ضمانات القرآن الذاتية لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ضمانات القرآن الذاتية لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي ضمانات القرآن الذاتية لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

    ضمانات القرآن الذاتية


    لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم




    د. راجح عبد الحميد سعيد "كردي بني فضل" ([·])




    ملخص البحث:

    عالج البحث قضية مفادها: أن القرآن في ذاته يشكل ضمانة العالمية لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عالج البحث هذه الفرضية بإثبات أن القرآن الكريم بما له من خصائصه الذاتية - من: ربانيته، وخاتميته للكتب الإلهية، وتواؤمه مع الفطرة الإنسانية، ووحدة خطابه، وصلاحية مبادئه، ونزعته الإنسانية - ما يجعله ضامنا عالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وخلودها، بحيث تشمل الناس كافة إلى قيام الساعة.
    كما ناقش البحث ضمانة ذاتية أخرى للقرآن الكريم بمقاصده الكبرى التي تكفل هذه العالمية في كونه حقا في ذاته، وحقا يحمل في مواجهة الباطل في سنة التدافع، وحقا بما فيه من هداية وعبادة ورحمة. كما أظهر البحث أهم ذاتيات القران من حيث موضوعاته الكبرى التي تحمل عالمية الرسالة وتضمنها؛ من مثل الإيمان بالله وتوحيده وتنزيهه، وعقيدة الجزاء، والعمل الصالح، وثبات منظومة القيم والأخلاق، بكل ما تتميز به في إطارها الإنساني الواسع، مع إطارها الإيماني الدقيق.


    المقدمة

    الحمد لله الذي أنزل القرآن على خاتم أنبيائه ورسله، وجعله مصدقا لكتبه ومهيمنا عليها، واختصه بما لم يختص به غيره من كتبه، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، المرسل برسالة ربنا العالمية إلى الناس كافة، والخالدة إلى يوم الدين، ثم أما بعد؛
    فلما كان القرآن كتاب رب العالمين وخاتم الكتب على خاتم الرسل، أنزله الله وحياً، وخصه بما لم يختص به كتابا من كتبه؛ ليجعله وحيه المحفوظ إلى قيام الساعة، وللناس في الأرض كلها، فقد جعل الله له من الخصوصيات الذاتية في جوهره، ومن المقاصد والموضوعات في غاياته: ما يضمن هذه العالمية لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد وجدت الحاجة إلى تأصيل هذا المعنى لأمة لا بد أن تعرف أن قدرها العالمي هو بقدر هذا القران، وأن أصالتها بأصالته، وأن خصوصيتها بخصوصيته، لأجمع فيه بين التأصيل للدراسات القرآنية، والتأصيل للدراسات العقدية في موضوع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ولمعالجة هذه الفرضية فقد نظمت البحث بمقدمة وتمهيد ومبحثين وخاتمة على النحو الآتي:
    المقدمة.
    تمهيد: مصطلحات الدراسة.
    المبحث الأول: خصوصيات القرآن في ذاته وجوهره وضمانة العالمية وفيه مطالب::
    المطلب الأول: خصوصية ربانية القرآن.
    المطلب الثاني: خصوصية موقعه من الكتب الإلهية.
    المطلب الثالث: خصوصية علاقته بالفطرة الإنسانية.
    المطلب الرابع: خصوصية صلاحية مبادئه وأصوله التشريعية.
    المطلب الخامس: خصوصية نزعته الإنسانية.
    المطلب السادس: خصوصية وحدة خطابه وتجرده.
    المبحث الثاني: مقاصد القرآن وموضوعاته.
    المطلب الأول: مفاصد القرآن وضمانة العالمية.
    المقصد الأول: القرآن هو الكتاب الحق للناس.
    المقصد الثاني: القرآن كتاب الهداية الشاملة الدائمة للناس وكتاب الفصل والبيان.
    المقصد الثالث: القرآن كتاب العبادة.
    المقصد الرابع: القرآن كتاب الشفاء والرحمة والبشرى.
    المقصد الخامس: القرآن كتاب العلم والتزكية والحكمة.
    المقصد السادس: القرآن كتاب الذكرى والتذكير والعبرة والعظة.
    المقص السابع: القرآن يقصد إحقاق الحق وإبطال الباطل في سنة التدافع.
    المطلب الثاني: موضوعات القرآن وضمانة العالمية:
    الموضع الأول: الإيمان بتوحيد الله وتنزيهه.
    الموضوع الثاني: البعث والجزاء.
    الموضوع الثالث: العمل الصالح.
    الموضوع الرابع: القيم والأخلاق.
    الخاتمة:
    وفيها أهم نتائج الدراسة وتوصياتها.


    تمهيد

    مصطلحا ت الدراسة

    تقوم فرضية البحث على أن القرآن الكريم - بصفته كتاب الله النازل وحيا كلاميا على محمد صلى الله عليه وسلم -يحمل في ذاته وجوهره - بهذا الاعتبار - ضمانة العالمية لرسالة الإسلام، رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ويظهر من هذه الفرضية أربعة مصطلحات تحتاج إلى تحديد وبيان:
    أولها - القرآن الكريم:
    فهو وان كان لا يحتاج إلى تعريف وبيان، لأن المعنى الشائع والمتبادر إلى ذهن السامع مسلما وغير مسلم، أنه كتاب رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن التعريف العلمي أو المصطلحي له أنه: كلام الله تعالى القديم، لأنه صفة من صفات المعاني القديمة القائمة به تعالى كما يعرف باختصار، أو "اللفظ المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس" ([1]) فهو كلام الله تعالى حقيقة غير مخلوق، المنزل على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه، وبهذا نخرج من قول المعتزلة بأنه مخلوق، ونخرج من قول الأشاعرة بأن القرآن هو عبارة عن كلام الله النفسي وليس كلام الله حقيقة، إذ يقولون: "وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرأه فهو مخلوق" ([2]). والمقصود من هذا التعريف - إذن - أن هذا القرآن بما هو كتاب الله وحياً متميزا عن السنة؛ لأنها وحي أيضا، بأنه بألفاظه ومعانيه من الله تعالى. وهو - بما يحمل بألفاظه من معان ومقاصد ومحتويات - يمثل منهج رسالة محمد صلى الله عليه وسلم الخاتمة للناس كافة.
    والذي يعنينا في هذه الدراسة: أن نثبت أن القرآن الكريم هو وحي الله وكلامه وهو كتاب الرسالة الخاتمة يحمل في ذاته وجوهره ضمانة العالمية لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
    وثانيها:
    مفهوم مصطلح الضمانة: هي مأخوذة لغة من الضمان، ومأخوذة من الفعل ضمن، يقول ابن فارس: "الضاد والميم والنون أصل صحيح، وهو جعل الشيء في شيء يحويه. من ذلك قولهم: ضمنت الشيء إذا جعلته في وعائه. والكفالة تسمى ضمانا من هذا؛ لأنه إذا ضمنه فقد استوعب ذمته" ([3]). وبنفس هذا المعنى ذكر صاحب القاموس المحيط ففال: "ضمن الشيء وبه كفله.. وما جعلته في وعاء فقد ضمنته إياه" ([4]).
    وقال ابن منظور: "الضمين: الكفيل؛ ضمن الشيء وبه ضمنا، وضمانا: كفل به، ضامن وضمين، كافل وكفيل. ويقال: ضمنت الشي ء، أضمنه ضمانا فانا ضامن وهو مضمون. ويقال شرابك ممضمن إذا كان في كوز أو إناء" ([5]). وقصدنا - هنا - من مصطلح الضمانة: هو الكفالة، وهي الحفظ والرعاية، أي ما يحفظ عالمية الرسالة ويكفل بقاءها وخلودها.

    ثالثها - الذاتية:

    وقصدنا من الذاتية:
    أي من نفس القرآن، أي من كونه كتابا وهو كلام الله، أي ما يعود لذات القرآن وجوهره، لا لشيء خارج عنه، لأن ثمة ضمانات أخرى خارج الكتاب، تقوم كفالات وضمانات لعالمية الرسالة. وثمة ضمانات ذاتية أخرى من اعتبار آخر، وهو كونه معجزة الرسالة التي تكفل الله تعالى بحفظها وبطبيعتها وبإعجازها.
    رابعها - العالمية:
    والعالمية: لغة من العلم - بفتح العين واللام - وهو المنار والسمة والفصل بين الأرضين، والأثر يستدل به. والعالم هو الخلق كله. والعالمية مصدر صناعي بزيادة ياء مشددة وتاء تأنيث ([6]). ويبدو أن المقصود من هذه الزيادة هو شمول ما يوصف بالعالمية؛ فإذا قلنا: عالمية الإسلام قصدنا بها ما يميز الإسلام دينا عن الأديان الأخرى بأنه رسالة شاملة للناس كافة، بحيث يغطي في بعده الأفقي الأرض؛ كلها ليصل إلى كل إنسان فيها، في كل مكان يوجد فيه هذا الإنسان، ويمتد في بعده الرأسي أو الزمني إلى كل إنسان يخلقه الله تعالى منذ مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، فيتجاوز جيل الرسالة وإنسانها إلى كل الأجيال القادمة إلى قيام الساعة. وهذه العالمية لرسالة الإسلام قوامها عموم الرسالة لجميع البشر كما قلنا، وخاتميتها بحيث أكملت النبوات والرسالات السابقة؛ فلا مزيد عليها ولا نبوة بعدها، ولا رسالة تعقبها، وتعني بالتالي خلودها زمنا إلى قيام الساعة. وهي شاملة بالتالي لكل ما يحتاجه الإنسان لسعادة الدارين، فهي بعالميتها رسالة طولها يستغرق الأزمان، ويساير الخلود، ويتجدد على الإعصار، وعرضها يستوعب الأجناس كلها، وعمقها يشتمل
    الحقائق التي يفتقر لها العالم في شؤون حياتهم جميعها. ([7])

    المبحث الأولى

    خصوصيات([8])

    القرآن في ذاته وجوهره وضمانة العالمية

    المطلب الأول
    خصوصية ربانية القران
    ويقصد بها - هنا - أن هذا الفرآن هو من الله؛ فهو كلام الله تعالى ووحيه الكامل، لأنه صفة من صفاته "كامل كمال تلك الصفات، جليل جلالها، عظيم عظمتها، دائم ديمومتها" ([9])، أنزله كلاما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصفات الله تعالى قديمة أزلية وأبدية، فالقرآن بما هو من صفات الله إذن دال على عظمته، فهو بربانيته يحمل ضمانة ذاتية لعالمية رسالته. وبما أن الله تعالى هو رب العالمين، وأن المخاطبين بهذا القرآن هم من خلق الله، فلا يصلح لخطابهم عالميا إلا كتاب الله الصحيح، كيف لا وهو الكتاب الخاتم، النازل على النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا هو المؤهل الأول للقرآن في ذاته ومصدره ما يجعله ضمانة لعالمية رسالته الخاتمة على محمد صلى الله عليه وسلم.
    ولو كان القرآن من غير مصدره الإلهي لتفرقت البشرية، ولا ختلطت أمورها باختلاط مصادر التوجيه فيها؛ لأن الإنسان لا يصلح أن يكون مصدر التوجيه؛ لأنه عاجز، محدود، مغير آراءه، والإنسان المحدود العاجز، المغير لآرائه والمبدل لمواقفه، أسير لتنوع تفكيره ومصادر معرفته، واختلاف أهوائه وشهواته وبيئاته، فما يوجد في فكره من الاختلاف والتناقض يجعله غير صالح للعالمية، ولا لتوحيد هديها ومواقفها.
    ولا يصلح للإنسانية الواحدة المخلوقة لرب واحد سبحانه، والمنتهية في مصيرها لتقف بين يدي رب واحد سبحانه إلا القرآن؛ لأنه مبرأ من كل نقص، فهو من الله الواحد العزيز الحكيم، قال تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 42)، وكما قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء: 82)، ولهذا كان لربانية القرآن في مصدره ما يعزز عالميته، كما وصفه ربنا سبحانه بقوله: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) (إبراهيم: 1-3)، وهذا ما يستدعي بقاءه على ربانيته بأن يحفظ كما هو دون تغيير ولا تبديل ولا تحريف ولا زيادة ولا نقصان، ولا تكون أية علاقة بشرية به سوى أن تتناقله وتحفظه كما نزل؛ إبقاء له على ربانيته، وتحقيقا لضمان عالميته.
    ومن هنا نجد أن الله سبحانه يتبع الآيات بعد ذكره للقرآن ووضمه له بانه مبين، بما يؤكد ربانيته، وبقاءها على ذلك؛ ضمانا لحفظه له، يقول تعالى: (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ) (الحجر: 1)، ثم يقول بعد ذلك في ذات السورة: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَة ِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 6-9)؛ ولذلك لما طلب الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن، أو يبدله اكد الله لهم ليجيبهم نبيه تأكيدا على ربانية مصدره، وأن محمدا بشخصه لا يمكن أن يكون مصدر هذا القرآن، فقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس: 15).
    ويتأكد من هذه الحقيقة من "تدبر القرآن، وقرأ آياته؛ ليجد أن محمدا صلى الله عليه وسلم لو اجتهد وكان اجتهاده خلاف الأولى لصوبه الله نحو الأصح والأفضل، ولعاتبه على فعله كما في قصة ابن أم مكتوم، وأسرى بدر، والمنافقين المتخلفين في غزوة تبوك، وقصة زواجه من زينب بنت جحش" ([10]).
    والرسول صلى الله عليه وسلم مهمته أن يبلغ الوحي الذي أوحاه الله إليه، لا أنه ينشئه ويؤلفه قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة: 67)، وقال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (النجم: 3-5).
    هذه الربانية - مصدر للقرآن - تكسبه كل الخصائص الأخرى التي هي آثار لها بما يضمن عالمية رسالته من صحة، ويقينية، وثبات، وشمول، وواقعية، وتوازن وغير ذلك مما لا نحب التطويل فيه ([11])؛ لكثرة تكرار المؤلفين له، فلا نزيد عليهم فيه.
    المطلب الثاني
    خصوصية موقعه من الكتب الإلهية
    1 - القرآن والكتاب في آيات القرآن:
    لقد وردت كلمتا الكتاب، وكتاب الله في آيات القرآن الكريم دالتين على الكتب الإلهية عموما، أو كتب بعينها، مثل: التوراة، والإنجيل، والكتب الإلهية فيما قبل القرآن الكريم بما يقارب مائة وتسعة عشر موضعا ([12])، دالتين على القران الكريم بعينه فيما يقارب تسعة وسبعين موضعا ([13])، في حين ذكر لفظ القرآن - معرفا - دالا على الكتاب الإلهي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم في ثمانية وخمسين موضعا ([14])، بينما ذكر لفظ (قرآنا) - نكرة - في عشرة مواضع. ([15])
    وذكر السيوطي أن أسماء القرآن الكريم بلغت خمسة وخمسين اسما، وبلغت عند الزركشي نيفا وتسعين، وعددها، وعلل لكل تسمية ([16]).
    وبالاستقراء لهذه الأسماء التي ذكرها السيوطي وبتفحصها يرى الباحث: أن كثيرا منها جاءت صفات للأسماء الرئيسة وهي؛ القرآن والكتاب والذكر والفرقان، وان عدها العلماء أسماء، فالأدق أنها أوصاف للقرآن، وهي كما وردت نصيا في القرآن على النحو الآتي:
    - الوحي: قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم: 4).
    - المبين: قال تعالى: (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (يوسف: 1).
    - بيان: قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 138).
    - كريم: قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ) (الواقعة: 77).
    - نور: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (النساء: 174).
    - هدى وموعظة: قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 138).
    - شفاء ورحمة: قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء: 82).
    - مباركا: قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (الأنعام: 92).
    - حكيما: قال تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) (آل عمران: 58).
    - مصدقا: قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا) (الأحقاف: 12).
    - مهيمنا: قال تعالى: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا) (المائدة: 48).
    - صراط ومستقيما: قال تعالى: (وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (الأنعام: 126).
    - قولا: قال تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمل: 5).
    - مفصلا: قال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (الأنعام: 114).
    - نبأ عظيم: قال تعالى: (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ) (ص: 67).
    - أحسن القصص: قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) (يوسف: 3).
    - متشابها ومثاني وتنزيل: قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر: 23).
    - روحا: قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: 53).
    - عربيا: قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف: 2).
    - بصائر: قال تعالى: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (الجاثية: 20).
    - العلم: قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ) (الرعد: 37).
    - عجبا: قال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا) (الجن: 1).
    - تذكرة: قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (الحاقة: 48).
    - صدقا وعدلا: قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنعام: 115).
    - أمراً: قال تعالى: (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) (الدخان: 5).
    - مناديا: قال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) (آل عمران: 193).
    - بشرى: قال تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) (البقرة: 97).
    - مجيد: قال تعالى: (ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ) (ق: 1).
    - بشيرا ونذيرا: قال تعالى: (بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) (فصلت: 4).
    - عزيز: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) (فصلت: 41).
    - بلاغ: قال تعالى: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ) (إبراهيم: 52).
    - القصص الحق: قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62).
    - أحسن القصص: قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ) (يوسف: 3).
    - مرفوعة مطهرة: قال تعالى: (مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ) (عبس: 14).
    ويرى أبو شهبة ([17]) أن الكتاب والفرقان والتنزيل والذكر هي "أشهر الأسماء بعد لفظ القرآن، وقد صارت أعلاما بالغلبة على لسان أهل الشرع ([18]).
    2- علاقة القرآن بالكتب السماوية السابقة:
    نزل القرآن الكريم كتابا خاتما للكتب الإلهية السابقة النازلة على الأنبياء والرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يحمل الدين الإلهي - الإسلام - التام المتمم والكامل المكمل، المرضي عنه إلى قيام الساعة طبقا لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3)، بعد أن اختلف أهل الكتب السابقة، فبذلوا كتبهم وغيروها وحرفوها، فجاء الدين الخاتم بالكتاب الخاتم، قال تعالى: (ِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (آل عمران: 19). قال ابن كثير في تفسير الآية: "إخبار من الله تعالى بأنه لا دين يقبل عنده من أحد سوى السلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله في كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم" ([19]). ويشير القرآن الكريم إلى موقع هذا القرآن خاتما؛ ضمانا لرعاية الله لخلقه، وهدايته لهم، وحاجاتهم إليه إلى قيام الساعة، كتابا نازلا على محمد النبي الخاتم برسالته العالمية بقوله سبحانه: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (الأنعام: 92)، وعاب على أهل الكتاب إنكارهم إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، المبشر به نبيا خاتما عندهم في كتبهم، فقال سبحانه: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة: 89)، وقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ) (البقرة: 91)، وقال سبحانه: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) (آل عمران: 3 - 4).
    وهذا الموقع للقرآن الكريم بصفته خاتما للكتب الإلهية السابقة، ومصدقا لها ومهيمنا عليها يعد ضمانة تكفل عالمية الرسالة، إذ لولاه لبقي الاختلاف بين البشر على أديانهم وعقائدهم وأنبيائهم، ولبقيت البشرية مشتتة متفرقة، متشرذمة، فجعل الله هذا القرآن بموقعه كتابا مصدقا للكتب السابقة ومهيمنا عليها، يخاطب العالم كله خطابا عالميا، وجعل فيه التمام والكمال منهجا ومحتوى، إيمانا، وشريعة، ونظاما، وخلقا، وما فرط فيه من شيء، ما يخرج البشر من حالة القومية والشعوبية، والدينية الطائفية المتفرقة إلى توجه عالمي إنساني ومن ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، قال تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (إبراهيم: 1)، وقال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 257). فهو إذن:
    خاتم مصدق لما في الكتب السابقة من أصول الإيمان والعبادة والفضائل وأصول الشرائع، وإن اختلفت شريعته التفصيلية عما سبق تشريعه في الكتب السابقة؛ لضرورة خصوصية تلك الشرائع لشعوب تلك الكتب، وأقوامها وظروفها، بينما جاءت شريعته للناس كافة بما يضمن عالميتها من حيث قدرتها على حل مشاكل البشرية في كل زمان ومكان، وبما يحقق خلودها وديمومتها، وبما يقتضيه خلودها بسبب خاتميتها، إذ لا شريعة بعدها قال تعالى: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) (الصافات: 37). هذا من ناحية.
    ومن ناحية أخرى: فهو المهيمن على الكتب السابقة في أصل ما جاءت عليه قبل تحريفها لأنه خاتمها. والمطلوب من البشر جميعا بعد نزوله الإيمان به، واتباعه وتحكيمه؛ لأنه قد حرس ما فيها من أصول الخير بعد أن صدق ما فيها أصلا، وبما أبقى من أصولها وهيمن عليها. وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (المائدة: 48).
    يعلق دراز ([20]) على الآية بقوله: "أي حارسا أمينا عليها. ومن تلك الحراسة الأمينة على تلك الكتب: ألا يكتفي الحارس بتأييد ما خلده التاريخ فيها من حق وخير، بل عليه فوق ذلك: أن يحميها من الدخيل الذي عساه أن يضاف إليها بغير حق، وأن يبرز ما تمس إليه الحاجة من الحقائق التي عساها أن تكون قد أخفيت منها" ([21]).
    ويعلق سيد قطب ([22]) على الآية ذاتها بقوله: "والأمر موجه ابتداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما كان فيه من أمر أهل الكتاب الذي يجيئون إليه متحاكمين، ولكنه ليس خاصا بهذا السبب، بل هو عام والى آخر الزمان، طالما أنه ليس هناك رسول جديد، ولا رسالة جديدة، لتعديل شيء ما في هذا المرجع الأخير" ([23]).
    3 - قرابة القرآن من الكتب السابقة:
    إن العلاقة القوية للقران الكريم بالكتب الإلهية السابقة ناشئة من كون تلك الكتب كلها في أصلها من الله وحده، والقرآن من الله وحده، وما أصاب تلك الكتب السابقة من خلل أو تحريف أخرجها عن ربانية مصدرها، مما يؤكد ضرورة دعوة القرآن لأهل تلك الكتب إلى قبوله والأيمان به؛ لأنه الكتاب الوحيد من الله وحده الذي لا تمتد إليه يد التحريف أو التغيير أو الزيادة أو النقصان، والذي تكفل الله تعالى بحفظه كما قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9). وقال: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (يونس: 37).
    وقوة هذه العلاقة للقرآن بالكتب السابقة واضحة - إذن - في أنها هي والقرآن من مصدر واحد، وهو الله عز وجل. وهذا لون واحد من ألوان القرابة بين القرآن الكريم والكتب إلهية السابقة.
    أما القرابة الأخرى: فهي قرابة التصديق لما كان فيها من الحقائق والهيمنة عليها كما ذكرنا قبل قليل.
    وأما القرابة الثالثة: فهي التصحيح المعبر عنه بالتفصيل، وهو البيان للحق بعدما غير وبدل أو كلما احتاجت إليه البشرية من ثبات في الرسالة العالمية، وقد كان مقبولا في الرسالات الخاصة.
    كل ذلك مع التركيز على ضرورة وحدانية هذا الكتاب وانفراده كتابا خاتما ومصدقا ومهيمنا، ومنهجا للإسلام المقبول والمرضي عنه عند الله تعالى، وضرورة انفراده وحده إلى قيام الساعة، أما تلك الكتب السابقة فقد انتهى العمل بها بعد نزوله، وما عاد يعترف بها للإعمال، وان كان يؤمن بها إيمانا مجملا - كمبدأ – كتبا إلهية، يكفر منكر أصل نزولها من الله، ويكفر في الوقت نفسه من زعم مشاركتها للقرآن في الإعمال، أو القبول بما يعرف بتعايش الديانات، إذ لا اعتبار لمفهوم تعدد الأديان بعد الإسلام: قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران: 19). وقال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85)، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف: 9).
    4 - أمثلة علي العلاقة:
    ويمكن إجمال الأمثلة على العلاقة في المضمون بين القرآن والكتب السابقة وكيفية تصحيحها أو تفصيلها أو إخراجها من خصوصية الرسالات السابقة إلى عالمية رسالة القرآن، فيما يأتي ([24]):
    أ - فيما يتعلق بتنزيه الله ومعرفته:
    الأساس في الكتب السماوية - ومنها التوراة والإنجيل - الإيمان بالله الواحد بأسمائه وصفاته، لكن غلب التشبيه والتجسيم في وصف الرب في التوراة - بفعل البشر-؛ فمثلا نجد في سفر التكوين في رويا يعقوب: "ورأى حلما، واذا سلم منصوبة على الأرض، ورأسها يمس السماء، وهو ذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها، وهو ذا الرب واقف عليها فقال: أنا الرب إله إبراهيم أبيك واله اسحق" ([25]). وعد اليهود ربهم قوميا، وزعموا أنهم شعب الله المختار، فطعنوا في تنزيه الرب، واحتكروه لهم.
    وقد اخترعت الأناجيل المدعاة صورة مجسدة للرب في ثالوث الآب والابن والروح القدس. فجاء القرآن الكريم ليعطي مفهوما صحيحا لمعرفة الله بأسمائه وصفاته يقول فيها: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: 11)، فكانت عقيدته واضحة في تنزيه الله بعيدا عن التجريد الفلسفي وعن التجسيد المادي، كما عبر عنه الله بانه رب العالمين، وليس إلها قوميا، ولا إلها حالا في إنسان، كما أنه رب واحد قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص: ا-4).
    ب - فيما يتعلق بالآخرة:
    فإن خلود الروح، ونهاية العالم، ويوم القيامة، والحساب، والجنة والنار عقيدة مشتركة بين الأديان الإلهية جميعها. ولكننا إذ نظرنا في كتاب التوراة لا نجد لها إلا شعاعا خافتا، ويعلل لذلك مالك بن نبي فيقول: "لأنها كانت مهتمة بالتنظيم الاجتماعي لأول مرة" ([26])، ولا أشاركه الرأي في هذا التعليل؛ إذ لا يصح لدين الهي، ولا لكتاب من عند الله أن يخلو من هذه العقيدة، فهي من أركان الإيمان التي تقوم على الإيمان بها مع الإيمان بالله حياة الإنسان من أجل الفوز في الآخرة بالجنة والنجاة من النار. ولكن السبب هو نفسية اليهود في حب السيطرة والعدوان على غيرهم؛ فقد أفقدوا توراتهم الإيمان بالآخرة، بل إن التوراة كما هي وبتجربتهم لا تعترف بالآخرة ولا تذكر أمرها، إذ "ترى الديانة اليهودية أن الإنسان يثاب أو يعاقب على أعماله في الحياة الدنيا" ([27])؛ فالجنة عندهم أطماع دنيوية، هي أرض الميعاد، فلسطين، بطرد أهلها منها وقتلهم وتشريدهم، وإقامة دولتهم عليها، ونهب أرضها وخيراتها. كل ذلك حتى لا ترق قلوبهم، وتطاوع قسوتها في معاملة الغير أو الجوييم ([28]) أو الأمميين بالتعبير القرآني، كما قرر القرآن عقيدتهم في ذلك بقوله تعالى: (قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) (آل عمران: 75).
    أما الأناجيل فتتحدث عن عقيدة قيامة المسيح، وهي عقيدة منسوجة من حول شخصية المسيح، ومتأثرة بالديانات الوثنية والشعبية، والأساطير التي تجعل الآخرة شيئا معنويا، وليس حقيقة شاهدة؛ ولذلك قالوا بفكرة الإسقاط والرهبنة، فافقد الملك حتى يوهب لك الملكوت. ولا وضوح لحقيقة الآخرة في أناجيلهم.
    بينما يجلي القرآن الآخرة تجلية تكاد تراها وتعيشها في دنياك في كل شيء، مع فارق أن هذه حياة دنيا زائلة، وتلك حياة حقيقية دائمة وخالدة. ولشدة وضوح صورتها وأهميتها في الإيمان لدى الرسالة العالمية يكاد يختصر السياق القرآني أركان الإيمان كلها في بعض آياته ليجعلها إيمانا بالله واليوم الآخر، قال تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) (آل عمران: 114).
    ت - وفي مجال الأخلاق:
    نجد القرآن "يقدم لنا الواجبات الأساسية وعلم الحقيقة على أنها دعوة السابقين وسبيلهم المقيم، فلقد حمل جميع الرسل ميزان العدل والقسط، وأمروا بان يكسبوا رزقهم بالحلال، وأن يعبدوا الله، ويفعلوا الخير" ([29]). ويعقد دراز ([30]) مقارنة بين نصوص من التوراة من سفر الخروج عن الوصايا العشر القائمة على؛ عدم الشرك بالله، وإكرام الوالدين، وعدم القتل، وتحريم الزنا والسرقة وشهادة الزور، وتحريم الكذب، وتحريم الظلم وأكل الحرام في الوزن والكيل والحقد، وغيرها في نصوص من سفر الخروج في الفصل العشرين منه ([31])، وبين ما يقابلها من آيات القرآن الكريم من الآيات المؤكدة على هذه الوصايا وما يكملها ([32])، وما يجعلها أخلاقا عالمية؛ عالمية رسالة الإسلام ([33]). ويعرض كذلك هذه الوصايا من النجيل ([34])، ويعرض ما يقابلها في القرآن الكريم ([35]). ويبين من دراسته لهذه الوصايا الأخلاقية في التوراة والإنجيل أن القرآن قد اكمل التراث الأخلاقي للأديان السابقة، تبعا للرسالة العالمية التي تتجاوز فيها الأخلاق شعبا أو أتباع دين معين، لتصبح منظومة إنسانية عالمية تستقر في شعاب الحياة جميعها ولدى جميع شعوب البشر.
    فالقرآن - إذا - جاء بمنظومة الأخلاق العالمية الإنسانية من ناحية، والإيمانية من ناحية أخرى، وقوام هذه المنظومة الإنسانية الإيمانية: التوازن والعدل قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58).
    والعدالة والمساواة في القرآن تكون في رد العدوان لا في قبوله والتسامح معه سلبيا، قال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل: 126).
    واذا كانت الكتب الإلهية السابقة تنهى عن فعل الشر، ولكنها لا تامر بمقاومته؛ فقد جعل القرآن الدعوة إلى الخير ومقاومة الشر واجبا شرعيا عبر قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبإعمال هذه القاعدة جعل أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس جميعا، وليس لقوم معينين أو شعب بعينه. قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104)، وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ) (آل عمران: 110).
    المطلب الثالث
    خصوصية علاقته بالفطرة الإنسانية
    القرآن بما هو كتاب موجه إلى الفطرة الإنسانية، للناس كافة، وهو ما يجعله مناط الضمان في أنه التصور الوحيد الموافق للفطرة ([36]). والفطرة الإنسانية كما خلقها الله لها خصائص واحدة لدى البشر جميعا كما بين الله تعالى في قوله: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30)، ولذا فلا ينجح في التعامل معها إلا منهج يصدر عن خالقها وحده، قال تعالى: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30). والقرآن بالتالي هو الضمانة لعالمية الرسالة الموجهة إلى هذا الإنسان، إلى قيام الساعة، يقول الدريني ([37]): " كون الإسلام خاتم الرسالات يستلزم هذا التطابق بين الفطرة وهذا الدين، تفسيرا منطقيا معقولا لانقطاع الوحي" ([38]).
    وهذا يعني أن وجود التواؤم بين الفطرة الإنسانية وبين القرآن الكريم في مضمون رسالة الإسلام، وتحققه بما للفطرة من ثبات، وما للدين من ثبات وحفظ أيضا، بما يجعل هذا التواؤم والاتفاق والتطابق ضمانة من ضمانات عالمية الرسالة، من حيث عمومها للناس كافة، وخاتميتها بانقطاع الوحي، وحفظ القرآن مخاطبا للبشرية، وحالا لمشاكلها، وبما يضمن خلودها إلى قيام الساعة، إذ لو حصلت مفارقة بين القرآن والفطرة لأدى إلى عدم صلاحية الرسالة للعالمية. ويفصل الدريني هذا التطابق فيما مختصره ([39]):
    أولا: القران كامل فيما يحمله من منهج، ومضمون في خطابه للفطرة، فهو على قدها ([40])، وحرفي أن يتسم بالكمال والخلود في ذاته، وهو دين الله الذي رضيه للبشرية كما في قوله تعالي: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة 3).
    ثانيا: إن هذا التطابق عليه دليل تاريخي جلي، سواء بالنسبة لكافة الشرائع التي كانت معاصرة لنزول الرسالة، والتي بادت ([41]) وأمست مجرد مادة للدراسة التاريخية، بخلاف رسالة السلام التي بقيت حية عبر القرون في نفوس أصحابها، وفي واقع حياتهم، بل وبذلوا في سبيلها أغلى ما يملكون من جهاد بالمال والنفس، وإن كانت أحوالهم في الأزمنة قد اعتراها ضعف لأسباب داخلية وخارجية، ولكن ذاتية الرسالة لم تتغير ولم تتبدل، وهي قادرة في كل لحظة على إنقاذ الأمة المسلمة من وهدتها، لتعود لها عالمية وظيفتها، وعالمية شخصيتها بعالمية رسالتها.
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: ضمانات القرآن الذاتية لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

    ضمانات القرآن الذاتية


    لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم




    د. راجح عبد الحميد سعيد "كردي بني فضل" ([·])

    المطلب الرابع
    خصوصية صلاحية مبادئه وأصوله التشريعية
    ويمكن تفصيل هذه الخصوصية في النقاط الآتية:
    1 - وحدة الأصول العامة للقرآن ووحدة مصالح البشر:
    إن الأصول العامة التي يحملها القرآن، بما تحمل من فروع، وفيما يتعلق بالمصالح الإنسانية التي لا خلاف عليها بين البشر، والتي تعد من مطالبها الفطرية وحاجاتها الدائمة هو السر في صلاحية محتوى القرآن في معالجة النفس الإنسانية، وواقع الحياة الإسلامية، وفي أداء الدور العالمي للأمة المسلمة، بما يضمن عالمية الرسالة، وعالمية الوظيفة للأمة التي تحمل هذه الرسالة.
    ثم إن ارتباط الأصول العامة والثابتة في هذا القرآن في حقائقها ومضامينها بالحاسة الفطرية للإنسان، هو الضامن لثباتها، وصونها من التحريف والتزييف الذي وقع للرسالات السابقة ولكتبها، مما يؤكد أن حفظ الله للقرآن، وحفظ ما فيه من محتويات ومضامين، ومقاصد وأصول، لهو خير ضمانة ذاتية لعالمية رسالته.
    ثم إن خلود أصول المشكلات التي يعالجها القرآن يستدعي خلود النص أو خلود القرآن؛ لأنه "خطاب عالمي إنساني شامل، نزل ليرسم الطريق الصحيح للبشرية، ويعالج مشكلاتها، ويضع الحلول لها في كل زمان ومكان" ([42]).

    2 - وحدة قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    إن وجود قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الثابتة بمجموع وسائلها؛ باللسان؛ فكرا وبيانا، ودعوة أمرا أو نهيا، وباليد؛ بالقوة بإقامة نظام الحسبة، وتطبيقات الشريعة داخل كيان الأمة المسلمة، وبقوة الجهاد في سبيل الله دفاعا عن الحق وعن رسالته، وبقوة التربية تحصينا للنفس عن استمراء الباطل، وبالثبات على الحق، كل هذا يشكل ضمانة عالمية لرسالة هذا القرآن؛ وذلك لأن هذه القاعدة في النهاية هي التي تحضن المنهج نفسه في ذاته بالدفاع عنه وعن ثباته وربانيته من عدوان الأعراف الدولية الباطلة، الداخلية والخارجية، ومن التقاليد الموروثة المستحكمة في النفوس، إذ لا تقر هذه القاعدة الضامنة عرفا يتعارض القرآن، ولا تقليدا لا تقبله الشريعة، ولا خلقا لا تقره الفطرة السليمة. أما إذا كان العرف الطارئ لا يتعارض مع نص القرآن ومطابقته للفطرة وانسجامه مع المعروف بين المؤمنين، فإنه يقبل، ولهذا يعد العرف "عنصرا هاما من عناصر التطوير في الاجتهاد التشريعي في الفروع، استجابة لمصالح الناس وفق اعتباره مصدرا تشريعيا تبعيا، وما ذلك إلا لأن غاية الشريعة من هذا القرآن هو "تأسيس نظام الحياة الإنسانية على المعروفات، وتطهيره من المنكرات" ([43])، وطالما أن الفطرة الإنسانية لا تتغير، فالتشريعات الإلهية الثابتة الصالحة تعد ضمانة عالمية لهذه الرسالة التي جاء بها القرآن.
    كما أنه لا بد من الانتباه لحقيقة واضحة وهي أن هذه الشريعة لا تكتفي بأن تعدد ألوان المعروف، وألوان المنكرات، وتعرضها على الناس لتؤدي دورها الإنساني، وتحقق نزعتها الإنسانية، بل لا بد لها من رسم نظام للحياة في الأمة بأسرها، ليطبق كل معروف في هذه المنظومة من المعروفات في كل شعبة من شعب الحياة الإنسانية، وليحارب المنكر بكل لون من ألوانه، مما يعزز بقاءها ويضمن عالمية رسالتها ([44]).
    ولا بد أن نفهم هذا التطور التشريعي في النظرة إلي العرف أيضا هو ضمانة للعالمية، وأنه من فهم للشريعة التي قررها القرآن للبشر وأنه قد جعلها على نوعين من التشريعات ([45]):
    أولها: تشريعات مفصلة تفصيلا كاملا في الأمور الثابتة التي لا تتغير، ولا تتأثر بما يستجد في حياة الناس، مثل شعائر التعبد، والحدود، وعلاقات الجنسين، وأحكام الأسرة، وأحكام الولاء والبراء، والعلاقات مع غير المسلمين.
    وثانيها: تشريعات مجملة تتناول الأصول العامة للتشريع، دون الدخول في التفصيلات، لأمور يعلمها الله تعالى، وهي تتغير وتتأثر بما يحصل من تغيير في الأزمان، والبيئات، والمدخلات، والمتغيرات في الأعراف المتجددة غير المصادمة للشرع، وأشياء كثيرة أخرى، منها: لم تكن عند نزول القرآن، فهذه التشريعات العامة وضع لها من المبادئ العامة التي تستوعب في داخلها كل المتغيرات، بما يجعلها متوافقة مع هذه المبادئ. فمثلا الشورى مبدأ من الأصول العامة، ولكن تطبيقاتها مختلفة، ومتباينة حسب التطورات البشرية في التنظيمات الإدارية، وبهذا تتسع الشريعة للحياة الإنسانية بما يضمن عالمية هذه الرسالة.

    3 - غنى المصادر التشريعية وخلودها وخلود مشكلات الإنسان:

    إن غنى هذه المصادر التشريعية أصلية وتبعية، ووفرة مبادئها وأصولها، وشمولها، وجديتها في الحياة، وواقعية تطبيقاتها، يجعل لها الضمانة الكبرى في عالمية رسالتها، وخصوصا بعد أن أوقف الله تعالى نسخ الشرائع بعد ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وثبت شريعة واحدة إلى قيام الساعة ([46]).
    وثمة ملاحظة أخرى لا بد من تجليتها وهي أن القرآن قد قدم شريعة خالدة لتناسب فطرة الإنسان الثابتة، وبالتالي خلد قضاياه ومشكلاته من خلال تخليد الشريعة التي تعالج قضايا الحياة الإنسانية، وتحل مشكلاتها. وكما ضمن جعل الشريعة للإنسان ضمانة عالمية الرسالة له، من زاوية الامتداد إلى الأمام من أجل خلود الرسالة، فقد أزاح النص القرآني عن نفسه تثبيت الحكم الشرعي في الحالة الزمنية المستدعية لنزول المعالجة لتلك الحالة، بالقاعدة الأصولية في فهم النص تفسيرا، وفي فقه النص تنزيلا علي الواقع، تلك القاعدة العامة القائلة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ([47]). وهذا طبعا في الآيات التي لها سبب نزول، وهي ليست الأكثر في آيات القرآن. ولكن ما قيمة سبب النزول وما حكمته حينئذ؟ إن قيمته تكمن في أنه مفتاح لكنز من المعلومات، الذي ينساب مع هذا السبب، "وهذا الكنز من المعلومات الذي انفتح لنا بسبب سؤال فلان أو حال فلان، أو تطلب الوضع لحل، هو الذي جاء بهذه الخيرات لها. ولذلك لا ينظر لسبب النزول إلا كأنه نوع من السبب الأدنى لهذه المعاني التي جاءت كلها، ذلك أن البشرية لن تخلو على امتداد الزمن من نفس الحالات البشرية التي رأيناها خلال ربع قرن ([48]) من التنزيل. وهذا يعني أنه لا تعارض بين سبب النزول وبين خلود القرآن وعالمية رسالته؛ فسبب النزول ما هو إلا تطبيق حيوي واقعي، على حالة إنسانية واقعية من خلال تمثيلها في فرد واحد منها زمن نزول القرآن، مما يعني عالمية القضايا التي نزلت الآية لتعالجها؛ لامتداد حاجة الإنسان إلى مثل هذه المعالجة، وامتداد خلود نص القرآن. وفي هذا الموضوع ما فيه من فهم دقيق لضمانة نص القرآن فهما وتطبيقا لعالمية هذه الرسالة.
    4 - ثبات النفس الإنسانية وخلود الحل:
    إن في حقيقة النفس الإنسانية التي تتعامل معها مبادئ الشريعة وأصولها وفروعها ما يساعد على قبول عالمية خطاب القرآن الكريم ذلك: "أن في النفس الإنسانية وفي الحياة الإنسانية أصولا ثابتة على الرغم من جميع الأوضاع والأشكال المتغيرة (...)، إنما ينال التجدد والنمو والتغيير والتعقد والتركيب أشكال الحياة لا أصول الفطرة الإنسانية، ولا سنن الحياة البشرية. ومن ثم فإن التصور الإسلامي الثابت المقومات يقابل الفطرة الإنسانية الثابتة المقومات، والحياة الإنسانية الثابتة السنن" ([49]).
    ومن هنا نجد قصص القرآن ترسخ هذا المعنى لمفهوم عالمية الرسالة، ذلك أن ما في هذه القصص من العبرة والعظة إنما هي دروس للإنسان إلى قيام الساعة. فالقرآن بما فيه من القصص للأمم السابقة فيه ضمانة من ضمانات العالمية، لأن في القصص تواصلا حضاريا للشعوب والأمم، قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر: 24). فقصصه في التاريخ الحضاري ملك للشعوب القائمة، وانعاش لذاكرتها التاريخية لصراع بين الحق والباطل لأسلافها من الأقوام والبشر مع الأنبياء والرسل وأتباعهم، وهو شهود حضاري في التواصل مع أحفاد هذه الشعوب والأقوام والأمم والبشر إلى قيام الساعة في دعوتها إلى الحق.
    وعلى هذا فالقرآن "عالمي ورسالته خاتمة، وله علاقة في الزمان الماضي والحاضر والمستقبل، وله بعد في المكان بحيث يشمل الأرض كلها، ولا بد من معرفة حال المخاطبين، ومعرفة التاريخ الذي يشكل مرآة حياتهم. فنظرة المسلم لا بد أن تكون إلى العالم كله، يستقرئ تاريخه، ويقرأ حاضره ليتمكن من أداء مهمته في الشهود الحضاري الذي يمكن أن نسميه الشهادة على الناس، والقيادة لهم" ([50]).
    وكما يقول الغزالي: "القصص في القرآن أوسع أبواب الكتاب الكريم؛ لأن هذا القصص هو ماضي الإنسانية، ولو فقدت أنا ذاكرتي كون نصف مجنون، وسينتهي الأمر بي إلى الجنون. والإسلام اعتبر أن التاريخ الماضي هو عقل الإنسانية، فاستصحبه بكل ما فيه، والقرآن الكريم ذكر الحضارات الماضية، وذكر الأمم الأولى، وذكر أسباب الازدهار، وأسباب الانهيار" ([51]) وفي الإشارة إلى ذلك قال سبحانه وتعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111). وقال تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر: 2). وقال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (الأعلى: 18-19).
    المطلب الخامس
    خصوصية نزعته الإنسانية ([52])

    1 - إن من خصوصيات القرآن الكريم: أنه إنساني النزعة في مضمومنه لما تتطلبه البشرية في معتقداتها وبمبادئها وتشريعاتها وأخلاقها. لذلك زخر القرآن الكريم بندائه الإنساني، كما في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف: 158) وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ: 28)، وهذا ضمانة للعالمية فهو لم يتعامل مع شعب معين، أو قوم معينين، في زمان معين، أو مكان مخصوص، حتى الجيل الأول من النسان الذين خاطبهم من العرب، وخاطبهم بلغتهم وبلسان عربي مبين، فلم يجعل هذا الخطاب خاصا بهم، وان خاطبهم بلغتهم، وإنما حملهم المسؤولية العالمية؛ لنزول القرآن الكريم بلغتهم، ليقوموا بوظيفة الشهادة مع رسولهم في إقامة الحجة على الناس، بل لم يجعل لهم ذكرا عالميا إلا بالقرآن، قال تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء: 10). فعروبة القرآن بلغته وبرسالته، وعروبة القوم برساليتهم، وليس مجرد تكريم خاص بهم، ولا قصرا للرسالة عليهم، وان كان قد شرفهم أن الله أنزل القرآن بلغتهم، وجعل خاتم رسله منهم، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: 128).
    2 - ومقوم الإنسانية في الكتاب الكريم ضمانة عالمية تمثل قطبا ثانيا في حقيقة الرسالة وحيويتها بعد قطبها الأول وهو الربانية؛ لأن توحيد الألوهية والعبودية لازم توحيد الربوبية، المشعر بوظيفة الإنسانية، فالرسالة منطلق الإيمان برب واحد، واله معبود واحد، من إنسان عابد، وبالتالي فإن عالمية الرسالة لا تقوم على تناقض أو صراع بين الربانية والإنسانية، فليس الإنسان المخلوق ندا لله الخالق، بل هو مكلف بالعبادة والاستخلاف في الأرض، وهذا التكريم ممنوح له من خالقه الذي خلقه وأهله ([53]). قال سبحانه وتعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب: 72)، وقال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (ص: 26)، وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، فالإنسان هنا رباني، ذلك أنه "لا يستطيع أن يكون ربانيا حقا دون أن يكون إنسانا، كما لا يستطيع أن يكون إنسانيا حقا دون أن يكون ربانيا ([54]).
    3 - ولذلك فان الله تعالى الذي اكرم هذا الإنسان بجوهرة وجوده وبما يميزه عن غيره من المخلوقات وهو العقل، قد جعل منهجه - وهو القرآن - دليلا عقليا علي صحة الرسالة وعالميتها، إذ جعل من القرآن منهجا يخاطب العقل الإنساني عامة، وجعله معجزة عقلية خاتمة خالدة دليلا على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أي جعله دليلا عالميا-عاما خاتما خالدا-. وهو باعتباره خطابا للعقل يعد ضمانة عالمية للرسالة، كما هو في الوقت ذاته باعتباره معجزة ودليلا عقليا، يعد ضمانة عالمية للرسالة أيضا. كما جعل لهذا العقل اعتباره فهو الذي يثبت إمكان الوحي، وثبوت النبوة والرسالة، أي وقوعها بالفعل لنبي الرسالة العالمية، وهو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. والعقل الإنساني بعد ذلك لا بد أن يسلم للرسول بما يخبر به؛ لأنه صدقه بنبوته، والا كان العقل متناقضا مع نفسه.
    والعقل - أيضا - هو الذي يميز بين البرهان الحقيقي على النبوة، وهي المعجزة، وبين غيرها من الغرائب، كما أنه هو الذي يعرف دلالة المعجزة على صدق النبي. وهو من الناحية التطبيقية الذي يأخذ الأصول من القرآن، ويجتهد بالتفريع عليها وهو يقف إلى جانب الشرع في الخروج من دائرة الخلاف بالقياس والتأصيل والفهم والتطبيق.

    المطلب السادس

    خصوصية وحدة الخطاب القرآني وتجرده ([55])
    إن القرآن كلمة الله النهائية للبشر، ولم يكن لمجتمع الجزيرة العربية وحدها، ولا لزمن الرسول صلى الله عليه وسلم وحده، ولا لأي بيئة بشرية أو محدودة فهو "للعالمين". وهو لفظ يشمل الزمان والمكان على أقصى اتساع، وبلا حدود، وقد وضع التشريعات الثابتة في الأمور الثابتة في أعماق الفطرة التي لا تتغير، وترك للعقل أن يجتهد في الشريعات التفصيلية التي تتغير بتغير الظروف والبيئات وفق أصول المبادئ الثابتة؛ مما يحقق ثبات التأصيل، ومرونة التفريع ([56]). قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان: 1).
    إن منطق القرآن ذاتي وواحد في مخاطبته للإنسان، وجاء "ليفرض تصوره في شؤون حياتهم كلها، وهذا الوضع مستمر ودائم، ليس موقوفا بزمان، ولا مرهونا بمكان، ولا مقيدا ببيئة، ولا محددا بفترة من فترات التاريخ" ([57]). وهذا في حد ذاته ضمان للعالمية؛ أنه لا تغيير ولا تبديل، ولا تراجع ولا تقلب في هذا التصور، فلو كانت هذه العقيدة من صياغة بشر، فرد أو جماعة أو طبقة، أو أصحاب مصلحة فهي في النهاية لا تصلح للعالمية؛ لأنها مستمدة من "جهل الناس وتصور الناس، وشهوات الناس" ([58])، مهما زعم الناس العلم والقوة والتجرد، لكنهم لا يمكنهم الخروج عن طبيعتهم، فعلمهم ناشئ بعد جهل، ولا يزعمون العلم المطلق، ولا الكمال المطلق، ولا التجرد المطلق، ولا النزاهة المطلقة، وبالتالي فلا تدوم معرفتهم، ولا علومهم، ولا تصلح في كل زمان ومكان، ونهايتها كما يقول سبحانه وتعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية: 23)، ويقول: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون: 71)، "وهكذا يمكن القول باطمئنان: "إن التصور الإسلامي هو التصور الوحيد الذي بقي قائما على أساس التوحيد الكامل الخالص، وإن التوحيد خاصية من خصائص هذا التصور وتفرده وتميزه من بين سائر المعتقدات السائدة في الأرض كلها على العموم" ([59])، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، مما يؤكد كونه ضمانة لعالمية رسالة الإسلام بمفهومها الأصيل، ولمفهوم حقيقة الألوهية والعبودية، والممتد عبر هذه الرسالة إلى قيام الساعة.
    وهذا يستدعي - في الوقت ذاته - أن يكون واضحا لمن يحمل هذه الرسالة، ولمن يخاطب بها تأثير هذه الرسالة العالمي الإنساني الكبير في إقامة الحجة على البشرية، وفي سد حاجاتها، وسعادتها في دنياها وأخراها، إذ من ثمار معرفة هذه الحقيقة: ما يضمن للإنسانية سعادتها ([60])، من معرفة غاية الوجود الإنساني المتمثل في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، واهتداء الفطرة إلى الله تثبيتا للأيمان الفطري، وإخراجا له من إيمان الفطرة المستكين في أعماقها إلى إيمان الوعي، والعمل بمقتضى هذا الإيمان من عبادة لله سبحانه.
    إن هذه الفطرة المخلوقة لله فيها فراغ لا يملؤه إلا الإيمان بالله، كما يقول ابن القيم رحمه الله:
    "في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه خزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه، وفيه نيران حسرة لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه، وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبة، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام فكره وصدق الإخلاص له. ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا" ([61]).
    كما أن من ثمار معرفة هذه الحقيقة سلامة النفس من التمزق والصراع بين شتى المذاهب والفرق والأديان وأهواء الإنسان؛ لأن عقيدة التوحيد تمنح النسان يقينا بأن لا رب يخشى من سخطه، ويرجى رضاه، ويتوكل عليه، ويناب إليه، ويؤاب إليه، ويتودد إليه، ويحتكم إليه، ويعتصم به، إلا الله وحده لا شريك له.
    كما أن من ثمارها التحرر من العبودية للهوى والشهوات والأنانية والمصالح؛ لترتاح في ظل عبادة الله وحده لا شريك له في مختلف شؤون حياتها، مما يعكس وحدة المرجع في الأخذ والتلقي، ووحدة في العطاء في التوجه والقصد، ووحدة الأداء في السلوك والقيم، ووحدة الطريق والتشريع، والشعيرة، ووحدة الذكر بالتسبيح بحمده وحده، بما ينسجم مع وحدة تسبيح الكون كله بحمده سبحانه، قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: 44).


    المبحث الثاني

    مقاصد القرآن وضمانة العالمية

    القرآن بما هو كتاب الله أنزله للناس كافة، له مقاصده الكبرى لحياة هذا الإنسان، كما أن له موضوعاته الكبرى التي جاء يعالجها كذلك. ونظرا لخاتمية هذا الكتاب، وخاتمية رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقد جعل الله تعالى في مقاصده وموضوعاته ما يكفل عالمية هذه الرسالة.
    المطلب الأولى
    أهم مقاصد القرآن وضمانة العالمية
    المقصد الأول - القرآن الكريم هو الكتاب الحق للناس:
    القرآن الكريم كتاب الله الحق الخاتم لكتبه، نزل بالحق، وهو يقين لا ريب فيه، حق لا باطل معه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (محمد: 2)، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) (الشورى: 17)، وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (الزمر: 41). ولا يملك عاقل أن ينكر وجوده وتواتره، كما لا ينكر عاقل أن أهدافه كما يحويه مضمونه إخراج الناس من ظلمات الجاهلية والكفر إلى نور الإسلام وهداية اليمان. وهو بهذا الصدق والأحقية واليقين والأهداف والمحتوى يحمل في ذاته ضمانة عالميته، عموما في الخطاب للناس كافة، وخاتمية في الخطاب للناس فلا خطاب بعده، وخلودا في الخطاب في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة، وشمولا في قضاياه ومحتوياته؛ إيمانا، وعبادة، وتشريعا، وأخلاقا، بما يلبي حاجة الإنسان من خلجة الوجدان إلى أعقد صور العلاقات الدولية مع العالم. وفيه من القواعد الحقة، والأسس الثابتة ما تسمح باستيعاب حركة العصر وما يستجد من القضايا في حياة الإنسان، بما لا يملك إنسان على وجه الأرض أن يزعم أنه لا يجد فيه حلا لمشكلته، ولا حكما لمسألته.
    وكل هذا ضمان لعالمية الرسالة التي جاء بها هذا القرآن على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، تحمل دعوة الحق، وتبطل زهق الباطل، قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81).
    المقصد الثاني - القرآن كتاب الهداية لشاملة الدائمة للناس، وكتاب الفصل والبيان:
    وصف الله تعالى هذا القرآن، بأنه الهداية الشاملة والدائمة للبشر، وفضل آياته وبينها، ووضحها بما لا غموض فيها قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: 185)، وقال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء: 9)، وقال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة: 2)، وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (النحل: 89)، وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 44)، وقال تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل: 64)، وجعل القرآن بيان آياته للناس لعلهم يتفكرون، ويتذكرون، ويهتددن، ويعقلون ويشكرون ([62]). وقال تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (النور: 46)، وقال تعالى: (قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأنعام: 97)، وقال تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصلت: 3).

    المقصد الثالث - القرآن كتاب العبادة:

    القرآن: قراءته عبادة، والاستماع لتلاوته عبادة، وتطبيق أحكامه عبادة، واذا قرأنا آيات القرآن وجدنا فيها هذه المقاصد من وجوه العبادة: قال تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) (المزمل: 4)، وقال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف: 204)، وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (النساء: 105)، وقال تعالى: (ِإنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40).
    والقرآن أحكامه شاملة أمرا ونهيا في كل شؤون حياة الإنسان، فرديا وجماعيا، وتشريعا، مالا واقتصادا، وأسرة، وأمة، وسياسة وحكما، وخلقا وسلوكا، وعادات ولباسا ومطعما ومشربا إلى غير ذلك من وجوه العمل وكلها عبادة، قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65)، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) (الرعد: 37)، وقال تعالى: (إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40).
    المقصد الرابع - القرآن كتاب الشفاء والرحمة والبشرى:
    البشرية بعيدة عن منهج ربها مريضة بفكرها وعقائدها وسلوكها وأخلاقها، فلا شفاء لها إلا بالقرآن. وهي في حالة شدة وقسوة، والقرآن رحمة الله بها في دنياها وآخرتها، لأن الأقبال عليه والعمل به رحمة وسعادة، كما أن الإعراض عنه شقاء في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه: 123-124). كما أن آياته منذرة للناس من سوء عاقبة الضلال، مبشرة لهم بالخير في دنياهم وآخرتهم قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء: 82)، وقال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام: 155)، وقال تعالى: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) (الأنعام: 157)، وقال تعالى: (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111)، وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (النحل: 89).
    المقصد الخامس - القرآن كتاب العلم والتزكية والحكمة:
    جعل الله تعالى القرآن فيما أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم تعليما للناس علم الحكمة وهو ما ينفعهم، وتزكية لأنفسهم، وتطهيرا لواقعهم، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (الجمعة: 2)، وقال سبحانه: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة: 129)، ووصف الله تعالى القرآن بأنه الحكيم ففال تعالى: (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ) (يس: 1-2)، وقال سبحانه: (تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) (لقمان: 2).
    فالقرآن هو الذي دفع العرب ليخرجوا من أميتهم ليتعلموا الكتاب ويقرؤوه ويكتبوه ويحفظوه. ويعلق على هذه الآيات السيد محمد رشيد رضا ([63]) فيقول: "فآياته المتلوة هي سور القرآن، المرشدة إلى سنته في الأكوان، والتزكية هي التربية بالعمل وحسن الأسوة، والكتاب هو الكتابة التي تخرج العرب من أميتهم، والحكمة هي العلوم النافعة الباعثة على الأعمال الصالحة" ([64]).
    المقصد السادس - القرآن كتاب الذكرى والتذكير والعبرة والعظة:
    فهو يدعو إلى ذكر الله، ويذكر الناس بما ينفعهم؛ وإن مادة الذكر في القرآن جاءت في آياته بمختلف صيغها ودلالتها في مائتين وستة وستين موضعا ([65]).
    وأما ما يدل على أن هذا القرآن ذكر ففي قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (يوسف: 104)، وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).
    وهو ذكرى، كما قال سبحانه: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (الأنعام: 90).
    وفي قصصه العظة والعبرة بما يضمن للأجيال التي نزل عليها، وللأجيال القادمة من البشر أن يتعظوا بما فيه من سنن الله في إدارة شؤون صراع أهل الحق مع أهل الباطل، فإن السنن جارية ومحكمة، وان اختلفت شخوصها وأوقاتها، قال تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر: 2)، وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: 111)، وقال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: 331)، وقال سبحانه: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 138)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) (يونس: 57).
    والأمة التي تؤمن بهذا الكتاب أو الذكر يضمن الله تعالى لها ذكرا ووجودا دائما قال تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء: 10).
    ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستمساك بهذا القرآن لأنه الصراط المستقيم، وجعله ذكرا يحفظ الأمة المسلمة إن هي استمسكت به ودعت إليه، قال تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الزخرف: 42).
    المقصد السابع - القرآن يقصد إحقاق الحق وإبطال الباطل في سنة التدافع:
    نعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان ليكون في الأرض مستخلفا، وبعبادة الله عز وجل قائما، يقود مركبة الحق والخير، وجعل الشيطان عدوا للحق، ولهذا الانسان، وزعيما للبشر، وجعل الصراع بين الحق والباطل سنة من سننه، بصدد تمحيص هذا الانسان، قال تعالى في وصف ما أقسم الشيطان على فعله: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمَانِهِمْ وعَن شَمَائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف: 16-17)، وحذر الانسان من كيده بقوله: (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 27). وجعل الله عز وجل في البشر أنبياء ورسلا على مر تاريخ البشرية ليجددوا مبادئ الخير في صراعه مع الشر، وفي سنة التدافع المستمرة والدائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها كما قال سبحانه: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتَاعٌ إلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وفِيهَا تَمُوتُونَ ومِنْهَا تُخْرَجُونَ) (الأعراف: 24 - 25).
    ولقد دعم الحق فطرة الخير لدى الإنسان بالنبوات كلما استجاب لإضلال الشياطين، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما يروى عن ربه في الحديث القدسي: يقول الله تعالى: "خلقت خلقي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين" ([66]). وأحيا سبحانه سنة التدافع، وعدها ثابتا من ثوابت الحياة البشرية قال سبحانه: (ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ) (البقرة: 251). وقد أخذ الشيطان على نفسه عهدا أن يضل الانسان، الا من رحم ربي ممن وصفهم الله تعالى بعباده المخلصين في قوله تعالى: (إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ) (الصافات: 160) فأمر الشيطان أتباعه باتباع الهوى، وأرضاهم بحكم الطاغوت، ومناهم ووعدهم وغرز بهم، وأضلهم عن ذكر الله وما أنزل من الحق على أنبيائه ورسله، فأفسدوا أديانهم، وحرفوا كتبهم، وعبدوا هواهم و: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) (التوبة: 31)، فعمتهم الجاهلية؛ جاهلية الفكر والاعتقاد، وجاهلية التنظيم والتشريع والأوضاع، وجاهلية الأخلاق والقيم والسلوك حتى لم يبق على وجه الأرض بين يدي بعثة محمد صلى الله عليه وسلم على الحق إلا بقايا قليلة من أهل الكتاب، كما قرر عليه الصلاة و السلام ذلك في قوله: "إن الله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب" ([67])، فبعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للأنبياء وأنزل عليه القرآن، وجعل الصراع مع الباطل والجاهلية عالميا عالمية خلود الجاهلية، وبالتالي كان هذا القرآن خالدا خلود سنة التدافع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين الهدى والضلال، ليحسم الله المعركة لصالح الإسلام والخير والحق والهدى كما وعد بناء على هدي هذا القرآن، قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ) (الصف: 8). وقال تعالى: (ويُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ويَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ) (الأنفال: 7).

    المطلب الثاني

    موضوعات القرآن وضمانة العالمية
    يحتوي القرآن الكريم في آياته الدين الالهي الكامل التام الذي رضي الله به للبشرية كافة، وهو دين الاسلام، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم العالمية. وهو بمحتوياته وموضوعاته يمثل هذا الوضع الالهي الذي يسوق البشر إلى الإيمان بالله وتوحيده وعبادته، فيما يلبي حاجة البشرية من سعادتها في دنياها وآخرتها. ومقومات هذه المحتويات تحمل في ذاتها عالمية هذه الرسالة، وتجملها كبرى الموضوعات التي جاء بها القرآن فيما يأتي:
    الموضوع الأول - الإيمان بتوحيد الله وتنزيهه:
    جاء القرآن بما يحسم الخلاف في توحيد الله وتنزيهه؛ فقد غلب التشبيه على اليهود في كتبهم كما قال الشهرستاني: "إن التشبيه فيهم طباع" ([68])، فأساءوا إلى تنزيه الله تعالى، حتى زعموا أن يعقوب صارع الرب فصرع يعقوب الرب. والنصارى جددوا من عهد قسطنطين الوثنية، وغير بولس - وهو شاؤل - وكان من أحقد طبقات الفريسيين اليهود الحاقدة على النصرانية، وكان هو شخصيا عدوا لدودا للنصارى؛ يعذبهم، ويعمل لرجمهم، وجلدهم، وقتلهم، تحول في يوم وليلة، وزعم أن نورا أضاء له في طريق دمشق، وفقد بصره، وأنه كلمه المسيح أن يذهب إلى يوحنا حتى يعيد له بصره، ومن لحظتها أصبح مسيحيا، صاغ عقائد وثنية في بنوة المسيح لله! - حاشا لله- وألف له لوقا أعمال الرسل في منتصف القرن الأول الميلادي، وفيها عقائد جديدة وثنية لا علاقة لها بالمسيح عليه السلام؛ فبولس لم ير المسيح، ولم يعاصره، ولم يشاهد المسيح واحد ممن كتبوا تلك الرسائل، ولا تلك الأناجيل، التي من أقدمها ما كتب بعد مائتي سنة من حياة المسيح عليه السلام.
    وقد انتهى محمد ملكاوي في نتائج بحثه عن بولس إلى أن هذا الرجل كان يهوديا فريسيا دخل على النصرانية منذ فترة التأسيس، بعد غياب المسيح عليه السلام؛ ليضع دينا جديدا وثنيا لا علاقة له بالنصرانية الحقيقية، فأودع فيها العقائد الوثنية، مثل الثالوث: الآب والابن والروح القدس، ثلاثة أقانيم كل أقنوم فيها إله، وأن عيسى ابن الرب، وأنه رب. وقال بالتعميد، ونظرية وراثة الخطيئة البشرية الموروثة، من آدم عليه السلام، وأنه لا يغفر الله للإنسان خطيئته الموروثة وخطاياه المكتسبة إلا أن يؤمن بالمسيح الرب المخلص، وبأنه ابن الله؛ ليتحمل عنه خطاياه، ويناله من دمه ما يمسح ذنوبه ([69]).
    وهناك أديان وثنية ليست دينية أو إلهية، ساءت معرفتها لله وقدمت ألوانا من الشرك وأدخلته في اليهودية والمسيحية المحرفتين. كما وصف ذلك ربنا سبحانه بقوله: (وقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة: 30). فجاء القرآن ليهدم أركان الوثنية الدينية الموهومة، وأوهام غيرها من الديانات الوثنية، وأقام البرهان في آياته على وجود الله ووحدانيته، وقدم معرفة صحيحة عن الله وتنزيهه من خلال معرفته سبحانه بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وآثارها في الحياة. ودحض شبهات المنكرين والملحدين، وبين سائر أركان الايمان، من إيمان بقدر الله، والايمان بالملائكة من حيث حقيقتهم وضرورة الايمان بهم، وبيان صفاتهم ووظائفهم في الكون والوحي، وفي السماء والأرض، وفي إجراء قدر الله، وفي الدنيا وفي الآخرة بما يزيد العباد معرفة الله، وتقدير عظيم صنعه. ومن الايمان بكتب الله وأنبيائه ورسله، وقدم معرفة قرآنية صحيحة عن تلك الكتب وأولئك الأنبياء والرسل، وقصصهم مع أقوامهم؛ ليعتبر الناس ويتعظوا كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ولَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111).
    ولنأخذ أبرز مضمون للقرآن في الاعتقاد وهو الذي يمثل أساس الإيمان فيه وهو ([70]):
    يتبع



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,238

    افتراضي رد: ضمانات القرآن الذاتية لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

    ضمانات القرآن الذاتية


    لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم




    د. راجح عبد الحميد سعيد "كردي بني فضل" ([·])

    مفهوم الألوهية والعبودية:

    يقدم القرآن الكريم تصورا واحدا صحيحا ثابتا شاملا لمفهوم الألوهية، إنه الرب وحده بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، رب كل شيء وملكيه، إليه يستند كل شيء في وجوده وفي نظامه وحركته قال عليه الصلاة والسلام: "كان الله ولم يكن شيء غيره" ([71]). وقال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ (3) ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص: 1-4).
    ويعرض القرآن الكريم حقيقة الألوهية بمنتهى دقة المعرفة والتعليم للبشر بما يضمن وضوح هذه الحقيقة وثباتها دون تغيير أو تبديل، أو السماح باعتداء على أي شيء من حقائقها، طبقا لحفظه القرآن الكريم الذي: (ا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 42). ومختصر المعرفة الصحيحة لهذه الألوهية: أنه ([72]) هو وحده لا شريك له هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والخالق والرازق والمدبر، والخافض والرافع، والمعز والمذل، والمنتقم الجبار، والعفو والودود، والعلي الكبير، وشديد الحساب وسريع الحساب، والقريب والمجيب، والذي يحول بين المرء وقلبه، والذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو معهم أينما كانوا، وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، وينزل الغيث من بعد ما قنطوا، وينشر رحمته، ويولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد موتها، إنه لا ملجأ منه إلا إليه، وأنه الرؤوف والرحمن، والرحيم، وأنه مالك الملك، وأنه خالق كل شيء ومليكه، وأنه يخلق ما يشاء ويختار، وأنه السلام، والمؤمن، والمهيمن، والعزيز، والجبار، والمتكبر، والقوي، وأنه الحكيم، الخبير، والقاهر والقهار، وأنه بديع السموات والأرض، وأنه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وأنه اللطيف والخبير، وأن كل شيء عنده بمقدار، وأنه عالم الغيب والشهادة، وأنه الكبير المتعال، وأنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وأنه الحي والمحيي والمميت، وأنه ليس كمثله شيء وأنه هو السميع البصير، وأنه الوكيل والشهيد والحق، وأنه ذو الجلال والكرام، وأنه رب العالمين.
    وبهذا فإنه يجب أن يتوجه إليه العبد في كل شيء؛ من أمره، فمنه وحده نأخذ هديه في عبادته، واليه يوجه كل شيء قصده من عبادته، وبما شرع يعبده من له إرادة مختارة في الايماني به والعمل بطاعته، قال تعالى: (ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص: 88)، إنها حقيقة التوحيد قال تعالى: (أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) (الأعراف: 54).
    بمثل هذا المقوم تقوم الحقيقة الكبرى في الرسالة العالمية، وهو مقوم ثابت لا يتغير بتغير الزمان ولا المكان ولا البيئة، ولا المستوى العلمي، ولا الاختلاف الحضاري، مما يشكل ضمانة ثابتة لعالمية الرسالة؛ فإن منطلقها معرفة الله، وإن معرفتها له واحدة ثابتة يسهل معرفتها وتصور العلاقة معها، ذلك لأن القرآن كلام الله، والإنسان خلق الله، والثوابت في الألوهية تقابلها الثوابت في النفس الإنسانية، والفطرة الإنسانية، مما يساعد على الاستقامة على النهج في ما يقابل الألوهية من مقوم العبودية، وهي الحركة من البشر نحو الله، معرفة بالإيمان، وعبادة بالطاعات والبعد عن المعاصي في كل أمور الحياة، وفقا لقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30).
    وقد ضمنت الرسالة الإسلامية عالميتها بهذا القرآن الذي دعا إلى وضوح هذه الحقيقة التي يقوم عليها الدين منذ خلق الله آدم، وعبر رسالات الأنبياء والرسل السابقين إلى أن نزل هذه القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، ليختم بيان هذه الحقيقة، حقيقة الألوهية الواحدة، والعبادة الواحدة لله وحده، ولتكون خطابا لكل البشر إلى قيام الساعة، كما كانت خطابا للبشر قبل الرسالات السابقة، وتجددت وختمت بخطاب القرآن نهائيا إلى قيام الساعة ومفادها في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 64)، وقوله تعالى: (قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ) (الزمر: 11).
    وأقام القرآن انفصالا واضحا بين الرب في تصور النسان وايمانه ومعرفته له، وبين الإنسان العابد لله وحده لا شريك له في مختلف شؤون حياته، مما أقفل الباب تماما على الخلط بين الألوهية والإنسانية، فلا يمكن للإله أن يحمل صفات البشر، كما لا يمكن أبدا ان يحمل الإنسان شيئا من صفات الرب سبحانه. ولذلك كانت الألوهية الواحدة مجردة لأي ادعاء باطل من أي إنسان، فردا، أو طبقة، أو حزبا أو عالما أن يدعي أنه يعبد، أو أن له شيئا من مظاهر الألوهية، إن خلقا وتصرفا في شيء من الكون، وان تألها أو زعم تقديس، وان عبادة، وطاعة وتقربا؛ أمرا أو نهيا. وعلى هذا فإن بيان حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية المتمثلة ببيان وظيفة الإنسانية العابدة، ما يقيم ضمانة كافية لهذه العالمية للرسالة وأحكامها وأنظمتها، وعبادة واحدة؛ في موازينها، وقيمها، وسلوكها، وعبادة واحدة في غرضها، وآمالها، وأهدافها، وقاعدة الجزاء في الدنيا، وفي الآخرة ([73]).
    الموضوع الثاني - عقيدة البعث والجزاء:
    عقيدة البعث والجزاء أو الإيمان باليوم الآخر، عقيدة كان ينكرها المشركون، ويسيء معرفتها أصحاب الأديان السماوية بما وقع في كتبهم من تحريف، وما وقع من أحبارهم ورهبانهم من تزوير، حتى فقدوا معنى الايمان بالآخرة، وأفسدوا تصورهم لها، فقد تلاشت عقيدة الآخرة عند اليهود بسبب جشعهم وطغيانهم المادي وعدوانهم على البشرية، وتاهت عقيدة النصارى فيها، لأن بولس أفسد عليهم نصرانيتهم - كما ذكرنا قبل قليل - بوثنية لا يوجد فيها تصور صحيح للآخرة، واتجهوا إلى رموز غير مفهومة، والى البحث عن سعادة غير حقيقية، بنظرية الاسقاط للدنيا من أجل الآخرة غير المعروفة لديهم.
    أما القرآن الكريم: فقد قدم وصفا صحيحا واقعيا للآخرة، ووازن بين عمل الدنيا وجزاء الآخرة، وبين إحسان التوازن بينهما في هذه الحياة الدنيا فقال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 77).
    وجعل القرآن للدنيا طعما ومذاقا في ظل مذاق الآخرة، كما جعل للحياة الدنيا معنى مفهوما بالسعادة فيها، انتظارا لسعادة الآخرة؛ قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: 115).
    ووصف لنا الآخرة ومنازلها من الموت إلى البرزخ، إلى قيام الساعة، إلى البعث والنشور، والمحشر والحساب والميزان، ودخول الجنة أو دخول النار. كما وصف لنا درجات الجنة، ودركات النار. ووصف لنا في كلي منهما ما ينتظر أهلها، بحيث يعيش الإنسان دنياه موقنا بإقباله على ربه للجزاء، عاملا بالصالحات متجنبا السيئات من أجل الفوز بالجنة، والنجاة من النار ولهذه العقيدة الثابتة عن الآخرة واليقين بها ما يحقق آمال الفطرة البشرية التي تتجه إلى الاطمئنان إلى تحقيق ما تبتغيه من سعادة لا تكتمل في الدنيا، ومن عدل مطلق لا تجده في الدنيا، ومن يقين بنتائج ما تقدمه وتكافح من أجله، بحثا عن فطرة تشعر بضرورة الملك الأبدي والخلود الأبدي المزروع في أعماقها كما في قوله تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) (طه: 120). وقوده: (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (الأعراف: 20)، فحب الخلود يقتضي خلود مفهوم الآخرة، والقرآن بتخليده لعقيدة البعث والجزاء يضمن عالمية هذه الرسالة.
    الموضوع الثالث - العمل الصالح:
    وهو الثمرة اللازمة للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله عز وجل. وقد قدم القرآن منهاجا واضحا تفصيليا للعمل الصالح في آياته وسوره، مما يصلح البشرية، ويضع لها القواعد العامة، والأمثلة التفصيلية على كل قاعدة، بما يضمن تطبيق هذا الدين بمنهجه وأحكامه وشريعته على البشرية كافة إلى قيام الساعة، طبقا لضمان عالمية رسالته.
    ويتجلى ركن العمل الذي قصد إليه القرآن بأنه احتوى شريعة شاملة ونظاما متكاملا لحياة البشرية في مختلف شؤونها؛ فردا وجماعة، أسرة ومجتمعا، أمة ودولة، سلما وحربا، سياسة وحكما، اقتصادا ومالا، كسبا وانفاقا، بما عبر عنه فقهاء الاسلام وعلماء الأصول بالفقه، والذي جعل علم أصول الفقه أساسا له؛ لاستنباط الأحكام الشرعية العملية في مختلف شؤون الحياة من الأدلة الشرعية، فكانت تلك الأحكام الشرعية العملية أو الفرعية فقه هذا القرآن، وبما اعتمد من مصادر التشريع؛ سنة واجتهادا شريعة الأمة المسلمة ونظامها العملي في حياتها. وهي شريعة تقوم على أصول ثابتة تسمح بمعالجة مستجدات الحياة وتستوعب تطورات العصر ([74])، لتجعلها تحت جناح هذه الشريعة، بما جعل الله لها من أصالة وثبات في أصول الأحكام ومراتبها؛ من حل وحرمة، ومن مقاصد الشريعة، وما عرف من ضرورات وحاجيات وتحسينيات ومكملات مصالح، وبما اعتمد من مصادر التشريع التبعية لها من اجتهاد وقياس واستحسان ومصالح مرسلة وغرف وغيرها. ولقد أنضج علماء الأمة هذا الجانب في موضوعات القرآن، وأصول فهمه بمكتبة أصلية نامية، ومتطورة بما لا يحصى من المراجع والدراسات، والمذاهب الفقهية، وأعلام الاجتهاد؛ وذلك محقق لقول ربنا تبارك وتعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3). فتمام الشريعة من تمام القرآن، وكمالها من كماله ([75]) وديمومتها وصلاحيتها من خاتميته وخلوده. ومن ثم كان هذا القرآن في أحد موضوعاته، وهي الشريعة، وفي جوهره وذاته وصلاحية شريعته ضمانة ذاتية لعالمية رسالته. ويفصل محمد يوسف موسى خصائص هذا التشريع الإسلامي بما يضمن هذه العالمية، بما مجمله ([76]):
    أن هذا التشريع في أساسه يقوم على وحي إلهي ثابت محفوظ وهو القرآن، وأحكامه تقوم على استقرار، ولها في نفوس الناس من الفطرة ما يجعلها مقبولة لديهم، إذ هي أحكام الله خالق الفطرة، وهو الأعلم بما يحقق مصلحة الإنسان كما قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14).
    وهي مقنعة للمخاطب بها.
    كما هي ذات هدف أخروي مع كونها نافعة للإنسان في حياته الدنيا.
    وأن واضعها - وهو الله سبحانه - إنما شرعها لمصالح العباد في العاجل والآجل، وأن هذا ثابت بالاستقراء في جميع الأحكام إلى قيام الساعة.
    "واذا كانت الرسالة الاسلامية ليس بعدها رسالة إلهية، واذا كان رسولها هو خاتم النبيين، واذا كان من النتائج المنطقية لذلك: أنه أرسل إلى الناس كافة (...) وجب أن يكون ما فيها من تشريعات قد قاصت على أسس تجعلها صالحة للناس عامة في كل مكان وزمان، والأمر كذلك حقا؛ فإن هذه الشريعة بما قامت عليه من أسس قوية ومرنة معا صالحة حقا لكل بلد وناس وعصر وآن" ([77]).
    وموضع هذا كله إنما هو القرآن كتاب هذه الرسالة، فقد احتوى في موضوعاته هذه الشريعة وأسسها، من مثل تحقيق العدل الشامل والرحمة، ورعاية مصالح الناس جميعا، واليسر في الشريعة برفع الحرج لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78)، وقوده: (أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185). وذلك منسحب في كل التشريعات من عبادات ومعاملات، وعقوبات وسياسات.
    وبالتالي فإن هذا القرآن بما حواه من شريعة عالمية أصلها وثبتها وبينها ووضحها، وجعل لها من القواعد والتطبيقات ما يضمن صلاحيتها لكل زمان ومكان وبما يسمح بعالميتها، فكان القرآن بشريعته يحمل في جوهر موضوعاته ومبادئه ومقاصد شريعته وأهدافها ضمانة ذاتية لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
    المطلب الرابع
    القيم والأخلاق
    منظومة القيم التي قدمها القرآن على أنها قيم إنسانية، تجد لها أساسا في فطرة الإنسان المخاطب بها إلى قيام الساعة، بما يسمى بالبصيرة أو الحاسة الفطرية أو الحاسة الأخلاقية أو الضمير ([78]). ويجعل القرآن بناء هذه الأخلاق على مصادر الإلزام الربانية، فهي تنبثق من الإيمان بالله في حقيقتها، ومن العبادة لله وحده في مظهرها. وهي أخلاق يتحمل المرء مسؤوليتها دنيويا، كما يتحمل مسؤوليتها أخرويا. ويهدف المرء منها سعادة الدراين، فترضى نفسه وفطرته، وتتحقق منافعه الدنيوية، ولكنها في غايتها الكبرى يقصد منها مرضاة الله سبحانه، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
    وهذه المنظومة الأخلاقية التي يقدمها القرآن أوصت بها جميع الأديان الإلهية، والطبائع البشرية العاقلة، والفطر السليمة، ولكنها في القرآن إيمان ودين، سلوك وعبادة، إنسانية في توجهها للعالم، إيمانية في تبني المسلم لها، دنيوية في تطبيقاتها، أخروية منجية في غاياتها الكبرى والنهائية. كما أنها شاملة ومتوازنة وإيجابية وثابتة، لا تتغير بتغير الزمن والأحداث، والأشخاص والهيئات، مع الصديق ومع العدو، مع المسلم وغير المسلم ([79])، من مثل العدل والأمان، والصدق والوفاء بالعهد والوعد، والرحمة، وغيرها وما يتولد فيها من سلوك فردي، واجتماعي وجماعي، يميز المسلم فردا، والمجتمع جماعة، والأمة عالميا. وكل ذلك فيه ضمانة العالمية للرسالة التي تحمل هذه الأخلاق القرآنية.
    وأبسط مثال على ضمانة القرآن للعالمية في أخلاقه في ضرورة إقامة العدل بين الناس، كل الناس، بغض النظر عن أي اعتبار شخصي أو ديني أو اجتماعي أو عرقي أو زماني أو مكاني، هو في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58)، وفي قوله تعالي: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).
    واذا كانت الشعارات تدعو إلى التسامح ولو مع الظالم، ويقول قائلها استغفروا لأعدائكم، فالقرآن يطلب من المؤمنين أن يعدلوا مع كل إنسان ولو كان عدوا. ولقد فهم علماء الإسلام من قوله الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90)، أن هذه الآية أجمع آية لمعاني الإسلام، وفيما روى أنه عندما شاعت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في بلاد العرب، وتناقلها الركبان أرسل اكثم بن صيفي أولاده ليسألوا محمدا صلى الله عليه وسلم عما يدعو إليه، فتلا عليهم هذه الآية، فرجعوا إلى أبيهم، ولما سمع ما تلوا عليه قال الحكيم العربي: "إن هذا إن لم يكن دينا فهو في أخلاق الناس أمر حسن، كونوا يا بني في هذا الأمر أولا. ولا تكونوا آخرا ([80]).
    والعدل ليس قيمة فردية فحسب - شأنها شان سائر قيم القرآن - بل قيمة جماعية، وليس قيمة إيمانية فحسب، بل قيمة إنسانية، كما أنه خلق عالمي حتى في أقسى ظروف العلاقات بين الناس وهي الحروب.
    ومن هنا تأتي الأخلاق والقيم الإنسانية في جوهر الكتاب شريعة دولية، وضمانة ذاتية لعالمية الرسالة؛ ولهذا يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)، ويقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: 194)، ويقول:( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل: 126)، ويقول: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 6). فكل عباد الله سواء أمام هذه القيم من حيث منشؤهم ومالهم، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13). ولا مصلحة لله في تغليب فرد على فرد؛ لأن الله تعالى منزه عن المصلحة ([81]).
    ثم إن القرآن يكفل من الوسائل التربوية لهذه الأخلاق، ما يضمن فاعلية تبنيها من النفس الانسانية منذ الصغر؛ لتكبر مع الإنسان، ولتصبح سلوكه الذي يصدر عنه دون تكلف ودون صراع شديد مع النفس الأمارة بالسوء، بما يضمن تحقيق الأهداف العليا للبشرية.
    وهذه الأخلاق ربانية في مصدرها؛ لأنها من القرآن، وربانية في تطبيقاتها؛ لاتها عبادة لله عز وجل، وايمانية أخروية في أهدافها الكبرى؛ لأنها يقصد بها مرضاة الله سبحانه بدخول الجنة والنجاة من النار. وهي إنسانية في إطارها البعيد، وإيمانية في إطارها القريب، وهي بهذا كله ضمانة لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم التي تحملها وتدعو يليها، وتطبقها بمنتهى الدقة والحيوية.

    الخاتمة

    ويمكن تلخيص أهم النتائج التي توصل إليها الباحث بما يأتي:
    يحمل القرآن في ذاته وجوهره ضمانة العالمية لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
    القرآن - بما هو رباني المصدر - يحمل ضمانة العالمية.
    القرآن خاتم الكتب الإلهية ومصدق لها ومهيمن عليها، وهذا يؤهله لضمان العالمية.
    التواؤم بين القران في منهجه وفطرة الإنسان في نزعته الإنسانية - وكلاهما رباني المصدر - مؤهل لعالمية الرسالة، وضامن لها.
    القرآن يحمل وحدة الخطاب، وفيه من المبادئ والأصول التشريعية ما يجعله ضمانا لعالمية الرسالة.
    مقاصد القرآن في كونها تحمل الحق والهداية والعبادة والشفاء والرحمة، وتحيي سنة التدافع؛ ليحق الحق في معركة الحق مع الباطل الدائمة كلها مؤهلات لعالمية رسالته وضامنة لها.
    كل موضوع من موضوعات القرآن فيه من ضمانة العالمية لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ما فيه، من مثل وضوح عقيدة التوحيد والبعث والجزاء، ومن حيث العمل الصالح وصلاحية الشريعة للدوام، ومن حيث ثبات القيم والأخلاق التي يحملها القرآن ويدعو إليها.
    انتهي البحث بحمد الله
    المصادر والمراجع

    "(الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت 502 هـ)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيد كيلاني، (د ط)، دار المعرفة، بيروت، (د ت).
    بوكاي، موريس، دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، (د ط)، دار المعارف، القاهرة، (د ت).
    البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي النيسابوي الخسروجردي، (348-458 هـ)، كتاب الأسماء والصفات، (ط 1)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 ه = 1984 م
    الجليند، محمد السيد، في علم الأخلاق، قضايا ونصوص، (د، ط)، مطبعة التقدم، القاهرة، 1366 ه = 1979 م.
    ابن جني، أبو الفتح عثمان، (ت 392 هـ)، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، ثلاثة مجلدات (ط 2)، دار الهدى بيروت، (د ت).
    حسين، محمد محمد، الإسلام والحضارة الغربية، (ط 1) مؤسسة الرسالة، بيروت، 1985.
    الخولي، محمد علي، التحريف في التوراة، (ط 1)، نشر المؤلف، عمان، 1401 ه = 1990 م.
    دراز، محمد عبد الله، الدين، (ط 2) دار القلم، الكويت، 1390 ه = 1970 م.
    دراز، محمد عبد الله، مدخل إلي القرآن الكريم، (ط 2)، دار القلم، الكويت، 1399 ه = 1978 م.
    الدريني، فتحي، دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي، المجلد الثاني، (ط 1)، دار قتيبة، دمشق، 1408 ه = 1988 م
    الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، (ت 666 هـ)، مختار الصحاح، (ط 1)، دار الكتاب العربي، بيروت 1967 م.
    رضا، السيد محمد رشيد، الوحي المحمدي، (ط 6)، مكتبة القاهرة، مصر، 1380 هـ = 1960 م
    الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس، مكتبة الحياة (د، ط)، بيروت، (د ت).
    الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، (د ط)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة (د ت).
    الزركشي، الامام بدر الدين محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، المجلد الأول، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، (ط 2)، دار المعرفة، بيروت، 1391 هـ = 1972 م.
    أبو زهرة، محمد، المعجزة الكبرى في القرآن، (د ط)، دار الفكر العربي، القاهرة (د ت).
    السيد، عبد الستار، بحث إعجار القرآن، أحد بحوث المؤتمر السابع لعلماء المسلمين، 9 سبتمبر سنة 1972، نشر مجمع البحوث السلامية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية (د ط) القاهرة، 1393 هـ = 1973 م.
    السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، الإتقان في علوم القرآن، المجلد الأول، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، (د. ط) الهيئة المصرية العالمية للكتاب، القاهرة، 1974 م.
    أبو شهبة، محمد بن محمد، المدخل لدراسة القرآن الكريم، الطبعة الجديدة، دار الجيل، بيروت، 1412 ه = 1992 م
    الشهرستاني، أبو الفتح محمد عبد الكريم بن أبي بكر، الملل والنحل، المجلد الأول، تحقيق محمد سيد كيلاني (د ط)، طبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1968 م.
    عبد الباقي، محمد فؤاد - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (جمع وترتيب)، (د ط) مؤسسة مناهل العرفان، بيروت، (د ت).
    العلي عبد المنعم صالح، تهذيب مدارج السالكين طبعة وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، دولة الإمارات، مطبعة كاظم، دبي، (د ت).
    الغزالي، محمد، كيف نتعامل مع القرآن، (ط 1)، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، 1411 ه = 1991 م.
    ابن فارس: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، (ت 395 هـ)، معجم مقاييس اللغة، المجلد الثالث، تحقيق عبد السلام محمد هارون، (ط 2)، طبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1390 = 1970 م.
    الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب بن إبراهيم الشيرازي، (ت 817 هـ)، القاموس المحيط، المجلد الرابع، (ط 8)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415 هـ = 1995 م.
    القرضاوي، يوسف، الخصائص العامة للإسلام، (ط 2)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400 هـ = 1983 م.
    قطب، سيد، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، (د ط)، دار الشروق، بيروت، القاهرة، (د ت).
    قطب، سيد، في زول القرآن، المجلد السادس، (ط 7)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1391 هـ = 1971 م.
    قطب، سيد، مقومات التصور الإسلامي، دار الشروق، (ط 1)، بيروت، 1400 هـ = 1986 م.
    قطب، محمد، التطور والثبات في حياة البشرية، الطبعة الخامسة، طبعة دار الشروق، بيروت 1388 هـ = 1968 م..
    قطب، محمد، ركائز الإيمان، (د ط)، مركز الدراسات والإعلام، دار إشبيلية، الرياض، 1417 ه = 1997.
    قطب، محمد، الإنسان بين المادية والإسلام، (ط 3)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1960 م.
    قطب، محمد، جاهلية القرن العشرين، (ط 1)، مكتبة وهبة، القاهرة، 1384 ه = 1964 م.
    ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المجلد الأول، (د ط) دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، (د ت).
    الكردي، راجح عبد الحميد، بحث المجال الأخلاقي والسلوك الاجتماعي في كتاب محاضرات في الثقافة الإسلامية، لمجموعة من المؤلفين، كلية الشريعة، الجامعة الأردنية، (ط 1)، الناشر، المؤلفون، عمان، 1423 ه = 1992 م.
    ملكاوي، محمد أحمد عبد القادر، اليهودي شاؤل بولس الطرسوسي وأثره في العقائد النصرانية الوثنية، (ط 1)، دار الإسراء الرياض، 1412 هـ = 1992 م.
    ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الإفريقي المصري، لسان العرب، المجلد الثاني عشر والمجلد الثالث عشر، (ط 3)، دار صادر، بيروت، 1414 ه = 1994 م.
    موسى، محمد يوسف، الإسلام وحاجة الإنسانية إليه، (ط 4)، مكتبة الفلاح، الكويت 1400 ه = 1980 م.
    المودودي، أبو الأعلى، نظرية الإسلام وهديه، رسالة القانون الإسلامي وطرق تنفيذه في باكستان، ترجمة محمد عاصم الحداد، (د ط) مؤسسة الرسالة، بيروت 1389 هـ = 1969 م.
    بن نبي، مالك، الظاهرة القرآنية، ترجمة عبد الصبور شاهين، (د ط)، دار الفكر، بيروت (د ت).
    نوفل، السيد أبو المجد، الدعوة إلي الله، (ط 1)، مطبعة الحضارة العربية، القاهرة، 1397 ه = 1977 م.

    The Qura’n self guarantees to the globality of Mohammed’s Mission

    (Peace be upon Him)


    Dr. Rajeh Abdul-Hameed Sa’eed "Kurdi Bani Fahdl.

    Prof. Associate in usool El-Deen Section

    Faculty of Shari’ah Jordan University - Hashimite Kingdom of Jordan


    The Qura’n self-guarantees to the globality of Mohammed’s mission (Peace upon him). This research deals with a case that means that Qura’n in itself is a guarantee for the globality of Mohammed’s mission (Peace be upon him). This case has been dealt with through proving that the Holy Qura’n has self characteristics such like : It is the last word of the Lord Allah and that it is harmonious with human nature. It has also unity of address, its principles are valid and tend to human nature that makes it a guarantor of the globality of Mohammed’s mission (Peace be upon him). That contains all people until the final Hour and Day of judgment. The researcher also discussed another self guarantees that the intentions of the Holy Qur’an guarantee that globality - that the Qur'an is right in itself and it is right when it confronts invalidity in the way of pushing unrighteousness. It is also right of what it contains of guidance, worship and mercy.
    The research points out the most important qualities of self advantages of the Holy Qur’an concerning great topics and subjects which express the globality of the mission and guarantees it. As for example: faith in Allah, His oneness and elevating of Allah, the belief of rewardness, Good actions, steadiness of morals and good conducts of all qualities that make them the best within human framework and strict faith.


    [·] أستاذ مشارك بقسم أصول الدين - كلية الشريعة - الجامعة الأردنية - عمان - المملكة الأردنية الهاشمية.

    [1] الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، (د ط) ، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة (د ت) ، 1 /13.

    [2] اللقاني، عبد السلام، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، ص 58

    [3] ابن فارس: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، (ت 395 هـ) ، معجم مقاييس اللغة، (ط 2) ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، طبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1390 = 1970 م، 3/ 372 باب الضاد والميم.

    [4] الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب بن إبراهيم الشيرازي، (ت 817 ه) ، القاموس المحيط، (ط 8) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415 ه = 1995 م، 4/ 239، باب النون فصل الضاد.

    [5] ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الإفريقي المصري، لسان العرب، (ط 3) ، دار صادر، بيروت، 1414 ه = 1994 م، 13/ 257، حرف النون فصل الضاد.

    [6] انظر ابن منظور، لسان العرب، 12/ 419 - 420، الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، (ت 666 هـ) ، مختار الصحاح، دار الكتاب العربي، بيروت 1967 م، (ط 1) ص 451-452، الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس، مكتبة الحياة، بيروت، (د ت ط) ، 8 / 407.

    [7] انظر هذه المعاني في: السيد نوفل، أبو المجد، الدعوة إلي الله، مطبعة الحضارة العربية، القاهرة، 1397 ه – 1977 م، (ط 1) ص 37، حسين، محمد محمد، الإسلام والحضارة الغربية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1985، (ط 1) ، ص 185.

    [8] خصوصية في اللغة - بفتح الخاء - كما عند ابن فارس، وبفتحها وضمها وبالفتح أفصح، كما عند الرازي - مشتقة من خص، وهو أصل مطرد قياسي يدل على الفرجة والثلمة بين الشيئين، ومن هذا الباب: خصصت فلأنا بشيء واختصصته خصوصية وخصوصا؛ لأنك إذا أفردته فقد أوقعت فرجة بينه وبين غيره، والخصيصى الخصوصية (انظر، ابن فارس، أبو معجم مقاييس اللغة، 2/ 152 - 153 الرازي، مختار الصحاح، ص 177. وقال الراغب: "التخصيص والاختصاص والخصوصية والتخصص: تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة" (الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت 502 هـ) ، المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيد كيلاني، (د ط) ، دار المعرفة، بيروت، (د ت) ص 149 ومن الاختصاص: قوله تعالى: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (آل عمران 74) ، ولم أجد الجمع لها على خصائص كما هو دارج على السنة المؤلفين (جريا على من استعملها اسما لكتابه من الأقدمين وهو: ابن جني في كتابه الخصائص انظر ابن جني أبو الفتح عثمان، (ت 392 هـ) تحقيق محمد علي النجار، ثلاثة مجلدات (ط 2) دار الهدى بيروت، (د ت) ، لأن خصائص جمع خاصية، وخصوصية لا تجمع على هذا قياسا، بل جمعها خصوصيات. ولهذا فقد استعملت المصدر، وان كثيرا مما يقع تحته ما اختص الله به القرآن الكريم في موضوعنا من خصوصيات تجعله في ذاته ضمانا لعالمية الرسالة.

    [9] السيد، عبد الستار، بحث إعجاز القرآن، أحد بحوث المؤتمر السابع لعلماء المسلمين المنعقد في 9 سبتمبر 1972، نشر مجمع البحوث الإسلامية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية (د ط) القاهرة، 1393 ه = 1973 م، ص 84.

    [10] القرضاوي، يوسف، الخصائص العامة للإسلام، (ط 2) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1404 ه = 1983 م، ص 37.

    [11] انظر التفاصيل في القرضاوي، المرجع السابق، قطب، سيد، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، (د ط) ، دار الشروق، بيروت، القاهرة، (د ت) .

    [12] انظر عبد الباقي، محمد فؤاد - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (جمع وترتيب) ، مؤسسة مناهل العرفان، بيروت، (د. ط. ت) ، ص 592-595، المرجع السابق.

    [13] انظر المرجع السابق.

    [14] انظر المرجع السابق ص 539 - 540.

    [15] انظر المرجع السابق ص 540.

    [16] انظر السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، (د. ت) الهيئة المصرية العالمية للكتاب، القاهرة، 1974 م، 1 /178- 184، وانظر الزركشي، الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، (ط 2) ، دار المعرفة، بيروت 1391 ه – 1972 م، 1/ 274 - 282.

    [17] أحد علماء الأزهر الشريف، مصري، عاش في النصف الثاني من القرن العشرين رحمه الله وله مؤلفات في السنة النبوية.

    [18] أبو شهبة، محمد بن محمد، المدخل لدراسة القرآن الكريم، دار الجيل، بيروت، 1412 ه = 1992 م، الطبعة الجديدة ص 23.

    [19] ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، (د ت ط) ، 1 / 254.

    [20] عالم مصري أزهري، توفي في الثلث الثاني من القرن العشرين، درس في فرنسا وله عدة مؤلفات في خدمة القرآن وكان لرسالته في الدكتوراه بعنوان دستور الأخلاق في القرآن الكريم شهرة كبيرة لدى علماء الأخلاق.

    [21] دراز، محمد عبد الله، الدين، دار القلم، الكويت، 1390 ه = 1970 م، (ط 2) ، ص 181.

    [22] (1971 - 1966 م) أديب مصري، ومفكر إسلامي، وداعية عرف بثباته على الحق له مؤلفات كثيرة

    [23] قطب، سيد، في ظلال القرآن /دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1391 ه = 1971 م، (ط 7) 6/ 747 - 748

    [24] انظر لمزيد من التفاصيل: بن نبي، مالك، الظاهرة القرآنية، ترجمة عبد الصبور شاهين، (د ط) ، دار الفكر، بيروت (د ت) ، ص 240 فما بعدها وانظر بوكاي، موريس، دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، (د ط) ، دار المعارف، القاهرة، (د ت) .

    [25] سفر التكوين، الفصل الثامن والعشرون، فقرة 12، 13.

    [26] بن نبي، الظاهرة القرآنية ص 244.

    [27] الخولي، محمد علي، التحريف في التوراة، (ط 1) نشر المؤلف، عمان، 1410 ه = 1990 م ص 28.

    [28] مصطلح يهودي يطلقه اليهود على غيرهم من الشعوب والأمم الأخرى، ولهم أحكام في دينهم، تستباح فيه دماؤهم وأموالهم، وأنهم حيوانات لخدمة شعب إسرائيل، وما خلقهم الله على هيئة أناس إلا ليؤنسوا شعب بني إسرائيل المختار في الخدمة.

    [29] دراز، محمد عبد الله، مدخل إلى القرآن الكريم، (ط 2) ، دار القلم، الكويت، 1399 ه = 1978 م، ص 92.

    [30] المرجع السابق، ص 93-113

    [31] سفر الخروج من 22-23، وسفر اللاديين 19-25 وسفر التثنية 6

    [32] سفر الخروج من 22-23 وسفر اللاديين 19-25 وسفر التثنية 6

    [33] انظر الآيات النساء 36، 58، 127، 7، 108، المعارج 7، الضحى 9، آل عمران 79، 134، الحشر 9-10 التوبة 108، البقرة 165.

    [34] إنجيل متى 5: 5، 3: 54، 6: 7، 8، 9، 10 21، 22، 24، 33، 34، 43، 44، 47، ومتى 6: 11، 5، 19، 20، 24، 25، 26، ومتى 7: 12، 13، 7، 1، 3، 15.

    [35] ) البقرة 155، 186، 212، 214، 224، 204، 267، 206، آل عمران 14، 119، 133، 185، الجاثية 21، الشعراء 89، ق 33، النساء 114، 149، البلد 17-18، الشورى 37، الحجرات 10، المائدة 27، النور 22، 30-31، الفرقان 63، الفجر 19 - 20، الزمر 29.

    [36] قطب، سيد، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، ص 53.

    [37] هو الدكتور محمد فتحي الدريني، عالم فلسطيني درس في الأزهر الشريف، وعمل وقضى معظم حياته أستاذا في كلية الشريعة بجامعة دمشق وله مؤلفات في مقاصد الشريعة وكان مهتما جدا بشرح مقاصد الشاطبي حتى قال بعضهم فيه إنه الشاطبي الصغير، توفي رحمه الله منذ فترة قريبة.

    [38] الدريني، فتحي، دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي، المجلد الثاني (ط 1) دار قتيبة، دمشق، 1408 ه = 1988 م /ص 464.

    [39] انظر المرجع السابق ص 465-480.

    [40] القد: القامة والتقطيع كما عند الرازي، مختار الصحاح، ص 523، والمقصود هنا أي هو مفصل على قدر قامتها وتقاطيعها المناسبة لها.

    [41] أي لم يعد معمولا بها، وطواها النسيان.

    [42] ) الغزالي، محمد، كيف نتعامل مع القرآن، ط ا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، 1411 ه = 1991 م، ص 92.

    [43] المودودي، أبو الأعلى، نظرية الإسلام وهديه، رسالة القانون الإسلامي وطرق تنفيذه في باكستان، ترجمة محمد عاصم الحداد، (د ت) مؤسسة الرسالة، بيروت 1969 م، ص 154

    [44] انظر المرجع السابق ص 155، 158 بتصرف.

    [45] انظر قطب، محمد، ركائز الإيمان، (ط 1) ، مركز الدراسات والأعلام، دار إشبيلية، الرياض، 1417 هـ = 1997، ص 344 - 346 بتصرف.

    [46] انظر المرجع السابق 352 -353.

    [47] انظر السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، الإتقان في علوم القرآن، 1 / 110.

    [48] الغزالي، محمد، كيف نتعامل مع القرآن، (ط 1) ، ص 94 - 95.

    [49] قطب، سيد، مقومات التصور الإسلامي، ص 30.

    [50] الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، ص 273.

    [51] المرجع السابق ص 274.

    [52] انظر المرجع السابق ص 361-376.

    [53] انظر يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام، مؤسسة الرسالة، بيروت، (د.ت.ط) ص 85 - 60.

    [54] المرجع السابق ص 60.

    [55] انظر بتصرف المرجع السابق ص 62-66.

    [56] ) انظر التفاصيل عند، قطب، محمد، التطور والثبات في حياة البشرية، الطبعة الخامسة 1388 هـ = 1968 م، وانظر قطب، سيد، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، فصل الثبات ص 85 - 109، والقرضاوي، يوسف، الخصائص العامة للإسلام، دار الشروق بيروت، ص 215 -258.

    [57] قطب، سيد، مقومات التصور الإسلامي، (ط 1) ص 16.

    [58] المرجع السابق.

    [59] قطب، سيد، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، ص 220.

    [60] انظر القرضاوي، يوسف، الخصائص العامة للإسلام، (ط 2) ، ص 14 - 20.

    [61] ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين، تهذيب مدارج السالكين، العلي، عبد المنعم صالح، طبعة وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، دولة الأمارات، مطبعة كاظم، دبي، (د ت) ، ص 566، 567.

    [62] انظر الآيات الكريمة في البقرة 187، 219، 221، 334، 366، وآل عمران 103، والمائدة 15، والنور 61.

    [63] داعية سلفي سوري الأصل، عاش بمصر في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكان ملازما لشيخه الشيخ محمد عبده وهو صاحب تفسير المنار الذي يدور حول تفسير الشيخ محمد عبده للقرآن

    [64] رضا، السيد محمد رشيد، الوحي المحمدي، مكتبة القاهرة، مصر، 1380 ه = 1960 م، (ط 6) ص 124.

    [65] انظر عبد الباقي، محمد فؤاد، المعجم المفهرس، ص 270 - 275.

    [66] مسلم، صحيح مسلم، (ط ا) طبعة دار ابن حزم، بيروت، 1416 هـ = 1995 م، 51 - كتاب الجنة - باب رقم 2865، جزء 4 ص 1741.

    [67] مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، المرجع السابق، وانظر، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1374 ه = 1955 م (ط 1) ، 4/ 2197

    [68] الشهرستاني، أبو الفتح محمد عبد الكريم بن أبي بكر، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني (د ط) طبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1968 م، 1/ 196، 106، 312، ص 196، 312. وانظر رضا، الوحي المحمدي، ص 126- فما بعدها.

    [69] انظر التفصيل، ملكاوي، محمد أحمد عبد القادر، اليهودي شاؤل بولس الطرسوسي وأثره في العقائد النصرانية الوثنية، دار الاسراء الرياض، 1412 ه = 1992 م، (ط 1) وهو دراسة مستفيضة وموثوقة

    [70] انظر بتوسع هذا الموضوع عند سيد قطب، مقومات التصور الإسلامي، ص 81 - 186

    [71] متفق عليه من حديث عائشة، البخاري، صحيح البخاري، بشرح فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، تحقيق عبد العزيز بن باز، المطبعة السلفية، القاهرة، 1380 هـ، كتاب التفسير، الجزء 13 كتاب التوحيد، ص 403، وقد تعقب الألباني طرق ألفاظ الحديث (قبله، وغيره، ومعه) ففال: "رواية معه لم أجدها في البخاري، وقد أخرج الحديث في موضعين من صحيحه" بدء الخلق، والتوحيد "بالروايتين الأخيرتين - يقصد وقبله، وغيره، وبالأخرى بينهما، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (270) ورواه أحمد (4/ 431) بالرواية الأولى منهما، لكن بلفظ: "كان الله تبارك وتعالى قبل كل شيء" وكلام الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث يشعر بأن هذه الرواية "معه" لم يقف عليها، فقد قال (6/ 206) : تنبيه: وقع في بعض الكتب في هذا الحديث: "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان" وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية، وهو مسلم في قوله: "وهو الآن... إلى آخره"، وأما لفظ "ولا شيء معه": فرواية الباب بلفظ: "ولا شيء غيره" بمعناها. قلت - أي الشيخ الألباني -: فلو كان عند الحافظ علم بهذه الرواية لذكرها، واستغنى بذلك عن الاحتجاج عليها بمعنى الرواية التي ذكرها كما هو ظاهر، والله أعلم. انظر "ابن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاوية للإمام الحاوي، (ط 6) ، المكتب الإسلامي، بيروت ودمشق، 1400 هـ، ص 139، وهامش (1) تخريج الألباني.
    وانظر البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي النيسابوي الخسروجردى، (348 – 458 ه) كتاب الأسماء والصفات، (ط 1) دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 ه = 1984 م، ص 24 – 25، 300.

    [72] انظر، قطب، سيد، مقومات التصور الإسلامي، ص 191 - 283 بتصرف.

    [73] المرجع السابق، ص 117، بتصرف يسير.

    [74] انظر خصائص التشريع الإسلامي وأسسه العامة وبحاجة قبوله للتطور حسب بيئات الزمان والمكان في: موسى، محمد يوسف، الإسلام وحاجة الإنسانية إليه، مكتبة الفلاح، الكويت 1400 هـ = 1980 م، (ط 4) ، ص 189، 203 - 206.

    [75] انظر، فصل كمال الشريعة، المرجع السابق، ص 184 - 188

    [76] انظر المرجع السابق، ص 189-324

    [77]المرجع السابق، ص 213

    [78]انظر الجليند، محمد السيد، في علم الأخلاق، قضايا ونصوص، مطبعة التقدم، القاهرة، 1366 هـ= 1979 م، (د ط) ص 1.

    [79]انظر، بحث راجح الكردي، المجال الأخلاقي والسلوك الاجتماعي في كتاب، محاضرات في الثقافة الإسلامية، كلية الشريعة الجامعة الأردنية، المؤلفون، 1423 هـ = 2000 م عمان، ص 149.

    [80]انظر بتصرف، أبو زهرة، محمد، المعجزة الكبرى في القرآن، دار الفكر العربي، القاهرة، (د ت ط) ص 386 - 387.


    [81]انظر قطب، محمد، الإنسان بين المادية والإسلام، (ط 3)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1960، ص 104، والمؤلف نفسه، جاهلية القون العشرين، (ط 1)، مكتبة وهبة، القاهرة، 1384 ه = 1964 م ص 294، 297.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •