الاعتناء بأحكام النساء في الشريعة الإسلامية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الاعتناء بأحكام النساء في الشريعة الإسلامية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,624

    افتراضي الاعتناء بأحكام النساء في الشريعة الإسلامية

    الاعتناء بأحكام النساء في الشريعة الإسلامية
    د. الجوهرة بنت محمد العمراني


    قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }[1].



    في الوقت الذي كانت تعاني فيه المرأة ما تعانيه من الذل والقهر المتمثل في وأدها وهي حية، وفي سلبها جميع الحقوق المدنية، ونحو ذلك من أنواع الإهمال والاحتقار لشأنها في بعض القبائل الجاهلية، والديانات الأخرى يشع الإسلام بنوره وهداه، ويبزغ فجر الحرية الحقة لينقذها من الظلام والضلال، وليقرر لها من الحقوق والواجبات ما يجعلها مساوية للرجل في الإنسانية[2].



    ونادى بأن المرأة من جنس الرجل، والرجل من جنس المرأة، فلم يكن الرجل زوجاً إلا بالمرأة، ولم تكن المرأة زوجاً إلا بالرجل؛ فالنساء شقائق الرجال[3] كما أخبر بذلك النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، والحقوق التي فرضها الإسلام للمرأة هي بالكثرة التي يطول حصرها في هذا المطلب، وحقيقة أن موضوع هذا البحث في جملته ما هو إلا جزء من هذه الحقوق التي مَنَّ الإسلام بها على المرأة إذ أن لها حق الاعتناء والرعاية كما أوصى بذلك النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم..."[4].

    فحفظت للمرأة كرامتها، وحُررت إنسانيتها روحاً وجسداً، وحفظت حقوقها وارتفعت مكانتها في ظل الإسلام[5]. وأصبــــحت المرأة المسلمة ذات مسؤولية مستقلة أمام الله عز وجل، فقد أمر الله تعالى نبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم - بمبايعة النساء بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }[6].

    وإذا كانت المرأة قد حظيت بحق البيعة في الإسلام فإنها كذلك مسؤولة أمام الله عز وجل عن أعمالها فتجازى عليها قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ ...}[7] فالله - عز وجل - يجازي عباده على أعمالهم ذكراناً وإناثاً قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّ هُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[8].

    وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّق ِينَ وَالْمُتَصَدِّق َاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }[9].

    إضافة لما ذُكِر فإن المرأة مسؤولة أمام الله عز وجل عن ما استرعاها الله تعالى عليه قال عليه الصلاة والسلام: "والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عن رعيتها".

    مما يدل على عظم مكانتها في الإسلام وهذا الأمر يستلزم العناية بها، وتقديم الإحسان إليها بالتوجيه والنصح والتقويم لكي تستمر المرأة لبنة بناءه في المجتمع.

    وهذا يتطلب عدة مسائل على النحو التالي:

    المسألة الأولى: العناية بالتأسيس الاجتماعي للأسرة:

    قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }[10] الزواج سنة ربانية ضمن الله عز وجل استمرارها بين الكائنات الحية سواء كانت إنساناً أم نباتاً أم حيواناً، وجعل الله عز وجل الزواج بين الناس على شريعة الإسلام تكريماً للناس، وتعظيماً يتناسب مع القدر الرفيع الذي رفع الإسلام الجنس البشري فيه بين سائر المخلوقات. فإذا نظرنا إلى سائر الحيوانات التي تدب على الأرض لوجدنا أن الإنسان متميز ومتفرد عنها جميعاً بنعمة العقل، المكلف بتعمير الأرض في ظل لا إله إلا الله. وقد سخر الله تبارك وتعالى للإنسان في سبيل تحقيق هذا التكليف كل ما في الكون قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ }[11].

    فالله عز وجل سخر للناس من مخلوقاته، وما أسبغه عليهم من نعمه الظاهرة والباطنة وجعل ذلك أساساً للإيمان به[12]، مما يدل على أهمية الإيمان بالله تعالى والإخلاص لله عز وجل بالقول والعمل.

    والإنسان مطالب بتحقيق العبودية لله تعالى بنفسه وفي أسرته. ومما يُساعده على ذلك التأسيس الصحيح لهذه الأسرة بدءً بالاختيار؛ فحسن الاختيار بين الزوجين من الأسس الهامة لتحقيق البناء الصالح للأسرة.

