دراسة تحليلية للحديث **متجددة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,460

    افتراضي دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (1)


    قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ـ رحمه الله ـ في كتاب العلم من صحيحه:

    (باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)




    حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن سمعت معاوية خطيباً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، و لا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)).

    المبحث الأول: التخريج:
    هذا الحديث رواه البخاري بتمامه في ثلاثة مواضع هذا أحدها، والثاني في (كتاب فرض الخمس) حيث قال: حدثنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والله المعطي وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمة ظاهرة على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون))، والثالث في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) حيث قال: حدثنا إسماعيل حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله )).
    ورواه مسلم في (كتاب الزكاة) من صحيحه دون الجملة الأخيرة في موضعين قال في الأول:
    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبه حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية يقول: إياكم وأحاديث إلاّ حديثاً كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله عزوجل، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما أنا خازن، فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك الله له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشرَه كان كالذي يأكل ولا يشبع)).
    وقال في الثاني: حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو يخطب يقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله)).
    ورواه في (كتاب الإمارة) دون الجملة الوسطى فقال: حدثني إسحاق بن منصور أخبرنا كثير بن هشام حدثنا جعفر ـ وهو ابن برقان ـ حدثنا يزيد بن الأصم قال سمعت معاوية بن أبي سفيان ذكر حديثاً رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم أسمعه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم على منبره حديثاً غيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة)).
    وقد روى الشيخان الجملة الأخيرة فقط في أحاديث أخرى غير هذه الأحاديث المذكورة.
    وقال الترمذي في جامعه: (باب إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين)، حدثنا عليّ بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). وفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، ومعاوية، هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
    ورواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بمثل الجملة الأولى عند الشيخين والترمذي، ورواه أيضاً من حديث معاوية رضي الله عنه ولفظه: ((الخير عادة، والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
    ورواه ابن حبان في صحيحه فقال: أخبرنا ابن قتيبة وهو محمد بن الحسن ـ قال حدثنا حرملة بن يحيى قال حدثنا ابن وهب قال أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
    ورواه البخاري تعليقاً في (باب العلم قبل القول والعمل) من (كتاب العلم) فقال: وقال صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه، وإنما العلم بالتعلم...))، قال الحافظ ابن حجر: كذا في رواية الأكثر، وفي رواية المستملي (يفهمه)، ثم أشار إلى أن البخاري وصله باللفظ الأول، ثم قال: وأما اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبي عاصم في (كتاب العلم) من طريق ابن عمر عن عمر مرفوعاً وإسناده حسن.
    والفقه هو الفهم قال الله تعالى: ( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) أي لا يفهمون، والمراد الفهم في الأحكام الشرعية قال: وقوله: ((وإنما العلم بالتعلم)) هو حديث مرفوع أيضاً أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية أيضاً بلفظ: ((يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). إسناده حسن إلاّ أن فيه مبهماً اعتضد بمجيئه من وجه آخر، وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود موقوفاً. ورواه أبو نعيم الأصبهاني مرفوعاً، وفي الباب عن أبي الدرداء وغيره، فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري، والمعنى: ليس العلم المعتبر إلاّ المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم. انتهى.
    وقال الحافظ أبو بكر الهيثمي في (مجمع الزوائد): وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). رواه الطبراني في الصغير ورجاله رجال الصحيح.
    وعن عبد الله ـ يعني ابن مسعود رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده)). رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون. انتهى.
    وأورد الحافظ المنذري في كتابه (الترغيب والترهيب) حديث ابن مسعود هذا، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به، وأورد حديث معاوية عند الشيخين وابن ماجه وقال: ورواه أبو يعلى وزاد فيه: ((ومن لم يفقهه لم يبال به)). وروى حديث معاوية رضي الله عنه أبو نعيم في (الحلية) في ترجمة رجاء بن حيوة من رواية يونس بن ميسرة عنه، وفي ترجمة عليّ بن عبد الحميد من رواية عبد الله بن عامر عنه، ورواه بلفظ: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده)) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في ترجمة شقيق بن سلمة من رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي وائل عنه، وقال: غريب من حديث الأعمش تفرد به أبو بكر بن عياش.
    وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله): باب قوله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). ثم روى بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً: ((من يرد الله به خيراً يفقهه)). ورواه بسنده عنه عن أبيه عمر رضي الله عنهما مرفوعاً بلفظ: ((من يرد الله أن يهديه يفقهه))، ثم قال: أخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي قال حدثنا سليمان بن داود الشاذكوني قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). وفي هذا الباب حديث معاوية صحيح أيضاً: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا يحيى القطان عن ابن عجلان قال حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: كان معاوية بن أبي سفيان يخطب بالمدينة يقول: ((أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، سمعت هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الأعواد)).
    وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا عليّ بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال أخبرنا عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن (كذا، والصواب حميد بن عبد الرحمن)، قال سمعت معاوية وخطبنا فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على الحق أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)). وروى نحوه بسنده إلى الإمام البخاري ومنه عن شيخه سعيد بن عفير بمثل سنده في (كتاب العلم) من صحيحه، وروى بسنده إلى كثير بن هشام في سند الحديث الذي أورده الإمام مسلم في (كتاب الإمارة) ومنه بمثل سنده ومتنه عنده. وروى بسنده إلى عبد الله بن محيريز عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين)). انتهى. ورواه أبو داود الطيالسي بسنده إلى محمد بن كعب القرظي عن معاوية بنحو حديثه المتقدم ذكره عند ابن عبد البر.
    خلاصة التخريج:
    والخلاصة أن الجملة الأولى التي ترجم بها الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ وهي قوله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) رواها الشيخان، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي عاصم، والطبراني، وأبو يعلى، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو داود الطيالسي، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. ورواها الترمذي والإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ورواها ابن ماجه، والطبراني في (الصغير)، وأبو عمر بن عبد البر، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواها ابن أبي عاصم، والطبراني في (الأوسط)، وأبو عمر بن عبد البر، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ورواها أبو عمر بن عبد البر من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ورواها البزار، والطبراني في (الكبير)، وأبو نعيم في (الحلية) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
    من فوائد هذا التخريج:
    (1) الوقوف على كثرة طرق الحديث، ومعلوم أن كثرة الطرق تحصل بها زيادة القوة.
    (2) الوقوف على تصريح عبد الله بن وهب بالإخبار والإنباء كما في إحدى الروايات عند مسلم وكما عند ابن حبان، وعبد الله بن وهب قد وصفه ابن سعد بالتدليس كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن مدار أسباب الجرح على خمسة أشياء فذكر من بينها: دعوى الانقطاع في السند، بأن يدعي في الراوى أنه كان يدلس أو يرسل، ثم قال عند الجواب عن ذلك: وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده ـ أي البخاري ـ بالعنعنة، فإن وجد التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض وإلا فلا.
    وهذا الحديث قد رواه ابن وهب بالعنعنة عند البخاري، وقد صرح بالإخبار عند مسلم، والإنباء عند ابن حبان كما رأيت، فاندفع الاعتراض بعد حصر الطرق والوقوف عليها.
    (3) معرفة المكان الذي خطب فيه معاوية رضي الله عنه وأنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات مسلم، وأوضحته رواية ابن عبد البر.
    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد بإيجاز:
    الأول: أول رجال الإسناد سعيد بن عفير شيخ البخاري، وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاري مولاهم، أبو عثمان المصري، وقد ينسب إلى جده كما في إسناد هذا الحديث.
    روى عن الليث، ومالك، وابن وهب، وغيرهم. وروى عنه البخاري في الصحيح والأدب المفرد، وخرّج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والنسائي.
    قال الحافظ في (التقريب): صدوق عالم في الأنساب وغيرها. وقال: وقد رد ابن عدي على السعدي في تضعيفه. وقال في (تهذيب التهذيب): وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال إبراهيم بن الجنيد وابن معين: ثقة لا بأس به. وقال النسائي: سعيد بن عفير صالح، وابن أبي مريم أحب إليَّ منه. وقال الحاكم: يقال إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه. وقال في (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال): قال ابن عدي صدوق ثقة. وقال الحافظ في (هدي الساري): ونقل عن الدولابي عن السعدي قال: سعيد بن عفير فيه غير لون من البدع، وكان مخلطاً غير ثقة. ثم تعقب ذلك ابن عدي فقال: هذا الذي قاله السعدي لا معنى له، ولا بلغني عن أحد في سعيد كلام، وهو عند الناس ثقة ولم ينسب إلى بدع، ولا كذب، ولم أجد له بعد استقصائي على حديثه شيئاً ينكر عليه سوى حديثين رواهما عن مالك. فذكرهما وقال: لعل البلاء فيهما من ابنه عبيد الله لأن سعيد بن عفير مستقيم الحديث. ثم قال الحافظ: قلت: لم يكثر عنه البخاري، وروى له مسلم والنسائي. وقال في (تهذيب التهذيب) ولد سنة 146 وتوفى سنة 226هـ.
    الثاني: ابن وهب وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد. قاله الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب).
    روى عن عمرو بن الحارث، وحيوة بن شريح، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد، وغيرهم. وروى عنه شيخه الليث بن سعد، وعبد الرحمن بن مهدي، وعليّ بن المديني، وحرملة بن يحيى، وغيرهم. قال فيه الإمام أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح. وقال: ما أصح حديثه وأثبته. وقال أحمد بن صالح: حدث ابن وهب بمائة ألف حديث. وقال ابن خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: نظرت في نحو ثلاثين ألفاً من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر، لا أعلم أني رأيت له حديثاً لا أصل له، وهو ثقة. وقال ابن سعد: عبد الله بن وهب كان كثير العلم، ثقة فيما قال: حدثنا، وكان يدلس. وقال العجلي: مصري ثقة صاحب سنة، رجل صالح صاحب آثار. وعن ابن وضاح قال: كان مالك يكتب إلى عبد الله بن وهب: فقيه مصر، قال: وما كتبها مالك إلى غيره. ذكر ذلك وغيره الحافظ في (تهذيب التهذيب)، وقال: وقال ابن يونس: حدثني أبي عن جدي قال: سمعت ابن وهب يقول: ولدت سنة 125وطلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة. وكانت وفاته سنة 197 رحمه الله، وقد خرج حديثه الجماعة.
    الثالث: يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي ـ بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام ـ أبو يزيد مولى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ثقة إلاّ أن في روايته عن الزهري وهماً قليلاً، وفي غير الزهري خطأ. قاله الحافظ في (تقريب التهذيب).
    روى عن الزهري، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وغيرهم. وروى عنه الليث، والأوزاعي، وابن المبارك، وابن وهب، وغيرهم. كما في (تهذيب التهذيب). وقال الحافظ في (هدي الساري): قلت: وثقه الجمهور مطلقاً، وإنما ضعفوا بعض روايته حيث يخالف أقرانه أو يحدث من حفظه، فإذا حدّث من كتابه فهو حجة. قال ابن البرقي: سمعت ابن المديني يقول: أثبت الناس في الزهري مالك، وابن عيينة، ومعمر، وزياد بن سعد، ويونس من كتابه، وقد وثقه أحمد مطلقاً، وابن معين، والعجلي، والنسائي، ويعقوب بن شيبة، والجمهور، واحتج به الجماعة. وقال في التقريب: مات سنة تسع وخمسين ـ أي بعد المائة على الصحيح ـ، وقيل سنة ستين.
    الرابع: ابن شهاب الزهري، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، وكنيته أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه. قاله الحافظ في (التقريب). وقال في (تهذيب التهذيب): الفقيه أبو بكر، الحافظ المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام. انتهى.
    وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، ومحمود بن الربيع. وروى عن الفقهاء السبعة وغيرهم. وروى عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، والأوزاعي، وابن جريج، ويونس بن يزيد، والليث بن سعد، وهشيم، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
    قال البخاري عن عليّ بن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال ابن سعد: قالوا: وكان الزهري ثقة كثير الحديث، والعلم، والرواية، فقيهاً جامعاً. وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئاً فنسيته. وقال النسائي: أحسن أسانيد تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، وذكر من بينها: الزهري عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جده، والزهري عن عبيد الله عن ابن عباس. ذكر ذلك وغيره الحافظ في (تهذيب التهذيب). وقال ابن خلكان في (وفيات الأعيان): هو أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة، رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري. وقال: وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم مَن؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم مَن؟ قال: ابن شهاب، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وقال: وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوماً: والله لهذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر. وقال: وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، سنة أربع وعشرين ومائة، وقيل ثلاث وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وقيل ثلاث وسبعين سنة، وقيل مولده سنة إحدى وخمسين للهجرة، والله أعلم. انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة رحمه الله.
    وابن شهاب هو الذي قام بتدوين الحديث النبوي بأمر عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ لهذا يطلقون عليه ـ رحمه الله ـ أنه واضع علم الحديث رواية، ويقول السيوطي في ألفيته:
    أول جامع الحديث والأثر ** ابن شهـاب آمـر لـه عمر
    الخامس: حميد بن عبد الرحمن، وهو: حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني. عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، وخاله عثمان، وطائفة. وعنه ابنه عبد الرحمن، وابن أخيه سعد، والزهري. وثقه أبو زرعة وقال: مات سنة خمس وتسعين، قاله الخزرجي في (خلاصة التذهيب). وقال الحافظ في (التقريب): ثقة من الثانية. وقال في (تهذيب التهذيب): إن كنيته أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان، وقال: قال العجلي وأبو زرعة وأبو خراش: ثقة. وقال: توفى سنة 95 وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. انتهى. وقد خرّج حديثه الجماعة.
    السادس: صحابي الحديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، قال الحافظ في (التقريب): معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين. انتهى.
    وقال في (تهذيب التهذيب): أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وأخته أم حبيبة. وعنه جرير بن عبد الله البجلي، والسائب بن يزيد الكندي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وأناس آخرون ذكرهم في (تهذيب التهذيب)، ثم قال: ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقره عثمان مدة خلافته، ثم ولي الخلافة. قال ابن اسحاق: كان معاوية أميراً عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة. انتهى.
    وقال في (الخلاصة): له مائة وثلاثون حديثاً، اتفقا ـ البخاري ومسلم ـ على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة. وقال الموفق ابن قدامة المقدسي في (لمعة الاعتقاد): ((ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين )).
    وقال شارح الطحاوية: ((وأول ملوك المسلمين معاوية رضي الله عنه، وهو خير ملوك المسلمين)) انتهى.
    وقد حصل بينه وبين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه شيء من الخلاف، وكل منهما قد اجتهد، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد وخطؤه مغفور، والواجب على كل مسلم أن يصون لسانه عما جرى بينهما خصوصاً، وعما جرى بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم عموماً، إلا بالكلام في الخير، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت))، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في (العقيدة الواسطية): ((ومن أصول أهل السنة والجماعة، سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ( والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) وطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه)).
    وقال شارح الطحاوية: ((فمن أضل ممن يكون في قلبه غلّ على خيار المؤمنين، وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين))، وقال أيضاً بعد الإشارة إلى ما جرى بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما واعتذاره عنهما: ((ونقول في الجميع بالحسنى: ( والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) والفتن التي كانت في أيامه ـ أي أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه ـ قد صان الله عنها أيدينا فنسأله تعالى أن يصون عنها ألسنتنا بمنه وكرمه)). انتهى.
    ويقول الطحاوي ـ رحمه الله ـ في عقيدته: ((وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلاّ بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل)).
    وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في (البداية والنهاية): وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: ((الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ. فقيل له فمعاوية، قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان عليّ من عليّ، ورحم الله معاوية.
    وقال: قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني عباد بن موسى حدثنا عليّ بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبي عروبة عن عمر بن عبد العزيز قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينا أنا جالس إذ أتي بعليّ ومعاوية فأدخلا بيتا وأجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج عَليٌّ وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة)).
    وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية فقال له: ولِمَ؟ قال: لأنه قاتل عليّاً، فقال له أبو زرعة: ويحك، إن رب معاوية رحيم وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما؟ رضي الله عنهما.
    وسئل الإمام أحمد عما جرى بين عليّ ومعاوية فقرأ: ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون )، وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الأوزاعي: سئل الحسن عما جرى بين عليّ وعثمان فقال: ((كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة، فابتلي هذا، وعوفي هذا))، وسئل عما جرى بين عليّ ومعاوية فقال: ((كانت لهذا قرابة، ولهذا قرابة، ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة فابتليا جميعاً))، وقال أيضاً:وقال محمد بن يحيى بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية، فقال: ((ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد))، فقيل له: أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: ((لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز)).
    وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سئل المعافى بن عمران: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل: ((أتجعل رجلاً من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله)). وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: ((معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه)). وقال الميموني: ((قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن، إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام)).
    وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص، أيقال له رافضي؟ فقال: ((إنه لم يجترىء عليهما إلاّ وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلاّ وله داخلة سوء)). وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: ((ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قط إلاّ إنساناً شتم معاوية فإنه ضربه أسواطاً)). إلى غير ذلك من الكلمات الجميلة المأثورة عن سلف هذه الأمة في حق خيار الخلق بعد النبيين والمرسلين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين.
    المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسناد الستة خرّج حديثهم الشيخان البخاري ومسلم، بل قد خرّج لهم أيضاً بقية أصحاب الكتب الستة ما عدا سعيد بن عفير شيخ البخاري فقد خرّج له مع الشيخين النسائي وأبو داود في القدر ولم يخرج حديثه الباقون.
    (2) في سند الحديث تابعيان مدنيان قرشيان زُهريان هما: ابن شهاب الزهري وشيخه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
    (3) في سند الحديث مصريان وهما: شيخ البخاري سعيد بن عفير وشيخ شيخه عبد الله بن وهب.
    (4) نصف سند الحديث الأعلى قرشيون وهم: معاوية رضي الله عنه، وحميد بن عبد الرحمن، وابن شهاب الزهري، ونصفه الأدنى من الموالي فسعيد بن عفير مولى الأنصار، وابن وهب مولى القرشيين، ويونس بن يزيد مولى الأمويين.
    (5) يونس بن يزيد الأيلي مولى معاوية بن أبي سفيان الأموي رضي الله عنه كما في (تهذيب التهذيب)، ففي سند الحديث مولى من أعلى وهو معاوية رضي الله عنه، ومولى من أسفل وهو يونس بن يزيد.
    (6) قول معاوية رضي الله عنه في الحديث: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين...)) الخ. يسمى المرفوع من القول تصريحاً.
    (7) إخبار حميد بن عبد الرحمن بالهيئة التي حصل فيها أداء الحديث من معاوية رضي الله عنه وهي كونه يخطب، يدل على ضبطه وإتقانه لما رواه، ومثل هذا يعد من الطرق التي يستفاد بها ذلك في رواية الراوي وتحمله عند المحدثين.
    (8) عبد الله بن وهب مدلس وقد صرّح بالإخبار والإنباء كما تقدم إيضاح ذلك في فوائد التخريج، وابن شهاب الزهري وصفه الذهبي في (ميزان الاعتدال) بأنه يدلس نادراً، وهذا الحديث بصيغة (قال) الشبيهة (بعن) وقد صرّح بالإخبار عند البخاري في (كتاب الاعتصام)، وصرح بالتحديث عند مسلم في (الزكاة) وتقدم سياقهما في التخريج.
    (9) إن تتبعنا لطرق هذا الحديث يسمى مثله في علم مصطلح الحديث الاعتبار.
    ورواية إسماعيل بن أبي أويس عند البخاري، وحرملة بن يحيى عند مسلم، عن ابن وهب، تسمى متابعة تامة، لأن سعيد بن عفير توبع في رواية الحديث عن شيخه ابن وهب.
    ورواية حبان بن موسى عن عبد الله عن يونس، وكذا الروايات الأخرى التي تلتقي أسانيدها مع إسناد سعيد بن عفير في الرواية عن معاوية رضي الله عنه تسمى متابعة قاصرة.
    أما الروايات التي ورد بها الحديث من طريق صحابة آخرين وهم: عمر وابنه عبد الله، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو هريرة رضي الله عنهم فتسمى شواهد.
    (10) قال الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر): ((ومن المهم في هذا الفن معرفة من اختلف في كنيته ومن كثرت كناه))، وفي سند هذا الحديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال فيه الحافظ في (تهذيب التهذيب): أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان.
    (11) وقال في (نخبة الفكر) أيضاً: ((ومن المهم معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه))، وفي سند هذا الحديث شاهد لذلك: فيونس الأيلي كنيته أبو يزيد واسم أبيه يزيد.
    المبحث الرابع: شرح الحديث:
    (1) هذا الحديث مشتمل على ثلاث جمل كل واحدة منها لها معنى قائم بنفسه، والموافق للترجمة منها هو الجملة الأولى، وذكر الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) أن الجمل الثلاث قد تتعلق جميعها بترجمة الباب من جهة إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجوداً حتى يأتي أمر الله.
    (2) قوله (يفقهه في الدين) معناه يفهمه، يقال: فقُه بالضم إذا صار الفقه له سجية، وفقَه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقِه بالكسر إذا فهم، والمراد به الفهم في الأحكام الشرعية، أي الفهم الذي يثمر العمل ليكون فقهه وعلمه له لا عليه كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((والقرآن حجة لك أو عليك)).
    (3) قال الحافظ في (الفتح): ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية رضي الله عنه من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره: ((ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به))، والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهاً ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير. انتهى.
    (4) الحديث دال على مادلت عليه الآيات الكثيرة، والأحاديث المستفيضة من وصف الله بالإرادة، ومعلوم أن مذهب أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته: تنـزيهه عما نزّه عنه نفسه، وإثبات جميع ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بجلال الله، بدون تكييف ولا تمثيل، وبدون تأويل أو تعطيل، كما قال سبحانه وتعالى: ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير )، وصفات الله تعلى كلها يقال في بعضها ما يقال في البعض الآخر، دون فرق بين صفة وصفة، فكل ما ثبت في الكتاب والسنة من العلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والقدرة، واليدين، والوجه، والغضب، والرضا، والاستواء على العرش، وغير ذلك، يجب إثباته له، واعتقاده على النهج الواضح الذي بينه الله بقوله ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير )، وكما أن لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فكذا صفاته الثابتة بالكتاب والسنة تثبت على الوجه اللائق بالله، دون أن يكون فيها مشابهاً لخلقه، فإنه يقال في الصفات ما قيل في الذات سواء بسواء، كما أنه يقال في بعض الصفات ما قيل في البعض الآخر سواء بسواء.
    وإرادة الله تعالى عند أهل السنة نوعان دل عليهما كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم: (إحداهما) بمعنى المشيئة الكونية القدرية، و(الثانية) الإرادة الدينية الشرعية، والفرق بينهما:
    أن الكونية القدرية شاملة لكل شيء، لا فرق فيها بين ما يحبه الله وما يبغضه، ولابد من وقوع ما تقتضيه، وأما الدينية الشرعية فهي خاصة فيما يحبه الله ويرضاه، ولا يلزم وقوع ذلك، فالله تعالى أراد من الإنس والجن شرعاً وديناً أن يعبدوه وحده، وذلك محبوب إليه، ولذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل، وأراد كوناً وقدراً في بعض عباده الخير، فاجتمع لهم الأمران الكوني والشرعي، وأراد في البعض الآخر غير ذلك فوقعت في حقه الكونية دون الدينية الشرعية، فالذي أراده كوناً وقدراً: أن يكون الناس فريقين فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، ولابد من وقوع ذلك، ولو شاء غير ذلك لوقع، كما قال الله تعالى: ( قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين )، وقال ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجِّنة والناس أجمعين )، أما بيان الحق والدعوة إليه فهو حاصل للكل، قال تعالى ( ألم نجعل له عينين* ولسانا وشفتين* وهديناه النجدين )، قال تعالى ( والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) فحذف مفعول الفعل (يدعو) إشارة إلى العموم فيه والشمول، وأظهر مفعول الفعل (يهدي) المفيد الخصوص، فالدعوة إلى الحق عامة للجميع والهداية خاصة فيمن وفقه الله.
    وما قدّره الله وقضاه لابد من وقوعه كما تقدم بيانه، ونحن لا نعلم ذلك إلاّ بواحد من أمرين: (أحدهما) وقوع الشيء، فكل ما وقع علمنا أن الله قد شاءه، لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فأي حركة تجري فهي بمشيئة الله، و(الثاني) حصول الإخبار بالشيء الغائب عنّا من الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، سواء كان ماضياً أو مستقبلاً، فإذا أخبر عن شيء ماض علمنا قطعاً بأنه كان ووقع كما أخبر، وإذا أخبر عن شيء مستقبل علمنا قطعاً بأنه لابد وأن يقع لأن الله قد شاءه، فالأخبار الماضية كأخبار بدء الخلق مثلاً، والمستقبلة كأخبار آخر الزمان ونهاية الدنيا وغير ذلك.
    وليس معنى المشيئة الشاملة والإرادة القدرية أن الإنسان مسلوب الإرادة مجبور على أفعاله لا مشيئة له ولا اختيار، بل له مشيئة تابعة لمشيئة الله كما قال تعالى: ( ما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين )، ولهذا ندرك الفرق بين الحركات الاضطرارية كحركة المرتعش، والحركات الاختيارية من العقلاء كالبيع والشراء، وحصول الإحسان من البعض، والإساءة من البعض الآخر، فالاضطرارية لا دخل للعبد فيها، والاختيارية تجري بمشيئة العبد وإرادته التابعة لمشيئة الله وإرادته.
    ومن أمثلة الإرادة الدينية في القرآن قوله تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )، وقوله ( والله يريد أن يتوب عليكم )، ومن أمثلة الكونية القدرية قوله تعالى( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم )، وقوله ( ولكن الله يفعل ما يريد )، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذين نحن بصدد الكلام عليه: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
    (5) قوله (إنما أنا قاسم والله يعطي)، أعاد البخاري الحديث في (كتاب فرض الخمس) للاستدلال بهذه الجملة على أن قسمة الغنيمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قاسم للمال حيث أمره الله، وساق مع هذا الحديث أحاديث أخرى منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أُمرت)). والمعنى: لا أعطي أحداً ولا أمنع أحداً إلاّ بأمر الله، وفي ذلك إثبات القضاء والقدر والإيمان بذلك، وأنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، وأن العباد يتصرفون في المال بحق وبغير حق، بإرادتهم ومشيئتهم، وحصول قسمته بين الناس كما قسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مما قضاه الله كوناً وقدراً، وأمر به شرعاً وديناً.
    (6) قوله (ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)، أعاد البخاري الحديث بتمامه في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) للاستدلال بهذه الجملة على عدم خلو الأرض من معتصم بالكتاب والسنة حتى يأتي أمر الله، وأورد هذه الجملة فقط في (كتاب المناقب مشيراً إلى أن ذلك من علامات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو منقبة لهذه الأمة.
    (7) أمة محمد صلى الله عليه وسلم لها معنيان: معنى عام ومعنى خاص، فالأمة بالمعنى العام هي أمة الدعوة، وهم كل إنسان وكذا الجن من حين بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، فإن الدعوة موجهة إليهم كما قال صلى الله عليه وسلم في الخمس التي أعطيها دون من قبله: ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)). ويدل للأمة بالمعنى العام قوله تعالى: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ).
    أما الأمة بالمعنى الخاص: فهي أمة الإجابة، وهم الذين أجابوا الدعوة ودخلوا في دين الله، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:( كنتم خير أمة أخرجت للناس )، وقوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا )الآية. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ((ولن تزال هذه الأمة...)) الخ.
    (8) قوله (ولن تزال هذه الأمة)، هو من العام المراد به الخصوص، فإن المراد به بعض الأمة كما دل على ذلك أدلة منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون)). أخرجه البخاري في (كتاب الاعتصام) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
    (9) في المراد بالطائفة المنصورة أقوال، جزم البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه بأنهم أهل العلم بالآثار، وقال أحمد بن حنبل: ((إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم)). وقال القاضي عياض: ((أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث)). وقال النووي: ((يحتمل أن تكون هذه الطائفة فرقة من أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر الله تعالى من مجاهد، وفقيه، ومحدث، وزاهد، وآمر بالمعروف، وغير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد، بل يجوز أن يكونوا متفرقين)). ذكر هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
    (10) (أمر الله): ذكر في الجملة الأخيرة مرتين لكل منهما معنى، فمعنى (أمر الله) في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله)) شرع الله ودينه، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد))، ومعنى أمر الله في قوله: (حتى يأتي أمر الله) ما قدره الله وقضاه من خروج ريح في آخر الزمان تقبض روح كل من في قلبه شيء من الإيمان، ويبقى شرار الناس الذين عليهم تقوم الساعة كما جاء ذلك في أحاديث صحيحة، منها ما رواه مسلم في صحيحه في (كتاب الفتن) في ذكر الأمور التي تجري في آخر الزمان وفيه: ((بينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة)).
    والأمر كالإرادة يأتي لمعنى كوني قدري ومعنى ديني شرعي، وهذا الحديث فيه شاهد لكل من المعنيين.
    (11) من فقه الحديث وما يستنبط منه:
    (1) الترغيب في طلب العلم والحث عليه.
    (2) بيان فضل العلماء على سائر الناس.
    (3) بيان فضل التفقه في الدين على سائر العلوم.
    (4) إثبات صفة الإرادة لله تعالى.
    (5) أن الفقه في الدين علامة لإرادة الله الخير بالعبد.
    (6) إرشاد الناس إلى السنة وإعلانها على المنابر.
    (7) الإيمان بالقضاء والقدر وأن المعطي المانع هو الله تعالى.
    (8) بشارة هذه الأمة بأن الخير باق فيها.
    (9) إخباره صلى الله عليه وسلم عما يستقبل وهو من الغيب الذي أطلعه الله عليه.
    (10) إخباره بهذا المغيب من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم حيث وقع كما أخبر مدة أربعة عشر قرناً الماضية، ولابد من استمرار ذلك حتى يأتي أمر الله كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.
    (11) وجوب الإيمان بوقوع استمرار الحق، وأنه لا ينقطع حتى يأتي أمر الله كما جاء ذلك عن الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه.
    (12) هذا الإخبار منه صلى الله عليه وسلم عما يستقبل أحد طريقي العلم بالشيء الذي قدره الله والطريق الثانية الوقوع.
    (13) أن الطائفة المنصورة لها مخالفون ومناوؤون.
    (14) الحث على التمسك بالكتاب والسنة ليكون العبد من هذه الطائفة.
    (15) بيان أن أعداء هذه الطائفة لا يضرونها ولا يؤثرون على استمرار الحق.
    (16) أن استمرار الحق في أمة محمد صلى الله عليه وسلم منقبة عظيمة لها.
    (17) أن الإجماع حجة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,460

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (2)



    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)
    حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس عن الزهري (ح) وحدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فَلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)).
    المبحث الأول: التخريج:
    هذا الحديث أورده البخاري في خمسة مواضع من صحيحه هذا أحدها، والثاني في (كتاب الصيام، باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان)، ولفظه: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة)).
    والثالث: في (كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة)، ولفظه: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة))، وعن عبد الله حدثنا معمر بهذا الإسناد نحوه، وروى أبو هريرة وفاطمة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن جبريل كان يعارضه القرآن)).
    والرابع: في (كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم)، رواه عن شيخه عبدان بسنده في هذا الحديث، وبمثل لفظه عند بشر بن محمد إلاّ أنه بدون (كان) في قوله ((وكان أجود ما يكون...)) الخ.
    والخامس: في (كتاب فضائل القرآن، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم)، ولفظه: حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة)).
    وقد أخرج الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ هذا الحديث في (كتاب الفضائل) من صحيحه، فقال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا إبراهيم ـ يعني ابن سعد ـ عن الزهري (ح) وحدثني أبو عمران محمد بن جعفر بن زياد ـ واللفظ له ـ أخبرنا إبراهيم عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، أن جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة))، وحدثنا أبو بكر حدثنا ابن المبارك عن يونس (ح) وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد نحوه. وروى قبل ذلك بحديثين بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس)).
    وأخرج الحديث البخاري في (الأدب المفرد) عن شيخه موسى بن إسماعيل بمثل حديثه عنه في (كتاب الصيام) سنداً ومتناً.
    وأخرجه النسائي في (كتاب الصوم، باب الفضل والجود في شهر رمضان)، عن شيخه سليمان بن داود عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس بنحو هذا الحديث عند البخاري.
    وأخرجه الإمام أحمد في مسنده من طرق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج الجملة الأخيرة منه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز بسنده إلى عمر عن عبيد الله عن ابن عباس رضي الله عنه : ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود من الريح المرسلة إذا نزل عليه جبريل عليه السلام يدارسه القرآن))، ثم قال غريب من حديث عمر لم نكتبه إلاّ من هذا الوجه.

    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري في الإسناد الأول عبدان. قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد واسمه ميمون، وقيل: أيمن الأزدي العتكي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، الحافظ الملقب عبدان.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): روى عن شعبة، ومالك، وابن المبارك. وعنه البخاري، والذهلي، وخلق.
    وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): قال أحمد بن عبدة: تصدق عبدان في حياته بألف ألف درهم، وكَتَبَ كُتُبَ ابن المبارك بقلم واحد. وذكر توثيقه عن أبي رجاء محمد بن حمدويه، وقول الحاكم: كان إمام أهل الحديث ببلده.
    وقال في (التقريب): ثقة، حافظ من العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين في شعبان ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى ابن ماجه.
    الثاني: شيخ البخاري في الإسناد الثاني بشر بن محمد. قال الخزرجي في (الخلاصة): بشر بن محمد السختياني أبو محمد المروزي، صدوق رمي بالإرجاء. عن ابن المبارك، وعنه البخاري، وقال: مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وذكره ابن حبان في (الثقات) كما في (تهذيب التهذيب)، وهو من رجال البخاري دون بقية الجماعة.
    الثالث: شيخ شيخي البخاري في الإسنادين عبد الله بن المبارك. قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة.
    وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ـ أي بعد المائة ـ، وله ثلاث وستون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وذكر في (تهذيب التهذيب) الكثير من ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول ابن عيينة: ((نظرت في أمر الصحابة فما رأيت لهم فضلاً على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وغزوهم معه)). وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع معمر بن راشد، ويونس بن يزيد، وغير واحد. وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، ومسلم بن إبراهيم، وغير واحد عند مسلم. وسرد في (تهذيب التهذيب) الكثير من أسماء شيوخه وتلامذته ومنهم: شيخاه وتلميذاه في هذا الحديث.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): وترجمته كبيرة في الحلية لأبي نعيم، وتاريخ الحاكم.
    الرابع: معمر بن راشد. قال الحافظ في (تقريب التهذيب): معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة، ثبت، فاضل إلاّ أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ـ أي بعد المائة ـ، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال في مقدمة الفتح: معمر بن راشد صاحب الزهري، كان من أثبت الناس فيه. وقال: أخرج له البخاري من روايته عن الزهري، وابن طاووس، وهمام بن منبه، ويحيى بن أبي كثير، وهشام بن عروة، وأيوب، وثمامة بن أنس، وعبد الكريم الجزري، وغيرهم، ولم يخرّج له من روايته عن قتادة ولا ثابت إلاّ تعليقاً، ولا من روايته عن الأعمش شيئاً، ولم يخرج له من رواية أهل البصرة عنه إلاّ ما توبعوا عليه عنه، واحتج به الأئمة كلهم. ونقل في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن شيبة، والنسائي، وذكر كثيراً من ثناء الأئمة عليه.
    الخامس والسادس: يونس بن يزيد الأيلي وشيخه ابن شهاب الزهري وقد تقدم التعريف بهما في رجال إسناد الحديث الأول.
    السابع:عبيد الله بن عبد الله. قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي، حليف بني زهرة، أحد الفقهاء السبعة، سمع عبد الله بن عباس، وزيد بن خالد، وأبا هريرة، وأم قيس بنت محصن، وعائشة، وأبا سعيد الخدري عندهما ـ أي في الصحيحين ـ، وغير واحد عند مسلم. وروى عنه الزهري، وصالح بن كيسان، وموسى بن أبي عائشة عندهما، وغير واحد عند مسلم.
    وقال الحافظ في (تقريب التهذيب): أبو عبد الله المدني، ثقة، فقيه، ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل سنة ثمان، وقيل غير ذلك، ورمز لكونه من رجال الجماعة، ونقل في (تهذيب التهذيب) ثناء كثير من الأئمة عليه، وتوثيقهم له رحمه الله.
    الثامن: صحابي الحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
    قال الخزرجي في (الخلاصة): عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، أبو العباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وحبر الأمة وفقيهها، وترجمان القرآن، روى ألفا وستمائة وستين حديثاً، اتفقا ـ أي البخاري ومسلم ـ على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين. وقال أيضاً: ابن عباس سمع من النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين حديثاً وباقي حديثه عن الصحابة، واتفقوا على قبول مرسل الصحابي.
    وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري مائتي حديث وسبعة عشر حديثاً. وقال في (تقريب التهذيب): ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه. وقال: مات سنة ثمان وستين بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): روى عنه سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وجماعة من التابعين عندهما، أي الصحيحين.
    وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): فائدة: روي عن غندر أن ابن عباس لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ تسعة أحاديث، وعن يحيى القطان عشرة، وقال الغزالي في (المستصفى): أربعة، وفيه نظر، ففي الصحيحين عن ابن عباس مما صرّح فيه بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرة، وفيهما مما يشهد فعله نحو ذلك، وفيهما مما له حكم الصريح نحو ذلك فضلا عما ليس في الصحيحين.
    المبحث الثالث، لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسنادين الثمانية خرّج أصحاب الكتب الستة حديثهم إلاّ شيخ البخاري في الإسناد الأول عبدان فلم يرو له ابن ماجه وروى له الباقون. وشيخه في الإسناد الثاني بشر بن محمد، فقد انفرد البخاري بإخراج حديثه.
    (2) في سند الحديث تابعيان مدنيان هما: ابن شهاب الزهري، وشيخه عبيد الله بن عبد الله فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
    (3) في سند الحديث ثلاثة مروزيون وهم: شيخا البخاري: عبدان وبشر، وشيخ شيخيه: عبد الله بن المبارك.
    (4) في سند الحديث أزديان ولاء وهما: شيخ البخاري عبدان، ومعمر بن راشد شيخ عبد الله بن المبارك.
    (5) حرف (ح) يفيد تحويل الإسناد من إسناد إلى آخر، والفائدة من ذلك هي الاختصار وتلافي تكرار الأسماء، ومنتهى الإسنادين الزهري، ومنه يكون الإسناد واحداً هكذا.
    قال البخاري: حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس عن الزهري (ح) وحدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه. قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس... الخ.
    وإنما لم يجعل البخاري الطريقين طريقاً واحداً من عبد الله بن المبارك مع أنه هو ملتقى طريق عبدان بطريق بشر بن محمد، لأن عبد الله بن المبارك حدّث به عبدان عن يونس وحده، وحدث به بشر بن محمد عن يونس ومعمر معاً.
    (6) قول عبد الله بن المبارك في الإسناد الثاني: أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه: أي أن لفظ الحديث من رواية يونس، وأما رواية معمر فهي بمعناه، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من فتح الباري.
    وقال في شرحه لحديث جابر رضي الله عنه في الخمس التي أوتيها صلى الله عليه وسلم في أوائل (كتاب التيمم) وهو الحديث الآتي، وفي إسناده تحويل قال: وقد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري، أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد فإن اللفظ يكون للأخير، والله أعلم. انتهى.
    وعلى هذا فمتن الحديث لفظه من رواية بشر بن محمد شيخ البخاري في الإسناد الثاني، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر.
    (7) في سند الحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يرد إطلاق هذا الوصف عليهم كثيراً، قال النووي في كتاب (الإشارات إلى أسماء المبهمات): اعلم أن من أفضل التابعين، وكبارهم، وسادتهم، الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، فستة متفق عليهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار.
    وفي السابع ثلاثة أقوال: (أحدها) أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، نقله الحاكم أبو عبد الله عن فقهاء الحجاز، و(الثاني) أنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قاله ابن المبارك، و(الثالث) أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قاله أبو الزناد. انتهى.
    وذكرهم ابن القيم في أوائل (إعلام الموقعين) على ما قاله أبو الزناد، وقال: قد نظمهم القائل فقال:
    إذا قيل من في العلم سبعة أبحر ** روايتهم ليست عن العلم خارجة
    فقل: هم عبيد الله، عروة، قاسم ** سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة

    (8) صحابي الحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو أحد العبادلة، كما ذكر ذلك العلماء ومنهم ابن حجر كما تقدم النقل عنه من كتاب (تقريب التهذيب)، وقد قال العراقي في كتاب (المستفاد من مبهمات المتن والإسناد): اعلم أن في الصحابة ممن يسمى عبد الله مائتين وعشرين رجلاً، لكن اشتهر إطلاق اسم العبادلة على أربعة منهم: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بن العاص، كذا ذكرهم أهل الحديث وغيرهم.
    (9) في سند الحديث عبدان، وهو لقب اشتهر به واسمه عبد الله بن عثمان، والزهري وهو محمد بن مسلم، وقد اشتهر بهذه النسبة كما أنه اشتهر أيضاً بالنسبة إلى جده شهاب، فيطلق عليه كثيراً إما الزهري، وإما ابن شهاب.
    (10) قال الحافظ في (نخبة الفكر): ومن المهم في هذا الفن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفي سند هذا الحديث أربعة من هؤلاء هم: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كنيته أبو العباس، وعبيد الله بن عبد الله كنيته أبو عبد الله، ويونس بن يزيد كنيته أبو يزيد، وبشر بن محمد كنيته أبو محمد.
    (11) متن هذا الحديث من قبيل المرفوع من الفعل تصريحاً.
    المبحث الرابع: شرح الحديث:
    (1) معنى (أجود الناس): أكثر الناس جودًا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بكل ما تحتمله هذه الكلمة من معنى، جاد بنفسه في سبيل الله فكسرت رباعيته، وشج وجهه، وجاد بجاهه، وجاد بما أعطاه الله من المال، وجاد بالدلالة والإرشاد إلى كل ما ينفع العباد في الحال والمآل، وتحذيرهم من كل ضار في الحاضر والمستقبل.
    (2) قوله (وكان أجود ما يكون في رمضان): أجود بالرفع في أكثر الروايات وفي بعضها بالنصب، فالرفع على أن أجود اسم كان والخبر محذوف، أو هو مبتدأ خبره في رمضان والجملة خبر كان واسمها ضمير، وأما النصب فعلى أنه خبر كان واسمها ضمير والتقدير: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره.
    (3) قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس): في هذه الجملة احتراس بليغ لئلا يتخيل من قوله: وكان أجود ما يكون في رمضان، أن الأجودية خاصة منه برمضان، فأثبت له الأجودية المطلقة أوّلاً، ثم عطف عليها زيادة ذلك في رمضان.
    (4) الحكمة في زيادة جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن: أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والقرآن خلقه صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله عنها: يأتمر بأوامره، وينتهي عن نواهيه. وأيضاً فرمضان موسم الخيرات، وزيادة الجود والكرم، وقد وصفه الله بأنه الذي أنزل فيه القرآن، فبمجموع ما ذكر من الوقت الفاضل وهو رمضان، والمنـزول به وهو القرآن، والنازل به وهو جبريل ومدارسته معه حصل المزيد في الجود، والله أعلم.
    (5) قوله (فَلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة): هذه هي نتيجة مدارسة القرآن، والمراد بالريح المرسلة: ريح الرحمة التي يرسلها الله لإنزال الغيث العام كما قال الله تعالى: ( ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته )الآية، وقال تعالى ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ) الآية.
    (6) وصفت الريح المفضل عليها جوده صلى الله عليه وسلم بالمرسلة لأمرين: (الأول) إشارة إلى عموم النفع بجوده صلى الله عليه وسلم كما تعم الريح المرسلة بل هو أعم وأشمل منها، و(الثاني) احتراساً من الريح العقيم الضارة.
    (7) قدم معمول أجود وهو بالخير لنكتة لطيفة وهي: أنه لو أخره لظن تعلقه بالمرسلة أي المرسلة بالخير وهو وإن كان لا يتغير به المعنى المراد من الوصف بالأجودية إلاّ أنه يفوت فيه التنصيص على مناط أجوديته صلى الله عليه وسلم التي سيق الكلام لإثباتها والتنويه بشأنها.
    (8) قوله (فيدارسه القرآن): لفظ المدارسة يفيد حصولها من الجانبين، وحديث ابن عباس عند البخاري في (كتاب فضائل القرآن) يفيد حصولها من جانب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله فيه: ((يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن))، ويدل لحصولها من جانب جبريل حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أورده البخاري في (كتاب فضائل القرآن) عقب حديث ابن عباس حيث قال رضي الله عنه: ((كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه)).
    (9) هذا الحديث أورده البخاري في (بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقد قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في وجه المناسبة: ((وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، لأن نزوله إلى السماء جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة رضي الله عنها، وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب، والله أعلم بالصواب)).
    (10) من فقه الحديث وما يستنبط منه:
    (1) امتنان الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بجعله أجود الناس.
    (2) الترغيب في الجود في كل وقت.
    (3) الحث على الزيادة في الجود في شهر رمضان.
    (4) استحباب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، والإشارة إلى أنها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساوياً لفعله جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
    (5) استحباب زيارة الصلحاء وأهل الخير.
    (6) تكرار الزيارة إذا كان المزور لا يكره ذلك.
    (7) جواز أن يقال رمضان بدون ذكر شهر.
    (8) استعمال التشبيه وضرب الأمثلة في إيضاح ما يراد بيانه.
    (9) حصول قراءة القرآن من جبريل عليه السلام في غير الوقت الذي نزل به على محمد صلى الله عليه وسلم.
    (10) أن القرآن يطلق على بعضه وعلى معظمه، لأن أول رمضان من بعد البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير، فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور.
    (11) تدارس القرآن بين القراء وهو من التعاون على البر والتقوى.
    (12) أن مداومة قراءة القرآن سبب في الزيادة في الخير، وهو من ثواب الحسنة بحسنة بعدها.
    (13) مذاكرة الفاضل بالخير والعلم وإن كان لا يخفى عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ.
    (14) أن تحصيل العبد لفضل الزمان إنما هو بزيادة العبادة فيه.
    (15) أن الثمرة العظمى لقراءة القرآن أن يظهر أثرها على القارئ في أخلاقه، وأعماله، كما جاء في هذا الحديث من زيادة النبي صلى الله عليه وسلم في الخير عند مدارسة القرآن مع جبريل، وكما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن خُلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، تعني أنه يأتمر بأوامره، وينتهي عن نواهيه وكما جاء عنه صلى الله عليه وسلم التحذير من خلاف ذلك بقوله في الحديث الصحيح: ((والقرآن حُجة لك أو عليك)).
    (16) تعظيم شهر رمضان لوصف الله له بإنزال القرآن فيه، ثم معارضته صلى الله عليه وسلم مع جبريل ما نزل منه فيه، ويلزم من ذلك كثرة نزول جبريل فيه وفي كثرة نزوله الخير الكثير.
    (17) الإيمان بنـزول جبريل من السماء وصعوده، ومدارسته القرآن مع محمد صلى الله عليه وسلم، وهو من الإيمان بالملائكة الذي هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,460

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (3)

    قال البخاري ـ رحمه الله ـ في أوائل (كتاب التيمم) من صحيحه:
    حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشيم (ح) قال وحدثني سعيد بن النضر قال أخبرنا هشيم قال أخبرنا سيار قال حدثنا يزيد ـ هو ابن صهيب الفقير ـ قال أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ))
    المبحث الأول: التخريج:
    أورد البخاري هذا الحديث في (كتاب التيمم) عن شيخيه محمد بن سنان وسعيد بن النضر، وسياق المتن لفظ سعيد كما قال الحافظ ابن حجر في (الفتح)، وقد أعاد الحديث في (كتاب الصلاة) عن شيخه محمد بن سنان فقال: حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشيم قال حدثنا سيار ـ هو أبو الحكم ـ قال حدثنا يزيد الفقير قال حدثنا جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، وأُعطيت الشفاعة))، وأورد طرفاً منه وهو قوله صلى الله عليه وسلم:((...وأحلت لي الغنائم...)) من رواية محمد بن سنان في (كتاب فرض الخمس).
    وأخرج الحديث بتمامه مسلم في صحيحه عن شيخيه يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة عن هشيم بمثل إسناده عند البخاري ولفظه: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسافة شهر، وأُعطيت الشفاعة)). وأخرج الخصلة الأولى وهي نصره صلى الله عليه وسلم بالرعب ضمن حديث من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج الخصلة الثانية من طريقين عن ربعي بن حِراش عن حذيفة رضي الله عنه، ومن طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج الخصلة الثالثة من طريق عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج الخصلة الخامسة من طريق عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((وأرسلت إلى الخلق كافة)).
    وأخرج النسائي عن شيخه الحسن بن إسماعيل بن سليمان عن هشيم بهذا الإسناد، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه.
    وقال الحافظ في (الفتح): ومدار حديث جابر هذا على هشيم بهذا الإسناد، وله شواهد من حديث ابن عباس، وأبي موسى، وأبي ذر، ومن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رواها كلها أحمد بأسانيد حسان.
    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري في الإسناد الأول محمد بن سنان: قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): محمد بن سنان الباهلي، أبو بكر البصري المعروف بالعوقي، والعوقة حي من الأزد نزل فيهم، وذكر أنه روى عن إبراهيم بن طهمان، وفليح، وهشيم، وغيرهم. وأنه روى عنه البخاري، وأبو داود، وغيرهم. وذكر توثيقه عن جماعة منهم: ابن معين، والدار قطني. وقال في (تقريب التهذيب): ثقة ثبت، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث وعشرين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال البخاري، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي.
    الثاني: شيخ البخاري في الإسناد الثاني سعيد بن النضر: قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): سعيد بن النضر البغدادي، أبو عثمان، سكن آمل جيحون، روى عن هشيم، وعثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وغيرهما. وعنه البخاري، والفضل بن أحمد بن سهل الآملي. ذكره ابن حبان في (الثقات). وقال في (تقريب التهذيب): ثقة من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال البخاري وحده.
    الثالث: هشيم: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): هشيم بالتصغير ابن بشير ـ بوزن عظيم ـ ابن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن أبي خازم ـ بمعجمتين ـ الواسطى، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ـ أي بعد المائة ـ وقد قارب الثمانين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): السلمي مولاهم، الواسطي، يكنى أبا معاوية أصله من بلخ، كان جده القاسم منها نزل واسط للتجارة. وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) كثيراً ممن روى عنهم وممن رووا عنه، وممن روى عنهم: حميدالطويل، وسيار أبو الحكم، وخالد الحذاء، والأعمش. ومن الذين رووا عنه: ابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
    وقال في مقدمة الفتح: هشيم بن بشير الواسطي أحد الأئمة، متفق على توثيقه، إلاّ أنه كان مشهوراً بالتدليس، وروايته عن الزهري خاصة لينة عندهم، فأما التدليس فقد ذكر جماعة من الحفاظ أن البخاري كان لا يخرج عنه إلاّ ما صرّح فيه بالتحديث، واعتبرت أنا هذا في حديثه فوجدته كذلك، إما أن يكون قد صرّح به في نفس الإسناد أو صرّح به من وجه آخر، وأما روايته عن الزهري فليس في الصحيحين منها شيء، واحتج به الأئمة كلهم، والله أعلم. انتهى.
    ولكونه مشهوراً بالتدليس مثل به العراقي في ألفيته لوجود المدلسين في رجال الصحيح فقال:
    وفي الصحيح عدّة كالأعمش ** وكهشيم بعـــده وفتــش

    الرابع: سيار: قال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سيار بن أبي سيار واسمه وردان أبو الحكم العنـزي الواسطي، يقال هو أخو مساور الوراق سمع الشعبي وثابتًا البناني ويزيد الفقير عندهما ـ أي في الصحيحين ـ وسليمان الأشجعي عند البخاري روى عنه شعبة وهشيم عندهما وقرة بن خالد عند مسلم، وذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب توثيقه عن الإمام أحمد وابن معين والنسائي وقال في تقريب التهذيب: وهو أخو مساور الوراق لأمه، ثقة وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    الخامس: يزيد الفقير: قال الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): يزيد بن صهيب الكوفي، أبو عثمان المعروف بالفقير ـ بفتح الفاء بعدها قاف ـ، قيل له ذلك لأنه كان يشكو فقار ظهره، ثقة من الرابعة، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى الترمذي.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وعنه سيار أبو الحكم عندهما ـ أي في الصحيحين ـ، وقيس بن سليم، وأبو عاصم محمد بن أيوب عند مسلم. وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين، وأبي زرعة، والنسائي، وقال: قال أبو حاتم وابن خراش: صدوق، زاد ابن خراش: جليل عزيز الحديث. وقال: وذكره ابن حبان في (الثقات). انتهى، ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
    السادس: صحابي الحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): جابر بن عبد الله بن عَمرو بن حرام ـ بمهملة وراء ـ الأنصاري ثمَّ السَّلَمي بفتحتين، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): أبو عبد الرحمن أو أبو عبد الله أو أبو محمد المدني، صحابي مشهور، له ألف وخمسمائة حديث وأربعون حديثاً، اتفقا ـ أي البخاري ومسلم ـ على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري تسعين حديثاً.

    المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) هذا الحديث رواه البخاري عن شيخه محمد بن سنان عن هشيم ثم أتى بحرف (ح) الدالة على التحويل إلى إسناد آخر، فرواه عن شيخه سعيد بن النضر عن هشيم، وقد مرّ التنبيه على بعض ما يتعلق بالتحويل في الكلام على الحديث الثاني، وأضيف هنا: أن استعمال التحويل في الإسناد قليل عند البخاري بخلاف مسلم فإنه يستعمله كثيراً، والسر في ذلك أن البخاري ـ رحمه الله ـ يفرق الحديث على الأبواب، فيأتي به في موضع بإسناد للاستدلال به على حكم ثم يعيده مستدلاً به على حكم آخر بإسناد آخر، أما مسلم ـ رحمه الله ـ فيجمع الروايات ويسوقها مساقاً واحداً، فلذا يكثر عنده استعمال التحويل.
    (2) استعمل البخاري ـ رحمه الله ـ التحويل في إسناد هذا الحديث ولم يجمع بين شيخيه مع كونهما حدثاه به عن هشيم، لأنه سمعه منهما متفرقين وكأنه سمعه من محمد بن سنان مع غيره، فلذلك جمع فقال: حدثنا، وسمعه من سعيد وحده فلذا أفرد فقال: حدثني. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في (الفتح).
    (3) صيغة الأداء من محمد بن سنان عن هشيم (حدثنا)، ومن سعيد بن النضر عن هشيم (أخبرنا) قال الحافظ في (الفتح): وكأن محمداً سمعه من لفظ هشيم فلهذا قال: حدثنا، وكأن سعيداً قرأه أو سمعه يُقرأ على هشيم، لهذا قال: أخبرنا، ثم قال الحافظ بعد ذكره هذا والذي قبله: ومراعاة هذا كله على سبيل الاصطلاح.
    (4) قال الحافظ في (الفتح): ثم إن سياق المتن لفظ سعيد، وقد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد فإن اللفظ يكون للأخير، والله أعلم.
    (5) رجال الإسنادين في هذا الحديث اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم إلاّ يزيد الفقير فلم يرو له الترمذي، وشيخ البخاري في الإسناد الأوّل محمد بن سنان فلم يرو له مسلم والنسائي، وشيخه في الإسناد الثاني سعيد بن النضر فلم يرو له سوى البخاري.
    (6) قال الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر): ومن المهم معرفة من نسب إلى غير ما يسبق إلى الفهم. انتهى. وفي إسناد هذا الحديث شاهدان لذلك: (الأوّل) محمد بن سنان الباهلي المعروف بالعوقي، والعوقة حي من الأزد، نسب إليهم لكونه نزل فيهم وليس منهم. (الثاني) يزيد الفقير، فإن المتبادر إلى الفهم أنه من الفقر وليس كذلك، وإنما كان يشكو فقار ظهره فقيل له الفقير لذلك.
    (7) في سند الحديث واسطيان وهما: هشيم بن بشير وشيخه سيار أبو الحكم.
    (8) في سند الحديث هشيم بن بشير وهو من المشهورين بالتدليس، وقد صرّح بالإخبار في هذا الإسناد، بل قد ذكر الحافظ ابن حجر أن كل ما في صحيح البخاري له مما صرّح فيه بالسماع كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
    (9) في سند الحديث راويان نسبتهما (السلمي) وهما: جابر بن عبد الله الأنصاري السلمي، والثاني هشيم بن بشير السلمي.
    قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: (السلمي) بالضم كثير وبالفتح في الأنصار فقط. انتهى. وقال النووي في (التقريب): (السلمي) في الأنصار بفتحها ويجوز في لغة كسر اللام، وبضم السين في بني سليم.
    المبحث الرابع: شرح الحديث:
    (1) لم يبين في هذا الحديث متى قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بيّن أنه في غزوة تبوك في الحديث الذي خرّجه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى وانصرف إليهم، فقال لهم: ((لقد أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهن أحد قبل...)) الحديث. وهذا من الشواهد لرواية هشيم بن بشير التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما تقدم.
    (2) قوله (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي): مفهوم الحديث أنه لم يختص بغير الخمس المذكورة، وقد عدَّد الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) خصائص أخرى غيرها فبلغت بها سبع عشرة، وقال: يمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وقال: وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب (شرف المصطفى) أن عدد الذي اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء ستون خصلة.
    وقد أشار السيوطي في شرحه لسنن النسائي إلى كلام الحافظ ابن حجر هذا، وأن ذلك دعاه إلى تتبعها، وأنه أفردها بمؤلف سماه (أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب)، قسمها فيه إلى قسمين: ما خص به عن الأنبياء، وما خص به عن الأمة، وبلغت عدّة القسمين أكثر من ألف خصيصة.
    وقال الحافظ ابن حجر في الجمع بين هذا المفهوم وبين الأدلة الدالة على الخصائص الأخرى: وطريق الجمع أن يقال: لعلّه اطلع أولاً على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حُجة يدفع هذا الإشكال من أصله.
    (3) قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله وهو كذلك، ولا يعترض بأن نوحاً عليه السلام كان مبعوثاً إلى أهل الأرض بعد الطوفان، لأنه لم يبق إلاّ من كان مؤمناً معه وقد كان مرسلاً إليهم، لأن هذا العموم لم يكن من أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع، وهو انحصار الخلق بالموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأمّا نبينا صلى الله عليه وسلم فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك، وأما قول أهل الموقف لنوح كما صحَّ في حديث الشفاعة: أنت أول رسول إلى أهل الأرض. فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية رسالته، وعلى تقدير أن يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدّة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم.
    (4) قوله (نصرت بالرعب مسيرة شهر): الرعب الوجل والخوف والفزع، قال الحافظ ابن حجر: مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب (ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر) فالظاهر اختصاصه به مطلقاً، وإنما جعل الغاية شهراً لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده من غير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال.
    وقال العراقي في (طرح التثريب): وأما النصر بالرعب فهو أن الله تعالى كان يقذف الرعب في قلوب أعدائه لتخذيلهم، وورد في بعض طرقه أنه كان يسير الرعب بين يديه شهراً، معناه أنه كان إذا توجه إلى وجه من الأرض ألقى الله الرعب على من أمامه إلى مسيرة شهر.
    (5) قوله (وجعلت لي الأرض مسجداً): أي موضع سجود، ويخص من هذا العموم ما تيقنت نجاسته، وما دل على منع الصلاة فيه كالمقبرة.
    قال العراقي في (طرح التثريب): اختلف في بيان ما خصص به على الأمم قبله في ذلك، فقيل: إن الأمم الماضية لم تكن تباح الصلاة لهم إلا في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس، وقيل: كانوا لا يصلون إلاّ فيما يتيقنون طهارته من الأرض، وخصصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلاّ ما تيقنت نجاسته. حكاهما القاضي عياض.
    وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): والأظهر ما قاله الخطابي، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: ((وكان مَن قبلي إنما يصلون في كنائسهم)) وهذا نص في محل النـزاع، فثبتت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه: ((ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه)).
    (6) قوله (وطهوراً): الطهور ـ بفتح الطاء ـ أي المطهر لغيره، لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، وهو يدل على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض، ويؤيده رواية أبي أمامة عند البيهقي: ((فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ماء، وجد الأرض طهوراً ومسجداً)). وعند أحمد: ((فعنده طهوره ومسجده))، وفي رواية عمرو بن شعيب: ((فأين أدركتني الصلاة تمسحت وصليت))، وخصّ بعض العلماء التيمم بالتراب مستدلاً بذكر لفظ (التراب) عند ابن خزيمة عن جابر، وفي حديث عليّ عند البيهقي وأحمد، كما أشار إلى ذلك كله وغيره الحافظ ابن حجر في (الفتح).
    ونقل العراقي في (طرح التثريب) عن القرطبي ما معناه: أن ذكر التراب من قبيل ذكر الخاص محكوماً عليه بحكم العام، وهو لا يسقط عمومه ثم تعقب ذلك.
    (7) قوله (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل): أي بعد أن يتيمم حيث لا ماء، وذكر (الرجل) لا مفهوم له، أي وكذلك النساء، وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه))، وقوله: ((من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من الغرماء)). والغرض من ذكر هذه الجملة بعد التي قبلها، دفع توهم اختصاصه بذلك كما اختصّ بالشفاعة.
    (8) قوله (وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي): المغانم جمع مغنم، وفي رواية محمد بن سنان (الغنائم) وهي جمع غنيمة، وهي ما أخذ من الكفار في الحرب.
    قال الخطابي: من تقدم على ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئاً لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه تعليقاً: ((جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري)). ومجيء النار وإحراقها الغنائم في الأمم السابقة ثبت في صحيح البخاري.
    (9) قوله (وأعطيت الشفاعة): الشفاعة أنواع: منها: ما يختص به صلى الله عليه وسلم، ومنها: ما يشاركه فيها غيره، والذي اختص بها منها الشفاعة العظمى في إراحة الناس من الموقف، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، حيث يتخلى عنها آدم وأولو العزم من الرسل فتنتهي إليه فيقول: ((أنا لها))، ثم يشفع فيشفعه الله صلوات الله وسلامه عليه. ومنها: الشفاعة في عمه أبي طالب في تخفيف عذابه في النار فإنه مخصص لقوله تعالى: ( والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها )، ومنها: الشفاعة في خروج من ليس له عمل صالح سوى التوحيد من النار، لأن غيره يشفع لمن عنده أكثر من ذلك. قال الحافظ ابن حجر بعد عدّ هذه من خصائصه: وقد وقع في حديث ابن عباس: ((وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً)). وفي حديث عمرو بن شعيب: ((فهي لكم ولمن شهد أن لا إلا الله)). انتهى.
    وقد ثبت في (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)).

    (10) قوله (وبُعثت إلى الناس عامة): دال على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم، ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى: ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا )، وقوله ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا )، وقوله ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا )، قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: ((لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلاّ دخل النار)). والمراد بالناس: كل من كان موجوداً من الإنس، من حين بعث صلوات الله وسلامه عليه إلى قيام الساعة.
    ويدل لشمولها للجن عموم قوله في رواية أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: ((وأرسلت إلى الخلق كافة)). وما ذكره الله تعالى عن استماعهم للقرآن وإيمانهم به في سورتي الأحقاف والجن، ثم ذهابهم إلى قومهم منذرين محذرين من مخالفته وعدم إجابته.
    (11) من فقه الحديث وما يستنبط منه:
    (1) امتنان الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بخصائص يختص بها عن غيره.
    (2) تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء والمرسلين.
    (3) تحدث الإنسان بنعم الله تعالى عليه.
    (4) تفضل الله على نبيه بنصره على أعدائه بالرعب الذي يقذفه في قلوبهم مسيرة شهر.
    (5) أن النصر بيد الله إذا شاءه حصل ولو بدون أسباب ظاهرة.
    (6) أن الأصل في الأرض الطهارة فلا تختص الصلاة فيها بموضع دون آخر ما لم تتيقن نجاسة البقعة.
    (7) أن المراد بالطهور هو المطهر لغيره لأنه لو كان المراد به في الحديث الطاهر لم تثبت الخصوصية.
    (8) أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في وصف الطهورية.
    (9) أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض.
    (10) كون الغنائم حلالا في حق هذه الأمة.
    (11) إثبات الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم.
    (12) عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
    (13) تيسير الله تعالى على هذه الأمة ورفعه الحرج والإصر عنها.
    (14) وجوب الإيمان بالمغيبات التي أخبر بها صلى الله عليه وسلم ماضيها كعدم حل الغنائم للماضين ومستقبلها كإعطائه صلى الله عليه وسلم الشفاعة.
    (15) أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها.

    (16) إظهار كرامة الآدمي إذ خلق من ماء وتراب وكل منهما طهور.
    (17) أن الصلاة والطهارة لها في الجملة شرع لمن قبلنا.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,460

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (4)

    حديث قوله صلى الله عليه وسلم ( هل عليه من دين ؟ )




    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الكفالة)



    حدثنا أبو عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بجنازة ليصلي عليها فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه ثم أُتي بجنازة أخرى فقال له: عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: فصلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: عليّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه)).

    المبحث الأول: التخريج:

    انفرد البخاري عن مسلم بإخراج هذا الحديث، وقد أورده في موضعين: أحدهما هذا في (باب من تكفل عن ميت دينا فليس له أن يرجع). والثاني في (كتاب الحوالة، في باب: إذا أحال دين الميت على رجل جاز)، ولفظه: حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: ((كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أُتى بجنازة فقالوا: صلّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله صلّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أُتي بالثالثة، فقالوا: صلّ عليها، قال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟، قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: صلّ عليه يا رسول الله وعَليَّ دَينه، فصلى عليه)).

    ورواه النسائي في سننه ولفظه: ((أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فقالوا: يا نبي الله صلّ عليها، قال: هل ترك عليه دَيناً؟، قالوا: نعم، قال: هل ترك من شيء؟، قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال رجل من الأنصار، يقال له أبو قتادة: صلّ عليه وعَليَّ دَينه، فصلى عليه)).

    ورواه الترمذي والنسائي عن أبي قتادة رضي الله عنه بإسناد واحد واللفظ عند النسائي: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي برجل من الأنصار ليصلِّيَ عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صلوا على صاحبكم فإن عليه دَيناً. قال أبو قتادة: هو عليَّ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بالوفاء؟ قال: بالوفاء، فصلى عليه)).

    ورواه أبو داود والنسائي عن جابر رضي الله عنه ولفظه: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأُتى بميت، فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة الأنصاري: هما عليَّ يا رسول الله، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك ديناً فعليَّ وفاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته)). وروى أبو هريرة رضي الله عنه نحواً من حديث جابر هذا، أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، وأورد المنذري في الترغيب والترهيب حديث جابر رضي الله عنه بلفظ أطول من هذا، وقال: رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم والدار قطني، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه باختصار.

    وقال فيه الهيثمي في (مجمع الزوائد): رواه أحمد والبزار وإسناده حسن، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): وعن أسماء بنت يزيد قالت: ((دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة رجل من الأنصار، فلما وضع السرير تقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ثم التفت، فقال: على صاحبكم دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله، ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: أنا بدينه يا نبي الله فصلّ عليه))، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.



    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:

    الأول: شيخ البخاري أبو عاصم: وهو كما قال الحافظ في (تقريب التهذيب): الضحاك بن مَخلد بن مسلم الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة، ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة أو بعدها، أي بعد المائتين.

    وقال في (تهذيب التهذيب): قيل إنه مولى بني شيبان، وقيل من أنفسهم، روى عن يزيد بن أبي عبيد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، والأوزاعي، وأناس آخرين سماهم. وعنه جرير بن حازم ـ وهو من شيوخه ـ، والأصمعي والخريبِي وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعليّ بن المديني، وغيرهم. ثم قال: قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة كثير الحديث، وكان له فقه. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليَّ من روح بن عبادة. وقال ابن سعد: كان فقيهاً. وقال عمر بن شبة: ((والله ما رأيت مثله)). وقال ابن خراش: ((لم ير في يده كتاب قط)). وقال الخليلي: ((متفق عليه زهداً، وعلماً، وديانة، واتقاناً)).

    وقال ابن طاهر المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): قال عمرو بن عليّ: سمعت أبا عاصم يقول: ولدت سنة اثنتين وعشرين ومائة، ومات سنة اثنتي عشرة ومائتين وهو ابن تسعين سنة وأربعة أشهر. وقال أيضاً: ولدت أمي في سنة عشر ومائة، وولدت سنة اثنتين وعشرين ومائة، يعني ولدتني أمي في اثنتي عشر سنة. انتهى.

    ونقل عنه الخزرجي في (الخلاصة) أنه قال: ((من طلب الحديث فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس)). وقال: قال الخطيب: روى عنه جرير بن حازم، ومحمد بن حبان، وبين وفاتهما مائة وإحدى وثلاثون سنة، وقد خرج حديثه الجماعة.

    الثاني: يزيد بن أبي عبيد: وهو يزيد بن أبي عبيد الحجازي، أبو خالد الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع، روى عن مولاه، وعمير مولى لآبي اللحم، وهشام بن عروة وهو أكبر منه. روى عنه بكير بن الأشج ومات قبله، ويحيى القطان، وحاتم بن إسماعيل، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، ويحيى بن راشد، وحماد بن مسعدة، وصفوان بن عيسى، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم وغيرهم. قاله الحافظ في (تهذيب التهذيب).

    وقال الآجري على أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: حجازي، تابعي، ثقة. وقال ابن سعد: وكان ثقة، كثير الحديث. ذكر ذلك عنهم الحافظ في (تهذيب التهذيب). وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع وأربعين ـ أي بعد مائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

    الثالث: صحابي الحديث سلمة بن الأكوع: وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع واسم الأكوع سنان الأسلمي.

    قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): أبو مسلم، ويقال: أبو إياس، ويقال: أبو عامر، وقال: شهد بيعة الرضوان، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة. وعنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وأناس آخرون سماهم، ثم قال: كان شجاعاً رامياً، ويقال: كان يسبق الفرس شداً على قدميه.

    وقال الخزرجي في (الخلاصة): له سبعة وسبعون حديثاً، اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة. وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري عشرين حديثاً. انتهى. وكانت وفاته سنة أربع وسبعين، وقد خرّج حديثه الجماعة.



    المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

    (1) رجال الإسناد الثلاثة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم.

    (2) في سند الحديث رجل اشتهر بكنيته ولقبه، وهو شيخ البخاري أبو عاصم النبيل، فإن اسمه الضحاك بن مخلد.

    (3) في سند الحديث رجل روى عنه راو متقدم وراو متأخر، وهو أبو عاصم النبيل، قال الخطيب: روى عنه جرير بن حازم ومحمد بن حبان وبين وفاتيهما مائة وإحدى وثلاثون سنة. انتهى. وذلك من شواهد النوع المعروف في المصطلح بالسابق واللاحق، وهو أن يشترك اثنان في الرواية عن شيخ أحدهما فوق الشيخ المروى عنه في المرتبة مع تباعد ما بين وفاتيهما أي الراويين عن الشيخ.

    (4) في هذا الإسناد مولى من أعلى وهو سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، ومولى من أسفل وهو يزيد بن أبي عبيد.

    (5) ومن اللطائف في رجال الإسناد: أن أبا عاصم النبيل قد ولدته أمه وسنها اثنتا عشرة سنة، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك فيما نقله المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين) عن عمرو بن عليّ.

    (6) ذكر الحافظ ابن حجر أنه لم يقف على تسمية صاحب الجنازة الأول والثاني وهو من مبهمات المتن.

    (7) حديث أبي عاصم النبيل هذا وحديث مكي بن إبراهيم المذكور في التخريج من ثلاثيات صحيح البخاري، والإسناد الثلاثي أعلى ما يكون عند البخاري، فإن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص فقط: صحابي وتابعي وتابع تابعي، وقد حصل العلو في إسناد هذا الحديث، لأن وفاة سلمة بن الأكوع رضي الله عنه كانت سنة أربع وسبعون، وقد عاش مولاه يزيد بن أبي عبيد الذي روى الحديث عنه بعده نحواً من سبعين سنة، إذ كانت وفاته سنة بضع وأربعين ومائة، وعاش أبو عاصم النبيل الذي روى الحديث عن يزيد بن أبي عبيد بعده أكثر من ستين سنة، حيث كانت وفاته سنة اثنتي عشرة بعد المائتين.

    فوائد تتعلق بالثلاثيات:

    الأولى: الإسناد الثلاثي إسناد عال، والعلو في الإسناد مرغوب فيه عند المحدثين لكونه أقرب إلى الصحة وقلّة الخطأ، لأنه ما من راو من رجال السند إلاّ والخطأ جائز عليه، فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظان تجويز الخطأ، وكلما قلَّت قلت، ومن أجل ذلك لم يرو البخاري عن الشافعي من طريق أصحابه الذين لقي الكثير منهم، لأنه عاصر كثيراً من أقران الشافعي، فروى عنهم مباشرة ما شاركهم الشافعي في روايته رغبة منه في علو الإسناد، وإن كان قد ذكر الشافعي في موضعين من صحيحه في (باب: وفي الركاز الخمس)، وفي (باب: تفسير العرايا)، كما أشار إلى ذلك ابن السبكي في ترجمة البخاري من كتابه (طبقات الشافعية الكبرى).

    الثانية: عدد الأحاديث الثلاثية في صحيح البخاري اثنان وعشرون حديثاً، قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في شرح حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه مرفوعاً: ((من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ معقده من النار)). قال: وهذا الحديث أول ثلاثي وقع في البخاري وليس فيه أعلى من الثلاثيات. وقد أفردت فبلغت أكثر من عشرين حديثاً. انتهى.

    وقال في (كشف الظنون): ووقع له اثنان وعشرون حديثاً ثلاثيات الإسناد. وقال المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي: وأما في صحيح البخاري فاثنان وعشرون ثلاثياً، قد أفردها العلماء بالتأليف كعليّ القاري الهروي وغيره. انتهى. وهذه العدة إنما هي بالأحاديث المكررة، وبإسقاط التكرار تكون ستة عشر حديثاً، وقد طبعت ثلاثيات البخاري مفردة ومشروحة.

    الثالثة: عدد الصحابة الذين روى البخاري من طريقهم الأحاديث الثلاثية ثلاثة: (الأول) سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، له منها سبعة عشر حديثاً، و(الثاني) أنس بن مالك رضي الله عنه، له منها أربعة أحاديث، و(الثالث) عبد الله بن بسر رضي الله عنه، له منها حديث واحد.

    أما شيوخه الذين روى عنهم هذه الثلاثيات فعدتهم خمسة وهم: مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم النبيل، وعصام بن خالد، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وخلاد بن يحيى، وهم من أتباع التابعين. وأما شيوخ شيوخه فيها فعدتهم أربعة وهم: يزيد بن أبي عبيد، وحميد الطويل، وحريز بن عثمان، وعيسى بن طهمان، وهم من التابعين.

    الرابعة: (أ) في جامع الترمذي ثلاثي واحد أورده في (كتاب الفتن) فقال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري بن ابنة السدي الكوفي حدثنا عمر بن شاكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر))، هذا حديث غريب من هذا الوجه. انتهى.

    قال المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي: اعلم أنه ليس في جامع الترمذي ثلاثي غير حديث أنس المذكور. وقال: وليعلم أن بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسناد ثلاثي الترمذي المذكور اثنين وعشرين واسطة. فذكرهم، وكانت وفاة المباركفوري سنة 1353هـ رحمه الله. وعمر بن شاكر انفرد الترمذي بإخراج حديثه عن بقية أصحاب الكتب الستة، وقال الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): إنه ضعيف.

    (ب) في سنن ابن ماجه خمسة أحاديث ثلاثيات الإسناد كلها من طريق جبارة بن المغلس عن كثير بن سليم عن أنس رضي الله عنه ثلاثة منها في (كتاب الأطعمة)، وفي (كتاب الزهد) واحد، وواحد في (كتاب الطب)، وجبارة وكثير انفرد ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة بأخراج حديثهما، وقال عنهما الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): إنهما ضعيفان.

    (ج) ذكر المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي نقلا عن كتاب (الحطة) أنه ليس في صحيح مسلم ولا في سنن أبي داود والنسائي شيء من الأحاديث الثلاثيات الإسناد، فأعلى ما يكون عندهم الأحاديث الرباعيات الإسناد.

    (د) ذكر المباركفوري أيضاً نقلا عن كتاب (الحطة) أن ثلاثيات الدارمي أكثر من ثلاثيات البخاري، وقال صاحب (كشف الظنون): ثلاثيات الدارمي هي خمسة عشر حديثاً وقعت في مسنده بسنده.

    (هـ) ثلاثيات مسند الإمام أحمد عددها واحد وثلاثون وثلاثمائة، قد أفردت من المسند وشرحها الشيخ محمد السفاريني شرحاً نفيساً في مجلدين كبيرين.

    (و) ثلاثيات مسند عبد بن حميد عددها واحد وخمسون حديثًا (1).



    المبحث الرابع: شرح الحديث:

    (1) أورد البخاري الحديث في (كتاب الكفالة) في (باب: من تكفل عن ميت دَينا فليس له أن يرجع). ووجه مطابقة الحديث للترجمة كما ذكر الحافظ في (فتح الباري): أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع عن الكفالة لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل المدين حتى يوفي أبو قتادة الدين، لاحتمال أن يرجع فيكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى على مدين دينه باق عليه، فدل على أنه ليس له أن يرجع. وأورده أيضاً في (كتاب الحوالة) من طريق مكي بن إبراهيم في (باب: إذا أحال دين الميت على رجل جاز)، ووجهه كما نقل الحافظ في (الفتح) عن ابن بطال أنه قال: إنما ترجم بالحوالة فقال: إن أحال دين الميت. ثم أدخل حديث سلمة وهو في الضمان لأن الحوالة والضمان عند بعض العلماء متقاربان، وإليه ذهب أبو ثور لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمّة رجل إلى ذمّة رجل آخر، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمّة الميت إلى ذمة الضامن فصار كالحوالة سواء.

    (2) قوله (إذ أُتي بجنازة): قال في القاموس: الجنازة الميت ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير أو عكسه، وبالكسر السرير مع الميت. انتهى.

    وقد أعيد الضمير مؤنثاً في قوله: ليصلى عليها. باعتبار لفظ الجنازة وهو مؤنث، ومذكراً في قوله: ((هل عليه من دين)) باعتبار المعنى وهو الميت، وقد زيدت (من) قبل المبتدأ المنكر في قوله: ((هل عليه من دين)) لتأكيد إفادة العموم في جنس الدين، أي: هل عليه دين؟، أيُّ دَين كان، قليلاً كان أو كثيراً.

    (3) اشتمل هذا الحديث على ذكر جنازتين: سليم من الدَّين صلى عليه، ومدين أراد ترك الصلاة عليه لو لم يتحمل عنه دينه، وقد ذكر جنازة ثالثة في طريق مكي بن إبراهيم المذكور في التخريج، وهو مَن عليه دين وترك وفاء له وقد صلى عليه.

    (4) لم يبين في الحديث قدر الدين، وقد بين في طريق مكي بن إبراهيم بأنه ثلاثة دنانير، قال الحافظ في (الفتح): وفي حديث جابر عند الحاكم ديناران، وأخرجه أبو داود من وجه آخر عن جابر نحوه، وكذلك أخرجه الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد، ويجمع بينهما بأنه كان دينارين وشطراً، فمن قال ثلاثة جبر الكسر، ومن قال ديناران ألغاه، أو كان أصلهما ثلاثة، فوفى قبل موته ديناراً وبقي عليه ديناران، فمن قال ثلاثة فباعتبار الأصل، ومن قال ديناران فباعتبار ما بقي من الدين والأول أليق.

    ووقع عند ابن ماجه من طريق أبي قتادة: ثمانية عشر درهماً، وهذا دون دينارين، وفي مختصر المزني من حديث أبي سعيد الخدري درهمين، ويجمع إن ثبت بالتعدد. ورجّح الشوكاني في (نيل الأوطار) القول بتعدد القصة مطلقاً.

    وقال الحافظ في (الفتح) أيضاً: وقد وقعت هذه القصة مرة أخرى، فروى الدار قطني من حديث عليّ: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل ويسأل عن دينه، فإن قيل عليه دين كفَّ، وإن قيل ليس عليه دين صلّى، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر سأل: هل عليه دين؟ فقالوا: ديناران، فعدل عنه فقال عليّ: هما عَليّ يا رسول الله، وهو بريء منهما فصلّى عليه، ثم قال لعليٍّ: جزاك الله خيراً وفك الله رهانك)) الحديث.

    (5) لم يبين في هذا الحديث سبب السؤال عن الميت: هل عليه دين؟ وقد بين ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الشيخين قال: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه وفاء؟ فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء، صلّى، وإلاّ قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم. فلما فتح الله عليه الفتوح قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته)).

    (6) قال الحافظ في (الفتح): قال العلماء: كأن الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة على من عليه دين ليحرض الناس على قضاء الدين في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهل كانت صلاته على من عليه دين محرمة عليه أو جائزة؟ وجهان: قال النووي: الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن، كما في حديث مسلم، وحكى القرطبي أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من استدان ديناً غير جائز، وأما من استدان لأمر هو جائز فما كان يمتنع، وفيه نظر، لأن في حديث الباب ـ يعني حديث أبي هريرة ـ ما يدل على التعميم حيث قال: ((من توفي وعليه دين))، ولو كان الحال مختلفاً لبينه، ثم أورد حديثاً عن ابن عباس فيه التفصيل بين التحمل في البغي والإسراف، والتحمل في الحاجة، وقال: وهو ضعيف، وقال: قال الحازمي بعد أن أخرجه: لا بأس به في المتابعات، وقال: وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمراً، وإنما فيه أنه طرأ بعد ذلك وأنه السبب في قوله: ((من ترك ديناً فعليَّ)). وقال الشوكاني في (نيل الأوطار): قال ابن بطال: هذا يعني من ترك ديناً فعلي. ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين، وقد حكى الحازمي إجماع الأمة على ذلك.

    (7) أبو قتادة الذي تحمل الدين في الحديث: هو الحارث، ويقال: عمرو، ويقال: النعمان بن ربعي الأنصاري السلمي ـ بفتحتين ـ المدني، شهد أُحداً وما بعدها ولم يصح شهوده بدراً، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين والأوّل أصح وأشهر، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في (التقريب)، ورمز لكون حديثه مخرجاً في الكتب الستة.

    (8) همَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بترك الصلاة على من عليه الدَّين، في الحديث حصل فيه فائدتان: إحداهما تعود إلى المتوفى وهي: أن أبا قتادة رضي الله عنه رقَّ له فتحمل دينه، فبرئت ذمته بذلك، والثانية تعود إلى الأحياء وهي: التحذير من الدَّين والتحريض على قضائه قبل الموت لئلا تترك الصلاة عليهم.

    (9) صلاة الجنازة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، والمتوفى أحوج ما يكون إلى ذلك الحق، فجدير بالمسلم أن يحرص على بذل هذا الحق لإخوانه المسلمين، لأنه يحب ذلك لنفسه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ومن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يُؤتى إليه))، ولما في ذلك من الفائدة للمتوفى وللمصلي، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صلى على الجنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراط يا رسول الله؟ قال: مثل جبل أُحد)).

    (10) من فقه الحديث وما يستنبط منه:

    (1) وجوب صلاة الجنازة وهي من حق المسلم على أخيه المسلم لقوله: ((فصلوا على صاحبكم)).

    (2) أن صلاة الجنازة فرض كفاية حيث أراد النبي صلى الله عليه وسلم التخلي عنها لو لم يتحمل الدَّين عن الميت.

    (3) أنه ينبغي لذوي الميت الاهتمام بشهود أهل الفضل والصلاح الصلاة على ميتهم.

    (4) سؤال الإمام عن أحوال الرعية.

    (5) مشروعية الضمان.

    (6) جواز تحمل الدين عن الميت.

    (7) براءة ذمة الميت بأداء غيره ما وجب عليه.

    (8) التنفير من الدين والتحذير من تعاطيه إلاَّ مع الضرورة.

    (9) حث المدينين على قضاء ديونهم، وتحريضهم على المبادرة إلى التخلص من تبعتها.

    (10) الاكتفاء في لزوم الضمان على الضامن بمجرد التزامه وإن تأخر الأداء.

    (11) أن الضامن ليس له الرجوع عن التزامه ما تكفل به.

    (12) أن تفويت الإنسان على الناس حقوقهم قد يكون سبباً في تفويت حقه عليه.

    (13) أن درأ المفاسد العامة مقدم على جلب المصالح الخاصة.

    (14) أن الجزاء من جنس العمل، وأنه كما يدين الإنسان يُدان.

    (15) أنه ليس للضامن الرجوع في مال الميت إن ظهر أن له مالاً.

    (16) بيان ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الأخلاق الفاضلة: من الرأفة، والشفقة، والرحمة بعضهم لبعض، فتحمل أبي قتادة رضي الله عنه الدَّين مثال واقعي لما وصفهم الله به في قوله: ( رحماء بينهم ).

    (17) تأخير البيان إلى وقت الحاجة.









    (1) تنبيه: الحديث الثلاثي عند الترمذي، والخمسة عند ابن ماجه، وثلاثيات الدارمي وعددها خمسة عشر حديثًا، وثلاثيات عبد بن حميد وعددها واحد وخمسون توجد مخطوطة بخط جميل ضمن مجموعة (رقم44) مجاميع في مكتبة عارف حكمت في المدينة المنورة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •