق ان ذكرنا.
    سادسا: تعويض الله على أيوب أهله وماله


    ذكر الله تعالى انه رد على ايوب أهله، فقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ}.
    وقد اختلف المفسرون، ومن كتب في قصص الأنبياء كيف رد الله على ايوب عليه السلام أهله وماله، وذلك تبعا لرأيهم وروايتهم فيما أصاب أبناء ايوب وأهله.
    أقوال العلماء في مسألة رد الله عز وجل على أيوب أهله


    القول الأول:


    رأى بعضهم ان أبناءه مرضوا، ومن ثم فإتيانه أولاده كان بأن شفاهم الله من مرضهم.
    القول الثاني:


    أنهم غابوا عنه فردهم الله عليه؛ أي أعادهم من غيبتهم، روى هذين القولين ابن بحر ([96]) .
    القول الثالث:


    يرى أنهم ماتوا، وان الله تعالى ردهم إليه.
    ومن ثم كان هناك خلاف بين المفسرين في كيفية هذا الرد.
    أقوال العلماء في كيفية رد الله تعالى عليه أولاده بناء على القول بموتهم


    القول الأول:


    رأى بعضهم: انه رد عليه ثوابهم في الجنة، ووهب له مثلهم في الدنيا، ونسب هذا القول إلى السدي.
    القول الثاني:


    قيل: إنه رد عليه أهله في الجنة، وأصاب امرأته فجاءته بمثلهم في الدنيا ([97])
    القول الثالث:


    روى الإمام الطبري وغيره: ان الله تعالى أحيا له أبناءه وبناته الذين ماتوا، وارجع لزوجته جمالها وشبابها، ووهب له ضعف ما كان يملك من قبل. وبه قال البقاعي والنيسابوري والسعدي في تفاسيرهم، وغيرهم ([98]) .
    روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه -في قوله تعالى: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} قال: أهله بأعيانهم.
    وروي مثله عن مجاهد والحسن وقتادة، حيث قالوا: أحياهم بأعيانهم، ورد إليه مثلهم. ومن عجب ان إمامين من أصحاب المدرسة العقلية قالا بهذا القول، وهما الرازي والزمخشري ([99]) ، كما قال به النسفي (710 هـ)، ([100]) والقرطبي؛ حيث نفل هذا الأثر عن الضحاك ([101]) ، عن ابن مسعود قال: مات أولاده؛ وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث، فلما عوفي نشروا له، وولدت امرأته سبعة بنين وسبع بنات ...ثم قال: وهذا القول أشبه بظاهر الآية" ([102]).
    وارى ان هذا الأثر دخيل ضعيف؛ لأنه يخالف أصلا ثابتا من أصولنا، وهو إن الإنسان إذا مات لا يرجع إلى الدنيا، إلا ما كان من معجزة المسيح عليه السلام؛ قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (المؤمنون: 99-100).
    ومن ناحية أخرى فإن هذا الأثر ضعيف سندا؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "إسناده منقطع" ([103]) ، وقال الحافظ ابن حجر: عن الضحاك: "وقيل لم يثبت له سماع عن أحد من الصحابة" ([104])
    ولو أراد تعالى ما قاله أولئك لقال: وأحيينا له أهله، ووهبنا له مثلهم، والله اعلم. وفي الحقيقة انه لم يتقدم في هذه الآية، ولا في آية سورة الأنبياء، ولم يرد حديث صحيح يدل على ان ايوب رزئ أهله، ومن ثم يكون معنى الآية {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ}: ان الله تعالى أبقي له أهله فلم يصب فيهم بما يكره، وزاده بنين وحفدة.
    أو يكون المعنى: وجمعنا شمله بأهله الذين تفرقوا عنه أيام محنته، وزدنا عليهم مثلهم، بأن قواه الله ومتعه بالصحة والمال حتى كثر نسله، وصار أهله ضعف ما كانوا وأضعاف ذلك، ولا مانع ان يكون من هبة الله له ان حببه إلى الناس من غير أهله فتقربوا منه، وصاروا كأهله ([105]).
    وروى بعض المفسرين ([106]) : "ان الله تعالى لما اذهب عن ايوب ما كان به من الأذى انزل عليه ثوبين أبيضين من السماء، فاتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، ثم مشى إلى منزله ...."
    وهذا الخبر لم يسند من قبل المفسر؛ فلا نستطيع قبوله.


    المطلب الثاني


    الآثار المترتبة عن إذاعة وإشاعة الأخبار الإسرائيلية في تشويه صورة الأنبياء عموما ونبي الله أيوب على وجه الخصوص


    لقد كان للإسرائيليات التي أخذها المسلمون عن أهل الكتاب وشرحوا بها كتاب الله تعالى أثر سيئ في التفسير. ولم يقف الأمر على ما كانوا عليه في عهد الصحابة، فالذين جاؤوا من بعدهم زادوا على ذلك ورددوا كل ما قيل لهم من روايات من غير تمحيص. ودخل في التفسير كثير من القصص الخيالي المخترع؛ مما جعل الناظر في كتب التفسير التي هذا شأنها يكاد لا يقبل شيئا مما جاء فيها؛ لاعتقاده ان الكل من باب واحد. ([107])
    وفي الحقيقة: فإن المكثرين من هذه الإسرائيليات قد وضعوا العراقيل أمام المشتغلين بالتفسير، وذهبوا بكثير من الأخبار الصحيحة بجانب ما زوروه من أخبار مكذوبة وقصص لا تصح بحال. وكان من نتيجة هذه الإسرائيليات ان شوهت صورة طائفة غير قليلة من الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه. ومن أنبياء الله الذين شوهت صورتهم بتلك الإسرائيليات داود وابنه سليمان عليهما السلام. فحول ما جاء في سورة ص بشأن داود -عليه السلام-من آيات وجدنا قصصا مختلقة، ألصقت به في التفاسير. فقد قال سبحانه : { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ } (ص : 21-25 )
    فقد ذكرت الإسرائيليات وأساطير العهد القديم تفصيلات باطلة مكذوبة، يقولون فيها: انه رأى داوود امرأة قائده (اورية)، وكان لداود تسع وتسعين زوجة، فصعد إلى السطح، ورأى امرأة قائده؛ فوقعت في قلبه؛ فأرسل زوجها إلى الحرب ليموت فيتزوجها هو، فحصل. وصار له مئة زوجة فأنزل الله ملكين في صورة خصمين يعاتبانه بشأنها ([108]) ، فانتبه داوود للمسألة التي وقع فيها؛ فاستغفر ربه. هذا ما تذكره الإسرائيليات، وهي أكاذيب باطلة، نبري ء نبي الله داود -عليه السلام -منها، ولا يجوز ذكرها إلا من باب التحذير منها.
    والذي دفع اولئك المفسرين إلى نقل هذه الرواية الإسرائيلية قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} وقد بين العلماء ان الذنب الذي وقع به داود عليه السلام هو انه حكم حكما خارجا عن طريقة الحكم الصحيحة؛ لأنه لم يستوف أركان الحكم. كيف ؟:

    اولا: فزع داوود من الخصم {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} والقاضي لا يصح ان يحكم بالفزع، ولا بد ان يكون آمنا حتى يحكم، وحكم القاضي لا يجوز إذا كان خائفا.

    ثانيا: إن داوود استمع إلى خصم واحد ولم يستمع للآخر {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} وهذا لا يجوز في الحكم، ومخالف لأركان الحكم. وقد قيل في الحكم: ان إذا جاءك شخص قلعت عينه فلا تحكم حتى ترى الآخر؛ فربما قلعت كلتا عينيه. ثالثا: لم يسأل عن البينة، وإنما حكم مباشرة: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ}، فهل يجوز ان يحكم أحد بلا بينة؟ فداوود حكم في حالة خوف، وسمع لخصم واحد، ولم يسأل عن البينة؛ فهل يجوز هذا في الحكم؟ وأظن ان الله تعالى أراد ان يعلم داوود أصول الحكم الصحيح، وقد جعله خليفة {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ولهذا استغفر داوود ربه.

    وفي شان سليمان -عليه السلام-وجدنا كذلك بعض المفسرين قد نقل روايات إسرائيلية ليفسر بها الآيات القرآنية التي تحدثت عن سليمان. فعند قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (ص :34-35) كان السؤال: كيف كانت فتنة سليمان -عليه السلام-؟ وما هو الجسد الذي ألقاه الله على كرسيه؟
    تتحدث الإسرائيليات المكذوبة الباطلة عن اتهامات فاجرة لسليمان -عليه السلام -.
    تقول تلك الإسرائيليات: وافق سليمان امرأته الكافرة على الكفر بالله، وصنع لها صنما ([109]) ، ووضعه في قصره لتعبده من دون الله فعاقبه الله على ذلك! وكان يحكم الجن والشياطين بخاتمه السحري، فأذن الله للشيطان المارد ان يتزيا بزيه، فأخذ الخاتم منه، واستلم الحكم منه.
    وبقي على هذا عدة أسابيع، ثم عاد له الحكم بعد ذلك، بعد ان استخرج خاتمه من بطن سمكة، ثم وضع المارد في صندوق، وألقاه في قعر البحر !!([110])
    هذه رواية باطلة قطعا، لا نجيز تفسير كتاب الله بها، ونبرئ نبي الله سليمان -عليه السلام-منها. ويمكن تفسير الآية بالحديث الصحيح الوارد عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؛ ففيه تفسير الجسد الملقى على كرسي سليمان -عليه السلام -ولعله هو المراد بالفتنة المذكورة في الآية.
    روى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-عن النبي -صلي الله عليه وسلم-قال: "قال سليمان بن داود -عليهما السلام -: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كلهم تأتي بفارس، يجاهد في سبيل الله! فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله.
    فلم تحمل أي منهن شيئا، إلا واحدة، حملت واحدا، أحد شقيه ساقط.
    فقال النبي -صلي الله عليه وسلم-: "لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله". وفي رواية "لجاهدوا في
    سبيل الله فرسانا أجمعون".

    والفتنة التي وقع فيها سليمان: انه لم يقل إن شاء الله، فلم تحمل من النساء إلا امرأة، حملت بجنين مشوه، ولما وضعته ولدته ميتا، وكان شق إنسان، فوضعته له على كرسيه .، ولعله هو الذي أشارت إليه الآية: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ}.
    ما ألصق بأيوب عليه السلام من افتراءات:


    لقد نسبت إلى نبي الله ايوب -عليه السلام-افتراءات، فنسبت لشخصيته أمورا قبيحة هو منها براء، شوهت صورته، وللأسف فإن بعض الكتاب ينقل مثل هذه الروايات كأنها مسلمات!
    فمن ذلك: انه كان مريضا مرضا منفرا حتى ألقى -كما تدعي بعض الروايات -على مزبلة، وتخلى عنه القريب والبعيد إلا رجلين من أصحابه!
    ومن ذلك: انه لما وقع في البلاء وفقد ماله وأهله -كما تدعي الروايات -جزع جزعا شديدا، حتى وضع التراب على رأسه ([111]) ! وهذا أمر سبق لي ان ذكرت انه باطل ومما يتنافى مع عصمة الأنبياء عليهم السلام.


    المطلب الثالث


    قصة أيوب عليه السلام من خلال تفسير آيات الأنبياء وص


    قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} (الأنبياء: 83-84)
    والمعنى: واذكر يا محمد نبي الله ايوب مثنيا ومعظما له، رافعا لقدره حين ابتلاه ببلاء شديد، فوجده صابرا راضيا عنه، فنادى ربه {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}: اي نالني في بدني ضر، وفي مالي وأهلي، ولعل التعبير عما أصابه بالمس -وهو الإصابة الخفيفة – لبيان ما كان عليه ايوب في دعائه من الأدب مع الله .
    ثم قال ايوب: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، والظاهر ان ايوب -والله اعلم -لم يدع ربه برفع البلاء عنه، وذلك صبرا منه على البلاء، إذ انه كان مطمئنا إلى علم الله بالحال، وهذا يغني عن السؤال، او انه عرض بكشف الضر عنه من دون سؤال؛ فجعل وصفه بما يقتضي الرحمة له، ووصف ربه بالأرحمية تعريضا بسؤاله كما قال أمية بن أبي الصلت:
    إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه عن تعرضه الثناء
    ولكون ثناء ايوب تعريضا بالدعاء فرع عليه قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} والسين والتاء في {فَاسْتَجَبْنَا} للمبالغة في الإجابة. فأمره الله بقوله : { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ } (ص : 42 ) اي : اضرب بها الأرض ، فضربها؛ فنبعت من تحت رجله عين الماء ([112]) ، فقلنا له : هذا النابع من العين إذا اغتسلت به وشربت منه ، برئت من الأمراض ، ففعل ما أمرناه به ، فبريء بإذننا من كل داء، ثم بين تعالى انه من فضله وكرمه لم يكتف بمنح ايوب الشفاء من مرضه ، بل أضاف إلى ذلك بقوله { وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } : أي : وهبنا له أهله ، ووهبنا له { وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } أي بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا ضعف ما كان عنده من أولاد قبل شفائه ، فصار عددهم مضاعفا ([113]) .
    وذلك كله {رَحْمَةً مِنَّا} أي: من اجل رحمتنا به، {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} أي: جعلناه عبرة للعابدين الذين ينتفعون بالعبر، فإذا رأوا ما أصابه من البلاء ثم ما أثابه الله بعد زواله، ونظروا السبب وجدوه الصبر. ([114])
    وقال تعالى في سورة ص: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (ص: 41 -44)
    والمعنى: واذكر يا محمد في باب الابتلاء وحسن عاقبة الصبر عليه {عَبْدَنَا} أي: الكامل في تحقيق العبودية {أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ} أي: حين دعاه وابتهل إليه قائلا: {أَنِّي مَسَّنِيَ} أي: أصابني {الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ} بضم النون وسكون الصاد او بفتحتين على النون والصاد كالرشد والرشد وقرئ كذلك بضمتين عليهما، والنصب هو المشقة والتعب، والعذاب هو الألم الشديد.
    ونسب ايوب عليه السلام -النصب والعذاب إلى الشيطان، ولعل هذه النسبة -كما يقول ابن العربي -هي التي دفعت وجرأت بطائفة من المفسرين إلى ذكر حكايات وقصص إسرائيلية تبين مدى تسلط الشيطان على ايوب -بزعمهم. على حين رأى بعض المحققين ان نسبة المس إلى الشيطان مجازي، وهو من قبيل الأدب مع الله تعالى؛ لأن الله سبحانه خالق كل شيء.
    قال الزمخشري: "فإن قلت لم نسب المس إلى الشيطان ولا يجوز ان يسلطه الله على أنبيائه ليقضي من أتعابهم وتعذيبهم وطره؟
    قلت: لما كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس، سببا فيما مسه الله به من النصب والعذاب، نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك فلم ينسبه إلى الله في دعائه مع انه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو". ([115])
    ورأت طائفة -كما أسلفت -ان مس الشيطان لأيوب حقيقي، وفسروا ذلك المس بما أصاب ايوب من مرض من الشيطان فعلا -كما مر معنا في الروايات والأقوال المتنوعة في ذلك، وقد سبق ان بينا ضعف هذه الروايات فلا يعول عليها. ([116])
    والحقيقة: انه يمكن ان تكون نسبة المس إلى الشيطان حقيقية؛ بأن نحمل الباء في الآية على السببية؛ فيكون المعنى: أنى مسني الشيطان بوسواس سببه نصب وعذاب، فجعل الشيطان يوسوس إلى ايوب بتعظيم النصب والعذاب عنده، ويلقي إليه انه لم يكن مستحقا لذلك العذاب؛ ليلقي في نفسه سوء الظن بالله، او التسخط على أقداره.
    وإذا حملت الباء على المصاحبة يكون معنى الآية: أنى مسني الشيطان بوسوسة مصاحبة لضر وعذاب، وفي هذا كناية لطيفة عن طلب لطف الله به برفع النصب والعذاب عنه ([117]) ؛ لأنهما صارا مدخلا للشيطان إلى نفسه، فطلب العصمة من ذلك على نحو قول يوسف عليه السلام: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف:33) ([118])
    وتنوين {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} للتعظيم. أي بنصب وعذاب عظيم.
    وقوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ....} مقولة لقول محذوف تقديره: قلنا له: اركض برجلك ..، وهو جواب الحق تعالى عما سأله ايوب، ولم يفصل بين السؤال والجواب فاصل؛ للإشارة إلى ان الإجابة كانت متصلة بالسؤال والطلب من غير تراخ .. . فما هو إلا ان سأل حتى وجد ما طلب حاضرا ...
    وهذا يشير إلى ان ايوب مكث زمنا طويلا لا يشكو، فلما شكا أزال الله شكاته. . . .. وقد سمى الله ذلك استجابة في سورة الأنبياء قال سبحانه: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ}.
    والركض هو الضرب بالرجل، فقوله {بِرِجْلِكَ} زيادة في بيان معنى الفعل، كقوله تعالى: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (الأنعام: 38).
    وجملة: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} مقولة لمقول محذوف دل عليه القول الأول، كما ان في الآية حذفا تقديره: "فركض الأرض، فنبع ماء، فقلنا له: هذا مغتسل بارد وشراب ". والإشارة بقوله {هَذَا} قد تكون إلى عين، او نهر، او نحوهما، وظاهر اللفظ يدل على انه نبعت عين واحدة، وليستا عينين ([119]) .
    ووصف الماء بذلك في سياق الثناء عليه مشيرا إلى ان ذلك الماء فيه شفاؤه إذا اغتسل به وشرب منه.
    قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} أي أبقينا له أهله فلم يصب فيهم بما يكره ([120]) ، وزاده بنين وحفدة، ويحتمل المعنى: جمعنا له أهله بعد تفرقهم -عند المحنة -، وزدنا عليهم مثلهم، وفعلنا ذلك رحمة منا له، وعظة لأولي العقول ليعرفوا ان عاقبة الصبر الفرج. ولعل المعنى الأول أقرب. ([121])
    وتقدم نظير هذه الآية، وهو قوله سبحانه: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} (الأنبياء: 83-84)

    مقارنة بين آيات الأنبياء وآيات ص:

    هناك تشابه بين آيات الأنبياء وص، فهما من المتشابه اللفظي في القرآن، إلا ان هناك اختلافا يسيرا بينهما.
    فأية الأنبياء ذكرت الرحمة بأنها من عند الله بقوله {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} وفي اية ص كانت: {رَحْمَةً مِنَّا}؛ وذلك لان ايوب بالغ في التضرع في الأنبياء بقوله {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}؛ فبالغ سبحانه في الإجابة، وقال: رحمة من عندنا؛ لأن عند حيث جاء دل على ان الله تعالى تولى ذلك من غير واسطة. ([122])
    كما نلاحظ ان هذه الآية ختمت بقوله {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ}، وفي آية الأنبياء كان الختم بقوله {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} فلماذا كان هذا التغاير في الفاصلة القرآنية مع تشابه موضوع الآيتين؟ .
    فأما قوله هنا {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} فإن الذكرى التذكير بما خفي، وأولوا الألباب هم أهل العقول؛ والمعنى: تذكرة لأهل النظر والاستدلال؛ فإن في قصة أيوب مجملها ومفصلها ما إذا سمعه العقلاء المعتبرون بالحوادث استدلوا على ان صبره قدوة لكل مبتلى ينتظر الفرج، وكان النبي -صلي الله عليه وسلم -والمسلمون مأمورين بالاعتبار بها، فأشير إليهم بأولي الألباب.
    وأما الذي في سورة الأنبياء فإنه جيء به شاهدا على ان النبوة لا تنافي البشرية، وان الأنبياء يعتريهم من الأحداث ما يعتري البشر مما لا ينقص منهم في نظر العقل والحكمة، وأنهم إنما يقومون بأمر الله، وذكر تعالى في السورة من الأنبياء من ابتلي من قومه فصبر، وكيف كانت عاقبة صبرهم واحدة مع اختلاف الأسباب الداعية إليه؛ فكانت في ذلك آيات للعابدين، أي الممتثلين أمر الله المجتنبين نهيه؛ فإن مما أمر الله به الصبر على ما يلحق المرء من ضر لا يستطيع دفعه، فختم بقوله: (إن في ذلك لآيات للعابدين). ([123])
    وقوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (ص :44)
    تقدير الآية: وقلنا خذ بيدك ضغثا....). والضغث هو قبضة الحشيش المختلطة الرطب باليابس، والآية تشير إلى انه حلف في حالة غضب ان يضرب حبيبا له عددا معينا، وقد أمره الله عز وجل ان يبر بيمينه، فيضرب من حلف على ضربه بهذه القبضة مكافأة له على صبره وإحسانه؛ لأنه لو ضربه بسوط او نحوه لآلم ذلك الضارب والمضروب. علل الله سبحانه ذلك بقوله: (إنا وجدناه صابرا) أي: على بلائه، فنعم الموصوف بالعبادة هو؛ لأنه رجاع إلى الله في كل الأمور. ([124])
    يتبع



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: الأصيل والدخيل من التفسير في قصة أيوب عليه السلام

    الأصيل والدخيل من التفسير


    في قصة أيوب عليه السلام




    د. عدنان عبد الكريم خليفات [·]

    المطلب الرابع


    الأحاديث الصحيحة والأقوال المأثورة في شأن أيوب عليه السلام


    إذا كنا نرفض الضعيف من الأحاديث، او الآثار، او الأخبار في تفسير قصة ايوب، فإنه ينبغي ان نبحث عن الصحيح مما ورد من الأحاديث او الآثار، وفي الآثار التي لا تخالف شيئا من شريعتنا، او تخالف العقل والمنطق ([125]) ، وننظر فيه، ونحمل الآيات عليه، وهذه طائفة من تلك الأحاديث والآثار، غير ما سبق ذكره في تفسير الآيات.
    روى البخاري واحمد عن أبي هريرة -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "بينما ايوب يغتسل عريانا خز عليه جراد من ذهب، فجعل ايوب -عليه الصلاة والسلام -يحثو في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: يا ايوب الم أكن أغنيتك عما ترى؟
    قال عليه السلام: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك" ([126])
    ولعل تخصيص الجراد هنا بأن يخر على ايوب -عليه السلام-وذلك لكثرته، والله اعلم. وعن عبد الرحمن بن أبي أبزى قال: قال نبي الله داود-صلي الله عليه وسلم -: كان ايوب اصبر الناس، واحلم الناس، واكظمه للغيظ" ([127]) .
    وروى احمد بسنده عن الحسن قال: "كان ايوب عليه السلام كلما أصابته مصيبة قال: اللهم أنت أخذت وأنت أعطيت، ومهما تبقى نفسي أحمدك على حسن بلائك" ([128])
    وروى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه -قال: "والبسه الله حلة من الجنة فتنحى ايوب، وجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله هذا المبتلى الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به، او الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، قال: ولعل أنا ايوب. فقالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ قال: ويحك أنا ايوب قد رد الله علي جسدي. ([129])
    واخرج احمد في الزهد والبيهقي في (الشعب) عن مجاهد ([130]) قال : "يؤتى بثلاثة يوم القيامة: بالغني، والمريض، والعبد المملوك، فيقال للغني: ما منعك من عبادتي؟ فيقول: يا رب، أكثرت لي من المال فطغيت، فيؤتى بسليمان عليه السلام -في ملكه فيقول: أنت كنت اشد شغلا من هذا؟ فيقول: لا، بل هذا .قال : فإن هذا لم يمنعه ذلك ان عبدني.
    ثم يؤتى بالمريض فيقول: ما منعك من عبادتي؟ فيقول: شغلت على جسدي، فيؤتى بأيوب في ضره، فيقول: أنت كنت ضرا (أي أكثر ضرا ومرضا) من هذا؟
    قال: لا، بل هذا. قال: فإن هذا لم يمنعه ذلك ان عبدني.
    ثم يؤتى بالمملوك، فيقول: ما منعك من عبادتي؟ فيقول: يا رب، جعلت على أربابا يملكوني. فيؤتى بيوسف في عبوديته، فيقول: أنت كنت اشد عبودية أم هذا؟ قال: لا، بل هذا. قال: فإن هذا لم يمنعه ان عبدني"، والله اعلم. ([131])
    واخرج ابن عساكر عن ابن مسعود -رضي الله عنه-قال: "ايوب رأس الصابرين يوم القيامة". ([132])


    المطلب الخامس


    الفوائد والعبر في قصة أيوب عليه السلام


    قال تعالى في شأن قصص الأنبياء والمرسلين: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} (يوسف: 111)
    وقصة ايوب من تلك القصص، ففيها عبر ودروس للمسلمين على مر الزمان، فمن دروسها:

    ان فيها تسلية للنبي صلي الله عليه وسلم-، والمسلمين في ظروف الدعوة، كما فيها تلقين مستمر المدى في كل ظرف.
    إن داود وسليمان -عليهما الصلاة والسلام -كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه الله تعالى بأنواع البلاء.
    والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار؛ كأن الله تعالى قال: يا محمد، اصبر على سفاهة قومك؛ فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا وجاها أكثر من داود وسليمان، وما كان أكثر بلاء ولا محنة من ايوب.
    فتأمل في أحوال هؤلاء؛ لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وان العاقل لا بد له من الصبر على المكاره ([133]).
    إن البلاء لم ينج منه الأنبياء، بل هم اشد الناس ابتلاء؛ كما في الحديث عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه-قلت: أي الناس اشد بلاء؟ فقال الرسول صلي الله عليه وسلم: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) ([134]) .
    "إن أنبياء الله وأصفياءه إذا ابتلوا في شيء من أنفسهم او أموالهم ضرعوا إلى الله، وبسطوا إليه اكفهم، وولوا إليه وجوههم، وطرقوا أبواب رحمته بالدعاء والرجاء، فباتوا على امن من كل خوف، وعلى طمع ورجاء من كل خير ([135]) .
    ومنها: ان من آداب العبودية إجلال الربوبية وإعظامها عن إحالة الضر والبلاء والمحن عليها، لا على الشيطان، كما قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} (يوسف :100) وقال تعالى على لسان فتى موسى: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} (الكهف: 63) وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام لما قتل القبطي: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} (القصص :15). ([136])
    وان من أسباب الفرج: دعاء الله تعالى، والابتهال إليه والتضرع له، وذكره بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
    ومن العبر: ان البلاء لا يدل على الهوان والشقاء؛ فإن السعادة والشقاء في هذا العالم لا يترتبان على صالح الأعمال وسيئها؛ لأن الدنيا ليست دار جزاء، بل دار امتحان واختبار.
    ومنها: ان عاقبة الصدق في الصبر هي توفية الأجر ومضاعفة البر، كما حصل مع ايوب عليه السلام، حيث رد الله عليه أهله، ورزقه عدة أولاد، ورزق مالا كثيرا كما صحت بذلك الرواية.
    وفي تحلة اليمين التي أذن الله بها لأيوب حتى لا يحنث، او يضرب من يحب، دليل على ان الله يسمح لعباده ان يتوسلوا بوسيلة مشروعة تنقذهم مما قد يواجهونه من محرجات ومشاكل.

    الخاتمة


    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، واله الأبرار، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، وبعد.

    فإن هذه الجولة الممتعة في سيرة نبي الله ايوب -عليه السلام -، ما كان منها حقيقيا، وما أضيف إلى سيرته -وهو -بعيد عنه -، تعطينا مجموعة من الدروس والنتائج التالية:

    ان الأنبياء والرسل -عموما -معصومون من الذنوب، ومن أي عارض او صفة منفرة عن دعوتهم.
    ان ما روي من الروايات والقصص التي تنسب إلى الأنبياء عامة، ونبي الله أيوب خاصة من أمراض وأسقام منفرة، جعلت الناس -كما تقول الروايات -تنفر منه، هذه روايات وقصص باطلة مردودة عند جمهور العلماء والمفسرين.
    لسنا مضطرين إلى تفصيل ما أجمل من القصص القرآني، سواء أكان عن أيوب عليه السلام، او غيره من الأنبياء والمرسلين، إلا بتفصيل من القرآن او السنة الثابتة.
    إدعاء تسلط الشيطان على ايوب، وماله، وأهله، ليس عليه دليل صريح من القرآن او حديث صحيح يشهد بذلك، بل يرد ذلك نصوص القرآن الكريم الكثيرة.
    في قصة ايوب من العبر والدروس للمؤمنين -على مر الزمان -في الصبر والرضا بقضاء الله ما فيه أكبر الفائدة لهم.
    كل ما سبق يرشدنا إلى ضرورة تخليص التفسير القرآني من الانحرافات والإسرائيليات والتفاسير الخاطئة، واصدار أعمال تفسيرية جديدة خالية من الإسرائيليات والأفكار الأجنبية المنحرفة.
    وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب
    المصادر والمراجع


    القرآن الكريم


    ابن الأثير، عز الدين علي بن أبي الكرم: الكامل في التاريخ، دار صادر -بيروت،1399 هـ-1979 م.
    الألباني، محمد ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الصحيحة، المكتب الإسلامي، ط الثالثة -1983 م.
    البجاوي، علي محمد، ومحمد جاد المولى ومحمد أبو الفضل والسيد شحاته: قصص القرآن، دار الفكر، د. ت.
    البخاري، ابو عبد الله محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري بشرح السندي، دار إحياء الكتب العربية، د.ت.
    والضعفاء، مكتبة ابن عباس، الطبعة الأولى 1426 هـ/2005م
    البروسوي، إسماعيل حقي: روح البيان، دار إحياء التراث العربي، د. ت.
    البقاعي، برهان الدين: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، تحقيق عبد: الرزاق غالب، دار الكتب العلمية -بيروت ،1415ه-1995م.
    ابن بلبان، علاء الدين علي: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، مؤسسة الرسالة، 1993 م.
    البيهقي، ابو بكر احمد بن الحسين: شعب الإيمان، دار الكتب العلمية -بيروت، تحقيق محمد السعيد،1990 م.
    الثعالبي، عبد الرحمن: الجواهر الحسان في تفسير القرآن، تحقيق أبو محمد الغماري، دار الكتب العلمية، ط أولى -1416هـ-1996 م.
    الجرجاني، أبو الحسن علي بن محمد: التعريفات، الدار التونسية للنشر،1971 م.
    الجزائري، أبو بكر جابر: أيسر التفاسير، المكتبة العصرية ،1426 هـ-2005م.
    الجوهري، إسماعيل حماد: الصحاح، تحقيق احمد عطار، دار العلم للملايين-بيروت، ط ثانية -1399هـ: 1979 م.
    الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله: المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، 1990 م.
    ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد: تفسير القرآن العظيم المسمى بتفسير ابن أبي حاتم، تحقيق اسعد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط ثانية -1419 هـ-1999م.
    حجازي، محمد محمود: التفسير الواضح، دار الجيل الجديد، د.ت.
    حقي، إسماعيل: روح البيان، دار إحياء التراث العربي، د.ت.
    أبو حيان، أبو عبد الله محمد بن يوسف: البحر المحيط
    الخالدي، د. صلاح عبد الفتاح: مواقف الأنبياء في القرآن، دار القلم -دمشق، 1431ه-2010م.
    الخطيب، عبد الكريم: التفسير القرآني للقرآن، دار الفكر العربي -القاهرة، د.ت.
    ابن خلكان، شمس الدين أبو العباس احمد بن محمد: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، دار الثقافة -لبنان، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة -لبنان.
    الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن احمد: سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، د. ت.
    الرازي، فخر الدين (ت 606هـ): التفسير الكبير والمسمى بمفاتح الغيب، دار الفكر،1990م.
    الزحيلي، وهبة: التفسير الوسيط، دار الفكر المعاصر -بيروت، 1421هـ-2000م.
    الزركلي، خير الدين: الأعلام، الطبعة الثالثة، د. ن
    السعدي، عبد الرحمن بن ناصر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مكتبة الأخيار، 1414 هـ-2003 م.
    السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911هـ): الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الكتب العلمية، 1421 هـ-2000 م.
    الشعراوي، محمد متولي: قصص الأنبياء، د.ت
    الشوكاني، محمد بن علي: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، دار المعرفة -بيروت، د. ت.
    شلبي، محمود: حياة ايوب، دار الجيل -بيروت ،1400 هـ-1980م.
    أبو شهبة، محمد: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، مكتبة السنة، ط الرابعة -1408 هـ.
    شيبة الحمد، عبد القادر: قصص الأنبياء القصص الحق، مكتبة المعارف -الرياض، ط أولى – 1420ه-1999 م.
    الصابوني، محمد علي: صفوة التفاسير، دار الكتب العلمية -بيروت، 1420هـ -1999 م
    الطحاوي، ابو جعفر احمد بن محمد (ت 321 هـ) شرح مشكل الآثار، مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى -1415 هـ،1494 م
    ابن عادل الدمشقي، أبو حفص عمر بن علي (ت 880 هـ) اللباب في علوم الكتاب، تحقيق عادل احمد وعلي معوض، دار الكتب العلمية، 1419 هـ-1998 م.
    عبد الباقي، محمد فؤاد: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم بحاشية المصحف
    الشريف، دار الفكر، 1414 هـ:1994 م. وأخرى من دار الحديث -القاهرة ،1986 م.
    الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310 هـ): جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، 1415 هـ-1995 م.
    طنطاوي، محمد: القصة في القرآن الكريم، دار المعارف ،1995 م.
    ابن عاشور، محمد الطاهر: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر -تونس، 1984 م.
    عباس، فضل حسن: قصص القرآن الكريم، دار الفرقان -عمان، 1420 هـ-2000 م.
    ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله: أحكام القرآن
    ابن عطية الأندلسي، محمد عبد الحق بن غالب (ت 546 هـ): المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار الكتب العلمية، 1422 هـ-2001 م.
    القاسمي، محمد جمال الدين: محاسن التأويل المعروف بتفسير القاسمي، تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، ط ثانية -1398 هـ-1987 م.
    القرطبي، أبو عبد الله محمد بن احمد (ت671هـ): الجامع لأحكام القرآن، تحقيق د. عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، 1427ه-2006 م.
    القطان، مناع: مباحث في علوم القرآن، مؤسسة الرسالة، د.ت.
    القنوجي، صديق بن حسن: فتح البيان في مقاصد القرآن، المكتبة العصرية-بيروت، 1410 هـ-1989 م.
    ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر: البداية والنهاية
    تفسير القرآن العظيم، دار المعرفة -بيروت.
    ابن ماجة القزويني، أبو عبد الله محمد بن زيد: سنن ابن ماجة، دار ابن الهيثم، ط أولى -2005م.
    الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد (450هـ): النكت والعيون والمعروف بتفسير الماوردي، دار الكتب العلمية، ط أولى -1992م.
    المجالي، محمد: الوجيز في علوم الكتاب العزيز، جمعية المحافظة القرآن الكريم-عمان، ط ثالثة -2006 م.
    المحامي، محمد كامل: صبر ايوب، المكتب العالمي للطباعة والنشر-بيروت، 1979 م.
    مصطفى، إبراهيم، واحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار: المعجم الوسيط، المكتبة الإسلامية -تركيا، د.ت.
    الموصلي، احمد بن علي: مسند أبي يعلى الموصلي، تحقيق إرشاد الحق الأثري، مؤسسة علوم القرآن ،1408 هـ: 1988 م.
    النجار، عبد الوهاب: قصص الأنبياء، دار إحياء التراث العربي -بيروت، الطبعة الثالثة.
    النسفي، عبد الله بن احمد: مدارك التنزيل وحقائق التأويل، دار الكتب العلمية،1415ه-1995م.
    النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم، دار ابن الهيثم، ط1422ه-2001م.
    النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد: غرائب لقرآن ورغائب الفرقان، دار الكتب العلمية -بيروت، تحقيق زكريا عميران، 1416ه-1996 م.
    الهيثمي، علي بن أبي بكر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، مكتبة القدس، د.ت.
    الوكيل، محمد السيد: نظرات في أحسن القصص، دار القلم ،1994 م.


    [·] أستاذ مساعد – وزارة الأوقاف – الأردن – المملكة الأردنية الهاشمية.

    [1] المنهج العلمي والقاعدة المستقرة لدى العلماء في التعامل مع الإسرائيليات تتلخص فيما يلي:
    تقسم الإسرائيليات عندنا إلى ثلاثة أقسام:
    القسم الأول: ما كان موافقا لما عندنا عامة، فهذا يقبل. القسم الثاني: ما كان مخالفا لما عندنا؟ فهذا نضرب به عرض الحائط، ونرده ردا تاما، ولا يقبل أبدا. القسم الثالث: ما لا يخالف ولا يوافق، إنما هو أعاجيب وقصص وأخبار. بهذا نحدث عن بني إسرائيل ، ونذكرها للعبرة بين يدي الناس؛ لقوله صلي الله عليه وسلم (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) حديث صحيح ، وقوله صلي الله عليه وسلم: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم (ومعنى ذلك : ما لم يخالف كتاب ربنا أو سنة نبينا صلي الله عليه وسلم، فإن وافق قبلناه ، وان خالف رددناه ، وان لم يكن مخالفا ولا موافقا روينا وسكتنا عنه، كان نحدث أن فيهم قوما ذهبوا في الدهر، وأنهم هلكوا، أو أن فيهم رجلا صالحا تعبد في جزيرة من الجزر، وأن فيهم قوما استقاموا على منهج الله، وأن فيهم قوما فسقوا فأهلكهم الله ، هذه عبر، فنحدث ولا حرج ..هذا موقفنا من الإسرائيليات.

    [2] انظر: الجوهري، إسماعيل بن حماد: الصحاح ج 3: 1051، حرف القاف والقطان، مناع: مباحث في علوم القران 305-306.

    [3] انظر: المجالي، أ. د. محمد: الوجيز في علوم الكتاب العزيز ص 231، وطنطاوي، د. محمد سيد: القصة في القران الكريم ص707.

    [4] انظر: الوجيز في علوم الكتاب العزيز ص232 و ومباحث في علوم القران ص3006.

    [5] انظر مباحث في علوم القرآن ص307 والوجيز في علوم الكتاب العزيز ص227-229 وابن عاشور، محمد الطاهر: تفسير التحرير والتنوير ج 1: 64-65. .

    [6] انظر الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب: القاموس المحيط -باب الهمزة -فصل النون ج1/67ومصطفى، إبراهيم وآخرون: المعجم الوسيط ج 2/896.

    [7] انظر: الجرجاني، أبو الحسن علي بن محمد: التعريفات ص125 ومن العلماء من قال إن النبي هو من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ، وهذا ليس عليه دليل، بل يتعارض مع وظيفة النبي وهي التبليغ والإخبار عن الله سبحانه، وهو معنى الإنباء في اللغة .... ولو كان الأمر كذلك ما قوتل وقتل طائفة منهم قال سبحانه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} آل عمران :146 (وقري ء قتل بالبناء للمجهول وهذا يعود على النبي ومن معه من الربيين، وهذا لا يكون ما لم يكن هناك تبليغ والله أعلم.

    [8] عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ص 108، دار الحديث -القاهرة.

    [9] انظر: ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء: البداية والنهاية ج 1: 173 وشيبة الحمد، عبد القادر: قصص الأنبياء القصص الحق ص 194.

    [10] انظر: القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن ج213:18 وتفسير القاسمي ج11: 282.

    [11] روي عن وهب بن منبه أنه سئل: ما كان شريعة أيوب -عليه السلام- فقال: "التوحيد وصلاح ذات البين، وإذا أراد أحدهم حاجة إلى الله عز وجل خر ساجدا ثم طلب حاجته ..." وهو خبر إسرائيلي ليس عليه دليل، انظر ابن حنبل، أحمد: كتاب الزهد ص77، والوكيل، د. محمد السيد: نظرات في أحسن القصص ج 1: 285.

    [12] انظر المعجم الوسيط ج 1: 275.

    [13] هو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري المؤرخ والمفسر والمحدث والفقيه المجتهد، ولد سنة 224 هـ في آمل طبرستان وتوفي سنة 310 ه ببغداد. انظر الزركلي، خير الدين الأعلام ج 6: 294 ووفيات الأعيان ج 4 :191-192.

    [14] هو وهب بن منبه أبو عبد الله بن منبه اليماني، صاحب الأخبار والقصص، وكانت له معرفة بأخبار الأوائل وقيام الدنيا وأحوال الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، توفي سنة عشر وقيل أربعة عشر ومائة بصنعاء، انظر وفيات الأعيان ج 6: 35-36.

    [15] كونه لم يكن محجوبا عن السماوات ثم حجب عن أربع .. ثم عن ثلاث ليس على هذا دليل من القرآن أو السنة.

    [16] واضح أن هذا ليس عليه دليل شرعي صحيح فمن أين لوهب بن منبه راوي هذه الرواية أن يعلم أن إبليس وقف من الله هذا المكان، إنه خبر إسرائيلي؟ !

    [17] الطبري، محمد بن جرير: جامع البيان في تأويل آي القرآن ج 10: 75.

    [18] القعود هو البكر حين يركب إلى أن يصير في السادسة انظر: مصطفى، إبراهيم ورفاقه: المعجم الوسيط ج 1: 749.

    [19] ما هنا ليست نافية وإنما مصدرية كما يفهم من سياق الكلام.

    [20] لو صحت هذه الرواية سندا فإن هذه العبارة لا يمكن أن يقولها مؤمن لنبيه!

    [21] هاتان العبارتان فيهما من قلة الأدب والتطاول على الخالق جل وعلا ما فيهما، وهذا ليس بمستغرب على الروايات الإسرائيلية.

    [22] تفسير الطبري ج 10: 75 -76.

    [23] المراد بقهرمان الرعاء وكيل صاحب المال المختص بتدبير أمور الرعاة.

    [24] يقصد أنه لم يجرحه من الكلم وهو الجرح كما هو معروف،

    [25] هكذا ورد في هذه الرواية الإسرائيلية! وليس عليه دليل صحيح.

    [26] جوادا أي مسرعا.

    [27] تفسير الطبري ج10: 77

    [28] لا شك ببطلان هذه الرواية عن نبي الله أيوب عليه السلام، فلا يمكن أن يصدر الفعل المذكور هنا عن رجل صالح ناهيك عن نبي شهد له ربه بأنه نعم العبد، وأنه وجده صابرا.

    [29] لا يمكن أن يكون هذا كلام الله! فلا يعقل أن يأذن الله بتسليط عدو الله على أحبابه من الأنبياء.

    [30] سيأتي تعليقي على تفاصيل هذه القصة وبخاصة ما يتعارض منها مع ما نعتقد من صفات واجبة للأنبياء والمرسلين.

    [31] تفسير الطبري ج 10 :78-79.

    [32] انظر: القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن ج 18: 211 وابن أبي زمنين، أبو عبد الله: تفسير ابن أبي زمنين ج2/103-104.

    [33] انظر تفسير ابن كثير ج 3: 188.

    [34] فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية ج 4: 439.

    [35] نقل ذلك أستاذنا الدكتور فضل عباس في كتابه: قصص القرآن الكريم ص 675.

    [36] السابق.

    [37] قصص القرآن الكريم ص 676.

    [38] حجازي، محمد محمود: التفسير الواضح ج 3: 243-244.

    [39] السابق ج 3: 244.

    [40] التفسير الواضح ج 3: 244.

    [41] انظر: المعجم الوسيط ج 1: 31.

    [42] ابن الأثير، الكامل ج 1: 128 ونقلها عنه مقرا بها كل من محمد الوكيل في كتابه (نظرات في أحسن القصص) ج 1: 287 ومحمد جاد المولى والبجاوي في (قصص القرآن) ص 232 ومحمد كامل المحامي في كتابه (صبر أيوب) ص 37 -46.

    [43] هو نوف بن فضالة الحميري البكالي: إمام أهل دمشق في عصره. من رجال الحديث. ورد ذكره في الصحيحين. وكان راويا للقصص توفي سنة خمس وتسعين للهجرة. انظر الأعلام ج 9: 31.

    [44] ابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم ج 10: 3245، وانظر الدر المنثور ج12: 600.

    [45] عبد الله بن ثوب الخولاني تابعي فقيه عابد زاهد، أصله من اليمن، قاضي دمشق وعالمها وواعظها توفي سنة اثنين وستين للهجرة بدمشق. انظر: الأعلام ج 4: 203 وسير أعلام النبلاء ج 4: 272 -276.

    [46] أي بقصد أيوب -عليه السلام-هل سيصيب ديني مكروه مع هذا البلاء الذي سينزل بي؟

    [47] الكامل ج 1: 129 وانظر: نظرات في أحسن القصص ج 1: 287.

    [48] السيوطي، جلال الدين: الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج 4: 588

    [49] البخاري، محمد بن إسماعيل: الضعفاء ج1/39.

    [50] هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بالولاء أبو الحارث: إمام أهل مصر في عصره حديثا وفقها، كان من الكرماء الأجواد، توفي سنة مائة وخمس وسبعين للهجرة. انظر: وفيات الأعيان ج 1: 38 والأعلام ج 6: 115.

    [51] انظر: ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 4: 94 -95 والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن ج 14: 257 والدر المنثور ج 4: 588 -589.

    [52] هو سفيان بن عيينة بن ميمون الكوفي، أبو محمد، محدث الحرم المكي، كان إماما عالما ثبتا حجة زاهدا ورعا ولد بالكوفة عام مئة وسبعة للهجرة، وسكن مكة وتوفي بها عام ثمان وتسعون ومائة للهجرة. انظر وفيات الأعيان ج 1: 210.

    [53] كتاب الزهد ص78-79.

    [54] نظرات في أحسن القصص ج 1: 288.

    [55] نقل هذه الرواية السيوطي في الدر المنثور ج 4: 588 وذلك نقلا عن الحاكم النيسابوري الذي رواها عن كعب بن سمرة.

    [56] القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن 14: 258 وانظر القنوجي، صديق حسن: فتح البيان في مقاصد القرآن ج 8: 359.

    [57] كتاب الزهد ص 77 و78.

    [58] البروسوي، إسماعيل حقي: روح البيان ج5: 512-513.

    [59] الثعالبي، عبد الرحمن: الجواهر الحسان في تفسير القرآن ج 2: 4 38. وقد نقل هذه الرواية من المعاصرين مقرا بمضمونها محمد كامل المحامي في كتابه "صبر أيوب" ص24، 56 ومحمود شلبي في كتابه "حياة أيوب" ص120 ،166.

    [60] تفسير الطبري ج16: 360، وقوله (يتفقأ) أصله من (تفقأت السحابة عن مائها) أي تشققت، ومنه تفقأ الدمل والقرح إذا تشقق، انظر الصحاح ج 1: 63.

    [61] الجامع لأحكام القرآن ج 14: 257 وانظر فتح البيان ج 8: 359.

    [62] انظر تفسير القرطبي ج 14: 259-260 وفتح البيان ج 8: 359.

    [63] السابق ج 14: 259.

    [64] القرطبي ج14: 257.

    [65] انظر: الألوسي، شهاب الدين السيد محمود: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني م 9 ج 17: 76-77.

    [66] انظر البداية والنهاية ج 1: 174 والزحيلي، وهبة: التفسير الوسيط ج 2: 1605.

    [67] انظر النجار، عبد الوهاب: قصص القرآن ص 349 والوكيل، محمد: نظرات في أحسن القصص ج 1 :296.

    [68] انظر مثلا ما قاله الألوسي في تفسيره ج :17 \76-77

    [69] القاسمي، محمد جمال الدين: محاسن التأويل م 7 ج 11: 282

    [70] المرجع السابق.

    [71] الصابوني، محمد علي: النبوة والأنبياء ص 266 -267.

    [72] انظر: قصص الأنبياء القصص الحق ص 194-195.

    [73] النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج (ت261هـ): صحيح مسلم، ص 572-573، كتاب السلام -حديث رقم (2209).

    [74] انظر: ابن كثير، عماد الدين إسماعيل: البداية والنهاية ج 1: 174 وتفسير القرطبي ج 14: 363

    [75] انظر: أبو حيان، أبو عبد الله محمد بن يوسف: البحر المحيط ج 6: 334.

    [76] انظر قصص الأنبياء محمد متولي الشعراوي ج2: 1191، جمع المادة العلمية منشاوي غانم جابر، والجزائري، أبو بكر جابر: أيسر التفاسير ج 3: 1084

    [77] قال الطحاوي: "فكان محالًا أن يكُون ما كان منهُ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك كفّارةً عن يمينٍ كانت منهُما، أو من أحدهما؛ لأنّهُ لا يجُوزُ أن يُكفّر عن حالفٍ بيمين غيره بعد حنثه فيها، ولا قبل حنثه فيها وهُو حيٌّ، ولكنّهُ عندنا واللهُ أعلمُ على كفّارةٍ عن الكلام الّذي ذُكر اللهُ عزّ وجلّ فيه ممّا لم يكُن يصلُحُ أن يُذكر، انظر: الطحاوي، أبو جعفر: مشكل الآثار ج 11: 535

    [78] الأندر هو البيدر وهو الموضع الذي يداس فيه الطعام بلغة الشام انظر: ابن الأثير، مجد الدين المبارك بن محمد: النهاية في غريب الحديث والأثر ص 52

    [79] انظر: ابن بلبان ، علاء الدين علي : صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ج 7: 158- 159 حديث رقم (2898) و الموصلي ، أحمد بن علي : مسند أبي يعلى الموصلي ج 3 : 448 -449 ، حديث رقم (3605) والحاكم ، محمد بن عبد الله : المستدرك على الصحيحين ج 2 : 635- 636 حديث رقم (4115) والهيثمي، علي بن أبي بكر : مجمع الزوائد ج 8 : 208والألباني ، محمد ناصر الدين : سلسلة الأحاديث الصحيحة ج 1 : 25 حيث قال : رواه أبو يعلى في "مسنده" (ج 1 : 176- 177)، وأبو نعيم في "الحلية" (3 : 374- 375) من طريقين عن سعيد بن أبي مريم ، حدثنا نافع بن يزيد، أخب رني عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك مرفوعا، وقال : "غريب من حديث الزهري ، لم يروه عنه إلا عقيل ، ورواته متفق على عدالتهم، تفرد به نافع "قلت : وهو ثقة كما قال ، أخرج له مسلم ، وبقية رجاله رجال الشيخين ، ورواه ابن حبان في صحيحه ، فالحديث صحيح" اهـ.

    [80] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ج 15/210 وقال بذلك د. صلاح الخالدي في كتابه (مواقف الأنبياء في القرآن) ص342-343.

    [81] أبو شهبة، محمد: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص 279.

    [82] ونصه أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم -قال: "إن نبي الله أيوب كان في بلائه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلان من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله -لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له ، فقال أيوب : ما أدري ما تقول ، غير أن الله - عز وجل - يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان ، فيذكران الله، فارجع إلى بيتي ، فأكفر عنهما ، كراهية أن يذكرا الله إلا في حق ، قال : وكان يخرج في حاجته ، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده ، حتى يبلغ ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه ، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه : (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب )، فاستبطأته، فتلقته بنظر، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت : أي بارك الله فيك ، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ؟، والله على ذلك ما رأيت أشبه به منك إذ كان صحيحا.
    قال: فإني أنا هو، وكان له أندران، أندر القمح، وأندر للشعير. فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض". وقد مضى تخريجه في الصفحة السابقة.

    [83] انظر هذه الرواية ص 7-11 من البحث.

    [84] المحامي، محمد: صبر أيوب ص65.

    [85] صبر أيوب ص65 -66 و74.

    [86] السابق ص 77.

    [87] الرازي، فخر الدين: التفسير الكبير ج 22: 205

    [88] هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله أمير المؤمنين في الحديث، كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى، ولد سنة 97 ه للهجرة في الكوفة وتوفي سنة 161 هـ. انظر الأعلام ج 3: 158 ووفيات الأعيان ج 1: 210

    [89] الدر المنثور ج 4: 588.

    [90] ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله: أحكام القرآن ج 4: 1651 وانظر الدر المنثور ج 5: 590.

    [91] الماوردي، النكت والعيون ج 3: 461

    [92] هو سعيد بن المسيب بن حزن القرشي، أبو محمد سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة ولد عام 13 ه وتوفي بالمدينة سنة أربع وتسعين من الهجرة. انظر الوفيات ج 1 :206.

    [93] السابق ج 5: 103 وانظر الشوكاني ج 4: 436.

    [94] غلب على بعض المعاصرين استعمال (ملاك) ويقصد به(ملك) والصحيح أنه ملك بدون زيادة الألف.

    [95] صبر أيوب ص 107 -108.

    [96] انظر: النكت والعيون ج 5: 102.

    [97] السابق.

    [98] انظر الطبري م 10ج 17: 96 والبقاعي، برهان الدين: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج 6: 389، والنيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد: غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج 5 :602 والسعدي، عبد الرحمن بن ناصر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 660 والرازي، فخر الدين: التفسير الكبير ج 22: 210 ومحمد المحامي، صبر أيوب ص 114.

    [99] انظر الطبري ج 17: 94 وتفسير الرازي ج 22 :210 والزمخشري، جار الله محمود بن عمر: الكشاف ج 2: 581 والدر المنثور ج 0 1: 339.

    [100] انظر النسفي، عبد الله بن أحمد: مدارك التنزيل وحقائق التأويل ج 2: 97 -98.

    [101] هو الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني، أبو القاسم مفسر كان يؤدب الأطفال، توفي سنة مئة وخمسة للهجرة بخراسان. انظر: الذهبي، ميزان الاعتدال ج 1: 471. والزركلي، الأعلام ج 3 :310

    [102] القرطبي ج 14: 261 -262.

    [103] مجمع الزوائد ج 7: 67.

    [104] التهذيب ج 2: 226.

    [105] انظر: الخطيب، عبد الكريم: التفسير القرآني للقرآن ج 12: 1096، وابن عاشور، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ج 23: 271 -272، والجزائري، أبو بكر جابر: أيسر التفاسير ج 4: 1528 وعباس، د. فضل حسن: قصص القرآن الكريم ص 673 -الحاشية.

    [106] حقي، إسماعيل: روح البيان ج 8: 34.

    [107] انظر الذهبي، محمد حسين: التفسير والمفسرون ص 178-179.

    [108] انظر هذه الرواية بالتفصيل في تفسير الطبري م 12 ج23/178-181 وتفسير القرطبي ج15/166-167.

    [109] ذكر هذه الرواية الطبري في تفسيره م 12 ج 23/178 -180 والقرطبي ج 15/166-168 والبيضاوي ج 5/29-30.

    [110] انظر المراجع السابقة ومواقف الأنبياء في القرآن ص 313.

    [111] انظر هذه الرواية ص 7-11من البحث.

    [112] رأى بعض المفسرين أنه نبعت له عينان: عين للشرب وأخرى للاغتسال، ولا دليل لهم على ذلك. انظر: ابن جزي، محمد بن أحمد: التسهيل لعلوم التنزيل ج 3: 66 والبيضاوي، ناصر الدين عبد الله بن عمر: تفسير البيضاوي ضمن: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ج 8 :156.

    [113] انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ج 17: 126 -127 والسعدي، عبد الرحمن بن ناصر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 529 وطنطاوي، محمد: القصة في القرآن الكريم ص 709 – 710.

    [114] انظر المراجع السابقة.

    [115] الزمخشري، الكشاف ج 3: 376.

    [116] انظر ذلك ص 13 -15 من البحث.

    [117] انظر تفسير التحرير والتنوير ج 23: 269 -270.

    [118] انظر السابق

    [119] وبذلك قال طائفة من المفسرين مثل ابن جزي والبيضاوي انظر: ابن جزي الغرناطي، التسهيل لعلوم التنزيل ج 3: 66 و وتفسير البيضاوي الموجود في: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ج 8: 156.

    [120] سبق أن ذكرت أنه لم يرد دليل صحيح يثبت أن أهل أيوب قد فقدهم أو رزئهم.

    [121] انظر: ابن عادل، اللباب في علوم الكتاب ج 16: 430، وتفسير القاسمي م 8 ج 14: 174، وتفسير التحرير والتنوير ج 3 2: 271، وتفسير الالوسي ج 2 1: 198. والتفسير القرآني للقرآن ج 12: 1095-1096 والزحيلي، وهبة مصطفى: التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج ج 23: 206 وعباس، فضل حسن: قصص القرآن الكريم ص 673

    [122] انظر: الكرماني، محمود بن حمزة: أسرار التكرار في القرآن ص 183.

    [123] انظر تفسير التحرير والتنوير ج 23: 272 -273.

    [124] انظر: شيبة الحمد: قصص الأنبياء القصص الحق ص 196 -197، والتحرير والتنوير ج 23: 273.

    [125] استبعدت من الآثار ما فيه مخالفة للعقل والمنطق كمن روى من السلف عن إبليس أقوالا! ؟

    [126] انظر: البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: الجامع الصحيح ج 4: 296 كتاب التوحيد -باب قول الله عز وجل: (يريدون أن يبدلوا كلام الله).

    [127] كتاب الزهد ص 126.

    [128] السابق ص. 13.

    [129] البداية والنهاية ج 1: 175 وتفسير ابن أبي حاتم ج 8: 2461.

    [130] هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، مولى بني مخزوم، ولد سنة إحدى وعشرين للهجرة، تابعي مفسر من أهل مكة، قال الذهبي: شيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس، يقال: أنه مات وهو ساجد، سنة أربع ومائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج 4: 449 -455.

    [131] البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين: شعب الإيمان ج 7: 202-203 -باب في الصبر على المصائب
    فصل في ذكر ما في الأوجاع والأمراض والمصيبات من الكفارات. وانظر: الدر المنثور ج. 1: 350-351.

    [132] الشوكاني، محمد بن علي: فتح القدير ج 4: 440.

    [133] انظر اللباب في علوم الكتاب ج 1: 4325.

    [134] رواه ابن ماجة انظر: ابن ماجة القزويني، أبو عبد الله محمد بن زيد: سنن ابن ماجة ج 4: 190، كتاب الفتن -باب الصبر على البلاء، حديث رقم (4023).


    [135] التفسير القرآني للقرآن م 3: 933.

    [136] انظر حقي، إسماعيل: روح البيان ج 2 1: 171.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •