نقد حجج المرجئة فى باب الايمان - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 35 من 35
10اعجابات

الموضوع: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    11,487

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    أحسنت وأجدت في اختيارك للموضوع، وفي نشره على أجزاء متتالية ليسهل المتابعة والاستفادة، بارك الله فيك.
    محمدعبداللطيف و أم علي طويلبة علم الأعضاء الذين شكروا.
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    نقد الحجة السادسة
    أن الإيمان في اللغة هو التصديق
    لما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله قول المرجئة في الإيمان أعقبه بقوله: "ونحن نذكر عمدتهم؛ لكونه مشهورا عند كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة:
    قال القاضي أبو بكر في التمهيد: فإن قالوا: فخبرونا: ما الإيمان عندكم؟
    قيل: الإيمان هو التصديق بالله، وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب.
    فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟
    قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن، وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق، لا يعرفون في اللغة إيمانا غير هذا.
    ويدل على ذلك قوله تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: 17]، أي:
    بمصدق لنا.
    ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، أي لا يصدق بذلك.
    فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة؛ لأن الله ما غير اللسان العربي، ولا قلبه، ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله، ولغلب إظهاره على كتمانه، وفي علمنا أنه لم يفعل ذلك، بل إقرار أسماء الأشياء، والتخاطب بأسره على ما كان؛ دليل على أن الإيمان في اللغة هو الإيمان اللغوي.
    ومما يبين ذلك قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4]، وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: 3]، فأخبر أنه أنزل القرآن بلغة العرب، وسمى الأسماء بمسمياتهم، ولا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة، لا سيما مع القول بالعموم، وحصول التوقيف على أن القرآن نزل بلغتهم، فدل على ما قلناه من أن الإيمان ما وصفناه، دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات.
    هذا لفظه (155) ، وهذا عمدة من نصر قول الجهمية في مسألة الإيمان" ( .
    وذكر شيخ الإسلام أيضا أنهم قالوا: "الإيمان في اللغة هو التصديق، والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها، فيكون مراده بالإيمان التصديق.
    ثم قالوا: والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان، أو بالقلب، فالأعمال ليست من الإيمان.
    ثم عمدتهم في أن الإيمان هو التصديق قوله: َمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: 17]، أي: بمصدق لنا" (157) .
    فهذه الحجة تقوم على مقدمتين
    أحدهما: أن الإيمان في اللغة هو التصديق، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما يخاطب الناس بلغة العرب لم يغيرها، فيكون مراده بالإيمان التصديق فحسب.
    والثانية: أن التصديق إنما يكون بالقلب واللسان، أو بالقلب، فالأعمال بكل حال ليست من الإيمان.
    ولنقض هذه الحجة انطلق شيخ الإسلام من مقامين:
    المقام الأول: كلام عام مطلق (159) .
    المقام الثاني: يقابل الأول، فهو كلام مفصل.
    أما المقام الأول: العام المطلق:
    فهو في نقد المنهجية التي سلكها المرجئة في هذه المسألة، وفي ذلك يقوم شيخ الإسلام:
    "فيقال لهم: اسم الإيمان قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ، وهو أصل الدين، وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويفرق بين السعداء والأشقياء، ومن يوالي ويعادي، والدين كله تابع لهذا، وكل مسلم يحتاج إلى ذلك.
    أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله، ووكله إلى هاتين المقدمتين؟!
    ومعلوم أن الشاهد الذي استشهدوا به على أن الإيمان هو التصديق أنه من القرآن، ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من تواتر لفظ الكلمة، فإن الإيمان يحتاج على معرفته جميع الأمة فينقلونه، بخلاف كلمة من سورة، فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون هذه السورة، فلا يجوز أن يجعل بيان أصل الدين مبنيا على مثل هذه المقدمات، ولهذا كثر النزاع والاضطراب بين الذين عدلوا عن صراط الله المستقيم، وسلكوا السبل، وصاروا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ومن الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات.
    فهذا كلام عام مطلق"

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وقد بين شيخ الإسلام - أن منهج المرجئة في تقرير هذه الحجة - مخالف لما يجب سلوكه في فهم المصطلحات الشرعية، حيث يقول: "ومما ينبغي أن يعرف أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها، وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة، ولا غيرهم، ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع:
    نوع يعرف حده بالشرع: كالصلاة، والزكاة.
    ونوع يعرف حده باللغة: كالشمس، والقمر.
    ونوع يعرف حده بالعرف: كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: 19]، ونحو ذلك.
    وروي عن ابن عباس أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه:
    تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب
    فاسم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ونحو ذلك قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر، وغيرها، ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه.
    وأما الكلام في اشتقاقها، ووجه دلالتها، فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام، هو زيادة في العلم، وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا.
    واسم الإيمان، والإسلام، والنفاق، والكفر - هي أعظم من هذا كله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق، وشواهد استعمال العرب، ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شاف كاف، بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة" (162) .
    ويقول: "ولهذا ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث أن يذكر نظائر ذلك اللفظ، ماذا عنى بها الله ورسوله، فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث، وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده، وهي العادة المعروفة من كلامه.
    ثم إذا كان لذلك نظائر في كلام غيره، وكانت النظائر كثيرة، عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة، لا يختص بها هو صلى الله عليه وسلم، بل هي لغة قومه.
    ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب، لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه، كما يفعله كثير من الناس، وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه"

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وأما المقام الثاني في نقض هذه الحجة، فهو الجواب المفصل:
    وفيه نقض المقدمتين التي بني المرجئة عليهما احتجاجهم باللغة، وذلك بجوابين:
    الجواب الأول: مبني على منع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق.
    الجواب الثاني: مبني على فرض التسليم بالترادف

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وهذا شرح لهذين الجوابين:
    الجواب الأول: في منع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق.
    وذلك في وجوه ثلاثة:
    الوجه الأول: المطالبة بإثبات الترادف.
    يقول شيخ الإسلام في أثناء رده على الباقلاني: "فمن الذي قال: إن لفظ الإيمان مرادف للفظ التصديق؟
    وهب أن المعنى يصح إذا استعمل في هذا الموضع، فلم قلت إنه يوجب الترادف؟ ولو قلت: ما أنت بمسلم لنا، ما أنت بمؤمن لنا صح المعنى، لكن لم قلت إن هذا هو المراد بلفظ مؤمن؟ وإذا قال الله: أَقِيمُواْ الصَّلاةَ [الأنعام: 72]، ولو قال القائل: أتموا الصلاة، ولازموا الصلاة، التزموا الصلاة، افعلوا الصلاة، كان المعنى صحيحا، لكن لا يدل هذا على معنى أَقِيمُواْ، فكون اللفظ يرادف اللفظ يراد دلالته على ذلك" (164) .
    الوجه الثاني: الرد على ما استدل به المرجئة على دعوى الترادف.
    أولاً: استدلالهم بقوله تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: 17]، لا يتم لهم؛ لأنه "ليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر" ( .
    وأما الآية فمعنى قولهم: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا، أي: لا تقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين (166) .
    ثانيا: احتجاج الباقلاني بأن الناس يقولون: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، والمعنى: أي لا يصدق بذلك.
    يقول شيخ الإسلام مجيبا عن ذلك: "أنه لم يذكر شاهدا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم، وإنما استدل من غير القرآن بقول الناس، فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان يؤمن بالجنة والنار، وفلان يؤمن بعذاب القبر، وفلان لا يؤمن بذلك، ومعوم أن هذا ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، بل هو مما تكلم به الناس بعد عصر الصحابة، لما صار من الناس أهل البدع يكذبون بالشفاعة وعذاب القبر، ومرادهم بذلك هو مرادهم بقوله: فلان يؤمن بالجنة والنار، وفلان لا يؤمن بذلك.
    والقائل بذلك وإن كان تصديق القلب داخلا في مراده، فليس مراده ذلك وحده، بل مراده التصديق بالقلب واللسان، فإن مجرد تصديق القلب بدون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه".
    ثم قال شيخ الإسلام: "من قال بذلك، فليس مراده التصديق بما يرجى ويخاف بدون خوف ولا رجاء، بل يصدق بعذاب القبر ويخافه، ويصدق بالشفاعة ويرجوها، وإلا فلو صدق بأنه يعذب في قبره ولم يكن في قلبه خوف من ذلك أصلا لم يسموه مؤمنا، كما أنهم لا يسمون مؤمنا بالجنة والنار إلا من رجا الجنة وخاف النار"، ثم قال:
    "فلا يوجد قط في كلام العرب أن من علم وجود شيء مما يخاف ويرجى، ويجب حبه وتعظيمه، وهو مع ذلك لا يحبه ولا يعظمه، ولا يخافه ولا يرجوه، بل يجحد به ويكذبه بلسانه، أنهم يقولون: هو مؤمن به، بل ولو عرف بقلبه، وكذب به بلسانه، لم يقولوا هو مصدق به، ولو صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه، لم يقولوا هو مؤمن به" (167) .
    والخلاصة أنه "لا يوجد في كلام العرب شاهد واحد يدل على ما ادعوه" (168) .
    ثالثاً: حكاية الباقلاني الإجماع على دعوى الترادف.
    وقد رد شيخ الإسلام ذلك بقوله: "يقال له: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟
    الثاني: أتعني بأهل اللغة نقلتها، كأبي عمرو، والأصمعي، والخليل، وغيرهم، أو المتكلمين بها؟
    فإن عنيت الأول: فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر، وكلام العرب، وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقوله لفظ الإيمان، فضلا عن أن يكونوا أجمعوا عليه.
    وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم، ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك.
    الثالث: أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله واحد، أو اثنان، فليس هذا إجماعا.
    الرابع: أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا معنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ فلو قدر أنهم نقلوا كلاما عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق، لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه عن العرب أولى.
    الخامس: أنه لو قدر أنهم قالوا هذا، فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر،...، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن أنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق؟

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    الوجه الثالث: إثبات الفروق اللغوية بين الإيمان والتصديق.
    ففي تحقيق بالغ حرر شيخ الإسلام تلك الفروق، حتى بلغت أربعة، وهي:
    الفرق الأول: من جهة التعدي.
    فإن الفعل صدق يتعدى بنفسه، ولا يتعدى بغيره إلا إذا ضعف عمله بتأخيره وتقديم مفعوله عليه، أو كونه اسم فاعل، أو مصدرا، ونحو ذلك.
    تقول: صدقته، وأنا به مصدق، وأنا مصدق له.
    وأما الفعل آمن، فإنه يتعدى بغيره، ولا يتعدى بنفسه إلا إذا كان بمعنى الأمان ضد الإخافة.
    تقول: آمنت به، وآمنت له، وإذ أردت معنى الأمان قلت: أمنته.
    قال شيخ الإسلام: "وذلك أن الإيمان يفارق التصديق، لفظا ومعنى، فإنه أيضا يقال: صدقته، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: أمنته، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل آمنت له.
    وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان، كما يقال: هل أنت مصدق له؛ لأن الفعل المتعدى بنفسه إذا قدم مفعوله عليه، أو كان العامل اسم فاعل ونحوه، مما يضعف عن الفعل، فقد يعدونه باللام تقوية له، كما يقال: عرفت هذا وأنا به عارف، وضربت هذا وأنا له ضارب، وسمعت هذا ورأيته وأن له سامع وراء، كذلك يقال: صدقته وأنا له مصدق، ولا يقال صدقت له به.
    وهذا خلاف آمن، فإنه لا يقال إذا أردت التصديق: أمنته، كما يقال: أقررت له، ومنه قوله: آمنت له، كما يقال: أقررت له" (170) .
    الفرق الثاني: من جهة الاستعمال.
    فالإيمان يستعمل في الخبر عن الأمور الغائبة، وفي خبر يؤتمن عليه المخبر من الأمور التي فيها ريب، وفي الحقائق الثابتة التي تعلم بدون خبر (171) ، ويتناول الذوات المرتبطة بمعاني الحب والبغض.
    وأما التصديق فيستعمل في جميع الأخبار، المشهودة والغائبة، ويختص بمتعلقات الذوات المرتبطة بمعاني الحب والبغض.
    قال شيخ الإسلام: "وليس الإيمان مرادفا للفظ التصديق، كما يظنه طائفة من الناس، فإن التصديق يستعمل في كل خبر.
    فيقال لمن أخبر بالأمور المشهودة - مثل قوله: الواحد نصف الاثنين، والسماء فوق الأرض - مجيبا: صدقت، وصدقنا بذلك.
    ولا يقال: آمنا له، ولا آمنا بهذا، حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال للمخبر، آمننا له، وللمخبر به: آمنا به، كما قال إخوة يوسف: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17]، أي: بمقر لنا، ومصدق لنا؛ لأنهم أخبروه عن غائب، ( أي: لا تقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لما يأمن لهم ) .
    ومنه قوله تعالى: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء: 111]، وقوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 61]، ( أي: فيصدقهم فيما أخبروا به مما غاب عنه، وهو مأمون عنده على ذلك ) ، وقوله تعالى: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون: 47]، وقوله تعالى وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان: 21]، وقوله تعالى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ [يونس: 83]، أي: أقر له"، ثم قال:
    "الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة، ونحوها مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن.
    بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الأخبار"، ثم قال:
    "فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الأخبار، فإن التصديق إخبار بصدق المخبر، والتكذيب إخبار بكذب المخبر، فقد يصدق الرجل الكاذب تارة، وقد يكذب الرجل الصادق أخرى.
    فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر، فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر مخبر عنها.
    بخلاف الإيمان، والإقرار، والإنكار، والجحود، ونحو ذلك، فإنه يتناول الحقائق، والإخبار عن الحقائق أيضا.
    وأيضا فالذوات التي تحب تارة وتبغض أخرى، وتوالى تارة وتعادي أخرى، وتطاع تارة وتعصى أخرى، ويذل لها تارة ويستكبر عنها أخرى، تختص هذه المعاني فيها بلفظ الإيمان، والكفر، ونحو ذلك.
    وأما لفظ التصديق، والصدق، ونحو ذلك، فيتعلق بمتعلقها، كالحب، والبغض، فيقال: حب صادق، وبغض صادق.
    فكما أن الصدق والكذب في إثبات الحقائق ونفيها متعلق بالخبر النافي والمثبت دون الحقيقة ابتداء، فكذلك في الحب والبغض ونحو ذلك يتعلق بالحب والبغض دون الحقيقة ابتداء.
    بخلاف لفظ الإيمان والكفر، فإنه يتناول الذوات بلا واسطة إقرارا، أو إنكارا، أو حبا، أو بغضا، أو طمأنينة، أو نفورا.
    ويشهد لهذا الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر: ( اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، وأتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ) (172) .
    فقال إيمانا بك، ولم يقل: تصديقا بك، كما قال: تصديقا بكتابك.
    وقال تعالى: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ [التحريم: 12]، فجعل التصديق بالكلمات والكتب.
    ومنه الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((تكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمانا بي، وتصديقا بكلماتي))، ويروى: ((إيمانا بي، وتصديقا برسلي))، ويروى: ((لا يخرجه إلا جهادا في سبيل الله، وتصديق كلماته)) ففي جميع هذه الألفاظ جعل لفظ التصديق بالكلمات والرسل" (173) .
    الفرق الثالث: من جهة المقابل للفظ التصديق والإيمان.
    فالتصديق يقابله التكذيب، وأما الإيمان فيقابله الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب.
    قال شيخ الإسلام: "لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل التكذيب، كلفظ التصديق.
    فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذبه له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن، أو كافر"، ثم قال:
    "فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا، ويكون مخالفة ومعاداة، وامتناعا بلا تكذيب، فلابد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة، موالاة، وانقياد، لا يكفي مجرد التصديق"

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    الفرق الرابع: من جهة المعنى.
    فالإيمان وإن كان يتضمن التصديق، فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار والطمأنينة (175) .
    وهذا هو الذي حققه شيخ الإسلام في معنى الإيمان، حيث يقول رحمه الله تعالى: "فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقا" (176) .
    ويقول: "ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار، لا مجرد التصديق" (177) .
    ويقول: "فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو: القرار والطمأنينة" (178) .
    ويقول: "فاللفظ - يعني لفظ الإيمان - متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة، كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق" (179) .
    وقد عقد شيخ الإسلام مقارنة تظهر أوجه التقارب بين الإيمان والإقرار قال فيها:
    "فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر، يقر، وهو قريب من آمن، يأمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره، والكاذب بخلاف ذلك، كما يقال: الصدق طمأنينة والكذب ريبة، فالمؤمن دخل في الأمن، كما أن المقر دخل في الإقرار.
    ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:
    أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه، كلفظ التصديق، والشهادة، ونحوهما، وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.
    والثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّه ُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: 81]، فهذا الالتزام للإيمان، والنصر للرسول.
    وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار، وإنشاء، والتزام، بخلاف التصديق المجرد.
    فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر لا يقال فيه: آمن له، بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى الخبر.
    والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه (180) .
    بل قد استعمل لفظ الكفر المقابل للإيمان في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد" (181) .
    ويقول: "فالإيمان متضمن للإقرار بما أخبر به، والكفر تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به، وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به، والأصل في ذلك هو الإخبار بالله وبأسمائه، ولهذا كان جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد غيره، وإن كان الرسول أخبر بكليهما.
    ثم مجرد تصديقه في الخبر والعلم بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأمره، لا باطنا ولا ظاهرا، ولا محبة ولا تعظيم له، لم يكن ذلك إيمانا" (182) .
    الجواب الثاني في نقض احتجاج المرجئة باللغة، مبني على فرض التسليم بالترادف بين الإيمان والتصديق.
    وثمة أجوبة عدة تدخل تحت هذا الجواب:
    أحدها: أنه وإن قيل بأن الإيمان معناه التصديق، فإن قولهم إن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو اللسان ممنوع، "بل الأفعال تسمى تصديقا، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) (183) .
    وكذلك قال أهل اللغة، وطوائف من السلف، والخلف.
    قال الجوهري: والصديق مثال الفسيق: الدائم التصديق، ويكون الذي يصدق قوله بالعمل (184) .
    وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال (185) " (186) .
    الثاني: "أنه إذا كان أصله التصديق، فهو تصديق مخصوص، كما أن الصلاة دعاء مخصوص، والحج قصد مخصوص، والصيام إمساك مخصوص" (187) .
    فالإيمان تصديق مخصوص، يتناول التصديق بالقلب والقول والعمل عند أهل الحديث (188) .
    فليس: "هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذ يكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة، ومعلوم أن الخاص ينضم إليه قيود لا توجد في جميع العام،...،
    فالتصديق الذي هو الإيمان أدنى أحواله أن يكون نوعا من التصديق العام، فلا يكون مطابقا له في العموم والخصوص، من غير تغيير اللسان، ولا قلبه، بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفا من العام والخاص" (189) .
    الثالث: أنه "وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، ونقول: إن هذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه أخرى" (190) .
    الرابع: أن يقال: إن اللفظ باق على معناه في اللغة، ومتروك على ما كان، ولكن الشريعة زادت فيه أحكاما، وضمت إليه شروطا وقيودا (191) .
    الخامس: أن يقال: "إن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية، مجاز لغوي" (192) .
    السادس: أن يقال: إنه منقول من معناه اللغوي إلى المعنى الشرعي، كالأسماء الشرعية من الصلاة والزكاة ونحوها (193) .
    فكل هذه الأجوبة يكفي الواحد منها لإبطال حجة المرجئة لو سلم لهم دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق، ومع ذلك فإن التحقيق يدور في الأجوبة الثلاثة الأولى منها، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام:
    "فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء، كخطاب الناس بغيرها وهو خطاب مقيد خاص، لا مطلق يحتمل أنواعا، وقد بين الرسول تلك الخصائص، والاسم دل عليها، فلا يقال إنها منقولة، ولا أنه زيد في الحكم دون الاسم، بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد الشارع، لم يستعمل مطلقا.
    وهو إنما قال: أَقِيمُواْ الصَّلاةَ [الأنعام: 72] بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها
    ، فكان التعريف منصرفا إلى الصلاة التي يعرفونها، لم ينزل لفظ الصلاة وهم لم لا يعرفون معناه"، ثم قال:
    "وكذلك الإيمان والإسلام، وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر الأمور، وإنما سأل جبريل صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهم يسمعون، وقال: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) (194) ؛ ليبين لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التي ينبغي أن تقصد؛ لئلا يقتصروا على أدنى مسمياتها.
    وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قال: ((ليس المسكين هذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتين، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس إلحافا)) (195) ، فهم كانوا يعرفون المسكين، وأنه المحتاج، وكان ذلك مشهورا عندهم فيمن يظهر حاجته السؤال، فيبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يظهر حاجته بالسؤال والناس يعطونه تزول مسكنته بإعطاء الناس له، والسؤال له بمنزلة الحرفة، وهو وإن كان مسكينا يستحق من الزكاة إذا لم يعط من غيرها كفايته، فهو إذا وجد من يعطيه كفايته لم يبق مسكينا، وإنما المسكين المحتاج الذي لا يسأل، ولا يعرف فيعطى، فهذا هو الذي يجب أن يقدم في العطاء، فإنه مسكين قطعا، وذاك مسكنته تندفع بعطاء من يسأله.
    وكذلك قوله: الإسلام هو الخمس، يريد أن هذا كله واجب داخل في الإسلام، فليس للإنسان أن يكتفي بالإقرار بالشهادتين، وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل لا يكتفي فيه بالإيمان المجمل، ولهذا وصف الإسلام بهذا" (196) .
    ويزيد الأمر وضوحا أن الشارع خاطب الناس بلغة العرب، فهو خاطبهم بلغتهم المعروفة، وقد جرى عرفهم أن الاسم يكون مطلقا وعاما، ثم يدخل فيه قيد أخص من معناه، فلما خاطبهم باسم الإيمان، والصلاة، والزكاة إنما خاطبهم بهذه الأسماء بلام التعريف، وقد عرفهم قبل ذلك أن المراد الإيمان الذي صفته كذا وكذا، والدعاء الذي صفته كذا وكذا، فبتقدير أن يكون في لغتهم التصديق، فإنه قد بين أنه لا يكتفي بتصديق القلب واللسان، فضلا عن تصديق القلب وحده، بل لابد أن يعمل بموجب ذلك التصديق، كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2]، وفي قوله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: 22]، وفي قوله: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء [المائدة: 81]، وكقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) (1).، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن قيل ومن يا رسول الله قال الذى لا يأمن جاره بوائقه)) (1).، وأمثال ذلك، وهو كثير في الكتاب والسنة.
    فقد بين لهم أن التصديق الذي لا يكون الرجل مؤمنا إلا به هو: أن يكون تصديقا على هذا الوجه، وهذا بين في القرآن والسنة، من غير تغيير للغة، ولا نقل لها (197) .
    وبهذا يكون "التحقيق أن الشارع لم ينقل تلك الأسماء، ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة، كما يستعمل نظائرها.
    كقوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: 97 فذكر حجا خاصا، وهو حج البيت، وكذلك قوله: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ [البقرة: 158]، فلم يكن لفظ الحج متناولا لكل قصد، بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة" (198) .
    فتصرف الشارع فيها كتصرف أهل العرف في بعض الأسماء اللغوية، إما بتخصيصها ببعض معانيها، وإما تحويلها إلى ما بينه وبين المعنى الأول سبب ومناسبة

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,344

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
    ... وأيماللهلوشققتمعنقلبالمؤمنلوجدتموهأسود.
    ارجو بيان ذلك؟!!!

    {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}





  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    نقد الحجة السابعة
    الاستدلال بنصوص الوعد
    احتج المرجئة بالنصوص التي فيها أن من أتى بالقول، فهو من أهل الإيمان والجنة، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) (200) ..
    وكما جاء في حديث الجارية (( أن رجلا جاء بأمة سوداء، وقال يا رسول الله: إن عليّ رقبة مؤمنة، فإن كانت هذه مؤمنة أعتقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله، فقالت: نعم، قال: أتشهدين أني رسول الله، قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت، قالت: نعم، قال: فأعتقها)) (201) ، وعند مسلم: ((أعتقها؛ فإنها مؤمنة)) (202)
    .
    وفي حديث البطاقة، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول الله تبارك وتعالى له: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، فيقول عز وجل: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول عز وجل: بلى، إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول عز وجل: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة)) (203) .
    وفي حديث حذيفة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يدرس الإسلام كما يدرس وشيء الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسري على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس - الشيخ الكبير، والعجوز - يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها))، فقال صلة لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة تنجيهم من النار - ثلاثا )) (204) .
    ونحو ذلك من النصوص والعمومات (205) ، التي فهموا منها أنه لا يشترط في الإيمان فعل الواجبات (206) ، وأن من وجبت عليه العبادات فتركها، وارتكب المحظورات يستحق اسم الإيمان المطلق (207) .
    وقالوا: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُن َّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ َ مُؤْمِنَاتٍ [الممتحنة: 10]، قالوا: ومعلوم أن امتحانهن إنما هو مطالبة لهن بالإقرار بالشهادة، كما جاء في حديث الجارية (208) .
    وقالوا: أجمع المسلمون على أن الكافر إذا أراد أن يسلم يكتفي منه بالإقرار بالشهادتين (209) .
    وأولوا لأجل تلك النصوص ما يقابلها من نصوص الوعيد التي فيها نفي الإيمان عمن ارتكب بعض الذنوب، كقوله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: 22]، وقوله: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن،)) (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) (210) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا، فليس منا)) (211) ، ونحو ذلك من النصوص، وقالوا بأن المراد: ليس مثلنا، أو ليس من خيارنا، أو أن المنفي ثمرة الإيمان أو العمل به (212) ، وقالوا: إن لم يكن مؤمنا لما هو (213) ؟
    هذا هو موقف المرجئة من نصوص الوعد والوعيد، وقد جاء جواب شيخ الإسلام عن هذا الموقف في ثلاثة وجوه:
    الوجه الأول: بيان الموقف الحق من نصوص الوعد والوعيد:
    تعد مسألة الوعد والوعيد من أكبر مسائل العلم (214) ، وأهل البدع افترقوا فيها إلى طائفتين:
    فالوعيدية من الخوارج والمعتزلة نظروا إلى نصوص الوعيد، والمرجئة نظروا إلى نصوص الوعد.
    وأما الذي عليه أهل السنة وعامة علماء السلف، فهو الإيمان بالوعد والوعيد، والإقرار بالنصوص الواردة في هذا الباب على ما دلت عليه من المعاني، وإمرارها كما جاءت وأنها حق على ظاهرها اللائق بها، ويجمعون بينها، ويفسرون بعضها ببعض من غير تبديل شيء منها، أو تأويلها بتأويلات تخرجها عن مقصود الشرع، كما يصنعه من يحرفها ويسمى تحريفه تأويلا (215) .
    يقول شيخ الإسلام بعد ذكره قول الوعيدية (216) والمرجئة في نصوص الوعد والوعيد:
    "وكل من القولين خطأ، فإن النصوص، مثل قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [النساء: 10] لم يشترط فيها الكفر، بل هي في حق المتدين بالإسلام.
    وقوله: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) (217) . لم يشترط فيه فعل الواجبات، بل قد ثبت في الصحاح: ((وإن زني، وإن سرق، وإن شرب الخمر)) (218) .
    فهنا اضطرب الناس (219) .

    فأنكر قوم من المرجئة العموم، وقالوا: ليس في اللغة عموم، وهم الواقفية في العموم من المرجئة، وبعض الأشعرية، والشيعة (220) .
    وإنما التزموا ذلك؛ لئلا يدخل جميع المؤمنين في نصوص الوعيد.
    وقالت المقتصدة: بل العموم صحيح، والصيغ صيغ عموم، لكن العام يقبل التخصيص، وهذا مذهب جميع الخلائق من الأولين والآخرين، إلا هذه الشرذمة (221) .
    قالوا - يعني المقتصدة-
    : فمن عفي عنه كان مستثنى من العموم (222) .
    وقال قوم آخرون: بل إخلاف الوعيد ليس بكذب، وإن العرب لا تعد عارا أو شنارا أن يوعد الرج شرا ثم لا ينجزه، كما تعد عارا أو شنارا أن يعد خيرا ثم لا ينجزه، وهذا قول طوائف من المتقدمين والمتأخرين.
    وقد احتجوا بقول كعب بن زهير يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
    نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول (223)

    قالوا: فهذا وعيد خاص، وقد رجا فيه العفو مخاطبا للنبي صلى الله عليه وسلم، فعلم أن العفو عن المتوعد جائز، وإن لم يكن من باب تخصيص العام (224) .
    والتحقيق أن يقال: الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد والوعيد، كما ذلك مشتمل على نصوص الأمر والنهي، وكل من النصوص يفسر الآخر ويبينه.
    فكما أن نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروطة بعدم الكفر المحبط؛ لأن القرآن قد دل على أن من ارتد فقد حبط عمله.

    فكذلك نصوص الوعيد للكفار والفساق مشروطة بعدم التوبة؛ لأن القرآن قد دل على أن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب، وهذا متفق عليه بين المسلمين، فكذلك في موارد النزاع، فإن الله قد بين بنصوص معروفة أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن من يعمل مثقال ذرة خيرة يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأن مصائب الدنيا تكفر الذنوب، وأنه يقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر، وأنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، كما بين أن الصدقة يبطلها المن ولأذى، وأن الرياء، يبطل العمل، وأنه إنما يتقبل الله من المتقين، أي في ذلك العمل ونحوه.
    فجعل للسيئات ما يوجب رفعها، كما جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها، لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة (225) ، كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة.
    وبهذا يتبين أنا نشهد بأن إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: 10] على الإطلاق والعموم، ولا نشهد لمعين أنه في النار؛ لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه؛ لأن لحوق الوعيد بالمعين مشروط بشروط وانتفاء موانع في حقه، وفائدة الوعيد بيان أن هذا الذنب سبب مقتض لهذا العذاب، والسبب قد يقف تأثيره على وجود شروطه، وانتفاء مانعه.
    يبين هذا أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وآكل ثمنها، وثبت عنه في صحيح البخاري عن عمر أن رجلا كان يكثر شرب الخمر، فلعنه رجل، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله)) (226) ، فنهى عن لعين هذا المعين وهو مدمن خمر؛ لأنه يحب الله ورسوله، وقد لعن شارب الخمر على العموم" (227) .
    ويقول رحمه الله بعد إيراده عددا من أحاديث الوعد المتقدم ذكرها:
    "فهذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها، كما جاءت مقيدة، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: "لا إله إلا الله"، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، بل كثير ممن يقول: "لا إله إلا الله" يدخل النار، أو أكثرهم، ثم يخرج منها (228) .
    وتواترت الأحاديث بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
    ولكن جاءت مقيدة بالإخلاص واليقين، وبموت عليها، فكلها مقيدة بهذه القيود الثقال ثم قال:
    "وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين، ومات على ذلك امتنع أن تكون سيئاته راجحة على حسناته، بل كانت حسناته راجحة فيحرم على النار؛ لأنه إذا قالها العبد بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، وأخوف عنده من كل شيء، فلا يبقى في قلبه حينئذ إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله، فهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كان له ذنوب، فهذا الإيمان، وهذا التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة، وهذا اليقين، وهذه الكراهة لا يتركون له ذنبا إلا محي عنه كما يمحى النهار والليل.
    فإن قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر، فهذا غير مُصر على ذنب أصلا، فيغفر له، ويحرم على النار.
    وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار، ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه.
    وهذا خلاف من رجحت سيئاته على حسناته، ومات على ذلك، فإنه يستوجب النار.
    وإن كان قال: لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل قالها وأتى بعدها بسيئات رجحت على هذه الحسنات، فإنه في حال قوله لها مخلصا مستيقنا بها قلبه تكون حسناته راجحة، ولا يكون مصرا على سيئة، فإن مات قبل ذلك دخل الجنة.
    ولكن بعد ذلك قد يأتي بسيئات راجحة، ولا يقولها بالإخلاص واليقين المانع من جميع السيئات، ومن الشرك الأكبر والأصغر، بل يبقى معه الشرك الأصغر، ويأتي بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك، فترجح سيئاته، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف بسبب ذلك قول: لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي، أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن يختبر بها، من غير ذوق طعم ولا حلاوة، فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل قد يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين الضعيف، وقد يقولونها من غير يقين وصدق تام، ويموتون على ذلك، ولهم سيئات كثيرة.
    فالذي قالها بيقين وصدق تام: إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.
    والذين دخلوا النار قد فات فيهم أحد الشرطين:
    إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام النافي للسيئات، أو لرجحانها على الحسنات.
    أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، فيضعف لذلك صدقهم، ويقينهم، فلم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين يمحو سيئاتهم أو يرجح حسناتهم" (229) .
    وقال رحمه الله: "وكذلك ما ورد من نصوص الوعيد المطلقة، كقوله تعالى: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [النساء: 30]، فهو مبين ومفسر بما في الكتاب والسنة من النصوص المبينة لذلك المقيدة له، وكذلك ما ورد من نصوص الوعد المطلقة.
    وكذلك بين أن الحسنات تمحو السيئات، والخطايا تكفر بالمصائب وغيرها من العمل الصالح وغيره، كالدعاء له، والصدقة عنه، والصيام، والحج له.
    فقوله: ((لا يدخل النار من في قلبه مقال ذرة من إيمان)) (230) نفى به الدخول المطلق الذي توعد به في القرآن توعداً مطلقا، وهو دخول الخلود فيها، وأنه لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها،...،
    وكذلك قوله: ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر)) (231) . نفى الدخول المطلق المعروف، وهو دخول المؤمنين الذين أعدت لهم الجنة" (232) .
    ويقول: "وهذا كما أن نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى، والزنى، والسارق، فلا نشهد بها على معين بأنه من أصحاب النار، لجواز تخلف المتقضى عن المتقضى لمعارض راجح، إما بتوبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة، وإما غير ذلك" (233) .
    وقال: "فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد، والتكفير والتفسيق والتكفير، ولا نحكم لمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له"

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وملخص هذا الجواب -أن نصوص الوعيد نصوص مطلقة عامة، وجاءت نصوص فسرتها وقيدتها، وبينت أن لحوقها بالمعين لابد فيه من توفر شروط وانتفاء موانع في حقه، فالوعيد سبب متقض للعذاب، والسبب يتوقف تأثيره على وجود شروطه وانتفاء مانعه.
    ومن أسباب زوال الوعيد: التوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية، والدعاء، والأعمال الصالحة، والشفاعة، والمصائب، وما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، وأهوال يوم القيامة، ورحمة الله تعالى وعفوه ومغفرته، فكل وعيد، فإنه قد يدفع بأحد هذه الأسباب (235) .
    وكذلك نصوص الوعد نصوص مطلقة عامة، وجاءت نصوص بينتها وفسرتها وقيدتها بقيوم ثقال، كالإخلاص، واليقين، والموت عليها، وجاءت مشروطة بانتفاء الموانع من دخول الجنة، وأعظمها أن يموت كافرا الكفر المحبط - والعياذ بالله أو أن تكثر ذنوبه وترجح على حسناته، أو أن يعقب العمل ما يبطله، كالمن والأذى (236) .
    الوجه الثاني: نقض استدلال المرجئة بنصوص الوعد.
    فبعد أن تحررت القاعدة الشرعية في نصوص الوعد والوعيد المتقدم ذكرها لاح للناظر أن كل ما احتج به المرجئة من المعلومات الواقعة في نصوص الوعد، فإنه يندرج تحتها.
    فصاحب البطاقة قال كلمة التوحيد على وجه خلص به من الشرك الأكبر، دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، وفيرجح بها ميزان الحسنات، فيحرم صاحبها على النار، ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه (237) .
    وهذه حال من قال كلمة التوحيد بإخلاص وصدق، كما قالها صاحب البطاقة، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم، كما ترجح قول صاحب البطاقة (238) .
    فالعبد قد يأتي بالحسنة بنية وصدق وإخلاص تكون أعظم من أضعافها، كما في حديث صاحب البطاقة (239) .
    وشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تذهب الشرك كله، دقه وجله، خطأه وعمده، أوله وآخره، سره وعلانيته، وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه (240) .
    وأما الذين ذكروا في حديث حذيفة فقد لحقهم مانع المؤاخذة، فإنه كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
    "كثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به ورسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرا مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره، حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: ((يأتي على الناس زمان، لا يعرفون فيه صلاة، ولا زكاة)) (241) ،" (242) ، وذكر تمام حديث حذيفة.
    وقال أيضا رحمه الله: "وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه، كما في الحديث المعروف: ((يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صياما)) (243) " (244) ، وذكر تمام الحديث.
    فالمذكورين في حديث حذيفة صنف من الناس انتفى في حقهم شرط البلاغ، فلم تقم عليهم الحجة، وبالتالي سقطت عنهم بعض الواجبات، "ومن ترك بعض الإيمان الواجب؛ لعجزه عنه، إما لعدم تمكنه من العلم، مثل أن لا تبلغه الرسالة، أو لعدم تمكنه من العمل، لم يكن مأمور بما يعجز عنه، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل" (245) .
    وبخصوص حديث الجارية، فليس فيه ما توهمته المرجئة من أنه ينافي حديث: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) (1)؛ لأن من نفي عنه الإيمان؛ فذلك لانتفاء بعض ما يجب عليه من ترك هذه الكبائر، والجارية لم تترك واجبا تستحق بتركه أن تكون هكذا (246) .
    وهذا الحديث يعد من حجج المرجئة المشهورة (247) ، ومع دخوله في القاعدة السابقة، ................... قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((مؤمنة)) ، معناه كما قال الإمام أحمد: "قد قال بعضهم بأنها مؤمنة، فهي حين تقر بذاك، فحكمها حكم المؤمنة، هذا معناه".
    وقد قرر شيخ الإسلام هذا الجواب، وبين أن كونها مؤمنة يراد به "أن حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار" (250) .
    وهذا راجع إلى أن "قبول الإسلام الظاهر يجرى على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة، مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموارثة، ونحو ذلك.
    وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يعلم ما في باطن الإنسان، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((فإذا قالوها عصموا منى دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله)) (1)، وقال: ((إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم)) (1)،...،
    وأما الإيمان الباطن الذي ينجي من عذاب الله في الآخرة، فلا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، بل قد يكون الرجل مع إسلامه الظاهر منافقا، وقد كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون، وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن في غير موضع،...، والمنافق عمله حابط لا يتقبله الله" (251) .
    ويقول شيخ الإسلام: "وأما احتجاجهم بقوله للأمة: ((اعتقها، فإنها مؤمنة))، فهو من حجج المرجئة المشهورة،...،
    وهذا لا حجة فيه؛ لأن الإيمان الظاهر الذي تجرى عليه الأحكام في الدنيا، لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة.
    فإن المنافقين: الذين قالوا: آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8]، وهم في الظاهر مؤمنون، يصلون مع الناس، ويصومون، ويحجون، ويغزون، والمسلمون يناكحونهم، ويوارثونهم، كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم، ولا موارثتهم، ولا نحو ذلك، بل لما مات عبدالله بن أبي بن سلول، وهو من أشهر الناس بالنفاق ورثه ابنه عبدالله، وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين"، ثم قال:
    "وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولا يصلي عليهم، ويستغفر لهم، حتى نهاه الله عن ذلك، فقال: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ [التوبة: 84]، وقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ [التوبة: 80]، ولكن دماؤهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار الذين لا يظهرون أنهم مؤمنون، بل يظهرون الكفر دون الإيمان ثم قال:
    "فكان صلى الله عليه وسلم حكمه في دمائهم وأموالهم، كحكمه في دماء غيرهم، لا يستحل منها شيئا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم، وفيهم من لم يكن يعلم نفاقهثم قال:
    "والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة مؤمنة لم يكن على الناس أن لا يعتقوا إلا من يعلموا أن الإيمان في قلبه، فإن هذا كما لو قيل لهم اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان في قلبه، وهم لا يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم، فإذا رأوا رجلا يظهر الإيمان جاز لهم عتقه.
    وصاحب الجارية لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل هي مؤمنة؟ إنما أراد الإيمان الظاهر الذي يفرق به بين المسلم والكافر".
    ثم قال شيخ الإسلام:
    "والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر الذي علقت به الأحكام الظاهرة، وإلا فقد ثبت عنه أن سعدا لما شهد لرجل أنه مؤمن قال: ((أو مسلم)) (252) ، وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الجارية وزيادة.
    فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في الدنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب ثم قال:
    "وكذلك المنافقون الذين لم يظهروا نفاقهم يصلى عليهم إذا ماتوا، ويدفنون في مقابر المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمقبرة التي كانت للمسلمين في حياته وحياة خلفائه وأصحابه يدفن فيها كل من أظهر الإيمان، وإن كان منافقا في الباطن، ولم يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار الإسلام، كما تكون لليهود والنصارى مقبرة يتميزون بها.
    ومن دفن في مقابر المسلمين صلى عليه المسلمون، والصلاة لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن، فعلم أن ذلك بناء على الإيمان الظاهر، والله يتولى السرائر" (253) .
    فخلاصة هذا الجواب أن المراد بالإيمان في حديث الجارية الإيمان الظاهر الذي تجري على صاحبه الأحكام في الدنيا، فإن هذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يعلم ما في الباطن.

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    وبهذا إيجاب عن احتجاج المرجئة بآية الممتحنة، فإن الله تعالى أمر بامتحانهن، وقال: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ [الممتحنة: 10]، ولو كان ذلك إيمانا حقيقيا لما قال ذلك (254) .
    وكذلك يجاب عن احتجاجهم بإجماع المسلمين على أن الكافر إذا أراد أن يسلم يكتفي منه بالإقرار بالشهادتين.
    فالكافر إنما يجتزأ منه بذلك؛ لإجراء أحكام الإسلام عليه، فإن صاحب الشرع جعل ذلك إمارة لإجراء الأحكام (255) .
    الوجه الثالث: بيان التفسير الصحيح لنفي الإيمان في نصوص الوعيد.
    فإن الناس اضطربوا في المراد بالنفي في تلك النصوص، وقد قرر شيخ الإسلام في معرض كلامه على حديث: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) (1). أن عامة السلف يقرون هذه الأحاديث، ويمرونها كما جاءت، ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود الرسول صلى الله عليه وسلم (256) .
    يقول شيخ الإسلام: "والذي عليه جماهير السلف، وأهل الحديث، وغيرهم: أن نفي الإيمان في هذه النصوص؛ لانتفاء بعض الواجبات فيه، والشارع دائما لا ينفي المسمى الشرعي إلا لانتفاء واجب فيه" (257) .
    ويقول: "وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا)) (258) كله من هذا الباب، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله، أو فعل ما حرمه الله ورسوله، فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه من ينفي عنه الاسم لأجله، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد، السالمين من الوعيد" (259) .
    فالمسلم إذا أتى الفاحشة، وإن كان كمال الإيمان الواجب قد زال عنه، فإن أصل الإيمان معه، إذ معه أصل الاعتقاد أن الله حرم ذلك الفعل،[مهم جدا] ومعه خشية عقاب الله، ورجاء رحمته، وإيمانه بأن الله يغفر الذنب (260) ، فهو يعتقد تحريم الفواحش التي يفعلها؛ ولذا صار من المسلمين (261) .
    وفاعل الكبيرة لم يفعلها إلا لحب في نفسه لذلك الفعل، وإلا فلو قام بقلبه خشية الله التي تقهر الشهوة، أو حب الله الذي يغلبها، لما فعل المعصية، ومن كان مخلصا لله حق الإخلاص لم يعص، وإنما يعص؛ لخلوه عن ذلك، وهذا هو الإيمان الذي ينزع منه، فهو لم يقم بقلبه كمال الأحوال الواجبة في الإيمان، وإنما معه شيء من حب الله وخشيته مع التصديق، وإلا فالتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس إيمانا البتة، بل هو كتصديق فرعون واليهود وإبليس (262) .
    ولو كان هذا العاصي اعتقاده بقبح ذلك الفعل اعتقادا تاما لم يفعله بحال، لكنه معه أصل الإيمان، وفعله هذا لا يزين له من كل وجه، بل يستحسته من وجه، ويبغضه من وجه، ولكنه حين فعله يغلب تزيين الفعل (263) .
    هذا هو الوجه الحق في فقه نصوص الوعيد وحال العصاة، ولا تحتاج إلى تأويلها بما وصفه شيخ الإسلام رحمه الله بالتأويلات المستكرهة (264) ، وذكر أمثلة عليها، ومنها:
    1- أن معنى نفي الإيمان، أي ليس مثلنا، أو ليس من خيارنا.
    وقد رد عليهم السلف بأن من عمل أعمال البر كلها أيكون مثل النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأن من لم يعمل هذه المعاصي أيكون من خيار المؤمنين بمجرد هذا (265) ؟.
    ويقول شيخ الإسلام: "لا يجوز أن يقال فيه - يعني في معنى هذه النصوص -: ليس من خيارنا، كما تقوله المرجئة، أو أنه صار من غير المسلمين كما تقوله الخوارج والمعتزلة.
    بل الصواب أن هذا الاسم المضمر ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب، ولهم الموالاة المطلقة والمحبة المطلقة، وإن كان لبعضهم درجات في ذلك بما فعله من المستحب" (266) .
    2- تأويل نفي الإيمان بأن معناه نفي كماله وتمامه، أو شرائعه وثمراته (267) .
    فلفظ الكمال قد يراد به الكمال الواجب، وقد يراد به الكمال المستحب (268) ، "فمن قال إن المنفي هو الكمال:
    إن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه، ويتعرض للعقوبة، فقد صدق.
    وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب، فهذا لم يقع في كلام الله تعالى ورسوله" (269) .
    3- تأويلها بأن اللفظ لفظ الخبر، ومعناه النهي، أي: ينبغي للمؤمن ألا يفعل ذلك، أو أن المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفي (270) .
    ذكر شيخ الإسلام أن هذا كله مشابه لقول من قال إن المراد هو الزجر والتخويف فحسب، وليس لذلك حقيقة، وهذا من تأويل المرجئة (271) ، وهو شبيه بأقوال الملاحدة والمتفلسفة والقرامطة (272) .
    وأما الاحتجاج على هذا التأويل بقوله تعالى: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ [الزمر: 16]، فكما قال شيخ الإسلام قد يحتج بهذا بعض الجهال (273) ، وفي رده يقول رحمه الله:
    "الآيات التي خوف الله بها عباده تكون سببا في شر ينزل بالناس، فمن اتقى الله بفعل ما أمر الله به، وقي ذلك الشر، ولو كان مما لا حقيقة له أصلا لم يخف أحد إذا علم أنه لا شر في الباطن، وإنما يبقى التخويف للجاهل القدم، كما يفزع الصبيان بالخيال، وقد قال تعالى: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: 16] فخوف العباد مطلقا، وأمرهم بتقواه؛ لئلا ينزل المخوف، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، والإنذار هو الإعلام بما يخاف منه، وقد وجدت المخوفات في الدنيا، وعاقب الله على الذنوب أمما كثيرة، كما قصه في كتابه، وكما شوهد من الآيات، وأخبر عند دخول أهل النار النار في غير موضع من القرآن.
    وقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر: 28]
    ، ولو كان الأمر كما يتوهمه الجاهل، لكان إنما يخشاه من عباده الجهال الذين يتخيلون ما لا حقيقة له" (274) .
    4- القول بأن نفي الإيمان في هذه النصوص؛ لكون من نفى عنه الإيمان لم يكن من خواص المسلمين وأفاضالهم (275) .
    وهذا أيضا لا يصح، "فإن هذا لو كان كذلك لكان ينفي الإيمان المطلق عن الأبرار المتقصدين المتقين الموعودين بالجنة بلا عذاب إذا كانوا من أصحاب اليمين، ولم يكونوا من السابقين والمقربين، وليس الأمر كذلك، بل كل من أصحاب اليمين مع السابقين المقربين كلهم مؤمنون موعودون بالجنة بلا عذاب، وكل من كان كذلك فهو مؤمن باتفاق المسلمين من أهل السنة وأهل البدع.
    ولو جاز أن ينفى الإيمان عن شخص لكون غيره أفضل منه إيمانا نفي الإيمان عن أكثر أولياء الله المتقين، بل وعن كثير من الأنبياء، وهذا في غاية الفساد، وهذا من جنس قول من يقول نفي الاسم لنفي كماله المتسحب"
    (276) .
    وإن أراد صاحب هذا القول أنه ليس من خواصهم، بمعنى أن إيمانه ليس كإيمان من حقق خاصة الإيمان، سواء كان من الأبرار أو من المقربين، فيكون من نفي عنه الإيمان ليس كالأبرار ولا المقربين.
    فيقال إن هذا أيضا لا ينفي عنه الإيمان، فيقال هو مسلم لا مؤمن؛ لأن من نفي عنه الإيمان، فلابد أن يكون ترك واجبا، أو فعل محظورا، وكثير من الناس ليسوا ممن تحقق بحقائق الإيمان التي فضل الله بها غيرهم، ولا تركوا واجبا عليهم، وإن كان واجبا على غيرهم، كمن آتاه الله سكينة ويقينا وثباتا في قلبه، فيفضل به على كثير من الخلق، فمن لم يؤت ذلك ليس عنده من الإيمان كما عند من أوتيه، ومع هذا لا يعرف في كلام صاحب الشرع نفي الإيمان عمن كانت هذه حاله، ولم يعرف في كلامه إلا أن نفي الإيمان يقتضي الذم حيث كان، فلا ينفى إلا عمن له ذنب (277) .
    وكذلك، فإن كثيرا من المسلمين باطنا وظاهرا، ومعه تصديق مجمل، ولكنه لم يتصف بالإيمان المفصل الذي بينه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم (278) ، كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: 15]، وقوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: 2].
    5- القول بأن إخلاف الوعيد جائز، والاحتجاج عليه ببيت كعب، كما تقدم نقله.
    وهذا عند شيخ الإسلام تأويل ضعيف، يقول رحمه الله: "هذه الآية - يعني قوله تعالى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: 29] - تضعف من يقول: إن إخلاف الوعيد جائز، فإن قوله يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ بعد قوله وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ دليل على أن وعيده لا يبدل، كما لا يبدل وعده"----------------------[ موسوعة الفرق]

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    ارجو بيان ذلك؟!!!

    بارك الله فيك اختنا الفاضلة وفى بصيرتك--هذا خطأ مطبعى- والصواب -إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلما ازداد العبد إيمانًا ازداد القلب بياضًا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله.وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلما ازداد العبد نفاقا ازداد القلب سوادا، حتى إذا استكمل العبد النفاق اسود القلب. وآيم الله لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب الكافر لوجدتموه أسود)----
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,802

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء محمد علاوة مشاهدة المشاركة
    أحسنت وأجدت في اختيارك للموضوع، وفي نشره على أجزاء متتالية ليسهل المتابعة والاستفادة، بارك الله فيك.
    بارك الله فيك أخى الفاضل أبو البراء محمد علاوة
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,344

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    جزاكم الله خيرا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف
    {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}





  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    11,487

    افتراضي رد: نقد حجج المرجئة فى باب الايمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك أخى الفاضل أبو البراء محمد علاوة
    وفيكم بارك الله، آمين
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •