الإدماج في القران الكريم "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الإدماج في القران الكريم "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي الإدماج في القران الكريم "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"

    الإدماج في القران الكريم


    "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"




    د. المثني عبد الفتاح محمود محمود[·]




    ملخص البحث:


    تقوم فكرة البحث على دراسة الإدماج في تفسير التحرير والتنوير من زاوية تحليلية بيانية نقدية، والإدماج فن من فنون البلاغة القرآنية العالية، التي قل التنبيه عليها من قبل المفسرين حتى بلغت حد الإهمال بل النسيان، وقد لقيت اهتماما بليغا عند إمام مفسري المغرب بلا منازع، فالبحث له هدفان اثنان:
    الهدف الأول: دراسة الإدماج دراسة علمية في التحرير والتنوير.

    والهدف الثاني: إبراز فن الإدماج في القران الكريم.
    وقد قام البحث على ثلاثة جوانب اساسية، وهي: الجانب النظري، والجانب التحليلي، والجانب النقدي.
    والذي يعني الباحث بالدرجة الأولى لفت الأنظار إلى هذا الفن المنسي عند عموم الباحثين في الدراسات القرآنية عموما، والبلاغة القرآنية على وجه الخصوص، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
    الكلمات المفتاحية:

    (الإدماج - البيان القرآني - البلاغة القرآنية - تفسير التحرير والتنوير - مناهج المفسرين)


    المقدمة:


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى أله ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وبعد.
    فإن البحث في القران العظيم منقبة شريفة، ومسلك قويم، ومتعة ذهنية رفيعة، ومنزلة علية انيقة، تضمنت متعته نوادر، وأدمجت منزلته فرائد، حتى اطبقت معانيه الواضحات على مضامين ثنايا كلماته الباسمات، فبانت منه إشراقة نفس، وفاحت منه رائحة مسك.
    وقد تتبعت تلكم الروائح الزكيات، انوف علماء خبروا مراميه، فتعودوا منه ما لا يطيقون بعده البعد، ولا يستطيعون دونه القرب، فكانوا منارات الفهم، ومتون العلم، وهم يدركون انهم عن إذن المولى نهضوا، وعن رضاه انطلقوا.
    ولا يزال الباحثون ينقبون عن فرائده ونوادره، على توالي الأيام وتطاول الأزمان، وقد بز ابن عاشور رحمه الله تعالى المعاصرين فضلا عن المتقدمين، في باب من أبواب البلاغة القرآنية، وصرح من صروح المعاني السياقية، ومشهد من مشاهد الفهم الدقيق، والعلم الأنيق، فحرك قلمه صوب فن بلاغي، غفل عنه المتقدمون إلا ما شاء الله تعالى، وهي مزية لا تتحصل إلا لمن اراده الله بخير.
    وهذا الأسلوب البياني العظيم الذي سماه البلاغيون "الإدماج"، اولاه الطاهر بن عاشور عناية كبيرة، حيث كانت رعايته في الجانب التطبيقي الذي يستأهل معه الوقفة التحليلية النقدية، بما يحقق الغرض العلمي من هذا البحث، وهو الكشف عن نوع من المعاني قديم، عرفه النقاد العرب، وعالجته السن العرب الأقحاح، وهو وفير في كتاب الله تعالى بما يخدم اسلوبا من اساليب الإقناع الضمني للمتلقي، بما يقنع بواطن العقول قبل ظواهرها، وهو بالتالي يكشف قيمة نفسية نفيسة اتى عليها القران الكريم عند نزوله، وهو ما يفسر لنا ذلكم السر الذي جعل العرب تخر راكعة في لحظة زمانية حاسمة، استمرت بعدها على دين الله تعالى، بما يجمع بين تسليم الظاهر وإقناع الباطن، وهو منهج في الدعوة لم يقف على دراسته الباحثون الجادون إلا بكتابات يسيرة، تتسم باليسر والسهولة، بالإضافة إلى سرعة الإنجاز، ووفرة الإنتاج.
    ويكمن هدف البحث في إبراز جهد ابن عاشور رحمه الله تعالى في تعاطيه مع أسلوب الإدماج، بما يحقق رغبة جموحة عند الباحث في إبراز هذا اللون على ساحة الاهتمام، لتنصب الدراسات العلمية الجادة، في المجال العقدي والنفسي والاجتماعي والدعوي، فيحقق غاية علمية فكرية، يكون لها نصيب من الجهد والفكر والعمل، وقد جاء البحث
    في مقدمة ومباحث ثلاثة وخاتمة، والمباحث على النحو الاتي:

    المبحث الأول: تعريف الإدماج، وهو في مطالب اربعة.

    المبحث الثاني: اغراض الإدماج، وهو في سبعة مطالب.
    المبحث الثالث: الجانب النقدي، وفيه مجموعة من الأمثلة التي تبين المقصود.
    والله اسأل ان يجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم.
    المبحث الأول


    تعريف الادماج


    سأتناول تعريف الإدماج لغة واصطلاحا، وتاريخ المصطلح في كتب القوم، وما مر به من تطور في لفظه إلى استقراره، ثم بيان التعريف المنضبط الذي يتناسب مع علو درجة القران وارتفاع رتبته.

    المطلب الأول: تعريف الإدماج لغة

    تعد المفهوم اللغوي الأساس الرصين للمعنى الاصطلاحي، فوشائج القرابة بينة واضحة، بل إن بيان خيوط التواصل بينهما من صلة الرحم العلمي الذي يؤجر عليه الباحث، لما في ذلك من توثيق الصلة بين المعاني؛ لتقوية الرابطة المعرفية بين لغة العرب، ولغة العلم، وهذا ما يثبت لنا مدى اصالة العلم الشرعي عموما، والعلم القرآني خصوصا، فكيف إذا كان الأمر متعلقا بالبيان القرآني؟ فالأمر يزداد بهاء وجمالا، وسنقف مع طائفة من اقوال اللغويين، في اصول المعاجم التي تحدثت عن مادة "دمج"، ثم نبني على ما قالوا من معان.
    ونبدأ بالفراهيدي -رحمه الله تعالى -حيث يقول: "دمجت الأرنب تدمج في عدوها، وهو سرعة تقارب القوائم، ومتن مدمج، وأعضاء مدمجة، كأنها ادرجت وملست كما تدمج الماشطة مشطة المرأة إذا ضفرت ذوائبها، وكل ضفيرة منها على حيالها تسمى دمجا واحدا، ويقال: دمج في بيته، اي: دخل، والدموج الدخول"([1]).
    وجاء في تهذيب اللغة: "قال ابو عمرو([2]): ليلة دامجة، وليل دامج اي: مظلم، وقال الأصمعي: تدامج القوم على فلان تدامجا، إذا تضافروا عليه، وصلح دماج اي: محكم، وقال ذو الرمة:
    وإذا نحن اسباب المودة بيننا دماج قواها لم يخنها وصولها([3])
    وادمج في الشيء إدماجا، واندمج فيه اندماجا إذا دخل فيه"([4]).
    ويقول الجوهري: "دمج الشيء دموجا، إذا دخل في الشيء واستحكم فيه، وكذلك اندمج وادمج بتشديد الدال، قال ابو عبيد: كل هذا إذا دخل في الشيء واستتر فيه، ونصل مندمج، اي: مدور، وتدامجوا عليه، اي: تعاونوا، وليل دامج، اي: مظلم" ([5]).
    ويؤصل ابن فارس لهذا الجذر بقوله: "الدال والميم والجيم أصل واحد يدل على الانطواء والستر، يقال: ادمجت الحبل، إذا ادرجته واحكمت فتله"([6]).
    اما الزمخشري: فنستطيع ان نقف معه لنرى مجاز هذا اللفظ عنده، حيث يقول: "ومن المجاز: دمج امرهم: صلح والتأم، وصلح دماج ودماج: محكم، وقال ذو الرمة:

    وإذا نحن اسباب المودة بيننا دماج قواها لم يخنها وصولها
    اي: مدمجة، ودامجتك على هذا الأمر: وافقتك عليه، وتدامجوا عليه: توافقوا، وتدامج القوم علي: تألبوا.
    ووجد البرد فتدمج في ثيابه: تلفف، وليل دامج: دامس ملتف الظلام قد دمج بعضه في بعض، وادمج كلامه: اتى به متراصف النظم، واندمج الفرس: انطوى بطنه وضمر"([7]).
    ونستطيع ان نلخص المعاني اللغوية الواردة في الكلام المتقدم بما يأتي: الإدماج هو الإدخال، وأن كان الإدماج يفترق عن الإدخال، بأن الإدماج إدخال شديد مستحكم فيه ستر وتغطية، بحيث يخفى على الناظر" كأن المدمج والمدمج فيه شيء واحد لا يفترقان.
    فالإدماج مفهوم استقر في ذهنية العربي على إدخال شيء في شيء بإحكام، بحيث يصبحان شيئا واحدا، يستتر الشي والمدمج في المدمج فيه بحيث يخفى على الناظر لأول وهلة، وعليه نستطيع ان نطبق هذا الكلام في المعاني، فنقول: الإدماج هو إدخال معنى في معنى بإحكام نظم، بحيث يلحق الثاني بالأول كأنه هو.
    المطلب الثاني: تعريف الإدماج اصطلاحا:

    مر مصطلح الإدماج بعدة اسماء قبل دخوله عنق زجاجة مدرسة السكاكي([8]) واستقراره فيها، فقد ذكره ابو هلال تحت اسم المضاعفة فقال: "في المضاعفة: وهو ان يتضمن الكلام معنيين، معنى مصرح به، ومعنى كالمشار إليه، وذلك المضاعفة مثل قول الله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ) (يونس:42-43)، فالمعنى المصرح به في هذا الكلام: انه لا يقدر ان يهدي من عمي عن الآيات، وصم عن الكلم البينات، بمعنى انه صرف قلبه عنها، فلم ينتفع بسماعها ورؤيتها، والمعنى المشار إليه: انه فضل السمع على البصر" لأنه جعل مع الصمم فقدان العقل، ومع العمى فقدان النظر فقط"([9])، وسر تسمية هذا الأسلوب بالمضاعفة عند العسكري: ان المعنى الأصيل الذي سيق له الكلام اصالة تضاعف إلى معنى فرعي مضمن، فكان ذلك كالتضعيف.
    ثم جاء ابن رشيق فسماه باسمه المتعارف عليه، ولعله اول من دونه من أصحاب الكتب النقدية- فيما اطلعت عليه - وعده من باب الاستطراد فقال: "ومن الاستطراد نوع يسمى الإدماج... ثم قال: وهذا النوع اقل في الكلام من الاستطراد المتعارف واغرب"([10]).
    اما اسامة ابن([11]) منقذ: فقد ذكره تحت باب التعليق والإدماج وقال: "اعلم ان صيغة ذلك هو ان تعلق مدحا بمدح او هجوا بهجو، ومعنى بمعنى" كما قال المتنبي:
    إلى كم ترد الرسل عما اتوا له كأنهم فيما وهبت ملائم ([12])
    أدمج رد الرسل برد الملام في الجود، فكلاهما مديح وقوله ايضا:
    حسن في عيون اعدائه اق بح من ضيفه رأته السوائم ([13])
    أدمج الحسن في القبح وكلاهما مدح، ووصفه بالكرم لأن إبله إذا رات ضيفه علمت انه سينحرها... ثم قال: وعلامة هذا الباب ان يكون أحد المعنيين تلويحا والأخر تصريحا" ([14])، ويتضح لنا ان ابن منقذ افاد مما ذكره ابو هلال في الصناعتين، ولذلك نجد متابعة له فيما ذكر، من حيث يكون الأول تصريحا والثاني تلويحا.
    وقال ابن ابي الأصبع: "وهو ان يدمج المتكلم غرضا له في ضمن معنى قد نحاه من جملة المعاني "ليوهم السامع انه لم يقصده، وإنما عرض في كلامه لتتمة معناه الذي قصد إليه"([15])، والملاحظ ان ابن ابي الإصبع اضاف قيدا وهو إيهام المتكلم السامع انه لم يقصد إدماج غرض في غرض، وإنما جاء في كلامه عرضا، وتابعه عليه النويري بلفظه ([16]).
    وقال الطيبي: "وهو ان يضمن كلاما سيق لوصف وصفا اخر، وهو أخص من الأول، وأعم من الثاني" ([17]).
    اما الخطيب القزويني في الإيضاح: فقد وضع تعريفا وجد قبولا لدى الشراح فقال: "وهو ان يضمن كلاما سيق لمعنى معنى اخر"([18])، وتابعه عليه السعد في المختصر([19]) والمطول ([20])، والسبكي ([21])، والمغربي([22])، مع ملاحظة ان السكاكي لم يشر إليه في مفتاحه، فتكون الإضافة من قبل الخطيب على المفتاح، وهي ضمن تلخيصه عليه.
    وهذا ما يكشف لنا النقاب في سبب من اسباب متابعة الشراح لتلخيص المفتاح، فقد كان الخطيب محققا مدققا متنبها لفرائد فاتت السكاكي رحمهم الله جميعا، وهذه بعض تعريفات لمن كتب في التعريفات والحدود:
    قال الجرجاني: " الإدماج في اللغة: اللف، وإدخال الشيء بالشيء، يقال: أدمج الشيء في الثوب إذا لفه فيه، وفي الاصطلاح: ان يتضمن كلام سيق لمعنى- مدحا كان او غيره - معنى اخر، وهو اعم من الاستتباع ([23])؛ لشموله المدح وغيره، واختصاص الاستتباع بالمدح" ([24]).
    وقال ابن حجة الحموي: "هو ان يدمج المتكلم غرضا له في ضمن معنى قد نحاه من جملة المعاني؛ ليوهم السامع انه لم يقصده، وإنما عرض في كلامه لتتمة معناه الذي قصده"([25]).
    وقال المناوي: "الإدماج لغة: إبهام الكلام، يقال: أدمج كلامه ابهمه، وعرفا: تضمين كلام سيق لمعنى - مدحا او غيره - معنى اخر، وهو اعم من الاستتباع "لشموله المدح وغيره بخلافه" ([26]).
    وقال ابو البقاء: "الإدماج هو في البديع ان يدمج المتكلم غرضا في غرض، او بديعا في بديع، بحيث لا يظهر في الكلام إلا أحدهما كقوله تعالى: (لَه الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ) (القصص:70) فإن الغرض تفرده سبحانه بوصف الحمد فأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء، وهو اعم من الاستتباع " لشموله المدح وغيره، والاستتباع يختص بالمدح" ([27]).
    فهذه التعريفات للإدماج جاءت متابعة لما كتب القزويني في إيضاح تلخيصه، وجلها يدور حول إدخال معنى في معنى، بحيث يكون أحدهما اصيلا، والثاني رديفا، هذا ما استقر عليه الأمر عند علماء البيان والبديع في تعريف الإدماج، وهو ما استقر عليه الأمر عند المتأخرين ([28]) كذلك.
    المطلب الثالث: نظرة ناقدة في تعريف الإدماج:

    وحري بنا ان نقف وقفة مع هذا المصطلح، وخصوصا ان دراستنا قامت على الدرس القرآني، فنحن ندرس هذا المصطلح من حيث وظيفته البيانية السياقية في كشف النقاب عن وجه المعاني القرآنية، ليعيننا في تلمس معنى المعنى، وما لا يظهر إلا بطول تأمل وتدبر، فالذي يعنينا اولا واخرا: الإفادة من هذا المصطلح؛ ليكون عونا للمفسر في الوقوف على مراد الله تعالى من كلامه المنزل، وهذا غاية ما يرجوه المفسرون في تحقيقاتهم العلمية" ولذا كان لزاما علينا ان ننظر في هذا المصطلح من زاوية البيان القرآني، والضابط السياقي الذي يقود إلى الوجوه الراجحة من التأويل والبيان والتفسير.
    ولما كان تعريف اهل البديع للإدماج بأنه: "تضمين كلام سيق لمعنى معنى اخر"، كان من اللازم العلمي إعطاؤه ضابطا مرتبطا بعلم التفسير" لأن تعريفهم قام على الدرس الأدبي النقدي للشعر العربي، ونحن درسنا قام على الدرس البياني للقران المعجز، ولما افترقت النظرة في اساسها ومضمونها، وجب ذلك الافتراق في ماهية المصطلح ومضمونه، ومن يدقق النظر في تلك التعريفات يخلص إلى نتيجة مفادها" ان المعاني التي تساق في الكلام نوعان:
    النوع الأول: معان اصيلة الذكر، مقصودة المعنى، جاءت لإثبات حقيقة من الحقائق الكلية او الفرعية، مقصودة في أصل السياق، وهذا اغلب ما يدور عليه الكلام.
    النوع الثاني: معان فرعية، جاءت لتقوي المعاني الأصيلة، او تزيدها بيانا، او لتضيف حقيقة غير مقصودة في أصل سياق الكلام.
    والنوع الثاني: هو ما يصدق عليه مصطلح الإدماج عند البيانيين، وهو تضمين الكلام الذي سيق لمعنى- وهو المعنى الأصيل - معنى أخر - وهو المعنى الفرعي أي: الإدماج -.
    اقول: إن المعاني بنوعيها الأصلي والفرعي- إن صح التعبير-، موجودة في كتاب الله تعالى، وعلينا ان نلحظ امرين دقيقين سنلمسهما في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى وهما:
    الأول: ان المعاني المدمجة تصبح اصيلة في سياقها، منسجمة في نظمها، متلائمة مع المعاني المدمجة فيها بحيث تصبح هي هي، ولا يستغنى عن وجودها في تدعيم المعنى الأساس.
    الثاني: تحقيق غرض بياني مقصود لذاته، يتولد عنه مقصد من مقاصد القران ([29]).
    وبهذين الملحظين يفترق الإدماج في الدراسة القرآنية عنه في الدراسة الأدبية " ولذا لا يصح ان نفسر آيات القران على ضوء مفهوم الإدماج دون ملاحظة هذه الفروق " لأنه لا يوجد في كتاب الله تعالى معان فرعية بذاتها البتة، بل هي اصيلة في مضمونها، وفي سياقها، وفي اهدافها وابعادها، والتطبيق الجائر ([30]) لعلوم البلاغة - وخصوصا علم البديع - على كتاب الله لهو من تضييع الحقوق، وجلب الهموم، ودفع المنافع الماتعة، ولذا وجب لحاظ الفروق والعمل بمقتضاها.
    ويقتضينا المقام ان نعرف الإدماج القرآني، بالإفادة من كلام المتقدمين، وبإضافة علمية تناسب الحديث عن إعجاز القران الخالد، فنقول في تعريفه: "تضمين المعاني القرآنية التي سيقت لمقصد معنى رديفا يحقق مقصودا اخر، يتلاءم مع المعاني الأصيلة بحيث يصبح من جنسها"
    المطلب الرابع: موقع الإدماج عند ابن عاشور:

    حاول ابن عاشور رحمه الله تعالى ان يعطي لمساته في توجيه المعنى البياني لمصطلح الإدماج فقال: "وهذا الإدماج من افانين البلاغة، ان يكون مراد البليغ غرضين فيقرن الغرض المسوق له الكلام بالغرض الثاني، وفيه تظهر مقدرة البليغ، إذ يأتي بذلك الاقتران بدون خروج عن غرضه المسوق له الكلام ولا تكلف، قال الحارث بن حلزة ([31]):
    اذنتنا ببينها أسماءرب ثاو يمل منه الثواء ([32])
    فإن قوله: "رب ثاو" عند ذكر بعد الحبيبة والتحسر منه، كناية عن ان ليست هي من هذا القبيل الذي يمل ثواؤه، وقد قضى بذلك حق إرضائها بأنه لا يحفل بإقامة غيرها" ([33]).
    فالذي تطرق له ابن عاشور هو موقع الإدماج في علوم البلاغة، ولم يقدم خصوصية تذكر في الجانب القرآني، وهذا بلا شك يعد مأخذا من الناحية النظرية، والذي يغفر له ان عنايته كانت بالجانب التطبيقي لا النظري، ومع ذلك فكان من المناسب ان يطرق باب النقد، وان يقدم لمسة بيانية في بعدها القرآني، وقد رجعت لرسالته " موجز البلاغة" لأستزيد البيان بيانا فلم اظفر بشيء حول الإدماج.
    ولا يخفى ان ابن عاشور يمثل اتجاها مستقلا في طريقة عرضه للمسائل البيانية، وهو كذلك صاحب مدرسة في إحياء بعض المصطلحات البيانية وتناوله لها، والإدماج من تلك المصطلحات التي ركز نظره تجاهها، وهو مصطلح مرقوم في علم البديع عند اهل البديع، وان كان رحمه الله تعالى لم يرتض ذلك بل أثر ان يكون في علم المعاني، إما في باب الإطناب، او تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، وفي ذلك يقول: "وقد عد الإدماج من المحسنات البديعية، وهو جدير بأن يعد في الأبواب البلاغية في مبحث الإطناب، او تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر"([34]).
    وهذا ما يكشف لنا سبب عدم متابعة ابن عاشور المتقدمين في عد اية واحدة من الإدماج، وذلك لسببين اثنين، اما احدهما: فلقلة ذكر المفسرين لهذا اللون من البلاغة، واما الثاني: فلاستقلال نظرة ابن عاشور وعده الإدماج إطنابا، وفي التطبيق العملي نجد انه يميل إلى جعل الإدماج من باب الإطناب " وذلك لتحقيق غرض من الأغراض البيانية، فعند قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعراف:189).
    يقول ابن عاشور: "ووصفت النفس بواحدة على اسلوب الإدماج بين العبرة والموعظة " لأن كونها واحدة ادعى للاعتبار، إذ ينسل من الواحدة ابناء كثيرون، حتى ربما صارت النفس الواحدة قبيلة او امة، ففي هذا الوصف تذكير بهذه الحالة العجيبة الدالة على عظم القدرة وسعة العلم، حيث بثه من نفس واحدة رجالا كثيرا ونساء"([35])، وبه تظهر وجهة نظر ابن عاشور في عده الإدماج من قبيل الإطناب، ومما يزيد وضوح هذا الأمر قوله: "ووصف الحمل ب(خَفِيفًا) إدماج ثان، وهو حكاية للواقع، فإن الحمل في مبدئه لا تجد منه الحامل ألما" ([36])، ويقول: "فمعنى (فَمَرَّت بِهِ) لم تتفطن له، ولم تفكر في شأنه، وكل هذا حكاية للواقع، وهو إدماج" ([37]).
    فالواقع يقتضي معرفة هذه المذكورات في الآية، وذكر القران لها مع انها معلومة للمخاطب لهو من قبيل الإدماج تذكيرا للتالي، وليزيد المعنى ثراء وحسن موقع، وهذا يزيدنا بيانا ان ابن عاشور نظر للإدماج على انه اسلوب إطناب، لا على انه شكل من اشكال التحسين المعنوي للنص القرآني كما نظر إليه اهل البديع، وبلا شك ان عد الإدماج إطنابا هو إطناب في الحسن والبيان "لما يترتب على ذلك من الكشف عن الأغراض المعنوية التي يريدها النص القرآني، وهو ما سنعرضه في المبحث التالي.
    المبحث الثاني


    أغراض الادماج


    لما نظر ابن عاشور للإدماج على انه لون من الإطناب، لزم من ذلك ان يكون وراء هذا الإطناب غرض بياني، وذلك عائد بطبيعة الحال إلى طبيعة الموضوع الذي تتكلم عنه الآية، وطبيعة السياق الذي وقع فيه الإدماج، فتعدد الأغراض البيانية عائد إلى تعدد الموضوعات القرآنية، وبالتالي تعدد السياقات القرآنية، ومن خلال ذلك نستطيع ان نسجل مجموعة من الأغراض البيانية للإدماج، وقبل ذلك علينا ان نستحضر مسألتين منهجيتين، تجب ملاحظتهما في التعامل مع اسلوب الإدماج، وهما:
    المسألة الأولى: عند تعدد الآراء في بيان اية، يصح ان يكون الإدماج على بعض الآراء دون جميعها، فمن ذلك: ما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) (مريم: 71-72)، حيث يقول ابن عاشور: "وجملة: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) زيادة في الارتقاء بالوعيد بأنهم خالدون في العذاب، فليس ورودهم النار بموقت بأجل، و(ثم) للترتيب الرتبي، تنويها بإنجاء الذين اتقوا، وتشويها بحال الذين يبقون في جهنم جثيا، فالمعنى: وعلاوة على ذلك ننجي الذين اتقوا من ورود جهنم، وليس المعنى: ثم ينجي المتقين من بينهم، بل المعنى انهم نجوا من الورود إلى النار، وذكر إنجاء المتقين، اي: المؤمنين، إدماج ببشارة المؤمنين في اثناء وعيد المشركين، وجملة (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) عطف على جملة (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) والظالمون: المشركون" ([38]).

    القول بالإدماج فرع عن القول بأن النجاة هي من الورود، وقد اختلف المفسرون في الورود على اقوال: فمنهم: من قال: معناه الدخول، ومنهم: من قال: معناه المرور على الصراط، ومنهم: من قال: الإشراف على النار، ومنهم: من قال: ما يناله المؤمن من الحمى في الدنيا ([39]). وان كان لي من قول في توجيه هذه المسألة، فأقول:
    قوله تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) محمول على معنى الاستثناء، لا على لفظه واسلوبه ([40])، فقد اخبرت الآية ان جميع الناس سيردون النار لدخولها، فمأل الورود دخول النار، ثم اخبر تعالى بأنه سينجي الذين اتقوا، ولم يقيد خبر الإنجاء امن النار او من ورودها، والمعنى الثاني هو الراجح؛ لأن الله تعالى جعل النار لغير المؤمنين، فيكون معنى الآية ان الله سيدخل النار جميع الناس إلا الذين اتقوا فسينجيهم من هذا الورود فلا يدخلون النار، فالأصل ان جميع الناس مؤمنهم وفاجرهم سيدخلون النار، لكن رحمة الله تعالى ستقي الذين اتقوا من ورودها، وهو ما يتناسب ويتوافق مع قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ) وهذا معنى الإنجاء من الورود، حيث لن يسمعوا حسيسها ([41])؛ لأنهم مبعدون عنها برحمة الله تعالى وفضله ومنه.
    ولا تعارض بين هذا التوجيه والقول: بأن معنى الورود الدخول، وهو ما ذهب إليه جمهور المفسرين وعلى راسهم: حبر الأمة رضي الله عنه، وذلك ان منتهى الورود دخول النار، فأطلق الورود الذي هو طريق النار، واراد ماله وهو الدخول، ودخولها لن يكون للمتقين لأن الله سينجيهم بواسع رحمته من ورودها، فكيف دخولها؟ يقول مكي رحمه الله تعالى: "اي: ننجيهم من ورودها فلا يردونها" ([42])، ويظهر معنى الإدماج جليا على هذا التوجيه، اما على الأقوال الأخرى فلا.
    وكذلك عند قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) (الأنبياء: 95)، قال ابن عاشور: "وجملة: (أَهْلَكْنَاهَا) إدماج للوعيد بعذاب الدنيا قبل عذاب الاخرة" ([43]).
    وهذا المعنى الذي يؤخذ على انه إشارة نصية من فعل الإهلاك هو الإدماج، فالآية تلوح بعصا التهديد لأولئك المعرضين المناوئين، فأدمج تهديدا ووعيدا بالعذاب في الدنيا قبل الاخرة، وهذا اللون من الإدماج فيه من دقة المسلك ما لا يخفى.
    هذا ويصح القول: بالإدماج على جعل الإهلاك إهلاك العذاب الدنيوي، لا إهلاك الطبع على القلوب، بحيث لا يرجعون إلى الإيمان والإسلام، فيموتون على الكفر ويبعثون على ذلك ([44]).
    المسألة الثانية: إظهار المعاني الكامنة قبل الجملة المدمجة وبعدها، فتكون جملة الإدماج في حقيقتها همزة وصل، وتطرية ذهن، وكشف خبيء" فعند قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29) يقول رحمه الله: "عقب الإمعان في تهديد المشركين وتجهيلهم على إعراضهم عن التدبر بحكمة الجزاء ويوم الحساب عليه والاحتجاج عليهم، اعرض الله عن خطابهم ووجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالثناء على الكتاب المنزل عليه، وكان هذا القران قد بين لهم ما فيه لهم مقنع، وحجاجا هو لشبهاتهم مقلع، وانه إن حرم المشركون انفسهم من الانتفاع به فقد انتفع به اولو الألباب وهم المؤمنون، وفي ذلك إدماج الاعتزاز بهذا الكتاب لمن أنزل عليه، ولمن تمسك به، واهتدى بهديه من المؤمنين.. والجملة استئناف معترض، وفي هذا الاستئناف نظر إلى قوله في اول السورة: (وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ) (ص: 1) إعادة للتنويه بشأن القران كما سيعاد ذلك في قوله تعالى: (هَذَا ذِكْرٌ) (ص:49)" ([45]).

    فجملة الاستئناف التي أدمجت هنا كان لها غرض بيان الاعتزاز بالقران من حيث معناها الذاتي، وهي كذلك جاءت لبيان مناسبة بين السابق واللاحق، فوجه بركة القران انه ذكر للناس، وهذا ما اشارت إليه السورة من مطلعها وفي ثناياها كذلك.
    بعد بيان هاتين المسألتين نشرع في تعداد الأغراض القرآنية لأسلوب الإدماج، وهي على النحو الاتي:
    المطلب الأول: الأغراض النفسية والتربوية:

    بيان الغرض النفسي من مقاصد القران في الكشف عن بواطن النفوس، لتوليد القناعة الداخلية في نفسية المتلقي للنص القرآني، او لتمهيد الطريق في سبيل التطبيق العملي للأوامر الشرعية، وحسن ان يكون بيان الأغراض النفسية في القران على سبيل الإدماج؛ لما فيها من تدعيم الغرض النفسي بأسلوب ضمني، وشأن النفوس حب التلويح لا التصريح، وهذا منهج القران في التعامل مع النفس البشرية، فهو ادعى للتقبل والنزول على مقتضيات الخطاب، فعند قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (البقرة: 105) يقول ابن عاشور: "والرحمة هنا مثل الخير المنزل عليهم، وذلك إدماج للامتنان عليهم بأن ما نزل عليهم هو رحمة بهم"([46])، وهو إدماج امتنان على المؤمنين في الإخبار عن اهل الكتاب والمشركين، وقد نطق بمعنى الإدماج دون النطق بحروفه شيخ المفسرين فقال: "والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من احب فيهديه له، واختصاصه إياهم بها، إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه" ([47]).
    فقوله رحمه الله: "فيتفضل بالإيمان على من أحب" اي يمتن عليهم بالإيمان والرحمة، وقد أدمج ذكره في الإخبار عن اهل الكتاب، فالغرض الأساس من السياق بيان موقف اهل الكتاب والمشركين من نزول الرسالة على النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء ذكر اختصاص الله تعالى بعض عباده بالرحمة؛ للامتنان على المؤمنين ضمن هذا السياق على سبيل الإدماج.
    اقول: وفي آية إدماج اخر، فقوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أًهلِ الْكِتَابِ) فيه ان اهل الكتاب كفار وهو إدماج؛ لان الغرض الأساس في الآية بيان موقف اهل الكتاب والمشركين من نزول الرسالة، فلما قال: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ولم يقل: ما يود اهل الكتاب ولا المشركون، مع انها أوجز لفظا، قصد بذلك بيان كفر الصنفين اللذين لا يودان إنزال الخير وهو الإيمان والإسلام على المؤمنين، وفائدة هذا الإدماج بيان وضوح كفر اولئك بمكان، لا يقبل معه في شأنهم جدال، وهو إطناب كما لا يخفى ([48]).
    وعند قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 132)، نجد ان ابن عاشور يصرح بمقصد الآية في تذكير بني إسرائيل بوصية ابيهم يعقوب عليه السلام، وذلك لتربيتهم على اسس تلك الوصية التي جامعها التوحيد وعبادة الله وحده، وفي ذلك يقول: "وعطف يعقوب على إبراهيم هنا إدماج مقصود به تذكير بني إسرائيل- الذي هو يعقوب- بوصية جدهم، فكما عرض بالمشركين في إعراضهم عن دين اوصى به ابوهم، عرض باليهود كذلك" لأنهم لما انتسبوا إلى إسرائيل- وهو يعقوب - الذي هو جامع نسبهم بعد إبراهيم" لتقام الحجة عليهم بحق اتباعهم الإسلام"([49]).
    فالغرض من اختصاص ذكر يعقوب عليه السلام غرض تربوي، وهو مقصد الإدماج، ففيه متابعة الابن للأب في امور الخير، فكما وصى إبراهيم بنيه كذلك صنع يعقوب عليهما السلام مع بنيه، فحري بمن يدعي الانتساب إلى يعقوب ان يتابعه فيما وصى به من كلمة الإخلاص، وهذا المقصد الذي حققه إدماج يعقوب عليه السلام دون غيره، لا يتأتى تركيزه بالأذهان، إلا بالنص عليه والتصريح به دون التلميح؛ لأن بني إسرائيل اعتادوا التفلت دون الانقياد لإرشادات الوحي، فأراد الله سبحانه وتعالى ان يقيم عليهم الحجة بينة ظاهرة، فهذه فائدة الإدماج في هذه الآية.
    وعند قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُو هُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُون إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون: 109-111)، يقول ابن عاشور: "وقوله: (بِمَا صَبَرُوا) إدماج للتنويه بالصبر، والتنبيه على ان سخريتهم بهم كانت سببا في صبرهم الذي كسبهم الجزاء، وفي ذلك زيادة تلهيف للمخاطبين بأن كانوا هم السبب في ضر انفسهم ونفع من كانوا يعدونهم اعداءهم"([50])، وهي فائدة في تربية المؤمنين على كظم الغيظ، وانتظار ما عند الله تعالى من جزيل الثواب، وفيها من تربية النفوس وتهذيبها على هذه الفضيلة ما يجعلها معينة على الإيمان وعمل الصالحات.
    وقوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) (الأحقاف: 15) فيه من تربية الاباء على الدعاء لأبنائهم، واخذ العبرة في ان من أحسن إلى والديه في حاضر الأيام وسابقها، أحسن إليه ابناؤه في حاضر الأيام ولاحقها، يقول ابن عاشور: "وفي إدماج تلقين الدعاء بإصلاح ذريته مع ان سياق الكلام في الإحسان إلى الوالدين، إيماء إلى ان المرء يلقى من إحسان ابنائه إليه مثل ما لقي ابواه من إحسانه إليهما، ولأن دعوة الأب لابنه مرجوة الإجابة" ([51]).
    المطلب الثاني: الأغراض التشريعية:

    عني القران ببيان الأغراض التشريعية، وذلك من خلال التعقيبات القرآنية تارة، والتصريح بمقصد التشريع تارة، وبالإدماج تارة اخرى، فعند قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَك عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ) (البقرة:222)، بين ابن عاشور مقصد التشريع في هذه الآية، وانه غير مقتصر على التطهر فحسب، بل تعداه إلى غاية عظيمة من غايات الطهارة الفقهية، وهي: التوبة، يقول رحمه الله: "واما ذكر التوابين، فهو إدماج، للتنويه بشأن التوبة عند ذكر ما يدل على امتثال ما امرهم الله به من اعتزال النساء في المحيض، اي: إن التوبة اعظم شأنا من التطهر، اي: إن نية الامتثال اعظم من تحقق مصلحة التطهر لكم؛ لأن التوبة تطهر روحاني، والتطهر جثماني" ([52]).
    فالمعنى المدمج: التوبة، والمدمج فيه التطهر، والمدمج هو غاية المدمج فيه، وفائدته؛ ربط المعنى الذي سيقت له الآية - وهو التطهر - بأصل عظيم، وهو تخليص العبد من الذنوب، يقول ابو السعود: "وفي ذكر التوبة: إشعار بمساس الحاجة إليها بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه" ([53])، وفي ذلك تنويه بمقصد تشريع التطهر للتوبة، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ) قام مقام العلة، فكأن سائلا سأل: لماذا امر الله بما امر؟ فكان الجواب: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ) من باب الاستئناف البياني.
    وكذلك نجده رحمه الله يبين الغرض الاجتماعي الأخلاقي من التشريع عند قوله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة:229)، وفي ذلك يقول: "والمقصود من هذه: الجملة إدماج الوصاية بالإحسان في حال المراجعة، وفي حال تركها، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء" إبطالا لأفعال اهل الجاهلية"([54])، فلم يقل: فإمساك او تسريح، بل عدل إلى تقييد هذه الجملة ليدمج قصد الوصاية بالمعروف بالزوجة إمساكا، وبالإحسان تركا.
    ويقول: "وقد ظهر من هذا ان المقصود من الجملة هو الإمساك او التسريح المطلقين، واما تقييد الإمساك بالمعروف، والتسريح بالإحسان، فهو إدماج لوصية اخرى في كلتا الحالتين، إدماجا للإرشاد في اثناء التشريع" ([55]).
    ويدل هذا الإدماج على ان المقصود من التشريع ليس تقنين الروابط الأسرية، بقدر ما هو إضفاء الأخلاق السامية عليها، فكم من قانون ينظم الروابط الأسرية، بجفاف العاطفة، وقسوة التعامل، وهذا ما لا يريده القران، فأراد ان يعطينا صورة مشرقة للقانون الإسلامي في نزاع من تلك النزاعات الأسرية، وهنا تظهر بلاغة الإدماج، في انه يؤصل لقانون تسابق فيه الأخلاق طبيعة التنظيم " ليكون النظام مرتكزا على قاعدة اخلاقية لا مثيل لها في عالم القيم.
    المطلب الثالث: التذكير بغرض الترهيب:

    من تلك الأغراض التي يحتضنها اسلوب الإدماج، التذكير بغرض ترهيب المخاطب، إما بقصد الارتداع كما جاء عند قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (آل عمران:56)، يقول ابن عاشور: "وانما يكون ذلك في الاخرة، فذكر عذاب الدنيا هنا إدماج... واعلم ان قوله: (فَأُعَذِّبُهُم عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين "فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام احوال الدنيا، من شدة وضعف وعدم استمرار، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه " انتفاء الناصرين في المدة التي قدرها الله لتعذيبهم في الدنيا، وهذا متفاوت، وقد وجد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي، وقضية فلسطين في هذا العصر.
    واما عذاب الاخرة فهو مطلق هنا، ومقيد في آيات كثيرة بالتأبيد، كما قال: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة: 167)" ([56]).
    وقد ذهب المفسرون إلى ان المقصود بالعذاب الدنيوي القتل والسبي ([57])، ولم يصرح ابن عاشور رحمه الله بغرض الإدماج في الآية، وفي ظني ان الغرض يكمن في قلة إيمان اولئك القوم بالغيب، فأراد ان يجعل لهم عذاب الدنيا نقدا، وعذاب الاخرة نسيئة، همزا لمتن تغافلهم وجسد تناسيهم " لعلهم يرتدعون عن غيهم وكفرهم؛ لأن النفس إن علمت نزول العذاب بها في الاجل، سارعت إلى تجنب اسبابه، فكان ذكر عذاب الدنيا لأجل المسارعة في الارتداع.
    واما بقصد الوعظ والتنبيه على علة نزول العذاب، فعند قوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (آل عمران: 117)
    يقول ابن عاشور: "وقوله: (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) إدماج في خلال التمثيل، يكسب التمثيل تفظيعا وتشويها، وليس جزءا من الهيئة المشبه بها... والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدة، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة" ([58]).
    يقول الزمخشري: "فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم؛ لأن الإهلاك عن سخط اشد وابلغ" ([59])، وقد تابعه البيضاوي ([60]) وابو السعود ([61]) والخطيب الشربيني ([62]) والالوسي ([63])،
    فهذا الوصف من باب الإدماج " لأن المقصود بالوصف هاهنا ليس بيان علة الإهلاك فحسب، بل زيادة على ذلك وهو جعل علة الإهلاك تذكيرا لما يؤول إليه الظالمون، فيحصل الاعتبار والاتعاظ حينئذ عند السامعين.

    وبذلك يحصل قصد الإدماج وهو التذكير إما بقصد الارتداع واما بقصد الوعظ والتنبيه، وهذا يدل على ان اغراض الإدماج عنيت بالمعنى وابعاده الوعظية.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: الإدماج في القران الكريم "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"

    الإدماج في القران الكريم


    "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"




    د. المثني عبد الفتاح محمود محمود[·]

    المطلب الرابع: استقصاء المعاني:

    يرى ابن عاشور ان من اغراض الإدماج: استقصاء المعاني المتعلقة بمعنى معين، والاستقصاء إما أن يكون لغرض الرد على مزاعم باطة كما جاء في تفسير قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُم ْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)(النساء : 172)، يقول ابن عاشور: "وعطف الملائكة على المسيح- مع انه لم يتقدم ذكر لمزاعم المشركين بأن الملائكة بنات الله حتى يتعرض لرد ذلك - إدماج لقصد استقصاء كل من ادعيت له بنوة الله؛ ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن ان يكون عبدا لله، إذ قد تقدم قبله قوله: (سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) (النساء: 171)، وقد قالت العرب: إن الملائكة بنات الله من نساء الجن، ولأنه قد تقدم ايضا قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)(النسا ء: 171) ومن افضل ما في السماوات الملائكة، فذكروا هنا للدلالة على اعترافهم بالعبودية" ([64]).
    فالرد على النصارى بنفي استنكاف المسيح ان يكون عبدا لله تعالى، وعلى العرب بنفي استنكاف الملائكة ان يكونوا عبيدا لله تعالى، فغرض الإدماج استقصاء الرد على من أشرك في جانب البنوة، وهذا النظر من ابن عاشور لعله من ادق ما يتوجه لهذه الآية، وذهب ابن عطية إلى ان هذا "زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، اي: ولا هؤلاء الذين هم في اعلى درجات المخلوقين لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم؟"([65])، وهو مبني على اعتقاد ان الملائكة أفضل من الأنبياء، وما قاله ابن عاشور ادق مسلكا" لأنه المقصود بالإدماج، وامر المفاضلة معنى زائد مبني على خلاف بين الفرق الكلامية، لم تقصده الآية بعينه لا من قريب ولا من بعيد.
    واما أن يكون الاستقصاء لغرض التحذير كما جاء في تفسير قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (الأنعام:158).
    قال ابن عاشور: "فصفة: (لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) تحذير للمشركين من التريث عن الإيمان خشية ان يبغتهم يوم ظهور الآيات، وهم المقصود من السياق، وصفة (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) إدماج في اثناء المقصود لتحذير المؤمنين من الإعراض عن الأعمال الصالحة"([66])، فمقصود الآية السياقي تحذير الكافرين وتهديدهم، وجاءت هذه الجملة: (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) إدماجا مناسبا في سياق تهديد الكافرين، وفائدة هذا الإدماج تنبيه عصاة المؤمنين بأنهم ليسوا بمأمن عن العقوبة، فليحذروا وليسارعوا في التوبة وعمل الصالحات، وهو استقصاء لجميع اصناف الغافلين عن ذلك اليوم العظيم.
    يقول ابن عطية: "يريد جميع اعمال البر فرضها ونفلها، وهذا الفصل هو للعصاة المؤمنين كما قوله: (لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) هو للكفار، والآية المشار إليها تقطع توبة الصنفين"([67])، ويقول ابن كثير: "اي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك، وقوله تعالى: (قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) تهديد شديد للكافرين ووعيد كيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك"([68]).
    المطلب الخامس: غرض التعليم أثناء الاستدلال:

    ومن تلك الأغراض المبثوثة في التحرير والتنوير: غرض التعليم اثناء الاستدلال، وهو ان يذكر السياق فائدة اثناء الاستدلال على امر ما، ويكون ذلك لأغراض فرعية، فمنها:
    التنويه بعصمة الوحي كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ)(الحجر:17) ، يقول ابن عاشور: "إدماج للتعليم في اثناء الاستدلال، وفيه التنويه بعصمة الوحي من ان يتطرقه الزيادة والنقص، بأن العوالم التي يصدر منها الوحي وينتقل فيها محفوظة من العناصر الخبيثة"([69]).
    فقد سيقت الآية في ثنايا الاستدلال على قدرة الله تعالى على خلق النظام الكوني، وهذه الآية ناطقة بقدرة الله على حفظ النظام الشرعي، فإيرادها في سياق الآيات المتحدثة عن القدرة للاستدلال على البعث والمعاد، إدماج قصد به تعليم المخاطبين بأن الله سبحانه قد حفظ وحيه من اي زيادة او نقصان، وفائدة الإدماج تكمن في ان هذا الوحي معصوم من الله تعالى، فإذا كان النظام الكوني قد خلقه الباري عن غير مثال سابق، ولم تتطرق له يد بشر، فإن الوحي هو النظام الشرعي الذي لم تتطرق له يد بشر ولا جان، وفي اختيار إدماج هذه الآية في هذا السياق من البلاغة والفخامة ما لا يخفى على ذي نظر، كيف لا وقد تقدم قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)؟
    ومنها: بيان عظيم قدرة الله تعالى، فعند قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُ مْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِين وَلَنُسْكِنَنَّ كُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) (إبراهيم:13-14)، قال ابن عاشور: "وقد جيء في الاستدلال على عظيم القدرة بالحكم الأعم إدماجا للتعليم بالوعيد، اظهارا لعظيم القدرة"([70]).
    ومنها: إثبات البعث، فعند قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (يس:38)، قال: "واعلم ان قوله: (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) إدماج للتعليم في التذكير، وليس من اية الشمس للناس" لأن الناس لا يشعرون به" ([71])، اي: ان ذكر (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) جاء تعليماً للناس بأنها تجري ليوم تستقر فيه وتتوقف، وهو مما يجهله الناس وقتئذ، وفيه إثبات البعث ضمنيا.
    المطلب السادس: تمثيل حالة بحالة:

    ومن اغراض الإدماج: تمثيل حالة بحالة؛ لبيان معنى وتوضيحه، فعند قوله تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (النحل:71)، يقول ابن عاشور: "وفرع على هذه الجملة تفريع بالفاء على وجه الإدماج قوله تعالى: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)، وهو ادماج جاء على وجه التمثيل لتبيان ضلال اهل الشرك حين سووا بعض المخلوقات بالخالق، فأشركوها في الإلهية فسادا في تفكيرهم، وذلك مثل ما كانوا يقولون في تلبية الحج "لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك"([72])، فمثل بطلان عقيدة الإشراك بالله بعض مخلوقاته بحالة اهل النعمة المرزوقين؛ لأنهم لا يرضون ان يشركوا عبيدهم معهم في فضل رزقهم، فكيف يسوون بالله عبيده في صفته العظمى وهي الإلهية؟!" ([73]).
    فغرض الإدماج تمثيل حالة من اشرك مع الله خلقه، بحالة اهل الرزق مع العبيد حين رفضوا تشريكهم بأموالهم، وفيه بيان بشاعة قبولهم الشركاء مع الله تعالى في حين رفضوا تسوية عبيدهم بهم في الأموال، وللإدماج في هذه الآية موقع لطيف، وذلك بمباغتته المخاطبين من حيث لم يتوقعوا مثل هذا البيان، وهذه سنة القران في الاستدلال على اهل الشرك، وهي جميعها كاشفة مدى تفاهة عقولهم، وضعف افئدتهم، وهو كذلك مقدمة بين يدي الآيات الاتية المتحدثة عن شرك الكافرين الاتية، ومنها: قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) (النحل:73).
    المطلب السابع: الامتنان أثناء الاستدلال:

    غرض الإدماج اثناء الاستدلال ذكر المنة ليستجيب الناس للأمر الإلهي، فمن شأن المخاطب المنكر: ان يعيد الكرة مرارا إذا استحضر نعم الخالق عليه؛ ولذلك وجدنا ان غالب هذا الغرض قد كثر في السور المكية، وهو يزيد الأمر بيانا ان الإدماج له غرضه الموضوعي الذي يثري السياق القرآني، بما يكون خدمة للمعنى الأصلي.
    فمن ذلك: ما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (النحل: 5-6)، حيث قال: "والمقصود من الاستدلال هو قوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا) وما بعده إدماج للامتنان"([74])، فذكر الدفء والمنافع من اكل ورؤية، ادمج ذكره في المقصود الأساس، وهو: خلق الأنعام الذي جاء في سياق الاستدلال على الخالق، فهذه النعم ذكرت امتنانا على المخاطبين، بأن ما بهم من نعمة فهي من الله عز وجل؛ لأن ذلك ادعى للاستجابة والامتثال، ومثل ذلك قوله تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)(الحج: 5)، حيث قال ابن عاشور: "والبهيج: الحسن المنظر السار للناظر، وقد سيق هذا الوصف إدماجا للامتنان في اثناء الاستدلال، امتنانا بجمال صورة الأرض المنبتة؛ لأن كونه بهيجا لا دخل له في الاستدلال، فهو امتنان محض"([75]).
    والملاحظ: ان ابن عاشور يفرق ما بين ما جاء استدلالا وما جاء ضمن الاستدلال، فتركز نظره حول الاستدلال وما يحتاجه من معان، وما يرتبط بذلك من معان لا تدخل في حيز الاستدلال بقدر ما هي داخلة في حيز الامتنان، الذي هو في حقيقته وجوهره معينا ومقويا في الاستدلال، وهذه المنهجية في التعامل مع النص القرآني من الدقة بمكان، ما تحتاج إلى إعادة طرق ابواب الفكر والتأمل في فهم نصوص الكتاب، على هذا المنهج الذي يجمع بين دقة المقصد السياقي، وبين توابعه ولوازمه من المعاني التي اصبحت جزءا لا يتجزأ منه.
    وقوله تعالى: (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) (يس:33) داخل -كذلك -فيما نحن فيه، فهو امتنان يجسده الاستدلال، "واخراج الحب من الأرض هو إخراجه من نباتها، فهو جاء منها بواسطة، وهذا إدماج للامتنان في ضمن الاستدلال؛ ولذلك فرع عليه (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ)"([76])، وهذا التفريع غاية الامتنان ومقصده.
    وسبب إخراج النبات من الأرض نزول الماء، كما في قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) (الذاريات: 22)، يقول ابن عاشور: "ولما في السماء من اية المطر الذي به تنبت الأرض بعد الجفاف، فالمعنى: وفي السماء اية المطر، فعدل عن ذكر المطر إلى الرزق؛ إدماجا للامتنان في الاستدلال، فإن الدليل في كونه مطرا يحيي الأرض بعد موتها، وهذا قياس تمثيل للنبات، اي: في السماء المطر الذي ترزقون بسببه"([77]).
    هذا في امتنان الله على خلقه في نعمة الرزق، وكذلك الأمر في نعمه تعالى فيما يخص الكون من مثل قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ) (القصص: 71)، فالامتنان في الآية بكون الضياء الذي جعله الله تعالى لعباده في الأرض من اعظم النعم التي تدل على إلهيته، وهو امتنان على الناس إن هم تدبروا القول، يقول ابن عاشور: "وعبر بالضياء دون النهار" لأن ظلمة الليل قد تخف قليلا بنور القمر، فكان ذكر الضياء إيماء إلى ذلك، وفي تعدية فعل (يَأْتِيكُمْ) في الموضعين إلى ضمير المخاطبين، إيماء إلى ان إيجاد الضياء وايجاد الليل نعمة على الناس، وهذا إدماج للامتنان في اثناء الاستدلال على الانفراد بالإلهية" ([78]).
    وكذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) (الملك:5)، فالاستدلال بهذه النجوم على قدرته تعالى شيء، وادماج منته بأن جعلها زينة للعباد شيء اخر، فذكر التزيين هو المنة في سياق الاستدلال، يقول ابن عاشور: " وذكر التزيين إدماج للامتنان في اثناء الاستدلال، اي: زيناها لكم" ([79]).
    فالسياقات في هذا الجانب ثلاثة انواع، وهي: سياق الاستدلال، وسياق الامتنان، وسياق الامتنان اثناء الاستدلال، ويبين الفرق بين هذا النوع وبين النوعين الاخرين من خلال اسلوب الإدماج، فهو الذي يبرز هذا النوع من السياق، حيث ضم إلى الاستدلال الذهني، الامتنان العاطفي، والنوعان الاخران من السياق لهما امثلة حاضرة في كتاب الله تعالى، فمن امثلة الإدماج في سياق الامتنان: قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(البق رة:105)، فيقول ابن عاشور: "والرحمة -هنا -مثل الخير المنزل عليهم، وذلك إدماج للامتنان عليهم بأن ما نزل عليهم هو رحمة بهم" ([80])، فالسياق سياق امتنان على المؤمنين في إنزال الخير الذي هو رحمة منه تعالى، وكذلك قوله تعالى: "( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)" إدماج للامتنان في خلال المدح والا فليس الانفاق من غير ما يرزقه المنفق" ([81]).
    ومن امثلة الادماج في سياق الاستدلال: قول تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (فصلت:9) حيث يقول ابن عاشور: "وادمج في هذا الاستدلال بيان خلق هذه العوالم، فمحل الاستدلال هو صلة الموصول، واما ما تعلق بها إدماج"([82])، فهذه انواع الإدماج فيما يتعلق بالاستدلال، وهي تؤكد حيوية الإدماج في هذا الباب.
    المبحث الثالث


    الجانب النقدي


    المطالع لتفسير ابن عاشور يجده مفسراً عالماً مدققا محققاً لمعاني الألفاظ، ناظرا للجملة والمفردة على حد تام من الرعاية والعناية، وهذا لا يمنع بطبيعة الحال مناقشته في بعض الجزئيات إن لزم الأمر، فمائدة التطبيق هي خير مكان لهضم الأقوال، وبيان راجحها من مرجوحها، وهو ما يثري الجانب النقدي في كتب التفسير، الذي يحتاج من الباحثين جهودا جبارة في هذا الباب، فالمنهج النقدي المنضبط الذي يخضع لأصول علم التفسير العامة، وقواعده الثابتة، بالإضافة إلى النظرات الجريئة، والتجديدات القويمة، ضرورة من ضروريات البحوث الجادة، إذ به تتخلص الكلمات من شوائبها، والتفسيرات من دخيلها، وسأقف مع هذه الأمثلة التي تبين المقصود:
    أولا: اقتصار النظرة على زمان النزول:

    اقتصرت نظرة ابن عاشور رحمه الله تعالى احيانا على زمن نزول الآية، دون النظر إلى استقرارها في سياقها، ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)(البقرة:196 )، يقول ابن عاشور: "ولا خلاف في ان هذه الآية نزلت في الحديبية سنة ست حين صد المشركون المسلمين عن البيت كما سيأتي في حديث كعب بن عجزة ([83])، وقد كانوا ناوين العمرة وذلك قبل ان يفرض الحج، فالمقصود من الكلام هو العمرة؛ "انما ذكر الحج على وجه الإدماج تبشيرا بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد، وهذا من معجزات القران" ([84]).
    فكون الآية نزلت عام الحديبية لا يجعل الحج مذكورا فيها على سبيل الإدماج، فالحج مقصود لذاته، ودليل ذلك سياق الآيات جميعها، وهذا لا يمنع بطبيعة الحال ان نعده من قبيل الإدماج الزماني -إن صح التعبير -، وهو منته بالتكامل السياقي فور نزول السوابق واللواحق من الآيات، وهذا اللون من الإدماج عزيز في القران، إذ إنه مؤقت بنزول بقية الآيات، لكن وجه الإدماج - عند ابن عاشور - ان الآية لما نزلت عام الحديبية، ولم يكن الحج حينئذ مفروضا، كان ذكره على سبيل إدماج حكم في حكم مشابه له في مجموعة من الأركان، الغرض منه التبشير بما سيقوم به المؤمنون من الحج في الزمن القريب، وهذا من معجزات الإخبار بغيب المستقبل، فهو تبشير وتسلية للمؤمنين بما وقع عليهم في هذا العام، بأنه إن حصل لكم ما حصل من عدم القيام بالعمرة كما اردتم، فسيكون لكم وزيادة على ذلك من الحج لبيت الله الحرام، وهذه البشرى مندمجة في ذكر الحج في سياق اية نزلت عام الحديبية، ولم يكن الحج مشروعا بعد كما ذكر ابن عاشور.
    ثانيا: العدول عن رأي ألصق بالإدماج:

    سبق بيان قضية منهجية في المبحث الثاني، وهو انه عند تعدد الآراء يكون الإدماج مقبولا على راي، غير مقبول على اخر، وهنا نرى ان ابن عاشور رحمه الله تعالى قد خالف هذه المنهجية الدقيقة، فرجح رايا وحمله على الإدماج، على ان الحقيق بالإدماج هو الراي الاخر، فعند قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: 141).
    يقول ابن عاشور: "وهذا إدماج للنهي عن الإسراف، وهو نهي إرشاد وإصلاح، اي: لا تسرفوا في الاكل"([85])، فالذي يراه ابن عاشور ان النهي عن الإسراف هو في الاكل خاصة وليس عاما في كل شيء، وذهب الطبري إلى عموم معنى الإسراف في الآية فقال: "والصواب من القول في ذلك عندي ان يقال: إن الله تعالى ذكره نهى بقوله: (َولَا تُسْرِفُوا)، عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنى دون معنى" ([86]).
    وخالفه ابن كثير، فذهب إلى خصوص النهي عن الإسراف في هذه الآية فيما يتعلق بالأكل فقال: "ثم اختار ابن جرير قول عطاء: إنه نهي عن الإسراف في كل شيء، ولا شك انه صحيح، لكن الظاهر - والله اعلم - من سياق الآية حيث قال تعالى: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا) ان يكون عائدا على الاكل، اي: ولا تسرفوا في الاكل لما فيه من مضرة العقل والبدن" ([87]).
    والذي ذهب إليه الحافظ وابن عاشور رحمهما الله هو الأوجه، وهو الألصق بالسياق، وعموم النهي عن الإسراف في عموم الأحكام مفهوم من النصوص الأخرى، لكن الراجح في هذه الآية بعينها خصوص النهي عن الإسراف في الاكل، ولا يلزم القول بالإدماج على ترجيح ابن عاشور، ولو رجح راي الطبري لكان للإدماج وجهة قوية، وذلك ان سياق الآية يتحدث عن الاكل، وذكر النهي عن الإسراف في الاكل داخل في هذا المعنى، اما على القول بعموم النهي عن الإسراف فيصدق عليه تضمين معنى سيق في الآية معنى اخر، فالإدماج يحسن وجهه على راي الطبري، لا على راي ابن عاشور رحمهما الله تعالى.
    وأحيانا لا ينبه رحمه الله تعالى على ان الإدماج يصح على تفسيره للآية، ولا يصح على التفسيرات الأخرى كما جاء في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النحل: 20-21).
    يقول ابن عاشور: "وجملة: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) إدماج لإثبات البعث عقب الكلام على إثبات الوحدانية لله تعالى " لأن هذين هما أصل إبطال عقيدة المشركين، وتمهيد لوجه التلازم بين إنكار البعث وبين إنكار التوحيد في قوله تعالى: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) (سورة النحل:22)" ([88]).
    ويصح القول بالإدماج على جعل ضميري (يَشْعُرُونَ) و(يُبْعَثُونَ) عائدين إلى الكفار، وقد نبه ابن عاشور على ذلك بقوله: "ولذلك فالظاهر ان ضميري (يَشْعُرُونَ) و(يُبْعَثُونَ) عائدان إلى الكفار على طريق الالتفات في قراءة الجمهور، وعلى تناسق الضمائر في قراءة عاصم ويعقوب"([89])، اما إذا رجعنا ضمير (يَشْعُرُونَ) للأصنام([90])، وضمير (يُبْعَثُونَ) للكفار لم يصح الإدماج، لدخول هذه الجملة فيما تقدم من حيث سياقها الذي سيقت له.
    ثالثا: حمل الآيات على الإدماج وهي ليست منه:

    وأحيانا نجد ابن عاشور رحمه الله تعالى يجعل جملة من الآيات من قبيل الإدماج وهي في صميم المعنى الأصلي، وليست معنى مدمجا كما ذهب رحمه الله، فعند قوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:28).
    قال ابن عاشور: "(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) معطوف على (لَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:27)، فهو من جملة الصلة، وفيه إدماج لكشف باطلهم في تعللاتهم ومعاذيرهم الفاسدة، اي: للذين لا يقبلون الإيمان ويفعلون الفواحش ويعتذرون عن فعلها بأنهم اتبعوا اباءهم وان الله امرهم بذلك، وهذا خاص بأحوال المشركين المكذبين، بقرينة قوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) والمقصود من جملتي الصلة: تفظيع حال دينهم بأنه ارتكاب فواحش، وتفظيع حال استدلالهم لها بما لا ينتهض عند اهل العقول"([91]).
    ومعنى الإدماج لا يظهر في الآية فهي من صميم السياق، وذلك ان الله سبحانه وتعالى قال قبلها: (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:27)، فالشيطان فتنة لبني ادم وولي للكافرين، فلما ذكر معنى فتنته لبني ادم بين ولايته للكافرين في فعل الفواحش، التي عدها ابن عاشور إدماجا، وغرضه كشف باطل الكافرين بما يذكرونه من علل وحجج، ومعنى كون الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون: انهم إذا فعلوا فاحشة عللت لهم الشياطين تلك الفاحشة، وسوغتها لهم.
    فالآية من قبيل بيان بعض انواع الولاية التي بين الشياطين والمشركين، هذا من حيث السباق، اما اللحاق فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، فهي بيان واضح في كون زينة الله حلالا لعباده دون الفواحش، في قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)(الأ عراف: 32)، وهي رد -كذلك - على تعللات المشركين فيما تقدم، وعليه فقوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) ليس من الإدماج، وانما هو من صميم المعنى الذي جاء به السياق؛ لأنه المقصود الأساس الذي سيقت له المعاني والمقاصد.
    يقول الطبري: "فتأويل الكلام إذن: وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله، الذين جعل الله الشياطين لهم اولياء قبيحا من الفعل، وهو الفاحشة، وذلك تعريهم للطواف بالبيت وتجردهم له، فعذلوا على ما اتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه، قالوا: "وجدنا على مثل ما نفعل اباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم، ونستن بسنتهم، والله امرنا به، فنحن نتبع امره فيه"([92])، فالطبري يقرر القوة الاتساقية بين الآيتين، وانهما مترابطتان من حيث إن عدم إيمان المشركين بالله واتخاذ الشياطين اولياء قادهم إلى ارتكاب الفاحشة.
    ويقول البقاعي: "ولما جعل إمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان عطف على ذلك امارة اخرى فقال: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) اي: امرا بالغا في القبح كالشرك، وكشف العورة في الطواف"([93])، فعدم الإيمان وفعل الفواحش من مقتضيات ولاية الشيطان، وبه يتأكد ان قوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) ليس إدماجا، بل بيانا لمنهج الكافرين عند الوقوع في الفواحش.
    وعند قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(الأ نفال:26)، يقول: "وجملة: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) إدماج بذكر نعمة توفير الرزق في خلال المنة بنعمة النصر، وتوفير العدد بعد الضعف والقلة؛ فإن الأمن ووفرة العدد يجلبان سعة الرزق"([94]).
    قلت: الحق ان جملة: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)، ليست إدماجا، فمعنى الادماج بعيد هاهنا، فالحق سبحانه وتعالى يمتن على عباده بأنه قد اواهم بعد القلة والاستضعاف، ونصرهم بعد الخوف، ويأتي موقع جملة: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) موقعا اخاذا، فلا تتم منة النعمة إلا بذكر الرزق، بل هو الثمرة العظمى، والمقصد الأسمى بعد توافر الأمن؛ ولذلك قرنه المولى سبحانه وتعالى في اية اخرى بالأمن فقال: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)(قريش:4)، وما يصيب البلاد التي يكثر فيها الفقر والجوع من انعدام الأمن إلا أكبر دليل على هذا الذي نقول، فلولا نعمة الرزق لدام الخوف وانعدم الأمن.
    فليس ذكر الرزق في هذه الآية من الإدماج، فقد سيقت الآية لتعداد هذه النعم، فالإيواء الذي يمثل الأمن الاجتماعي، والتأييد بالنصر الذي يمثل الأمن السياسي والعسكري، ورزق الطيبات الذي يمثل الأمن الاقتصادي، وبغير هذه الثلاثية لا يتحقق امن اي مجتمع من المجتمعات البشرية، هذا ما يريد تركيزه القران في العقول، فإذا قلنا بالإدماج افقدنا نعمة رزق الطيبات اصالتها، وجعلناها تابعة لغيرها من النعم، وهي مقصودة لذاتها، وقوله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش: 4) يعزز هذا المعنى الأصيل.
    رابعا: تخصيص جزء من المعطوفات بالإدماج:

    واحيانا نجده رحمه الله تعالى يجعل جزءا من الآية إدماجا شبيها بالتخصيص، كما جاء في قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)، يقول ابن عاشور: "والذي اراه في تفسير هذه الآية ان المقصود الأهم منها: قتال اهل الكتاب من النصارى كما علمت، ولكنها ادمجت معهم المشركين؛ لئلا يتوهم احد ان الأمر بقتال اهل الكتاب يقتضي التفرغ لقتالهم ومتاركة قتال المشركين، فالمقصود من الآية هو الصفة الثالثة: (وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ).
    واما قوله: (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ) -إلى قوله -(وَرَسُولُهُ) فإدماج، فليس المقصود اقتصار القتال على من اجتمعت فيهم الصفات الأربع، بل الصفة المقصودة هي التي اردفت بالتبيين بقوله: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، وما عداها إدماج وتأكيد لما مضى، فالمشركون لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون شيئا مما حرم الله ورسوله؛ لأنهم لا شريعة لهم، فليس عندهم حلال وحرام، ولا يدينون دين الحق وهو الإسلام، واما اليهود والنصارى فيؤمنون بالله واليوم الاخر، ويحرمون ما حرم الله في دينهم([95])، ولكنهم لا يدينون دين الحق وهو الإسلام" ([96]).
    اقول: ما ذهب إليه ابن عاشور رحمه الله في جعل الآية من الإدماج لا ينهض، فالآية جاءت متحدثة عن الكفار كافة، دخل فيها المشركون والكتابيون المحاربون، ولا دليل يرشح دعوى ابن عاشور في كون الجزء الأول من الآية إدماجا، فالآية قصدت توجيه الأمر بقتال المشركين واهل الكتاب، وقيد: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) لبيان حال اهل الكتاب في دينهم، حيث إنهم اهل دين باطل، لأجل ذلك ارادت الآية ان تلفت الأنظار إلى ان الدين المقبول هو الدين الحق، ولو اردنا ان نقدم رايا في الآية يختص بالإدماج، لقلنا: إنه ادمج قول: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) عدى سبيل التخصيص للبيان؛ كي لا يتوهم متوهم بأنهم غير داخلين في هذا الحكم التشريعي، فجاء هذا القيد على سبيل الإدماج، لرد اوهام الأفهام.
    خامسا: حمل المفردة على الإدماج وهي من الاحتراس ([97]):

    كما جاء في تفسير قوله تعالى: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ)(التو بة: 52)، قال ابن عاشور: "فقوله: (طَوْعًا) إدماج؛ لتعميم احوال الإنفاق في عدم القبول، فإنهم لا ينفقون إلا كرها؛ لقوله تعالى بعد هذا: (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة:54)" ([98]).
    وما قاله ابن عاشور في غرض التعميم مستفاد من ذكر الحالتين: الطواعية والكراهية مجتمعتين، يقول ابن عطية: "والطوع والكره يعمان كل إنفاق"([99])، وحمل الطواعية على الإدماج بعيد إذ الغرض المسوق له الآية بيان ان المنافقين لن تقبل نفقاتهم على اي حال من الأحوال، وهذا لا يستفاد إلا بذكر تينك الحالتين، فقوله تعالى: (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) "فائدته المبالغة في تساوي الإنفاقين في عدم القبول"([100])، وان قلنا بإدماج الطواعية لزمنا القول بإدماج الكراهية، وهو بعيد؛ لأن الآية جاءت لا لإثبات عدم قبول النفقات فحسب، وانما لإثبات عدم قبولها في الحالتين، والخطاب في الآية جاء مباشرا على سبيل الأمر والمقصود منه الجزاء([101])، والذي اغرى ابن عاشور بالقول بالإدماج: اللحاق، فكونه تعالى اخبر انهم لا ينفقون إلا وهم كارهون لا يعني ابدا ان ذكر الطواعية من باب الإدماج، بل إن صح ان يكون شيئا مدمجا فهو قوله تعالى: (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)(التو بة:54)، وفائدته دفع التوهم بأن المنافقين قد ينفقون اموالهم طواعية، فجزم الأمر بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون على أسلوب القصر، فقصر نفقتهم على حال الكراهية، وبه يكون غرض الإدماج دفع الاحتمال، وهو من باب الاحتراس.
    سادسا: ظهور الإدماج مع بعده عند التحقيق:

    ويظهر الإدماج في بعض المواطن، لكنه بعيد عند التحقيق، فمن ذلك ما جاء في تفسير وقوله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ)(ي ونس:106)، يقول ابن عاشور: "و(مِنْ دُونِ اللَّهِ) اعتراض بين فعل (تَدْعُ) ومفعوله، وهو إدماج للحث على دعائه الله" ([102]).
    قلت: لا يظهر معنى الحث على الدعاء في هذا القيد، بل الحث مفهوم من تضاعيف المعاني المستنبطة من قوله تعالى: (لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ)، فلما كان المدعو من دون الله صفته عدم النفع وعدم الضر، كانت دعوة النافع الضار هي الأليق، اما الجملة الاعتراضية التي هي قيد ضروري في الآية: فلها فائدتان، اولا: قصر الدعاء على الله جل في علاه وتخصيصه به " ثانيا: لتشمل عموم المدعوين من دونه، فلو قال: ولا تدع ما لا ينفعك ولا يضرك، لفهم النهي عن دعاء ما لا ينفع ولا يضر فحسب، فلما قال: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) شمل جميع المدعوين سواه، ليتحقق الشمول المنافي للاستثناء، يقول السعدي: " وهذا وصف لكل مخلوق، انه لا ينفع ولا يضر، وانما النافع الضار، هو الله تعالى"([103]).
    ولا يظهر معنى الإدماج على هذا التوجيه، اما على توجيه ابن عاشور: فله وجاهته، وان كان بعيدا؛ لأن الغرض واحد والمعنى واحد، فهو نهي عن دعاء غير الله تعالى؛ لأن الدعاء من خصائص التوحيد التي لا تصح إلا له سبحانه وتعالى، فأين المعنى الذي سيق إدماجا على هذا المعنى؟!
    وكذلك قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُ مْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُ مْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) (مريم:68)، يقول ابن عاشور: "والقسم بالرب مضافا إلى ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم إدماج لتشريف قدره"([104]).
    قلت: وهذا تحميل للإدماج فوق المراد، واضافة القسم بالرب إلى الضمير المخاطب به عليه الصلاة والسلام لا يوجد فيه معنى مضمن، بقدر ما فيه تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، ورفع لمكانته التي لم يعلم قدرها قومه، والا لجعلنا كل خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم إدماجا من هذا الباب، بل هذا الخطاب جاء متابعا لما تقدم من خطابه عليه الصلاة والسلام، فقال تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)(مريم: 64-65)، واذا كان للإدماج شبهة هاهنا اذهبتها ضمائر الخطاب المتقدمة.
    وكذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ)(الأ نبياء: 31-32)، يقول ابن عاشور: "لما ذكر الاعتبار بخلق الأرض وما فيها، ناسب بحكم الطباق ذكر خلق السماء عقبه، إلا ان حالة خلق الأرض فيها منافع للناس، فعقب ذكرها بالامتنان بقوله تعالى: (أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ)، وبقوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)، واما حال خلق السماء فلا تظهر فيه منفعة فلم يذكر بعده امتنان، ولكنه ذكر إعراضهم عن التدبر في آيات خلق السماء الدالة على الحكمة البالغة ([105])، فعقب بقوله تعالى: (وَهُمْ عَنْ آَيَاتِه مُعْرِضُونَ)، فأدمج في خلال ذلك منة وهى حفظ السماء من ان تقع بعض الأجرام الكائنة فيها او بعض اجزائها على الأرض، فتهلك الناس او تفسد الأرض فتعطل منافعها، فذلك إدماج للمنة في خلال الغرض المقصود الذي لا مندوحة عن العبرة به"([106]).
    قلت: ومعنى الإدماج على هذا التوجيه غير ظاهر، والظاهر انه ادمج قوله تعالى: (وَهُمْ عَنْ آَيَاتِه مُعْرِضُونَ)، وذلك ان السياق في تعداد النعم على الخلق لبيان منته ورحمته تعالى بخلقه، ومن تلك المنن منة جعل السماء سقفا محفوظا منه تعالى، حافظا لما تحته، ويكون السياق على وتيرة واحدة في ذكر المنن وهي سنة القران المعهودة، وقوله تعالى: (وَهُمْ عَنْ آَيَاتِه مُعْرِضُونَ)، يأتي إدماجا لبيان غفلتهم عن تدبر نعمه ومننه، فغرض الإدماج بيان الغفلة في سياق المنة، لا بيان المنة في سياق المنة، وبه يتضح مفهوم الإدماج ومقصوده.
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: الإدماج في القران الكريم "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"

    الإدماج في القران الكريم


    "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"




    د. المثني عبد الفتاح محمود محمود[·]


    سابعا: توجيه الإدماج إلى معنى وهناك ما هو أصح منه:

    ونجده يوجه الإدماج إلى معنى وهناك ما هو اصح منه، ومثاله قوله تعالى: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)(ال زمر:9)، يقول ابن عاشور: "وعدل عن ان يقول: هل يستوي هذا وذاك؟ إلى التعبير بالموصول؛ إدماجا للثناء على فريق، ولذم فريق، بأن اهل الإيمان اهل علم، واهل الشرك اهل جهالة؛ فأغنت الجملة بما فيها من إدماج عن ذكر جملتين، فالذين يعلمون هم اهل الإيمان، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28)، والذين لا يعلمون هم اهل الشرك الجاهلون قال تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)(ا لزمر:64)، وفي ذلك إشارة إلى ان الإيمان اخو العلم؛ لأن كليهما نور ومعرفة حق، وان الكفر اخو الضلال؛ لأنه والضلال ظلمة واوهام باطلة"([107]).
    وما ذهب إليه ابن عاشور رحمه الله من كون الآية جاءت على اسلوب الإدماج صحيح، لكننا نستطيع ان نسجل توجيها اخر لغرض الإدماج، فهو يرى انه للثناء على فريق وذم للأخر، والآية جاءت في سياق مدح المؤمنين الذين يعلمون، وذم الكافرين الذين لا يعلمون، فإذا كان هذا هو غرض الإدماج فهو يتفق مع سياق الآية، وعليه فلا حاجة للقول به؛ لأن الإدماج هو تضمين الكلام الذي سيق لمعنى معنى اخر، وعليه فالصحيح ان غرض الإدماج في الآية: بيان اثر العلم في سلوك المؤمن، والجهل في غير المؤمن، فعلة القنوت ورجاء رحمة الله تعالى: علم المؤمنين، كما ان الضلال والعصيان: علة الجهل، هذا هو غرض الإدماج، وهو المعنى الذي تضمنه السياق بالإضافة إلى المعنى الذي سيق له الكلام اصالة.
    ثامنا: حمل الآية على الإدماج مع انعدام الدليل:

    وأحيانا يحمل معاني بعض الآيات على الإدماج وهي ليست منه؛ لانعدام الدليل على ذلك، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ)(ال زمر: 21)، يقول ابن عاشور: "اما قوله تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواء الناس فيها من نافع وضار" ([108]).
    اقول: جعل قوله تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) إدماجا إدماج لا يظهر، فمجيء هذه الجملة ضمن هذا المثال للتذكير بحال الإنسان الفاني في هذه الحياة، فإما ان تكون الآية براسها من باب الإدماج -وهو بعيد -؛ لأن الأمثال تأتي لبيان معاني السياق، واما ان لا تكون إدماجا، وهو الصحيح؛ لأن هذه الجملة جاءت ضمن معاني سياقها، ولم تضمن معنى جديدا، نعم هي حملت معنى لكنه ضمن السياق الطبيعي للمعاني الواردة، والإدماج هو تضمين الكلام الذي سيق له الكلام معنى اخر، وهو غير متحقق في هذا المثال.


    الخاتمة


    نخلص من هذا البحث بمجموعة من النتائج التي نستطيع تسجيلها بنقاط مختصرة موجزة، وهي على النحو الاتي:

    اولا: عرفنا الإدماج بأنه: "تضمين المعاني القرآنية التي سيقت لمقصد معنى رديفا يحقق مقصودا اخر، يتلاءم مع المعاني الأصيلة بحيث يصبح من جنسها".

    ثانيا: كانت تطبيقات المفسرين لهذا الأسلوب البلاغي نادرة هشة، وما كتب تنظيرا في كتب البلاغة والنقد لا يغطي المطلوب النظري، فضلا عن المطلوب التطبيقي.

    ثالثا: للإدماج مجموعة من الأغراض، تتحقق من خلال فهم المفسر لأبعاد النص القرآني، مع استحضاره للمعاني المسوقة اصالة، والمعاني المسوقة لتحقيق أغراض تخدم الأصل.

    رابعا: تفوق ابن عاشور على بقية المفسرين في هذا الجانب من البلاغة، حيث كان رحمه الله تعالى سباقا في هذا المضمار، فأتى بما لم يسبق إليه.

    خامسا: هناك بعض الملاحظات النقدية التي سجلتها على ابن عاشور في هذا الباب، وهي من قبيل الآراء التي يصح الاختلاف فيها، وانما اطرح قناعتي بين يدي الباحثين، ولكل وجهة هو موليها تجاه قناعاته الخاصة، ما دامت منضبطة بأصول العلم، ولا تخرج عن ادوات الفهم.

    سادسا: اوصي بأن تكتب دراسة أكاديمية تطور طرح هذا الأسلوب البلاغي في كتاب الله تعالى، بحيث يفردها باحث بدراسة متكاملة، تغطي موضوع الإدماج من جميع جوانبه المختلفة، ولتأخذ الجانب النظري، والجانب التطبيقي، نرى فيها رايا جديدا متكاملا، ونظرة فاحصة مدققة تحقق المطلوب، وتزيل الغبار عن الخبيء المدفون.

    سابعا: الدراسات البلاغية الأسلوبية في كتاب الله تعالى تحتاج إلى خدمة حقيقية من الباحثين الجادين المجددين، فهي ما زالت طرية خضرة، تنتظر ايدي القاطفين، لا افواه الاكلين، وعيون المبصرين المستكشفين، لا اذان السامعين المتلقين، وفي ذلك رد على كل زاعم يزعم ان علم البلاغة القرآني قد احترق او شارف على الاحتراق.

    ثامنا: كان لي مع الإدماج وقفات وجدت فيها أثر فضل الله تبارك وتعالى على نفسي الضعيفة، فحمدته على ما رزقني من واسع علمه، ومن عظيم فضله، فله الحمد في الأولى والاخرة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه انيب، ولله الأمر من قبل ومن بعد.


    المراجع والمصادر


    الأزهري، ابو منصور محمد بن احمد، تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، بيروت -لبنان، ط 1، 2001م.
    ابن ابي الأصبع، عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر العدواني، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القران، تقديم وتحقيق: الدكتور حفني محمد شرف، الجمهورية العربية المتحدة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
    الأصفهاني، ابو الفرج علي بن الحسين، الأغاني، تحقيق: سمير جابر، دار الفكر، بيروت - لبنان، ط 2.
    الآلوسي، محمود الآلوسي ابو الفضل، روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.
    الأنباري، ابو بكر محمد بن القاسم، الزاهر في معاني كلمات الناس، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، 1412هـ-1992 م، ط 1.
    البخاري، ابو عبد الله محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح المسند، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت -لبنان، ط 3، 1407 ه-1987م.
    بسبح، احمد حسن بسبح، ديوان ذي الرمة، دار الكتب العلمية، شرح وتحقيق: احمد حسن بسبح، بيروت -لبنان، ط 1، 1415ه -1995م.
    البقاعي، برهان الدين ابو الحسن إبراهيم بن عمر، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، تحقيق: عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان، 1415ه -1995م.
    البيضاوي، ابو سعيد عبد الله بن عمر، انوار التنزيل واسرار التأويل، دار الفكر، بيروت -لبنان.
    التفتازاني: سعد الدين بن مسعود بن عمر، المختصر، طبعة مصورة دار السرور، بيروت -لبنان، بدون تاريخ او طبعة، ضمن شروح التلخيص.
    التفتازاني: سعد الدين بن مسعود بن عمر، المطول، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ط 1، 1325ه -2004م.
    الجرجاني، علي بن محمد بن علي، التعريفات، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، ط1، 1405 هـ.
    الجوهري، إسماعيل بن حماد، تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين، بيروت، ط 4، 1990 م.
    الحموي، تقي الدين ابي بكر علي بن عبد الله، خزانة الأدب وغاية الأرب، دار ومكتبة الهلال، بيروت - لبنان، ط 1، 1987م، تحقيق: عصام شعيتو
    ابن خلكان، ابو العباس شمس الدين احمد بن محمد بن ابي بكر، وفيات الأعيان وانباء ابناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت -لبنان، ط 1.
    الراغب، ابو القاسم الحسين بن محمد، مفردات الفاظ القران، دار القلم، دمشق -سوريا.
    ابن رشيق، ابو علي الحسن بن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت -لبنان، ط 5، 1401ه -1981م.
    الزركشي، ابو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله، البرهان في علوم القران، تحقيق: محمد ابو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت - لبنان، 1391 هـ.
    الزركلي، خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت -لبنان.
    الزمخشري، جار الله ابو القاسم محمود بن عمر، اساس البلاغة، تحقيق: عبد الرحيم محمود، دار المعرفة، بيروت -لبنان.
    الزمخشري، جار الله ابو القاسم محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت -لبنان.
    السبكي، بهاء الدين السبكي، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، طبعة مصورة دار السرور، بيروت -لبنان، بدون تاريخ او طبعة، ضمن شروح التلخيص.
    السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، بيروت -لبنان، الطبعة الأولى،1420ه 2000 م.
    ابو السعود، محمد بن محمد العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القران الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت -لبنان.
    السكاكي، ابو يعقوب يوسف بن ابي بكر بن محمد بن علي، مفتاح العلوم، ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 2، 1407 هـ-1987 م.
    الشربيني، شمس الدين محمد بن احمد، السراج المنير، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان.
    الصعيدي، عبد المتعال الصعيدي، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة، مكتبة الآداب، القاهرة -مصر، الطبعة السابعة عشر، 1426ه -2005م.
    الطبري، ابو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الاملي، جامع البيان في تأويل القران، تحقيق: احمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420ه -2000م.
    الطيبي، شرف الدين الحسين بن محمد بن عبد الله، التبيان في البيان، تحقيق: د. توفيق الفيل وعبد اللطيف لطف الله، ذات السلاسل للطباعة والنشر، الكويت -الكويت، 986 1 م، ط 1.
    ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت -لبنان، ط 1، 1420ه -2000م.
    العسكري، ابو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى العسكري، الصناعتين، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد ابو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت -لبنان، 1419هـ.
    ابن عطية، ابو محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1413ه 1993م، ط 1.
    ابن فارس، ابو الحسين احمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، اتحاد الكتاب العرب، 1423 هـ-2002م.
    الفراء، ابو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الفراء، تحقيق: احمد يوسف النجاتي واخرون، دار المصرية للتأليف والترجمة، مصر، ط 1.
    الفراهيدي، ابو عبد الرحمن الخليل بن احمد، العين، تحقيق: د. مهدي المخزومي، دار ومكتبة الهلال.
    القزويني، جلال الدين ابو عبد الله محمد بن سعد الدين بن عمر، الإيضاح في علوم البلاغة، دار إحياء العلوم، بيروت -لبنان، ط 4، 1998 م.
    ابن كثير، ابو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القران العظيم، تحقيق: محمود حسن، دار الفكر، بيروت -لبنان، الطبعة الجديدة1414هــ 1994م.
    الكفوي، ابو البقاء ايوب بن موسى الحسيني، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش - محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، 1419 هـ-1998 م.
    المتنبي، ابو الطيب احمد بن الحسين الجعفي، ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، 1403ه -1983م.
    مسلم، مسلم بن الحجاج ابو الحسين القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت -لبنان.
    المغربي، ابن يعقوب المغربي، مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح، طبعة مصورة دار السرور، بيروت - لبنان، بدون تاريخ او طبعة، ضمن شروح التلخيص.
    المناوي، محمد عبد الرؤوف، التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، دار الفكر، بيروت - لبنان، دمشق - سوريا، ط 1، 1410هـ.
    ابن منقذ، ابو المظفر مؤيد الدولة مجد الدين اسامة بن مرشد بن علي، البديع في نقد الشعر، تحقيق: الدكتور احمد احمد بدوي، الجمهورية العربية المتحدة، وزارة الثقافة والإرشاد القومي.
    النويري، شهاب الدين احمد بن عبد الوهاب، نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق: مفيد قمحية وجماعة، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط 1، 1424ه -2004م.
    الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القران وتفسيره واحكامه وجمل من فنونه وعلومه، ابو محمد مكي بن ابي طالب القيسي، تحقيق: مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي- جامعة الشارقة، نشر: مجموعة بحوث الكتاب والسنة-كلية الشريعة والدراسات الإسلامية- جامعة الشارقة، ط 1، 1429 هـ 2008م
    يعقوب- إميل بديع، ديوان الحارث بن حلزة، دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان، ط 1، 1991م.

    [·]أستاذ مشارك بقسم التفسير وعلوم القران -كلية القران الكريم - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - المملكة العربية السعودية.

    [1] الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد، العين، تحقيق: د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، ج 6 ص 90.

    [2] يقول ابن خلكان في الوفيات في ترجمة أبي عمرو: "إسحاق بن مرار الشيباني النحوي اللغوي: هو من رمادة الكوفة ونزل إلى بغداد، وهو من الموالي، وجاور شيبان للتأديب فيها فنسب إليها، وكان من الأئمة الأعلام في فنونه، وهي: اللغة والشعر، وكان كثير الحديث كثير السماع، ثقة، توفي سنة ست ومائتين، وعمره مائة وعشر سنين رحمه الاله تعالى"، بتصرف، ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت - لبنان، الطبعة 1، ج 1 ص 201، وأظن أن هذا النص قد نقله الأزهري عن كتاب اللغات، فلم أعثر عليه في كتاب النوادر المعروف بالجيم لأبي عمرو، وكتاب اللغات غير مطبوع.

    [3] ذو الرمة، غيلان بن عقبة بن مسعود، ديوان ذي الرمة، دار الكتب العلمية، شرح وتحقيق: أحمد حسن بسبح، بيروت - لبنان، ط 1، 1415ه -1995 م، ص 242.

    [4] الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، بيروت -لبنان، ط 1، 2001 م، ج 10 ص 359.

    [5] الجوهري، إسماعيل بن حماد، تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين، بيروت -لبنان، الطبعة الرابعة، 1990 م، ج 2 ص 388.

    [6] ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، اتحاد الكتاب العرب، 1423 ه -2002م، ج 2 ص 244.

    [7] الزمخشري، جار الله أبو القاسم محمود بن عمر، أساس البلاغة، تحقيق: عبد الرحيم محمود، دار المعرفة، بيروت - لبنان، ص 135.

    [8] على أن السكاكي نفسه لم يذكر في كتابه مفتاح العلوم مصطلح الادماج، ولم يعرض له من قريب أو من بعيد، وأول من وقف عليه من هذه المدرسة هو: الخطيب القزويني، كما سياتي لاحقا.

    [9] العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري، الصناعتين، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت -لبنان، 1419 هـ، ج 1 ص 423.

    [10] ابن رشيق، أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق: محمد محيي الديني عبد الحميد، دار الجيل، بيروت -لبنان، ط 5، 1401 ه-1981 م، ج 2 ص 41.

    [11] وضعت ألفا قبل ابن لأن منقذ ليس اسم أبيه وإنما هو اسم أحد أجداده.

    [12] المتنبي، أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي، ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت - لبنان،1403ه -1983 م، ص 391.

    [13] المتنبي، ديوان المتنبي، ص 165.

    [14] ابن منقذ، أبو المظفر مؤيد الدولة مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي، البديع في نقد الشعر، تحقيق: الدكتور أحمد أحمد بدوي والدكتور حامد عبد المجيد، الجمهورية العربية المتحدة، وزارة الثقافة والارشاد القومي، ص 58.

    [15] ابن أبي الأصبع، عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر ابن أبي الاصبع العدواني، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القران، تقديم وتحقيق: الدكتور حفني محمد شرف، الجمهورية العربية المتحدة، المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية، ص 449.

    [16] النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب، نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق: مفيد قمحية وجماعة، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان، ط 1، 1424 هـ-2004 م، ج 7 ص 136.

    [17] الطيبي، شرف الدين الحسين بن محمد بن عبد الله، التبيان في البيان، تحقيق: د.توفيق الفيل وعبد اللطيف لطف الله، ذات السلاسل للطباعة والنشر، الكويت -الكويت، 1986 م، الطبعة الأولى، ص 322.

    [18] القزويني، جلال الدين أبو عبد الله محمد بن سعد الدين بن عمر، الايضاح في علوم البلاغة، دار إحياء العلوم، بيروت -لبنان، الطبعة الرابعة، 1998 م، ص348.

    [19] التفتازاني: سعد الدين بن مسعود بن عمر، المختصر، طبعة مصورة دار السرور، بيروت -لبنان، بدون تاريخ أو طبعة، ضمن شروح التلخيص، ج 4 ص 398.

    [20] التفتازاني سعد الدين بن مسعود بن عمر، المطول، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ط 1، 1325ه -2004م، ص 684.

    [21] السبكي، بهاء الدين السبكي، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، طبعة مصورة دار السرور، بيروت -لبنان، بدون تاريخ أو طبعة، ضمن شروح التلخيص، ج 4 ص 398.

    [22] المغربي، ابن يعقوب المغربي، مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح، طبعة مصورة دار السرور، بيروت -لبنان، بدون تاريخ أو طبعة، ضمن شروح التلخيص، ج 4 ص 398.

    [23] عرفه السكاكي بقوله: "وهو المدح بشيء على وجه يستتبع مدحا اخر"، تنظر: السكاكي، أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي، مفتاح العلوم، ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان، ط 2، 1407 هـ-1987 م، ص 428، فالاستتباع خاص بالمدح، والغريب أن السكاكي بين هنا أن الاستتباع يكون خاصا في المدح، لكنه لم تعرج على الادماج بشيء، وهذا ما دعا الخطيب أن يستتبع على السكاكي بإدماجه الادماج بعد الاستتباع، وهو مما يمدح عليه استتباعا.

    [24] الجرجاني، علي بن محمد بن علي، التعريفات، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت -لبنان، ط 1، 1405ه، ص 30.

    [25] الحموي، تقي الدين أبو بكر علي بن عبد الله، خزانة الأدب وغاية الأرب، دار ومكتبة الهلال، بيروت -لبنان، ط 1، 1987 م، تحقيق: عصام شعيتو، ج 2 ص 484.

    [26] المناوي، محمد عبد الرؤوف، التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، دار الفكر، بيروت -لبنان، دمشق -سوريا، ط 1، 1410ه، ص 64.

    [27] الكفوي، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش -محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت –لبنان، 1419هـ-1998 م، ص 82.

    [28] ينظر على سبيل المثال: الصعيدي، عبد المتعال الصعيدي، بغية الايضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة، مكتبة الآداب، القاهرة -مصر، الطبعة السابعة عشر، 1426 هـ-2005 م، ج 1 ص ه44.

    [29] فالمفسر يتعامل مع الالة البلاغية على أنها موصلة إلى فهم الهداية، المستخلصة من ذلك الكتاب المنزل بلسان عربي مبين.

    [30] أقصد بالتطبيق الجائر، تفسير الآيات القرآنية على ضوء بعض المصطلحات البيانية، دون ملاحظة الفروق بين كلام الله تعالى وبين كلام البشر، فما جاز أن يطبق على كلام احاد البشر لا يصح في كتاب الله تعالى، فهو ليس شعرا ولا نثرا، لتنطبق عليه تلك المقاييس والمنهجيات التي فهمها واستنبطها أئمة النقد العربي من كلام الشعراء والخطباء، فيجب على من يفسر كتاب الاله تعالى أن تكون بين جنبات قلبه، وأصداغ عقله، تلك الفروق التي بإدراكها يتميز المحقق المدقق من حاطب ليل.

    [31] الحارث بن حلزة بن مكروه بن يزيد اليشكري الوائلي، شاعر جاهلي، من أهل بادية العراق، وهو أحد أصحاب المعلقات، كان أبرص فخورا، ارتجل معلقته بين يدي عمرو بن هند، الملك بالحيرة، ومطلعها: (آذنتنا ببينها أسماء) جمع بها كثيرا من أخبار العرب ووقائعهم، ينظر: الزركلي، خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت -لبنان، ج 2 ص 154.

    [32] تخريج البيت: الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين، الأغاني، تحقيق: سمير جابر، دار الفكر، بيروت -لبنان، ط 2، ج 11 ص 43، وقد ذكره إميل يعقوب في الديوان الذي جمع فيه أشعار الحارث بن حلزة، تنظر: يعقوب، إميل بديع، ديوان الحارث بن حلزة، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، ط 1، 1411ه-1991 م، ص 19.

    [33] ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت -لبنان، ط 1، 1420 هـ-2000 م، ج 1 ص 334.

    [34] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 1 ص 334.

    [35] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج8 ص 384.

    [36] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج8 ص385.

    [37] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج8 ص 385.

    [38] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 16 ص 70.

    [39] الشنقيطي، أضواء البيان، ج 3 ص 478 بتصرف.

    [40] لم يقل: إلا الذين اتقوا لبيان عظيم رحمته تعالى بعباده، وأن الله أنجاهم قبل ورودها، وزيادة تبشيع وتشنيع للظالمين، على جعل "إثم"، على التراخي الرتبي.

    [41] قال أبو بكر الأنباري في معنى حسيس النار: صوتها، وقال الراغب: حركتها، وهما من مصب واحد، فاثر الحركة هو الصوت، ينظر، الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم، الزاهر في معاني كلمات الناس، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، بيروت -لبنان، 1412 هـ-1992 م، ط (1)، ج 1 ص 204، والراغب، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل، مفردات ألفاظ القران، دار القلم، دمشق -سوريا، ج 1 ص 230.

    [42] الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القران وتفسيره وأحكامه وجمل من فنونه وعلومه، أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي-جامعة الشارقة، نشر: مجموعة بحوث الكتاب والسنة -كلية الشريعة والدراسات الاسلامية –جامعة الشارقة، ط 1، 1429ه -2008م، ج 7 ص 4578.

    [43] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 17 ص 43.

    [44] قلت: الصحيح: أن المقصود بالإهلاك إهلاك الطبع على القلوب؟ بحيث لا يرجعون إلى الايمان، والرجوع إلى الدنيا بعد الاهلاك -بمعنى التعذيب -غير متصور في الذهن، وللطبري توجيه سياقي بديع في ترجيح أن الاهلاك إهلاك الطبع على القلوب، يقول رحمه الاله تعالى: "والقول الذي قاله عكرمة في ذلك أولى عندي بالصواب، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن تفريق الناس دينهم الذي بعث به إليهم الرسل، ثم أخبر عن صنيعه بمن عم بما دعته إليه رسله من الايمان به، والعمل بطاعته، ثم أتبع ذلك قوله: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ)، فلأن يكون ذلك خبرا عن صنيعه بمن أبى إجابة رسله وعمل بمعصيته، وكفر به أحرى؛ ليكون بيانا عن حال القرية الأخرى التي لم تعمل الصالحات وكفرت به.
    فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: حرام على أهل قرية أهلكناهم بطبعنا على قلوبهم، وختمنا على أسماعهم وأبصارهم، إذ صدوا عن سبيلنا وكفروا بآياتنا، أن يتوبوا ويراجعوا الايمان بنا واتباع أمرنا والعمل بطاعتنا". الطبري، جامع البيان، ج 18 ص 525 -526.
    وهذا ما رجحه الزمخشري حيث قال: "ومعنى (أَهْلَكْنَاهَا) : عزمنا على إهلاكها، أو قذرنا إهلاكها، ومعنى الرجوع: الرجوع من الكفر إلى الاسلام والانابة، ومجاز الآية: أن قوما عزم الله على إهلاكهم، غير متصور أن يرجعوا وينيبوا إلى أن تقوم القيامة؛ فحينئذ يرجعون ويقولون: (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) (الأنبياء:97) يعني: أنهم مطبوع على قلوبهم، فلا يزالون على كفرهم ويموتون عليه حتى يروا العذاب"، ينظر: الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت
    - لبنان، ج 3 ص 135.

    [45] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 23 ص 148.

    [46] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 1 ص 635.

    [47] الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الاملي، جامع البيان في تأويل القران، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1420هـ-2000م، ج 2 ص 471.

    [48] يقول ابن عاشور في موطن اخر في تقوية هذا الوجه من الادماج: "وذكر (الَّذِينَ كَفَرُوا) إدماج للنداء عليهم بوصف الكفر، ولهذا الادماج نكتة أيضأ، وهي أن وصف الذين كفروا بمنزلة الجنس صار الموصول في قوة المعرف بلام الجنس، فتفيد جملة: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) قصر جنس الكفر على هذا الضمير؛ لقصد المبالغة؛ لكمالهم في الكفر بصدهم المعتمرين عن المسجد الحرام، وصد الهدي عن أن يبلغ محله" ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 26 ص 158.

    [49] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 1 ص 708.

    [50] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 18 ص 106.

    [51] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 26 ص29.

    [52] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 2 ص 351-352.

    [53] أبو السعود، محمد بن محمد العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القران الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت -لبنان، ج 1 ص 222.

    [54] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 2 ص 386.

    [55] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 2 ص 387.

    [56] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 3 ص 110.

    [57] ينظر: الطبري، جامع البيان، ج 6 ص 465.

    [58] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 3 ص 198.

    [59] الزمخشري، الكشاف، ج 1 ص 433.

    [60] ينظر: البيضاوي، أبو سعيد عبد الله بن عمر، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار الفكر، بيروت -لبنان، ج 2 ص 82.

    [61] ينظر: أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج 2 ص 75.

    [62] ينظر: الشربيني، شمس الدين محمد بن أحمد، السراج المنير، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان، ج 1 ص 196.

    [63] ينظر: الالوسي، محمود الالوسي أبو الفضل، روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت -لبنان، ج 1 ص 175.

    [64] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 4 ص 337.

    [65] ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان، 1413ه 1993 م، ط 1، ج 2 ص 164.

    [66] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 7 ص 140.

    [67] ابن عطية، المحرر الوجيز، ج 2 ص 431.

    [68] ابن كثير، تفسير القران العظيم، ج 2 ص 239.

    [69] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 10 ص 120.

    [70] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج12، ص 242.

    [71] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 22، ص 231.

    [72] مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ج 2 ص 743، رقم الحديث: (1185).

    [73] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 13، ص 172.

    [74] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 13، ص 83.

    [75] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 17، ص 148.

    [76] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 22، ص 225.

    [77] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج27، ص 21.

    [78] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 20، ص 100.

    [79] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج27، ص21.

    [80] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 1 ص635.

    [81] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج25 ص 172.

    [82] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 25 ص 17.

    [83] قال البخاري: حدثنا الحسن بن خلف قال: حدثنا إسحاق بن يوسف عن أبي بشر ورقاء، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجزة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط على وجهه فقال: "أيؤذيك هوامك"؟ قال: نعم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق وهو بالحديبية، لم يتبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فانزل الله الفدية، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن يطعم فرقأ بين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام"، البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح المسند، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت - لبنان، ط 3، 1407ه- 1987م، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم الحديث: ج 4 ص 1527.

    [84] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 2 ص 213.

    [85] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 7 ص 52.

    [86] الطبري، جامع البيان، ج 12 ص 176.

    [87] ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القران العظيم، تحقيق: محمود حسن، دار الفكر، بيروت - لبنان، الطبعة الجديدة 1414ه 1994م، ج 2 ص 223.

    [88] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 13 ص 101.

    [89] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج13 ص 101-102.

    [90] وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الضميرين مختلفا المرجع، فرجعوا الأول للأصنام والثاني للكفار، ينظر: الطبري، جامع البيان، ج 17 ص 188.

    [91] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 8 ص 63.

    [92] الطبري، جامع البيان، ج 12 ص 379.

    [93] البقاعي، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، تحقيق: عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان، 1415ه -1995 م، ج 3 ص 23.

    [94] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 9 ص75.

    [95] هذا الكلام لا يصدقه الواقع ولا التاريخ، فإيمانهم بالله تعالى إيمان باطل؛ لأنه قام على باطل في دعوى بنوة المسيح وعزير، وهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله في دينهم؛ لأنه دين محرف عن دين الله، والله لم يقل: ولا يحرمون في دينهم: وانما قال: (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)، وما حرمه الله شيء، وما هو محرم في دينهم الباطل شيء اخر، فجميع الصفات منطبقة على أهل الكتاب، كما أطبقت عليه كلمة المفسرين.

    [96] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 10ص 65-66.

    [97] وهو أن يكون الكلام محتملا لشيء بعيد، فيؤتى بما يدفع ذلك الاحتمال، ينظر: الزركشي، أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله، البرهان في علوم القران، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت - لبنان، 1391هـ، ج 3 ص 64.

    [98] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 10 ص 120.

    [99] ابن عطية، المحرر الوجيز، ج 3 ص 48.

    [100] البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التنزيل، ج 3 ص 151.

    [101] يقول الفراء: "وهو أمر في اللفظ وليس بأمر في المعنى؛ لأنه أخبرهم أنه لن يتقبل منهم، وهو في الكلام بمنزلة إن في الجزاء كأنك قلت: إن أنفقت طوعا أو كرها فليس بمقبول منك"، ينظر: الفراء، أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الفراء، تحقيق: أحمد يوسف النجاتي واخرون، دار المصرية للتأليف والترجمة، مصر، ط 1، ج 1 ص 441.

    [102] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج10 ص 120.

    [103] السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1420 ه 2000م، ص375.

    [104] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 16 ص 67.

    [105] يقول الزمخشري في وصف المشركين: "هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية؛ كالاستضاءة بقمريها، والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض والحيوان بأمطارها، وهم عن كونها اية بينة على الخالق (مُعْرِضُونَ)، الزمخشري، الكشاف، ج 3 ص 116، وتفسير الزمخشري أدق مسلكا مما ذهب إليه ابن عاشور، فإعراضهم عن كونها اية على الخالق، لا على أنها في ذاتها منفعة، ولعل ما ظهر له من الادماج قاده لهذا القول.

    [106] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 17 ص 43.


    [107] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 24 ص 37.

    [108] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 24 ص 59.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •