المتشابه اللفظي في القرآن الكريم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: المتشابه اللفظي في القرآن الكريم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي المتشابه اللفظي في القرآن الكريم

    المتشابه اللفظي في القرآن الكريم


    ( دراسة تحليلية)



    د.وليد محمد عبد العزيز الحمد[(*)]




    ملخص البحث:

    يتضمن هذا البحث قضية المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وقد قمت في بدايته بتعريف القضية لغة، ثم اصطلاحاً، ثم تعرضت لفوائد هذا العلم وأهميته، في جانب نظري مختصر، ثم انتقلت للجانب العملي، ولم يسعني ذكر كل القضايا التي تناولها علماء المتشابه، فاختصرت البحث في الحديث عن اختلاف (الصيغة- الاختلاف بين الإفراد والجمع- الاختلاف في التذكير والتأنيث- الاختلاف في التعريف والتنكير) من خلال ذكر نموذج واحد في كل مطلب، وكان من أبرز دوافع موضوع الدراسة: تميز الموضوع بالربط بين الدراسة البلاغية والدراسة النحوية، والدراسة الصرفية والدراسة الدلالية، ودمج هذا الخليط كله؛ ليتحقق الهدف في معرفة مفهوم المتشابه في القرآن الكريم، وأهميته، وفوائده، ومعرفة الدقائق اللغوية والبلاغية في القرآن الكريم، واعتمدت على المنهج الوصفي، وذلك بشرح القضايا شرحاً يسيراً، وقد تم التوصل لنتائج عديدة:
    منها: أن السياق القرآني- لفهمه فهماً صحيحاً- لابد من فهم اللغة العربية بكل أركانها: النحوي والصرفي والبلاغي والدلالي والصوتي، وأن المتشابه اللفظي من أعظم دلائل إعجاز القرآن.

    المقدمة:

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:
    هذا بحث قد عني بقضية المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وقضية المتشابه يتتبعها من في قلبه زيغ ومرض؛ فنجد أكثر المشككين في الدين والطاعنين في قدسية القرآن الكريم يحاولون النيل منه عن طريق تلك القضية؛ ومن له باع في العربية يستطيع أن يزداد إيماناً بالقرآن الكريم؛ نظراً لأن القضية التي يتخذها بعضهم ذريعة للتشكيك ما هي إلا معجزة لغوية من معجزات القرآن التي تبرهن أنه أنزل من لدن حكيم عليم!
    أسباب اختيار الموضوع:

    إن أبرز الدوافع والأسباب وراء اختيار هذا البحث الماتع تتلخص فيما يلي:
    -أهمية هذا الموضوع؛ لتعلقه بالقرآن الكريم، وأنه قد يتخذ ذريعة للطعن وخلافه.
    -تضمن الموضوع مادة بلاغية غزيرة، عنيت في التدليل عليها بالقرآن الكريم، ومحاسن صياغته، ففي الموضوع: العديد من المسائل البلاغية والتحليلات اللغوية.
    -تميز الموضوع بالربط بين الدراسة البلاغية والدراسة النحوية، والدراسة الصرفية والدراسة الدلالية، ودمج هذا الخليط كله في معرفة النسق القرآني وأسراره.
    أهداف البحث:


    1-معرفة مفهوم المتشابه في القرآن الكريم، وأهميته وفوائده.
    2-معرفة الدقائق اللغوية والبلاغية في القرآن الكريم.
    3-ضرورة الربط بين الآيات المتشابهات وعلوم اللغة.
    4-بيان الإعجاز اللفظي في القرآن الكريم.
    5-الاهتمام بدرس السياق القرآني المترابط ككل؛ إذ لا تؤخذ كل آية على حدة.
    منهجية البحث:


    أما المنهج الذي اعتمدت عليه في عرض البحث فهو:
    المنهج الوصفي: وذلك بشرح القضايا شرحاً يسيراً، ثم ضرب أمثلة متعددة عليها وتوضيح الفروق بين تلك الأمثلة التي يتم تناولها.
    الدراسات السابقة:


    1-رسالة أثر دلالة السياق القرآني في توجيه معنى المتشابه اللفظي في القصص القرآني. إعداد الطالبة: تهاني بنت سالم بن أحمد باحويرث. إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد العزيز عزت. رسالة ماجستير.1428هــ.
    2-رسالة دلالة السياق وأثرها في توجيه المتشابه اللفظي في قصة موسى عليه السلام، إعداد: فهد الشتوي، إشراف: د.محمد بازمول، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، 1426هــ.
    3-رسالة المتشابه اللفظي في القرآن، إعداد: د.فائقة حسن الحسني، إشراف: د.أمين باشا، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، 1424هــ.
    4-رسالة المتشابه اللفظي في القرآن الكريم وأسراره البلاغية، إعداد: د.صالح بن عبد الله الشثري، إشراف: د.محمد أبو موسى، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، 1421هــ.
    5-رسالة توجيه المتشابه اللفظي في القرآن بين القدامى والمحدثين لأحمد الغرناطي وفاضل السامرائي: دراسة مقارنة. إعداد: محمد الجبالي، المشرف: الأستاذ الدكتور: ذو الكفل يوسف يعقوب. جامعة ملايا، أكاديمية الدراسات الإسلامية، قسم القرآن والحديث.
    6-كتاب درة التنزيل وغرة التأويل للإسكافي.
    7-كتاب البرهان في توجيه متشابه القرآن للكرماني.
    8-ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل لابن الزبير.
    9-كشف المعاني في المتشابه من المثاني لابن جماعة.
    10-فتح الرحمن للأنصاري.


    وسوف يكون عرض البحث على النحو التالي:
    المبحث الأول بعنوان: تعريف المتشابه، وأهميته، وفوائده، وفيه ثلاثة مطالب:

    المطلب الأول: تعريف المتشابه.
    المطلب الثاني: أهمية المتشابه اللفظي.
    المطلب الثالث: فوائد المتشابه اللفظي.
    المبحث الثاني بعنوان: الاختلاف بين الآيات المتشابهة في اختيار الصيغة، وفيه أربعة مطالب:
    المطلب الأول: الاختلاف في الاسمية والفعلية.
    المطلب الثاني: الاختلاف في صيغة الماضي والمضارع.
    المطلب الثالث: الاختلاف في صيغ الفعل الماضي.
    المطلب الرابع: الاختلاف في صيغ الاشتقاق.
    المبحث الثالث بعنوان: الاختلاف بين الآيات المتشابهة في الإفراد والجمع، وفيه ثلاثة مطالب:
    المطلب الأول: الجمع والإفراد في الأسماء الظاهرة.
    المطلب الثاني: الجمع والإفراد في الضمائر.
    المطلب الثالث: اختلاف صيغ الجموع.
    المبحث الرابع بعنوان: الاختلاف بين الآيات المتشابهة في التذكير والتأنيث، وفيه ثلاثة مطالب:
    المطلب الأول: التذكير والتأنيث في الأسماء الظاهرة.
    المطلب الثاني: التذكير والتأنيث في الضمائر.
    المطلب الثالث: التذكير والتأنيث في الأفعال المسندة للضمائر.
    المبحث الخامس بعنوان: الاختلاف بين الآيات المتشابهة في التعريف والتنكر، وفيه مطلبان:
    المطلب الأول: التعريف بالألف واللام.
    المطلب الثاني: التعريف بالاسم الموصول.
    والله أسأل أن يجعله عملاً متقبلاً، وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى.آمين.
    المبحث الأول

    (( تعريف المتشابه وأهميته وفوائده))


    قبل البدء في الجانب التطبيقي الخاص بقضية المتشابه اللفظي لابد من الوقوف على تعرف المتشابه لغة واصطلاحاً، وكذلك معرفة أهمية المتشابه وفوائده، وسوف نستعرض المسألة في ثلاثة مطالب على النحو التالي:-
    المطلب الأول

    تعريف المتشابه

    المتشابه لغة: قال الجوهري: ((شِبْه وَشَبَه لغتان بمعنى... والمشتبهات من الأمور المشكلات، والمتشابهات المتماثلات))[(1)].
    وقال ابن فارس: ((الشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لوناً ووصفاً، يقال: شِبْه وشَبَه وشَبيه. والشبه من الجوهر الذي يشبه الذهب، والمشبهات من الأمور المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا))[(2)].
    وقال الزمخشري: ((تشابه الشيئان واشتبها، واشتبهت الأمور وتشابهت التبست؛ لأشباه بعضها بعضاً))[(3)].
    وقال ابن منظور: ((شبه الشبه، والشِّبه، والشبيه: المثل، والجمع أشباه، وأشبه الشيء ماثله، وفي المَثل: من أشبه أباه فما ظلم، والجمع مشابه على غير قياس، كما قالوا محاسن ومذاكير، وأشبهت فلاناً وشابهته، واشتبه علي وتشابه الشيئان واشتبها أشبه كل واحد منهما صاحبه، والمشتبهات من الأمور: المشكلات، والمتشابهات: المتماثلات، وتشبَّه فلان بكذا، والتشبيه التمثيل، وأمور مشتبهة ومشبهة مشكلة يشبه بعضها بعضاً. المتشابه: ما لم يتلق معناه من لفظه))[(1)].
    وقال محمد بن أبي بكر الرازي: ((شِبه وشَبه لغتان بمعنى، يقال: هذا شِبْهُه؛ أي: شبيهه، وبينهما شبه بالتحريك، والجمع مشابه على غير قياس، والشبهة الالتباس، والشَّبَه ضرب من النحاس))[(2)].
    وقال أحمد بن محمد الفيومي: ((واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست فلم تتميز ولم تظهر، ومنه اشتبهت القبلة ونحوها، والشبهة في العقيدة المأخذ الملبس، سميت شبهة لأنها تُشبه الحق... وتشابهت الآيات: تساوت أيضاً؛ فالمشابهة: المشاركة في معني من المعاني))[(3)].
    وقال الفيروز آبادي: ((وشابهه وأشبهه: ماثله... وتشابها، واشتبها: أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا... وأمور مشتبهة ومشبهة: مشكلة))[(4)]، وبالتأمل في هذه التعريفات للمتشابه عند أهل اللغة نجد أن المتشابه يدور حول معنيين:
    الأول: معنى المماثلة:

    وقد جاء ذلك في وصف القرآن الكريم، قال تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)}[الزمر:23] قد تشابهت آياته في التنزه عن كل وصف يلحقه بكلام المخلوقات، وتماثلت في كل وصف يوصف به كلام رب العالمين منبئة أنها تنزيل من حكيم حميد، هدى ورحمة للعالمين.
    كذلك وصفت آيات القرآن بالإحكام، قال تعالى:{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)}[هود:1]، والمراد هنا: الإحكام العام، فلا يلحق آيات القرآن العظيم خلل أو قصور، أو تفاوت في النسق والإعجاز.
    الثاني: معنى الإشكال أو الالتباس:

    فإن الأمور لا تشتبه إلا بوجود التماثل أو بعض تماثل بين المشبه والمشبه به.
    قال ابن قتيبة: ((ثم قد يقال لكل ما غمض ودق: متشابه وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره، ألا ترى أنه قد قيل للحروف المقطَّعة في أوائل السور: متشابه، وليس الشك فيها والوقوف عندها لمشاكلتها غيرها والتباسها بها))[(1)].
    المتشابه في الاصطلاح:

    أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعنى، كما قال تعالى في وصف ثمر الجنة:{وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً}[البقرة:25]؛ أي: متفق المناظر ومختلف الطعوم.
    وقال الشيخ عبد الرؤوف بن محمد المناوي: ((المتشابه: المشكل الذي يحتاج فيه إلى فكر وتأمل))[(2)].
    تعريف المتشابه اللفظي في القرآن الكريم:

    قبل الخوض في بيان ذلك أن المتشابه في القرآن نوعان:
    النوع الأول: المتشابه الذي يقابل المحكم، وهذا النوع ليس مجال بحثنا.
    النوع الثاني: المتشابه اللفظي الذي يحصل في بعض آيات القرآن الكريم، وهذا هو المراد من البحث.
    وحتى يتضح مفهوم المتشابه في القرآن عند العلماء لابد من أن نورد أقوالهم؛ لذا نبدأ ببيان ذلك بالمتقدم منهم فالذي يليه.
    وأول نص يبين المراد من المتشابه هو لابن جرير الطبري؛ إذ يقول: ((وقال آخرون: معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن، وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، بقصه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وبقصه باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني))[(1)].
    وقد ذكر الخطيب الإسكافي سبب تصنيفه لدرة التنزيل قائلاً: ((أني مذ خصني الله تعالى بإكرامه وعنايته، وشرفني بإقراء كلامه ودراسته، تدعوني دواع قوية، يبعثها نظر وروية، في الآيات المتكررة، بالكلمات المتفقة، والمختلفة، وحروفها المتشابهة المتعلقة، والمنحرفة؛ تطلبا لعلامات ترفع لبس إشكالها، وتخص الكلمة بآياتها، دون أشكالها))[(2)].
    أما الكرماني: فقال في مقدمة كتابه: ((هذا كتاب أذكر فيه الآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة، ولكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال حرف مكان حرف، أو غير ذلك مما يوجب اختلافاً بين الآيتين أو الآيات التي تكررت من غير زيادة ولا نقصان، وأبين ما السبب في تكرارها والفائدة في إعادتها، وما الموجب للزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير والإبدال، وما الحكمة في تخصيص الآية بذلك دون الآية الأخرى، وهل كان يصلح ما في هذه السورة مكان ما في السورة التي تشاكلها أم لا؟))[(3)].
    ويقول أبو البقاء: ((إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة في التقديم والتأخير، والزيادة والترك، والتعريف والتنكير، والجمع والإفراد، والإدغام والفك، وتبديل حرف بحرف))[(4)].
    ويقول الزركشي: ((هو إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة، ويكثر في إيراد القصص والأنباء))[(1)].
    وليس مقصود الزركشي قصر المتشابه على القصص القرآني؛ لأنه جعله كثيراً فيه لا قاصراً عليه، والأمثلة التي مثل بها رحمه الله تدل على ذلك.
    والحاصل مما سبق أن تعريف المتشابه اللفظي اصطلاحاً: هو الآيات القرآنية المتكررة بلفظها، أو مع اختلاف يسير في لفظها أو نظمها أو كليهما، مع تقارب المعنى لغرض ما.
    المطلب الثاني

    أهمية المتشابه اللفظي(×)

    أولاً: ترجع أهمية هذا العلم إلى موضوعه فهو ضرب من تفسير القرآن؛ لذلك فأهميته من أهمية علم التفسير، فعلم المتشابه اللفظي في القرآن الكريم قسم قائم بذاته، وهو من الأنواع التي اشتمل عليها القرآن في بيان أنه وحي، لا عمل للبشر فيه، مع تنوع استعمالاته من تقديم وتأخير، أو حذف وإثبات، أو تعريف وتنكير، أو إبدال شيء منه بشيء آخر في الموضع الواحد.

    ثانياً: ترجع أهميته إلى أهمية نشأته، حيث أنه أنشئ حفاظاً على القرآن الكريم، من أن يقع اللحن في كلماته، وتيسيراً لِحَفَظَةِ كتاب الله، وهو من علوم القرآن التي تخدمه وتحافظ عليه وتبرز كثيراً من وجوه إعجازه وأسراره التي لا تنفد.

    المطلب الثالث

    فوائد المتشابه اللفظي

    1-أن علم الآيات المتشابهات يملأ النفس إيماناً بعظمة الله وقدرته حين يقف الإنسان في تفسير هذا النوع من الآيات على دقائق الأسلوب البياني للقرآن الكريم، فدراسته تعين على الفقه في كتاب الله، وإظهار إعجازه وغزارة معانيه وأسراره[(1)]، والبحث عن دقائقه، وذلك من أعظم القرب؛ لأنه يوجب مزيد المشقة في الوصول إلى المراد وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب من الله تعالى.
    2-أن علم المتشابه اللفظي فيه دلالة على صدق نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك حين تتجلى الصور البلاغية البديعة والمعاني العظيمة مطوية في ثناياه، مع أنه أمِيٌّ لم يقرأ ولم يكتب، قال تعالى:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(4 8)}[العنكبوت:48].
    3-أن علم المتشابه اللفظي باب من أبواب التأمل في آيات الله، الأمر الذي حث عليه سبحانه في كتابه بقوله:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82)}[النساء:82]، وقوله تعالى:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)}[محمد:24].
    4-هو علم يرد على الملحدين والمشككين الذين يطعنون في القرآن من خلال ما تشابه منه وما تماثل أو تكرر من ألفاظه وآياته، مدعين أن ما به من المتشابه اللفظي غير مفهوم، أو تكرار لا هدف له، فعلم المتشابه يرد عليهم بعكس ما يقولون وذلك بإظهاره عظمة القرآن وبلاغته في متشابهه، وما يظهره من وجه الحكمة في كل موضع.
    5-وكذا نستفيد أن المتشابه اللفظي ضرب من التكرار، وفي هذا التكرار تثبيت لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)}[هود:120].
    6-أن علم المتشابه اللفظي يعين على تيسير حفظ القرآن الكريم وإتقانه، ولذلك صنف العلماء مؤلفات في المتشابه اللفظي لهذا الغرض تحديداً.
    7-أن المتشابه اللفظي معين على المحافظة على علوم القرآن الكريم، وذلك لأن البحث في اوجه التشابه ومحاولة توجيهها يحتاج إلى النظر في اللغة والنحو والبلاغة وأصول الفقه وغيرها، فكان المتشابه اللفظي بذلك سبباً في تحصيل علوم كثيرة.
    المبحث الثاني
    (( الاختلاف بين الآيات المتشابهة في اختيار الصيغة))


    واختلاف صيغة اللفظة يعني نقلها من هيئة إلى هيئة كنقلها من وزن إلى وزن آخر، أو نقلها من صيغة الاسم إلى صيغة الفعل أو بالعكس، أو كنقلها من الماضي إلى المستقبل أو بالعكس، أو من الواحد إلى التثنية أو الجمع أو إلى النسب؛ إلى غير ذلك، انتقل قبحها فصار حسناً وحسنها فصار قبحاً[(1)].
    وقد اعتنى البلاغيون بموضوع اختيار الصيغة عناية كبيرة لاسيما الفروق بين الاسم والفعل، وقد وضح ذلك في كتاباتهم، ومنهم الإمام عبد القاهر الجرجاني فبين- في كتابه دلائل الإعجاز في سياق حديثه تحت عنوان ((الفروق في الخبر))- الفرق بين الخبر إذا كان اسماً، أو فعلاً، أو صفة مشبهة[(2)].
    وعلى هذا النحو فقد شغلت البلاغيين قضية الصيغة؛ فتطرقوا لصيغ الأفعال والمعاني الدلالية التي تفرق بين كل صيغة، وكذلك تطرقوا للاختلاف بين صيغ المشتقات والمعاني التي تؤديها، وسوف نتناول في هذا المبحث ما ورد من الآيات المتشابهات من حيث الصيغة، وسوف يدور حديثنا حول أربعة مطالب كالآتي:-
    المطلب الأول

    الاختلاف في الاسمية والفعلية

    من الآيات التي وقف عندها علماء التشابه اللفظي في موضوع الاسمية والفعلية؛ تحليلهم لآية الأنعام:{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)}[الأنعام: 95، 96].
    فقد عبر بالاسم في موضع سورة الأنعام ((مخرج)) على الرغم من أن الآية تكررت كثيراً في القرآن الكريم، ولكنها وردت بصيغة الفعل، ومثال ذلك:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ}[آل عمران:27] {وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ}]يونس:31[(يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ)[الروم:19] فلماذا عبر بالاسمية في موضع سورة الأنعام؟
    يقول الإسكافي: ((إن أول هذه الآية ذكر بلفظ الاسم وهو {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} فكان اللائق به أن يقال: ومخرج الحي من الميت، ولكنه لما اجتمع ثلاثة حروف من حروف العلة دفعة واحدة، وهي: الواو من النوى، والياء من النوى، والواو من مخرج؛ وهي واو العطف، ونقل عن لفظ الاسم إلى لفظ الفعل لما كان يخرج ومخرج بمعنى واحد، فقال:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ} فجعل الجملة وهي:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ} خبر الابتداء، كما تقول: إن زيداً ضارب عمرو، يكرم بكراً، ومكرم جعفراً، فهذا أفصح من أن تقول: إن زيداً ضارب عمرو، ومكرم بكر، ومكرم جعفر، فلهذا المعنى قال:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ} فلما انتهى إلى العاطف من قرينه لم تكن فيه تلك العلة التي كانت في المعطوف عليه؛ فأجرى علي ما أجرى عليه أول الآيس، وهو:{فَالِقُ الْحَبِّ} وما بعده:{فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً}[الأنعام:96]، وعاد إلى لفظ الاسم وهو:{وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ}، وعطفه على {فَالِقُ الْحَبِّ}، وليس في الآي الأخر ما في هذه الآية قبلها وبعدها من الاسمية، فذكر فيها على لفظ الفعل عاطفها ومعطوفها فبان الفرق بينهما على ما بينت))[(1)].
    يقول الزمخشري: ((قال:{وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ} بلفظ اسم الفاعل، بعد قوله:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ} قلت: عطفه على فالق الحب والنوى، لا على الفعل. ويخرج الحيَّ من الميت: موقعة موقع الجملة المبينة لقوله:{فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحيِّ من الميت؛ لأنَّ النامي في حكم الحيوان. ألا ترى إلى قوله:{يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}[الروم:50]))[(1)].
    وكلام الزمخشري قريب من كلام الإسكافي؛ لأنه يضم الجمل الاسمية بعضها إلى بعض، ويعد الجملة الفعلية بياناً للتي قبلها، أما العلَّامة الطاهر ابن عاشور فيقول: ((وقد جيء بجملة: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ} فعلية للدلالة على أن هذا الفعل يتجدد ويتكرر في كل آن، فهو مراد معلوم وليس على سبيل المصادفة والاتفاق.
    وجيء في قوله:{وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ} اسماً للدلالة على الدوام والثبات، فحصل بمجموع ذلك أن كلا الفعلين متجدد وثابت؛ أي: كثير وذاتيٌّ؛ وذلك لأنَّ أحد الإخراجين ليس أولى بالحكم من قرينه، فكان في الأسلوب شِبه الاحتباك))[(2)].
    المطلب الثاني

    الاختلاف في صيغة الماضي والمضارع

    ومن الآيات المتشابهة التي ورد فيها اختلافاً في الصيغة بين الماضي والمضارع قوله تعالى في سورة الأنعام:{وَلَلدّ َارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ }[الأنعام:32]، وفي قوله تعالى في سورة الأعراف:{وَالدَّ ارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}[الأعراف:169] وفي قوله تعالى في سورة يوسف:{وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ}[يوسف:109] فورد الفعل في السورتين الأوليين بصيغة المضارع، وورد في آية يوسف بصيغة الماضي؛ فلمَ اختلف التعبير بين الموضعين؟
    ورد لفظ ((يتقون)) في السورتين على بابه وهو إفادة التجديد. أما آية سورة سيدنا يوسف، فخرجها الإسكافي في قوله: ((وقوله:{لِلَّذِي نَ اتَّقَوْا} في سورة يوسف هو أن القوم دعوا إلى الاعتبار بأحوال الأمم الذين أهلكوا في أزمنة أنبيائهم بالنظر إلى منازلهم، وهي خاوية على عروشها؛ ليعلموا أن الدار الآخرة خير لمن اتقى منهم))[(1)].
    أما ابن الزبير فقال: ((إن قوله تعالى في سورة يوسف:{وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ} قد تقدم قبله قوله تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ} الآية، والحاصل منه أنهم ظلموا أنفسهم فأهلكوا ولو اتقوا لنجوا فناسب هذا المعنى المقدر، ورود الماضي في قوله تعالى:{لِلَّذِين َ اتَّقَوْا} أوضح مناسبة))[(2)].
    في سورة الأنعام لأن الآية ارتبطت بعاقبة المتقين جزاء أعمالهم في الدنيا؛ فأتت صيغة ((يتقون)) مضارعة للدلالة على تجدد هذا النعيم واستمرارها، أما في سورة الأعراف فالسياق ورد فيه ترهيب لليهود الذين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وارتشائهم على كتمان أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وترغيب لهم فيما عند الله عز وجل إذا صدقوا ما في كتاب الله عز وجل، والترغيب والترهيب لا يتعلقان إلا بالآنف المستقبل، فلذلك قال:{لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ}[(3)].
    المطلب الثالث

    الاختلاف في صيغ الفعل الماضي

    عرضنا آنفا اختلاف الصيغة من المستقبل إلى الماضي، والآن نعرض تعدد الصيغ في الزمن الواحد، وبالبحث في الآيات المتشابهة في هذا الموضوع وجدنا أنها كثيرة جداً؛ إذ إن صيغ المادة الواحدة في الماضي كل صيغ تحمل دلالة معينة، وحين تستخدم كل صيغة في سياق معين في القرآن الكريم تحوي غرضاً بلاغياً ومعنى بيانياً بعينه.
    وسوف نعرض لمادة كَثُرَ استخدامها في القرآن الكريم وهي مادة ((نزل)) في صيغة الماضي، وقد دار حديث العلماء حول لفظ ((أَنْزَلَ))، و((نَزَّلَ)) وهاتان الصيغتان لابد من الوقوف في ظلالهما لبيان الأثر الصوتي والجمالي والدلالي لتنوع الصيغ الصرفية، وحين نتناول الصيغتين صرفياً يجب علينا أن نشير إلى أن التعبير بصيغة ((فَعَّل)) إنما هو على معنى التكثير والمبالغة في القيام بالفعل غالباً، وما تقتضيه هذه المبالغة من استلزام الزمن الطويل للقيام بهذا الفعل مضاعفاً، أما صيغة ((أَفْعَلَ)) فتتوقف دلالاتها عند معنى التعدية.
    وقد أشار ابن عصفور الإشبيلي إلى القيمة الصوتية التي تتضمنها صيغة ((فَعَّلَ))؛ إذ يقول: ((اعلم أن التضعيف لا يخلو أن يكون من باب إدغام المتقاربين، أو من باب إدغام المتماثلين. فإن كان من باب إدغام المتقاربين فلا يلزم أن يكون أحد الحرفين زائداً وأن يكون أصلاً. وإن كان من جنس إدغام المتماثلين كان أحد المثلين زائداً، إلا أن يقوم دليل على أصالتهما))[(1)].
    مثال: يقول تعالى:{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ}[آل عمران:3].
    خصص القرآن الكريم بلفظ ((نَزَّلَ)) بالتضعيف، بينما ورد الفعل مع التوراة والإنجيل بدون تضعيف، فما السر الجمالي في هذا التغاير التوظيفي؟
    نظر المفسرون[(1)]
    في التفريق بين الفعلين إلى اعتماد الزيادة الصرفية كمحول للدلالة، فصيغة )(فَعّلَ)) للمبالغة والتكثير، وهذا مما يناسب القرآن الكريم الذي نزل منجماً على فترة زمنية محددة بثلاث وعشرين سنة، بخلاف التوراة والإنجيل اللذين نزلا دفعة واحدة؛ ولذا تمت المخالفة هنا في السياق التوظيفي للفعلين على إرادة المبالغة في جانب صيغة ((فَعَّلَ))، وإرادة معنى النزول فقط في صيغة ((أَفْعَلَ))، وإذا نظرنا في مواضع أخرى في القرآن الكريم نجد أنه قد عُبِّر عن إنزال القرآن بصيغة ((أنزل)) التي سبق وأن أشار المفسرون إلى أن تلك الصيغة إنما يراد بها ما نزل دفعة واحدة، ومن ذلك قوله تعالى:{ َوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[العنكبوت:51] وكذلك قوله تعالى:{كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}[محمد:9] فكيف يكون التعامل مع هذا الإشكال؟
    يقول الراغب: ((الفرق بين الإنزال والتنزيل في وصف القرآن والملائكة، أن التنزيل يختص بالموضع الذي يشير إليه إنزاله مفرقاً، ومرة بعد أخرى، والإنزال عام))[(2)].
    وعلى هذا فإن معنى التدرج والتكرار في الإنزال مما يستفاد من التعبير بصيغة ((نَزِّلَ))؛ لأنها تقتضي الإنزال مرة بعد أخرى، وعلى هذا فإن ما يميز هذه الصيغة هو أنها تتضمن معنى المبالغة، ومعنى التكرار والتدرج في الإنزال. يقول ابن الزبير: ((لفظ (نَزِّلَ) يقتضي التكرار لأجل التضعيف؛ تقول: (ضرب) مخففاً لمن وقع ذلك عليه مرة واحدة، ويحتمل الزيادة والتقليل أنسب وأقوى))[(3)]، إذاً فإن صيغة (نَزَّلَ) لها أربع دلالات: المبالغة، والتكثير، والتدرج، والتكرار.
    أما صيغة ((أَنْزَلَ)) فدلالتها تقف عند الإنزال وشموليته.
    فنستطيع الاستنتاج أن استخدام أي صيغة من الصيغتين يكون وفق المقام السياقي الذي يتطلب أياً من الصيغتين.
    وإذا ما وقفنا بين يدي قوله تعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}[القدر:1] على أن الإنزال الذي تم فيها للقرآن الكريم دفعة واحدة إلى السماء الدنيا في بيت العزة من اللوح المحفوظ، ولا يناسب التعبير هنا إلا صيغة ((أَنْزَلَ)) بخلاف صيغة ((نَزَّلَ)) التي تقتضي المبالغة، وهذا ما لا يتناسب مع المعنى هنا.
    كذلك أليس من المناسب تماماً ما ذكره القرآن الكريم عن إنزال الحديد إلى الأرض بصيغة ((أَنْزَلَ)) لأن هذا في حقيقة الأمر تم دفعة واحدة في مرحلة الخلق كما في قوله تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}[الحديد:25] يقول الدكتور الزنداني: ((التعبير هنا بكلمة ((أَنْزَلَ) دقيق يتسق مع معطيات العلم الحديث التي تؤكد استحالة تكون معدن الحديد على سطح الكرة الأرضية، ذلك لأن اندماج ذرتين من هذا العنصر يتطلب فوق ثلاثة ملايين درجة حرارة مئوية فقط لاندماج ذرتين منه، فكيف بهذه الكميات الهائلة التي تشغل باطن الكرة الأرضية؟! وليس على سطح الكرة الأرضية أي وجود لمثل هذه الطاقة الهائلة والمطلوبة لمثل هذه الاندماجات. لذا لابد من الإقرار بأن هذا العنصر لم يتكون على سطح الأرض، بل هو مُنْزَل إليها))[(1)].
    فناسب هذا المعنى أن يرد التعبير عنه بصيغة ((أنزل)).
    وقد أشار الكرماني في هذا السياق بين الصيغتين في قوله تعالى:{أَتُجَادِ لُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}[الأعراف:71]، {إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}[يوسف:40ٍ[النجم:23] فما السر البلاغي في التفريق بين الصيغتين؟
    يقول الكرماني: ((قوله:{مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} في هذه السورة ((نَزَّلَ)) وفي غيرها ((أَنْزَلَ)) لأن أفعل كما ذكرت آنفا للتعدي، وفعل للتعدي والتكثير؛ فذكر في الموضع الأول بلفظ المبالغة ليجري مجري ذكر الجملة والتفصيل، وذكر الجنس والنوع، فيكون الأول كالجنس، وما سواه كالنوع))[(1)].
    وتناول ابن الزبير الحديث حول هذه المسألة ((نَزَّلَ)) و((أَنْزَلَ)) وذلك حين تحدَّث عن آيتين متشابهتين في سورة محمد صلى الله عليه وسلم في {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}[محمد:9] {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ}[محمد:26].
    فحين تناول ابن الزبير هاتين الآيتين بين الاختلاف في توظيف الصيغتين في كلا الموضعين السابقين بناء على ما تضمنته السورة من أولها؛ فيقول: ((المتقدم من أول هذه السورة إلى قوله بعد الآية المتكلم فيها: {وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ}[محمد:11] يقصد ممن تضمنته هذه الآية من الكفار غير مشركي العرب من قريش وغيرهم، ولاشك أن كفرهم منسحب على كل المنزل من القرآن وما تقدم نزوله من التوراة وغيرها من الكتب، فلم يكن ليلائم ذلك عبارة نَزَّل المبينة عن تنجيم المنزّل، ولم ينزَّل كذلك غير القرآن، وهم ينكرون كل الكتب المنزلة ويكرهونها؛ فقيل هنا:{كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ}[محمد:11].
    أما الآية الثانية: فالمراد بها ذوو النفاق والمرتدون على أدبارهم، ويبين ذلك ما تقدمها من قوله تعالى:{رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ}[محمد:20]، وهؤلاء هم المنافقون، ولم يقع فيما بعد عدول عنهم إلى قوله:{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ}[محمد:25] وإنما هؤلاء قوم كفروا بعد إسلامهم، وهم القائلون بمقتضى نفاقهم وما أبطنوه من الكفر لغيرهم:{سَنُطِيع ُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ}[محمد:26]، ولهؤلاء إطلاع على المنزَّل من القرآن، وخصوص كراهيته له، وهي المهيجة لنفاقهم، فهو الذي كرهوه حقيقة؛ فقيل هنا:{كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ} بلفظ التضعيف إذ الإشارة إلى القرآن، وهذه صفته أعني ما يشير إليه التضعيف من التنجيم في النزول، فكل من الموضعين وارد على أنسب نظام وأتمه))[(1)].
    الحاصل مما أورده ابن الزبير: أن صيغة ((نَزَّلَ)) وردت حين ذُكِرَ أهل النفاق والريب؛ لأنهم كفروا بعد إيمانهم ومعرفتهم للحق فكانت تلك الصيغة أنسب لبيان المنزل، أما صيغة ((أنزل)): فكانت أنسب في ذكر المشركين؛ لأنهم ينكرون كل الكتب المنزلة من لدن الله عز وجل ويكرهونها.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: المتشابه اللفظي في القرآن الكريم

    المتشابه اللفظي في القرآن الكريم


    ( دراسة تحليلية)



    د.وليد محمد عبد العزيز الحمد[(*)]

    المطلب الرابع

    الاختلاف في صيغ الاشتقاق

    من الآيات المتشابهة تحت هذا العنوان قوله تعالى:{يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}[الأعراف:112] {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ}[الشعراء:37] فما السر البلاغي في التعبير في آية الأعراف بصيغة اسم الفاعل وفي آية الشعراء بصيغة المبالغة؟

    يقول الكرماني: ((قوله:{بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}[الأعراف:112] وفي الشعراء:{بِكُلِّ سَحَّارٍ}[الشعراء:37] لأنه راعى ما قبله في هذه السورة، وهو قوله:{إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}[الأعراف:109] وراعى في الشعراء الإمام[(2)] فإنه فيه: {بِكُلِّ سَحَّارٍ} بالألف وقرئ في هذه السورة: {سَحَّارٍ} أيضاً طلباً للمبالغة وموافقة لما في الشعراء))[(3)].
    أشار الكرماني إلى أن لفظ ((ساحر)) في آية الأعراف وافق اللفظ في الآية التي تقدمتها من جهة، ثم تعرض للقراءات القرآنية التي قرئت بها آية الأعراف فأشار إلى أنها قرئت بصيغة المبالغة ((سَحَّار))[(1)]، وعندما تعرض لآية الشعراء أورد أنها كانت أصلاً اتفق القراء على قراءتها بصيغة المبالغة ثم أوضح أن صيغة ((فعَّال)) أفادت المبالغة للدلالة على قوة المعرفة بالسحر.
    وفي سياق التحدث عن صيغة ((فَعَّال)) قال العلاَّمة الطاهر ابن عاشور: ((وقرأ الجمهور: {بِكُلِّ سَحَّارٍ} وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف:{بِكُلِّ سَحَّارٍ}، على المبالغة في معرفة السحر، فيكون وصف {عَلِيمٍ} تأكيداً لمعنى المبالغة؛ لأن وصف عليم الذي هو من أمثلة المبالغة للدلالة على قوة المعرفة بالسحر))[(2)]، وهو معنى كلام الكرماني رحمه الله تعالى، وقد تعرض الدكتور محمد داود لشرح الصيغتين في معجمه، فقال: ((استعملت صيغة اسم الفاعل (ساحر) في آية الأعراف؛ لعدم الحاجة إلى المبالغة في الوصف، حيث الآية السابقة لم يذكر فيها السحر، وهي قول الله عز وجل:{يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}[الأعراف:110].
    بينما استعملت صيغة المبالغة (سَحَّار) في آية الشعراء؛ لتقدم قول الله عز وجل:{يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}[الشعراء:35] فلما وصفه بالسحر كان جوابهم عليه أن يأتوه بمن هو أعلى منه كعباً في السحر؛ فاستخدمت صيغة المبالغة للتعبير عن هذا))[(3)].


    المبحث الثالث


    (( الاختلاف بين الآيات المتشابهة في الإفراد والجمع))


    ورد في كتب علماء المتشابه كلمات جاءت مفردة لغرض بلاغي معين يستدعيه السياق القرآني، وجاءت تارة أخرى جمعاً لغرض بلاغي يستدعيه السياق القرآني؛ فسوف نتناول المسألة على النحو التالي:-
    المطلب الأول

    الجمع والإفراد في الأسماء الظاهرة
    من المواضع التي تحدث عنها علماء المتشابه في مسألة الإفراد والجمع في الأسماء الظاهرة حديثهم عن كلمة ((دار)) و((ديار)) في قول الله تعالى في الأعراف في قصة صالح:{فَأَخَذَتْ هُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}[الأعراف:78] وفي قصة شعيب:{فَأَخَذَتْ هُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}[الأعراف:91] وفي سورة هود جاء التعبير بالجمع في قصة شعيب: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}[هود:94]؛ فما السر البلاغي في تخصيص موضع بالإفراد وآخر بالجمع؟
    اختلف العلماء في توضيح الفارق في استخدام المفرد مرة والجمع مرة إلى رأيين: الأول: رأي الخطيب الإسكافي، والثاني: رأي الكرماني.
    أما الخطيب الإسكافي: فذهب إلى أن المواضع التي تقدم فيها ذكر النبي بأنه أخو قومه، كما في قوله تعالى:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً}[الأعراف:73]، {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}[الأعراف:85] حينما أورد عاقبة أمرهم جاءت كلمة ((دار)) مفردة، وعلل ذلك قائلاً: ((فجعلهم بني أب واحد، وجعلهم كذلك أهل دار واحدة، ورجاء- أيضاً- أن يصيروا بالإيمان فرقة واحدة))[(1)].
    ولكن عندما قدَّم ذكر النبي ومن آمن معه، كما في قوله تعالى:{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}[هود:66]، وقوله تعالى:{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}[هود:94] فحينما أورد عاقبة الهالكين جاءت كلمة ((دار)) جمع، وعلل ذلك بقوله: ((وكل موضع أخبر عن تفرقه بينهم، وإخراج النبي ومن آمن منهم معه، أخبر عنهم بالإخبار الدال على تفرق شملهم، وتشتت أمرهم، وذهاب المعنى الذي كان يجمعهم لأب واحد ودار واحدة، وأن يصيروا مع المؤمنين فرقة واحدة))[(2)].
    أما الكرماني: فقد انتهج منهجاً مخالفاً لمنهج الإسكافي في تعليل الإفراد والجمع؛ فكان رأيه مبنياً على فهم الدلالة المعنوية للألفاظ، وربط تلك الدلالة بسياق النظم القرآني؛ فيقول: ((قوله: {فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} على الوحدة، وقال: {وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} حيث ذكر الرجفة- وهي الزلزلة- وحد الدار، وحيث ذكر الصيحة جمع؛ لأن الصيحة كانت من السماء؛ فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة، فاتصل كل واحد بما هو لائق به))[(3)].
    وانتهج ابن الزبير نفس منهج الكرماني في التفريق بين الإفراد والجمع معتمداً- هو الآخر- على فهم الدلالة اللفظية للفظ وربطه بالسياق القرآني؛ فأرود في سياق تعليقه على المسألة: ((فوجه اختيار لفظ الجمع في الآية من سورة هود مناسبة ما اقترن به من لفظ الصيحة، هي عبارة- هنا- عن العذاب مطلقاً، دون تقييد بصفة، وهو من الألفاظ الكلية فإن لم يكن عاماً فانتشار مواقعه من حيث الكلية حاصلة))[(4)].
    وأما الرجفة الزلزلة: فلهذا اللفظ خصوص، وهو جزئي، ومن المعلوم بالضرورة انحصار الألفاظ في الضربين، فإن اللغة لا تختلف في ذلك؛ فالصيحة من حيث الكلية تطلق على ما كان من العذاب بالرجفة وغيرها، وإذا عبرنا بالرجفة لم يتناول لفظها إلا ما كان عذاباً بها، فناسب عموم الصيحة جمع الديار مناسبة، تركيب النظم وناسب خصوص الرجفة إفراد الدار))[(1)].
    أما الدكتور محمد داود في معجمه فاعتمد- هو الآخر- على اللفظ وارتباطه بالسياق القرآني، فقد أورد في معجمه: ((أفرد لفظ الدار في آية الأعراف؛ لأن الرجفة- وهي الزلزلة- دمرت بلدهم تدميراً؛ فجاء اللفظ واحداً باعتبار بلدهم المدمَّر.
    وجمع اللفظ في آية هود؛ لأن الصيحة جاءت من السماء، وهي أقوى وأعنف من الرجفة، فجاء اللفظ مجموعاً لبيان عظم التدمير وقوته وفداحة آثاره))[(2)].
    المطلب الثاني

    الجمع والإفراد في الضمائر
    بعد الانتهاء من الحديث عن الإفراد والجمع في الأسماء الظاهرة، نقف على مسألة أخرى وهي الإفراد والجمع في الضمائر أو الأفعال المتصلة بالضمائر.
    من الآيات المتشابهة في هذا السياق: قوله تعالى:{وَمِنْهُم ْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}[الأنعام:25] وقوله تعالى:{وَمِنْهُم ْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}[يونس:42ٍ في آية الأنعام ورد الفعل مسنداً للمفرد، بينما جاء الفعل في آية يونس مسنداً لضمير الجمع؛ فما السر البلاغي في تخصيص موضع بالإفراد والآخر بالجمع؟
    بين الإسكافي أن آية الأنعام نزلت في قوم من الكفار كانوا يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: أبو سفيان، والنضر بن الحارث، وعتبة، وشيبة، وغيرهم، وكانوا قليلي العدد، أما آية يونس فهي في كل الكفار الذين يستمعون القرآن وهو حجة عليهم.
    يقول الإسكافي: ((فلما كانت (مَنْ) تصلح للواحد فما فوقه، ويجوز أن يعود الضمير إلى لفظه، وهو لفظ الواحد وإلى معناه، وهو ما يراد به من الواحد أو الاثنين أو الثلاثة، واختلف هاذان المكانان في القلة والكثرة؛ فحملت في موضع القلة على حكم اللفظ، وعاد الضمير إليها بلفظ الواحد، فقال:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} وفي موضع الكثرة على حكم المعنى، وعاد الضمير إليها بلفظ الجمع، فقال:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}؛ ليفاد بالاختلاف هذا المعنى، فلم يصبح في كل مكان إلا اللفظ الذي خصه مع القصد الذي ذكرت))[(1)].
    قال الكرماني: ((لأن ما في هذه السورة- الأنعام- نزل في أبي سفيان، والنضر بن الحارث، وعتبة، وشيبة، وأمية وأبي ابني خلف، فلم يكثروا كثرة من في يونس؛ لأن المراد بهم في يونس جميع الكفار، فحمل ههنا مرة على لفظ (من)؛ فوحد لقلتهم، ومرة على المعنى فجمع؛ لأنهم- وإن قلوا- كانوا جماعة، وجمع ما في يونس ليوافق اللفظ المعنى))[(2)].
    وقال أبو حيان في تحليل سورة الأنعام: ((والضمير في (ومنهم) عائد إلى الذين أشركوا، ووحد الضمير في (يستمع) حملاً على لفظ (من) وجمعه في على قلوبهم حملاً على معناها، والجملة من قوله: (وجعلنا) معطوفة على الجملة قبلها عطف فعلية على اسمية؛ فيكون إخباراً من الله تعالى أنه جعل كذا))[(3)].
    ((والضمير في (يستمعون) عائد على معنى (من)، والعود على المعنى دون العود على اللفظ في الكثرة وهو كقوله:{وَمِنْ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ}[الأنبياء:82] والمعنى: من يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع))[(1)].
    أما ابن الزبير رحمه الله تعالى فقد فصل القول في ((مَن)) وأن اللفظ يستخدم للمفرد والجمع، فيحمل في كلام العرب على الإفراد؛ اعتماداً على لفظه؛ فلهذا ترد صلته إن كان موصولاً، أو صفته إن كان موصوفاً، او خبره إن كان شرطاً، أو استفهاماً، كصلة (الذي) الواقع على المفرد... ثم قد يكون فيما اتصل بالكلام بعد ضمير أو غيره يراعى فيه معنى من حيث يراد أكثر من واحد فيأتون على معنى (من) لا على لفظها، وعلى هذا كلام العرب في الكثير المطرد، وعليه جاء في القرآن:{وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ} ثم قال:{وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}[البقرة:8] فعاد الضمير مجموعاً، ثم أوضح ابن الزبير أن آية الأنعام وردت على الأكثر المطرد، وقد ورد فيما انتظم بالآية بيان كون المستمعين جماعة، وذلك في قوله:{وَجَعَلْنَ ا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً}[الأنعام:25] فبين أن المراد جماعة، وارتفع الاحتمال، ولما لم يرد مع آية سور يونس ضمير ولا غير ذلك مما يبين المستمعين جماعة، وكان بيان ذلك مراداً مقصوداً، أتى الضمير أولاً ضمير جمع حملاً على معنى (من)، ولم يحمل على لفظها فيفرد؛ لئلا يوهم أن المستمع واحد، وذلك غير مقصود، فقيل: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} إذ ليس الكلام بعد ما يبين ذلك[(2)].
    الحاصل: أن آية يونس جاءت بالجمع مناسبة للآيات التي سبقتها والتي ورد فيها أصناف الكفر، وتضمنت حديثاً عن الجماعات التي كفرت، ومنه:{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً}{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}{ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}[يونس:36-39] ثم جاء قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}[يونس:42] وبعده قوله تعالى:{وَمِنْهُم ْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ}[يونس:43] فأورد الأول بالجمع لكثرة المستمعين، وجاء الثاني مفرداً لقلة الناظرين؛ لأن النظر يقتضي القرب وعدم وجود مانع بين المتكلم والناظر، أما السمع فقد تستمتع إلى من لا تراه، وبالنظر للآية الواردة في سورة الأنعام فالآيات التي سبقتها تناولت الحديث عن قدرة الله عز وجل، وعن أحوال الآخرة، ثم تحولت للحديث عن بيان أمر أبي سفيان رضي الله عنه ومن معه، فكان الإفراد أولى فيها من الجمع.
    المطلب الثالث

    اختلاف صيغ الجموع

    أورد علماء المتشابه آيات مختلفة في صيغة الجمع، وبينوا الأسرار والفوائد لتلك الصيغ المختلفة، فتارة جاء الجمع جمع تصحيح، وتارة أخرى جمع تكسير وثالثة جمع قلة، وسوف نتناول مثالاً تناوله علماء المتشابه:
    قال تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}[البقرة:58] وقال تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف:161] فلماذا عبر في الآية الأولى بجمع الكثرة، وفي الثانية بجمع القلة؟
    تناول الخطيب القضية مفصلاً الحديث فيها، فأوضح أن استخدام جمع الكثرة في آية البقرة؛ لأن صدر الآية جاء بإخبار الله عن نفسه، وهذا تعظيم فناسبه ذلك، يقول: ((فأما الكلام في (الخطايا) واختيارها في سورة البقرة؛ فلأنها بناء موضوع للجمع الأكثر، والخطيئات جمع السلامة وهي للأقل... استعمل لفظ الكثير في الموضع الذي جعل الإخبار فيه عن نفسه بقوله:{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا} وشرط لمن قام بهذه الطاعة ما يشرطه الكريم إذا وعد من مغفرة الخطايا كلها، وقرن إلى الإخبار عن نفسه جل ذكره ما يليق بجوده وكرمه؛ فأتى باللفظ الموضوع للشمول فيصير كالتوكيد بالعموم.. ولما لم يسند الفعل في سورة الأعراف إلى نفسه عز اسمه، وإنما قال:{وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} فلم يسم الفاعل، أتى بلفظ (الخطيئات)، وإن كان المراد بها الكثرة كالمراد بالخطايا، إلا أنه أتى في الأول لما ذكر الفاعل بما هو لائق بضمانه من اللفظ))[(1)].
    أما ابن الزبير في سياق الحديث عن تلك القضية فقد أورد الآيتين 58 و59 من سورة البقرة، وقارنهما بالآيتين 161 و162 من سورة الأعراف فأخرج منهما عشر مسائل، وكانت القضية التي بين أيدينا هي المسألة الخامسة، فقال: ((ورد جمعها في البقرة مكسراً ليناسب ما بنيت عليه آيات البقرة من تعداد النعم والآلاء؛ لأن جموع التكسير- ما عدا أربعة أبنية التي هي: أفعل وأفعال وأفعله وفعله- إنما ترد في الغالب للكثرة، فطابق الوارد في البقرة ما قصد من تكثير الآلاء والنعم، وأما الجمع بالألف والتاء فبابه القلة في الغالب- أيضاً- ما لم يقترن به ما يبين أن المراد به الكثرة، فناسب ما ورد في الأعراف من حيث لم تبن أيها من قصد تعدد النعم على ما بنيت عليه آي البقرة؛ فجاء كل على ما يناسب. والله أعلم))[(2)].
    قال الدكتور الخضري: ((إن تكثير الخطاب في سورة البقرة راجع إلى كثرة ما حكاه الله تعالى قبل الآية من جرائم بني إسرائيل، أما الأعراف: فقد توارت فيها هذه الخطايا وسط ظلال نعم الله على بني إسرائيل))[(3)].
    أما الدكتور محمد داود فتناول القضية بشكل مختلف: ((كلا اللفظين في اللغة جمع (خطيئة)(خطايا): جمع تكسير. (خطيئات): جمع مؤنث سالم، وقد ورد اللفظان في آيتين متشابهتين معنى ولفظاً في القرآن الكريم- ثم أورد الآيتين اللتين سبق التحدث عنهما- وكلتا الآيتين في سياق تذكير اليهود بنعمة الله عليهم، غير أن آية البقرة استخدم فيها جمع التكسير {خَطَايَاكُمْ} الدال على الكثرة؛ لأن هذه الآية تضمنت مزيداً من التكريم والفضل الإلهي تمثل في وصف الأكل بالرغد؛ فناسب ذلك غفران (الخطايا) الكثيرة، وأما آية الأعراف: فلم تتضمن وصف الأكل بالرغد، كما أن القول فيها مسند لمجهول (قيل)؛ فلم يقتض ذلك غفران الذنوب جميعها، فكان جمع القلة:{خَطِيئَات ِكُمْ} أنسب في هذا السياق، ونخلص مما سبق إلى دقة الاستخدام القرآني للجموع المختلفة؛ حيث استخدم جمع الكثرة (خطايا) في حال إسناد القول إلى الله (قلنا)، وفي حال وصف النعمة بالرغد، ولما أسند الخطاب لمجهول، ولم توصف النعمة بالرغد؛ لم يقض ذلك غفران الذنوب الكثيرة))[(1)].


    المبحث الرابع


    (( الاختلاف بين الآيات المتشابهة في التذكير والتأنيث))


    لدراسة التذكير والتأنيث أهمية كبرى؛ فإن من تمام فصاحة الكلام لدى السامع مراعاة المتحدث أو الكاتب قضية التذكير والتأنيث؛ ليجعل كلامه وعباراته مؤدية الغرض المقصود، وذلك باختيار ما يناسب المقام من العناصر المتعلقة بالتذكير والتأنيث كالضمائر، وأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، والأوصاف، عندما يتحدث أو يكتب، كما يلزمه مراعاة الحالة الإعرابية لما يتكلم به أو يكتبه، فضلاً عن مراعاته للمقام ومقتضى الحال من حيث بلاغة الكلمة، أو العبارة، قال أبو بكر محمد بن الأنباري: ((إن من تمام دراسة النحو والإعراب معرفة المذكر والمؤنث؛ لأن من ذكر مؤنثاً، أو أنث مذكراً، كان العيب لازماً له، كلزومه من نصب مرفوعاً، أو خفض منصوباً))[(1)]، وقد عني علماء المتشابه بهذه المسألة المهمة لأنها وقعت في بعض الآيات المتشابهات؛ فاجتهدوا في توضيح الفروق بين الآيات المتشابهات، وسوف نتعرض لجهودهم على النحو التالي:-
    المطلب الأول

    التذكير والتأنيث في الأسماء الظاهرة
    ويقصد الآيات المتشابهات التي وردت اسمية- سواء أسماء ظاهرة أو أسماء موصولة أو أسماء إشارة- واختلفت في التذكير والتأنيث، وقد تناول علماء المتشابه العديد من هذه المسائل، ومنها:{وَآتُوهُن َّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ}[النساء:25] {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}[المائدة:5] فلماذا عبر تارة بالتذكير وأخرى بالتأنيث؟
    يرى ابن الزبير أن الآيتين ليس بينهما إشكال، وعلل ذلك قائلاً: ((لأن مصرف الوصف في الأولى للإماء المتزوجات عند عدم الطول، ومصرف الوصف في المائدة للمتزوجين من الرجال))[(1)].
    وقد وافق ابن جماعة ابن الزبير، ولكنه زاد في توضيح المسألة فقال: ((إن آية النساء في نكاح الإماء، وكان كثير منهن مسافحات؛ فناسب جمع المؤنث بالإحصان.
    وآية المائدة في من يحل للرجال من النساء؛ فناسب وصف الرجال بالإحصان، ولأنه تقدم ذكر النساء بالإحصان، فذكر إحصان الرجال- أيضاً- تسوية بينهما، لأنه مطلوب فيهما))[(2)].
    المطلب الثاني

    التذكير والتأنيث في الضمائر
    ورد في القرآن في مسألة تذكير الضمائر وتأنيثها خمس مسائل[(3)]، وتعد مسألة تذكير الضمائر وتأنيثها أبرز الموضوعات في هذا المبحث، وسوف نتعرض لمسألة من تلك المسائل:
    {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ}[آل عمران:49] {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي}[المائدة:110] فجاء الضمير في آل عمران في قوله:{فِيهِ} مذكراً، وفي المائدة ورد الضمير مؤنثاً:{فِيهَا}، فلم عاد الضمير على مذكر في الآية الأولى، وعلى مؤنث في الثانية؟
    التذكير في آية آل عمران يناسب مقام ذكر الآيات، وأول ما يصور من الطين كهيئة الطير، وهو واحد، فيلزم به الحجة عليهم، أما آية المائدة: فنساب التأنيث ذكر النعم وتعددها، وهذا جمع، والتأنيث به أولى.
    يقول الإسكافي: ((إن الأول الذي ذكر الضمير فيه إنما هو فيما أخبر الله عز وجل به عن عيسى على نبينا وعليه السلام، وقوله عليه السلام لبني إسرائيل: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} وعد الآيات كلها عليهم، منها: أني آخذ من الطين ما أصور منه صورة على هيئة الطير في تركيبه، فأنفخ فيه، فينقلب حيواناً لحماً، قد ركب عظماً، وخالط دماً، واكتسى ريشاً وجناحاً كالطائر الحي، والقصد في هذا المكان إلى ذكر ما تقوم به حجته عليهم، وذلك أول ما يصور الطين على هيئة الطير، ويكون واحداً تلزم به الحجة، فالتذكير أولى به.
    والآية في سورة المائدة المخصوصة بتأنيث الضمير العائد إلى ما يخلقه، هي في ذكر ما عدد الله من النعم على عيسى عليه السلام، وما أصحبه إياه من المعجزات وأظهر على يده من الآيات، وابتداؤها:{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً}[المائدة:110]، والإشارة في هذه الآية ليست إلى أول ما يبديه لبني إسرائيل من ذلك محتجاً به عليهم، وإنما هي إلى جميع ما أذن الله تعالى في كونه دلالة على صدقه من قبيل الصور التي يصورها من الطين على هيئة الطير، وذلك جمع التأنيث أولى به))[(1)].
    أما الكرماني: فقد لخص ما أورده الإسكافي، فقال: ((فالجواب أن يقال في هذه السورة- آل عمران-: إخبار قبل الفعل فوحده، وفي المائدة خطاب من الله تعالى له يوم القيامة، وقد تقدم من عيسى عليه السلام الفعل مرات، والطير صالح للواحد وصالح للجميع))[(1)].
    وقد وافقه ابن جماعة فقال : ((آية آل عمران من كلام المسيح عليه السلام في ابتداء تحديه بالمعجزة المذكورة ولم تكن صورة بعد؛ فحسن التذكير والإفراد.
    وآية المائدة من كلام الله تعالى له يوم القيامة معدداً نعمه عليه بعد ما مضت وكان قد اتفق ذلك منه مرات، فحسن التأنيث لجماعة ما صوره من ذلك ونفخ فيه))[(2)].
    أما ابن الزبير فقال: ((عودة الضمير على اللفظ وما يرجع إليه أولى، وعودته على المعنى ثان عن ذلك، وكلا التعبيرين عال فصيح، فعاد في آية آل عمران على الكاف[(3)]؛ لأنها تعاقب[(4)] (مثل) وهو مذكر، فهذا لحظ لفظي. ثم عاد في آية المائدة إلى الكاف من حيث هي في المعنى صفة؛ لأن المثل صفة في التقدير المعنوي، فحصل مراعاة المعنى ثانياً على ما يجب؛ كما ورد في قوله تعالى:{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} بعودة الضمير من يقنت مذكراً رعياً للفظ (من)، ثم قال: {وَتَعمَل} بالتاء رعيا للمعنى وهو كثير))[(5)].
    وقد نقل ابن الزبير هذه الإشارة من الزمخشري وعزاها إليه، يقول الزمخشري: (({فَأَنفُخُ فِيهِ} الضمير للكاف؛ أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير))[(6)].
    أما في سياق حديثه عن قوله تعالى:{فَتَنفُخُ فِيهَا} فقال: ((الضمير للكاف؛ لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى عليه السلام وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها؛ لأنها ليست في خلقه، ولا من نفخه في شيء، وكذلك الضمير في فتكون))[(1)].
    ويلخص الدكتور محمد داود تلك المسألة: ((ذكر الضمير في آية آل عمران؛ لأنها تذكر كلام المسيح عليه السلام قبل أن تكون للطير صورة، فناسب ذلك إعادة الضمير إلى الطين، وهو مذكر.
    أما آية المائدة فتذكر كلام الله عز وجل يوم القيامة للمسيح عليه السلام، وقد سبق له مرات عديدة أن صنع الطين طيراً بإذن الله، فناسب ذلك تأنيث الضمير؛ ليدل على جماعة الطير التي سبق أن صورها ونفخ فيها))[(2)].
    ثم أورد ابن الزبير في سياق حديثه جواباً ثانياً عن سر الاختلاف بين الآيتين؛ إذ يقول: ((قد ورد قبل ضمير آية آل عمران من لدن قوله تعالى:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ} إلى قوله: {فَأَنفُخُ فِيهِ} نحو من عشرين ضميراً من ضمائر المذكر؛ فورد الضمير في قوله: {فَأَنفُخُ فِيهِ} ضمير مذكر ليناسب ما تقدمه ويشاكل الأكثر الوارد قبله.
    أما آية العقود فمفتتحة بقوله تعالى:{اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} وخلقه الطائر ونفخه فيه من أجل نعمه تعالى عليه، لتأييده بذلك؛ فناسب ذلك تأنيث الضمير، ولم تكثر الضمائر هنا ككثرتها هناك؛ فجاء كل من الآيتين على أتم مناسبة))[(3)].
    المطلب الثالث

    التذكير والتأنيث في الأفعال المسندة للضمائر
    والمقصود هاهنا: إلحاق علامة التأنيث بالفعل، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى:{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ}[آل عمران:184] وقوله تعالى:{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ}[فاطر:4] في الآية الأولى أسند الفعل "كذب" لضمير المذكر، أما في الآية الثانية أسند الفعل لضمير المؤنث؛ فلماذا أسند الأول لضمير مذكر والثاني لمؤنث؟
    لم يتناول أحد من علماء المتشابه تلك المسألة إلا ابن الزبير؛ إذ يقول: ((قوله تعالى:{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} وفي سورة الملائكة:{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} ورد في هاتين الآيتين المفعول المقام مقام الفاعل وهو (رسل) مكسر، والاسم المجموع جمع تكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث؛ فورد في الآية الأولى:{فَقَدْ كُذِّبَ} على رعى التذكير، ولم يقرأ بغيره، وفي الآية الثانية {فَقَدْ كُذِّبَتْ} على معنى التأنيث لزوماً أيضاً مع وحدة اللفظ في المرفوع المفعول وما يجوز فيه من التذكير والتأنيث فيسأل عن ذلك.
    والجواب عن ذلك- والله أعلم- أن كلا الآيتين مراعى فيه ما يلي تابعاً للمرفوع من الوصف في الأولى، وما عطف في الثانية.
    أما الأولى: فقال تعالى:{جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ } ولا يمكن هنا إلا هذا، فجرى على ما هو الأصل في جمع المذكر المكسر من التذكير، فلم تلحق الفعل علامة التأنيث.
    وأما آية الملائكة: فلحقت التاء الفعل، رعياً لما عطف على الآية من قوله تعالى:{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} فليس في هذا إلا التأنيث سواءاً بنى الفعل للفاعل أم للمفعول، فنوسب بين الآيتين، فقيل:{كُذِّبَتْ} على الجائز الفصيح في تأنيث المجموع المكسر؛ ليحصل التناسب، ولا يمكن عكس الوارد في الآيتين والله أعلم))[(1)].
    الحاصل من كلام ابن الزبير- رحمه الله تعالى-: أن المفعول الذي أقيم مقام الفاعل (رسل) ورد جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فيجوز أن نقول: كذب الرسل، ويجوز أن نقول أيضاً: كذبت الرسل، والسبب في إلحاق ضمير المذكر في آية آل عمران هو أن آخر الآية ورد فيها فعل مذكر (جاءوا) فناسب ذلك أن يلحق بالفعل الأول ضمير مذكر، أما آية سورة فاطر: فألحق الفعل بضمير مؤنث؛ لأن الفعل الوارد في آخر الآية جاء مؤنثاً (تُرجع) فناسب أن يرد الأول مؤنثاً.
    يتبع





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: المتشابه اللفظي في القرآن الكريم

    المتشابه اللفظي في القرآن الكريم


    ( دراسة تحليلية)



    د.وليد محمد عبد العزيز الحمد[(*)]

    المبحث الخامس


    (( الاختلاف بين الآيات المتشابهة في التعريف والتنكر))


    عني علماء البلاغة بقضية التعريف والتنكير عناية فائقة في مؤلفاتهم؛ وفصلوا القول في دواعي استخدام اللفظ نكرة وفي دواعي استخدامه معرفة، وكذلك عني علماء المتشابه بهذه المسألة وفصلوا القول فيها وفي الدلالات التي يتضمنها اللفظ النكرة والمعرفة، وسوف نتعرض للقضية في مطلبين:-
    المطلب الأول

    التعريف بالألف واللام
    والمقصود هنا ورود بعض المواضع معرفاً بالألف واللام، وفي مواضع أخرى وردت نكرة، وقد أحصى النحاة وتبعهم البلاغيون المعاني التي يمكن أن تستفاد من التعريف بالألف واللام، ونبه البلاغيون على أن المتكلم البليغ قد يختار في كلامه الاسم المعرف باللام دون المعارف الأخرى التي تصلح بدائل له؛ للدلالة على معنى يقصده من المعاني التي يمكن أن تستفاد من أداة التعريف هذه، مع قصد الإيجاز في التعبير.
    ونلاحظ أنه كلما كان المتكلم أكثر إحساساً بفروق المعاني، وأكثر تذوقاً لفروق العناصر الجمالية في الكلام، وأكثر إدراكاً لمطابقة الكلام لمقتضى الحال، كان أحسن اختياراً من البدائل التي يصلح كل منها لأداء أصل المعنى المقصود بوجه عام، وبسبب ذلك تتفاوت مراتب الكلام البليغ والإبداع فيه))[(1)]، وقد تناول علماء المتشابه العديد من المواضع التي ذكرت في القرآن ورد فيها آيات متشابهات في موضع معرفة، وفي آخر نكرة، ونذكر منها موضعاً واحداً، وهو: قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[البقرة:234] {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[البقرة:240] ففي الآية الأولى وردت ((المعروف)) معرفاً بالألف واللام، أما الآية الثانية: فقد وردت كلمة ((معروف)) نكرة؛ فلماذا وردت في الأولى معرفة وفي الثانية نكرة؟
    يقول الإسكافي محللاً الآيتين: ((إن الأول تعلق بقوله:{وَالَّذِي نَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة:234] أي: لا جناح عليكم في أن يفعلن في أنفسهم بأمر الله المشهور، وهو ما أباحه لهن من التزوج بعد انقضاء العدة، فالمعروف هاهنا أمر الله المشهور، وهو فعله وشرعه الذي شرعه وبعث عليه عباده.
    والموضع الثاني: أن المراد به:{فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ} من جملة الأفعال التي لهن أن يفعلن من تزوج أو قعود، فالمعروف هاهنا فعل من أفعالهن، يعرف في الدين جوازه، وهو بعض ما لهن أن يفعلنه، ولهذا المعنى خص بلفظة (من) وجاء نكرة، فجاء المعروف في الأول معرف اللفظ لما أشرت إليه، وهو أن يفعلن في أنفسهن بالوجه المعروف المشهور الذي أباح الشرع لهن ذلك، وهو الوجه الذي دل الله عليه وأبانه، فعرف إذ كان وجهاً من الوجوه التي لهن أن يأتينه، فأخرج مخرج النكرة لذلك))[(1)].
    أما ابن الزبير فوضع جوابين للمسألة، وجعل جواب الإسكافي الجواب الثاني للمسألة، أما الجواب الأول: فقال فيه: ((إن الواقع في الآية الأولى من قوله تعالى:{وَالَّذِي نَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} ثم قال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}؛ أي: باستيفائهن أربعة أشهر والعشر، والمراد: يخرجن عند ذلك من تمام الأجل المضروب لعدتهن؛ فهذا كله بما تقتضيه ((إذا)) قد أحرز أمداً محدوداً، معلوم، القدر، معروف الغاية، يتقيد به خروجهن، فناسبه التعريف في قوله تعالى:{فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أن المعلوم من موجب الشرع.
    وأما قوله تعالى في الآية الأخرى: {فَإِنْ خَرَجْنَ} ولم يذكر بلوغ الأجل، وليس التقييد الحاصل من ((إن)) بلوغ المد المضروب قبل وهو الحول مثل التقييد الحاصل من الظرف المستقبل الذي هو ((إذا)) إذ ليست ((إن)) كــ((إذا)) فإنما يحصل من ((إن)) التقييد بالاستقبال دون اقتضاء تعقيب أو مباعدة))[(1)].
    والحاصل من كلام ابن الزبير: أن الشرط في الآية الأولى بــ((إذا)) لما كان محدداً بمدة معلومة القدر ناسبه التعريف، أما الثانية فإنها: لما اقترنت بــ((إن))- وإن يحصل بها التقييد في المستقبل- فلا يحصل معها تقيد بمدة محددة، فناسبها التنكير.
    أما الدكتور محمد داود فقد قال في معجمه: ((جاءت كلمة {بِالْمَعْرُوفِ} في الآية الأولى معرفة بــ(ال) التي هي للعهد الذهني؛ أي الأحكام المعهودة التي شرعها الله وبينها لهن من التعرض للخطبة دون تجاوز هذه الأحكام، واقترنت الكلمة بحرف الإلصاق (الباء)؛ للدلالة على شدة التمسك بأحكام الله سبحانه وتعالى.
    أما الآية الأخرى: ففيها تخيير للنساء بين عدة أمور: كالتزين للخطاب، والزواج أو عدمه، والسفر... وغيرها ذلك مما أبيح لهن فعله، ولذلك جاء منكراً {مِنْ مَعْرُوفٍ}؛ لأن النكرة تفيد العموم، كما اقترن بــ(مِنْ) الدالة على التبعيض؛ لبيان تخيير النساء في أن يفعلن في أنفسهن أي شيء من هذه الأشياء المذكورة))[(2)].
    المطلب الثاني

    التعريف بالاسم الموصول
    طال حديث علماء البلاغة حول قضية التعريف بالاسم الموصول، مما دعي الجرجاني إلى أن يفرد فصلاً كاملاً بعنوان: (الفروق في الخبر: التعريف بالذي) يقول في بدايته: ((اعلم أن لك في (الذي) علماً كثيراً، وأسراراً جمة، وخفايا إذا بحثت عنها وتصورتها اطلعت على فوائد تؤنس النفس، وتثلج الصدر، بما يفضي بك إليه من اليقين، ويؤديه إليك من حسن التبيين))[(1)].ولاستخدام الاسم الموصول دواع عديدة، يقول الدكتور عبد الرحمن الميداني: ((وقد ذكر البلاغيون طائفة من الدواعي البلاغية لاختيار اسم الموصول من ضمن البدائل التي تصلح لأن تستخدم في موقعه من الجملة، دون أن يكون ما ذكروه منها حاصراً لكل الدواعي التي تتفتق عنها قرائح أذكياء البلغاء))[(2)].
    أما علماء المتشابه: فكانت وقفتهم مع التعريف بالأسماء الموصولة مختلفة عن وقفة البلاغيين؛ فتناولوا كل اسم من الأسماء الموصولة، يقول ابن الزبير: ((فاعلم- أيضاً- أن لفظ (الذي) وما تصرف منه للمثنى والمجموع أصل في الموصولات؛ إذ لا يخرج لفظ (الذي) عن الموصولية أما (من) فإنها تخرج إلى الاستفهام والشرط وغيرهما))[(3)].
    تناول علماء المتشابه الحديث عن التعريف بالاسم الموصول في مواضع عديدة نذكر منها على سبيل المثال:
    قوله تعالى:{مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[النحل:96] وقوله تعالى:{ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الزمر:35] فجاء التعريف في سورة النحل بلفظ (ما)، أما في سورة الزمر فورد بلفظ (الذي)؛ فما سر الاختلاف بين الآيتين في التعبير بالاسم الموصول؟
    حين تعرض الإسكافي إلى تحليل الآيتين نظر للسياق القرآني وربط بين السياق ومناسبة اللفظ؛ فرأى أن كل آية ورد فيها الاسم الموصول المناسب للسياق القرآني الوارد فيها، فيقول: ((وقوله في سورة الزمر:{أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} و{بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} إنما هو للبناء على ما تقدم، وهو قوله:{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ}[الزمر:33]، فافتتحت الآية قبلها بــ(الذي) ووصلت بفعل تعلق به قوله:{لِيُكَفِّر َ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِيْ}، وقصد جنس عملهم السيء، وجنس عملهم الحسن، فكان استعمال (الذي) في هذا المكان أولى ليتلاءم اللفظان المتعلق أحدهما بالآخر كما تلاءم معناهما.
    وأما الآية التي في سورة النحل: فإن الأمر فيها على مثل ما في سورة الزمر من حمل اللفظ على نظيره مع مطابقة المعنى له؛ وذلك أن أول الآية هناك: {وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[الزمر:95] مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} فقال في الذي عند الله: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ}. ثم قال:{مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ} والمعنى: الذي عندكم ينفد، فاستعمل ((ما)) في قوله:{وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} فلما جاء ذكر الجزاء، وهو:{وَمَا عِنْدَ اللَّهِ} كان استعمال اللفظ الذي يرجع إلى ما تقدم أولى من استعمال غيره، فقال:{خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} واحسن ما كانوا يعملون هو ما عند الله مما أعد من الأجر له ثم بعده:{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّ هُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فاستعمل ((من)) وهي للمميزين عامة فيهم، وبإزائها في غيرهم: (ما)، فلما استعملت (من) هنا شرطاً كان استعمال (ما) التي هي قرينتها فيما يتعلق بجزاء شرطها أولى مما لا يلائمها. فكما كانت (الذي) في سورة الزمر أحق بمكانها كانت (ما) في سورة النحل أحق بموضعها، والسبب واحد فيهما))[(1)].
    وقد وافق الكرماني كلام الإسكافي ولكنه أورده مختصراً[(2)]، وكذلك وافق ابن الزبير الإسكافي، في كلامه في ناحية المناسبة اللفظية، ولكنه أورد وجهاً آخر وهو المناسبة المعنوية فيقول: ((إن آية النحل الأولى لما افتتحت بـ(ما) الموصولة في قوله تعالى:{مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ}، والمراد بها الإطلاق والعموم، كانت في هذا الموضع أولى من لفظ (الذي) فالإطلاق أملك بها، وهو هنا مقصود، وتكررت في قوله:{وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}، ومعنى الحصر والتعميم فيهما واحد، ثم ناسبها وجرى معها ورودهافي قوله:{بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وأما آية الزمر فواردة في معنى الخصوص المقصود به طائفة بعينها، ألا ترى ما قبلها من قوله تعالى:{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}، والمراد بالذي جاء بالصدق: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به متقدمو أصحابه ممن سبق وحسن تصديقه، وهؤلاء مخصوصون، وإليهم ترجع الضمائر من قوله:{هُمْ الْمُتَّقُونَ}، وقوله:{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ}، وقوله:{لِيُكَفِّ رَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ}، فلم يكن ليصلح- هنا- غير الأداة العهدية، فجاء بـ(الذي) في الموضعين من قوله:{لِيُكَفِّر َ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}[(3)].
    الحاصل أن آية الزمر خصت بالاسم الموصول (الذي) لموافقة ما قبله، وهو قول الله تعالى:{لِيُكَفِّ رَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا}، وقوله عز وجل: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ}، وخصت آية النحل بالاسم الموصول (ما)؛ لموافقة ما قبله، وهو قول الله عز وجل:{إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} وقوله سبحانه وتعالى:{مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}[(1)] فأفادت (الذي) التخصيص ومناسبتها للمذكورين في الآية، وأفادت (ما) العموم والشمول المذكور في الآية.


    الخاتمة


    أحمد الله تعالى الي وفق وأعان على إتمام هذا البحث، وقد هداني في نهايته إلى جملة من النتائج، منها:-
    1-لابد لفهم السياق القرآني فهماً صحيحاً لا من فهم اللغة العربية بكل أركانها النحوي والصرفي والبلاغي والدلالي والصوتي.
    2-النظر في السياق القرآني معين على تدبر القرآن الكريم، مما يعين على دفع شبهة التكرار اللفظي والمعنوي في القرآن.
    3-يعد كتاب درة التنزيل وغرة التأويل العمدة في توجيه الآيات المتشابهة وعليه اعتمد كل من صنفوا في هذا الفن من بعده: كالكرماني، أو ابن الزبير، أو ابن جماعة، أو الأنصاري.

    4-أن المتشابه اللفظي من أعظم دلائل إعجاز القرآن، فهذا التشابه والاختلاف بين ألفاظ وكلمات القرآن قد أبرز أسراراً عظيمة وحكماً عجيبة، مع ضرورة دراسة السورة ككل.
    التوصيات:


    -استمرار مثل هذه الدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم بشكل موسع، لعرض جميع النواحي التي تعرض لها علماء المتشابه.
    -طباعة مصاحف فيها إشارات في جانب الصفحة توضح مسائل المتشابه ولو بشكل مختصر؛ لإثارة ذهن المسلم حول هذا الموضوع الذي قد يستغل كذريعة لتشكيك المسلم في القرآن.
    -توحيد جهود كل علماء المتشابه القدامى والمحدثين في كتاب واحد يعرض الأفكار المتعلقة بكل آية من آيات المتشابه، ومقارنتها بأساليب العرب البلاغية.
    -إقامة دراسات دلالية في أسلوب القرآن الدلالي، وربط هذه الدراسات بقضية المتشابه.
    -تبني المؤسسات والهيئات المهتمة بالثقافة ونشرها، إخراج معاجم متخصصة بالمتشابه ولا تحتوي تلك المعاجم على مجرد إشارة للآيات المتشابهات؛ بل تتضمن حديثاً مفصلاً عنها.
    -تدريس قضية المتشابه في المرحلة الثانوية كقضية من القضايا البلاغية.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


    المصادر والمراجع


    -إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشرة، تأليف: أحمد بن محمد الدمياطي، صححه وعلق عليه: علي محمد الضياع، نشره: عبد الحميد أحمد حنفي.
    -أساس البلاغة: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، دار الفكر، لبنان، 1399هــ.
    -أسرار التكرار في القرآن المسمى البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان، محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم برهان الدين الكرماني، المحقق: عبد القادر أحمد عطا، مراجعة وتعليق: أحمد عبد التواب عوض، دار الفضيلة.
    -الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، المؤلف: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، تحقيق: احمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين
    - بيروت، ط/4 1407هــ-1978م.
    -الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ دراسة تحليلية للإفراد والجمع في القرآن الكريم، للدكتور محمد الأمين الخضري، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1413هــ.
    -إعراب القراءات الشواذ، أبو البقاء العكبري، تحقيق محمد السيد أحمد عزوز، نشر مكتبة عالم الكتب، ط/1، 1996.
    -إعراب القرآن، أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، تحقيق زهير غازي، مطبعة العاني، بغداد/1977.
    -إعراب القرآن الكريم وبيانه، تأليف الأستاذ محيي الدين درويش، دار ابن كثير ودار اليمامة دمشق- بيروت، ط9، 1426هــ.
    -البحر المحيط لأبي حيان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1411هـــ.
    -البرهان في علوم القرآن: أبو عبد الله محمد بن بهادر الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعرفة، بيروت، 1391هــ.
    -البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها، تأليف وتأمل: عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، دار القلم دمشق، دار الشامية بيروت، ط1، 1416هــ.
    -تأويل مشكل القرآن: عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق: أحمد صقر، دار التراث، ط3، 1393هــ.
    -التبيان في إعراب القرآن، أبو البقاء العكبري، تحقيق محمد علي البجاوي، طبعة عيسى البابي الحلبي/ 1396هــ، 1976.
    -التحرير والتنوير ((تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد))، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، الدار التونسية للنشر- تونس، 1384هــ.
    -التوقيف على مهمات التعاريف: الشيخ عبد الرؤوف بن محمد المناوي، تحقيق: الدكتور محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، بيروت، ودار الفكر، دمشق، ط1، 1410هــ.
    -التيسير في القراءات السبع، المؤلف: أبو عمرو الداني، المحقق: أوتو برتزل، الناشر: دار الكتاب العربي- بيروت، سنة النشر:1404-1984.
    -جامع البيان عن تأويل آي القرآن: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، ط1405هــ.
    -الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله بن أحمد الأنصاري القرطبي، تصحيح: أحمد عبد العليم البردوني، طبعة دار الكتاب العربي، 1372هــ، 1952م.
    -حجة القراءات، أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، تحقيق سعيد الأفغاني، طبع مؤسسة الرسالة، ط/2، 1399هــ، 1979م.
    -الدر المصون في علم الكتاب المكنون، السمين الحلبي، تحقيق علي محمد معوض وآخرين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 1414هــ، 1994م.
    -درة التنزيل وغرة التأويل، أبي عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف بالخطيب الإسكافي، دراسة وتحقيق وتعليق: د/محمد مصطفى آيدين، جامعة أم القرى، وزارة التعليم العالي سلسلة الرسائل العلمية الموصى بها (30) معهد البحوث العلمية مكة المكرمة، ط1، 1422هــ.
    -دلائل الإعجاز، أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي، قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط5، 1424هــ.
    -روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، محمد الألوسي البغدادي، طبع دار الفكر- بيروت، 1408هــ، 1987م.
    -السبعة في القراءات، أبو بكر بن مجاهد، تحقيق/ شوقي ضيف، نشر دار المعارف، ط/2، 1400هــ.
    -شرح الشاطبية ((إرشاد المريد إلى مقصود القصيد))، علي محمد الضباع، طبع مكتبة محمد علي صبيح، 1381هــ، 1961م.
    -غرائب القرآن ورغائب الفرقان، تأليف: الحسن بن محمد بن الحسين القمي النيسابوري، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، نشر مكتبة مصطفى البابي الحلبي.
    -الفتوحات الإسلامية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية. ((حاشية الجمل))، تأليف: سليمان بن عمر العجيلي، نشر مكتبة عيسى الحلبي.
    -القاموس المحيط: مجد الدين بن يعقوب الفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط5، 1416هــ.
    -القرآن والعلم، د/عبد المجيد الزنداني، دار القلم، دمشق، 1999.
    -الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، مكي بن أبي طالب، تحقيق: محيي الدين رمضان، نشر مؤسسة الرسالة، ط/2، 1401هــ، 1981م.
    -الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التاويل، جار الله الزمخشري، مكتبة مصطفى الحلبي، مصر، الطبعة الأخيرة، 1392هــ.
    -الكليات في اللغة والاصطلاح: أبو البقاء الكفوي، إعداد: عدنان درويش ومحمد المصري. مؤسسة الرسالة، ط1، 1412هــ.
    -لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، ط1، 1374هــ.
    -مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر الرازي، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1415هــ.
    -المذكر والمؤنث، لأبي بكر بن الأنباري، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، وزارة الأوقاف المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- لجنة إحياء التراث- القاهرة، 1401هــ.
    -المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي: أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المكتبة العلمية- بيروت.
    -معاني القرآن وإعرابه، أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، نشر عالم الكتب- بيروت، ط/1، 1408هــ، 1988م.
    -معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم، د:محمد محمد داود، دار الغريب، القاهرة، 2008.
    -معجم مقاييس اللغة: أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل- بيروت- ط2، 1420هــ.
    -المفردات في غريب القرآن، أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، المحقق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، لبنان.
    -المكرر فيما تواتر من القراءات السبع وتحرر عمرو بن قاسم بن محمد المصري الأنصاري المشهور بالنشار، نشر مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط/2، 1379هــ، 1959م.
    -ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر، وضع حواشيه: عبد الغني محمد علي الفاسي، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان.
    -الممتع الكبير في التصريف، علي بن مؤمن بن محمد، الحضرمي الإشبيلي، أبو الحسن المعروف بابن عصفور، مكتبة لبنان، ط1، 1996.
    -النشر في القراءات العشر، محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري، راجعه علي محمد الضباع، نشر المكتبة التجارية بمصر.


    Verbal Similarity in the Holy Quran (Analytical Study)

    Dr. Waleed Mohamed Abdul- Aziz Al- Hammad

    Professor Associate in the division of Islamic Studies

    Faculty of Education - Public Organization for applicative Education and Training State of Kuwait


    This research includes the case of verbal similarity in The Holy Quran. I have introduced the case from language and terms perspective. Then I exposed the benefits and importance of this science on short theoretical side. Then I shifted to the practical side. I could not mention all cases that scholars of similarities handled. I briefed the research into talking about the difference from - difference between singular and Plural and singular - masculine and feminine- difference between cognitive and unknown through mentioning one example in each demand, one of the most important motives of the subjects of the study is relating the subject to rhetorical and grammatical study and proof study and mix all the mentioned subjects so as to reach to objective of knowing the concept of similarities in the Holy Quran - its importance and benefits and the knowledge lingual particularities in the Holy Quran. I depended on the descriptive methods by explaining cases easily and reach results. One of them is the Quranic sequence to understand it perfectly. It is imperative to understand Arabic of all sides: grammatical, rhetorical, proving and vocal The verbal similarity is the most important of Qurans quality of possible to imitate.


    [(*)]أستاذ مشارك بقسم الدراسات الإسلامية- كلية التربية الأساسية- الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب- دولة الكويت.

    [(1)]الصحاح (6/2236).

    [(2)]معجم مقاييس اللغة (3/243).

    [(3)]أساس البلاغة (1/320).

    [(1)]لسان العرب (13/504، 505).

    [(2)]مختار الصحاح (1/138).

    [(3)]المصباح المنير ص304.

    [(4)]القاموس المحيط (4/299).

    [(1)]تأويل مشكل القرآن ص102.

    [(2)]التوقيف على مهمات التعاريف (1/633).
    -تنظر رسالة ماجستير بعنوان ((أثر دلالة السياق القرآنى في توجيه معاني المتشابه اللفظي في القصص القرآني))، إعداد/ تهاني بنت سالم بن أحمد باحويرث، إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد العزيز عزت، جامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين من ص17 إلى ص24 بتصرف كبير.

    [(1)]تفسير الطبري (5/197).

    [(2)]درة التنزيل (1/217، 218).

    [(3)]البرهان في توجيه متشابه القرآن ص63، 64.

    [(4)]الكليات ص845.

    [(1)]البرهان في علوم القرآن (1/112).
    -درة التنزيل وغرة التأويل، دراسة وتحقيق وتعليق: د/محمد مصطفى آيدين (1/62).

    -تنظر رسالة ماجستير بعنوان ((أثر دلالة السياق القرآني في توجيه معاني المتشابه اللفظي في القصص القرآني))، إعداد/ تهاني بنت سالم بن أحمد باحويرث، إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد العزيز عزت، جامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين ص34، 35.

    [(1)] درة التنزيل وغرة التأويل، دراسة وتحقيق وتعليق: د/محمد مصطفى آيدين (1/63).

    [(1)] ينظر بتصرف يسير إعراب القرآن وبيانه (4/54).

    [(2)] ينظر دلائل الإعجاز ص174.

    [(1)] درة التنزيل وغرة التأويل (2/527، 528).

    [(1)] الكشاف (2/37).

    [(2)] التحرير والتنوير (7/389).

    [(1)] درة التنزيل وغرة التأويل (2/810).

    [(2)] ملاك التأويل (1/158).

    [(3)] ينظر بتصرف يسير درة التنزيل وغرة التأويل (2/810).

    [(1)] الممتع الكبير في التصريف ص197.

    [(1)] التحرير والتنوير (1/238).(3/147-148). روح المعاني (2/75). الكشاف (1/336).

    [(2)] المفردات في غريب القرآن (2/631).

    [(3)] ملاك التأويل (1/76).

    [(1)] القرآن والعلم ص113.

    [(1)] البرهان في توجيه متشابه القرآن (1/123).

    [(1)] ملاك التأويل (2/443).

    [(2)] يقصد المصحف الإمام المعتمد رسمه في كتابه المصحف.

    [(3)] البرهان في توجيه متشابه القرآن ص127.

    [(1)] وهي قراءة حمزة والكسائي، ينظر: البحر (4/360). غرائب القرآن (9/19). حاشية الجمل (1/174). السبعة ص289. الكشاف (1/565). إعراب النحاس (1/630). العكبري (1/587). النشر (2/270). التيسير ص112. الإرتحاف ص228. القرطبي (7/257). المكرر ص44. حجة القراءات (4/291). الكشف عن وجوه القراءات (1/471). شرح الشاطبية ص205. التبيان (4/497). معاني الزجاج (2/366). روح المعاني (9/23). الدر المصون (3/317، 319).

    [(2)] التحرير والتنوير (9/45).

    [(3)] معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم ص447.

    [(1)] درة التنزيل (2/619).

    [(2)] درة التنزيل (2/620).

    [(3)] البرهان في توجيه متشابه القرآن ص123.

    [(4)] ملاك التأويل (1/201).

    [(1)] السابق.

    [(2)] معجم الفروق الدلالية ص499.

    [(1)] درة التنزيل (2/505، 506).

    [(2)] البرهان في توجيه متشابه القرآن ص107.

    [(3)] البحر (4/468).

    [(1)] البحر (6/62، 63).

    [(2)] ينظر ملاك التأويل بتصرف كبير (1/151-154).

    [(1)] ينظر درة التنزيل بتصرف كبير (1/235، 236).

    [(2)] ملاك التأويل (1/38).

    [(3)] الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ ص143.

    [(1)] معجم الفروق الدلالية ص476، 477.

    [(1)] المذكر والمؤنث ص87.

    [(1)] ملاك التأويل (1/103).

    [(2)] كشف المعاني ص137. ونقل الدكتور محمد داود كلام ابن جماعة ينظر: معجم الفروق الدلالية ص548.

    [(3)] المسألة الأولى: سورة آل عمران 49، سورة المائدة 110. المسألة الثانية: سورة هود 82، سورة الحجر 74. المسألة الثالثة: سورة النحل 66، سورة المؤمنين 21. المسألة الرابعة: الأنبياء 91، التحريم 12. المسألة الأخيرة: المدثر 54، عبس 11.

    [(1)] درة التنزيل (1/372-374).

    [(1)] البرهان في توجيه متشابه القرآن ص89، 90.

    [(2)] كشف المعاني ص129.

    [(3)] يشير إلى قوله تعالى:{كَهَيْئَة ِ}.

    [(4)] أي: تحل محل.

    [(5)] ملاك التأويل (1/83).

    [(6)] الكشاف (1/392).

    [(1)] السابق (1/723).

    [(2)] معجم الفروق الدلالية ص531.

    [(3)] ملاك التأويل (1/84).

    [(1)] ملاك التأويل (1/94، 95).

    [(1)] ينظر بتصرف يسير كتاب البلاغة العربية (1/436).

    [(1)] درة التنزيل (1/347، 348).

    [(1)] ينظر ملاك التأويل (1/68، 69).

    [(2)] معجم الفروق الدلالية ص532.

    [(1)] دلائل الإعجاز ص199.

    [(2)] ينظر البلاغة العربية (1/429-436) وفيه ذكر العديد من الدواعي للتعريف بالاسم الموصول.

    [(3)] ملاك التأويل (1/199).

    [(1)] درة التنزيل (3/1114-1116).

    [(2)] البرهان في توجيه متشابه القرآن ص218.

    [(3)] ينظر بتصرف كبير ملاك التاويل (2/309، 310).

    [(1)] معجم الفروق الدلالية ص577.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •