العيوب المنهجية في سياق الروايات الحديثية عند المستشرق "مونتجمري وات" في كتابيه"محمد في مكة"،"محمد في المدينة"
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: العيوب المنهجية في سياق الروايات الحديثية عند المستشرق "مونتجمري وات" في كتابيه"محمد في مكة"،"محمد في المدينة"

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي العيوب المنهجية في سياق الروايات الحديثية عند المستشرق "مونتجمري وات" في كتابيه"محمد في مكة"،"محمد في المدينة"

    العيوب المنهجية في سياق الروايات الحديثية عند المستشرق "مونتجمري وات" في كتابيه"محمد في مكة"،"محمد في المدينة"






    د. نعمات محمد الجعفري[(*)(*)][(*)]




    ملخص البحث:


    لقد كان للمستشرقين يد طولي في البحث والتنقيب عن علوم الإسلام وقضاياه المختلفة على مر العصور بقصد التشويه والطعن، والتشكيك لزعزعة الصورة الناصعة للإسلام في نفوس المسلمين، والحد من إقبال غير المسلمين على اعتناقه، ومن خلال القراءة النقدية لكتابات أحد المستشرقين وهو "مونتجمري وات" حول الروايات الحديثية، في كتابيه: (محمد في مكة)، و(محمد في المدينة)، وجدت الاختلاف كبيراً بينه وبين غيره من المستشرقين في منهجية الكتابة والطرح والنتائج التي توصل لها، فقد خالفهم في كثير من النتائج وانتقدهم فيها وفند آراءهم، فنجد عمله يحظى بالتقدير التام بين العلماء المسلمين وهذا يعنى أنه موضوعي إلى حد ما.. فهو يقدر آراء المسلمين دون أن يقبلها، ومن ثم يقدره المسلمون دون مشاركته في آرائه المعارضة بالضرورة.

    إن نظرة "وات" الإيجابية تجاه بعض الأحداث والقضايا التاريخية التي تتناولها الروايات، التي يفند بها ادعاءات بعض المستشرقين يخالطها كثير من الأحكام المضطربة والمشوشة والمغالطات الجريئة، وقد بني "وات" على المقدمات الخاطئة التي لم يبذل جهداً كافياً للتثبت من سلامتها العديد من النتائج التي تحتاج إلى مراجعة جذرية حتى تسلم له نتائجه، وهذه تعد من أهم أخطائه المنهجية. ويبدو "وات" على مستوى تقنية البحث متفوقا بمعنى الكلمة، وهو يمتلك أداة البحث ومستلزماته، ويعتمد أسلوباً نقدياً مقارناً يثير الإعجاب، ولكنه في الوقت ذاته يدس السم في العسل.


    المقدمة:


    بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله.

    إن من أهم المهمات وأوجب الواجبات على طالب علم الحديث الذب عن السنة المطهرة ومن يريد النيل منها أو النيل من رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولذا تصدى كثير من علماء السنة ينافحون بأقلامهم وأقوالهم الطاعنين في السنة الشريفة من الملاحدة، والعلمانيين، والمستشرقين الغربيين، ومن هم من أبناء جلدة الإسلام، ولقد كان للمستشرقين يد طولي في البحث والتنقيب عن علوم الإسلام وقضاياه المختلفة على مر العصور بقصد التشويه والطعن، والتشكيك لزعزعة الصورة الناصعة للإسلام في نفوس المسلمين، والحد من إقبال غير المسلمين لاعتناقه والدخول فيه ومن هؤلاء مونتجمري وات، ولأنني لم أقف على من تصدى له ودحض شبهه وتضليلاته المغرضة إلا مقالاً لسالم عبد الرحمن بعنوان: (قراءة نقدية في كتابات مونتجمري وات في السيرة النبوية) وهو مقال موجز لم يتناول آراء مونتجمري وات بالتحليل والنقد الدقيق، والتفصيل في منهج "وات" في تناول الروايات الحديثة.

    فقد رأيت القيام ببحث يتناول العيوب المنهجية في سياق الروايات الحديثة عند المستشرق مونتجمري واخترت كتابيه: "محمد في مكة"، و"محمد في المدينة" ليكونا محل البحث.

    أما سبب اختيار كتابات هذا المستشرق دون غيره من المستشرقين، فلوجود اختلاف كبير بينه وبينهم في منهجية الكتابة والطرح والنتائج التي توصل لها، فقد خالفهم في كثير من النتائج، وانتقدهم فيها، وفند آراءهم، فعلى الرغم من أن (وات) يستند في معلوماته بشكل أساسي إلى المستشرقين البريطانيين والأوربيين في القرن التاسع عشر من "جولد تسيهر" إلى "موير" وعلى الرغم من أن النتائج بعينها تتعلق بالرسول الكريم لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن تلك التي توصل إليها سائر المستشرقين، نجد عمله يحظى بالتقدير التام بين العلماء المسلمين: مما يبرهن على أن المستشرق لا يلزمه أن يعتنق الإسلام كي يصير معروفا عند العالم الإسلامي عالما جادا مقبولا.

    ومع ذلك نجد (وات) ينتقد الإسلام بصفته عالما مسيحيا عقلانيا، وهو ينتقد رفاقه في ذات الوقت، وهذا يعنى أنه موضوعي إلى حد ما .. فهو يقدر آراء المسلمين دون أن يقبلها، ومن ثم يقدره المسلمون دون مشاركته في آرائه المعارضة بالضرورة.
    وقد نهجت في البحث المنهج التالي:

    1- التركيز على القضايا الرئيسية التي ركز عليها "وات" في كتابيه، دون الدخول في التفاصيل الدقيقة خشية طول البحث.
    2- عدم الاقتصار على تناول النقاط التي تمثل – من وجهة نظري – الجانب السلبي في كتابات "وات" في السيرة، بل أبرزت بعض الجوانب الإيجابية في هذه الكتابات.
    3- الأخذ بعين الاعتبار أن كاتب البحث ليس مسلماً، فلم أتعمق في الردود وأحاكمه بمعايير الإسلام الدقيقة، اقتصرت – في الغالب – على نقض كلامه بالظاهر من الأدلة، أو بيان تناقضه، وانتقاء المنهجية في أسلوبه.
    4- عدم الاستقصاء في الرد عليه ودحض أرائه، اكتفيت في نقده بأبرز الردود وأظهرها.
    5- الاقتصار على الأحداث والقضايا التي لها تعلق بالرواية الحديثية، ولم أتناول غيرها إلا في أضيق الحدود، وفي مجال خدمة البحث في نواح معينة.

    ومن الصعوبات التي واجهتني في إعداد البحث:


    ضيق الوقت بحيث لم يسعني تناول كل ما أثاره "وات" حول الرسول صلى الله عليه وسلم وتحليلاته للقضايا.
    أسلوب اللف والدوران والالتواء في التحليل الذي استخدمه "وات" يحتاج إلى فحص دقيق، ورجوع إلى مصادر السيرة والروايات المختلفة في الموضوع الواحد، للموازنة، ونقده بأسلوب علمي يسنده الدليل.
    تداخل العيوب المنهجية في التحليل الواحد لــ "وات" جعلت من العسير فصلها عن بعض، ولكنى قدر الإمكان وزعت الأحداث والقضايا على العيب أو المنهج الأظهر الذي سلكه فيه، كما تناولت الحادثة الواحدة في أكثر من مبحث للنظر فيها من زوايا مختلفة.
    والافتراضات كثيرة، والأقوال والتحليلات الشاذة والضعيفة منبثة في مواضع شتى من كتابه، لن يتسع الوقت لمناقشتها، فاقتصرت على أبرز المغالطات والتجاوزات لتعطينا صورة واضحة عما تحمل ثنايا كتبه من فكر تضليلي، وتجاوزات خطيرة، ومغالطات جريئة.

    وقد قسمت البحث إلى تمهيد وفصلين وخاتمة.
    اشتمل التمهيد على ترجمة موجزة لـــ "مونتجمري وات".

    الفصل الأول: تعامل "وات" مع الروايات، فيه مباحث:
    المبحث الأول: التلاعب في الألفاظ، وفيه مطالب:
    المطلب الأول: انتقائية الروايات ذات الألفاظ التي توافق افتراضاته.

    المطلب الثاني: الجزم بأحد احتمالات لفظ الرواية، وتجاهل الاحتمالات الأخرى.

    المطلب الثالث: صرف ألفاظ الروايات عن ظاهرها، وتحميل اللفظ ما لا يحتمله.

    المبحث الثاني: رد الروايات، وفيه مطالب:

    المطلب الأول: الحكم بنشوء الروايات من قبل المتأخرين، لتتفق مع مفاهيم وصور بعدية سامية.

    المطلب الثاني: الحكم بنشوء الروايات وتسجيلها من قبل المتأخرين، لأغراض واعتبارات شخصية.

    المبحث الثالث: موقفه من الأسانيد.

    المبحث الرابع: تبني الضعيف والشاذ والمكذوب من الروايات.

    الفصل الثاني: خلاصة منهج "مونتجمري وات"، وفيه مبحثان:

    المبحث الأول: إضاءات على الجوانب الايجابية في كتابات "وات".

    المبحث الثاني: العيوب المنهجية العلمية في كتابات "وات"، وفيه مطالب:

    المطلب الأول: المبالغة التشكيك غير المنهجي.

    المطلب الثاني: التناقض المنهجي.
    المطلب الثالث: المنهج الإسقاطي.
    المطلب الرابع: التعميم الفاسد.
    المطلب الخامس: إهمال الأدلة المضادة.
    المطلب السادس: الانتقائية في المصادر.



    تمهيد: ترجمة موجزة لمونتجمري وات


    مستشرق إنجليزي معاصر، قسيس، عميد قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة أدنبرة، اهتم بسيرة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو معروف لدي طلابه بتعصبه ونزعاته التنصيرية. يعد وات واحداً من أبرز أعلام المستشرقين المعاصرين في بريطانيا، وأكثرهم تنوعاً في مجال دراسته الإسلامية. وقد عمل "وات" أستاذا ورئيساً لقسم الدراسات العربية والاسلامية بجامعة أدنبرة باسكتلندا لمدة خمسة عشر عاما، حتى تقاعده 1979م، وقد قام خلالها بتدريس الإسلام: عقيدة وتاريخا وحضارة لعدة أجيال من الطلبة كثير منهم مسلمون، عرب وباكستانيون([1])
    وتحظى أعماله بشهرة واسعة بين المشتغلين بالدراسات الإسلامية والعربية في الشرق والغرب على السواء، ولعل أبرز ما يلفت نظر المتتبع لأعمال "وات" أن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حظيت بتقدير متميز من اهتمامه، فقد أخرج ثلاثة كتب نشرتها له جامعة أكسفورد بإنجلترا.
    كتابه الأول (محمد في مكة): يقع في مئة وست وثمانين صفحة من القطع المتوسط، منها اثنان وثلاثون صفحة مخصصة للملاحق، وهو – كما يبدو من عنوانه – يتناول الفترة المكية من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء قبل البعثة أم بعدها، مع مقدمة موجزة عن الأوضاع في مكة وشبه الجزيرة العربية قبل الإسلام.
    وكتابه الثاني: (محمد في المدينة): يقع في ثلاث مئة وتسع وتسعين صفحة من القطع المتوسط، منها ثلاثة وستون صفحة مخصصة للملاحق، والكتاب دراسة شاملة لحياة الرسول في المدينة وتطور علاقة الدولة الإسلامية الناشئة بغيرها من المجتمعات داخل الجزيرة العربية وخارجها، وما قدمه الدين الجديد من إصلاحات في جميع الميادين، مع محاولة بيان بعض مواطن العظمة في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم.
    أما كتابه الثالث: (محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورجل دولة): فيقع في خمس وأربعين ومائتي صفحة من القطع المتوسط، وهو يمثل خلاصة مركزة ووافية لكتابيه الأولين، مع مزيد من الالتزام بالتسلسل الزمني في تناول الأحداث.
    أما مقالة عن (محمد صلى الله عليه وسلم): في تاريخ كمبردج للإسلام: فهو خلاصة الخلاصة إن صح التعبير، وقد اهتم فيه (وات) برصد الظواهر الكبرى في حياة محمد صلى الله عليه وسلم وفي دعوته، سواء قبل الهجرة أم بعدها.
    من آثاره:


    1- (عوامل انتشار الإسلام) (محمد في مكة) (محمد في المدينة) (اللغة العربية) (الجدل الديني) (عوامل انتشار الإسلام) (تاريخ أسبانيا الإسلامية) ([2]).

    مكانته عند المستشرقين:

    يري المستشرقون أن "مونتجمري وات "قسيس يجمع بين الالتزام بالمسيحية وتوثيق الصلة بالمسلمين، والاتصاف بالموضوعية في دراسته للإسلام، وقد نشرت بعض المجلات الإسلامية التي تصدر الإنجليزية في لندن مقالا عن هذا المستشرق بعنوان (المسيحي ذو التعاطف الغير العادي مع الإسلام)، ويحاول المقال أن يظهر الستشرق على انه استثناء مشرف من القاعدة العامة، وهي تعصب المستشرقين ضد الإسلام، ويدعي المقال أن من بين تلاميذه (شيخ الأزهر) سابق، ولكن لا يذكر اسمه، لأن الهدف الأساس التهويل من شأن هذا المستشرق وأستاذيته، حتى لأستاذة المسلمين، ويزعم المقال أن نتائج جهوده وإسهاماته قد أصبحت لا يستغني عنها في فهم التاريخ الإسلامي([3]).
    وسيتضح لنا في هذا البحث أن هذا الوصف لهذا المستشرق إنما هو خداع وتضليل للمسلمين، قصد به إخفاء حقيقة الاستشراق وأهدافه الهدامة، ومخططاته المغرضة ضد الإسلام والمسلمين، فالمستشرقون ليس بينهم منصف أو موضوعي، وجميعهم ملة واحدة، وإن تفاوتوا في التعصب، يهدفون إلى غاية واحدة.
    الفصل الأول


    منهجية وات في التعامل مع الروايات والنصوص الحديثية

    ليس من اليسير في بحث كهذا أن نتقصى كل مسائل الخلاف التي تثيرها كتابات "وات" في السيرة، فمن الطبيعي أن تقتصر على عرض ومناقشة أهم القضايا الأساسية، التي نصل معها إلى الإجابة على بعض الأسئلة فتستطيع من خلالها الحكم على منهج الباحث والتزامه بأسس البحث العلمي وتفاديه لعيوبه، ومدى صدق وموضوعية ودقة النتائج التي توصل إليها والأسئلة هي:
    هل التزم وات بالمنهج الذي رسمه؟ هل انطبقت على كتاباته شروط البحث العلمي؟
    هل اعتمد على المصادر المتخصصة أم انتقي المصادر التي توافق نتائجه؟ هل بني نتائجه على أسس علمية، وأدلة قطعية أم بناها على ضرب من الخيال والفرضيات؟
    هل استخدم مبدأ تعميم الفكرة بعد الاستقراء الكامل للجزئيات. أم يعم الفكرة من تحليله لجزئية واحدة؟ هل قرأ الروايات الحديثية في سياقها العام, أم اقتطع منها ما يريد من دلالات ؟ هل جمع المعلومات من مظانها في مصادرها أم أخذ من كل مصدر ما يخدم نتيجته ؟ هل قبل الروايات المسلم بها تاريخياً وتشريعياً؟ وهل رده مبني على أدلة وبراهين علمية وتاريخية ؟ هل تعامل مع النصوص بموضوعية ؟ أم تعسف في فهمها لإثبات مقدماته وفرضياته ؟ هل عالج وفحص الأدلة المضادة أم أنه أهملها وتجاهلها؟ هل وازن بين الروايات المختلفة في موضوع واحد ورجح بينها على أسس تاريخية وعلمية ؟
    المبحث الأول

    التلاعب بألفاظ الروايات
    إن تناول "وات" لألفاظ الروايات يدل على أن هذا الباحث ينتهج منهجاً بعيداً كل البعد عن الموضوعية والإنصاف العلمي, إنه ينتقي من الروايات ذات الألفاظ التي تتواءم مع أفكاره وتخميناته، ويهمل غيرها من غير دليل علمي أو شرعي يستند إليه أو مبرر عقلي مقبول، وإذا لم يتسن له الانتقاء تلاعب في مضمون اللفظ، وحمله ما لا يحتمله من الدلالات والمضامين التي توافق افتراضاته، أو تكلف وتعسف في تفسير اللفظ ليتسق مع المعنى إلى يرمي إليه.
    المطلب الأول

    انتقائية الروايات ذات الألفاظ التي توافق افتراضاته

    انتقي "وات" من الروايات الخاصة ببدء الوحي والأمر بالقراءة، الرواية بلفظ: "أتاه جبريل فقال له: اقرأ, فقال له محمد صلى الله عليه وسلم: ما اقرأ ؟ والرواية عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثل فلق الصبح .... فقال: يا محمد، أنا جبريل، وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ، قلت: ما اقرأ ؟"([4]) ويروى: ماذا أقرأ ؟ فهو يرى أن "ما" في قوله "ما أقرأ" استفهامية وليست نافية([5])، مع أن قصة الوحي وردت بألفاظ مختلفة، منها: رواية البخاري من طريق ابن شهاب أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنث فيه، قال:- والتحنث التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود بمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال اقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: أقرأ،قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:أقرأ، قلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني.." ([6]).
    إنه بانتقائه هذه الرواية واعتماده عليها دون سواها من الروايات؛ وسيلة مغرضة ليثبت المقدمة التي افترضها، وهي نفي أمية الرسول صلى الله عليه وسلم، واستدل بهذه الرواية ليصل إلى النتيجة التي يرمي إليها، وهي أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد تعلم على يد ورقة بن نوفل وغيره، وبذلك فإن الدين مستمد من أصول نصرانية مسيحية، أما بالنسبة للروايات الأخرى في هذا الحديث: فسنرى كيف يتعامل معها في المباحث الأخرى.
    كما ترجم "وات" ما رواه الطبري بسنده إلى الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، في كيفية بدء الوحي، وقسم هذه الرواية إلى فقرات، أعطى كل فقرة منها حرفاً، ثم نقل ما رواه بالسند نفسه عن فترة الوحي، وفعل الشيء نفسه. ثم بدأ بتعليقاته بقوله:(لا توجد أسباب جيده للشك في المسألة الأساسية وهي أن تجربة محمد النبوية بدأت بالرؤيا الصادقة) ثم قال: (هذا شيء مختلف جداً عن الرؤيا المنامية، وهذا خطأ لا شك فيه؛ لأن الرؤيا الصادقة هي الرؤيا المنامية، ومن الأدلة القاطعة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)، ثم قال: (إن تفسير المسلمين المعتاد لهذا هو أن الرؤى هنا هي رؤية النبي لجبريل، ولكن هناك أسباب تدعو للقول: بأن محمداً فسر في بداية ما رآه بأنه الله، وهذه الأسباب هي:
    أنه لم يرد ذكر جبريل في القرآن إلا في العهد المدني.
    أنه الذي يدل عليه السياق، إذ بغيره تكون العبارة ركيكة.
    وأن عبارة "فجاءه الحق" تؤيد ذلك؛ إذ أن الحق أحد الطرق التي يشار بها إلى الله.
    وفي بعض روايات حديث الطبري عن جابر: "سمعت صوتاً يناديني، فنظرت حولي فلم أر أحدا، فرفعت رأسي، فإذا هو جالس على العرش([7]).

    نرد على وات فنقول:


    1- إن "وات" خلط بين ثلاثة أمور، هي: الرؤيا المنامية التي سبقت الوحي، ورؤيا جبريل وهو ينزل بإقرأ، ورؤيا جبريل على صورته الحقيقية، فزعم أن الرؤيا الصادقة ليست رؤيا منام، ثم فسره هذه الرؤيا المشار إليها في سورة النجم، ثم زعم أن المقصود بما رآه محمد هو الله تعالى، ثم ذهب يتحمل لذلك بعض الأسباب. إن "وات" يريد أن يفهم من كلمة الروح ما تفهم النصارى من هذه الكلمة بأن المقصود هو الله، لكن هذا المعنى تأباه اللغة العربية، ويأباه سياق الآيات القرآنية، فالمعنى اللغوي لكلمة الروح هو: ما به تكون الحياة، ولم يرد في الآيات القرآنية أن الروح اسم من أسماء الله تعالى أو وصفاً من صفاته، ثم لنفترض أنه لم يرد ذكر لجبريل في السور المكية فكيف يكون هذا دليلاً على أن ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم في بدء الوحي لم يكن جبريل إذا كان محمد نفسه يقول أن ما رآه كان جبريل([8]).
    2- أن رواية جابر قد ورد فيها التصريح بأن الذي ناداه هو جبريل، ولفظ الرواية قوله صلى الله عليه وسلم "جاورت بحراء شهراً، فلما قضيت جواري نزلت فاستنبطت بطن الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فلم أر أحداً، ثم نوديت فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء، يعني جبريل عليه السلام، فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة فقلت دثروني، فدثروني، فصبوا علي ماءً، فأنزل الله عز وجل.." ([9]).
    3- أن المقصود بالحق في هذا الحديث هو: الحق الذي جاء به الملك وهو القرآن، أو هو البشارة بأنه رسول الله، ويؤيد هذا التفسير رواية البخاري التي تقول: "حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك، فقال اقرأ، قال: ما أنا بقارئ"([10]).
    4- إن المنهج العلمي يقتضي أن يجمع الإنسان الروايات الخاصة بموضوعه، ثم ينظر فيها، فيختار أصحها سنداً ومتناً، ثم يجمع بين ما جاء فيها ما أمكنه ذلك، لأن الروايات في الغالب يكمل بعضها بعضاً، لكن "وات" نظر في الروايات المختلفة، وتخير منها ما يراه أقرب إلى موافقة هواه، ولذلك كان أمره مضطرباً، فمره يأخذ من الطبري ويدع ابن هشام، وأخرى يأخذ من البخاري ويدع الطبري، وثالثة يختار من البخاري رواية ويترك أخرى، والحقيقة مما يبدو أنه إنما اختار روايات الزهري التي في الطبري؛ لأنه لا ذكر في أولها للملك، والدليل على ذلك أنه ترك رواياته التي في صحيح البخاري وغيره، والتي فيها ذكر الملك، ثم عندما ذهب للبخاري أخذ حديثاً رواه الزهري عن أبي سلمة، عن جابر، وترك أحاديث كثيرة رواها بسنده عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر. وذلك لأن أحاديث الزهري هناك فيها ذكر الملك ([11]) فمنها حديث يقول: "عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي، فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي, فقلت: زملوني زملوني, فزملوني, فأنزل الله تعالي: ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾ ([12])
    إن الانتقائية المرفوضة في منهج البحث العلمي التي سلكها "وات" في كتابه ليست إلا ليصل إلى نتيجة اعتقدها ويريد تقديرها، وهي التشكيك في أن القران وحي من الله. إن الذي يريد أن يصل إليه "وات" من كل تلك المحاولات والتحريفات هو: أن القران ليس كلاماً أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من الله أو بوساطة ملك، إنما هو شيء نابع من نفسه وتفكيره وعقله.
    المطلب الثاني

    الجزم بأحد احتمالات لفظ الرواية

    وتجاهل الاحتمالات الأخرى

    إن"وات" في تفسيره للفظ :ما أقرأ ؟" "ماذا أقرأ ؟" في قصة بدء الوحي أنها على الاستفهام عن القراءة من نص مكتوب، هذا أحد احتمالات اللفظ، ولكن هناك احتمال أرجح أن المراد "التلاوة" أي ماذا "أتل" وخاصة إذا جمعنا ألفاظ الروايات مع بعضها لنخلص إلى نتيجة أساسية وهي أن هذه الألفاظ "ما أقرأ ؟ ماذا أقرأ ؟ ما أنا بقارئ ؟" لا تفيد إلا النفي في مجال القدرة على القراءة والكتابة بالمفهوم الذي يقصده "وات".

    المطلب الثالث

    صرف ألفاظ الروايات عن ظاهرها
    وتحميل اللفظ ما لا يتحمله

    يتضح ذلك جلياً في تلاعبه بألفاظ رواية سرية نخلة التي تحتل أهمية خاصة في تاريخ الإسلام، حيث أريق فيها أول دم في تاريخ العلاقات بين المسلمين والمشركين بعد الهجرة؛ ولأنها إحدى المقدمات الأساسية لغزوة بدر، ونص الرواية كما ورد في كتب السير "وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحداً وهم سبعة، ثامنهم: أميرهم عبد الله بن جحش رضى الله عنه، وكتب له كتاباً، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحداً، فلما سار بهم يومين فتح الكتاب فإذا فيه:{ إذا نظرت في كتابي فأمض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشاً، وتعلم لنا من أخبارهم}. فلما نظر في الكتاب قال: سمعاً وطاعة، وأخبر أصحابه بما في الكتاب وقال: قد نهاني أن أستكره أحداً منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف منهم أحد، وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه، حتى نزل نخلة، فمرت غير لقريش فيها عمرو بن الحضرمي، قال ابن هشام: واسم الحضرمي عبد الله بن عباد، وعثمان ابن عبد الله بن المغيرة المخزومي، وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريباً منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه فلما رأوه أمنوا، وقال عمار: لا بأس عليكم منهم، وتشاور الصحابة فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقالوا: والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرام، فليمتنعن به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرم، فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل ما قدروا عليه منهم، وأخذا ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش، وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر بعض أل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما غنمنا الخمس فعزله، وقسم الباقي بين أصحابه وذلك قبل أن ينزل الخمس، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام} فوقف العير والأسيرين، وأبي أن يأخذ من ذلك شيئاً، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود: تفائل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله عمرو: عمرت الحرب فجعل الله ذلك عليهم، لا لهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل ِوَلاَيَزَالُون َ يُقَاتِلُونَكُم ْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ} فلما نزل القرآن بهذا الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين وبعثت قريش في فداء عثمان، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم (( لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا)) يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان ((فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبكما)) فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم، فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافراً"([13]).
    يحلل "وات ألفاظ هذه الرواية فيقول: (والشيء الثاني حسب الروايات الأخرى: أن يرفع عبد الله بن جحش تقريراً لمحمد، وهذه إضافة لاحقة تحاول أن تجعل لكلمة "ترصدوا" بمعنى "راقبوا" بدلا من أن "ينصب كمينا" وهكذا ترفع المسؤولية عن محمد بسبب أي معركة دموية، ومما لا شك فيه: أن محمد أمر بالقيام بهذه المهمة مع علمه بأنها ربما تؤدي إلى سقوط القتلى من رجاله أو من رجال أعدائه، ثم تظاهر بأنه لا يريد ذلك) ([14]). إنه يتصرف في الألفاظ حسبما تملي عليه افتراضاته، فلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم "ترصدوا" ظاهر في معنى الترقب، فلماذا يصرف اللفظ عن ظاهره؟ وما الدليل على صرفه لمعنى آخر وهو "نصب الكمين"؟.
    لقد أناط الرسول صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن جحش في هذا الكتاب مهمة محددة، وهي "الترصيد لقريش" والترصد هو الترقب كما فسره أهل اللغة([15])، ثم فسرت هذه الكلمة الجملة التالية وهي "وتعلم لنا من أخبارهم" معنى الترصد، لكنه يفسرها على أنها إعداد كمين للهجوم على القافلة، وعندما وجد الجملة التالية لا تتواءم مع المعنى حكم عليها بأنها من إضافة المتأخرين، قصد بها إعطاء الترصد معنى الترقب، بدلاً من إعداد الكمين.
    نلحظ من ذلك أن "وات" يجمع بين أكثر من عيب من عيوب المنهجية العلمية، فهو يفسر الألفاظ بخلاف ظاهرها بمعاني تتفق مع نتائجه، والألفاظ التي تخالف نتائجه يصدر عليها حكماً بالنشوء والوضع دون دليل.
    إنه يريد بذلك الوصول إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد القتال في الشهر الحرام، ثم تظاهر بعدم إرادته ذلك.

    المطلب الرابع

    التعسف في فهم ألفاظ النصوص

    ومن ذلك: الرواية التي قرر من خلالها وجود انشقاق بين المسلمين وأن ذلك كان هو الدافع الحقيقي وراء هجرة المسلمين إلى الحبشة، وقد خرج بهذه النتيجة بناء على فهمه الخاطئ للرواية التالية التي استنتج منها أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انضم بعد إسلامه لجماعة أبي بكر؛ لأنه كان سيء الرأي في عثمان بن مظعون، وقد أعرب عن سوء ظنه عندما مات عثمان على فراشه ولم يستشهد في ساحة الجهاد، فكانت هذه الملاحظة من عمر- كما يزعم "وات" – تعبيرا عن عدائه للشخص الذي تزعم الحزب المعارض لحزب أبي بكر([16]).
    والنص الكامل للرواية يقول: (أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: لما توفي عثمان بن مظعون وفاة لم يقتل، هبط من نفسي هبطة ضخمة، فقلت: انظروا هذا الذي كان أشدنا تخلياً من الدنيا ثم مات ولم يقتل، فلم يزل عثمان بتلك المنزلة من نفسي، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ويك إن خيارنا يموتون، ثم توفي أبو بكر فقلت: ويك إن خيارنا يموتون، فرجع عثمان في نفسي إلى المنزلة التي كان بها قبل ذلك"([17]).
    الواضح تمام من هذا النص: أن عمر رضى الله عنه لم يكن سيء الرأي في عثمان بن مظعون فترة حياة عثمان، بل على العكس، فاللفظ "هبط من نفسي هبطة" يدل على أن له مكانة كبيرة في نفسه، ثم هبطت هذه المكانة؛ لأنه مات على فراشه دون أن يستشهد، لكن بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رجع عثمان رضى الله عنه إلى مكانته الرفيعة في نفس عمر رضي الله عنه، فالعبارة دالة واللفظ ظاهر فيما كان يتمتع به عثمان من مكانة في نفس عمر، لكن "وات" يلوي عنق النص، ويتعسف في فهم اللفظ، ويستنطق النص بما لم ينطق به حتى يستخلص من عداء عمر لعثمان بن مظعون، لأنه زعيم جماعة تعارض أبا بكر.
    المبحث الثاني

    رد الروايات والحكم عليها بالنشوء
    اعتمد "وات" رفض الكثير من الروايات عند عدم اتساقها مع مقدماته وفرضياته وبالتالي مناقضتها للنتائج والحقائق التي يريد التوصل إليها، عن طريق الحكم على المتأخرين بوضعها وإدخالها؛ لتتفق هذه الروايات مع مفاهيم وأفكار لاحقة، أو أنها اختلفت تبعاً لاعتبارات شخصية ونفسية.
    ونلحظ أن "وات" في كتابيه "محمد في مكة" و"محمد في المدينة" قد أكثر من الاعتماد على هذه المقولة للتخلص من أي عقبة تعترض آراءه وتحليلاته المبنية على خياله وتخمينه فقط. ولو كانت هذه العشوائية والتخبط في إطلاق الأحكام مشروعة للباحث دون قيود، لحق لكل باحث أن يفرض آراءه ونتائجه بنفس هذه المنهجية، وبالتالي لا تبقي لنا حقيقة تاريخية. وبسبر الروايات التي حكم عليها "وات" بالنشوء نجد أن حكمه يرجع لسببين، فإما أن المتأخرين أدخلوها:
    1- لتتفق الرواية مع مفاهيم لاحقة، وصور بعدية، ودلالات سامية.
    2- لتخدم الرواية أغراضاً واعتبارات شخصية ونفسية.

    المطلب الأول

    الحكم بنشوء الروايات من قبل المتأخرين، لتتفق مع مفاهيم
    وصور بعدية ودلالات سامية
    وفي هذا يقول: "يبدو ذلك صحيحاً وإن سجل فيما بعد ليتفق مع أفكار لاحقة"([18]).

    1- الاتهام بوضع الرواية لتحمل دلالة سامية عن الإسلام:

    ومن أمثلة ذلك:

    1- حكمه على الرواية في أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بغار حراء التي بلفظ "ما أنا بقارئ" بالنشوء، فيقول: (إن هذه الرواية هي من اختراع المتأخرين، وهم قد فعلوا ذلك_ على حد رأيه_ ليلتمسوا تأييداً للاعتقاد بأن محمداً كان لا يستطيع القراءة والكتابة باعتبار ذلك عنصراً مهماً من عناصر التدليل على طبيعة المعجزة القرآنية) ([19]) ويكرر هذا الادعاء في موضع آخر فيقول: (وهكذا نجد في قصة دعوة محمد أنه قال:"ما أقرأ ؟" وهذا يعني إما أنه لا يعرف القراءة أو "ماذا يقرأ ؟" وربما كان المعنى الأخير هو المعنى الأصلي، غير أن بعض الفقهاء المتأخرين ألحوا على عجز محمد عن القراءة كتأكيد لعقيدة إعجاز القرآن؛ ولذلك نجد روايات تبدلت فيها الكلمات ليعني قوله: "لا أستطيع القراءة" (ما أنا بقارئ)، وهكذا استغلت القصة لتأييد نظرة فقهية, كما استغلها فقها آخرون في اتجاه آخر بإحلال "ماذا" محل "ما" فيعني قوله عندئذ:" ماذا أقرأ")([20])
    مع العلم بأن البخاري قد أخرج هذه الرواية في صحيحه، فهو بذلك يخالف منهجه الذي رسمه باعتباره صحيح البخاري منهجاً معتمداً من الناحية الحديثية، بينما ينتقي من الروايات فيه ما يوافق نتائجه، ويحكم على الأخرى بالاختلاق دون دليل أو برهان علمي أو منطقي.
    ولنا أن نتساءل بأنه إذا كانت أسهل طريقة للتخلص من الروايات التي تناقض مقدماته وافتراضاته الحكم عليها بالنشوء والاختلاق، فكيف سيتعامل مع النص القرآني القاطع في هذا المجال: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ }([21])، وهو الذي التزم في مقدمته بالتسليم وقبول القرآن.
    إن كل هذه الافتراضان ما هي إلا إفراز لظنون جاهلية غير قادرة على تصور نزول وحي مستقل جديد من السماء، وأن هذا الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم موروثا من أصول مسيحية ونصرانية، ولكن كيف يستطيع إثبات هذه النتيجة التي تبناها هو وأمثاله من المستشرقين؟
    لا سبيل له إلى ذلك إلا بالإشارة إلى اتصال محمد صلى الله عليه وسلم بورقة بن نوفل، فيواصل افتراضاته لتقرير نتيجة تلك، فيقول: (يبدو أن ورقة من بين الذين اتصل بهم محمد لسبب معرفته بكتب المسيحية المقدسة... ومن الأفضل: الافتراض بأن محمدا كان قد عقد صلات مستمرة مع ورقة منذ وقت مبكر، وتعلم أشياء كثيرة، وقد تأثرت التعاليم الإسلامية اللاحقة كثيراً بأفكار ورقة، وهذا ما يعود بنا إلى طرح مشكلة العلاقة بين الوحي الذي نزل على محمد والوحي السابق له) ([22]).
    وذلك كله لا يتأتى مع كون الرسول صلى الله عليه وسلم أمياً، فلابد من التلاعب بالنصوص والروايات؛ ليثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم القراءة والكتابة، فيصل النتيجة التي يرمي إليها.
    وهذه النتيجة التي يريد التوصل إليها من خلال عرض عدة مقدمات وافتراضات بني بعضها على بعض، نفاها القرآن نفياً قاطعاً، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَم أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمهُ بَشَر لِسَان الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبِين}([23]).
    2- يميل "وات" إلى قبول رواية واحدة من الروايات الخاصة بأسبق الناس إسلاماً بعد خديجة رضى الله عنه، حيث يدور الخلاف على الروايات حول ثلاثة بالتحديد، وهم: أبو بكر، زيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب([24])، وهناك رأي توفيقي مؤداه أن أبا بكر رضى الله عنه كان أول من أسلم من الرجال الأحرار، وزيد بن حارثة من الموالي، وعلى من الصبيان([25]).وهذا الرأي لا يقطع بأن واحداً من هؤلاء الثلاثة كان أسبق إسلاماً.
    قبل "وات" الرواية المتعلقة بزيد بن حارثة وهو يبني وجهة نظره على أساس أن زيداً كان مولى محمد صلى الله عليه وسلم، وكان هناك ارتباط قوي بينهما([26]).إن موضع الاعتراض ليس في قبول "وات" رواية وترجيحها دون أخرى إذا كانت قائمة على وجهة نظر ومنطق سليم، وإنما الاعتراض هو ما يدعيه "وات" (من أن أبا بكر يحظى بمزيد من الاهتمام في المصادر؛ لأنه منذ هجرة الحبشة أصبح أهم شخصية بعد محمد، فكانت لتلك الأهمية انعكاساتها على الروايات المبكرة، أما زيد فإن مكانته المتواضعة جعلت إسلامه أقل أهمية من إسلام أبي بكر) ([27]). إنه يطلق اتهاماً صريحاً بأن المؤرخين وأصحاب المصادر يقلبون الحقائق ويزورونها تبعا للصور البعدية واللاحقة.
    من المعلوم ومما لا يختلف عليه: مكانة أبي بكر رضى الله عنه ومنزلته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وملازمته وصداقته له قبل بعثته، وقد سمي الصديق لسرعة تصديقه للرسول فيما يخبره، فما الغرابة في نسبة الروايات له السبق إلى الإسلام؟ وما الداعي لافتراض نسبة الروايات سبقه للإسلام لارتفاع مكانته لاحقا؟ وما المعيار الدقيق الذي وزن به "وات" مكانة أبي بكر من الرسول صلى الله عليه وسلم سابقاً ولاحقاً ؟ إن "وات" تجاهل المكانة العالية التي كان يحظى بها أبو بكر رضى الله عنه، والتضحيات التي قدمها للإسلام منذ فجر إسلامه، فهو الذي بذل ماله لعتق العبيد الذين كانت تعذبهم قريش، وهو الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله: أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر"([28]).
    كما شكك في نسبة الروايات أسبقية الإسلام لعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن وقاص، وطلحة بن عبيد الله، لأنه يشك في الرواية التي تقرر أن عمر رشح عند وفاته هؤلاء الخمسة ومعهم علي بن أبي طالب رضى الله عنه ليحسموا مسألة الخلافة من بعده، ويستبعد "وات" إمكان أن يأتي هؤلاء الخمسة أنفسهم مجتمعين إلى محمد في أوائل البعثة ليعلنوا قبولهم للإسلام([29]).
    إن النتيجة التي توصل لها "وات" من أن مصادرنا نسبت لهؤلاء الأسبقية بالإسلام لأهميتهم اللاحقة لا تستند إلى دليل عملي، ولا قرينة مقبولة تسمح له بالتضحية بحقائق تاريخية ثابتة ويضرب بها عرض الحائط. كما أن "وات" قد غفل عن حقيقة هامة، وهي أن مكانة الشخص اللاحقة لا تنبني من فراغ، إن المكانة الاجتماعية للشخص لا تتكون إلا بعد سلسلة من الإنجازات والأعمال والنجاحات التي تبلور هذه المكانة، وتكون أساساً متيناً لها، إن ترشيح عمر رضى الله عنه لهؤلاء الخمسة ومنحهم هذه المكانة والميزة قرار اتخذه عمر رضى الله عنه بناء على علم ومعرفة بإنجازاتهم وأعمالهم وتضحياتهم للإسلام والمسلمين، فسيرتهم السابقة المشرفة وسبقهم للإسلام، وبلاؤهم فيه بلاء حسنا: هو الذي جسد لهم تلك المكانة اللاحقة. ومن هذا قوله: (لم تحدث ردة- إذن- بل وقع عدم ولاء سياسي، أمام الوفود من جميع القبائل واعتناقها للإسلام فهذه اختراعات تقية؛ لتمجيد نجاح محمد، وربما للتقليل من شأن أبي بكر([30]).
    وخلاصة القول: إنه إذا كانت هناك روايات تشهد لأبي بكر بالسبق على الإسلام فإن هناك روايات أخرى تشهد لزيد بن حارثة رضى الله عنه أو لعلي رضى الله عنه بذلك، ولكل رواية وجهتها، فقد يكون نسبة السبق للإسلام لأبي بكر من الرجال، ولزيد من الموالي، ولعلي من الصبيان، ومن واجب الباحث المنصف: الجمع بين الروايات والموازنة بينها؛ للخروج بنتيجة تتوافق معها جميعاً، دون الحاجة لردها أو التشكيك فيها مع ثبوت صحتها.

    2- اختلاق الروايات لتحميلها معنى إيجابياً للشخص ولنفي التهمة عنه:
    يقرر "وات" هذا المفهوم في أكثر من موضع، فيقول: (ومن البديهي: أن المصادر طالما أنها تتعلق بحوادث فردية تمجد فضائل شخص إذا كانت تميل إليه، وتخفي معايبه([31]).
    ومن ذلك: رده للرواية التي تشهد أن العباس بن عبد المطلب شهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية في العام 13ه، وادعاؤه أن العباسيين اختلقوا هذه الرواية تمجيداً للعباس وإبراء له من تهمة التخلي عن ابن أخيه، والرواية كما ذكرها الطبري، فيما يرويه بسنده عن كعب بن مالك: "اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلاَ، ومعنا امرأتان من نسائهم، نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بني النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع، قال فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا انه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول متكلم فقال: يا معشر الخزرج، قال:- وكانت العرب مما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج أو سها وخزرجها- إن محمداً أمناً حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، قال: فقلنا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام، قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر....." ([32]).
    يقول "وات": (لعل الحادثة التي تتصل بالعباس غير مقبولة بحذافيرها باعتبار أنها اختراع متأخر قصد به إخفاء المعاملة غير الكريمة التي لقيها محمد صلى الله عليه وسلم من بني هاشم في هذه الفترة). ويقول: (إن إقرار هذه الرواية بأن العباس كان مشركاً في ذلك الوقت لا يمكن أن يعد دليلاً علة صدقها، وعلى أنها ليست من اختراع جهاز الدعاية العباسية). ويقول: (ولما كان العباس جد العباسيين، فقد دأب الدعاة والمؤرخون العباسيون بتبييض صفحته، والقول بأن إقامته الطويلة في مكة إنما كانت بصفته جاسوساً سرياً لمحمد) ([33]).
    ثم ينهي تحليله بقوله: (إن أكثر الافتراضات إقناعاً أن زيارة العباس للعقبة كانت محض اختلاق، قام به دعاة العباسيين) ([34]). والسؤال الذي نوجهه إلى "وات" هو: ما وجه الاستحالة في أن يدعم العم ابن أخيه، ويشهد معه هذه البيعة حتى ولو كان على غير دينه؟ وماذا يقول في الأدلة التي تشهد بحماية عم الرسول صلى الله عليه وسلم أبي طالب له مع شركه وتأييده له حتى آخر لحظة في حياته؟ وكيف يتصرف مع حادثة حصار الشعب وهي المقاطعة التي فرضتها قريش على عشيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بني هاشم وبني عبد مناف وبني عبد المطلب لتضامنهم معه؟ فهل كل هذه الوقائع من اختراع المخترعين لاستحالة وقوعها؟ إن لازم حكمه ذلك إذا طبقه على جميع الأحداث والوقائع يقتضي ردها كلها فلا يبقى لنا من تاريخنا شيء. ويكرر تشكيكه في الروايات لهذا السبب كثيراً فيقول: (حفظت لنا عدة روايات تعطينا فكرة عن خلق محمد، وتتفق هذه الروايات عامة فهي بذلك قريبة من الحقيقة؛ وإن كان بعضها يعبر عن نزعة لرسم صورة محمد الرجل الكامل المثالي) ([35]).
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: العيوب المنهجية في سياق الروايات الحديثية عند المستشرق "مونتجمري وات" في كتابيه"محمد في مكة"،"محمد في المدينة"

    العيوب المنهجية في سياق الروايات الحديثية عند المستشرق "مونتجمري وات" في كتابيه"محمد في مكة"،"محمد في المدينة"



    د. نعمات محمد الجعفري[(*)(*)][(*)]

    المطلب الثاني

    الحكم بنشوء الروايات وتسجيلها من قبل المتأخرين
    لأغراض واعتبارات شخصية ونفسية

    كما أن "وات" يتهم المتأخرين بوضع الروايات؛ لتتوافق مع مفاهيم لاحقة ودلالات سامية، يصور لنا جوانباً سلبية في وضع الروايات فيتهم المتأخرين بتشويه سمعة بعض الأشخاص نتيجة مواقف عدائية.
    ومن ذلك: أولا:- اتهامه لمصادرنا بتعمد تشويه صورة خالد بن الوليد رضى الله عنه في عدد من المواضع بسبب كونه سبباً لفشل المسلمين في غزوة أحد. فيقول: (إن قصة غزوة خالد بن الوليد ضد بني جذيمة من كنانة ليست سوى تشنيع على خالد، ولا تعطينا تقريباً أي وقائع تاريخية) ([36]). ويقول: (ففي غزوة أحد نسبت المصادر إلى خالد بن الوليد أنه هو الذي استغل انشغال الرماة المسلمين بجمع الغنائم فهاجم وهو على رأس خليل المشركين، مؤخرة الجيش الإسلامي، فحرم المسلمين من النصر الذي كانوا على وشك إحرازه) ([37]).
    وفي موضع آخر يقول: (أما نسبة الهجوم على مؤخرة المسلمين إلى خالد فهي نتيجة عداوة المصادر نحوه؛ لأننا نسمع في مكان آخر أن الخيالة كانت تحت قيادة صفوان بن أمية) ([38]).

    إن النتيجة التي قررها منقوضة بأكثر من وجه:

    1- لقد أهمل "وات" برأيه هذا الأساس الشرعي الذي قام عليه الدين الإسلامي، وهو أن الإسلام يجب ما قبله، فقد قرر القرآن الكريم والسنة النبوية أن الإنسان لا يحاسب على أفعاله قبل الإسلام، فحياته تبدأ مع دخوله في الإسلام، وأكبر شاهد على ذلك أن من كان في جاهليته من أكثر الناس عداوة للإسلام أصبح من أعظم الناس مكانة فيه بعد إسلامه، كعمر بن الخطاب رضى الله عنه.
    2- كما أهمل "وات" الأدلة التي تعطي خالد بن الوليد مكانته المرموقة في الإسلام، فقد روي عن أنس رضى الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نعي زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم"([39]))،وعن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تؤذوا خالداّ؛ فإنه سيف من سيوف الله، صبه على الكفار"([40]) إنه يقطع الروايات ولا يقرؤها في سياقها التاريخي، بل يقرؤها منفصلة بعضها عن بعض، وبهذا يتبين لنا كيف جمع "وات" في كل قضية يطرحها أكثر من عيب منهجي في تحليله لها.
    3- أما العداء الذي يزعم به "وات" من المصادر التي قصدت الهجوم على خالد رضى الله عنه؛ لأنه تولى القيادة في غزوة مؤتة دون وجه حق، ونقول: لقد أجمعت المصادر أن الرسول صلى الله عليه وسلم عين للقيادة زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طال، وعبد الله بن رواحة، على الترتيب، ولكن ليس هناك قصة اختراع هجوم على خالد رضى الله عنه، لأن الذي تولى القيادة بعد هذه الثلاثة هو ثابت بن أقرم، ثم طلب من الناس أن يختاروا لعم قائداً فرفضوا، وطلبوا منه أن يختار هو، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد([41])، وهذا يعني أن المصادر تصور بوضوح أن تولي خالد رضى الله عنه لم يكن نتيجة سعي وراء القيادة، بل كان باختيار المسلمين، ثم إن مصادرنا تذكر براعة خالد رضى الله عنه في الانسحاب بجيشه دون خسائر ملحوظة، بل تذكر ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم عليه وتصويبه لفعله، عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "( أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وأن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له"([42]).
    ثم إنني أطرح سؤالاً على "وات" مفاده: أن الحكم بالتشويه الذي تبنته مصادرنا لخالد لابد من أنه طبع آثاره في أذهان أبناء الأمة، فما أثر تشويه المصادر لسمعة خالد بن الوليد على الأمة الإسلامية ؟؟ ولم لم يكلف نفسه مزيد من عناء لبحث هذه المسألة حتى يثق أن حكمه كان موفقاً؟؟ إن واقعنا التاريخي الماضي والحاضر والقادم يشهد بأن صدى سمعة خالد بن الوليد وصورته بصمة مشرقة في ذهن أبناء الأمة الإسلامية رجالاً ونساءً وأطفالاً، صورة عنوانها الشجاعة والإقدام. فلا يكاد يذكر اسمه إلا ويقترن معه كل معاني التضحية في سبيل الله .
    4- إن "وات" يشهد الدور الذي خدم به خالد القرشيين في غزوة أحد فيقول: (ويستحيل علينا على ضوء اللوحة التي رسمناها أن لا نشك بأن نجاح المكيين كان نتيجة مهارة القيادة، وخالد بن الوليد هو أحد كبار القادة في كل زمان، ولا شك أن ساهم في مجلس الحرب قبل المعركة) ([43]) فما دام يعترف بالدور الكبير الذي قدمه خالد للقرشيين فما وجه الغرابة في تدوين المصادر التاريخية لهذا الدور كما حدث ؟ وما الداعي أن نتهم المصادر بقصد التشويه جراء تدوينها لهذا الدور الذي قدمه خالد؟ إن تسجيل المصادر للأحداث التاريخية والوقائع وما يتخللها من أخطاء وعثرات تفرضها طبيعة النفس البشرية التي هي مدعاة للوقوع في الزلل، لا يعني قصدها رصد هذه الهفوات لخلخلة صورة صاحبها، مثل تدوين المصادر قصة حاطب بن أبي بلتعة رضى الله عنه، وقصة ماعز الأسلمي رضى الله عنه، بل إن هذه المنهجية هي قمة الحيادية والموضوعية والدقة، وهذا ما تميز به منهج المحدثين عن غيرهم؛ فهم يدونون ما للراوي وما عليه، حتى لو كان من أقرب المقربين له، فهناك المجرحون لأبنائهم وآبائهم، بل إن الراوي قد يروي حديثاً يتضمن خطاَ له وعتاباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل حديث الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك "فقد روى البخاري من طريق أنه قال: أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن تبوك، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ حتى كملت خمسون ليلة، وآذن النبي صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر"([44]) إن هذا لا يتصور إلا ممن بلغوا أعلى درجات النزاهة والموضوعية.
    ثانيا:- وأيضاً تشكيكه في حقيقة الاضطهاد التي تعرض له المسلمون الأوائل في مكة أساس أن الرواية التي نقلت لنا هذا الاضطهاد كان وراءها دافع قبلي لأن راويها "عروة بن الزبير" ينتمي إلى بطن من قريش معاد لبني أمية الذين نسب إليهم الدور الأكبر في هذا الاضطهاد بهدف تشويه سمعتهم([45]).
    إن مصادر السنة دوت ذلك عن غير طريق عروة، فروى ذلك البخاري عن خباب بن الأرت قال: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو متوسد بردة في ظل الكعبة – قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"([46]).وتجاهل الآيات القرآنية التي وثقت هذا الاضطهاد ووعدت المضطهدين بالأجر العظيم، قال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}([47]) وقد نص على ذلك في مقدمة كتابه "محمد في مكة" حين استعرض أهمية المصادر التاريخية والحديثية التي رجع إليها، فيقول عن تاريخ الطبري: (ومن بين مصادره العامة يملك الطبري مصدراً مباشراً هو عروة بن الزبير مات 94ه الذي خلف لنا مواد مكتوبة لم تحفظ في مكان آخر) ([48]).
    يبدو أن إصدار الأحكام بشكل اعتباطي أمر مألوف في بحثه، فكثيراً لا نجد لحكمه أي دليل معتمد، اللهم إلا تخميناً يتحول في عرفه دليلاً عن بداية استعمال السند بكتابات عروة، والتي لا تصلح أن تتخذ كدليل في هذا الميدان علة خلو الأحاديث من الأسانيد، وذلك لأن الاقتباسات من كتابات عروة لم ترد في تاريخ الطبري فقط، بل وردت في كتب عديدة أقدم من الطبري مثل مسند أحمد([49]).
    ثالثا:- ويمضي قدماً في تأصيل هذه النظرية بما لا يتسع المقام لاستعراض جميعها والرد عليه فيقول: (وتتحدث المصادر أن سعد بن أبي وقاص أول من حارب في الإسلام أكثر من حديثها عن واقد بن عبد الله حين قتل عمرو بن الحضرمي، وكان أول من قتل رجلاً في سبيل الإسلام، وسبب هذا الفرق هو أن واقداً قد مات في بداية خلافة عمر، ولم يترك له ذرية، بينما عاش سعد بعد ذلك أربعين سنة، وأصبح أحد رجال الدولة المرموقين، كما خلف خلفاً كثيراً من أخبار المعارك على لسانه أو لسان أحد من أفراد عائلته، وتحتوي على كثير من عد الاتفاق.) ([50]).

    المبحث الثالث


    موقفه من الأسانيد


    ادعى "وات" أن السند بدأ بشكل غير كامل، واستدل بما جاء في كتاب ابن إسحاق في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وبالواقدي ... وأن كاتبه ابن سعد وهو أصغر منه بحوالي عشرين عاماً, يحاول ذكر سلسلة الرواة كاملة.. والذي ألح عليه الإتيان بسلسة الرواة كاملة هو الشافعي الذي كان معاصرا للواقدي، حتى إذا عم ذكر السند الكامل اندفع المحدثون إلى العودة بالسند إلى معاصري محمد. حتى أنهم حين أضافوا إلى الرواة فإن إضافتهم كانت صحيحا؛ لأنهم عرفوا من أين استقى سابقوهم معلوماتهم وهذا يعني - فقط - أننا لا نستطيع وصل الحلقات الأولى من السلسلة. كما هو الشأن في الحلقات المتأخرة، وهذا ملخص قوله حيث قال: (ولقد قام نقد الأحاديث الإسلامية على يد العلماء الأوربيين ولاسيما جولد تسيهر في كتاب "دراسات محمدية" ويوسف شخت في كتابه "أصول التشريع المحمدي" على نقد الأحاديث الشرعية الموجودة في كتب البخاري ومسلم وغيرهما أكثر مما قام على نقد الأحاديث التاريخية. حيث يظهر الوضع والاصطناع. ولهذا ليس من الغريب أن تظهر نظريات خاصة حول الأحاديث وإذا نظر المرء مع ذلك إلى القسم المتفق عليه أو القسم التاريخي الصرف من المواد التاريخية في الحديث. يبدو له وجود نواة صلبة من الواقع، ويمكن تصور عملية تقل الحديث كما يلي: أخذت فئة قليلة من الأشخاص منذ نهاية القرن الإسلامي بجمع كل الأخبار التي تستطيع جمعها عن حياة محمد ومغازيه، ثم كتب بعضهم ما جمعوه.
    ومهما بدا أن هؤلاء الجامعين الأوائل للأخبار قد فحصوا مصادرهم بعناية، فإنهم لم يذكروا في جميع الحالات الإسناد الكامل أو سلسلة الرواة التي تعود بنا القهقرى إلى شاهد العيان للحوادث، ثُم أصبح الإسناد الكامل شيئا فشيئا ضروريا ويذكر ابن إسحاق الذي ألف كتابه في النصف الأول من القرن الثاني عادة رواته ولكن لا يذكر السلسلة كاملة، وهو لم يردد أقوال الرواة حرفياً، ويشبهه في طريقته الواقدي الذي جاء بعده بنصف قرن، غير أن كاتبه ابن سعد وهو أصغر منه بحوالي عشرين سنة يحاول أيضاً أن يذكر سلسلة الرواة كاملة، ويجب أن نربط الإلحاح على سلسلة الرواة الكاملة بتعليم الشافعي الذي كان معاصراً للواقدي، حتى إذا ما عم ذكر الإسناد الكامل اندفع المحدثون إلى العودة بالإسناد حتى معاصري محمد، حتى أنهم حين أضافوا إلى الرواة فإن إضافتهم كانت صحيحة؛ لأنهم عرفوا من أين استقى سابقوهم معلوماتهم، وهذا يعني - فقط- أننا لا نستطيع وصل الحلقات الأولى من السلسلة كما هو الشأن في الحلقات المتأخرة) ([51]).
    ويقول في موضع آخر: (وندقق هنا في الأحاديث المتعلقة بالفترة المكية من حيث المتن أو محتوى الحديث، ولن نهتم كثيراً بالإسناد أو سلسلة الرواة، وتساعدنا دراسة الإسناد في الفترة المدنية إلى تأكيد صحة الحديث وقيمته وتقدير نزعته، ولا يبدو أن دراسة الإسناد تؤدي بنا في حالة الحوادث السابقة للهجرة إلى نتائج قيمة، والمصدر الوحيد الذي يستحق الدراسة هو عروة بن الزبير، وقد درسنا نزعاته في الملحق([52]). وخلاصة القول في السند: هي أن السند كان موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من عدم السؤال عنه عدم وجوده، وقد بدأ السؤال عن السند في عهد الصحابة، وازداد البحث والتحري عنه بعد مقتل عثمان؛ لما رافقه من اختلاف وانقسام إلى فرق وأحزاب، ومحاولة كل فرقة التمسك بما يؤيد موقفها من نصوص إزاء الأحداث، فكان ذلك مما استوجب زيادة الحيطة والحذر والتثبت في قبول الروايات، ومن ثم أصبح السؤال عن السند وإلزام الرواة به أمراً ضرورياً وواجباً ديناً، نظراً لطبيعة المرحلة التي مهدت السبيل أمام ذوي الأهواء والميول الخاصة للدس والافتراء في الحديث، ثم صار الالتزام بالسند أمراً شائعاً وسنة متبعة لدى رجال الحديث، ومع وضوح بداية السند وشيوع التزامه، والتمسك به في هذا الوقت المبكر من تاريخ الحديث فإن المستشرقين قد حاولوا أن يثيرواً الشكوك حول بدايته، وذلك لإضعاف الثقة به، ومن ثم إضعاف الثقة بالحديث النبوي الشريف. فقالوا فيه أقوالا استندوا فيها إلى بعض الأوهام أو التقول التي ظنوا أنها تؤيدهم فيما ذهبوا إليه([53]).
    المبحث الرابع


    تبنى الضعيف والشاذ والمكذوب من الروايات


    في حين يرد "وات" الروايات الصحيحة الثابتة ويحكم عليها بالوضع لأدنى شك عنده فيها. في المقابل يحكم على الروايات الشاذة بالثبوت دون دليل أو حتى تفسير منطقي أو مسوغ عقلي لهذا القبول. بل الأدهى والأمر أنه يستبعد عن الروايات الشاذة الحكم الذي أطلقه على كثير من الروايات. وهو الاختراع والوضع- دون ذكر لأي قرينة تدل علي هذا التفريق فيقول حول قصة الغرانيق والآيات الشيطانية المكذوبة (وإذا قارنا مختلف الروايات، وحاولنا أن نميز بين الوقائع الخارجية التي تتفق معها والدوافع التي يستخدمها المؤرخ لتفسير الوقائع، نلاحظ واقعتين نستطيع أن نعتبرهما أكيدتين.
    أولا رتل: محمد في وقت من الأوقات الآيات التي أوحى بها الشيطان على أنها جزء من القران؛ لأنه لا يمكن أن تكون القصة قد اخترعها مسلمون فيما بعد أو دسها غير المسلمين، ثم أعلن محمد فيما بعد أن هذه الآيات لا يجب أن تعتبر جزءا من القرآن. ويجب استبدالها بآيات تختلف عنها كثيرا في مضمونها). ويدلل على صحة هذه الرواية بإنكار مسلمات متفق عليها فيقول: (والحقيقة هي أن توحيده غامض في الأصل، كما كان توحيد معاصريه المثقفين غامضا، ولم ير بعد أن قبول منه المخلوقات الإلهية يتعارض مع هذا التوحيد..) ([54]).
    نقول: لما علم الطاعنون في ألوهية مصدر القران الكريم استحالة كونه من تعليم بشر،. توسلوا مصدرا غير بشري. لعلهم يجدون فيه ضالتهم ... فتفتقت عبقريتهم عن مصدر مغاير تماما.. لجئوا إلى الجن لعلهم يجدون فيهم المصدر المنشود للوحي.
    فشكلت خرافة الغرانيق أو الآيات الشيطانية العمود الفقري لهذه الشبهة، وهي تستند أساسا على خرافة أن سيدنا محمداً كان يصلي عند الكعبة جهراً !! ويقرأ سورة النجم، فألقي الشيطان على لسانه آيات يمدح بها آلهة المشركين، فوصفها بأنها ذات شفاعة مرجوة، فقال: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجي". فسجد الرسول وسجد المشركون([55]).
    إن هذه الرواية باطلة موضوعة. واحتج علماؤنا على ذلك بالقرآن والسنة والمعقول والتاريخ.
    لا يتسع المقام لعرض أدلتهم. ونتساءل: أليس من المعلوم بالضرورة: أن أعظم سعي الرسول كان في نفي عبادة الأوثان وشفاعتها؟ وأن معاداة المشركين للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة، دون أن يقفوا على حقيقة الأمر، فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجداً! مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم؟ ثم ليس من المعقول أن يعترف النبي صلى الله عليه وسلم بشفاعة الغرانيق وهو يدعو إلى عبادة الله تعالى ويحارب الأصنام, والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الشياطين بداهة، بل الاعتراف بشفاعة الأصنام كفر مخرج من الملة.
    ومن أمثلة احتجاجه بالروايات الموضوعة وأقواله الشاذة أيضا: قال: (تفسر لنا عدة روايات هذه التشريعات، فقد بقي بعض المدعوين أثناء حفلة زفاف زينب بنت جحش وقتا طويلاً، وكذلك لأمست أيدي بعض الرجال أيدي نساء محمد، وكانت نساء النبي يخرجن في الليل لقضاء حاجتهن فينهاهن بعض المنافقين، وكان ذلك مقصودا، غير أن المنافقين يعتذرون بأنهم حسبوا نساء النبي جواري) ([56]). ويقول: (ونلاحظ – مرة أخرى في الإجراءات المتخذة لجعل نساء محمد فوق سائر النساء، ونجد هذه الفكرة في "آية التخبير" وربما كان سبب هذه الآية: غني محمد السريع الذي أثار الجسد عند زوجاته، فكانت لا تكف عن تعذيبه بطلب الألبسة ووسائل الرفاهية، وقد أحست زينب بنت جحش بالغيرة حينما خيل إليها أن عائشة أعطتها أقل من نصيبها. كما غارت عائشة وحفصة من مارية القبطية) ([57]).
    ولا أدري هل هذه رواية موضوعة تبناها "وات" واستند بها في تقرير نتائجه على أنها أكيدة وموثوقة ؟ أم هي حلقة من سلسلة خيالاته وأوهامه ؟؟
    (ويقال: بأن عائشة وثماني زوجات أخر اخترن الله ورسوله وربما انفصل محمد بهذه المناسبة عن بعض نسائه اللواتي يذكرن في المصادر "زوجات محمد المطلقات" ويقال بأن زوجته من بني عامر اختارت التسريح ولا تعرف شخصيتها الحقيقية([58]).
    (وقد ذهب محمد إلى بيت زيد للتحدث إليه، وكـان زيد غائبا فشاهد زينب وهى عارية فأحبها - كما يقولون - لتوه، فمضى وهو يقول لنفسه: «سبحان الله مقلب القلوب» !.
    أخبرت زينب زيداً بزيارة محمد ورفضه الدخول وما قاله، فتوجه زيد رأساً إلى محمد وعرض عليه أن يطلق زينب، فقال له محمد: بان يحفظ امـرأته، لكن الحياة أصبحت فيما بعد مع زينب لا تطاق، فطلقها زيد، وبعد مرور العدة تم زواجها من محمد، وقد نزل الوحي بتبرير هذا الزواج) ([59]).
    (ونعلم من بعض الوثائق أن محمداً بالإضافة إلى زيجاته الشرعية، واتصاله بالجواري، كانت له علاقة مع نساء أخريات، وذلك حسب النظام الأمي القديم) ([60]).
    هذه روايات مختلقة، افتعلها أعداء الدين اﻹسلامي، كذبوا فيها على نبينا العظيم بغية الحط من قدسيته ومكانته السامية، لكن العلماء أثبتوا بان تلك المنقولات ليست إلا أكاذيب واضحة، وأخباراً مدسوسة، لا أساس لها من الصحة، فزينب بنت جحش هي إحدى زوجات النبي، وقد تزوج بها الرسول في السنة 5 ﻫـ، وهى بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي، وكانت زوجة لزيد بن حارثة قبل أن تصبح زوجة لرسول الله، أما زيد بن حارثة: فكان يدعى قبل اﻹسلام بزيد بن محمد، لكنه لم يكن من أولاد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كان غلاماً اشترته خديجة بعد زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أهدته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاعتقه الرسول في سبيل الله، ثم تبنّاه النبي تبنياً اعتباريا على عادة العرب لرفع مكانته الاجتماعية بعد ما عامله والده وقومه بالهجران والطرد، وهكذا فقد منحه الرسول احتراماً كبيراً وشرفاً عظيماً، وعندما أحس النبي بحاجة زيد إلى الزواج أمره بخطبة بنت عمته زينب بنت جحش، لكن زينب رفضت ذلك تبعا للتقاليد السائدة في تلك الأيام، ولاستنكاف الحرة من الزواج من العبد المعتق، خاصة وإن زينب كانت من عائلة ذات حسب وشأن، فنزلت الآية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾([61]) فأخبرت زينب النبي صلى الله عليه وسلم بقبولها بهذا الزواج؛ نزولاً عند رغبة الرسول، وخضوعاً لحكم الله تعالى. وهنا نقول لهؤلاء المضللين: كيف يطمع الرسول في زينب وهو الذي اقترح واختار زواجها لزيد أساساً؟ بعد ذلك تأثرت العلاقة الزوجية بين الزوجين، وآل أمرهما إلى الطلاق والانفصال رغم المحاولات الحثيثة التي قام بها النبي لمنع وقوع الطلاق. وبعد أن مضى على طلاق زينب فترة، قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ابنة عمته زينب؛ تعويضاً لتضررها بالطلاق، وهي التي رضيت بالزواج من زيد بأمر من الله ورسوله، فأراد الرسول أن يكرمها، وليكسر العادات والتقاليد الخاطئة التي تمنع الزواج من زوجة الابن من التبنّي، وإلى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم حيث يقول: (وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) ([62]).
    قال ابن كثير: ذكر ابن أبي حاتم والطبري ها هنا آثاراً عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنها صفحاً، لعدم صحتها فلا نوردها، فهذه كلها آثار لم تثبت صحتها.
    وأخيراً نقول: أي ضرورة هذه التي تدعو سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، أن يدرج هذه الآية في القرآن، فيقرؤها الناس كلهم، وهي تحمل عتاب شديد له صلى الله عليه وسلم، وكشف عما يخفيه في نفسه من معرفة أنه سيتزوج زينب بعد تطليق زيد لها، ثم هي بيان لما يخشاه من كلام قومه، وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت، ولا كان النساء يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم([63]).


    الفصل الثاني


    خلاصة منهج « وات » في كتابيه

    مع أن وات كانت له إضاءات إيجابية نستلها من بين ثنايا كتابيه، ومنهجاً فريداً تميز به عن أقرانه في قراءة بعض أحداث السيرة، إلا أن هذا لا ينهض بكتابه إلى مستوى الصدق والموضوعية التي هي من أبرز واهم صفات الباحث العلمي، وهي مقياس نجاح بحثه من فشله، فجمع وات في تحليلاته بين المغالطات الجريئة والأساليب الملتوية الخادعة قد تنطوي على بعضهم ممن قد يجهل مدى تضليل هؤلاء المستشرقين وخطورة كتاباتهم. ولذا فإنني من باب الإنصاف العلمي، وبيان ما للكاتب وما عليه سأعرض لبعض النواحي الإيجابية المضيئة في كتابه، والعيوب المنهجية التي اتسم بها كتابيه من أولهما إلى آخرهما.
    المبحث الأول


    إضاءات على الجوانب الإيجابية في كتابات « وات »

    لقد اشتملت الناحية التنظيرية لكتابات «وات» جوانب إيجابية مثمرة في البحث العلمي، لكننا بعد فحص غير دقيق وكامل لكتبه نجده خالف منهجه الذي رسمه وأقواله الإيجابية التي نظّرها، ومن باب الإنصاف نسلط بعض الضوء على هذه الجوانب التنظيرية التي جاءت الجوانب التطبيقية في كثير من الأحيان عارية منها.
    1- تقديمه في كتابه «محمد في مكة» بياناً بالمصادر([64]) التي استقى منها دراسته للسيرة النبوية، وهى مصادر متخصصة وأصلية وصحيحة، ومجرد اختياره هذه المصادر واعتماده عليها دون غيرها يعد أمراً إيجابياً ينطبع على مصداقية النتائج التي سيصل إليها في دراسته، لكنه فشل فشلاً ذريعاً في التعامل مع هذه المصادر ولم يحسن توظيفها.
    2- قيامه بتحليل موجز لهذه المصادر، وتقييم دورها بالنسبة للكاتب، وتمييز المصادر التي تحتوى على معلومات أساسية في صلب المادة المطروحة للبحث، والمصادر التي يستقى منها المادة الإضافية المتممة والمصادر الأكثر شمولاً وتأثيراً، فهو يعرض رؤية واضحة منه وتصوراً كاملاً لتلك المصادر، وهذا جانب في غاية الأهمية بأن يكون المؤلف مقيماً لمصادره، معينا مواطن خدمتها لبحثه واستفادته منها.
    3- رده على بعض افتراءات المستشرقين حول هذه المصادر ودحضها بحجة عقلية قوية، منها الإدعاء بان معطيات ابن سعد في الأنساب اختلاق محض([65]).
    4- انتقاده منهج المبالغة في الشك المنهجي دون دليل، فقال : (أما أوسع الدراسات فهي دراسة «كايتاني» في كتابه «حوليات الإسلام» وليس من الصعب تصحيح مبالغاته في الشك) ([66]). إن هذا هو الجانب النظري من منهجه ولكننا بعد استقراء منهجه التطبيقي في كتابه لاحظنا مبالغته في الشك غير منهجي دون دليل.
    5- إلمامه بأهم الدراسات الغربية حول السيرة النبوية، واستفادته من آرائهم مناقشاً ومحللاً لها ومنتقداً لها، أمثال : شاخت، جولد تسيهر، بل إن النقد الذي واجه به كتابات المستشرقين والاستدراكات التي استدركها عليهم لجديرة بالتنويه والذكر، ومن ذلك :
    -كشفه لمدى التعصب الديني الذي كون مسلمة راسخة في أذهان المستشرقين وهي الصورة المشوهة لشخصية الرسول، فانطلقت تحليلاتهم للأحداث والقضايا لخدمة هذه المسلمة، وفند الاتهامات والشبه التي أثاروها وحاول دحضها، والتي منها الانتقادات الثلاثة المتعلقة بالأخلاق: الخداع، الشهوانية، عدم الوفاء، بل ينص على أن من أهداف دراسته تكوين موقف واقعي من هذه الانتقادات التي كان موضوعها محمداً، وخلفتها القرون الوسطى ([67]).
    6- نصه على بعض العبارات التي يبدو لي أنها منبثقة من لحظات الصدق والموضوعية التي تميز بها «وات» فخالف بها أقرانه ومن هم على شاكلته، في النظرة إلى محمد صلى الله عليه وسلم والإسلام نظرة تقدير وإعجاب، فمع كون «وات» لم يرتد عباءة الإسلام فإنه قال كلمات حق، ما سطرها في كتبه وتراثه إلا لأنه وصل إلى قناعة بمستوى الرقي الشخصي والأخلاقي والحضاري الذي يتمتع به صلى الله علليه وسلم إلى حد لا يستطيع معه إلا أن يدلى بشهادته في ذلك، وهى كثيرة انتقيت منها قوله : (إن استعداد هذا الرجل لتحمل الاضطهاد من أجل معتقداته، والطبيعة الأخلاقية السامية لمن آمنوا به واتبعوه واعتبروه سيداً وقائداً لهم، إلى جانب عظمة إنجازاته المطلقة، كل ذلك يدل على العدالة والنزاهة المتأصلة في شخصه. فافتراض أن محمداً مدع افتراض يثير مشاكل أكثر ولا يحلها، بل إنه لا توجد شخصية من عظماء التاريخ الغربيين لم تنل التقدير اللائق بها مثل ما فعل بمحمد.) ([68]) وقال: (كان السبب الأول في نجاح محمّد صلى الله عليه وسلم جاذبية الإسلام، وقيمته كنظام ديني واجتماعي لسد حاجات العرب الدينية والاجتماعية.) ([69]) ،( لقد قام محمد في ميدان الزواج والعلاقات العائلية بتنظيم عميق واسع للبناء الاجتماعي .... وكان كثير من العادات القديمة فاحشاً حسب مبادئ أوروبا المسيحية ومبادئ الإسلام، ولهذا كان التنظيم الذي أراده محمد تقدماً أخلاقياً من هذه الناحية) ([70])(يعتبر القرآن قلاقل العصر نتيجة أسباب دينية بالرغم من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وانه لا يمكن تقويمها إلا باستخدام الوسائل الدينية، مثل كل شْيء. وإنه لمن الجرأة: الشك في حكمة القرآن، نظرا لنجاح محمد في تبليغ الرسالة التي أمره الله بتبليغها..) ([71])(يجب علينا – في رأيي، مهما كان موقفنا الديني – أن نعتبر رسالة القرآن انبثاقا خلاقا في الوضع المكي.
    ولا شك أنه كانت توجد مشاكل تتطلب الحلّ، وأزمات حاول البعض تخفيفها، ولكن كان يستحيل الانتقال من هذه المشاكل وتلك الأزمات إلى رسالة القرآن بواسطة التفكير المنطقي .. ولا شك أن رسالة القرآن تحل مشاكل اجتماعية وأخلاقية وفكرية، ولكن لا تحلّها جميعا دفعة واحدة وليس بصورة بديهية. ولربما قال مؤرخ دنيوي: أن محمدا وقع صدفة على أفكار كانت بمثابة المفتاح لحل المشاكل الأساسية في زمان ليس هذا ممكنا. ولا يمكن للمحاولات التجريبية ولا للفكر النافذ أن يفند لنا كما يجب رسالة القرآن) ([72])(إن النقص الفعلي في الرق في شبه الجزيرة العربية بفضل رسالة محمد، الفكرة الكامنة في القرآن وفى تعاليم النبي وهى أخوة جميع المسلمين) ([73]).
    7- الطرح العلمي لبعض القضايا من خلال رؤية سديدة، وتحليل منطقي، وتفكير إيجابي يتسم بالجدة والأصالة، يبدو لي انه لم يسبقه أحد من الباحثين والمؤرخين في مثل هذا الطرح، مثل تحليله لنتيجة غزوة أحد، فيقول: (ولقد اعتقد بعض العلماء الغربيين في بعض الأحيان أن المصادر تحاول أن تخفى عظم الكارثة في أحد، ويدل البحث مع ذلك على العكس، وان المسلمين يصورون بألوان قاتمة أكثر مما يجب، وربما كان ذلك انعكاساً لحقد الأنصار .... وإذا لم تكن معركة احد هزيمة تامة للمسلمين، فإنها لم تكن انتصاراً للمكيين ؛ إذ كان الهدف الاستراتيجي للمكيين القضاء على الأمة الإسلامية لا أكثر ولا اقل، ولم يحققوا هذا الهدف ...) ([74]).
    المبحث الثاني


    العيوب المنهجية العلمية في كتابات « وات »

    اشتملت كتابات «وات» على كثير من العيوب المنهجية التي قد لا تكون بارزة كما هي في كتابات رفاقه من المستشرقين، بل إنني وجدت أنه يجمع في تحليله للقضية الواحدة أكثر من عيب منهجي، ولقد اجتهدت في إبراز هذه العيوب من خلال إيراد أمثلة لم تمر معنا في المباحث السابقة، وأمثلة مرت بنا سابقاً، سقتها للاستشهاد بها على عيوبه المنهجية، وهى :
    المبالغة في التشكيك غير المنهجي.
    التناقض المنهجي.
    المنهج الإسقاطى.
    التعميم الفاسد.
    إهمال الأدلة المضادة.
    الانتقائية في المصادر.
    المطلب الأول

    المبالغة: التشكيك غير منهجي
    إن «وات» يخلط بين الارتياب والرفض، ونراه كثيراً ما يترك القضايا التي تسندها الشواهد والأدلة العلمية والتاريخية ويرفضها ويستبدل بها مزاعم وفروضاً ليس لها مسوغات علمية إلا لأنها تساير تحيزه تجاه قضية ما، وهذا ضد ما اشترطه المتخصصون في البحث العلمي من أن الفروض إذا لم تخضع للاختبار لإثبات صحتها فلا قيمة لها. ومن ذلك: تشكيكه في مسلمات تاريخية دون أدلة بينة وأسس منطقية، كتشكيكه فيما اتفقت عليه مصادرنا من أن هجرة الحبشة كانت بدافع البحث عن مكان آمن لا يتعرض المسلمون فيه للأذى والفتنة بسبب عقيدتهم، ورأى أن السبب الأهم وجود انقسامات حادة في الرأي داخل الجماعة الإسلامية([75]).
    إننا لا نمنع الباحث من أن تكون له نظرة مختلفة أو تصور جديد تجاه الأحداث والقضايا يخالف بها رأى غيره، ولكن لابد أن يسلح هذه النظرة بالدليل الساطع والحجة الدامغة، أما «وات» فلم يكن لديه الحجج التي تنهض للتشكيك في الروايات، ولو سمح كل باحث لنفسه استخدام أسلوب التشكيك غير المبنى على دليل لغابت عنا كل الحقائق التاريخية. وقد أكثر «وات» من المبالغة في منهجية التشكيك حتى أن القارئ غير المتفحص ليستهجن ذلك ولا يستسيغه، في حين نجده ينتقد هذا المنهج عند غيره، فقال:
    (أما أوسع الدراسات: فهي دراسة كاتياني في كتابه «حوليات الإسلام» وليس من الصعب تصحيح مبالغته في الشك) ([76]) ومن أقواله التي تدل على مبالغته في الشك غير المنهجي: يقول: (ولربما تذكرت سليم هذه العلاقة، فلم تستمر طويلاً في الحرب ضد هوازن في معركة حنين، إذا كانت الرواية الصحيحة) ([77]).
    (ويذكر ابن إسحاق في روايته خبر معاهدة مع قريظة، ولكنه لا يتحدث عن سائر اليهود، ولا شيْ يحملنا على الاعتقاد بأنها وثيقة حقيقية) ([78]). (تظاهر محمد بالصبر بعض الوقت، ثم غير موقفه فجأة إذا صدقنا رواية ليست في المصادر القديمة: بينما كان محمد يصلى ذات يوم في المكان المعين في حي بني سلمة نزل عليه الوحي يأمره بأن يتوجه نحو الكعبة، فتوجه نحو الكعبة وفعل مثله الحاضرون، وأصبح هذا المكان موضع القبلتين) ([79]). (ويمكن الشك في قصة الواقدي التي تقول بان مسيلمة كان معروفاً باسم الرحمن قبل الهجرة، لأنها تناقض روايات أخرى) ([80]). (وتقول رواية يمكن قبولها: إن المقطع التالي المأخوذ من القرآن يتعلق بهذه الحوادث: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾([81]). ولا نعلم أساسا علمياً أو منطقياً، أو منهجاً مطرداً لشكه، ورده لرواية وقبوله لأخرى.

    المطلب الثاني

    التناقض المنهجي

    إن من يقرا كتابات «وات» يجد مدى التناقض الذي وقع فيه بين ما يقرره كمنهج له، وبين تطبيقه لذلك المنهج، ومن تناقضاته:
    1 – قوله:( ولا يؤثر – مع ذلك – وجود هذه النزعات في رواية الحوادث المنفصلة على المجموع) ([82])، إنه يتناقض في رسم منهجه، فبينما يقول ذلك نجده يرد كل الروايات التي حكم عليها بالنشوء والوضع تبعاً للنـزعات الشخصية.
    2 – في حين يعلن تسليمه للقرآن بقوله: (وهكذا بصدد معرفة ما إذا كان القرآن كلام الله أو ليس كلامه، امتنعت عن استعمال تعبير مثل «قال تعالى» أو «قال محمد» في كل مرة استشهد فيها بالقرآن، أقول «يقول القرآن» وليس هذا يعني أنني أرى من الضروري اتخاذ وجهة نظر مادية لضمان حياة المؤرخ بل أنا على العكس اعبر كمؤمن موحد صريح) ([83])، يتهم القرآن في موضع آخر بالتحيز فيقول: (فقد جرت العادة بعض الوقت بالقول: بان القرآن هو المصدر الرئيس لفهم الفترة المكية، ولا شك أن القرآن معاصر لتلك الفترة، ولكنه متحيز) ([84])، بل الأدهى من ذلك: أن يصف آيات القرآن بالتأليف وليس بالتنـزيل بقوله: (ونجد من ناحية أخرى أن الآيات المتعلقة بتغيير القبلة تختلف في تأليفها، وأنها نزلت في أوقات مختلفة) ([85]).
    3 – في حين يقرر أهم أصول المنهج المستقيم في البحث العلمي فيشير إلى اعتماد الأحاديث الأولى كمصادر تتمم المعطيات القرآنية في المساهمة لفهم تاريخ الفترة المكية، بقوله: (وأفضل طريقة هي: اعتبار القرآن والأحاديث الأولى كمصـادر يتمم بعضها الآخر في مساهمته لفهم تاريخ الفترة المشار إليها إذا أردنا تكوين لوحة متناسقة وإدراك الجانب الفكري) ([86]). إلا أن الرجل ما يلبث بعد قليل أن ينقض هذه المقولة بالتشكيك في حجية الأحاديث([87])، فيقول : (إنني – عملياً – أقل تعلقاً بالحديث من أولئك الذين هم أكثر منى شكاً فيه) ([88]) كما أننا نجد الناحية التطبيقية في كتاباته – كما مر بنا – من إهمال للأدلة وتجاهل لبعض المصادر وعزل الروايات وعدم قراءتها في نص واحد – مغايرة تماماً لقوله هذا.
    4 – في حين ينص على وجوب عدم رفض الروايات إلا بوجود تناقض داخلي بها، حيث يقول: (ولما كنت أبحث في خلفية حياة محمد وفترته الكية، فقد تقدمت في الفكرة القائلة: بان الأحاديث يجب أن تقبل عامة، وأن تؤخذ بحذر، وأن تصحح بقدر الإمكان في المسائل التي نشك فيها بوجود تلفيق مغرض، ولكن لا يجب أن ترفض رفضاً باتاً إلا حين يقع تناقض داخلي بينها) ([89]) نجده في المقابل يرد الروايات التي لا يوجد بينها تناقض، بل بالإمكان الجمع بينها وقراءتها في سياق واحد([90]).
    5 – يسوق الكلام على أن منهجه تصديق كل ما جاء به القرآن فيقول: (ذلك موجز المعركة التي وقعت فيها عدة أحداث يذكرها ابن إسحاق والواقدي، وتنسب نهاية المعركة المؤسفة إلى عصيان الرماة، وهذا الموجز هو الرواية الرسمية الإسلامية للمعركة كما يؤكده القرآن، وإن لم يذكر اسم الرماة: ﴿ فَتَرَى ٱلَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يأتي بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا في أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ ﴾([91])، فإذا كانت تلك هي الرواية الرسمية فإنها جديرة بالتصديق) ([92])، بينما نجده يهمل الأدلة القرآنية التي تنقض رأيه ونتائجه في مواضع كثيرة، ويعرض عن تحكيمها في مواطن الاحتجاج([93])، بل في أكثر من موضع يعرج بقوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلقى معلوماته من أشخاص، فيقول: (وإذا افترضنا أن محمداً كان يتلقى معلوماته من شخص من الأشخاص، فإن ذلك يؤدى بنا إلى ازدياد التشابه مع قصص العهد القديم) ([94])، (ولا يستطيع الناقد الغربي أن يقاوم الرغبة في الاستنتاج بان معرفة هذه القصص تتزايد باستمرار، وأن شخصاً يخبره بها، أو أشخاص على علم بها) ([95]).
    وفي حين يعترف بان الرواية الرسمية جديرة بالتصديق يطالب بتغييرها لأجل اللوحة التي رسمها في خياله، فيقول: (نستطيع القول: إذن إن الرواية الرسمية الإسلامية في المدينة يجب أن تغير اعتماداً على هذه الأسس) ([96]).
    6 – يجمع بين الروايات ويوفق بينها إذا لم يكن في إحداهما مناقضة لنتائجه وافتراضـاته، ومن ذلك قوله: (لا نعرف على التحقيق ما حدث، غير أن عيينة فاوض محمداً، وتقول إحدى الروايات: إن رجال غطفان انسحبوا؛ لأنهم علمـوا أن المسلمين يهاجمون عائلاتهم في مؤخرتهم، وكانت تلك –بدون شك إشاعة – نشرها محمد، وتقول رواية أخرى انه قدّم لهم كمية مساوية أو أكبر من التمر....، وتقول رواية أخرى أيضا: إن عيينة أقطعه محمد جزءاً من خيبر يسمى ذا الرقيبة..، وليست الروايات الثلاث مستحيلة التوفيق بينها إذ يمكن أن يكون محمد قد رفض الاستمرار في عرضه التمور؛ لأن عيينة انسحب – أو ادعى محمد أنه انسحب – لمواجهة هجوم منتظر على العائلات في المؤخرة، وأنه وهبه قطعة من الأرض؛ تعويضاً عن ذلك) ([97])، في حين يشكك ويرد الروايات التي تناقض نتائجه، ولا يكلف نفسه أدنى جهد بمحاولة الجمع بينها.
    7- في حين يقول "وات": (لدينا لهذا البحث – عدا روايات ابن هشام والواقدي التاريخية – مجموعة رسائل تنسب لمحمد، وأخبار عن الوفود حفظهما ابن سعد – يجب حسب المبدأ النقدي الذي يقوم عليه هذا الكتاب – قبول صحة هذه النصوص إلى حين، إذا عارضت مصادر قديمة أو وقائع ثابتة) ([98])، إلا أننا نجده يخالف هذا المنهج الذي قرره وترك الالتزام به، حيث رد الأخبار الثابتة التي لم تختلف عليها المصادر لمجرد حملها مضامين لا تتفق مع نتائجه.
    8- رغم أن "وات" تبني منهجا نقدياً تجاه كتابات المستشرقين في السيرة إلا أنه يورد بعض نتائجهم دون استخدام لمنهجه النقدي الذي اشترطه على نفسه، مثل الزعم بأن الأساس الذي قامت عليه الحروب الإسلامية كان اقتصاديا، وأن رسالة محمد كانت موجهة للعرب فقط، لا إلى الناس كافة، وأن الحرب في الإسلام هجومية لأن القتال عند العرب لون من ألوان الرياضة([99]).

    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: العيوب المنهجية في سياق الروايات الحديثية عند المستشرق "مونتجمري وات" في كتابيه"محمد في مكة"،"محمد في المدينة"

    العيوب المنهجية في سياق الروايات الحديثية عند المستشرق "مونتجمري وات" في كتابيه"محمد في مكة"،"محمد في المدينة"



    د. نعمات محمد الجعفري[(*)(*)][(*)]

    المطلب الثالث

    المنهج الإسقاطي

    اتبع "وات" المنهج الإسقاطي للأوهام والخيالات على الوقائع والأحداث التاريخية المروية التي يشهد لها التاريخ بالتسليم، ومن ذلك: إسقاط خيالاته وأوهامه على الواقع التاريخي لدوافع هجرة المسلمين إلى الحبشة، فلا تكاد مصادرنا تختلف حول هجرة المسلمين إلى الحبشة في العام الخامس من البعثة بعد أن اشتد عليهم أذى مشركي مكة فراراً بأنفسهم ودينهم من اضطهادهم، واستجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي اختار لهم الحبشة مهجرا لهم، لما اشتهر به ملكها من صفات العدل ولين الجانب، فضلا عما تتيحه لهم الهجرة من إمكان مزاولة التجارة التي كان يمارسها القرشيون هناك قبل الإسلام، ولكن "وات" ينحى بتحليلاته تجاه هذا الواقع التاريخي، رافضا ما اتفقت عليه المصادر القديمة والحديثة بشأن دوافع الهجرة إلى الحبشة – فلا يقبل دافع الفرار من الاضطهاد والأذى لسببين:
    1 – لأنه لا يقر ولا يعترف بشدة الأذى الذي تعرض له المسلمون.
    2 – استبعاده أن تكون هذه الشخصيات المتميزة المكانة قد هاجرت بدافع الأذى، وأنه لو صح ذلك لكان الأولى بهم أن يعودوا بمجرد أن وجد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه ملاذاً آمنا في المدينة، ولكن بعض المهاجرين استمروا في الحبشة حتى العام السابع للهجرة.. ويرفض – أيضاً – الدافع الثاني وهو الدافع المادي الذي يقوم على فكرة أن المسلمين هاجروا سعيا وراء الاشتغال بالتجارة. كما رفض الدافع الذي أثاره الباحثون الغربيون من أن محمداً أمرهم بالهجرة ليحول بينهم وبين خطر الارتداد عن الإسلام لو استمر ذلك الاضطهاد، ووضح أن هذا الدافع غير مقنع لشدة تمسك هؤلاء المهاجرين بالإسلام، كما أن بقاءهم في مكة وصبرهم على الأذى كان من شانه أن يقدم نموذجاً ملهماً للآخرين _ ويقرر «وات» دوافعاً أخرى للهجرة وهى:
    1 – رغبة محمد في الحصول على مساعدة عسكرية من الحبشة تمكنه من السيطرة على مكة.
    2 – رغبة محمد في تحويل الحبشة إلى قاعدة لمهاجمة تجارة مكة.
    3 – محاولة منه لأن يتوصل إلى طريق تجارى بديل يتجه من الجنوب إلى الإمبراطورية البزنطية؛ حتى يكسر الاحتكار الذي يمارسه المكيون على طريق التجارة.
    4 – وجود خلافات حادة في الرأي داخل صفوف المجتمع الإسلامي، وان الحزب الذي كان يتزعمه أبو بكر كان يلقى معارضة شديدة من عناصر أخرى وعلى رأسهم: عثمان بن مظعون، وخالد بن سعيد بن العاص، فيقول: (من الصعب مقاومة الفكرة القائلة بوجوب الاطمئنان إلى السبب الخامس وهو انه نشأ انقسام قوى في الرأي داخل أمة الإسلام الناشئة) ([100])ويبنى «وات» على تحليله هذا نتيجة خطيرة، وهي: أن الهجرة إلى الحبشة لم تكن تنفيذاً لتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم، بل تمت بمبادرة قام بها المهاجرون أنفسهم، وأما ما يرد في المصادر من أن محمداً هو الذي أمر أصحابه بالهجرة فإنما ذلك محاولة من المصادر لإخفاء الدوافع الحقيقية لهؤلاء الذين غادروا مكة وتخلوا عنه هناك، ويرى أنه من المحتمل أن محمداً عندما علم بهذا الانشقاق في صفوف المسلمين رأى أن العلاج اقتراح الهجرة إلى الحبشة. ويستنتج أن عودة كثير من مهاجري الحبشة إلى محمد قبل الهجرة إلى المدينة يشير إلى عودة العلاقات بينهم وبينه إلى طبيعتها، ويرى أن هذا الدافع هو من أهم الدوافع وراء الهجرة.
    وإذا قرأنا نصه القائل فيه: (إن معظم الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا ينتمون إلى بطني مخزوم وعبد شمس، وهذان البطنان هما أساس المعارضة القرشية لمحمد وألد أعداء الإسلام، فكان المسلمون من هذين البطنين أشد تعرضاً للاضطهاد دون من سواهم من مسلمي البطون القرشية الأخرى، ومن هنا اضطروا إلى الفرار إلى الحبشة.
    ورغم ما تنطوي عليه هذه النقطة من وجاهة ظاهرية قد تغري بقبول هذا الدافع إلا أني أرفض الاقتناع به) ([101]).
    من الفحص الأول لهذا الطرح التاريخي عند «وات» يتضح لنا بجلاء كيف يلجأ إلى نقض الأسباب الوجيهة للدوافع التي تثبتها مصادرنا الحديثية وعدم اقتناعه بها، دون أن يقدم لنا تفسيراً واحداً لأوجه عدم اقتناعه لا نقلية ولا عقلية، غير أنه يعمل على استبدال الحقائق التاريخية الناصعة بأوهام وخيالات يتبناها تفكيره محاولاً إسقاطها عليها؛ لتتواءم مع النتيجة التي يريد الوصول لها، وهي أن الرسول صلى الله وعليه وسلم لم يحقق نجاحاً في بداية دعوته مع أصحابه، والدليل هذه الهوة العميقة من الخلافات التي حدت بالنبي أن يأمرهم بالهجرة.
    إن الدوافع التي قررها لا تستند إلى دليل، بل هي أقرب إلى الخيال من الحقيقة، إذ من المستبعد أن يدور بخاطر محمد صلى الله عليه وسلم أن يتطلع إلى مساعدة عسكرية من الحبشة وهو في بدء الدعوة ولم يؤذن له بالقتال، ولم يؤمر إلا بتبليغ الدعوة، ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾([102])، ومهما حصل عليه من مساعدة عسكرية فالبون شاسع بين قوته وقوة المشركين. وعلى فرض أنه يريد مساعدة عسكرية فلماذا يرسل النساء والأطفال والشيوخ ؟ ألا يكفيه إرسال بعث من أربعة أو خمسة رجال للحصول على الموافقة للمساعدة العسكرية ؟ وهل كانت هناك علاقات وطيدة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين النجاشي تجعله يطمح ويتأمل بان يحظى بموافقة النجاشي لتحويل بلده إلى قاعدة عسكرية تخوض حرباً ضد قوة كقوة قريش لا علاقة ولا دافع له فيها ؟ وما الأدلة التي استند عليها «وات» على الانقسامات والخلافات الحادة التي يدعي وجودها بين صفوف المسلمين ؟ وما طبيعتها؟ وما دواعيها وأسبابها ؟
    لم يجب «وات» في طرحه لهذه القضية على أي من هذه الأسئلة لان تحليلاته فيها مبنية على أوهام وتخيلات أسقطها على هذا الواقع التاريخي بلا دليل صحيح أو قرينة علمية موثوقة.

    المطلب الرابع

    التعميم الفاسد
    لقد اتبع «وات» منهج تعميم الفكرة التي يستنبطها من مدلول ظاهرة جزيئية على الكل، فقد أطال في تقديم تصور ابعد ما يكون عن الحقيقة التاريخية الثابتة ثبوتاً قطعياً بالقرآن الكريم والسنة الصحيحة عن طبيعة العلاقة بين الأنصار والرسول صلى الله عليه وسلم ملخصها الآتي :
    1 – أن الأنصار لم يكونوا يدينون سياسياً للرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: (وهناك ما يقوله القرآن بهذا الصدد ) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ(([103])، وقد نشأت ضرورة في ذلك الوقت تدعو لعدم تحكيم محمد في الخلافات، فيعرض علينا القرآن وكتب الطبقات – إذن – صورا متكاملة عن عدم الرضي الذي كان سائدا في المدينة حول سياسة محمد، ومما يدل على محدودية سلطة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسة أنه لم يكن قادرا على عقاب عبد الله بن أبي سلول مع عظيم جرمه في حق عائشة رضى الله عنه في حادثة الإفك المشهورة) ([104]).
    2- إن الأنصار يقدمون ولاءهم للقبيلة على ولائهم للمجتمع الإسلامي، فيقول حول ذلك: (إن هذا الموقف يتضمن أن هؤلاء الرجال – الأوسيين – كانوا يعتبرون أنفسهم في المقام الأول أعضاء في قبيلة الأوس، وليسوا أعضاء في المجتمع الإسلامي) ([105]).
    3- أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحس أن الأنصار يكنون الحقد والبغضاء للمهاجرين، وكانت تصرفاته معهم تعكس هذا الإحساس، فقد تعمد في حادث الإفك أن يثير الخلاف بين الأوس والخزرج حتى ينسي هؤلاء أحقادهم ضد المهاجرين([106]).
    والذي يهمنا في هذا المقام استشهاد "وات" في هذا الصدد لدعم وجهة نظره بالرواية التي تحكي قصة الجدل الحاد الذي دار بين الأنصار بعضهم مع بعض أمام الرسول في حادثة الإفك، وطريقة تعامله معها، والرواية هي كما في البخاري من حديث عائشة قالت في الحديث الطويل: "... فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ؟ فو الله ما علمت على أهلي إلا خيراً، وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي؟ إلا معي، فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله أنا، والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخوارج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعيد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية، فقال: كذبت لعمر الله، والله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتله، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت .." ([107]).
    إن "وات" في تقرير هذه النتيجة يعمد إلى حادث عفوي تلقائي من الطبيعي فيه أن تثور بعض نوازع القبلية العصبية في لحظة ضعف تفرضها الطبيعة البشرية فيعممها على علاقة الأنصار بالمهاجرين متجاهلاً الحوادث الأخرى التي شهد لهم القرآن فيها بوصولهم لأعلى درجات المحبة والإيثار، ولم يشهد لغيرهم بذلك في التاريخ الإنساني. لقد حمل "وات" هذا الحادث العابر من الدلالات ما لا يحتمله، واعتبره حادثاً مدبراً من الرسول صلى الله عليه وسلم، فعمد إلى دراسة هذه الجزئية، ليعمم منه حكماً خطيراً يقدح بل يهدم به تاريخا ثابتاً مما يتمتع به المهاجرون والأنصار من روابط أخوية، وولاء الأنصار من روابط أخوية، وولاء الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا جاز هذا التعميم لـــ "وات" جاز لنا أن نحكم على العلاقات الإنسانية القائمة أساساً على المودة والرحمة مثل علاقة الأب مع ابنه والأخ مع أخيه بنقيض ما يجب أن تكون عليه، جراء حادثة شجار أو اختلاف رأي، كما – أيضا يستدل بقصة أبي لبابة على المعارضة السياسية التي كان يواجهها محمد من أنصاره في المدينة، فقال: (يمكن القول بأن: خيانة أبي لبابة لبني قريظة هي الحد الذي يسبق المرحلة الثانية لمعارضة أهل المدينة ليست موجهة ضد الأمة الإسلامية كاملة بل ضد بعض جوانب من سياسة محمد، وقضية أبي لبابة غامضة لسوء الحظ, وهذا ما يقول ابن إسحاق... ثم أورد قصة أبي لبابة حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم لبني قريظة حين طلب اليهود من الرسول "أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا من حلفاء الأوس نستشيره، يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح، قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ؟ ولم يأت رسول الله حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهد الله لا يطأ بني قريظة أبدا، ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا، فلما بلغ رسول الله خبره وكان قد استبطأه، قال: أما إنه لو كان جاءني لاستغفرت له، أما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، ثم إن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمه: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك، قالت: فقلت له: مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال: تيب علي أبي لبابة, قالت: أفلا أبشره يا رسول الله ؟ قال: بلي إن شئت، قال: فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب"([108]).
    قال "وات" بعد ذكره للقصة: (القصة كما نقلت إلينا جرى لها بعض التعديل) ([109])، إنه الاتهام بوضع هذه الروايات والزيادة والتعديل دون بيان موضع التعديل والزيادة والمسوغ لحكمه بذلك، إنه يطلق الأحكام بذلك جزافاً دون تثبت أو أدلة.
    كما أنه يستدل بحادثة واحدة تحكي قصة رجل مؤمن رقت مشاعره لبكاء النساء والأطفال فخانه لسانه وأباح بسر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لم يلبث في حينها أن أدرك عظيم جرمه، وفرض على نفسه عقابا لا يحتمله إلا من كان مؤمنا منقاداً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فأين جوانب المعارضة السياسية التي عممها "وات" من أهل المدينة لمحمد من هذه الحادثة، وما الربط المشترك بين موقف أبي لبابة والمعارض السياسي الذي لا يتنازل عن رأيه بسهولة، بل يناضل ويتحمل المشاق، فيترك بلده ويلجأ إلى بلاد أخرى من أجل إيصال صوته وإبداء رأيه بحرية؟
    إننا نلحظ كيف يتلاعب بالنصوص ويحللها كيفما اتفق له، فيشتمل طرحه لفكرة واحدة أكثر من عيب من عيوب المنهجية، مثل هذه الحادثة التي اشتملت على التعميم الفاسد، والتشكيك غير المنهجي.

    المطلب الخامس

    إهمال الأدلة المضادة
    مع ظهور الخلل المنهجي لدي "مونتجمري وات" في جميع تحليلاته التي جمع فيها أكثر من عيب من عيوب المنهجية العلمية، إلا أننا نرى أن عيب إهماله للأدلة المضادة يكاد يكون العيب المتكرر في تناوله لجميع الأحداث والقضايا، وبهذا الإهمال كثيراً ما يقرأ "وات" الروايات والأحداث التاريخية منفصلة عن سياقها العام، فلا يتمكن من وضعها في إطارها الصحيح، ومن هنا تأتي أحكامه مجانية للصواب، مثال ذلك: ما زعم به من أن مصادر السيرة تتحامل على خالد بن الوليد وتعمد على الحط من قدره، وهو في ذلك يعمد على بعض أحداث جزئية فصلها عن سياقها العام فلم يقرأها قراءة صحيحة، وهو بذلك يهمل الأدلة المضادة التي تعلي من مكانة خالد وتضعه مع خيرة الصحابة.
    ومن أبرز الأمثلة أيضا: تجاهله وإهماله في قضية تشويهه للعلاقة بين المهاجرين والأنصار، مع الرسول صلى الله عليه وسلم للأدلة المضادة من محكم القرآن والسنة النبوية التي سجلت موقف الأنصار من المهاجرين في معرض الثناء والمدح، قال تعالي: )سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(([110]).
    وحديثه صلى الله عليه وسلم "أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم ؟ فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار، شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم أرحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، قال فبكي القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقنا([111]).
    إن "وات" أهمل كل هذه النصوص وعمد إلى تلك الرواية التي تحكي حادثاً عارضاً ليعمم منه حكما بنقض به كل الحقائق التاريخية، وكذلك أهمل "وات" حين رفض أن يكون الدافع للهجرة إلى الحبشة الأذى والاضطهاد الذي شنه كفار قريش على المسلمين الأوائل جميع الأدلة القرآنية التي تنقض رأيه ذلك، فالإسلام بنص على اضطهاد المشركين للمسلمين. ) وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُون َ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ( ([112])، وحثه للمسلمين الذين استضعفوا واضطهدوا من قبل قريش على الهجرة من مكة، حيث وصلوا إلى العجز عن القيام بشعائر دينهم بحرية وأمن، )قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا(([113]).
    كما أن "وات بتمسكه برأيه في أن الكتب التي أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم للملوك لا تتضمن الدعوة إلى الإسلام يتجاهل ويهمل إجماع مصادرنا الأصلية الصحيحة ومنها البخاري على مضمون ومحتوى هذه الكتب، فهو ينقض الحقائق التاريخية الثابتة ويهملها ليثبت نتائج تقوم على مقدماته الخاطئة، كما أنه بالنتيجة التي قررها من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين بصيام يوم عاشوراء، بقوله: (ويحوم شك أقل حول صيام عاشوراء الذي يقع في يوم عيد الكفار اليهود).
    وبالرغم من هذه الملاحظات فإنه من البديهي أن محمداً قبيل الهجرة وبعدها يميل لصياغة ديانته على شكل الديانة اليهودية، وتشجيع أتباعه في المدينة على الاحتفاظ بالطقوس اليهودية التي تبنوها([114])، أهما الأدلة المضادة الأخرى التي تبين أمره صلى الله عليه وسلم للمسلمين بمخالفة اليهود حتى في طريقة صيام هذا اليوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم"([115])، وقال صلى الله عليه وسلم: "صوموا عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود. صوموا يوما قبله ويوما بعده"([116]). أما قوله: (ولقد قلنا في كتابنا "محمد في مكة": إن أفدم الجزاء في القرآن لا تحتوى على أي هجوم على الوثنية، بل يبدو أنها كانت تقول بوجود "توحيد غامض" عند أتباع محمد، ثم أخذ الإلحاح يشتد على وجود إله واحد اشتداد النقد لعبادة الأصنام) ([117])، فهو ينقض به أساس دعوة الإسلام القائمة على التوحيد ونبذ الوثنية وعبادة الأصنام، والأدلة في ذلك كثيرة، منها قوله تعالي: ) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ([118])(، وتجاهل كونها أساس دعوة الرسل قبل محمد، قال تعالي: ) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام(([119]).

    المطلب السادس

    الانتقائية في المصادر

    وقد تعرضنا لذلك في انتقائه للمصادر المتعلقة بروايات قصة بدء الوحي([120]).
    والروايات المتعلقة بالكتب والرسائل التي بعثها الرسول للملوك والحكام([121])، إن هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، مما وقع فيه "وات" من المغالطات الجريئة والتعدي السافر الفاضح على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته السامية من خلال تحليلات وافتراضات ومقدمات لا تسندها أدلة ولا براهين مقبولة.


    الخاتمة:


    وفي نهاية البحث نخلص بالنتائج التالية:

    1- إن "وات" يتلاعب بالنصوص، ويحللها كيفما اتفق له، فيشتمل طرحه لفكرة واحدة أكثر من عيب من عيوب المنهجية، ولذا لا يمكن لأحد أن يثق بنتائجه، فهي بعيدة كل البعد عن الصدق والموضوعية.
    2- إن نظرة "وات" الإيجابية تجاه بعض الأحداث والقضايا التاريخية التي تتناولها الروايات، والتي يفند بها ادعاءات بعض المستشرقين يخالطهما كثيرا من الأحكام المضطربة والمشوشة والمغالطات لجريئة، مثل تحليله لعلاقة الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود.
    3- إن "وات" بني على المقدمات الخاطئة التي لم يبذل جهدا كافيا للتثبت من سلامتها العديد من النتائج التي تحتاج إلى مراجعة جذرية حتى تسلم له نتائجه، وهذه تعد من أهم أخطائه المنهجية.
    4- وإذا كان الكاتب المستشرق قد تعرض لكل هذه الموضوعات بهذا المنهج فإن هذا يعكس تمام مقومات الدراسة والقواعد التي ارتكز إليه وهي قواعد مسيحية وعلمانية، وبالتالي لا يمكن – بأي حال – أن يكون موافقا لمقومات الإسلام والبيئة الإسلامية.
    5- يبدو "وات" على مستوى تقنية البحث متفوقا بمعنى الكلمة، وهو يمتلك أداة البحث ومستلزماته، ويعتمد أسلوباً نقدياً مقارناً يثير الإعجاب، ولكنه في الوقت ذاته يدس السم في العسل.
    وعموماً: فإن الإحاطة بكل المسائل التي أثارها الكاتب في كتابيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من المستشرقين في موضوع واحد أو كتاب واحد أمر يصعب إثباته، ولكن توسيع نطاق البحث في مثل هذه الموضوعات قد يعطي الفرصة للرد على مثل هؤلاء، وعليه فإنني أوصى أهل التخصص العلمي في مجال الحديث وعلومه بمواجهة هذا التيار الذي يتبناه هذا المستشرق، ورد شبهه ودحضها، وأن تترجم هذه البحوث النقدية، لتكون في متناول المسلمين وغيرهم من الجنسيات الأجنبية.
    وأخيرا أسال الله التوفيق والسداد، وما كان في هذا البحث من صواب فبفضل وتوفيق من الله، وما كان فيه من تقصير فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم من كل ذنب.
    المصادر والمراجع


    إفحام النصارى، سليمان الخراشي، المكتبة الشاملة .
    تاريخ الأمم والملوك، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، ط1، 1407هـ .
    جامع البيان عن تأويل آي القرآن / أبو جعفر محمد بن جرير الطبري؛ وتعليق: محمود شاكر، ط1، بيروت: دار إحياء التراث 1421 هـ .
    رؤية إسلامية للاستشراق، د. أحمد عبد الحميد غراب، ط1، دار الأصالة، الرياض، 1408هـ.
    الروض الأنف، عبد الرحمن السهيلي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، المصدر: المكتبة الشاملة .
    السيرة النبوية، ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين .
    صحيح البخاري / محمد بن إسماعيل البخاري؛ تحقيق: د. ديب مصطفى البغا، ط3، بيروت: دار ابن كثير، 1407 هـ .
    صحيح مسلم / مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق: محمد عبد الباقي، بيروت: دار إحياء التراث .
    الطبقات الكبرى، محمد بن سعد البصري، ت: إحسان عباس، دار صادر – بيروت، الطبعة: 1-1968م.
    عمدة القاري شرح صحيح البخاري، العلامة بدر الدين العيني، إدارة الطبعة المنيرية .
    "في الدلالات سورة قريش" أحمد عبد الرحمن عيسى، مجلة كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية، ص 111 – 115، العدد الأول 1397 هـ .
    قراءة نقدية في كتابات "مونتجومري وات في السيرة النبوية، د. عبد الرحمن أحمد سالم، مجلة المسلم المعاصر، بيروت، عدد 82، (1996-1997) .
    لسان العرب / ابن منظور، تحقيق أمين عبد الوهاب، محمد لعبيدي، ط1، بيروت: دار إحياء التراث، 1416 هـ .
    مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي، دار الفكر، بيروت، طبعة 1412هـ الموافق: 1992 م .
    محمد في المدينة، مونتجمري وات، تعريب شعبان بركات، منشورات المكتبة العصرية، بيروت .
    محمد في مكة، مونتجمري وات، تعريب شعبان بركات، منشورات المكتبة العصرية، بيروت.
    المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق محمد عطا، دار الفكر، بيروت 1411هـ .
    المستشرقون الناطقون بالانجليزية دراسة ناطقة، عبد اللطيف الطيباوي، ترجمة د. قاسم السامرائي، ط1: عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام، الرياض، 141 هـ .
    المستشرقون، والحديث النبوي، د. محمد بهاء الدين، دار النفائس، ط:1، 1420 هـ .
    المستشرقون، نجيب العقيقي، ط: دار المعارف، القاهرة، 1980 م .
    مسند الإمام احمد بن حنبل، مصر: مؤسسة قرطبة .
    المعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن احمد الطبراني، تحقيق حميد السلفي، وزارة الأوقاف.
    مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، مجموعة من الباحثين الجزء الأول، مكتب التربية العربي لدول الخليج، ط : 1، الرياض، 1403 هـ .
    الوعد المنجز في نقض النص المؤسس، صلاح الزيات، المكتبة الشاملة .
    Watt, M. op. Cit.,، نقلاً عن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، موقع ملتقي أهل الحديث.
    Ibid, E، نقلاً عن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، من موقع ملتقي أهل الحديث.


    [(*)(*)] أستاذ مساعد بقسم الثقافة الإسلامية-كلية التربية، جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية.

    [(*)] هذا البحث مدعوم من قبل مركز بحوث أقسام الدراسات الجامعية للبنات في الدرعية، عمادة البحث العلمي، جامعية الملك سعود.

    [1] انظر, رؤية إسلامية للاستشراق, أحمد غراب ,115.

    [2] المستشرقون, نجيب العقيقي 2:132, الاستشراق والمستشرقون وجهة نظر, عدنان محمد وزانص7, المستشرقون الناطقون بالانجليزية, عبد اللطيف الطيباوي, ص98, قراءة في كتابات مونتجمري وات, عبد الرحمن سالم86.

    [3] انظر, رؤية إسلامية للاستشراق, أحمد غراب,115.

    [4] تفسير الطبري ج30/ص251.

    [5] اننظر محمد مكة: 85.

    [6] صحيح البخاري ج4/ ص1894.

    [7] انظر محمد في مكة, من ص85 -102.

    [8] انظر, مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية,ج1/ من 212-224.

    [9] صحيح مسلم ج1/ ص144.

    [10] صحيح البخاري ج1/ص4.

    [11] انظر, مناهج المستشرقين في الدارسات العربية والإسلامية,ج1/من212-224

    [12] صحيح البخاري ج4/ص1876.

    [13] سيرة ابن كثير-(ج2/ص366), سيتم تناول الرواية في مبحث رد الروايات والحكم بنشوئها

    [14]انظر, محمد في المدينة: 12.

    [15] قال ابن منظور: الراصد بالشيء الراقب له, رصده بالخير وغيره يرصده ورصداً يرقبه, ورصده بالمكافأة كذلك, والترصد الترقب, لسان العرب ج3/ ص177, مادة: رصد

    [16]6 محمد في مكة:115

    [17]7 الطبقات الكبري, ج3/ص399

    [18]8بق تناول هذه الرواية في مبحث التلاعب بالألفاظ

    [19]9حمد في مكة:85

    [20]0حمد في المدينة:514

    [21]1لعنكبوت:48

    [22]2حمد في مكة:93

    [23]3لنحل:103

    [24]4نظر, تاريخ الطبري:205-309

    [25]5نظر, البداية والنهاية, ابن كثير:3/26

    [26]6محمد في مكة:86

    [27]7محمد في مكة:89

    [28]8صحيح البخاري ج1/ص177

    [29]9انظر, محمد في مكة:100

    [30]0محمد في المدينة: 119

    [31]1محمد في المدينة 36

    [32]2اريخ الطبري,2/362, واحمد في مسنده, ج3/ص461

    [33]3حمد في المدينه: 89

    [34]4حمد في المدينة: 91

    [35]5محمد في المدينة:489

    [36]6حمد في المينة:105

    [37]7نظر محمد في المدينة:24

    [38]8حمد في المدينة:37

    [39]9خرجة البخاري, ج1/ص420,ح1189

    [40]0خرجه الحاكم في المستدرك, ج3/ص338, وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه

    [41]1واه الطبراني من طريق سالم بن أبي الجعد عن أبي اليسر بن عمرو الأنصاري قال: "أنا دفعت الراية إلى عبد الله بن رواحة وأصيب, فدفعتها إلى أقرم الانصاري, فدفعها إلى خالد بن الوليد, فقال: لم تدفعها إلى قال أنت أعلم بالقتال مني" لم يرو هذا الحديث عن سفيان بن عيينة إلا أبو إسحاقالمعجم الأوسط ج2/ص179.

    [42]2خرجه البخاري ج1/ص420

    [43]3حمد في المدينة:37

    [44]4صحيح البخاري ج5/ص2308

    [45]5محمد في مكة:8

    [46]6صحيح البخاري 3/ص1322,3416

    [47]7آل عمران:195

    [48]8محمد في مكة:8

    [49]9انظر المستشرقون والسنة النبوية,95

    [50]029حمد في مكة:12

    [51]1 محمد في المدينة: 215-217

    [52]2محمد في مكة:13

    [53]3المستشرقون والحديث النبوي: د

    [54]54محمد في مكة170

    [55]5قال القاضي عياض:"ما روي من (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ) والنجم (قال: تلك الغرانيق العلا, وإن شفاعتها لترتجي, ويروي: ترتضى) وفي روايه (إن شفاعتها لترتجي, وإنها لمع الغرانيق العلا), وفي أخرى: والغرنقة العلا, تلك للشفاعة ترتجي
    فلما ختم السورة سجد وسجد معه المسلمون والكفار لما سمعوه أثني على آلهتهم
    وفي رواية أخري: ألا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه وذكر هذه القصة, وان جبريل عليه السلام جاء فعرض عليه السورة, فلما بلغ الكلمتين قال له: ما جئتك بهاتين, فحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم, فانزل الله تعالى تسلية له:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(الحج:52)
    وقوله:( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) (الاسراء: 73,74).
    فاعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام علي مشكل هذا الحديث مأخذين:
    أحدهما: في توهين أصله, والثاني: على تسليمه.
    أما المأخذ الاول: فكيفك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة, ولا رواه ثقة بسند سليم متصل, وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب, المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم.
    وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير, وتعلق بذلك الملحدون, مع ضعف تقاته, واضطراب رواياته, وانقطاع إسناده واختلاف كلماته, فقائل يقول: إنه في الصلاة, وآخر يقول: قالها في نادي قومه, حين أنزلت عليه السورة, وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة, وآخر يقول: بل حدث نفسه فسها, وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه, وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها, فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: (والله ما هكذا نزل)- إلى غير ذلك من اختلاف الرواة.
    ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم, ولا رفعها إلى صاحب, وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية, والمرفوع فيه حديث شعبة, عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فيما أحسب, الشك في الحديث, أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة. وذكر القصة.. انظر, الشفا- (ج2/ ص110).

    [56]محمد في المدينة:435

    [57]7محمد في المدينة:437

    [58]8محمد في المدينة438

    [59]9محمد في المدينة:503

    [60]0محمد في المدينة:434

    [61]1

    [62]2سورة الأحزاب :37

    [63]3 انظر, الوعد المنجز في تقد النص المؤسس, صلاح الزيات-(1/35)إفحام النصاري, سليمان الخراشي-(1/116)

    [64]4انظر محمد في مكة: ص7

    [65]5انظر محمد في مكة:12

    [66]6محمد في مكة:9

    [67]7

    [68]محمد في مكة:52

    [69]محمد في المدينة:103

    [70]0محمد في المدينة:441

    [71]7محمد في مكة, ص135

    [72]2محمد في مكة, ص135

    [73]3محمد في مكة, ص136

    [74]4محمد في المدينة:452

    [75]5انظر, محمد في مكة: 188

    [76]6محمد في مكة: 9

    [77]محمد في المدينة: 144

    [78]78 محمد في المدينة.

    [79] محمد في المدينة:309

    [80]80 محمد في المدينة:204

    [81]1سورة المائدة:51

    [82]2محمد في المدينة: 37

    [83]3محمد في مكة:05

    [84]4محمد في مكة:13

    [85]5 محمد في المدينة:309

    [86]6محمد في مكة:13.

    [87]87مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والاسلامية:1/176

    [88]7محمد في مكة:13.

    [89]8محمد في مكة: 13.

    [90]9وهذا يظهر لنا في رده الروايات التي ذكرناها في مبحث منهج وات في التعامل مع الروايات.

    [91]0آل عمران:152

    [92] 91 محمد في المدينة:35

    [93]2مرت الامثلة علي ذلك في مبحث إهمال الادلة المضادة

    [94] محمد في المدينة:38

    [95] محمد في المدينة:251

    [96]5 محمد في المدينة:251

    [97]6 محمد في المدينة:141.

    [98]7محمد في المدينة:142.

    [99]9قراءة نقدية,148.

    [100]00

    [101]01انظر, محمد في مكة: من 178-178

    [102]02

    [103]03سورة محمد:20.

    [104]04 محمد في المدينة:279

    [105]05 محمد في المدينة 228-229

    [106]06 محمد في المدينة 186

    [107]07صحيح البخاري ج2/ 944 ص , ح 2518

    [108]08تفسير الطبري,ج21/ص151

    [109]09 محمد في المدينة:119

    [110]10الحشر:9

    [111]11مسند احمد ابن حنبل ج3/ص76

    [112]12الانفال:26

    [113]13النساء:97

    [114]14 محمد في المدينة:3.5

    [115]15المستدرك علي الصحيحين ح1/ص391, قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه

    [116]16 وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصيام عاشوراء يوم العاشر. رواه البزار, ورجاله رجال الصحيح

    [117]17انظر, محمد في المدينة:472

    [118]18البينة:5


    [119]19

    [120]20انظر مبحث التلاعب بألفاظ الروايات ص13

    [121] (121)انظر مبحث نشوء الروايات ص39.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •