نقد حجج المرجئة فى باب الايمان
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 35
10اعجابات

الموضوع: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    ذكر شيخ الإسلام أن للمرجئة حججا - بسببها اشتبه الأمر عليهم، فوقعوا في الغلط في باب الإيمان.
    يقول رحمه الله: "والمرجئة الذين قالوا الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم،...، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم:
    فإنهم رأوا أن الله قد فرق في كتابه بين الإيمان والعمل، فقال في غير موضع: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: 277].
    ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة: 6]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ[الجمعة: 9].
    وقالوا: لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال، مات مؤمنا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان"،-------------- ثم قال شيخ الإسلام:
    "والمرجئة - المتكلمون منهم، والفقهاء منهم - يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه.
    ويقولون: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)): مجاز" (1)
    .
    فهذه أربع حجج ساقها شيخ الإسلام في هذا الموضع، وهي حجج مشتركة بين فقهاء المرجئة وغيرهم من المرجئة،وثمة حجج أخرى مشتركة بينهم أيضا، ومنها:
    - توهمهم أن الإيمان لو كان مركبا للزم منه ذهابه كله بذهاب بعضه، ولخرج العصاة من الإيمان، وهذا قول الخوارج، وللزم منه اجتماع الإيمان والكفر في الشخص، وهذا مخالف للإجماع عندهم.
    - دعواهم أن الإيمان في اللغة مجرد التصديق.
    - الاحتجاج بنصوص الوعد.
    - الاحتجاج بحديث الجارية.
    فهذه هي حجج المرجئة فيما ذهبوا إليه اشتركوا بالقول بها، وقد بلغت سبع حجج، سيقت على وجه الإجمال، وتحتجا إلى تفصيل يبين وجه الاستدلال، وجواب يزيل الإشكال----[موسوعة الفرق]
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    نقد الحجة الأولى للمرجئة
    ما جاء في النصوص من العطف بين الإيمان والعمل
    استدل المرجئة بالنصوص التي فيها عطف العمل على الإيمان، إذ فهموا من هذا العطف المغايرة بين المعطوفين، ومن ثم خروج المعطوف من المعطوف عليه.
    قال شيخ الإسلام موردا هذه الحجة، ومجيبا عنها:
    "قالوا: الأعمال ليست من الإيمان؛ لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال في كتابه (2) .
    ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول: إن الإيمان هو تصديق القلب، وقول اللسان.
    وهذا المنقول عن حماد بن أبي سليمان، ومن وافقه، كأبي حنيفة، وغيره.
    وقال جهم، والصالحي، ومن وافقهما من أهل الكلام، كأبي الحسن، وغيره: إنه مجرد تصديق القلب.
    وفصل الخطاب في هذا الباب: أن اسم الإيمان قد يذكر مجردا، وقد يذكر مقرونا بالعمل الصالح، أو بالإسلام.
    فإذا ذكر مجردا: تناول الأعمال، كما في الصحيحين: ((الإيمان بضع وستون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (3) ، وفيهما: أنه قال لوفد عبد القيس: ((آمركم بالإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله , وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا من المغنم الخمس)) (4) .
    وإذا ذكر مع الإسلام، كما في حديث جبريل أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان، ففرق بينهما، فقال: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله)) إلى آخره، (5) . وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام علانية، والإيمان في القلب)) (6) .
    فلما ذكرهما جميعا:ذكر أن الإيمان في القلب، والإسلام ما يظهر منه الأعمال" (7) .
    وفي شرح مطول لمعنى الإيمان حال الإفراد، وحال اقترانه بغيره يقول رحمه الله:
    "وأما إذا قيد الإيمان، فقرن بالإسلام، أو بالعمل الصالح، فإنه قد يراد به ما في القلب من الإيمان باتفاق الناس.
    وهل يراد به أيضا المعطوف عليه، ويكون من باب عطف الخاص على العام، أو لا يكون حين الاقتران داخلا في مسماه، بل يكون لازما له على مذهب أهل السنة، أولا يكون بعضا ولا لازما؟
    هذا فيه ثلاثة أقوال الناس،...، وهذا موجود في عامة الأسماء، يتنوع مسماها بالإطلاق والتقييد" (8) .
    ثم ذكر أمثلة على هذا التنوع، ثم قال:
    "وهذه الأسماء تختلف دلالتها بالإطلاق والتقييد والتجريد والاقتران، تارة يكونان إذا أفرد أحدهما أعلم من الآخر، كاسم الإيمان والمعروف مع العمل والصدق، وكالمنكر مع الفحشاء ومع البغي، ونحو ذلك.
    وتارة يكونان متساويين في العموم والخصوص، كلفظ الإيمان والبر والتقوى، ولفظ الفقير والمسكين، فأيها أطلق تناول ما يتناوله الآخر" (9) .

    ثم قال شيخ الإسلام بعد شرحه بعض الأمثلة:
    "وهذا باب واسع يطول استقصاؤه، وهو من أنفع الأمور في معرفة دلالة الألفاظ مطلقا، وخصوصا ألفاظ الكتاب والسنة، وبه تزول شبهات كثيرة، كثر فيها نزاع الناس، من جملتها مسألة الإيمان والإسلام" (10)
    .
    وبعد هذا التأصيل شرع شيخ الإسلام في تحرير أنواع العطف في القرآن، وسائر الكلام؛ ليصل من بعده إلى نوعه بين الإيمان والعمل، فقال:
    "وعطف الشيء على الشيء في القرآن، وسائر الكلام، يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما.
    والمغايرة على مراتب:

    أعلاها: أن يكونا متباينين، ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزؤه، ولا يعرف لزومه له (11) .
    كقوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الفرقان: 59]، ونحو ذلك، وقوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة: 98]، وقوله: وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ [عمران: 3-4]
    ، وهذا هو الغالب.
    ويليه: أن يكون بينهما لزوم.
    كقوله: وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ [البقرة: 42]، وقوله: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 115]، وقوله: وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [النساء: 136]"، ثم أورد جملة من الأمثلة على هذا النوع، معلقا عليها، ثم قال:
    "والثالث: عطف بعض الشيء عليه.
    كقوله: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة: 238]، وقوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: 7]، وقوله: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة: 98]، وقوله: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا [الأحزاب: 27].
    والرابع: عطف الشيء على الشيء؛ لاختلاف الصفتين.
    كقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: 1-4]، وقوله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 3-4]" (12) .
    وبعد هذا التحقيق قال شيخ الإسلام:
    "وأما قولهم إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع، فهذا صحيح.
    وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق: أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن بالأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة، كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولا للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب، بل لابد معه من الأعمال الصالحة.
    ثم للناس في مثل هذا قولان:
    منهم من يقول: المعطوف دخل في المعطوف عليه أو لا، ثم ذكر باسمه الخاص تخصيصا له؛ لئلا يظن أنه لم يدخل في الأول، وقالوا هذا في كل ما عطف فيه خاص على عام.
    كقوله: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة: 98]، وقوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: 7]، وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ [محمد: 2]، فخص الإيمان بما نزل على محمد بعد قوله وَالَّذِينَ آمَنُوا، وهذه نزلت في الصحابة وغيرهم من المؤمنين، وقوله: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة: 238]، وقوله: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة: 5]، فإنه قصد أو لا تكون العبادة لله وحده لا لغيره، ثم أمر بالصلاة والزكاة ليعلم أنهما عبادتان واجبتان، فلا يكتفي بمطلق العبادة الخالصة دونهما.
    وكذلك يذكر الإيمان أولا؛ لأنه الأصل الذي لابد منه، ثم يذكر العمل الصالح، فإنه أيضا من تمام الدين، لابد منه، فلا يظن الظان اكتفاء بمجرد إيمان ليس معه العمل الصالح،...،.

    فعلى قول هؤلاء يقال: الأعمال الصالحة المعطوفة على الإيمان دخلت في الإيمان، وعطفت عليه عطف الخاص على العام؛ إما لذكره خصوصا بعد عموم، وإما لكونه إذا عطف كان دليلا على أنه لم يدخل في العام.
    وقيل: بل الأعمال في الأصل ليست من الإيمان، فإن أصل الإيمان هو ما في القلب، ولكن هي لازمة له، فمن لم يفعلها كان إيمانه منتفيا؛ لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، لكن صارت بعرف الشارع داخلة في اسم الإيمان إذا أطلق، كما تقدم في كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
    فإذا عطفت عليه ذكرت؛ لئلا يظن الظان أن مجرد إيمانه بدون الأعمال الصالحة اللازمة للإيمان يوجب الوعد، فكان ذكرها تخصيصا وتنصيصا؛ ليعلم أن الثواب الموعود به في الآخرة، وهو الجنة بلا عذاب، لا يكون إلا لمن آمن وعمل صالحا، لا يكون لمن ادعى الإيمان ولم يعمل.
    وقد بين سبحانه في غير موضع أن الصادق في قوله: آمنت، لابد أن يقوم بالواجب، وحصر الإيمان في هؤلاء يدل على انتفائه عمن سواهم" (13) .

    ويقول شيخ الإسلام: "إذا تبين هذا، وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، كما أن القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد، وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه، زالت الشبهة العلمية في هذه المسألة، ولم يبق إلا نزاع لفظي في أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل في مسماه، فيكون لفظ الإيمان دالا عليه بالتضمن والعموم، أو هو لازم للإيمان، ومعلول له، وثمرة له، فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم؟
    وحقيقة الأمر أن اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا، كما قد تقدم.
    فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان ذلك دالا على الباطن فقط، وإن أفرد اسم الإيمان، فقط يتناول الباطن والظاهر، وبهذا تأتلف النصوص.
    فقوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (14) .، أفرد لفظ الإيمان فدلخ فيه الباطن والظاهر.
    وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر - ذكره مع قوله صلى الله عليه وسلم- أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت )) (15) ، فما قرنه باسم الإسلام ذكر ما يخصه، فالاسم في ذلك الحديث مجرد عن الاقتران، وفي هذا الحديث مقرون باسم الإسلام".
    ثم ذكر شيخ الإسلام تنوع دلالة اسم الإسلام حال إفراده، وحال اقترانه باسم الإيمان، ثم قال:
    "ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران، كما في اسم الفقير والمسكين، والمعروف والمنكر والبغي، وغير ذلك من الأسماء، كما في لغات سائر الأمم، عربها وعجمها، زاحت عنه الشبهة في هذا الباب" (16) .
    وقال: "فاسم الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية، مثل التصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة لوازمه وموجباته ودلائله.
    وتارة على ما في القلب والبدن جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلا في مسماه.
    وبهذا يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلاما، فإنها تدخل في مسمى الإيمان تارة، ولا تدخل فيه تارة.

    وذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فقد يكون عند الإفراد فيه عموم لمعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل واحد مسمى يخصه"، ثم قال:
    "والأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة موجب الأعمال الباطنة ولازمها، وإذا أفرد الإيمان، فقد يتناول هذا وهذا، كما في قوله ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (17) .
    وحينئذ فيكون الإسلام داخلا في مسمى الإيمان، وجزءا منه، فيقال حينئذ: إن الإيمان اسم لجميع الطاعات الباطنة والظاهرة" (18) .
    وقال رحمه الله: "وهذا الباب يكون تارة مع كون أحدهما بعض الآخر، فيعطف عليه تخصيصا له بالذكر؛ لكونه مطلوبا بالمعنى العام والمعنى الخاص.
    وتارة - تتنوع دلالة الاسم بحال الإفراد والاقتران، فإذا أفرد عم، وإذا قرن بغيره خص.
    كاسم الفقير والمسكين، لما أفرد أحدهما في مثل قوله: لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ [البقرة: 273]، وقوله: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة: 89] دخل فيه الآخر، ولما قرن بينهما في قوله:إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: 60] صارا نوعين.

    وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من هذا الباب.
    والتحقيق أن هذا ليس لازما.
    قال تعالى: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة: 98]، وقوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: 7]، وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة:
    تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى.

    وتارة - لكون العام في إطلاق قد لا يفهم منه العموم، كما في قوله: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ [البقرة: 2-4]، فقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يتناول كل الغيب الذي يجب الإيمان به، لكن فيه إجمال، فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب وبالإخبار بالغيب وهو ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.
    ومن هذا الباب قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ [العنكبوت: 45]، وقوله تعالى وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ [الأعراف: 170]، وتلاوة الكتاب هي أتباعه والعمل به" (19) .
    وكلام شيخ الإسلام في تقرير هذا الجواب كثير (20) ، وكان من المهم إيراد هذا العدد من النقول عنه رحمه الله في رد هذه الشبهة الإرجائية، ويمكن تلخيص ما تقدم بأن يقال:
    إن مجيء لفظ الإيمان في النصوص له حالان:
    الحال الأولى: أن يذكر الإيمان مفردا، مجردا، مطلقا.
    فهنا يكون معنى الإيمان متناولا للباطن والظاهر، من القول والعمل.
    الحال الثانية: أن يذكر مقيدا ومقرونا بغيره.
    وهنا يكون معنى الإيمان هو ما في القلب، ثم إن المقترن به والمعطوف عليه، وهو العمل، لا يخلو من احتمالين:
    أحدهما: أن يكون جزءاً من الإيمان، داخلا في مسماه، وإنما عطف عليه تخصيصا له بالذكر، من باب عطف الخاص على العام.
    والثاني: أن يكون غير داخل في مسماه، لكنه من لوازمه وموجباته ومقتضياته ودلائله، فالإيمان ما دام موجودا لزم ضرورة حصول العمل، ولا يمكن وجود الإيمان بدون العمل.
    وتتميما لفقه المسألة أبان شيخ الإسلام عن أن مجيء اسم الإيمان في النصوص أكثره مقيدا، وأنه إن جاء مطلقا فهو مفسر بما يبينه.
    يقول رحمه الله تعالى: "ولفظ الإيمان أكثر ما يذكر في القرآن مقيدا، فلا يكون ذلك اللفظ متنا ولا لجميع ما أمر الله به، بل يجعل موجبا للوازمه، وتمام ما أمر به، وحينئذ يتناوله الاسم المطلق" (21) .
    ويقول: "القرآن ليس فيه ذكر إيمان مطلق غير مفسر، بل لفظ الإيمان فيه إما مقيد، وإما مطلق مفسر.
    فالمقيد كقوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]، وقوله: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: 83]، والمطلق المفسر كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2] وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15]، ونحو ذلك، وقوله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: 65].
    وكل إيمان مطلق في القرآن، فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمن إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين القرآن أن الإيمان لابد فيه من عمل مع التصديق، كما ذكر مثل ذلك في الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج".
    ثم قال: "بل القرآن والسنة مملوءان بما يدل على أن الرج لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق.
    وهذا في القرآن أكثر بكثير من معنى الصلاة، والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف" (22) .
    وقال: "اسم الإيمان يستعمل مطلقا، ويستعمل مقيدا، وإذا استعمل مطلقا، فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات فرضها ونفلها في مسماه.
    وهذا مذهب الجماهير من أهل الحديث والتصوف والكلام والفقه، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم"[موسوعة الفرق]

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    نقد الحجة الثانية
    أنهم رأوا - أن الله تعالى خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى [المائدة: 6]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة: 9].
    وأجاب شيخ الإسلام عن ذلك بقوله:
    "أنهم خوطبوا به قبل أن يجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل - إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين" (24) .
    ومثل على ذلك بالحج، فإنه لم يأت ذكره في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان، كحديث وفد عبد القيس حيث قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((آمركم بالإيمان بالله وحده، هل تدرون ما الإيمان بالله وحده قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، أو خمسا من المغنم)) (25) ، وحديث ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه (( أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: آلله أرسلك إلى الناس كلهم فقال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة، قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا قال: اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخويني سعد بن بكر )) (26) .
    وإنما جاء ذكره في حديث جبريل، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت)) (27) .
    وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الأركان الخمسة، فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد ----[موسوعة الفرق]

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    نقد الحجة الثالثة للمرجئة
    قالوا: لو أن رجلا آمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال مات مؤمنا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان.
    قال شيخ الإسلام مجيبا عن ذلك:
    "وكذلك قولهم من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنا، فصحيح؛ لأنه أتى بالواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد") .
    فالأمر ليس مرده لكون العمل ليس من الإيمان، بل لأن العمل لم يكن واجبا عليه في تلك الحال.
    يقول شيخ الإسلام: "فإن الله تعالى لما بعث محمدا رسولا إلى الخلق كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حنيئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل، فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين، وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرا" (31) .
    ويقول: "بل كانوا في أول الإسلام يكون الرجل مؤمنا كامل الإيمان مستحقا للثواب إذا فعل ما أوجبه الله عليه ورسوله، وإن كان لم يقع من التصديق المفصل بما لم ينزل من القرآن، ولم يصم رمضان، ولم يحج البيت، كما أن من آمن في زمننا هذا إيمانا تاما ومات قبل مات قبل دخول وقت صلاة عليه مات مستكملا للإيمان الذي وجب عليه، كما أنه مستحق للثواب على إيمانه ذلك.
    وأما بعد نزول ما نزل من القرآن وإيجاب ما أوجبه الله ورسوله من الواجبات وتمكن من فعل ذلك، فإنه لا يكون مستحقا للثواب بمجرد ما كان يستحق به الثواب قبل ذلك ---------[موسوعة الفرق]

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    11,487

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    ما أطيب هذا الموضوع، جزاك الله خيرًا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    نقد الحجة الرابعة
    أن الأعمال تدخل في الإيمان مجازاً لا حقيقة
    قال شيخ الإسلام: "والمرجئة - المتكلمون منهم، والفقهاء - يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانا مجازا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه؛ ولأنها دليل عليه.
    ويقولون: قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (33) مجاز"
    وإذا قالوا إن الأعمال من الإيمان من باب المجاز أمكنهم نفيها عنه؛ لأن علامة المجاز صحة نفية (
    وقال شيخ الإسلام: "فإن قيل: ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ورسوله وكلام كل أحد بين ظاهر لا يمكن دفعه، لكن نقول: دلالة لفظ الإيمان على الأعمال مجاز.
    فقوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (36) , مجاز.
    وقوله: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، ورسله))
    (37) . إلى آخره: حقيقة.
    وهذا عمدة المرجئة، والجهمية، والكرامية، وكل من لم يدخل الأعمال في اسم الإيمان"
    هذه هي حجتهم الرابعة، وفي نقضها يقول شيخ الإسلام: "ونحن نجيب بجوابين:
    أحدهما: كلام عام في لفظ الحقيقة والمجاز.
    والثاني: ما يختص بهذا الموضع"
    ثم شرع رحمه الله في تحرير هذين الجوابين:
    فأما الجواب الأول: ففي إبطال تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز في اللغة، بله النصوص الشرعية، وأن الحق أن الكلام يختلف معناه بحسب دلالة الإطلاق والتقييد.
    وفي إبطال هذا التقسيم منع لإبطال معاني النصوص بدعوى المجاز، كما صنع المبتدعة في نصوص الصفات، وفي مسمى الإيمان.

    وأما الجواب الثاني: وهو لو صح وجود المجاز، فما الحقيقة والمجاز في لفظ الإيمان؟
    هل الحقيقة هي دخول العمل فيه، والمجاز خروجها منه، أو العكس () ؟
    وقد حرر شيخ الإسلام هذا الجواب في ثلاثة وجوه:
    أولا: قال شيخ الإسلام مخاطبا المرجئة: "إن صح - يعني وجود الحقيقة والمجاز - فهذا لا ينفعكم، بل هو عليكم لا لكم.
    لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة.
    وقد تبين أن لف
    الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال، وإنما يدعى خروجها منه عند التقييد.

    وهذا يدل على أن الحقيقة قوله: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) ( .
    وأما حديث جبريل فإن كان أراد بالإيمان ما ذكر مع الإسلام، فهو كذلك، وهذا هو المعنى الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم قطعا، كما أنه لما ذكر الإحسان أراد الإحسان مع الإيمان والإسلام ولم يرد أن الإحسان مجرد عن إيمان وإسلام.
    ولو قدر أنه أريد بلفظ الإيمان مجرد التصديق، فلم يقع ذلك إلا مع قرينة، فيلزم أن يكون مجازا، وهذا معلوم بالضرورة لا يمكننا المنازعة فيه بعد تدبر القرآن والحديث") .
    ثانيا: يقال بأن القول بأن الأعمال تدخل في الإيمان من باب المجاز، كالقول - بأن الأسماء الشرعية، كالصلاة والحج، على معناها اللغوي، وأن ما زاده الشارع إنما هو زيادة في الحكم وشرط فيه لا داخل في الاسم، كمال قال ذلك القاضي الباقلاني، والقاضي أبو يعلى (43) ، على أن الشرع زاد أحكاما شرعية جعلها شروطا في القصد والأعمال والدعاء، ليست داخلة في مسمى الحج والصيام والصلاة.
    وهذا القول مرجوح عند الفقهاء، وجماهير المنسوبين إلى العلم، ولهذا كان الجمهور من أصحاب الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول.
    فإذا قال قائل: إن اسم الإيمان إنما يتناول مجرد ما هو تصديق، وأما كونه تصديقا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وكون ذلك مستلزما لحب الله ورسوله ونحو ذلك هو شرط في الحكم لا داخل في الاسم إن لم يكن أضعف من ذلك القول، فليس دونه في الضعف.
    وكذلك من قال إن الأعمال الظاهرة لوازم للباطن، لا تدخل في الاسم عند الإطلاق يشبه قوله قول هؤلاء (44) .
    ثم "لو سلمنا للخصم كون هذه الألفاظ من الصلاة والحج ونحوها منقولة، أو محمولة على وجه من المجاز بدليل مقطوع به، فعليه إقامة الدليل على وجود ذلك في الإيمان" (45) .
    ثالثا: يقال "لمن قال دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي.
    فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم الظاهر عدم الباطن.
    فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيا.
    وإن قلت ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه، من أنه قد يستقر الإيمان التام الواجب مع إظهار ما هو كفر، وترك جميع الواجبات الظاهرة.
    قيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم له، وموجب له----------[موسوعة الفرق]

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    نقد الحجة الخامسة
    وهذه الحجة من أهم حجج المرجئة، فهي الأصل الذي نشأ منه النزاع، وتفرعت عنه البدع في الإيمان، وحاصل هذا الأصل:
    أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا، لا يتبعض، وقالوا: لو كان الإيمان مركبا من أقوال وأعمال، باطنة وظاهرة، للزم منه أمرين كلاهما ممنوع.
    أحدهما: زوال الإيمان بزوال بعضه.
    فلو صارت الأعمال جزءا من الإيمان، فإذا ذهبت ذهب بعضه، فيلزم إخراج مرتكب الكبيرة من الإيمان، وتكفير أهل الذنوب، أو تخليدهم في النار، كما هو قول الخوارج والمعتزلة.
    والثاني: أن يكون الرجل مؤمنا بما فيه من إيمان، كافرا بما فيه من فكر، فيقوم به كفر وإيمان.
    وهذا مخالف لما انعقد عليه الإجماع عندهم من أنه لا يجتمع في العبد إيمان وكفر.
    هذا ملخص هذه الحجة، وقد أكثر شيخ الإسلام من ذكرها، واعتنى بنقضها، وهذا سياق بعد ما جاء عنه في ذلك:
    يقول رحمه الله بعد عرض مطول لاختلاف الفرق في حقيقة الإيمان:
    "وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم:
    أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه".

    ثم شرح موقف الخوارج والمعتزلة من هذا الأصل، ثم ثنى بشرح موقف المرجئة، فقال:
    "وقالت المرجئة، والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئا واحدا، لا يتبعض.
    إما مجرد تصديق القلب، كقول الجهمية.
    أو تصديق القلب واللسان، كقول المرجئة.
    قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءا منه، فإذا ذهبت ذهب بعضه، فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول الخوارج والمعتزلة، لكن قد يكون له لوازم ودلائل، فيستدل بعدمها على عدمه".
    ثم قال: "وجماع شبهتهم في ذلك: أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، كالعشرة، فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام المركبة، كالسكنجبين إذا زال أحد جزأيه خرج عن كونه سكنجبينا.
    قالوا: فإذا كان الإيمان مركبا من أقوال وأعمال، ظاهرة وباطنة، لزم زواله بزوال بعضها، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.
    قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنا بما فيه من الإيمان، كافرا بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعوا أن هذا خلاف الإجماع"
    وقال شيخ الإسلام : "فكان من أول البدع والتفرق الذي وقع في هذه الأمة بدعة الخوارج المكفرة بالذنب، فإنهم تكلموا في الفاسق الملي:
    فزعمت الخوارج، والمعتزلة: أن الذنوب الكبيرة - ومنهم من قال: والصغيرة - لا تجامع الإيمان أبدا، بل تنافيه وتفسده، كما يفسد الأكل والشرب الصيام.
    قالوا: لأن الإيمان هو فعل المأمور وترك المحظور، فمتى بطل بعضه بطل كله، كسائر المركبات"، ثم قال:
    "وقابلتهم المرجئة، والجهمية، ومن اتبعهم من الأشعرية، والكرامية، فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة، ولا ترك المحظورات البدنية.
    والإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، بل هو شيء واحد، يستوي فيه جميع المؤمنين من الملائكة، والنبيين، والمقربين، والمقتصدين، والظالمين.
    ثم قال فقهاء المرجئة: هو التصديق بالقلب، واللسان.
    وقال أكثر متكلميهم: هو التصديق بالقلب.
    وقال بعضهم: التصديق باللسان.
    قالوا: لأنه لو دخلت فيه الواجبات العملية؛ لخرج منه من لم يأت بها، كما قالت الخوارج.
    ونكته هؤلاء جميعهم: توهمهم أن من ترك بعض الإيمان، فقد تركه كله"
    وقال شيخ الإسلام: "فإن قيل: إذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله، مفتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان، فيلزم تكفير أهل الذنوب، كما تقوله الخوارج، أو تخليدهم في النار، وسلبهم الإيمان بالكلية، كما تقوله المعتزلة، وكلا هذين القولين - شر من قول المرجئة.
    فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد المذكورين عند الأمة بخير، وأما الخوارج والمعتزلة، فأهل السنة والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم"، ثم قال:
    "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع.
    وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء.
    ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق، كما قال أهل الحديث.
    قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء، فيخلد في النار.
    وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم:
    لا تذهب الكبائر، وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر" (49) .
    وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "وقد بسط القول على منشأ الغلط؛ حيث ظنوا أن الإيمان لا يكون إلا شيئا متماثلا عند جميع الناس، إذا ذهب بعضه ذهب سائره ثم ذكر قول الخوارج والمعتزلة، ثم قال:
    "وقالت الجهمية، والمرجئة: بل الأعمال ليست من الإيمان، لكنه شيئان، أو ثلاثة، يتفق فيها جميع الناس: التصديق بالقلب، والقول باللسان، أو المحبة والخضوع مع ذلك.
    وقالت الجهمية، والأشعرية، والكرامية: بل ليس إلا شيئا واحدا يتماثل فيه الناس.
    وهؤلاء الطوائف أصل غلطهم: ظنهم أن الإيمان يتماثل فيه الناس، وأنه إذا ذهب بعضه ذهب كله" (.
    وحول الإجماع المزعوم على أنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق - يقول شيخ الإسلام:
    "ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا - يعني ظنهم أن الشيء إذا زال بعضه زال كله -: اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين" (.
    ويقول: "وطوائف أهل الأهواء، من الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والمرجئة، كراميهم، وغير كراميهم، يقولون: إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق" (52) .
    ويقول أيضا: "والأصل الذي منه نشأ النزاع اعتقاد من اعتقد أن من كان مؤمنا لم يكن معه شيء من الكفر والنفاق، وظن بعضهم أن هذا إجماع، كما ذكر الأشعري أن هذا إجماع، فهذا كان أصل الإرجاء" (
    وبعد، فقد تعمدت إيراد هذه النقول رغم طولها، وتشابه بعضها؛ لكي تنجلي المسألة غاية الجلاء، وبها ينكشف أصل الضلال في مقالة الإرجاء، وأنه قام على ما يلي:
    أولاً: زعمهم أن الإيمان شيء واحد، يتساوى فيه المؤمنون، برهم وفاجرهم.
    ثم اختلفوا في حقيقة هذا الشيء، فمنهم من جعله مجرد تصديق القلب، ومنهم من جعله تصديق القلب وقول اللسان، ومنهم من جعله مجرد قول اللسان.
    ثانياً: توهمهم أنه إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه.
    فنفوا كونه متبعضا، أو متفاضلا، وأخرجوا الأعمال الظاهرة والباطنة منه؛ لئلا يوافقوا الخوارج والمعتزلة في إخراج مرتكب الكبيرة من الإيمان.
    ثالثا: زعمهم أن العبد لا يجتمع فيه بعض الإيمان وبعض الكفر.
    وأمام هذا الفهم الفاسد للإيمان صار كلام السلف معهم يدور في إبطال ذلك، منطلقا من ثلاث مقامات:
    المقام الأول: إبطال كون الإيمان شيئا واحدا، بل هو شعب وأجزاء.
    المقام الثاني: إبطال أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله.
    المقام الثالث: تقرير أن العبد يجتمع فيه إيمان ونفاق، وطاعة ومعصية.-وسنقوم بتفصيل هذا الاجمال فى الفقرة القادمة ان شاء الله-----[موسوعة الفرق]......

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    المقام الأول: إبطال كون الإيمان شيئا واحدا، بل هو شعب وأجزاء.
    فإن أهل السنة مجمعون على ما دلت عليه النصوص من أن الإيمان شعب وأجزاء، وأنه يتكون من أقوال وأعمال، باطنة وظاهرة، وهذا الذي أجمعوا عليه هو الذي تقتضيه الصلة بين أجزاء الإيمان الباطنة والظاهرة.
    فهذان جوابان في تقرير هذا المقام:
    الجواب الأول: في تحرير مذهب أهل السنة والإيمان.
    فمما أجمع عليه السلف أن الإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن، وهذا بحمد الله تقدم بسط الكلام عليه.
    الجواب الثاني: في بيان الصلة بين أجزاء الإيمان الباطنة والظاهرة.
    وفقه العلاقة بين الباطن والظاهر، والقول والعمل، مانع للغلط في مسائل الإيمان، وناقض مهم لمقالة المرجئة على اختلاف فقهم في حقيقة الإيمان.
    فإن "من عرف الملازمات التي بين الأمور الباطنة والظاهرة زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع التي كثير اختلاف الناس فيها" (54) .
    والمرجئة إنما أتوا من جهة ظنهم انتفاء التلازم بين الباطن والظاهر، فوقعوا في الغلط (55) .
    وهذا أصل اعتنى شيخ الإسلام بشرحه، وأطال النفس في تقريره، إذ بين أن "الإيمان قول وعمل، أي: قول القلب، واللسان، وعمل القلب، والجوارح" (56) .
    فالإيمان "قول وعمل: قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر" (57) .
    وقول السلف: الإيمان قول وعمل، يريدون به قول القلب وعمل القلب، وهذا هو الباطن، وقول اللسان وعمل الجوارح، وهذا هو الظاهر (5
    والأصل هو القلب، والبدن تابع، أي أن الأصل هو الباطن، والظاهر تابع (.
    و "لابد في أصل الإيمان من قول وعمل القلب" (60) ، إذ "أصل الإيمان قول القلب وعمله" (61) .
    والقلوب مفطورة على قول القلب، وعمله.
    ولا يتخلف عمل القلب إلا في حالةوجود معارض في القلب يحول بينه وبين ما فطر عليه.
    وما دام أن القلب سليم، والمعارض مفقود، فإن قول القلب وعمله موجود.
    ثم إذا وجد قول القلب وعمله لزم ضرورة حصول الظاهر من قول اللسان وعمل الجوارح، ولا يمكن أبداً أن يوجد في القلب تصديق وحب وخشية، ولا يحصل له أثر في الظاهر، من قول اللسان وعمل الجوارح.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وقد أكثر شيخ الإسلام جداً من تقرير هذه الحقيقة، ويتطلب الأمر نقل كثير مما جاء عنه في ذلك، ومنه قوله رحمه الله رحمة واسعة:
    "والله سبحانه فطر عباده على شيئين: إقرار قلوبهم به علما، وعلى محبته والخضوع له عملا وعبادة واستعانة، فهم مفطورون على العلم به والعمل له، وهو الإسلام الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة)) (."
    ويقول: "وأصل الإيمان قول القلب، وعمله، أي علمه بالخالق، وعبوديته للخالق، والقلب مفطور على هذا، وهذا.
    وإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة؛ بما عرض له من المرض، إما بجهله، وإما بظلمه، فجحد بآيات الله، واستيقنتها نفسه ظلما وعلوا، لم يمنع أن يكون الخلق ولدوا على الفطرة" (63) .
    ويقول: "من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب تقتضي حبه، ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه، ومعرفة المخوف تقتضي خوفه.
    فنفس العلم والتصديق بالله وما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى يوجب محبة القلب له وتعظيمه وخشيته، وذلك يوجب إرادة طاعته وكراهية معصيته.
    والإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المراد، ووجود المقدور عليه منه، فالعبد إذا كان مريدا للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى، فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة" (64) ، ثم قال:
    "وأما الإرادة الجازمة فلابد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطوة، أو تحريك بدن (65) .
    وبهذا يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار)) (66) ، فإن المقتول أراد قتل صاحبه، فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد، وكذلك الذي قال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، فإنه أراد فعمل ما يقدر عليه، وهو الكلام، ولم يقدر على غير ذلك، ولهذا كان من دعا إلى ضلالة كان عليه مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا؛ لأنه أراد ضلالهم، ففعل ما يقدر عليه من دعاتهم، إذ لا يقدر إلا على ذلك.
    وإذا تبين هذا في الإرادة والعمل، فالتصديق الذي في القلب وعلمه يقتضي عمل القلب، كما يقتضى الحس: الحركة الإرادية.
    لأن النفس فيها قوتان:
    قوة الشعور بالملائم والمنافي، والإحساس بذلك، والعمل، والتصديق به.
    وقوة الحب للملائم، والبغض المنافي، والحركة عن الحس بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة.
    وإدراك الملائم يوجب اللذة والفرح والسرور، وإدراك المنافي يوجب الألم والغم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)) (67) .
    فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقا به، ودينا له، لكن يعرض لها ما يفسدها.
    ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه؛ لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها، إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن أتباعه".
    ثم قال: "فالإيمان الذي في القلب لا يكون إيمانا بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب ومجبه؛ من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما أنه لا يكون إيمانا بمجرد ظن وهوى، بل لابد - في أصل الإيمان من قول القلب، وعمل القلب".

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    ثم قال: "وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب، إلا إذا كان القلب سليما من المعارض، كالحسد، والكبر؛ لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو الذي يلائمها، ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله، وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام الذي اتخذه الله خليلا، وقد قال تعالى: يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
    فليس مجرد العلم موجبا لحب المعلوم إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم، وهذه القوة موجودة في النفس.
    وكل من القوتين تقوى بالأخرى، فالعلم يقوى العمل، والعمل يقوى العلم.
    فمن عرف الله، وقلبه سليم: أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له، وكلما زاداد حبه له ازداد ذكره له، ومعرفته بأسمائه وصفاته.
    فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر المحبوب
    ، كما أن البغض يوجب الإعراض عن ذكر المبغض.
    فمن عادي الله ورسوله، وحاد الله ورسوله كان ذلك مقتضيا لإعراضه عن ذكر الله ورسوله بالخير، وعن ذكر ما يوجب المحبة، فيضعف علمه به حتى قد ينساه، كما قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ [الحشر: 19]، وقال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28].
    وقد يحصل مع ذلك تصديق وعلم مع بغض ومعاداة، لكن تصديق ضعيف، وعلم ضعيف، ولكن لولا البغض والمعاداة لأوجب ذلك من محبة الله ورسوله ما يصير به مؤمنا، فمن شرط الإيمان وجود العلم التام".
    ثم قال: "فالإيمان لابد فيه من هذين الأصلين:
    التصديق بالحق، والمحبة له، فهذا أصل القول، وهذا أصل العمل.
    ثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر، والعمل الظاهرة ضرورة، كما تقدم.
    فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبا لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان، وكل ما يسمى إيمانا، فقط غلط.
    بل لابد من العلم والحب، والعمل شرط في محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط في العلم، لكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته إن لم يكن بين العالم والمعلوم معنى في الحب أحب لأجله، ومعنى في المحبوب كان محبوبا لأجله.
    ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويعلمها وهو يبغضها، كما يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم.
    فنفس التصديق بوجود الشيء لا يقتضي محبته، لكن الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد، وأن يحب لأجله رسوله، والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته، كما فيها معنى يقتضي العلم والتصديق به.
    فمن صدق به وبرسوله ولم يكن محبا له ولرسوله، لم يكن مؤمنا حتى يكون فيه مع ذلك الحب له ولرسوله.
    وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له - لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب، ولازمه، ودليله، ومعلوله.
    كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضا تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر.
    لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه.
    كما في الشجرة التي يضرب المثل لكلمة الإيمان بها، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم: 24-25]، وهي كلمة التوحيد.
    فالشجرة كلما قوي أصلها وعروقها وروي، قويت فروعها، وفروعها أيضا إذا اغتذت بالمطر والريح أثر ذلك في أصلها.
    وكذا الإيمان في القلب، والإسلام علانية، ولما كانت الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة كان يستدل بها عليها".

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وقال ابن مسعود أيضا: (إن للملك لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك: إيعاد بالخير، وتصديق بالحق، ولمة الشيطان: إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق).
    وهذا الكلام الذي قاله ابن مسعود هو محفوظ عنه، وربما رفعه بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كلام جامع لأصول ما يكون من العبد من علم وعمل، من شعور وإرادة.
    وذلك أن العبد له قوة الشعور والإحساس والإدراك، وقوة الإرادة والحركة، وإحداها أصل الثانية مستلزمة لها، والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها، فهو بالأولى يصدق بالحق ويكذب بالباطل، وبالثانية يحب النافع الملائم له، ويبغض الضار المنافي له.
    والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به، ومعرفة الباطل والتكذيب به، ومعرفة النافع الملائم والمحبة له، ومعرفة الضار المنافي والبغض له بالفطرة.
    فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة، وما كان حقا نافعا عرفته الفطرة، فأحبته واطمأنت إليه، وذلك هو المعروف، وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة، فأبغضته الفطرة، فأنكرته،

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    والإنسان كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال:((أصدق الأسماء حارث، وهمام)) (68) ، فهو دائما يهم ويعمل، لكنه لا يعمل إلا ما يرجو نفعه أو دفع مضرته.
    ولكن قد يكون ذلك الرجاء مبنيا على اعتقاد باطل، إما في نفس المقصود، فلا يكون نافعا ولا ضارا، وإما في الوسيلة، فلا يكون طريقا إليه، وهذا جهل.
    وقد يعلم أن هذا الشيء يضره ويفعله، ويعمل أنه ينفعه ويتركه؛ لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى، أو دفع ألم آخر، جاهلا ظالما، حيث قدم هذا على ذاك"،--------- ثم قال شيخ الإسلام:
    "فكل بني آدم له اعتقاد، فيه تصديق بشيء وتكذيب بشيء، وله قصد وإرادة لما يرجوه مما هو عنده محبوب ممكن الوصول إليه، أو لوجود المحبوب عنده، أو لدفع المكروه عنه.
    والله خلق العبد يقصد الخير - فيرجوه بعمله، فإذا كذب بالحق فلم يصدق به، ولم يرج الخير فيقصده ويعمل به كان خاسرا بترك تصديق الحق وطلب الخير"، ثم قال:
    "فمبدأ العلم الحق والإرادة من لمة الملك، ومبدأ الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة من لمة الشيطان"[موسوعة الفرق]

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    ويقول شيخ الإسلام: "والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره.
    ومتى حصل هذا الإيمان وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج.
    لأن إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله، والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنا، ولا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد.
    وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانا جازما امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام.
    وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة، فإن هذا ممتنع، إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة.
    فإنه من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبا جازما وهو قادر على مواصلته، ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك" (70) .
    ويقول: "فالتصديق الجازم في القلب يتبعه موجبه بحسب الإمكان، كالإرادة الجازمة في القلب، فكما أن الإرادة الجازمة في القلب إذا اقترنت بها القدرة حصل بها المراد أو المقدور من المراد لا محالة، ومتى كانت القدرة حاصلة ولم يقع الفعل كان الحاصل هما لا إرادة جازمة، وهذا هو الذي عفي عنه.
    فكذلك التصديق الجازم إذا حصل في القلب، تبعه عمل من القلب لا محالة، لا يتصور أن ينفك عنه، بل يتبعه الممكن من عمل الجوارح.
    فمتى لم يتبعه شيء من عمل القلب، علم أنه ليس بتصديق جازم، فلا يكون إيمانا.
    لكن التصديق الجازم قد لا يتبعه عمل القلب بتمامه؛ لعارض من الأهواء، كالكبر، والحسد، ونحو ذلك من أهواء النفس، لكن الأصل - أن التصديق يتبعه الحب، وإذا تخلف الحب كان لضعف التصديق الموجب له" (71) .
    ويقول رحمه الله تعالى: "الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولابد فيه من شيئين: تصديق بالقلب، وإقراره، ومعرفته، ويقال لهذا قول القلب.
    قال الجنيد بن محمد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب (72) .
    فلابد فيه من قول القلب وعمله، ثم قول البدن وعمله.
    ولابد فيه من عمل القلب، مثل: حب الله ورسوله، وخشية الله، وحب ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان.
    ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب.
    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب)) (73) .
    وقال أبو هريرة: القلب ملك، والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده.
    وقول أبي هريرة تقريب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أحسن بيان، فإن الملك وإن كان صالحا، فإن الجنود لهم اختيار قد يعصون به ملكهم، وبالعكس، فيكون فيهم صلاح مع فساده أو فساد مع صلاحه، بخلاف القلب، فإن الجسد تابع له، لا يخرج عنه إرادته قط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد)) (74) .
    فإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أهل الحديث: قول وعمل: قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر.
    والظاهر تابع للباطن، لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد" (75) .
    وفي موضع آخر لما ذكر حديث أبي هريرة المتقدم علق عليه بقوله:
    "فبين - يعني الرسول صلى الله عليه وسلم - أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد، فإذا كان الجسد غير صالح دل على أن القلب غير صالح، والقلب المؤمن صالح، فدل على أن من يتكلم بالإيمان، ولا يعمل به، لا يكون قلبه مؤمنا.
    حتى إن المكره إذا كان في إظهار الإيمان فلابد أن يتكلم مع نفسه، وفي السر مع من يأمن إليه، ولابد أن يظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه، كما قال عثمان.
    وأما إذا لم يظهر أثر ذلك لا بقوله، ولا بفله قط، فإنه يدل على أنه ليس في القلب إيمان.
    وذلك أن الجسد تابع للقلب، فلا يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجبه ومقتضاه على البدن، ولو بوجه من الوجوه.
    وإن لم يظهر كل موجبه لمعارض، فالمتقضي لظهور موجبه قائم، والمعارض لا يكون لازما للإنسان لزوم القلب له، وإنما يكون في بعض الأحوال متعذرا إذا كتم ما في قلبه، كمؤمن آل فرعون، مع أنه قد دعا إلى الإيمان دعاء ظهر به من إيمان قلبه ما لا يظهر من إيمان من أعلن إيمانه بين موافقيه، وهذا في معرفة القلب وتصديقه.
    ومنها قصد القلب وعزمه، إذا قصد الفعل وعزم عليه مع قدرته على ما قصده: هل يمكن أن لا يوجد شيء مما قصده وعزم عليه؟
    فيه قولان: أصحهما: أنه إذا حصل القصد الجازم مع القدرة وجب وجود المقدور، وحيث لم يفعل العبد مقدوره دل على أنه ليس هناك قصد جازم، وقد يحصل قصد جازم مع العجز عن المقدور، لكن يحصل معه مقدمات المقدور.
    وقيل: بل قد يمكن حصول العزم التام بدون أمر ظاهر، وهذا نظير قول من قال ذلك في المعرفة والتصديق، وهما من أقوال أتباع جهم الذين نصروا قوله في الإيمان، كالقاضي أبي بكر وأمثاله، فإنهم نصروا قوله، وخالفوا السلف، والأئمة، وعامة طوائف المسلمين" (76) .
    ويقول شيخ الإسلام: "أصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد.
    وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه، أو ضعفه.
    ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب، ودليل عليه، وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له، لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح" (77) .
    ويقول: "والإيمان الذي كتب في القلب ليس هو مجرد العلم والتصديق، قبل هو تصديق القلب وعمل القلب"، ثم قال:
    "فالسلف يقولون ترك الواجبات الظاهرة دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب، لكن قد يكون بزوال عمل القلب الذي هو حب الله ورسوله، وخشية الله، ونحو ذلك، لا يستلزم أن لا يكون في القلب من التصديق شيء.
    وعند هؤلاء - يعني الجهمية وموافقتهم - كل من نفى الشرع إيمانه دل على أنه ليس في قلبه شيء من التصديق أصلا، وهذا سفسطه عند جماهير العقلاء ----[موسوعة الفرق]

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    والحاصل من هذا التقرير المطول:
    أن قول القلب إما أن يكون ضعيفا بحيث لا يستلزم عمل القلب، وحينئذ لا يكون هذا التصديق إيمانا، وإما أن يكون جازما، وحينئذ يستلزم عمل القلب لا محالة.
    والإنسان مفطور على قول القلب المقتضي لعمله، مادامت الفطرة صحيحة، والقلب سليمان من المعارض المانع من عمله واستسلامه وانقياده، من الشبهات أو الشهوات، كالكبر، أو الحسد، أو الغفلة، أو طلب علو ورياسة أو كراه الإلف والعادة، ونحو ذلك من الأمراض التي مانعة من استسلام القلب، وانقياده، ومحبته.
    فإذا وجد قول القلب وعمله لزم ضرورة أن يكون له أثر في الظاهر من القول والعمل.
    وقد قرر شيخ الإسلام أن "المؤثر التام يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاما، والفعل إذا صادف محلا قابلا تم، وإلا لم يتم" (79) .
    وهذا معناه - أن التام هو الذي يكون له أثر، وبتطبيق هذا على الإيمان يكون الإيمان التام هو الذي له أثر، فإذا لم يحصل له أثر فليس بتام.
    والذي تحرر مما تقدم - أن الإيمان الذي يستلزم أثرا هو ما اجتمع فيه قول القلب وعمله، وسلم من المعارض، فإنه حينئذ يستلزم أثرا في الظاهر من القول والعمل.
    وعلى هذا فإن الإيمان الباطن يكون تاما إذا كان فيه أصل الإيمان - وهو قول القلب وعمله -، السالم من موانع الانقياد.
    وشيخ الإسلام يصف هذا الإيمان - الذي يقتضي أثرا في الظاهر بالإيمان الجازم، وبالإيمان القلبي التام، وبالإيمان التام في القلب، وبالإيمان المقبول، وبإيمان القلب التام، وبالإيمان الواجب في القلب، وبإيمان القلب الواجب، وبالإيمان الباطن، وبالإيمان الواجب، وبالإيمان الصحيح، وبالإيمان الثابت في القلب، وبالإيمان الحقيقي.
    فكل هذه الأوصاف أطلقها شيخ الإسلام على الإيمان المقتضي قولا وعملا في الظاهر، وهذا لا يكون إلا من الإيمان الذي حصل فيه قول القلب وعمله، وسلم من الشبهات والشهوات، وبحسب سلامته في الباطن يكون استسلامه في الظاهر.
    يقول رحمه الله: "وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانا جازما امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام".
    ثم قال: "إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة" (80) .
    ثم ذكر أن من الغلط ظن الظان أن الإيمان المقبول يمكن تخلف القول الظاهر، والعمل الظاهر عنه (81) .
    ويقول: "فمن أراد الطاعة، وعلم أنها تنفعه أطاع قطعا، إذا لم يكن عاجزا، فإن نفس الإرادة الجازمة للطاعة مع القدرة توجب الطاعة، فإنها مع وجود القدرة والداعي التام توجب وجود المقدور.
    فإذا كانت الطاعة بالتكلم بالشهادتين، فمن أراد ذلك إرادة جازمة فعله قطعا؛ لوجود القدرة والداعي التام، ومن لم يفعله علم أنه لم يرده" (82) .
    ويقول: "جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع" (83) .
    وذكر أن من أكبر غلط المرجئة "ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال؛ ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه، بمنزلة السبب مع المسبب، ولا يجعلونها لازمة له.
    والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر" (84) .
    وذكر أيضاً أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأفعال الظاهرة، كما أن القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد، وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه (85) .
    ويقول: "أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولا للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب" (86) .
    ويقول: "فالسلف يقولون ترك الواجبات الظاهرة دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب" (87) .
    وذكر رحمه الله أن مذهب السلف وأهل السنة أنه متى وجد الإيمان الباطن وجدت الطاعات (88) .
    ويقول: "يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبا ظاهرا، ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة أو يصدق الحديث أو يعدل في قسمة وحكمه من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم.
    ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات - سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له، أو جزءا منه، فهذا نزاع لفظي - كان مخطئا خطأ بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات ما هو معروف، والصلاة أعظمها وأعمها وأولها وأجلها" (89) .
    ويقول: "ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمان ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح" (90) .
    و "من كان معه إيمان حقيقي، فلابد أن يكون معه من هذه الأعمال بقدر إيمانه، وإن كان له ذنوب"-----[موسوعة الفرق] (9

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وبعد هذا التحقيق في علاقة الباطن بالظاهر يتبين:
    أن "الظاهر تابع للباطن، لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد" (92) .
    وأن أعمال القلب لابد أن تؤثر في عمل الجسد (93) ، ولا تتم إلا بها (94) .
    "وأن ما يقوم بالقلب من تصديق وحب الله ورسوله وتعظيم لابد أن يظهر على الجوارح، وكذلك بالعكس، وهذا يستدل بانتفاء اللازم الظاهر على انتفاء الملزوم الباطن" (95) .
    وأن "ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق لابد أن يظهر موجبه في القول والعمل، كما قال بعض السلف: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على وجهه، وفلتات لسانه (96) " (97) .
    وأن "العمل الظاهر هو موجب إيمان القلب ومقتضاه، فإذا حصل إيمان القلب حصل إيمان الجوارح ضرورة" (98) .
    و "أن الإيمان يستلزم العمل الظاهر بحسبه، كقوله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: 47-51]، فنفي الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا، فبين أن هذا من لوازم الإيمان" (99) .
    وأن "الإيمان ليس مجرد التصديق، بل لابد من أعمال قلبية تستلزم أعمالا ظاهرة" (100) .
    وأن "من قال إنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه، ولم يتكلم قط بالإسلام، ولا فعل شيئا من واجباته بلا خوف، فهذا لا يكون مؤمنا في الباطن، وإنما هو كافر" (101) .
    وأن "المؤمن إنما فارق الكفر - بالإيمان بالله وبرسله، وبتصديقهم فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا، وأتباع ما يرضاه الله ويحبه، دون ما يقضيه ويقدره من الكفر والفسوق والعصيان" (102) .
    فالعبد إذا خلا عن العمل بالكلية -لم يكن مؤمنا، فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل، لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا، فما دان لله دينا، ومن لا دين له فهو كافر (103) [مهم جدا].
    والمسلم "إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره، والانقياد لأمره.
    وإذا قال: وأشهد أن محمدا رسول الله، تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله.
    فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار، فلما كان التصديق لابد منه في كلا الشهادتين، وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول، ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان، وغفل عن أن الأصل الآخر لابد منه، وهو الانقياد.
    وإلا فقد يصدق الرسول ظاهرا وباطنا، ثم يمتنع عن الإقرار للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه وتعالى، كإبليس" (104) .
    ومن ترك الانقياد كان مستكبرا، وصار من الكافرين، وإن كان مصدقا، فالكفر أعم من التكذيب، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب (105) .
    والحاصل أن "السعادة مشروطة بشرطين: بالإيمان والعمل الصالح، بعلم نافع وعمل صالح، بكلم طيب وعمل صالح، وكلاهما مشروط بأن يكون على موافقة الرسل" (106) .
    وأنه لابد من التزكي بفعل المأمور وترك المحظور، فهذان لابد منهما، ومقصود الرسالة هو فعل الواجبات والمستحبات جميعا (107) .
    وإذ تبين ما تقدم، وأن الظاهر لابد من وجوده لصحة الباطن، وأن النجاة لا تحصل إلا بذلك، --- فمما يختم به هذا المقام ما نبه عليه شيخ الإسلام --من أن الظاهر يكون لازما للباطن من وجه، وملزوما له من وجه، وهو دليل عليه من جهة كونه ملزوما لا من جهة كونه لازما (108) .
    والمراد أن الظاهر - إنما يكون لازما وملزوما ودليلا على الباطن في حال صحة الباطن، وهو لا يكون كذلك إلا إذا وجد فيه قول القلب وعمله، وسلم من الموانع، كما تقدم.
    وأما مجرد وجود الظاهر فلا يعني صلاح الباطن، فإن اللازم لا يدل إلا إذا كان ملزوما، ومن المعلوم أن الظاهر يفعله المؤمن والمنافق، فلا يدل على صلاح الباطن (109) ،و لذا فإن الإيمان الظاهر الذي يجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان الباطن المنجي يوم القيامة (110) [مهم جدا] ؛ "لأن الظاهر إنما يكون دليلا صحيحا معتمدا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه، فإذا قام دليل على الباطن لم يلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن بخلافه ---[موسوعة الفرق]

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    المقام الثاني في نقض الأصل الإرجائي--: إبطال دعواهم أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله.
    فهم "قالوا: إن الحقيقة المركبة من أمور، متى ذهب بعض أجزائها انتفت تلك الحقيقة، كالعشرة المركبة من آحاد، فلو قلنا: إنه يتبعض؛ لزم زوال بعض الحقيقة مع بقاء بعضها" (112) ، وفي هذا إخراج مرتكب الكبيرة من الإيمان كما تقوله الخوارج والمعتزلة، فوجب إخراج الأعمال من الإيمان؛ لئلا يكفر المؤمن (113) .
    وفي الجواب عن هذه الحجة -=بين شيخ الإسلام رحمه الله أن (نصوص الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه، كقوله: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) (114) " (115) .
    وأما قولهم - إن في هذا إخراج مرتكب الكبيرة من الإيمان، فالذي "ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار، فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
    واتفقوا أيضا على أن نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، ففي الصحيحين عنه أنه قال: ((لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) (116) " (117) .
    ومعنى هذا أنه لو خرج من الإيمان، فلا يلزم أن يكون كافرا مخلدا في النار كما توهمته الوعيدية، بل يخرج منه إلى درجة أقل هي الإسلام، ومعه أصل الإيمان.[مهم جدا]
    وأما قولهم: إن الحقيقة المركبة من أمور، متى ذهب بعض أجزائها انتفت تلك الحقيقة، فيقول شيخ الإسلام مجيبا عن ذلك:
    "والجواب عما ذكروه سهل، فإنه يسلم لهم أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت، لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء" (118) .
    ويقول: "فيقال لهم: إذا زال بعض أجزاء المركب تزول الهيئة الاجتماعية الحاصلة بالتركيب، لكن لا يلزم أن يزول سائر الأجزاء.
    والإيمان المؤلف من الأقوال الواجبة والأعمال الواجبة، الباطنة والظاهرة، هو المجموع الواجب الكامل، وهذه الهيئة الاجتماعية تزول بزوال بعض الأجزاء، وهذه هي المنفية في الكتاب والسنة في مثل قوله: ((لا يزني الزاني)) (1). الخ، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات: 15].
    ولكن لا يلزم أن تزول سائر الأجزاء، ولا أن سائر الأجزاء الباقية لا تكون من الإيمان بعد زوال بعضه.
    كما أن واجبات الحج من الحج الواجب الكامل، وإذا زالت زال هذا الكمال، ولم يزل الحج.
    وكذلك الإنسان الكامل يدخل في مسماه أعضاؤه كلها، ثم لو قطعت يداه ورجلاه لم يخرج عن اسم الإنسان، وإن كان قد زال منه بعض ما يدخل في الاسم الكامل.
    وكذلك لفظ الشجرة، والباب، والبيت، والحائط، وغير ذلك يتناول المسمى في حال كمال أجزائه بعد ذهاب بعض أجزائه" .[موسوعة الفرق]

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وقد بسط رحمه الله الجواب عن هذه الشبهة في مواضع أخرى، أهمها في كتابه الإيمان الأوسط، وهذا تلخيص ما قاله هناك:
    يقول رحمه الله: "فإن الحقيقة الجامعة لأمور - سواء كانت في الأعيان أو الأعراض - إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سميت مركبة، أومؤلفة، أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها.
    وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق لذلك، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل قد تبقى التسعة، فإذا زال أحد جزئي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر.
    لكن أكثر ما يقولون: زالت الصورة المجتمعة، وزالت الهيئة الاجتماعية له، وزال الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة والسكنجبين.
    فيقال لهم: أما كون ذلك المجتمع ما بقي على تركيبه، فهذا لا ينازع فيه عاقل.
    ولا يدعي عاقل أن الإيمان، أو الصلاة، أو الحج، أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور -إذا زال بعضها بقي ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال بعضه،...، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء.
    وأما زوال الاسم، فيقال لهم:
    هذا أولا بحث لفظي، إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (120) ، كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبة زوال سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء.
    فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب، ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله، وأن الهيئة ما بقيت كما كانت.
    يبقى النزاع: هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء؟
    فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين: منها ما يكون التركيب شرطا في إطلاق الاسم، ومنها ما لا يكون كذلك.
    فالأول: كاسم العشرة، وكذلك السكنجبين.
    ومنها ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء.
    فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة، وهي بعد النقص حنطة، وكذلك التراب، والماء، ونحو ذلك.
    وكذلك لفظ العبادة، والطاعة، والخير، والحسنة، والإحسان، ونحو ذلك مما يدخل فيه أمور كثيرة يطلق الاسم عليها قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض، وكذلك لفظ القرآن، فيقال على جميعه، وعلى بعضه".
    ثم استمر رحمه في سرد أمثلة عديدة تنطبق عليها هذه القاعدة، ثم قال:
    "وإذا كانت المركبات على نوعين، بل غالبها من هذا النوع؛ لم يصح قولهم: إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقي.
    ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (121) ، ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان.
    وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان)) (122) ، ، فأخبر أنه يتبعض، ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن، والصلاة، والحج، ونحو ذلك"--[موسوعة الفرق]

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وأخيرا يقرر شيخ الإسلام أن "أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعا وطبعا" (
    فبعض هذه الأجزاء قد يكون شرطا في البعض الآخر، وبعضها قد لا يكون شرطا فيه، وبعضها ينقص المركب بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل، وبعضها ينقص عن كماله المستحب.[مهم جدا]
    فمثال ما كان شرطا: من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، كان كافرا بالكل.
    ومثال ما كان من الكمال الواجب: عدم رمي الجمار في الحج، وعدم المبيت بمنى، ونحو ذلك، فهذه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا تبطله.
    ومثال ما كان من الكمال المستحب: عدم رفع الصوت بالإهلال، والرمل، والاضطباع في الشوط الأول، فهذه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله المستحب.
    وهكذا في أمثلة عديدة حاصلها أن أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعا وطبعا، فلا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال البقية مادام أنها مختلفة فيما بينها ---[وهذه المسألة لو تدبرها من يتسترون بجلباب العذر بالجهل لزالت عنهم كثير من الاوهام بأن المتلبس بالشرك الاكبر من أهل الايمان كتبه محمد عبد اللطيف]---[موسوعة الفرق]

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    المقام الثالث: إبطال دعواهم أنه لا يجتمع في الإنسان إيمان وكفر، ولا يكون فيه بعض الإيمان وبعض كفر.
    فإن قولهم هذا قول "غلطوا فيه، وخالفوا فيه الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والتابعين لهم بإحسان مع مخالفة صريح المعقول .
    وحال من يظن الإجماع على ذلك كما قال شيخ الإسلام رحمه الله "من الناس من لا يعرف مذاهب أهل العلم، وقد نشأ على قول لا يعرف غيره، فيظنه إجماعا" (127) ، ويكون" معتقدا أنه متمسك بالنص، والإجماع" (128) .
    وقد لفت شيخ الإسلام على سبب جرأة أهل الكلام على حكاية إجماع لا يمكنهم إثباته، فقال: "ثم هؤلاء يحكون إجماعات يجعلونها من أصول علمهم، ولا يمكنهم نقلها عن واحد من أئمة الإسلام، وإنما ذلك بحسب ما يقوم في أنفسهم من الظن، فيحكون ذلك عن الأئمة" (129) .
    وفي معرض رده على أحد المتكلمين، قال شيخ الإسلام: "وهذا القول الذي يحكيه هذا وأمثاله من إجماع المسلمين، أو إجماع المليين في مواضع كثيرة، يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم.
    وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب، فإن أحدهم قد يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل، وهم يعلمون أن المسلمين متفقون على صحة الإسلام، فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام.
    كما يحكون الإجماع على المقدمات التي يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها، وأن صحتها من لوازم الإسلام.
    أو يكونون لم يعرفوا من المسمين إلا قولين أو ثلاثة، فيحكون الإجماع على نفي ما سواها.
    وكثير مما يحكونه من هذه الإجماعات لا يكون معهم فيها نقل، لا عن أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، بل ولا عن العلماء المشهورين الذين لهم في الأمة لسان صدق، ولا فيها آية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم مع هذا يعتقدون أنها من أصول الدين، التي لا يكون الرجل مؤمنا أو لا يتم دين الإسلام إلا بها، ونحو ذلك"
    وهذا ما وقع للمرجئة في هذه المسألة، حيث اعتقدوا أنه لا يجتمع في العبد بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، وظنوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين؛ فلأجل اعتقادهم هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماع السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة (131) .

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وفي نقض دعوى المرجئة عدم اجتماع الإيمان والكفر في الشخص -- يقول شيخ الإسلام:
    "وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج، والجهمية، والمعتزلة، والمرجئة: أن الإيمان يتفاضل، ويتبعض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))".
    ويقول: "وأما أئمة السنة والجماعة فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم، فيكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه" (134) .
    وقال: "يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر.
    كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (135) ، وفي الصحيح أنه قال: ((من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق)) (136) ، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم)) (137) ، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (138) ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)) (139) ، وفي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آباكم)) (140) ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, (148) ، ونظائر هذا موجودة في الأحاديث.
    وقال ابن عباس وغير واحد من السلف في قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44]، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: 45]، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: 47]: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم، وقد ذكر ذلك أحمد، والبخاري، وغيرهما (149) " (150)
    .
    وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "ولهذا كان الصحابة، والسلف يقولون: إنه يكون في العبد إيمان ونفاق" (151) ، ثم ذكر بعض الآثار عنهم في ذلك، ومنها:
    قول حذيفة رضي الله عنه: القلوب أربعة: قلب أغلف (152) ، فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح، وذلك قلب المنافق، وقلب أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل النفاق مثل قرحة يمدها قيح ودم، فأيهما غلب عليه غلب.
    وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلما ازداد العبد إيمانا ازداد القلب بياضا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادا حتى إذا استكمل النفاق اسود القلب، وأيم الله لو شققتم عن قلب [الكافر] لوجدتموه أسود.
    وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل.
    ثم قال شيخ الإسلام بعد أن ساق هذه الآثار: "وهذا كثير في كلام السلف يبينون أن القلب قد يكون فيه إيمان ونفاق" (153) ، أي النفاق الذي لا ينقل عن الملة، وكذا الكفر الذي لا ينقل عن الملة-----[مهم جدا]- وهذه المسألة فيها رد على شبهات جماعة شكرى مصطفى-[موسوعة الفرق]
    الطيبوني و أم علي طويلبة علم الأعضاء الذين شكروا.

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •