العلامة المقرئ بكري ابن العلامة عبد المجيد الطرابيشي..

في ذمة الله









هو العلامة المقرئ الكبير، العالم الورع، الفقيه المطلع، الشيخ بكري بن عبد المجيد بن بكري بن أحمد الطرابيشي (أبو ماجد) أحد مشاهير أهل الإقراء بحاضرة الإسلام دمشق الشام، وأعلى قرَّاء القرآن إسنادًا من طريقة الشاطبية في العالم.
مولده ونشأته


ولد الشيخ بكري الطرابيشي في باب سريجة بدمشق في سنة (1338)هـ، الموافق سنة (1921م) في بيت علم ودين، وكان والده الشيخ عبد المجيد الطرابيشي (ت 1943م) من فقهاء دمشق في المذهب الحنفي، وممَّن اختارهم الملك فيصل بن الحسين إلى خاصَّته حينما كان ملكًا على بلاد الشام بعد سقوط حكم السلطنة العثمانية عام (1918م).
دخل مدرسة الملك الظاهر (الابتدائية) في حي العمارة، وتخرج فيها بتفوق باهر، وتابع دراسته الإعدادية فالثانوية، ونال شهادة الثانوية التجارية.
ونشأ الشيخ بكري- رحمه الله- في أحضان العلماء من أصحاب أبيه، وقد غذَّاه والده بالعلوم الدينية والأدبية والقرآن الكريم.
بدأ الشيخ العمل بالتجارة بعد الثانوية، فكان شريكًا مع أخيه في محل كبير في العصرونية لبيع الأدوات المنزلية، كما عمل على إعمار أراضٍ كثيرة معظمها في مدينة دمشق وريفها، أخذ ذلك قسطًا وافرًا من جهده .
حفظه للقرآن الكريم


حفظ الشيخ بكري القرآن وهو في الثانية عشرة من عمره، وأجاده حفظًا وتلاوة في عمر الخامسة عشرة، وحينما كان في الثانية عشرة أخذه والده إلى الشيخ عبد الوهاب الحافظ (دبس وزيت), ولما وجد لدى الشيخ عبد الوهاب مشقة وتشديدًا في الإقراء، انتقل إلى التتلمذ على يد الشيخ عز الدين العرقسوسي، وكان من قراء دمشق جامعًا للقراءات من طريق الشاطبية، وعندما بلغ العشرين من عمره قرأ الشيخ بكري على الشيخ عبد القادر الصبّاغ الذي أخذ القراءة على الشيخ أحمد الحلواني الكبير، وقد شجعه شيخه الصباغ على تلقي علم القراءات، فأكرمه بأخذه إلى الشيخ المقرئ المتقن محمد سليم الحلواني، الذي قرأ على والده الشيخ أحمد الحلواني، وهو على الشيخ أحمد المرزوقي في مكة المكرّمة.
قراءته على الشيخ محمد سليم الحلواني


في نحو عام 1360هـ أخذه شيخه عبد القادر الصبَّاغ- كما تقدم- للشيخ محمد سليم الحلواني لأخذ القراءات عليه من طريق الشاطبية، فاستقبله الشيخ محمد سليم الحلواني استقبالًا حسنًا، وأخذ عنه القراءات السبع ختمة كاملة، وكان الختام في سنة 1362 أو 1363هـ وكان ذلك بحضور الشيخ محمود فايز الدير عطاني .
وقد أجازه الشيخ محمد سليم الحلواني سنة 1942 في القراءات السبع من طريق الشاطبية .
وكان الشيخ بكري يحمل أعلى سند على وجه الأرض من طريق الشاطبية، بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون قارئًا، وتوفي آخر قرين له منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وهو فضيلة الشيخ عبد العزيز عيون السود- رحمه الله تعالى .
ثم بعد أن أجازه الحلواني بالقراءات السبع، تردَّد على الشيخ محمود فايز الدير عطاني، وأفرد عنده بعض الروايات ختمات كاملة، ثم جمع القراءات العشر ختمه كاملة من طريق الشاطبية والدرة، ولما انتهى أجازه بذلك.
تلاميذه


جعل- رحمه الله تعالى- من جامع الخير في «المهاجرين» قرب بيته، مكانًا لإقراء الطلبة والحفظة، إذ كانوا يتوافدون عليه من كل حَدَب وصوب، فقرأ عليه أكثر من مائتي طالب للقرآن الكريم كاملًا، وأما عدد الذين قرأوا العشر عليه فهم بضع وعشرون قارئًا.
وقد نفع الله تعالى بالشيخ بكري في دمشق والآفاق وتوافد عليه الطلبة، وأقرأ العشرات من حفظة كتاب الله، وحصل على الإجازة منه خلق كثير، ومنهم عدد من شيوخ وأئمة القراءات في عصرنا.
بوفاته نزلت الأسانيد المتصلة برواية القرآن الكريم درجة!


أخلاقه وشمائله


عُمّر الشيخ بكري خمسًا وتسعين سنة قضاها في الطاعات والخيرات، وتعليم القرآن الكريم والقراءات، والجهاد بالنفس والمال لرفع راية الإسلام، وعُرف بكرمه ولطفه وعاطفته وتأثره الشديد بأحوال المسلمين، واهتمامه بالشؤون العامة، وخدمته للناس في كل أحواله.
واشتهر الشيخ بعدم قَبوله للهدايا من طلابه مطلقًا، وإنْ ألحَّ عليه الطالب كثيرًا فكان يرد الهدية بأخرى في اليوم نفسه، ولسان حاله:«لا تُفسد عليَّ أجري».
وتميَّز الشيخ بنسج علاقة أبوية مع طلابه،إضافة إلى افتخاره بهم في لقاءاته ومجالسه، بل طلبه الدعاء منهم.
أسرته


قد اشتهر اثنان من أولاد الشيخ على مستوى العالم في مجال الطب، أحدهما سُجلت باسمه براءة اختراع«الركبة الصناعية«، والثاني أحد طبيبين على مستوى العالم يجري عملية في اختصاص الأنف والأذن والحنجرة بالمنظار، وأجاز الشيخ أحد أبنائه بالقرآن الكريم.
وفاته




قدم الشيخ الطرابيشي من دمشق إلى دبي للعلاج وزيارة أبنائه، وتوفي فيها يوم الخميس غرة ربيع الآخر عام 1433هـ، الموافق يوم 23 شباط/فبراير 2012م، وصُلي عليه في مسجد حسن الشيخ في منطقة الطوار بدبي بعد صلاة الجمعة.
وبموته نزلت الأسانيد المتصلة برواية القرآن الكريم درجة، فقد كان- كما تقدم- أعلى الناس إسنادًا في القراءات السبع للقرآن الكريم من طريق الشاطبية بالأخذ والتلقي عن شيخ القراء في عصره الشيخ محمد سليم الحلواني، وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون قارئًا من الأعلام، وهو أعلى إسناد في القراءات يعرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وبوفاته فقدنا عمدة في قراءات القرآن الكريم، وجبلًا في التاريخ والجهاد والورع، نسأل الله عز وجل أن يتغمد فقيدنا الجليل بواسع الرحمة والرضوان.
الشيخ زهير الشاويش يرثي الطرابيشي[**]

رحمك الله يا شيخنا، العزيز في جوارنا. المنتقل إلى رحمة الله- جل شأنه- في منطقة إمارة دبي، في الخليج العربي العامر.
وقد ولد في ربيع الثاني سنة (1338هـ) وكانت وفاته في(1) ربيع الآخر سنة (1433هـ)، ويكون بذلك قد أتم الخامسة والتسعين من عمره، ولله سبحانه ما أعطى وما أخذ، وكل شيء عنده بأجر وثواب ومغفرة
والشيخ بكري تلقى القرآن الكريم بالقراءات السبعة من طريق الشاطبية عن شيخ القراء العلامة محمد سليم الحلواني، ثم تلقى العشرة من طريق الشاطبية مع الدرة، عن تلميذه الشيخ محمود فائز الدير عطاني عن العلامة محمد سليم الحلواني، والذي قرأ على والده، تغمدهم الله برحمته، وأنزل عليهم الرضوان.
وكان الشيخ بكري فقيهًا عالمًا متقنًا، وقد انفرد بعلو السند للقرآن الكريم، وسبق له أن كان عضوًا إداريًّا في الشبان المسلمين، ثم في جماعة الإخوان المسلمين في دمشق سنوات عدة .
وكان رحمه الله سليم المعتقد، يهتم بالشؤون العامة، وخادمًا للناس في كل أحواله .
وقد بقي شيخَ القراء بعد انتقال مشايخه وإخوانه القراء؛ حيث أصبح حامل السند الأعلى للقراء في العالم، وذلك سجل في كتاب: «السَّنَدان الأعليان .
وأسأل الله أن يتغمده برحمته، وأحر التعازي إلى الأهل، والأولاد، والإخوان، وإلى الأخ الفاضل والأستاذ الجليل عصام العطار، وسماحة شيخ قراء الشام محمد كريم راجح، وإلى إخوانه الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى .
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .




[**] انظر ترجمة الشيخ الطرابيشي للأستاذ مجد مكي
منقول