    فللرجل حق الاختيار لزوجته وهو مدعو لاختيار الزوجة الصالحة التي تُعينه على نفسه، وتعينه على تربية أولاده وإعدادهم لحمل الرسالة. وللمرأة كذلك حق الاختيار لزوجها، وهي مدعوة لاختيار الزوج الصالح الذي يعينها على نفسها، وعلى تربية أولادها وإعدادهم إعداداً صحيحاً ليكونوا لبنات صالحة في المجتمع[13].

    وعلى ذلك فإن اختيار الزوجين لابد وأن تراعى فيه الأمور التالية:

    أولاً: اختيار الزوجة:

    قال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ... }[14].

    في هذه الآية جاء التأكيد من الله عز وجل على نكاح المؤمنات حيث ورد فيها التحريم الصريح للزواج من المشركات من عبدة الأوثان[15].

    وبين النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - لأمته أهمية نكاح ذات الدين بقوله عليه الصلاة والسلام: تنكح المرأة لأربع لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك[16].

    وجاء تأكيد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - على ضرورة اختيار الزوجة الصالحة من المؤمنات حيث قال: "الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة".

    مما يدل على أهمية الاعتناء عند اختيار الزوجة، ففي صلاحها صلاح للأسرة بأسرها - إن شاء الله تعالى - لعظم أثرها على زوجها، وأولادها. فالأسرة المسلمة القائمة على أسس إسلامية علماً وعملاً لها أثرها البناء على المجتمع.

    ثانياً: اختيار الزوج:

    قال تعالى: {...وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ...} [17].

    بين الله عز وجل من خلال هذه الآية الكريمة تحريمه على المؤمنات أن ينكحن مشركاً كائناً من كان المشرك ومن أي أصناف الشرك كان[18].

    وحينما كرم الإسلام المرأة منحها حق الاختيار للزوج؛ فعليها أن تُحسن هذا الاختيار وأن تُغَلِب فيه جانب الإيمان والخلق إتباعاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد"[19].

    ففي هذا الحديث الشريف توجيه من النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - للزواج من صاحب الدين والخلق.

    وحينما تحسن الزوجة اختيار زوجها، ويُحْسِن الزوج اختيار زوجته وفق الأسس الإسلامية فإنهما يؤسسان بذلك قاعدة اجتماعية قوية الأساس قال تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }[20].

    والزوج حينما يحظى بالزوجة الصالحة فإنه يأمن على بيته وأولاده ويجد المعين له في حياته.

    وكذلك المرأة المسلمة فإنها حينما يُنعم الله عليها بالزوج الصالح فإنها تطمئن على وجود المناخ الإسلامي في بيتها وتجد المقوم لسلوكها الموجه لها حين فتورها وتقصيرها. كما تجد المربي لأولادها المعلم لهم داخل بيتها.

    وعلى هذين الأبوين يقع ثقل التربية والتوجيه قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }[21].

    وأكد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - هذه المسؤولية بقوله: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "[22].

    وبقـولــه: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه وُيَنِّصرانه ويُمَجِّسانه"[23].

    فرب الأسرة مسؤول أمام الله تعالى عن تنشئة أسرته التنشئة الصحيحة، وهذا يتطلب منه مراقبة العوامل المؤثرة على سلوكيات أفراد أسرته، يُساعده في ذلك الزوجة الصالحة التي تحفظ بيتها في غيبة زوجها وتُعينه على متابعة أولادها وتنشئتهم نشأة إسلامية صحيحة.

    وهما بهذا يحققان البناء الصحيح للبيت المسلم والذي تنعم الزوجة في ظله بالأمن والاستقرار.

    المسألة الثانية: إحياء دور المرأة الإصلاحي:

    قال تعالى: { والْمؤمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[24] من خلال هذه الآية الكريمة يتبين أهمية دور المرأة في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكـر؛ فليس الأمر محصــوراً في الرجال فقط، وإنما هو عام للأمة قال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[25].

    فالله عز وجل بين أن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبة على الأمة يشترك في ذلك الرجال والنساء.

    وأكد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - عموم هذا الأمر بقوله: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"[26].

    وجاء التخصيص للنساء في التوجيه الإلهي لأمهات المؤمنين بإبلاغ ما يسمعن من الآيات الكريمــة، وما يرينه في بيوتهــن من هــدي النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعــالى:

    {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً }[27].

    وأمر الله عز وجل النساء بالقول المعروف في قوله تعالى: {... وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }[28].

    وفي هذا دليل على ضرورة قيام النساء بالأمر والنهي. وحذر النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - من ترك هذا الأمر بقوله: "والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، فتدعونه فلا يستجاب لكم" وهذا الخطاب عام وموجه للجنسين معاً الرجال والنساء.

    وإذا نظرنا إلى سلف هذه الأمة فإننا نجد أن المرأة المسلمة في الجيل الأول ضربت أروع الأمثلة في التطبيق العملي للقيام بأمر الرسالة فكان للصحابيات عليهن رضوان الله تعالى الدور الفاعل في مجالات التربية والتعليم، والإصلاح، والأدب، وتخريج الرجال، وحتى الجهاد والقتال للذب عن حياض الدين[29].

    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,624

    افتراضي رد: الاعتناء بأحكام النساء في الشريعة الإسلامية

    الاعتناء بأحكام النساء في الشريعة الإسلامية
    د. الجوهرة بنت محمد العمراني



    فها هي خديجة - رضي الله عمها- تساند النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وتعينه على حمل الرسالة منذ اللحظة الأولى التي نزل عليه الوحي فيها حيث واسته عليها رضوان الله تعالى وشجعته على تحمل ما أوكل إليه وكانت تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس[30].
    جاء عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عمها- -في حديث بدء الوحي- أنها قالت: فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده فدخل على خديجة فقال:" زمَّلوني، زمَّلوني فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي! فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلِّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
    فخديجة - رضي الله عمها- حرصت على تثبيت قلب النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وضربت مثلاً عظيماً لدور الزوجة الصالحة وأثرها في مشاركة الزوج ومؤازرته على حمل الرسالة، واستمرت خديجة - رضي الله عمها- في نصر الدعوة ودعمها معنوياً ومادياً حيث أخبر النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - عن خديجة - رضي الله عمها- بقوله: "وواستني بما لها إذ حرمني الناس" [31].
    واستمرت النساء في عهده الكريم - صلى الله عليه وسلم - في دعمهن لهذه الرسالة وترغيبهن في الدخول فيها حيث قامت أم شريك[32] - رضي الله عمها- بالدعوة سراً في أوساط النساء بمكة رغم معارضة قريش الشديدة لذلك، ويتجلى ذلك فيما جاء عن ابن عباس { قال: وقع في قلب أم شريك - رضي الله عمها- الإسلام، فأسلمت وهي بمكة، وكانت تحت أبي العكر الدوسي[33] ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها، وقالوا: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، لكنا سنردك إليهم[34].
    وكانت لهؤلاء النساء مواقف مشرفة في حمل الدعوة والثبات على الحق ونشره؛ حيث شاركن في الهجرة إلى الحبشة، ثم في الهجرة إلى المدينة فراراً بالدين وحرصاً على الثبات عليه ونصره.
    وتركن منهلاً علمياً عظيماً حيث حفظن الحديث وساهمن في نشره وإيضاحه كعائشة - رضي الله عمها- التي قال عنها أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: ما أشكل علينا -أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها علماً[35].
    فكانت - رضي الله عمها- أكثر أمهات المؤمنين علماً ورواية للحديث حتى بلغت روايتها للحديث الفين ومائتين وعشرة أحاديث[36].
    وكان لها - رضي الله عمها- دور بارز في تعليم النساء أمور دينهن وخاصة الأمور الخاصة بهن، والتي يستحي الرجال من ذكرها[37] غالباً؛ فعن عائشة - رضي الله عمها- قالت: "أن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف تغتسل؟ قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري! فاجتذبتها إليّ، فقلت: تتبعي أثر الدم.
    ومواقفهن في ذلك متعددة، ومآثرهن عظيمة. وخلاصة الأمر أن المرأة اليوم بحاجة إلى إعادتها إلى إقتفاء سلف هذه الأمة، وإعادة دورها البناء كما كانت النساء في عهد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وصحابته الكرام } لاسيما وقد تفشت المنكرات، وكثرت الفتن، في الوقت الذي انشغلت فيه كثير من النساء عن دورهن في بيوتهن ومع أولادهن ومجتمعهن النسوي.
    فعلى المرأة المسلمة المساهمة في القيام بدورها الإصلاحي داخل البيت تجاه أولادها بتنشئتهم النشأة الصالحة، وتقويم سلوكهم كما أنّ عليها أن تضرب لهم المثل الطيب للقدوة الصالحة داخل البيت بتعاملها، وصدقها معهم، وعدلها بينهم.
    ودورها في البيت يمتد إلى نصح زوجها، وإعانته على الخير، والتعاون معه على التربية الصحيحة للأولاد بحيث يتكامل العمل بينهما ويتحد أسلوب التربية، فلا يحدث التضاد والتناقض أمام الأولاد، ويمتد أثرها كذلك إلى دراسة العوامل المؤثرة على أولادها من الأصدقاء، والجيران، والأقارب، فتحاول حمايتهم من التأثيرات السلبية المحيطة وتبصيرهم بما يرونه من سلبيات وأفكار هدامة، وتحقيق الحصانة الذاتية لهم عن طريق البناء الصحيح المتكامل لهم.
    وتساهم في خدمة دينها وهي في بيتها عن طريق الكتابات التوجيهية، والمقالات التوعوية في الكتب، والصحف، والمجلات وكتابة الرسائل الشخصية، والقصص الهادفة، ونحوها.
    وقد ظهرت بوادر طيبة بفضل الله تعالى في عصرنا الحاضر تُعبر عن قدرة المرأة على الكتابة التي كان لها الأثر الكبير في النفوس بحمد الله تعالى[38].
    وللمرأة المسلمة أثرها البناء في مجتمع الجيران والأقارب حينما تقدم النصح لهم مع توجيههم إلى الاهتمام بالطاعات، وتجنب المنكرات والمخالفات الشرعية، وبث الوعي الإسلامي بينهم، وحفز همهم لاغتنام الأوقات فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة في الدارين.
    وهي حينما تنصح أقاربها وتوجههم فإنها تستجيب لأمر الله تعالى حينما أمر رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - بدعوة من حوله قال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ }[39] وكذلك المرأة الصالحة العاملة خارج بيتها لها دورها الإصلاحي الكبير مع طالباتها إن كانت معلمة، أو مع قريناتها من الموظفات الأخريات.
    فتكون قدوة صالحة لهن بالتزامها بأوامر الشريعة الإسلامية، والعمل لأجلها بنصحها لهن وإرشادهن وتقويمها لما تراه من أخطاء، ومخالفات شرعية في القول والعمل بأسلوب مناسب يتفق مع آداب النصيحة[40]، فقد قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ...}[41] ومجالات الإصلاح أمام المرأة متعددة، وميادين الدعوة أمامها مختلفة، وقيام المرأة به يساهم في اختفاء الكثير من الممارسات الخاطئة في المجتمع النسوي خاصة مما لا يراه الدعاة من الرجال غالباً، ومشاركة المرأة للرجل في الإصلاح له أثره في إخراج جيل مسلم مستنير بعلوم القرآن والسنة، مترتب على الأخلاق الفاضلة، وبذا يكسب المجتمع القوة في كيانه والصمود أمام الباطل الموجه ضده بعامة، وضد المرأة بخاصة.
    وعلى هذا فإن مسؤولية المرأة في النصح والتوجيه مسؤولية عظيمة فيلزم المرأة أن تكون عضواً بناءً، لا عضواً سلبياً أو هداماً.
    فليس من الإسلام أن تكف المرأة عن دورها اعتماداً على ظن أو وهم خاطئ
    بأن الإصلاح شأن خاص بالرجال دون النساء.

    وليس من الإسلام أن تُلقي المرأة حظها من تلك المسؤولية على الرجل وحده بحجة أنه أقدر منها عليه، أو أنها ذات طابع لا يسمح لها أن تقوم بهذا الواجب، فللرجل دائرته، وللمرأة دائرتها، والحياة لا تستقيم إلا بتكاتف النوعين فيما ينهض بأمتهما، فإن تخاذلا، أو تخاذل أحدهما، انحرفت الحياة الجادة عن سبيلها المستقيم. فلتعلم ذلك النساء، وليفقهن حكم الله فيهن[42].
    وليتكاتف الرجال والنساء معاً لأداء ما أمرهم الله عز وجل به؛ لينالا ثوابه العظيم قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُو نَ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[43].

    [1] سورة النساء، من الآية: 1.

    [2] انظر المرأة الداعية في العهد النبوي الشريف والعصر الحاضر دراسة مقارنة ص: 18 لأحمد يعقوب العطاوي، الناشر: مكتبة الرشد- الرياض، الطبعة الأولى: 1420هـ =2000م.

    [3] الحديث تقدم تخريجه ص: 12.

    [4] تقدم تخريجه ص: 94.

    [5] انظر مكانة المرأة في الإسلام ص: 29 للدكتور محمد عبد الحميد أبو زيد، الناشر: دار النهضة العربية، سنة الطبع: 1979.

    [6] سورة الممتحنة، الآية: 12.

    [7] سورة آل عمران، من الآية: 195.

    [8] سورة النحل، الآية: 97.

    [9] سورة الأحزاب الآية: 35.

    [10] سورة الروم، الآية: 21.

    [11] سورة لقمان، الآية: 20.

    [12] انظر السعادة الزوجية في الإسلام ص: 25 لمحمود الصباغ، الناشر: مكتبة السلام العالمية، ودار الاعتصام.

    [13] انظر المرأة المسلمة إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة ص: 223.

    [14] سورة البقرة، من الآية: 221.

    [15] ولا يشمل هذا إباحة الزواج من نساء أهل الكتاب قال تعالى: {... وَالْمُحْصَنَات ُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَات ُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ...}سورة المائدة، من الآية: 5.

    [16] أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب 15 الأكفاء في الدين، 6/123.

    [17] سورة البقرة، من الآية: 221.

    [18] انظر جامع البيان في تفسير القرآن 4/370.

    [19] أخرجه الإمام الترمذي في سننه 9 كتاب النكاح، باب 3 ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، ح 1085 واللفظ له. قال الإمام أبو عيسى ~: هذا حديث حسن غريب 3/395، وقال الإمام الألباني ~: حسن انظر صحيح سنن الإمام الترمذي ح 886، 1/315.
    وأخرجه الإمام ابن ماجة في سننه 9 كتاب النكاح، باب 46 الأكفاء، ح 1967، 1/632.

    [20] سورة التوبة، الآية: 109.

    [21] سورة التحريم، الآية: 6.

    [22] تقدم تخريجه ص: 12.

    [23] أخرجه الإمام مسلم في صحيحه 46 كتاب القدر 6 باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، 22.

    [24] سورة التوبة، الآية: 71.

    [25] سورة آل عمران، الآية: 104.

    [26] تقدم تخريجه ص: 10.

    [27] سورة الأحزاب، الآية: 34.

    [28] سورة الأحزاب، من الآية: 32.

    [29] للاستزادة انظر المرأة في الإسلام قضايا وفتاوى ص: 25 وما بعدها، لريم نصوح الخياط، تقـديم: د. محمد الزحيلي، الناشر: اليمامة للطباعة والنشر، دمشق - بيروت، الطبعة الأولى: 1418هـ = 1997م.

    [30] انظر السيرة النبوية 1/301.

    [31] أخرجه الإمام أحمد في مسنده 6/118. وإسناده حسن.

    [32] أم شريك اختلف في اسمها ونسبها اختلافا كبيراً، فقيل غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية، وقيل: بنت دودان بن عوف من بني عامر، وقيل: غزيلة باللام. انظر: صفة الصفوة 2/53.

    [33] اسمه مسلم بن سلمى زوج أم شريك رضي الله عنها، هاجر إلى النبي الكريم صلوا ت الله وسلامه عليه مع أبي هريرة رضي الله عنه ، ومع دوس حينما هاجروا. انظر الإصابة في تمييز الصحابة 4/137.

    [34] انظر المصدر السابق 4/137 وأسد الغابة في معرفة الصحابة: 5/594، وصفة الصفوة: 2/53.

    [35] أخرجه الإمام الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب فضل عائشة < ح 3883
    وقال أبو عيسى~ حديث حسن صحيح 5/705، وصححه الإمام الألباني ~. انظر صحيح سنن الإمام الترمذي ح 3044 3/243.


    [36] انظر الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة < على الصحابة ص: 59 لبدر الدين الزركشي، تحقيق سعيد الأفغاني، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية: 1390هـ = 1970م.

    [37] انظر المرأة الداعية في العهد النبوي الشريف والعصر الحاضر دراسة مقارنة: ص: 106.

    [38] انظر المرأة المسلمة المعاصرة إعدادها ومسؤوليتها في الدعوة ص: 520.

    [39] سورة الشعراء، الآية: 214.

    [40] للاستـزادة انظر المـرأة الداعية في العهد النبوي الشريف والعصر الحاضر دراسة مقارنة ص: 143-145.

    [41] سورة النحل، من الآية: 125.

    [42] انظر تعدد نساء الأنبياء ومكانة المرأة في اليهودية والمسيحية ص: 276، لأحمد عبد الوهاب. الناشر: مكتبة وهبه، القاهرة، ودار التوفيق والإسلام للطباعة، القاهرة، الطبعة الأولى: 1409هـ = 1989م.


    [43] سورة التوبة، الآية: 71.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •