دراسة تحليلية للحديث **متجددة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 15 من 15

الموضوع: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (1)


    قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ـ رحمه الله ـ في كتاب العلم من صحيحه:

    (باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)




    حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن سمعت معاوية خطيباً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، و لا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)).

    المبحث الأول: التخريج:
    هذا الحديث رواه البخاري بتمامه في ثلاثة مواضع هذا أحدها، والثاني في (كتاب فرض الخمس) حيث قال: حدثنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والله المعطي وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمة ظاهرة على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون))، والثالث في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) حيث قال: حدثنا إسماعيل حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله )).
    ورواه مسلم في (كتاب الزكاة) من صحيحه دون الجملة الأخيرة في موضعين قال في الأول:
    حدثنا أبو بكر بن أبي شيبه حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية يقول: إياكم وأحاديث إلاّ حديثاً كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله عزوجل، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما أنا خازن، فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك الله له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشرَه كان كالذي يأكل ولا يشبع)).
    وقال في الثاني: حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو يخطب يقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله)).
    ورواه في (كتاب الإمارة) دون الجملة الوسطى فقال: حدثني إسحاق بن منصور أخبرنا كثير بن هشام حدثنا جعفر ـ وهو ابن برقان ـ حدثنا يزيد بن الأصم قال سمعت معاوية بن أبي سفيان ذكر حديثاً رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم أسمعه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم على منبره حديثاً غيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة)).
    وقد روى الشيخان الجملة الأخيرة فقط في أحاديث أخرى غير هذه الأحاديث المذكورة.
    وقال الترمذي في جامعه: (باب إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين)، حدثنا عليّ بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). وفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، ومعاوية، هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
    ورواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بمثل الجملة الأولى عند الشيخين والترمذي، ورواه أيضاً من حديث معاوية رضي الله عنه ولفظه: ((الخير عادة، والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
    ورواه ابن حبان في صحيحه فقال: أخبرنا ابن قتيبة وهو محمد بن الحسن ـ قال حدثنا حرملة بن يحيى قال حدثنا ابن وهب قال أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
    ورواه البخاري تعليقاً في (باب العلم قبل القول والعمل) من (كتاب العلم) فقال: وقال صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه، وإنما العلم بالتعلم...))، قال الحافظ ابن حجر: كذا في رواية الأكثر، وفي رواية المستملي (يفهمه)، ثم أشار إلى أن البخاري وصله باللفظ الأول، ثم قال: وأما اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبي عاصم في (كتاب العلم) من طريق ابن عمر عن عمر مرفوعاً وإسناده حسن.
    والفقه هو الفهم قال الله تعالى: ( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) أي لا يفهمون، والمراد الفهم في الأحكام الشرعية قال: وقوله: ((وإنما العلم بالتعلم)) هو حديث مرفوع أيضاً أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية أيضاً بلفظ: ((يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). إسناده حسن إلاّ أن فيه مبهماً اعتضد بمجيئه من وجه آخر، وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود موقوفاً. ورواه أبو نعيم الأصبهاني مرفوعاً، وفي الباب عن أبي الدرداء وغيره، فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري، والمعنى: ليس العلم المعتبر إلاّ المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم. انتهى.
    وقال الحافظ أبو بكر الهيثمي في (مجمع الزوائد): وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). رواه الطبراني في الصغير ورجاله رجال الصحيح.
    وعن عبد الله ـ يعني ابن مسعود رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده)). رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون. انتهى.
    وأورد الحافظ المنذري في كتابه (الترغيب والترهيب) حديث ابن مسعود هذا، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به، وأورد حديث معاوية عند الشيخين وابن ماجه وقال: ورواه أبو يعلى وزاد فيه: ((ومن لم يفقهه لم يبال به)). وروى حديث معاوية رضي الله عنه أبو نعيم في (الحلية) في ترجمة رجاء بن حيوة من رواية يونس بن ميسرة عنه، وفي ترجمة عليّ بن عبد الحميد من رواية عبد الله بن عامر عنه، ورواه بلفظ: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده)) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في ترجمة شقيق بن سلمة من رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي وائل عنه، وقال: غريب من حديث الأعمش تفرد به أبو بكر بن عياش.
    وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله): باب قوله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). ثم روى بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً: ((من يرد الله به خيراً يفقهه)). ورواه بسنده عنه عن أبيه عمر رضي الله عنهما مرفوعاً بلفظ: ((من يرد الله أن يهديه يفقهه))، ثم قال: أخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي قال حدثنا سليمان بن داود الشاذكوني قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). وفي هذا الباب حديث معاوية صحيح أيضاً: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا يحيى القطان عن ابن عجلان قال حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: كان معاوية بن أبي سفيان يخطب بالمدينة يقول: ((أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، سمعت هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الأعواد)).
    وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا عليّ بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال أخبرنا عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن (كذا، والصواب حميد بن عبد الرحمن)، قال سمعت معاوية وخطبنا فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على الحق أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)). وروى نحوه بسنده إلى الإمام البخاري ومنه عن شيخه سعيد بن عفير بمثل سنده في (كتاب العلم) من صحيحه، وروى بسنده إلى كثير بن هشام في سند الحديث الذي أورده الإمام مسلم في (كتاب الإمارة) ومنه بمثل سنده ومتنه عنده. وروى بسنده إلى عبد الله بن محيريز عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين)). انتهى. ورواه أبو داود الطيالسي بسنده إلى محمد بن كعب القرظي عن معاوية بنحو حديثه المتقدم ذكره عند ابن عبد البر.
    خلاصة التخريج:
    والخلاصة أن الجملة الأولى التي ترجم بها الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ وهي قوله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) رواها الشيخان، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي عاصم، والطبراني، وأبو يعلى، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو داود الطيالسي، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. ورواها الترمذي والإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ورواها ابن ماجه، والطبراني في (الصغير)، وأبو عمر بن عبد البر، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواها ابن أبي عاصم، والطبراني في (الأوسط)، وأبو عمر بن عبد البر، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ورواها أبو عمر بن عبد البر من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ورواها البزار، والطبراني في (الكبير)، وأبو نعيم في (الحلية) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
    من فوائد هذا التخريج:
    (1) الوقوف على كثرة طرق الحديث، ومعلوم أن كثرة الطرق تحصل بها زيادة القوة.
    (2) الوقوف على تصريح عبد الله بن وهب بالإخبار والإنباء كما في إحدى الروايات عند مسلم وكما عند ابن حبان، وعبد الله بن وهب قد وصفه ابن سعد بالتدليس كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن مدار أسباب الجرح على خمسة أشياء فذكر من بينها: دعوى الانقطاع في السند، بأن يدعي في الراوى أنه كان يدلس أو يرسل، ثم قال عند الجواب عن ذلك: وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده ـ أي البخاري ـ بالعنعنة، فإن وجد التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض وإلا فلا.
    وهذا الحديث قد رواه ابن وهب بالعنعنة عند البخاري، وقد صرح بالإخبار عند مسلم، والإنباء عند ابن حبان كما رأيت، فاندفع الاعتراض بعد حصر الطرق والوقوف عليها.
    (3) معرفة المكان الذي خطب فيه معاوية رضي الله عنه وأنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات مسلم، وأوضحته رواية ابن عبد البر.
    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد بإيجاز:
    الأول: أول رجال الإسناد سعيد بن عفير شيخ البخاري، وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاري مولاهم، أبو عثمان المصري، وقد ينسب إلى جده كما في إسناد هذا الحديث.
    روى عن الليث، ومالك، وابن وهب، وغيرهم. وروى عنه البخاري في الصحيح والأدب المفرد، وخرّج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والنسائي.
    قال الحافظ في (التقريب): صدوق عالم في الأنساب وغيرها. وقال: وقد رد ابن عدي على السعدي في تضعيفه. وقال في (تهذيب التهذيب): وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال إبراهيم بن الجنيد وابن معين: ثقة لا بأس به. وقال النسائي: سعيد بن عفير صالح، وابن أبي مريم أحب إليَّ منه. وقال الحاكم: يقال إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه. وقال في (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال): قال ابن عدي صدوق ثقة. وقال الحافظ في (هدي الساري): ونقل عن الدولابي عن السعدي قال: سعيد بن عفير فيه غير لون من البدع، وكان مخلطاً غير ثقة. ثم تعقب ذلك ابن عدي فقال: هذا الذي قاله السعدي لا معنى له، ولا بلغني عن أحد في سعيد كلام، وهو عند الناس ثقة ولم ينسب إلى بدع، ولا كذب، ولم أجد له بعد استقصائي على حديثه شيئاً ينكر عليه سوى حديثين رواهما عن مالك. فذكرهما وقال: لعل البلاء فيهما من ابنه عبيد الله لأن سعيد بن عفير مستقيم الحديث. ثم قال الحافظ: قلت: لم يكثر عنه البخاري، وروى له مسلم والنسائي. وقال في (تهذيب التهذيب) ولد سنة 146 وتوفى سنة 226هـ.
    الثاني: ابن وهب وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد. قاله الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب).
    روى عن عمرو بن الحارث، وحيوة بن شريح، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد، وغيرهم. وروى عنه شيخه الليث بن سعد، وعبد الرحمن بن مهدي، وعليّ بن المديني، وحرملة بن يحيى، وغيرهم. قال فيه الإمام أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح. وقال: ما أصح حديثه وأثبته. وقال أحمد بن صالح: حدث ابن وهب بمائة ألف حديث. وقال ابن خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: نظرت في نحو ثلاثين ألفاً من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر، لا أعلم أني رأيت له حديثاً لا أصل له، وهو ثقة. وقال ابن سعد: عبد الله بن وهب كان كثير العلم، ثقة فيما قال: حدثنا، وكان يدلس. وقال العجلي: مصري ثقة صاحب سنة، رجل صالح صاحب آثار. وعن ابن وضاح قال: كان مالك يكتب إلى عبد الله بن وهب: فقيه مصر، قال: وما كتبها مالك إلى غيره. ذكر ذلك وغيره الحافظ في (تهذيب التهذيب)، وقال: وقال ابن يونس: حدثني أبي عن جدي قال: سمعت ابن وهب يقول: ولدت سنة 125وطلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة. وكانت وفاته سنة 197 رحمه الله، وقد خرج حديثه الجماعة.
    الثالث: يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي ـ بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام ـ أبو يزيد مولى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ثقة إلاّ أن في روايته عن الزهري وهماً قليلاً، وفي غير الزهري خطأ. قاله الحافظ في (تقريب التهذيب).
    روى عن الزهري، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وغيرهم. وروى عنه الليث، والأوزاعي، وابن المبارك، وابن وهب، وغيرهم. كما في (تهذيب التهذيب). وقال الحافظ في (هدي الساري): قلت: وثقه الجمهور مطلقاً، وإنما ضعفوا بعض روايته حيث يخالف أقرانه أو يحدث من حفظه، فإذا حدّث من كتابه فهو حجة. قال ابن البرقي: سمعت ابن المديني يقول: أثبت الناس في الزهري مالك، وابن عيينة، ومعمر، وزياد بن سعد، ويونس من كتابه، وقد وثقه أحمد مطلقاً، وابن معين، والعجلي، والنسائي، ويعقوب بن شيبة، والجمهور، واحتج به الجماعة. وقال في التقريب: مات سنة تسع وخمسين ـ أي بعد المائة على الصحيح ـ، وقيل سنة ستين.
    الرابع: ابن شهاب الزهري، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، وكنيته أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه. قاله الحافظ في (التقريب). وقال في (تهذيب التهذيب): الفقيه أبو بكر، الحافظ المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام. انتهى.
    وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، ومحمود بن الربيع. وروى عن الفقهاء السبعة وغيرهم. وروى عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، والأوزاعي، وابن جريج، ويونس بن يزيد، والليث بن سعد، وهشيم، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
    قال البخاري عن عليّ بن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال ابن سعد: قالوا: وكان الزهري ثقة كثير الحديث، والعلم، والرواية، فقيهاً جامعاً. وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئاً فنسيته. وقال النسائي: أحسن أسانيد تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، وذكر من بينها: الزهري عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جده، والزهري عن عبيد الله عن ابن عباس. ذكر ذلك وغيره الحافظ في (تهذيب التهذيب). وقال ابن خلكان في (وفيات الأعيان): هو أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة، رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري. وقال: وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم مَن؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم مَن؟ قال: ابن شهاب، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وقال: وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوماً: والله لهذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر. وقال: وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، سنة أربع وعشرين ومائة، وقيل ثلاث وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وقيل ثلاث وسبعين سنة، وقيل مولده سنة إحدى وخمسين للهجرة، والله أعلم. انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة رحمه الله.
    وابن شهاب هو الذي قام بتدوين الحديث النبوي بأمر عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ لهذا يطلقون عليه ـ رحمه الله ـ أنه واضع علم الحديث رواية، ويقول السيوطي في ألفيته:
    أول جامع الحديث والأثر ** ابن شهـاب آمـر لـه عمر
    الخامس: حميد بن عبد الرحمن، وهو: حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني. عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، وخاله عثمان، وطائفة. وعنه ابنه عبد الرحمن، وابن أخيه سعد، والزهري. وثقه أبو زرعة وقال: مات سنة خمس وتسعين، قاله الخزرجي في (خلاصة التذهيب). وقال الحافظ في (التقريب): ثقة من الثانية. وقال في (تهذيب التهذيب): إن كنيته أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان، وقال: قال العجلي وأبو زرعة وأبو خراش: ثقة. وقال: توفى سنة 95 وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. انتهى. وقد خرّج حديثه الجماعة.
    السادس: صحابي الحديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، قال الحافظ في (التقريب): معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين. انتهى.
    وقال في (تهذيب التهذيب): أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وأخته أم حبيبة. وعنه جرير بن عبد الله البجلي، والسائب بن يزيد الكندي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وأناس آخرون ذكرهم في (تهذيب التهذيب)، ثم قال: ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقره عثمان مدة خلافته، ثم ولي الخلافة. قال ابن اسحاق: كان معاوية أميراً عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة. انتهى.
    وقال في (الخلاصة): له مائة وثلاثون حديثاً، اتفقا ـ البخاري ومسلم ـ على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة. وقال الموفق ابن قدامة المقدسي في (لمعة الاعتقاد): ((ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين )).
    وقال شارح الطحاوية: ((وأول ملوك المسلمين معاوية رضي الله عنه، وهو خير ملوك المسلمين)) انتهى.
    وقد حصل بينه وبين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه شيء من الخلاف، وكل منهما قد اجتهد، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد وخطؤه مغفور، والواجب على كل مسلم أن يصون لسانه عما جرى بينهما خصوصاً، وعما جرى بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم عموماً، إلا بالكلام في الخير، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت))، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في (العقيدة الواسطية): ((ومن أصول أهل السنة والجماعة، سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ( والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) وطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه)).
    وقال شارح الطحاوية: ((فمن أضل ممن يكون في قلبه غلّ على خيار المؤمنين، وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين))، وقال أيضاً بعد الإشارة إلى ما جرى بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما واعتذاره عنهما: ((ونقول في الجميع بالحسنى: ( والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) والفتن التي كانت في أيامه ـ أي أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه ـ قد صان الله عنها أيدينا فنسأله تعالى أن يصون عنها ألسنتنا بمنه وكرمه)). انتهى.
    ويقول الطحاوي ـ رحمه الله ـ في عقيدته: ((وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلاّ بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل)).
    وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في (البداية والنهاية): وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: ((الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ. فقيل له فمعاوية، قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان عليّ من عليّ، ورحم الله معاوية.
    وقال: قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني عباد بن موسى حدثنا عليّ بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبي عروبة عن عمر بن عبد العزيز قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينا أنا جالس إذ أتي بعليّ ومعاوية فأدخلا بيتا وأجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج عَليٌّ وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة)).
    وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية فقال له: ولِمَ؟ قال: لأنه قاتل عليّاً، فقال له أبو زرعة: ويحك، إن رب معاوية رحيم وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما؟ رضي الله عنهما.
    وسئل الإمام أحمد عما جرى بين عليّ ومعاوية فقرأ: ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون )، وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الأوزاعي: سئل الحسن عما جرى بين عليّ وعثمان فقال: ((كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة، فابتلي هذا، وعوفي هذا))، وسئل عما جرى بين عليّ ومعاوية فقال: ((كانت لهذا قرابة، ولهذا قرابة، ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة فابتليا جميعاً))، وقال أيضاً:وقال محمد بن يحيى بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية، فقال: ((ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد))، فقيل له: أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: ((لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز)).
    وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سئل المعافى بن عمران: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل: ((أتجعل رجلاً من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله)). وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: ((معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه)). وقال الميموني: ((قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن، إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام)).
    وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص، أيقال له رافضي؟ فقال: ((إنه لم يجترىء عليهما إلاّ وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلاّ وله داخلة سوء)). وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: ((ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قط إلاّ إنساناً شتم معاوية فإنه ضربه أسواطاً)). إلى غير ذلك من الكلمات الجميلة المأثورة عن سلف هذه الأمة في حق خيار الخلق بعد النبيين والمرسلين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين.
    المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسناد الستة خرّج حديثهم الشيخان البخاري ومسلم، بل قد خرّج لهم أيضاً بقية أصحاب الكتب الستة ما عدا سعيد بن عفير شيخ البخاري فقد خرّج له مع الشيخين النسائي وأبو داود في القدر ولم يخرج حديثه الباقون.
    (2) في سند الحديث تابعيان مدنيان قرشيان زُهريان هما: ابن شهاب الزهري وشيخه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
    (3) في سند الحديث مصريان وهما: شيخ البخاري سعيد بن عفير وشيخ شيخه عبد الله بن وهب.
    (4) نصف سند الحديث الأعلى قرشيون وهم: معاوية رضي الله عنه، وحميد بن عبد الرحمن، وابن شهاب الزهري، ونصفه الأدنى من الموالي فسعيد بن عفير مولى الأنصار، وابن وهب مولى القرشيين، ويونس بن يزيد مولى الأمويين.
    (5) يونس بن يزيد الأيلي مولى معاوية بن أبي سفيان الأموي رضي الله عنه كما في (تهذيب التهذيب)، ففي سند الحديث مولى من أعلى وهو معاوية رضي الله عنه، ومولى من أسفل وهو يونس بن يزيد.
    (6) قول معاوية رضي الله عنه في الحديث: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين...)) الخ. يسمى المرفوع من القول تصريحاً.
    (7) إخبار حميد بن عبد الرحمن بالهيئة التي حصل فيها أداء الحديث من معاوية رضي الله عنه وهي كونه يخطب، يدل على ضبطه وإتقانه لما رواه، ومثل هذا يعد من الطرق التي يستفاد بها ذلك في رواية الراوي وتحمله عند المحدثين.
    (8) عبد الله بن وهب مدلس وقد صرّح بالإخبار والإنباء كما تقدم إيضاح ذلك في فوائد التخريج، وابن شهاب الزهري وصفه الذهبي في (ميزان الاعتدال) بأنه يدلس نادراً، وهذا الحديث بصيغة (قال) الشبيهة (بعن) وقد صرّح بالإخبار عند البخاري في (كتاب الاعتصام)، وصرح بالتحديث عند مسلم في (الزكاة) وتقدم سياقهما في التخريج.
    (9) إن تتبعنا لطرق هذا الحديث يسمى مثله في علم مصطلح الحديث الاعتبار.
    ورواية إسماعيل بن أبي أويس عند البخاري، وحرملة بن يحيى عند مسلم، عن ابن وهب، تسمى متابعة تامة، لأن سعيد بن عفير توبع في رواية الحديث عن شيخه ابن وهب.
    ورواية حبان بن موسى عن عبد الله عن يونس، وكذا الروايات الأخرى التي تلتقي أسانيدها مع إسناد سعيد بن عفير في الرواية عن معاوية رضي الله عنه تسمى متابعة قاصرة.
    أما الروايات التي ورد بها الحديث من طريق صحابة آخرين وهم: عمر وابنه عبد الله، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو هريرة رضي الله عنهم فتسمى شواهد.
    (10) قال الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر): ((ومن المهم في هذا الفن معرفة من اختلف في كنيته ومن كثرت كناه))، وفي سند هذا الحديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال فيه الحافظ في (تهذيب التهذيب): أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان.
    (11) وقال في (نخبة الفكر) أيضاً: ((ومن المهم معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه))، وفي سند هذا الحديث شاهد لذلك: فيونس الأيلي كنيته أبو يزيد واسم أبيه يزيد.
    المبحث الرابع: شرح الحديث:
    (1) هذا الحديث مشتمل على ثلاث جمل كل واحدة منها لها معنى قائم بنفسه، والموافق للترجمة منها هو الجملة الأولى، وذكر الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) أن الجمل الثلاث قد تتعلق جميعها بترجمة الباب من جهة إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجوداً حتى يأتي أمر الله.
    (2) قوله (يفقهه في الدين) معناه يفهمه، يقال: فقُه بالضم إذا صار الفقه له سجية، وفقَه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقِه بالكسر إذا فهم، والمراد به الفهم في الأحكام الشرعية، أي الفهم الذي يثمر العمل ليكون فقهه وعلمه له لا عليه كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((والقرآن حجة لك أو عليك)).
    (3) قال الحافظ في (الفتح): ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين، أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية رضي الله عنه من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره: ((ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به))، والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهاً ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير. انتهى.
    (4) الحديث دال على مادلت عليه الآيات الكثيرة، والأحاديث المستفيضة من وصف الله بالإرادة، ومعلوم أن مذهب أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته: تنـزيهه عما نزّه عنه نفسه، وإثبات جميع ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بجلال الله، بدون تكييف ولا تمثيل، وبدون تأويل أو تعطيل، كما قال سبحانه وتعالى: ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير )، وصفات الله تعلى كلها يقال في بعضها ما يقال في البعض الآخر، دون فرق بين صفة وصفة، فكل ما ثبت في الكتاب والسنة من العلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والقدرة، واليدين، والوجه، والغضب، والرضا، والاستواء على العرش، وغير ذلك، يجب إثباته له، واعتقاده على النهج الواضح الذي بينه الله بقوله ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير )، وكما أن لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فكذا صفاته الثابتة بالكتاب والسنة تثبت على الوجه اللائق بالله، دون أن يكون فيها مشابهاً لخلقه، فإنه يقال في الصفات ما قيل في الذات سواء بسواء، كما أنه يقال في بعض الصفات ما قيل في البعض الآخر سواء بسواء.
    وإرادة الله تعالى عند أهل السنة نوعان دل عليهما كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم: (إحداهما) بمعنى المشيئة الكونية القدرية، و(الثانية) الإرادة الدينية الشرعية، والفرق بينهما:
    أن الكونية القدرية شاملة لكل شيء، لا فرق فيها بين ما يحبه الله وما يبغضه، ولابد من وقوع ما تقتضيه، وأما الدينية الشرعية فهي خاصة فيما يحبه الله ويرضاه، ولا يلزم وقوع ذلك، فالله تعالى أراد من الإنس والجن شرعاً وديناً أن يعبدوه وحده، وذلك محبوب إليه، ولذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل، وأراد كوناً وقدراً في بعض عباده الخير، فاجتمع لهم الأمران الكوني والشرعي، وأراد في البعض الآخر غير ذلك فوقعت في حقه الكونية دون الدينية الشرعية، فالذي أراده كوناً وقدراً: أن يكون الناس فريقين فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، ولابد من وقوع ذلك، ولو شاء غير ذلك لوقع، كما قال الله تعالى: ( قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين )، وقال ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجِّنة والناس أجمعين )، أما بيان الحق والدعوة إليه فهو حاصل للكل، قال تعالى ( ألم نجعل له عينين* ولسانا وشفتين* وهديناه النجدين )، قال تعالى ( والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) فحذف مفعول الفعل (يدعو) إشارة إلى العموم فيه والشمول، وأظهر مفعول الفعل (يهدي) المفيد الخصوص، فالدعوة إلى الحق عامة للجميع والهداية خاصة فيمن وفقه الله.
    وما قدّره الله وقضاه لابد من وقوعه كما تقدم بيانه، ونحن لا نعلم ذلك إلاّ بواحد من أمرين: (أحدهما) وقوع الشيء، فكل ما وقع علمنا أن الله قد شاءه، لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فأي حركة تجري فهي بمشيئة الله، و(الثاني) حصول الإخبار بالشيء الغائب عنّا من الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، سواء كان ماضياً أو مستقبلاً، فإذا أخبر عن شيء ماض علمنا قطعاً بأنه كان ووقع كما أخبر، وإذا أخبر عن شيء مستقبل علمنا قطعاً بأنه لابد وأن يقع لأن الله قد شاءه، فالأخبار الماضية كأخبار بدء الخلق مثلاً، والمستقبلة كأخبار آخر الزمان ونهاية الدنيا وغير ذلك.
    وليس معنى المشيئة الشاملة والإرادة القدرية أن الإنسان مسلوب الإرادة مجبور على أفعاله لا مشيئة له ولا اختيار، بل له مشيئة تابعة لمشيئة الله كما قال تعالى: ( ما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين )، ولهذا ندرك الفرق بين الحركات الاضطرارية كحركة المرتعش، والحركات الاختيارية من العقلاء كالبيع والشراء، وحصول الإحسان من البعض، والإساءة من البعض الآخر، فالاضطرارية لا دخل للعبد فيها، والاختيارية تجري بمشيئة العبد وإرادته التابعة لمشيئة الله وإرادته.
    ومن أمثلة الإرادة الدينية في القرآن قوله تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )، وقوله ( والله يريد أن يتوب عليكم )، ومن أمثلة الكونية القدرية قوله تعالى( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم )، وقوله ( ولكن الله يفعل ما يريد )، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذين نحن بصدد الكلام عليه: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
    (5) قوله (إنما أنا قاسم والله يعطي)، أعاد البخاري الحديث في (كتاب فرض الخمس) للاستدلال بهذه الجملة على أن قسمة الغنيمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قاسم للمال حيث أمره الله، وساق مع هذا الحديث أحاديث أخرى منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أُمرت)). والمعنى: لا أعطي أحداً ولا أمنع أحداً إلاّ بأمر الله، وفي ذلك إثبات القضاء والقدر والإيمان بذلك، وأنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، وأن العباد يتصرفون في المال بحق وبغير حق، بإرادتهم ومشيئتهم، وحصول قسمته بين الناس كما قسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مما قضاه الله كوناً وقدراً، وأمر به شرعاً وديناً.
    (6) قوله (ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)، أعاد البخاري الحديث بتمامه في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) للاستدلال بهذه الجملة على عدم خلو الأرض من معتصم بالكتاب والسنة حتى يأتي أمر الله، وأورد هذه الجملة فقط في (كتاب المناقب مشيراً إلى أن ذلك من علامات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو منقبة لهذه الأمة.
    (7) أمة محمد صلى الله عليه وسلم لها معنيان: معنى عام ومعنى خاص، فالأمة بالمعنى العام هي أمة الدعوة، وهم كل إنسان وكذا الجن من حين بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، فإن الدعوة موجهة إليهم كما قال صلى الله عليه وسلم في الخمس التي أعطيها دون من قبله: ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)). ويدل للأمة بالمعنى العام قوله تعالى: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ).
    أما الأمة بالمعنى الخاص: فهي أمة الإجابة، وهم الذين أجابوا الدعوة ودخلوا في دين الله، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:( كنتم خير أمة أخرجت للناس )، وقوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا )الآية. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ((ولن تزال هذه الأمة...)) الخ.
    (8) قوله (ولن تزال هذه الأمة)، هو من العام المراد به الخصوص، فإن المراد به بعض الأمة كما دل على ذلك أدلة منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون)). أخرجه البخاري في (كتاب الاعتصام) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
    (9) في المراد بالطائفة المنصورة أقوال، جزم البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه بأنهم أهل العلم بالآثار، وقال أحمد بن حنبل: ((إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم)). وقال القاضي عياض: ((أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث)). وقال النووي: ((يحتمل أن تكون هذه الطائفة فرقة من أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر الله تعالى من مجاهد، وفقيه، ومحدث، وزاهد، وآمر بالمعروف، وغير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد، بل يجوز أن يكونوا متفرقين)). ذكر هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
    (10) (أمر الله): ذكر في الجملة الأخيرة مرتين لكل منهما معنى، فمعنى (أمر الله) في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله)) شرع الله ودينه، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد))، ومعنى أمر الله في قوله: (حتى يأتي أمر الله) ما قدره الله وقضاه من خروج ريح في آخر الزمان تقبض روح كل من في قلبه شيء من الإيمان، ويبقى شرار الناس الذين عليهم تقوم الساعة كما جاء ذلك في أحاديث صحيحة، منها ما رواه مسلم في صحيحه في (كتاب الفتن) في ذكر الأمور التي تجري في آخر الزمان وفيه: ((بينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة)).
    والأمر كالإرادة يأتي لمعنى كوني قدري ومعنى ديني شرعي، وهذا الحديث فيه شاهد لكل من المعنيين.
    (11) من فقه الحديث وما يستنبط منه:
    (1) الترغيب في طلب العلم والحث عليه.
    (2) بيان فضل العلماء على سائر الناس.
    (3) بيان فضل التفقه في الدين على سائر العلوم.
    (4) إثبات صفة الإرادة لله تعالى.
    (5) أن الفقه في الدين علامة لإرادة الله الخير بالعبد.
    (6) إرشاد الناس إلى السنة وإعلانها على المنابر.
    (7) الإيمان بالقضاء والقدر وأن المعطي المانع هو الله تعالى.
    (8) بشارة هذه الأمة بأن الخير باق فيها.
    (9) إخباره صلى الله عليه وسلم عما يستقبل وهو من الغيب الذي أطلعه الله عليه.
    (10) إخباره بهذا المغيب من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم حيث وقع كما أخبر مدة أربعة عشر قرناً الماضية، ولابد من استمرار ذلك حتى يأتي أمر الله كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.
    (11) وجوب الإيمان بوقوع استمرار الحق، وأنه لا ينقطع حتى يأتي أمر الله كما جاء ذلك عن الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه.
    (12) هذا الإخبار منه صلى الله عليه وسلم عما يستقبل أحد طريقي العلم بالشيء الذي قدره الله والطريق الثانية الوقوع.
    (13) أن الطائفة المنصورة لها مخالفون ومناوؤون.
    (14) الحث على التمسك بالكتاب والسنة ليكون العبد من هذه الطائفة.
    (15) بيان أن أعداء هذه الطائفة لا يضرونها ولا يؤثرون على استمرار الحق.
    (16) أن استمرار الحق في أمة محمد صلى الله عليه وسلم منقبة عظيمة لها.
    (17) أن الإجماع حجة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (2)



    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)
    حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس عن الزهري (ح) وحدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فَلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)).
    المبحث الأول: التخريج:
    هذا الحديث أورده البخاري في خمسة مواضع من صحيحه هذا أحدها، والثاني في (كتاب الصيام، باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان)، ولفظه: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة)).
    والثالث: في (كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة)، ولفظه: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة))، وعن عبد الله حدثنا معمر بهذا الإسناد نحوه، وروى أبو هريرة وفاطمة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن جبريل كان يعارضه القرآن)).
    والرابع: في (كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم)، رواه عن شيخه عبدان بسنده في هذا الحديث، وبمثل لفظه عند بشر بن محمد إلاّ أنه بدون (كان) في قوله ((وكان أجود ما يكون...)) الخ.
    والخامس: في (كتاب فضائل القرآن، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم)، ولفظه: حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة)).
    وقد أخرج الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ هذا الحديث في (كتاب الفضائل) من صحيحه، فقال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا إبراهيم ـ يعني ابن سعد ـ عن الزهري (ح) وحدثني أبو عمران محمد بن جعفر بن زياد ـ واللفظ له ـ أخبرنا إبراهيم عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، أن جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة))، وحدثنا أبو بكر حدثنا ابن المبارك عن يونس (ح) وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد نحوه. وروى قبل ذلك بحديثين بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس)).
    وأخرج الحديث البخاري في (الأدب المفرد) عن شيخه موسى بن إسماعيل بمثل حديثه عنه في (كتاب الصيام) سنداً ومتناً.
    وأخرجه النسائي في (كتاب الصوم، باب الفضل والجود في شهر رمضان)، عن شيخه سليمان بن داود عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس بنحو هذا الحديث عند البخاري.
    وأخرجه الإمام أحمد في مسنده من طرق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج الجملة الأخيرة منه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز بسنده إلى عمر عن عبيد الله عن ابن عباس رضي الله عنه : ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود من الريح المرسلة إذا نزل عليه جبريل عليه السلام يدارسه القرآن))، ثم قال غريب من حديث عمر لم نكتبه إلاّ من هذا الوجه.

    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري في الإسناد الأول عبدان. قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد واسمه ميمون، وقيل: أيمن الأزدي العتكي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، الحافظ الملقب عبدان.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): روى عن شعبة، ومالك، وابن المبارك. وعنه البخاري، والذهلي، وخلق.
    وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): قال أحمد بن عبدة: تصدق عبدان في حياته بألف ألف درهم، وكَتَبَ كُتُبَ ابن المبارك بقلم واحد. وذكر توثيقه عن أبي رجاء محمد بن حمدويه، وقول الحاكم: كان إمام أهل الحديث ببلده.
    وقال في (التقريب): ثقة، حافظ من العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين في شعبان ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى ابن ماجه.
    الثاني: شيخ البخاري في الإسناد الثاني بشر بن محمد. قال الخزرجي في (الخلاصة): بشر بن محمد السختياني أبو محمد المروزي، صدوق رمي بالإرجاء. عن ابن المبارك، وعنه البخاري، وقال: مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وذكره ابن حبان في (الثقات) كما في (تهذيب التهذيب)، وهو من رجال البخاري دون بقية الجماعة.
    الثالث: شيخ شيخي البخاري في الإسنادين عبد الله بن المبارك. قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة.
    وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ـ أي بعد المائة ـ، وله ثلاث وستون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وذكر في (تهذيب التهذيب) الكثير من ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول ابن عيينة: ((نظرت في أمر الصحابة فما رأيت لهم فضلاً على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وغزوهم معه)). وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع معمر بن راشد، ويونس بن يزيد، وغير واحد. وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، ومسلم بن إبراهيم، وغير واحد عند مسلم. وسرد في (تهذيب التهذيب) الكثير من أسماء شيوخه وتلامذته ومنهم: شيخاه وتلميذاه في هذا الحديث.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): وترجمته كبيرة في الحلية لأبي نعيم، وتاريخ الحاكم.
    الرابع: معمر بن راشد. قال الحافظ في (تقريب التهذيب): معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة، ثبت، فاضل إلاّ أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ـ أي بعد المائة ـ، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال في مقدمة الفتح: معمر بن راشد صاحب الزهري، كان من أثبت الناس فيه. وقال: أخرج له البخاري من روايته عن الزهري، وابن طاووس، وهمام بن منبه، ويحيى بن أبي كثير، وهشام بن عروة، وأيوب، وثمامة بن أنس، وعبد الكريم الجزري، وغيرهم، ولم يخرّج له من روايته عن قتادة ولا ثابت إلاّ تعليقاً، ولا من روايته عن الأعمش شيئاً، ولم يخرج له من رواية أهل البصرة عنه إلاّ ما توبعوا عليه عنه، واحتج به الأئمة كلهم. ونقل في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن شيبة، والنسائي، وذكر كثيراً من ثناء الأئمة عليه.
    الخامس والسادس: يونس بن يزيد الأيلي وشيخه ابن شهاب الزهري وقد تقدم التعريف بهما في رجال إسناد الحديث الأول.
    السابع:عبيد الله بن عبد الله. قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي، حليف بني زهرة، أحد الفقهاء السبعة، سمع عبد الله بن عباس، وزيد بن خالد، وأبا هريرة، وأم قيس بنت محصن، وعائشة، وأبا سعيد الخدري عندهما ـ أي في الصحيحين ـ، وغير واحد عند مسلم. وروى عنه الزهري، وصالح بن كيسان، وموسى بن أبي عائشة عندهما، وغير واحد عند مسلم.
    وقال الحافظ في (تقريب التهذيب): أبو عبد الله المدني، ثقة، فقيه، ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل سنة ثمان، وقيل غير ذلك، ورمز لكونه من رجال الجماعة، ونقل في (تهذيب التهذيب) ثناء كثير من الأئمة عليه، وتوثيقهم له رحمه الله.
    الثامن: صحابي الحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
    قال الخزرجي في (الخلاصة): عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، أبو العباس المكي ثم المدني ثم الطائفي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وحبر الأمة وفقيهها، وترجمان القرآن، روى ألفا وستمائة وستين حديثاً، اتفقا ـ أي البخاري ومسلم ـ على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين. وقال أيضاً: ابن عباس سمع من النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين حديثاً وباقي حديثه عن الصحابة، واتفقوا على قبول مرسل الصحابي.
    وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري مائتي حديث وسبعة عشر حديثاً. وقال في (تقريب التهذيب): ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه. وقال: مات سنة ثمان وستين بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): روى عنه سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وجماعة من التابعين عندهما، أي الصحيحين.
    وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): فائدة: روي عن غندر أن ابن عباس لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ تسعة أحاديث، وعن يحيى القطان عشرة، وقال الغزالي في (المستصفى): أربعة، وفيه نظر، ففي الصحيحين عن ابن عباس مما صرّح فيه بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرة، وفيهما مما يشهد فعله نحو ذلك، وفيهما مما له حكم الصريح نحو ذلك فضلا عما ليس في الصحيحين.
    المبحث الثالث، لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسنادين الثمانية خرّج أصحاب الكتب الستة حديثهم إلاّ شيخ البخاري في الإسناد الأول عبدان فلم يرو له ابن ماجه وروى له الباقون. وشيخه في الإسناد الثاني بشر بن محمد، فقد انفرد البخاري بإخراج حديثه.
    (2) في سند الحديث تابعيان مدنيان هما: ابن شهاب الزهري، وشيخه عبيد الله بن عبد الله فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
    (3) في سند الحديث ثلاثة مروزيون وهم: شيخا البخاري: عبدان وبشر، وشيخ شيخيه: عبد الله بن المبارك.
    (4) في سند الحديث أزديان ولاء وهما: شيخ البخاري عبدان، ومعمر بن راشد شيخ عبد الله بن المبارك.
    (5) حرف (ح) يفيد تحويل الإسناد من إسناد إلى آخر، والفائدة من ذلك هي الاختصار وتلافي تكرار الأسماء، ومنتهى الإسنادين الزهري، ومنه يكون الإسناد واحداً هكذا.
    قال البخاري: حدثنا عبدان قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس عن الزهري (ح) وحدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه. قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس... الخ.
    وإنما لم يجعل البخاري الطريقين طريقاً واحداً من عبد الله بن المبارك مع أنه هو ملتقى طريق عبدان بطريق بشر بن محمد، لأن عبد الله بن المبارك حدّث به عبدان عن يونس وحده، وحدث به بشر بن محمد عن يونس ومعمر معاً.
    (6) قول عبد الله بن المبارك في الإسناد الثاني: أخبرنا يونس ومعمر عن الزهري نحوه: أي أن لفظ الحديث من رواية يونس، وأما رواية معمر فهي بمعناه، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من فتح الباري.
    وقال في شرحه لحديث جابر رضي الله عنه في الخمس التي أوتيها صلى الله عليه وسلم في أوائل (كتاب التيمم) وهو الحديث الآتي، وفي إسناده تحويل قال: وقد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري، أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد فإن اللفظ يكون للأخير، والله أعلم. انتهى.
    وعلى هذا فمتن الحديث لفظه من رواية بشر بن محمد شيخ البخاري في الإسناد الثاني، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر.
    (7) في سند الحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يرد إطلاق هذا الوصف عليهم كثيراً، قال النووي في كتاب (الإشارات إلى أسماء المبهمات): اعلم أن من أفضل التابعين، وكبارهم، وسادتهم، الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، فستة متفق عليهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار.
    وفي السابع ثلاثة أقوال: (أحدها) أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، نقله الحاكم أبو عبد الله عن فقهاء الحجاز، و(الثاني) أنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قاله ابن المبارك، و(الثالث) أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قاله أبو الزناد. انتهى.
    وذكرهم ابن القيم في أوائل (إعلام الموقعين) على ما قاله أبو الزناد، وقال: قد نظمهم القائل فقال:
    إذا قيل من في العلم سبعة أبحر ** روايتهم ليست عن العلم خارجة
    فقل: هم عبيد الله، عروة، قاسم ** سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة

    (8) صحابي الحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو أحد العبادلة، كما ذكر ذلك العلماء ومنهم ابن حجر كما تقدم النقل عنه من كتاب (تقريب التهذيب)، وقد قال العراقي في كتاب (المستفاد من مبهمات المتن والإسناد): اعلم أن في الصحابة ممن يسمى عبد الله مائتين وعشرين رجلاً، لكن اشتهر إطلاق اسم العبادلة على أربعة منهم: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بن العاص، كذا ذكرهم أهل الحديث وغيرهم.
    (9) في سند الحديث عبدان، وهو لقب اشتهر به واسمه عبد الله بن عثمان، والزهري وهو محمد بن مسلم، وقد اشتهر بهذه النسبة كما أنه اشتهر أيضاً بالنسبة إلى جده شهاب، فيطلق عليه كثيراً إما الزهري، وإما ابن شهاب.
    (10) قال الحافظ في (نخبة الفكر): ومن المهم في هذا الفن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفي سند هذا الحديث أربعة من هؤلاء هم: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كنيته أبو العباس، وعبيد الله بن عبد الله كنيته أبو عبد الله، ويونس بن يزيد كنيته أبو يزيد، وبشر بن محمد كنيته أبو محمد.
    (11) متن هذا الحديث من قبيل المرفوع من الفعل تصريحاً.
    المبحث الرابع: شرح الحديث:
    (1) معنى (أجود الناس): أكثر الناس جودًا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بكل ما تحتمله هذه الكلمة من معنى، جاد بنفسه في سبيل الله فكسرت رباعيته، وشج وجهه، وجاد بجاهه، وجاد بما أعطاه الله من المال، وجاد بالدلالة والإرشاد إلى كل ما ينفع العباد في الحال والمآل، وتحذيرهم من كل ضار في الحاضر والمستقبل.
    (2) قوله (وكان أجود ما يكون في رمضان): أجود بالرفع في أكثر الروايات وفي بعضها بالنصب، فالرفع على أن أجود اسم كان والخبر محذوف، أو هو مبتدأ خبره في رمضان والجملة خبر كان واسمها ضمير، وأما النصب فعلى أنه خبر كان واسمها ضمير والتقدير: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره.
    (3) قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس): في هذه الجملة احتراس بليغ لئلا يتخيل من قوله: وكان أجود ما يكون في رمضان، أن الأجودية خاصة منه برمضان، فأثبت له الأجودية المطلقة أوّلاً، ثم عطف عليها زيادة ذلك في رمضان.
    (4) الحكمة في زيادة جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن: أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والقرآن خلقه صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله عنها: يأتمر بأوامره، وينتهي عن نواهيه. وأيضاً فرمضان موسم الخيرات، وزيادة الجود والكرم، وقد وصفه الله بأنه الذي أنزل فيه القرآن، فبمجموع ما ذكر من الوقت الفاضل وهو رمضان، والمنـزول به وهو القرآن، والنازل به وهو جبريل ومدارسته معه حصل المزيد في الجود، والله أعلم.
    (5) قوله (فَلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة): هذه هي نتيجة مدارسة القرآن، والمراد بالريح المرسلة: ريح الرحمة التي يرسلها الله لإنزال الغيث العام كما قال الله تعالى: ( ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته )الآية، وقال تعالى ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا ) الآية.
    (6) وصفت الريح المفضل عليها جوده صلى الله عليه وسلم بالمرسلة لأمرين: (الأول) إشارة إلى عموم النفع بجوده صلى الله عليه وسلم كما تعم الريح المرسلة بل هو أعم وأشمل منها، و(الثاني) احتراساً من الريح العقيم الضارة.
    (7) قدم معمول أجود وهو بالخير لنكتة لطيفة وهي: أنه لو أخره لظن تعلقه بالمرسلة أي المرسلة بالخير وهو وإن كان لا يتغير به المعنى المراد من الوصف بالأجودية إلاّ أنه يفوت فيه التنصيص على مناط أجوديته صلى الله عليه وسلم التي سيق الكلام لإثباتها والتنويه بشأنها.
    (8) قوله (فيدارسه القرآن): لفظ المدارسة يفيد حصولها من الجانبين، وحديث ابن عباس عند البخاري في (كتاب فضائل القرآن) يفيد حصولها من جانب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله فيه: ((يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن))، ويدل لحصولها من جانب جبريل حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أورده البخاري في (كتاب فضائل القرآن) عقب حديث ابن عباس حيث قال رضي الله عنه: ((كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه)).
    (9) هذا الحديث أورده البخاري في (بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقد قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في وجه المناسبة: ((وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، لأن نزوله إلى السماء جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة رضي الله عنها، وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب، والله أعلم بالصواب)).
    (10) من فقه الحديث وما يستنبط منه:
    (1) امتنان الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بجعله أجود الناس.
    (2) الترغيب في الجود في كل وقت.
    (3) الحث على الزيادة في الجود في شهر رمضان.
    (4) استحباب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، والإشارة إلى أنها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساوياً لفعله جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
    (5) استحباب زيارة الصلحاء وأهل الخير.
    (6) تكرار الزيارة إذا كان المزور لا يكره ذلك.
    (7) جواز أن يقال رمضان بدون ذكر شهر.
    (8) استعمال التشبيه وضرب الأمثلة في إيضاح ما يراد بيانه.
    (9) حصول قراءة القرآن من جبريل عليه السلام في غير الوقت الذي نزل به على محمد صلى الله عليه وسلم.
    (10) أن القرآن يطلق على بعضه وعلى معظمه، لأن أول رمضان من بعد البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير، فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور.
    (11) تدارس القرآن بين القراء وهو من التعاون على البر والتقوى.
    (12) أن مداومة قراءة القرآن سبب في الزيادة في الخير، وهو من ثواب الحسنة بحسنة بعدها.
    (13) مذاكرة الفاضل بالخير والعلم وإن كان لا يخفى عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ.
    (14) أن تحصيل العبد لفضل الزمان إنما هو بزيادة العبادة فيه.
    (15) أن الثمرة العظمى لقراءة القرآن أن يظهر أثرها على القارئ في أخلاقه، وأعماله، كما جاء في هذا الحديث من زيادة النبي صلى الله عليه وسلم في الخير عند مدارسة القرآن مع جبريل، وكما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن خُلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، تعني أنه يأتمر بأوامره، وينتهي عن نواهيه وكما جاء عنه صلى الله عليه وسلم التحذير من خلاف ذلك بقوله في الحديث الصحيح: ((والقرآن حُجة لك أو عليك)).
    (16) تعظيم شهر رمضان لوصف الله له بإنزال القرآن فيه، ثم معارضته صلى الله عليه وسلم مع جبريل ما نزل منه فيه، ويلزم من ذلك كثرة نزول جبريل فيه وفي كثرة نزوله الخير الكثير.
    (17) الإيمان بنـزول جبريل من السماء وصعوده، ومدارسته القرآن مع محمد صلى الله عليه وسلم، وهو من الإيمان بالملائكة الذي هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (3)

    قال البخاري ـ رحمه الله ـ في أوائل (كتاب التيمم) من صحيحه:
    حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشيم (ح) قال وحدثني سعيد بن النضر قال أخبرنا هشيم قال أخبرنا سيار قال حدثنا يزيد ـ هو ابن صهيب الفقير ـ قال أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ))
    المبحث الأول: التخريج:
    أورد البخاري هذا الحديث في (كتاب التيمم) عن شيخيه محمد بن سنان وسعيد بن النضر، وسياق المتن لفظ سعيد كما قال الحافظ ابن حجر في (الفتح)، وقد أعاد الحديث في (كتاب الصلاة) عن شيخه محمد بن سنان فقال: حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشيم قال حدثنا سيار ـ هو أبو الحكم ـ قال حدثنا يزيد الفقير قال حدثنا جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، وأُعطيت الشفاعة))، وأورد طرفاً منه وهو قوله صلى الله عليه وسلم:((...وأحلت لي الغنائم...)) من رواية محمد بن سنان في (كتاب فرض الخمس).
    وأخرج الحديث بتمامه مسلم في صحيحه عن شيخيه يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة عن هشيم بمثل إسناده عند البخاري ولفظه: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسافة شهر، وأُعطيت الشفاعة)). وأخرج الخصلة الأولى وهي نصره صلى الله عليه وسلم بالرعب ضمن حديث من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج الخصلة الثانية من طريقين عن ربعي بن حِراش عن حذيفة رضي الله عنه، ومن طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج الخصلة الثالثة من طريق عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج الخصلة الخامسة من طريق عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((وأرسلت إلى الخلق كافة)).
    وأخرج النسائي عن شيخه الحسن بن إسماعيل بن سليمان عن هشيم بهذا الإسناد، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه.
    وقال الحافظ في (الفتح): ومدار حديث جابر هذا على هشيم بهذا الإسناد، وله شواهد من حديث ابن عباس، وأبي موسى، وأبي ذر، ومن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رواها كلها أحمد بأسانيد حسان.
    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري في الإسناد الأول محمد بن سنان: قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): محمد بن سنان الباهلي، أبو بكر البصري المعروف بالعوقي، والعوقة حي من الأزد نزل فيهم، وذكر أنه روى عن إبراهيم بن طهمان، وفليح، وهشيم، وغيرهم. وأنه روى عنه البخاري، وأبو داود، وغيرهم. وذكر توثيقه عن جماعة منهم: ابن معين، والدار قطني. وقال في (تقريب التهذيب): ثقة ثبت، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث وعشرين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال البخاري، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي.
    الثاني: شيخ البخاري في الإسناد الثاني سعيد بن النضر: قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): سعيد بن النضر البغدادي، أبو عثمان، سكن آمل جيحون، روى عن هشيم، وعثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وغيرهما. وعنه البخاري، والفضل بن أحمد بن سهل الآملي. ذكره ابن حبان في (الثقات). وقال في (تقريب التهذيب): ثقة من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال البخاري وحده.
    الثالث: هشيم: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): هشيم بالتصغير ابن بشير ـ بوزن عظيم ـ ابن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن أبي خازم ـ بمعجمتين ـ الواسطى، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ـ أي بعد المائة ـ وقد قارب الثمانين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): السلمي مولاهم، الواسطي، يكنى أبا معاوية أصله من بلخ، كان جده القاسم منها نزل واسط للتجارة. وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) كثيراً ممن روى عنهم وممن رووا عنه، وممن روى عنهم: حميدالطويل، وسيار أبو الحكم، وخالد الحذاء، والأعمش. ومن الذين رووا عنه: ابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
    وقال في مقدمة الفتح: هشيم بن بشير الواسطي أحد الأئمة، متفق على توثيقه، إلاّ أنه كان مشهوراً بالتدليس، وروايته عن الزهري خاصة لينة عندهم، فأما التدليس فقد ذكر جماعة من الحفاظ أن البخاري كان لا يخرج عنه إلاّ ما صرّح فيه بالتحديث، واعتبرت أنا هذا في حديثه فوجدته كذلك، إما أن يكون قد صرّح به في نفس الإسناد أو صرّح به من وجه آخر، وأما روايته عن الزهري فليس في الصحيحين منها شيء، واحتج به الأئمة كلهم، والله أعلم. انتهى.
    ولكونه مشهوراً بالتدليس مثل به العراقي في ألفيته لوجود المدلسين في رجال الصحيح فقال:
    وفي الصحيح عدّة كالأعمش ** وكهشيم بعـــده وفتــش

    الرابع: سيار: قال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سيار بن أبي سيار واسمه وردان أبو الحكم العنـزي الواسطي، يقال هو أخو مساور الوراق سمع الشعبي وثابتًا البناني ويزيد الفقير عندهما ـ أي في الصحيحين ـ وسليمان الأشجعي عند البخاري روى عنه شعبة وهشيم عندهما وقرة بن خالد عند مسلم، وذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب توثيقه عن الإمام أحمد وابن معين والنسائي وقال في تقريب التهذيب: وهو أخو مساور الوراق لأمه، ثقة وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    الخامس: يزيد الفقير: قال الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): يزيد بن صهيب الكوفي، أبو عثمان المعروف بالفقير ـ بفتح الفاء بعدها قاف ـ، قيل له ذلك لأنه كان يشكو فقار ظهره، ثقة من الرابعة، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى الترمذي.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وعنه سيار أبو الحكم عندهما ـ أي في الصحيحين ـ، وقيس بن سليم، وأبو عاصم محمد بن أيوب عند مسلم. وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين، وأبي زرعة، والنسائي، وقال: قال أبو حاتم وابن خراش: صدوق، زاد ابن خراش: جليل عزيز الحديث. وقال: وذكره ابن حبان في (الثقات). انتهى، ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
    السادس: صحابي الحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): جابر بن عبد الله بن عَمرو بن حرام ـ بمهملة وراء ـ الأنصاري ثمَّ السَّلَمي بفتحتين، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): أبو عبد الرحمن أو أبو عبد الله أو أبو محمد المدني، صحابي مشهور، له ألف وخمسمائة حديث وأربعون حديثاً، اتفقا ـ أي البخاري ومسلم ـ على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري تسعين حديثاً.

    المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) هذا الحديث رواه البخاري عن شيخه محمد بن سنان عن هشيم ثم أتى بحرف (ح) الدالة على التحويل إلى إسناد آخر، فرواه عن شيخه سعيد بن النضر عن هشيم، وقد مرّ التنبيه على بعض ما يتعلق بالتحويل في الكلام على الحديث الثاني، وأضيف هنا: أن استعمال التحويل في الإسناد قليل عند البخاري بخلاف مسلم فإنه يستعمله كثيراً، والسر في ذلك أن البخاري ـ رحمه الله ـ يفرق الحديث على الأبواب، فيأتي به في موضع بإسناد للاستدلال به على حكم ثم يعيده مستدلاً به على حكم آخر بإسناد آخر، أما مسلم ـ رحمه الله ـ فيجمع الروايات ويسوقها مساقاً واحداً، فلذا يكثر عنده استعمال التحويل.
    (2) استعمل البخاري ـ رحمه الله ـ التحويل في إسناد هذا الحديث ولم يجمع بين شيخيه مع كونهما حدثاه به عن هشيم، لأنه سمعه منهما متفرقين وكأنه سمعه من محمد بن سنان مع غيره، فلذلك جمع فقال: حدثنا، وسمعه من سعيد وحده فلذا أفرد فقال: حدثني. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في (الفتح).
    (3) صيغة الأداء من محمد بن سنان عن هشيم (حدثنا)، ومن سعيد بن النضر عن هشيم (أخبرنا) قال الحافظ في (الفتح): وكأن محمداً سمعه من لفظ هشيم فلهذا قال: حدثنا، وكأن سعيداً قرأه أو سمعه يُقرأ على هشيم، لهذا قال: أخبرنا، ثم قال الحافظ بعد ذكره هذا والذي قبله: ومراعاة هذا كله على سبيل الاصطلاح.
    (4) قال الحافظ في (الفتح): ثم إن سياق المتن لفظ سعيد، وقد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد فإن اللفظ يكون للأخير، والله أعلم.
    (5) رجال الإسنادين في هذا الحديث اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم إلاّ يزيد الفقير فلم يرو له الترمذي، وشيخ البخاري في الإسناد الأوّل محمد بن سنان فلم يرو له مسلم والنسائي، وشيخه في الإسناد الثاني سعيد بن النضر فلم يرو له سوى البخاري.
    (6) قال الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر): ومن المهم معرفة من نسب إلى غير ما يسبق إلى الفهم. انتهى. وفي إسناد هذا الحديث شاهدان لذلك: (الأوّل) محمد بن سنان الباهلي المعروف بالعوقي، والعوقة حي من الأزد، نسب إليهم لكونه نزل فيهم وليس منهم. (الثاني) يزيد الفقير، فإن المتبادر إلى الفهم أنه من الفقر وليس كذلك، وإنما كان يشكو فقار ظهره فقيل له الفقير لذلك.
    (7) في سند الحديث واسطيان وهما: هشيم بن بشير وشيخه سيار أبو الحكم.
    (8) في سند الحديث هشيم بن بشير وهو من المشهورين بالتدليس، وقد صرّح بالإخبار في هذا الإسناد، بل قد ذكر الحافظ ابن حجر أن كل ما في صحيح البخاري له مما صرّح فيه بالسماع كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
    (9) في سند الحديث راويان نسبتهما (السلمي) وهما: جابر بن عبد الله الأنصاري السلمي، والثاني هشيم بن بشير السلمي.
    قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: (السلمي) بالضم كثير وبالفتح في الأنصار فقط. انتهى. وقال النووي في (التقريب): (السلمي) في الأنصار بفتحها ويجوز في لغة كسر اللام، وبضم السين في بني سليم.
    المبحث الرابع: شرح الحديث:
    (1) لم يبين في هذا الحديث متى قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بيّن أنه في غزوة تبوك في الحديث الذي خرّجه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى وانصرف إليهم، فقال لهم: ((لقد أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهن أحد قبل...)) الحديث. وهذا من الشواهد لرواية هشيم بن بشير التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما تقدم.
    (2) قوله (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي): مفهوم الحديث أنه لم يختص بغير الخمس المذكورة، وقد عدَّد الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) خصائص أخرى غيرها فبلغت بها سبع عشرة، وقال: يمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وقال: وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب (شرف المصطفى) أن عدد الذي اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء ستون خصلة.
    وقد أشار السيوطي في شرحه لسنن النسائي إلى كلام الحافظ ابن حجر هذا، وأن ذلك دعاه إلى تتبعها، وأنه أفردها بمؤلف سماه (أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب)، قسمها فيه إلى قسمين: ما خص به عن الأنبياء، وما خص به عن الأمة، وبلغت عدّة القسمين أكثر من ألف خصيصة.
    وقال الحافظ ابن حجر في الجمع بين هذا المفهوم وبين الأدلة الدالة على الخصائص الأخرى: وطريق الجمع أن يقال: لعلّه اطلع أولاً على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حُجة يدفع هذا الإشكال من أصله.
    (3) قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله وهو كذلك، ولا يعترض بأن نوحاً عليه السلام كان مبعوثاً إلى أهل الأرض بعد الطوفان، لأنه لم يبق إلاّ من كان مؤمناً معه وقد كان مرسلاً إليهم، لأن هذا العموم لم يكن من أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع، وهو انحصار الخلق بالموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأمّا نبينا صلى الله عليه وسلم فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك، وأما قول أهل الموقف لنوح كما صحَّ في حديث الشفاعة: أنت أول رسول إلى أهل الأرض. فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية رسالته، وعلى تقدير أن يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدّة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم.
    (4) قوله (نصرت بالرعب مسيرة شهر): الرعب الوجل والخوف والفزع، قال الحافظ ابن حجر: مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب (ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر) فالظاهر اختصاصه به مطلقاً، وإنما جعل الغاية شهراً لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده من غير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال.
    وقال العراقي في (طرح التثريب): وأما النصر بالرعب فهو أن الله تعالى كان يقذف الرعب في قلوب أعدائه لتخذيلهم، وورد في بعض طرقه أنه كان يسير الرعب بين يديه شهراً، معناه أنه كان إذا توجه إلى وجه من الأرض ألقى الله الرعب على من أمامه إلى مسيرة شهر.
    (5) قوله (وجعلت لي الأرض مسجداً): أي موضع سجود، ويخص من هذا العموم ما تيقنت نجاسته، وما دل على منع الصلاة فيه كالمقبرة.
    قال العراقي في (طرح التثريب): اختلف في بيان ما خصص به على الأمم قبله في ذلك، فقيل: إن الأمم الماضية لم تكن تباح الصلاة لهم إلا في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس، وقيل: كانوا لا يصلون إلاّ فيما يتيقنون طهارته من الأرض، وخصصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلاّ ما تيقنت نجاسته. حكاهما القاضي عياض.
    وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): والأظهر ما قاله الخطابي، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: ((وكان مَن قبلي إنما يصلون في كنائسهم)) وهذا نص في محل النـزاع، فثبتت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه: ((ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه)).
    (6) قوله (وطهوراً): الطهور ـ بفتح الطاء ـ أي المطهر لغيره، لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، وهو يدل على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض، ويؤيده رواية أبي أمامة عند البيهقي: ((فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ماء، وجد الأرض طهوراً ومسجداً)). وعند أحمد: ((فعنده طهوره ومسجده))، وفي رواية عمرو بن شعيب: ((فأين أدركتني الصلاة تمسحت وصليت))، وخصّ بعض العلماء التيمم بالتراب مستدلاً بذكر لفظ (التراب) عند ابن خزيمة عن جابر، وفي حديث عليّ عند البيهقي وأحمد، كما أشار إلى ذلك كله وغيره الحافظ ابن حجر في (الفتح).
    ونقل العراقي في (طرح التثريب) عن القرطبي ما معناه: أن ذكر التراب من قبيل ذكر الخاص محكوماً عليه بحكم العام، وهو لا يسقط عمومه ثم تعقب ذلك.
    (7) قوله (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل): أي بعد أن يتيمم حيث لا ماء، وذكر (الرجل) لا مفهوم له، أي وكذلك النساء، وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه))، وقوله: ((من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من الغرماء)). والغرض من ذكر هذه الجملة بعد التي قبلها، دفع توهم اختصاصه بذلك كما اختصّ بالشفاعة.
    (8) قوله (وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي): المغانم جمع مغنم، وفي رواية محمد بن سنان (الغنائم) وهي جمع غنيمة، وهي ما أخذ من الكفار في الحرب.
    قال الخطابي: من تقدم على ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئاً لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه تعليقاً: ((جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري)). ومجيء النار وإحراقها الغنائم في الأمم السابقة ثبت في صحيح البخاري.
    (9) قوله (وأعطيت الشفاعة): الشفاعة أنواع: منها: ما يختص به صلى الله عليه وسلم، ومنها: ما يشاركه فيها غيره، والذي اختص بها منها الشفاعة العظمى في إراحة الناس من الموقف، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، حيث يتخلى عنها آدم وأولو العزم من الرسل فتنتهي إليه فيقول: ((أنا لها))، ثم يشفع فيشفعه الله صلوات الله وسلامه عليه. ومنها: الشفاعة في عمه أبي طالب في تخفيف عذابه في النار فإنه مخصص لقوله تعالى: ( والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها )، ومنها: الشفاعة في خروج من ليس له عمل صالح سوى التوحيد من النار، لأن غيره يشفع لمن عنده أكثر من ذلك. قال الحافظ ابن حجر بعد عدّ هذه من خصائصه: وقد وقع في حديث ابن عباس: ((وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً)). وفي حديث عمرو بن شعيب: ((فهي لكم ولمن شهد أن لا إلا الله)). انتهى.
    وقد ثبت في (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)).

    (10) قوله (وبُعثت إلى الناس عامة): دال على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم، ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى: ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا )، وقوله ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا )، وقوله ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا )، قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: ((لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلاّ دخل النار)). والمراد بالناس: كل من كان موجوداً من الإنس، من حين بعث صلوات الله وسلامه عليه إلى قيام الساعة.
    ويدل لشمولها للجن عموم قوله في رواية أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم: ((وأرسلت إلى الخلق كافة)). وما ذكره الله تعالى عن استماعهم للقرآن وإيمانهم به في سورتي الأحقاف والجن، ثم ذهابهم إلى قومهم منذرين محذرين من مخالفته وعدم إجابته.
    (11) من فقه الحديث وما يستنبط منه:
    (1) امتنان الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بخصائص يختص بها عن غيره.
    (2) تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء والمرسلين.
    (3) تحدث الإنسان بنعم الله تعالى عليه.
    (4) تفضل الله على نبيه بنصره على أعدائه بالرعب الذي يقذفه في قلوبهم مسيرة شهر.
    (5) أن النصر بيد الله إذا شاءه حصل ولو بدون أسباب ظاهرة.
    (6) أن الأصل في الأرض الطهارة فلا تختص الصلاة فيها بموضع دون آخر ما لم تتيقن نجاسة البقعة.
    (7) أن المراد بالطهور هو المطهر لغيره لأنه لو كان المراد به في الحديث الطاهر لم تثبت الخصوصية.
    (8) أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في وصف الطهورية.
    (9) أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض.
    (10) كون الغنائم حلالا في حق هذه الأمة.
    (11) إثبات الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم.
    (12) عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
    (13) تيسير الله تعالى على هذه الأمة ورفعه الحرج والإصر عنها.
    (14) وجوب الإيمان بالمغيبات التي أخبر بها صلى الله عليه وسلم ماضيها كعدم حل الغنائم للماضين ومستقبلها كإعطائه صلى الله عليه وسلم الشفاعة.
    (15) أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها.

    (16) إظهار كرامة الآدمي إذ خلق من ماء وتراب وكل منهما طهور.
    (17) أن الصلاة والطهارة لها في الجملة شرع لمن قبلنا.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (4)

    حديث قوله صلى الله عليه وسلم ( هل عليه من دين ؟ )




    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الكفالة)



    حدثنا أبو عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بجنازة ليصلي عليها فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه ثم أُتي بجنازة أخرى فقال له: عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: فصلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: عليّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه)).

    المبحث الأول: التخريج:

    انفرد البخاري عن مسلم بإخراج هذا الحديث، وقد أورده في موضعين: أحدهما هذا في (باب من تكفل عن ميت دينا فليس له أن يرجع). والثاني في (كتاب الحوالة، في باب: إذا أحال دين الميت على رجل جاز)، ولفظه: حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: ((كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أُتى بجنازة فقالوا: صلّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله صلّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أُتي بالثالثة، فقالوا: صلّ عليها، قال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟، قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: صلّ عليه يا رسول الله وعَليَّ دَينه، فصلى عليه)).

    ورواه النسائي في سننه ولفظه: ((أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فقالوا: يا نبي الله صلّ عليها، قال: هل ترك عليه دَيناً؟، قالوا: نعم، قال: هل ترك من شيء؟، قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال رجل من الأنصار، يقال له أبو قتادة: صلّ عليه وعَليَّ دَينه، فصلى عليه)).

    ورواه الترمذي والنسائي عن أبي قتادة رضي الله عنه بإسناد واحد واللفظ عند النسائي: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي برجل من الأنصار ليصلِّيَ عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صلوا على صاحبكم فإن عليه دَيناً. قال أبو قتادة: هو عليَّ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بالوفاء؟ قال: بالوفاء، فصلى عليه)).

    ورواه أبو داود والنسائي عن جابر رضي الله عنه ولفظه: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأُتى بميت، فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة الأنصاري: هما عليَّ يا رسول الله، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك ديناً فعليَّ وفاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته)). وروى أبو هريرة رضي الله عنه نحواً من حديث جابر هذا، أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، وأورد المنذري في الترغيب والترهيب حديث جابر رضي الله عنه بلفظ أطول من هذا، وقال: رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم والدار قطني، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه باختصار.

    وقال فيه الهيثمي في (مجمع الزوائد): رواه أحمد والبزار وإسناده حسن، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): وعن أسماء بنت يزيد قالت: ((دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة رجل من الأنصار، فلما وضع السرير تقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ثم التفت، فقال: على صاحبكم دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله، ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: أنا بدينه يا نبي الله فصلّ عليه))، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.



    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:

    الأول: شيخ البخاري أبو عاصم: وهو كما قال الحافظ في (تقريب التهذيب): الضحاك بن مَخلد بن مسلم الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة، ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة أو بعدها، أي بعد المائتين.

    وقال في (تهذيب التهذيب): قيل إنه مولى بني شيبان، وقيل من أنفسهم، روى عن يزيد بن أبي عبيد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، والأوزاعي، وأناس آخرين سماهم. وعنه جرير بن حازم ـ وهو من شيوخه ـ، والأصمعي والخريبِي وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعليّ بن المديني، وغيرهم. ثم قال: قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة كثير الحديث، وكان له فقه. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليَّ من روح بن عبادة. وقال ابن سعد: كان فقيهاً. وقال عمر بن شبة: ((والله ما رأيت مثله)). وقال ابن خراش: ((لم ير في يده كتاب قط)). وقال الخليلي: ((متفق عليه زهداً، وعلماً، وديانة، واتقاناً)).

    وقال ابن طاهر المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): قال عمرو بن عليّ: سمعت أبا عاصم يقول: ولدت سنة اثنتين وعشرين ومائة، ومات سنة اثنتي عشرة ومائتين وهو ابن تسعين سنة وأربعة أشهر. وقال أيضاً: ولدت أمي في سنة عشر ومائة، وولدت سنة اثنتين وعشرين ومائة، يعني ولدتني أمي في اثنتي عشر سنة. انتهى.

    ونقل عنه الخزرجي في (الخلاصة) أنه قال: ((من طلب الحديث فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس)). وقال: قال الخطيب: روى عنه جرير بن حازم، ومحمد بن حبان، وبين وفاتهما مائة وإحدى وثلاثون سنة، وقد خرج حديثه الجماعة.

    الثاني: يزيد بن أبي عبيد: وهو يزيد بن أبي عبيد الحجازي، أبو خالد الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع، روى عن مولاه، وعمير مولى لآبي اللحم، وهشام بن عروة وهو أكبر منه. روى عنه بكير بن الأشج ومات قبله، ويحيى القطان، وحاتم بن إسماعيل، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، ويحيى بن راشد، وحماد بن مسعدة، وصفوان بن عيسى، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم وغيرهم. قاله الحافظ في (تهذيب التهذيب).

    وقال الآجري على أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: حجازي، تابعي، ثقة. وقال ابن سعد: وكان ثقة، كثير الحديث. ذكر ذلك عنهم الحافظ في (تهذيب التهذيب). وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع وأربعين ـ أي بعد مائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

    الثالث: صحابي الحديث سلمة بن الأكوع: وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع واسم الأكوع سنان الأسلمي.

    قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): أبو مسلم، ويقال: أبو إياس، ويقال: أبو عامر، وقال: شهد بيعة الرضوان، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة. وعنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وأناس آخرون سماهم، ثم قال: كان شجاعاً رامياً، ويقال: كان يسبق الفرس شداً على قدميه.

    وقال الخزرجي في (الخلاصة): له سبعة وسبعون حديثاً، اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة. وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري عشرين حديثاً. انتهى. وكانت وفاته سنة أربع وسبعين، وقد خرّج حديثه الجماعة.



    المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

    (1) رجال الإسناد الثلاثة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم.

    (2) في سند الحديث رجل اشتهر بكنيته ولقبه، وهو شيخ البخاري أبو عاصم النبيل، فإن اسمه الضحاك بن مخلد.

    (3) في سند الحديث رجل روى عنه راو متقدم وراو متأخر، وهو أبو عاصم النبيل، قال الخطيب: روى عنه جرير بن حازم ومحمد بن حبان وبين وفاتيهما مائة وإحدى وثلاثون سنة. انتهى. وذلك من شواهد النوع المعروف في المصطلح بالسابق واللاحق، وهو أن يشترك اثنان في الرواية عن شيخ أحدهما فوق الشيخ المروى عنه في المرتبة مع تباعد ما بين وفاتيهما أي الراويين عن الشيخ.

    (4) في هذا الإسناد مولى من أعلى وهو سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، ومولى من أسفل وهو يزيد بن أبي عبيد.

    (5) ومن اللطائف في رجال الإسناد: أن أبا عاصم النبيل قد ولدته أمه وسنها اثنتا عشرة سنة، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك فيما نقله المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين) عن عمرو بن عليّ.

    (6) ذكر الحافظ ابن حجر أنه لم يقف على تسمية صاحب الجنازة الأول والثاني وهو من مبهمات المتن.

    (7) حديث أبي عاصم النبيل هذا وحديث مكي بن إبراهيم المذكور في التخريج من ثلاثيات صحيح البخاري، والإسناد الثلاثي أعلى ما يكون عند البخاري، فإن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص فقط: صحابي وتابعي وتابع تابعي، وقد حصل العلو في إسناد هذا الحديث، لأن وفاة سلمة بن الأكوع رضي الله عنه كانت سنة أربع وسبعون، وقد عاش مولاه يزيد بن أبي عبيد الذي روى الحديث عنه بعده نحواً من سبعين سنة، إذ كانت وفاته سنة بضع وأربعين ومائة، وعاش أبو عاصم النبيل الذي روى الحديث عن يزيد بن أبي عبيد بعده أكثر من ستين سنة، حيث كانت وفاته سنة اثنتي عشرة بعد المائتين.

    فوائد تتعلق بالثلاثيات:

    الأولى: الإسناد الثلاثي إسناد عال، والعلو في الإسناد مرغوب فيه عند المحدثين لكونه أقرب إلى الصحة وقلّة الخطأ، لأنه ما من راو من رجال السند إلاّ والخطأ جائز عليه، فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظان تجويز الخطأ، وكلما قلَّت قلت، ومن أجل ذلك لم يرو البخاري عن الشافعي من طريق أصحابه الذين لقي الكثير منهم، لأنه عاصر كثيراً من أقران الشافعي، فروى عنهم مباشرة ما شاركهم الشافعي في روايته رغبة منه في علو الإسناد، وإن كان قد ذكر الشافعي في موضعين من صحيحه في (باب: وفي الركاز الخمس)، وفي (باب: تفسير العرايا)، كما أشار إلى ذلك ابن السبكي في ترجمة البخاري من كتابه (طبقات الشافعية الكبرى).

    الثانية: عدد الأحاديث الثلاثية في صحيح البخاري اثنان وعشرون حديثاً، قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في شرح حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه مرفوعاً: ((من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ معقده من النار)). قال: وهذا الحديث أول ثلاثي وقع في البخاري وليس فيه أعلى من الثلاثيات. وقد أفردت فبلغت أكثر من عشرين حديثاً. انتهى.

    وقال في (كشف الظنون): ووقع له اثنان وعشرون حديثاً ثلاثيات الإسناد. وقال المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي: وأما في صحيح البخاري فاثنان وعشرون ثلاثياً، قد أفردها العلماء بالتأليف كعليّ القاري الهروي وغيره. انتهى. وهذه العدة إنما هي بالأحاديث المكررة، وبإسقاط التكرار تكون ستة عشر حديثاً، وقد طبعت ثلاثيات البخاري مفردة ومشروحة.

    الثالثة: عدد الصحابة الذين روى البخاري من طريقهم الأحاديث الثلاثية ثلاثة: (الأول) سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، له منها سبعة عشر حديثاً، و(الثاني) أنس بن مالك رضي الله عنه، له منها أربعة أحاديث، و(الثالث) عبد الله بن بسر رضي الله عنه، له منها حديث واحد.

    أما شيوخه الذين روى عنهم هذه الثلاثيات فعدتهم خمسة وهم: مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم النبيل، وعصام بن خالد، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وخلاد بن يحيى، وهم من أتباع التابعين. وأما شيوخ شيوخه فيها فعدتهم أربعة وهم: يزيد بن أبي عبيد، وحميد الطويل، وحريز بن عثمان، وعيسى بن طهمان، وهم من التابعين.

    الرابعة: (أ) في جامع الترمذي ثلاثي واحد أورده في (كتاب الفتن) فقال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري بن ابنة السدي الكوفي حدثنا عمر بن شاكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر))، هذا حديث غريب من هذا الوجه. انتهى.

    قال المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي: اعلم أنه ليس في جامع الترمذي ثلاثي غير حديث أنس المذكور. وقال: وليعلم أن بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسناد ثلاثي الترمذي المذكور اثنين وعشرين واسطة. فذكرهم، وكانت وفاة المباركفوري سنة 1353هـ رحمه الله. وعمر بن شاكر انفرد الترمذي بإخراج حديثه عن بقية أصحاب الكتب الستة، وقال الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): إنه ضعيف.

    (ب) في سنن ابن ماجه خمسة أحاديث ثلاثيات الإسناد كلها من طريق جبارة بن المغلس عن كثير بن سليم عن أنس رضي الله عنه ثلاثة منها في (كتاب الأطعمة)، وفي (كتاب الزهد) واحد، وواحد في (كتاب الطب)، وجبارة وكثير انفرد ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة بأخراج حديثهما، وقال عنهما الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): إنهما ضعيفان.

    (ج) ذكر المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي نقلا عن كتاب (الحطة) أنه ليس في صحيح مسلم ولا في سنن أبي داود والنسائي شيء من الأحاديث الثلاثيات الإسناد، فأعلى ما يكون عندهم الأحاديث الرباعيات الإسناد.

    (د) ذكر المباركفوري أيضاً نقلا عن كتاب (الحطة) أن ثلاثيات الدارمي أكثر من ثلاثيات البخاري، وقال صاحب (كشف الظنون): ثلاثيات الدارمي هي خمسة عشر حديثاً وقعت في مسنده بسنده.

    (هـ) ثلاثيات مسند الإمام أحمد عددها واحد وثلاثون وثلاثمائة، قد أفردت من المسند وشرحها الشيخ محمد السفاريني شرحاً نفيساً في مجلدين كبيرين.

    (و) ثلاثيات مسند عبد بن حميد عددها واحد وخمسون حديثًا (1).



    المبحث الرابع: شرح الحديث:

    (1) أورد البخاري الحديث في (كتاب الكفالة) في (باب: من تكفل عن ميت دَينا فليس له أن يرجع). ووجه مطابقة الحديث للترجمة كما ذكر الحافظ في (فتح الباري): أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع عن الكفالة لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل المدين حتى يوفي أبو قتادة الدين، لاحتمال أن يرجع فيكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى على مدين دينه باق عليه، فدل على أنه ليس له أن يرجع. وأورده أيضاً في (كتاب الحوالة) من طريق مكي بن إبراهيم في (باب: إذا أحال دين الميت على رجل جاز)، ووجهه كما نقل الحافظ في (الفتح) عن ابن بطال أنه قال: إنما ترجم بالحوالة فقال: إن أحال دين الميت. ثم أدخل حديث سلمة وهو في الضمان لأن الحوالة والضمان عند بعض العلماء متقاربان، وإليه ذهب أبو ثور لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمّة رجل إلى ذمّة رجل آخر، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمّة الميت إلى ذمة الضامن فصار كالحوالة سواء.

    (2) قوله (إذ أُتي بجنازة): قال في القاموس: الجنازة الميت ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير أو عكسه، وبالكسر السرير مع الميت. انتهى.

    وقد أعيد الضمير مؤنثاً في قوله: ليصلى عليها. باعتبار لفظ الجنازة وهو مؤنث، ومذكراً في قوله: ((هل عليه من دين)) باعتبار المعنى وهو الميت، وقد زيدت (من) قبل المبتدأ المنكر في قوله: ((هل عليه من دين)) لتأكيد إفادة العموم في جنس الدين، أي: هل عليه دين؟، أيُّ دَين كان، قليلاً كان أو كثيراً.

    (3) اشتمل هذا الحديث على ذكر جنازتين: سليم من الدَّين صلى عليه، ومدين أراد ترك الصلاة عليه لو لم يتحمل عنه دينه، وقد ذكر جنازة ثالثة في طريق مكي بن إبراهيم المذكور في التخريج، وهو مَن عليه دين وترك وفاء له وقد صلى عليه.

    (4) لم يبين في الحديث قدر الدين، وقد بين في طريق مكي بن إبراهيم بأنه ثلاثة دنانير، قال الحافظ في (الفتح): وفي حديث جابر عند الحاكم ديناران، وأخرجه أبو داود من وجه آخر عن جابر نحوه، وكذلك أخرجه الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد، ويجمع بينهما بأنه كان دينارين وشطراً، فمن قال ثلاثة جبر الكسر، ومن قال ديناران ألغاه، أو كان أصلهما ثلاثة، فوفى قبل موته ديناراً وبقي عليه ديناران، فمن قال ثلاثة فباعتبار الأصل، ومن قال ديناران فباعتبار ما بقي من الدين والأول أليق.

    ووقع عند ابن ماجه من طريق أبي قتادة: ثمانية عشر درهماً، وهذا دون دينارين، وفي مختصر المزني من حديث أبي سعيد الخدري درهمين، ويجمع إن ثبت بالتعدد. ورجّح الشوكاني في (نيل الأوطار) القول بتعدد القصة مطلقاً.

    وقال الحافظ في (الفتح) أيضاً: وقد وقعت هذه القصة مرة أخرى، فروى الدار قطني من حديث عليّ: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل ويسأل عن دينه، فإن قيل عليه دين كفَّ، وإن قيل ليس عليه دين صلّى، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر سأل: هل عليه دين؟ فقالوا: ديناران، فعدل عنه فقال عليّ: هما عَليّ يا رسول الله، وهو بريء منهما فصلّى عليه، ثم قال لعليٍّ: جزاك الله خيراً وفك الله رهانك)) الحديث.

    (5) لم يبين في هذا الحديث سبب السؤال عن الميت: هل عليه دين؟ وقد بين ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الشيخين قال: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه وفاء؟ فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء، صلّى، وإلاّ قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم. فلما فتح الله عليه الفتوح قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته)).

    (6) قال الحافظ في (الفتح): قال العلماء: كأن الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة على من عليه دين ليحرض الناس على قضاء الدين في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهل كانت صلاته على من عليه دين محرمة عليه أو جائزة؟ وجهان: قال النووي: الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن، كما في حديث مسلم، وحكى القرطبي أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من استدان ديناً غير جائز، وأما من استدان لأمر هو جائز فما كان يمتنع، وفيه نظر، لأن في حديث الباب ـ يعني حديث أبي هريرة ـ ما يدل على التعميم حيث قال: ((من توفي وعليه دين))، ولو كان الحال مختلفاً لبينه، ثم أورد حديثاً عن ابن عباس فيه التفصيل بين التحمل في البغي والإسراف، والتحمل في الحاجة، وقال: وهو ضعيف، وقال: قال الحازمي بعد أن أخرجه: لا بأس به في المتابعات، وقال: وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمراً، وإنما فيه أنه طرأ بعد ذلك وأنه السبب في قوله: ((من ترك ديناً فعليَّ)). وقال الشوكاني في (نيل الأوطار): قال ابن بطال: هذا يعني من ترك ديناً فعلي. ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين، وقد حكى الحازمي إجماع الأمة على ذلك.

    (7) أبو قتادة الذي تحمل الدين في الحديث: هو الحارث، ويقال: عمرو، ويقال: النعمان بن ربعي الأنصاري السلمي ـ بفتحتين ـ المدني، شهد أُحداً وما بعدها ولم يصح شهوده بدراً، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين والأوّل أصح وأشهر، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في (التقريب)، ورمز لكون حديثه مخرجاً في الكتب الستة.

    (8) همَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بترك الصلاة على من عليه الدَّين، في الحديث حصل فيه فائدتان: إحداهما تعود إلى المتوفى وهي: أن أبا قتادة رضي الله عنه رقَّ له فتحمل دينه، فبرئت ذمته بذلك، والثانية تعود إلى الأحياء وهي: التحذير من الدَّين والتحريض على قضائه قبل الموت لئلا تترك الصلاة عليهم.

    (9) صلاة الجنازة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، والمتوفى أحوج ما يكون إلى ذلك الحق، فجدير بالمسلم أن يحرص على بذل هذا الحق لإخوانه المسلمين، لأنه يحب ذلك لنفسه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ومن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يُؤتى إليه))، ولما في ذلك من الفائدة للمتوفى وللمصلي، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صلى على الجنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراط يا رسول الله؟ قال: مثل جبل أُحد)).

    (10) من فقه الحديث وما يستنبط منه:

    (1) وجوب صلاة الجنازة وهي من حق المسلم على أخيه المسلم لقوله: ((فصلوا على صاحبكم)).

    (2) أن صلاة الجنازة فرض كفاية حيث أراد النبي صلى الله عليه وسلم التخلي عنها لو لم يتحمل الدَّين عن الميت.

    (3) أنه ينبغي لذوي الميت الاهتمام بشهود أهل الفضل والصلاح الصلاة على ميتهم.

    (4) سؤال الإمام عن أحوال الرعية.

    (5) مشروعية الضمان.

    (6) جواز تحمل الدين عن الميت.

    (7) براءة ذمة الميت بأداء غيره ما وجب عليه.

    (8) التنفير من الدين والتحذير من تعاطيه إلاَّ مع الضرورة.

    (9) حث المدينين على قضاء ديونهم، وتحريضهم على المبادرة إلى التخلص من تبعتها.

    (10) الاكتفاء في لزوم الضمان على الضامن بمجرد التزامه وإن تأخر الأداء.

    (11) أن الضامن ليس له الرجوع عن التزامه ما تكفل به.

    (12) أن تفويت الإنسان على الناس حقوقهم قد يكون سبباً في تفويت حقه عليه.

    (13) أن درأ المفاسد العامة مقدم على جلب المصالح الخاصة.

    (14) أن الجزاء من جنس العمل، وأنه كما يدين الإنسان يُدان.

    (15) أنه ليس للضامن الرجوع في مال الميت إن ظهر أن له مالاً.

    (16) بيان ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الأخلاق الفاضلة: من الرأفة، والشفقة، والرحمة بعضهم لبعض، فتحمل أبي قتادة رضي الله عنه الدَّين مثال واقعي لما وصفهم الله به في قوله: ( رحماء بينهم ).

    (17) تأخير البيان إلى وقت الحاجة.









    (1) تنبيه: الحديث الثلاثي عند الترمذي، والخمسة عند ابن ماجه، وثلاثيات الدارمي وعددها خمسة عشر حديثًا، وثلاثيات عبد بن حميد وعددها واحد وخمسون توجد مخطوطة بخط جميل ضمن مجموعة (رقم44) مجاميع في مكتبة عارف حكمت في المدينة المنورة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (5)


    حديث: ( إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً )



    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الجهاد، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة)



    حدثنا مطر بن الفضل حدثنا يزيد بن هارون حدثنا العوام حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي قال: سمعت أبا بردة واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مراراً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)).

    المبحث الأول: التخريج:

    انفرد البخاري عن مسلم بإخراج هذا الحديث فأورده في هذا الموضع من صحيحه.

    وقد رواه في (الأدب المفرد) فقال: (باب يكتب للمريض ما كان يعمل وهو صحيح)، حدثنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أحد يمرض إلاَّ كتب له مثل ما كان يعمل وهو صحيح)).

    وأخرجه أبو داود في (كتاب الجنائز) من سننه فقال: (باب إذا كان الرجل يعمل عملاً صالحاً فشغله عنه مرض أو سفر)، حدثنا محمد بن عيسى ومسدد ـ المعنى ـ قالا: حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي عن أبي بردة عن أبي موسى قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول: ((إذا كان العبد يعمل عملاً صالحاً فشغله عنه مرض أو سفر، كتب له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم))، ورواه أحمد في مسنده.

    وورد بمعناه أحاديث، فعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أحد من الناس يصاب ببلاء في جسده إلاَّ أمر الله عزوجل الملائكة الذين يحفظونه فقال: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة ما كان يعمل من خيرٍ ما كان في وثاقي))، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): رواه أحمد، والبزار، والطبراني في (الكبير)، ورجال أحمد رجال الصحيح، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه فقال: على شرطهما، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقاً حتى أطلقه أو ألقيه إليَّ)).

    قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): رواه أحمد وإسناده صحيح، وقال المنذري في (الترغيب والترهيب): وإسناده حسن، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ابتلَى الله عزوجل العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله عزوجل للملَك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمله، فإن شفاه غسله وطهره وإن قبضه غفر له ورحمه))، قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وأحمد، ورجاله ثقات. انتهى.

    ورواه أيضاً البخاري في (الأدب المفرد)، وعن شقيق بن عبد الله قال: مرض عبد الله بن مسعود فعدناه، فجعل يبكي فعوتب فقال: إني لا أبكي لأجل المرض لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((المرض كفارة))، وأنا أبكي أنه أصابني على فترة ولم يصبني في حال اجتهاد، لأنه يكتب للعبد من الأجر إذا مرض ما كان يكتب له قبل أن يمرض فمنعه منه المرض. أخرجه رزين كما في (جامع الأصول) لابن الأثير، وكما في (مشكاة المصابيح)، وذكر الحافظ في (الفتح) أن الإسماعيلي أخرج حديث أبي موسى هذا من رواية هشيم عن العوام بن حوشب، وقال فيه أيضاً: ولرواية إبراهيم السكسكي عن أبي بردة متابع، أخرجه الطبراني من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده بلفظ: ((إن الله يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته مادام في وثاقه)) الحديث، وفي حديث عائشة عند النسائي: ((ما من امرئ تكون له صلاة من الليل يغلبه عليها نوم أو وجع إلاَّ كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة))، وذكر حديث أبي هريرة رفعه: ((من توضأ فأحسن وضوءه، ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر، لا ينقص ذلك من أجره شيئاً))، وقال: أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وإسناده قوي. انتهى.

    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:

    الأول: شيخ البخاري مطر بن الفضل: قال الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): مطر بن الفضل المروزي ثقة من الحادية عشرة، قال الفربري مات عندنا، أي بعد الخمسين. انتهى. والمراد من قول الفربري المشار إليه: أنه مات في فِربَر بعد المائتين والخمسين.

    وقال في (خلاصة تذهيب الكمال): مطر بن الفضل المروزي عن وكيع وغيره وعنه البخاري، قال ابن حبان: مستقيم الحديث. وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع يزيد بن هارون، وشبابة، وروح بن عبادة. روى عنه البخاري في (الصلاة) و(الجهاد) و(هجرة النبي صلى الله عليه وسلم). انتهى. وهو من رجال البخاري دون بقية أصحاب الكتب الستة.

    الثاني: يزيد بن هارون: وهو يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة، متقن، عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين وقد قارب التسعين، قاله الحافظ في (تقريب التهذيب).

    وقال في (الخلاصة): أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، والجريري، وداود بن أبي هند، وخلق. وعنه بقية، وابن المديني، وأحمد، وإسحاق، وعبد بن حميد، وخلق. قال أحمد: كان حافظاً متقناً. وقال العجلي: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: إمام لا يسأل عن مثله. انتهى.

    وقد أثنى عليه أئمة آخرون غير هؤلاء، وقال في (الجمع بين رجال الصحيحين): قال أحمد بن حنبل: ولد سنة ثمان عشرة ومائة. وقال ابن سعد: مات بواسط في غرة شهر ربيع الأول سنة ست ومائتين. انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة.

    الثالث: العوام: وهو ابن حوشب بن يزيد الشيباني، أبو عيسى الواسطي، ثقة، ثبت، فاضل، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين أي بعد المائة، قاله في (تقريب التهذيب)، وذكر في (تهذيب التهذيب) أنه روى عن أبي إسحاق السبيعي، ومجاهد، وسعيد بن جهمان، وإبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، وغيرهم. وروى عنه سفيان بين حبيب، وحفص بن عمر الرازي، وهشيم، ويزيد بن هارون، وغيرهم. وذكر أيضاً توثيق الإمام أحمد، وابن معين، وأبي زرعة، والعجلي، وابن سعد، والحاكم له، وقد خرّج حديثه الجماعة.

    الرابع: إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي: وهو إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل السكسكي، أبو إسماعيل الكوفي مولى صُخير. قاله الحافظ في (تهذيب التهذيب)، وقال: روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي بردة بن أبي موسى، وأبي وائل، وغيرهم. وعنه العوام بن حوشب، ومسعر، وأبو خالد الدالاني، وغيرهم.

    وقال في مقدمة (فتح الباري): قال أحمد: ضعيف. وقال النسائي: يكتب حديثه وليس بذلك القوي. وقال ابن عدي: لم أجد له حديثاً منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب. وقال الحاكم: قلت للدار قطني: لِمَ ترك مسلم حديثه؟ فقال: تكلم فيه يحيى بن سعيد. قلت بحجة؟ قال: هو ضعيف. ثم ذكر الحافظ أن له في الصحيح حديثين أحدهما عن عبد الله بن أبي أوفى في نزول قوله تعالى: ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلاً ) أخرجه في التفسير وغيره، وهذا له أصل من حديث ابن مسعود فهو شاهد له، والثاني من حديثه عن أبي بردة عن أبيه: ((إذا مرض العبد أو سافر)) الحديث.

    وقال في (تهذيب التهذيب): وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال في (تقريب التهذيب): صدوق ضعيف الحفظ من الخامسة. وقال الذهبي في (ميزان الاعتدال): كوفي صدوق، لينه شعبة والنسائي ولم يترك. انتهى. وقد روى له أيضاً أبو داود والنسائي، ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.

    الخامس: أبو بردة: وهو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة من الثالثة، مات سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين. قاله الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب)، وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن أبيه، وعليّ، وحذيفة، وعبد الله بن سلام، وعن أناس آخرين سماهم، ثم قال: وعنه أولاده سعيد وبلال، وحفيده أبو بردة يزيد بن عبد الله بن أبي بردة، والشعبي وهو من أقرانه، وعاصم بن كليب، وإبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، وأناس آخرون سماهم. ثم ذكر توثيق ابن سعد، والعجلي، وابن خراش، وابن حبان له، وحديثه خرّجه الجماعة.

    أما يزيد بن أبي كبشة فليس من رواة الحديث كما هو معلوم، وإنما أورد أبو بردة الحديث من أجل صيامه في السفر، وقد قال الحافظ في (فتح الباري): ويزيد بن أبي كبشة هذا شامي، واسم أبيه حيويل ـ بفتح المهملة وسكون التحتانية وكسر الواو وبعدها تحتانية أخرى ساكنة ثم لام ـ وهو ثقة ولي خراج السند لسليمان بن عبد الملك، ومات في خلافته، وليس له في البخاري ذكر إلاّ في هذا الموضع. انتهى.

    السادس: صحابي الحديث أبو موسى الأشعري: وهو عبد الله بن قيس بن سلم ابن حضار ـ بفتح المهملة وتشديد الضاد المعجمة ـ أبو موسى الأشعري، صحابي مشهور، أمّره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين، مات سنة خمسين، وقيل بعدها، قاله الحافظ في (تقريب التهذيب).

    وقال الخزرجي في (الخلاصة): له ثلاثمائة وستون حديثاً، اتفقا على خمسين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة وعشرين. وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن عدة أحاديثه عند البخاري سبعة وخمسون حديثاً، وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وعمار بن ياسر، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم، وعنه أولاده: إبراهيم وأبو بكر وأبو بردة وموسى، وامرأته أم عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأناس آخرون سماهم. وقال أيضاً: ومناقبه كثيرة. وقال في كتابه (الإصابة): واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن كزبيد، وعدن وأعمالها، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة، فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة ثم كان أحد الحكمين بصفين ثم اعتزل الفريقين. وقال أيضاً: وكان حسن الصوت بالقرآن، وفي الصحيح المرفوع: ((لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود)). انتهى. وحديثه في الكتب الستة.

    المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

    (1) هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ الدار قطني على البخاري، وقد تقدم أن جملة الأحاديث التي انتقدها الحفاظ على الإمام البخاري مائة وعشرة أحاديث، انفرد البخاري عن مسلم بثمانية وسبعين حديثاً، وشاركه مسلم في إخراج اثنين وثلاثين، ووجه الانتقاد في هذا الحديث من الدار قطني أنه قال: لم يسنده غير العوام بن حوشب، وخالفه مسعر فرواه عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة قوله ولم يذكر أبا موسى ولا النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.

    وقد أجاب الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح عن هذا الانتقاد بجوابين قال فيهما: قلت: مسعر أحفظ من العوام بلا شك، إلاّ أن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه، فإن فيه: اصطحب يزيد بن أبي كبشة وأبو بردة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: أفطر فإني سمعت أبا موسى مراراً يقول، فذكره. وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة دل على أن راويه حفظه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله.

    وهناك جوابان آخران (أحدهما): أنه ورد مسنداً من غير طريق العوام بن حوشب عند البخاري في (الأدب المفرد)، وقد تقدم سنداً ومتناً في التخريج، (الثاني): أن الحكم في تعارض الرفع والوقف والوصل والإرسال لمن أرسله أو وقفه إذا كان أحفظ، إنما هو قول لبعض العلماء، وقد رجّح كثير من العلماء أن الحكم لمن وصله أو رفعه، قال النووي في (التقريب): والصحيح أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر، لأن ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة.

    وقال السيوطي في (التدريب): إنه الصحيح عند أهل الحديث والفقه والأصول. وقال أبو عمرو بن الصلاح في (علوم الحديث) في معرض تعداد الأقوال في المسألة: ومنهم من قال الحكم لمن أسنده إذا كان عدلاً ضابطاً، فيقبل خبره وإن خالفه غيره، سواء كان المخالف له واحداً أو جماعة. قال الخطيب: هذا القول هو الصحيح. ثم قال ابن الصلاح: قلت: وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله. وسئل البخاري عن حديث: ((لا نكاح إلا بوليٍّ)) فحكم لمن وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولة، فقال البخاري هذا مع أن من أرسله شعبة وسفيان وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية، ويلتحق بهذا ما إذا كان الذي وصله هو الذي أرسله، وصله في وقت وأرسله في وقت، وهكذا إذا رفع بعضهم الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووقفه بعضهم على الصحابي، أو رفعه واحد في وقت ووقفه هو أيضاً في وقت آخر، فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع، لأنه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافياً فالمثبت مقدم عليه لأنه علم ما خفي عليه. انتهى. وقال العراقي في ألفيته:

    واحكم لوصل ثقة في الأظهر



    وبهذه الأجوبة تتضح سلامة هذا الحديث من الانتقاد الذي وجهه الدار قطني إليه.

    (2) رجال الإسناد الستة خرّج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلاّ شيخ البخاري مطر بن الفضل فقد انفرد البخاري بإخراج حديثه، وإلاّ إبراهيم السكسكي فلم يرو له مع البخاري سوى أبي داود والنسائي، وقد أخرج له البخاري حديثين كما ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري.

    (3) العوام في الإسناد غير منسوب وهو ابن حوشب، ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري مَن اسمه العوام غيره، بل جملة من اسمه العوام عند أصحاب الكتب الستة ثلاثة هذا أحدهم وقد اتفقوا على إخراج حديثه، والثاني العوام بن حمزة المازني البصري، وهو من رجال الترمذي وحده، والثالث العوام بن عباد الواسطي وهو من رجال ابن ماجه وحده.

    (4) هذا الحديث رواه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه أبي موسى رضي الله عنه فهو من رواية الأبناء عن الآباء.

    (5) في سند هذا الحديث واسطيان وهما: يزيد بن هارون وشيخه العوام بن حوشب.

    (6) يزيد بن أبي كبشة الذي أورد أبو بردة الحديث من أجل صيامه معه في السفر ليس له ذكر في صحيح البخاري إلا في هذا الموضع كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله.

    المبحث الرابع: شرح الحديث:

    (1) هذا الحديث أورده البخاري في (كتاب الجهاد) لأن الجهاد لابد فيه من السفر غالباً.

    (2) معنى الحديث: إذا مرض العبد المسلم وكان يعمل عملاً صالحاً قبل مرضه ومنعه منه المرض ونيته لولا المانع إدامته، أو سافر سفراً مباحاً ومنعه السفر مما قطعه على نفسه من الطاعة ونيته المداومة عليه، كتب له من الأجر قدر ثواب عمله في حال إقامته، وفي حال صحته.

    (3) في الحديث شاهد لما يعرف في علم البلاغة باللف والنشر المقلوب، لأنه ذكر المرض والسفر أولاً ثم ذكر الإقامة والصحة ثانياً، فالإقامة في مقابل السفر، والصحة في مقابل المرض، ومن أمثلته في الكتاب العزيز قوله تعالى:( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون )، ومن أمثلة اللف والنشر المرتب في الكتاب العزيز قوله تعالى: ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا )،ومن أمثلته في السنة قوله صلى الله عليه وسلم : ((أحلت لنا ميتان ودمان، فأما الميتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال)).

    (4) في الحديث شاهد لنوعي الفعل المسند إلى الفاعل، قال ابن هشام معرفاً الفاعل في (شذور الذهب): هو ما قدم الفعل أو شبهه عليه وأسند إليه على جهة قيامه به أو وقوعه منه. انتهى. فإن الفعل (سافر) يسند إلى العبد لكون السفر وقع منه، والفعل (مرض) يسند إلى العبد لكون المرض قام به.

    (5) من فقه الحديث وما يتسنبط منه:

    (1) ما كان عليه سلف هذه الأمة من اتباع السنة وإرشاد الناس إليها.

    (2) المذاكرة في العلم والعناية بالأدلة.

    (3) إثبات كتابة أعمال العباد.

    (4) أن العبد المسلم إذا كان يعمل عملاً في حال صحته فمنعه المرض كتب له مثل عمله في حال الصحة.

    (5) أن المسافر يكتب له مثل ما كان يعمل في حال الإقامة كذلك.

    (6) تفضل الله على عباده وإنعامه عليهم بإثابتهم على ما فعلوه من الخير وما لم يتمكنوا من فعله.

    (7) بيان ضعف المخلوق وأنه لا يخرج عن كونه عبداً لله، فلا يجوز أن يصرف له ما لا يستحقه.

    (8) أن من مظاهر ضعف العبد طروء المرض عليه.

    (9) حاجة الإنسان إلى السفر، وأفضله السفر في الجهاد، ومن أجل ذلك أورد البخاري هذا الحديث في (كتاب الجهاد).

    (10) الرد على من زعم أن الأعذار المرخصة لترك الجماعة تسقط الكراهة والإثم خاصة من غير أن تكون محصلة للفضيلة.

    (11) الترغيب في المداومة على الطاعة في الصحة والإقامة ليحظى العبد في الثواب فيهما وفي حال المرض والسفر.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (6)




    حديث: (أنت مع من أحببت)


    قال البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب فضائل الصحابة رضوان الله عليهم):
    حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه: ((أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال:" وماذا أعددت لها "؟ قال: لا شيء إلاَّ أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال:" أنت مع من أحببت ")). قال أنس: فما فرحنا بشيء فرَحَنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنت مع من أحببت))، قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.
    المبحث الأول/ التخريج:
    هذا الحديث أورده البخاري في أربعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في (باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
    والثاني في (كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: ويلك) ولفظه: حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا همام عن قتادة عن أنس: ((أن رجلاً من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة قائمة؟ فقال:" ويلك وما أعددت لها "؟ قال: ما أعددت لها إلاّ أني أحب الله ورسوله، فقال:" إنك مع من أحببت ")). فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: " نعم "، ففرحنا يومئذ فرحاً شديداً، فمر غلام للمغيرة ـ وكان من أقراني ـ فقال: إن أخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة. واختصره شعبة عن قتادة: سمعت أنسًا عن النبي صلى الله عليه وسلم .
    والثالث في (كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله) ولفظه: حدثنا عبدان أخبرنا أبي عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالك: ((أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله؟ فقال:" ما أعددت لها "؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال:" أنت مع من أحببت ")).
    والرابع في (كتاب الأحكام، باب القضاء والفتيا في الطريق) ولفظه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن منصور عن سالم بن أبي الجعد حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((بينما أنا والنبي صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد فلقينا رجل عن سدة المسجد فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أعددت لها "؟ فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله ما أعددت لها كبير صيام، ولا صلاة، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: " أنت مع من أحببت ")).
    وأخرج الحديث مسلم في (كتاب البر والصلة) من صحيحه عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير وابن أبي عمر، وعن محمد بن رافع وعبد بن حميد، وعن أبي الربيع العتكي، وعن محمد بن عبيد الغبري، وعن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، وعن محمد بن يحيى بن عبد العزيز اليشكري، وعن قتيبة وابن المثنى وابن بشار وأبي غسان المسمعي.
    وأخرجه الترمذي في (الزهد) من جامعه عن ابن حجر.
    وأخرج طرفاً منه وهو قوله: ((أنت مع من أحببت)) بلفظ: ((المرء مع من أحب)) البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من طرق متعددة، بل قد حكى بعض العلماء تواتر ذلك، قال ابن كثير في تفسير سورة الشورى: وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح، والحسان، والسنن، والمسانيد، وفي بعض ألفاظه: ((أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه فقال: يا محمد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من صوته: هاؤم، فقال له: متى الساعة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ويحك، إنها كائنة فما أعددت لها "؟ فقال:حب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم :" أنت مع من أحببت ")). فقوله في الحديث: ((المرء مع من أحب)) هذا متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها. انتهى.
    وقال الحافظ في (الفتح) عند الكلام على حديث ((المرء مع من أحب)): وقد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه (كتاب المحبين مع المحبوبين) وبلغ الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ وفي بعضها بلفظ أنس.
    المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري سليمان بن حرب: قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): سليمان بن حرب بن بجيل الأزدي الواشحي، أبو أيوب البصري، وواشح من الأزد سكن مكة وكان قاضيها.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): أحد الأعلام الحفاظ عن شعبة، والحمادين، وجرير بن حازم وطبقتهم. وعنه البخاري، وأبو داود، وعمرو بن عليّ، وأحمد، وابن راهويه، ومن القدماء يحيى القطان ومحمد بن جعفر وخلق. انتهى.
    وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن أبي حاتم، ويحيى بن أكثم، ويعقوب بن شيبة، والنسائي، وابن خراش، وابن حبان، وابن قانع، وابن عدي، وابن سعد. وقال عنه في (تقريب التهذيب): ثقة، إمام، حافظ، من التاسعة، مات سنة أربع وعشرين ـ أي بعد المائتين ـ وله ثمانون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    الثاني: حماد بن زيد: قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): حماد بن زيد بن درهم الأزدي، الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق، مولى آل جرير بن حازم.
    وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، ثبت، فقيه، قيل: إنه كان ضريراً ولعلّه طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ـ أي بعد المائة ـ وله إحدى وثمانون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقد روى عن ثابت البناني، وأنس بن سيرين، وعبد العزيز بن صهيب، وعاصم الأحول، وغيرهم، ذكرهم في (تهذيب التهذيب)، وذكر كثيراً ممن رووا عنه ومنهم: ابن المبارك، وابن مهدي، وابن وهب، والقطان، وابن عيينة وهو من أقرانه، والثوري وهو أكبر منه، وعارم، ومسدد، وسليمان بن حرب. ثم ذكر كثيراً من ثناء الأئمة عليه ومن ذلك قول عبد الرحمن بن مهدي: ((أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة)). وقال وكيع، وقيل له: أيهما أحفظ؟ ـ أي الحمادين حماد بن زيد وحماد بن سلمة ـ، فقال: ((حماد بن زيد ما كنا نشبهه إلا بمسعر)). وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: ((ما رأيت أحفظ منه)). انتهى. وكانت وفاته في السنة التي مات فيها الإمام مالك بن أنس ـ رحمه الله ـ، وهو أحد الحمادين فيما إذا قيل في ترجمة من فوقهما في الطبقة روى عنه الحمادان، وفي ترجمة من دونهما روى عن الحمادين، والثاني منهما حماد بن سلمة بن دينار.
    الثالث: ثابت: وهو ثابت بن أسلم البناني ـ بضم الموحدة وبنونين ـ مولاهم، أبو محمد البصري أحد الأعلام. عن ابن عمر، وعبد الله بن مغفل، وأنس، وخلق من التابعين، وعنه شعبة، والحمادان، ومعمر. قاله الخزرجي في (الخلاصة).
    وقال الحافظ في (تقريب التهذيب): ثقة، عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ـ أي بعد المائة ـ وله ست وثمانون سنة. وذكر في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن العجلي، والنسائي، وابن سعد.
    وقال أبو الفضل بن طاهر في (الجمع بين رجال الصحيحين): ويقال بنانة الذين منهم ثابت هم بنو سعد بن لؤي بن غالب، وقد خرج حديثه الجماعة.
    الرابع: صحابي الحديث أنس: وهو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة. قاله الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب).
    وقال في (تهذيب التهذيب): أبو حمزة المدني، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزيل البصرة. وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن أبي بكر الصديق، ومعاذ، وأبي ذر، وعدة من الصحابة رضي الله عنهم عندهما ـ أي في الصحيحين ـ. وروى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد، والحسن، وقتادة، وثابت، وحميد، وغير واحد من التابعين عندهما. وقال: وكان آخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم.
    وقال الحافظ ابن حجر في (الإصابة): ومناقب أنس وفضائله كثيرة جداً، وقال: خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المكثرين من الرواية عنه. وذكر في مقدمة الفتح: أن له عند البخاري مائتين وثمانية وستين حديثاً.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): له ألف ومائتا حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفقا ـ أي البخاري ومسلم ـ على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين. انتهى. وحديثه في الكتب الستة.
    المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسناد الأربعة بصريون، فهو مسلسل بالرواة البصريين وهو من رباعيات البخاري.
    (2) رجال الإسناد الأربعة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم.
    (3) ومن اللطائف في ذلك: أن كلا من رواته يلي من روى عنه في مقدار العمر، فأنس رضي الله عنه عمره جاوز المائة والراوي عنه ثابت البناني وعمره ست وثمانون سنة، وعنه حماد بن زيد وعمره إحدى وثمانون سنة، وعنه سليمان بن حرب وعمره ثمانون سنة، وعنه الإمام البخاري وعمره اثنتان وستون سنة.
    ومن جهة أخرى أن كل واحد من رواته قد بدئ اسمه بحرف متقدم في الترتيب على الذي يليه من الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه حتى الإمام البخاري محمد بن إسماعيل ـ رحمه الله ـ الهمزة ثم الثاء ثم الحاء ثم السين ثم الميم، فالباحث عن تراجمهم في كتب الرجال يجدهم في الكتب حسب ترتيبهم في هذا الإسناد.
    (4) قال الخزرجي في (الخلاصة) في ترجمة ثابت البناني: روى عنه الحمادان. وقال في ترجمة سليمان بن حرب روى عن الحمادين، والمراد بهما حماد بن زيد وحماد بن سلمة وطبقتهما واحدة وهما بصريان، ولم يخرج البخاري لحماد بن سلمة في صحيحه في الأصول بل في التعليق.
    (5) ثابت هو ابن أسلم البناني، وقد روى عن أنس غيره من التابعين ممن يشاركه في الاسم إلاّ أنه مشهور في الرواية عنه وقد لازمه سنوات عديدة تبلغ أربعين سنة كما في (تهذيب التهذيب).
    (6) أنس هو ابن مالك الأنصاري رضي الله عنه، ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من الصحابة ممن يسمى أنساً سواه وقد نسب في الإسناد في بعض الطرق عند البخاري كما تقدم في التخريج.
    المبحث الرابع/ شرح الحديث:
    (1) قوله (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة): وفي بعض روايات حديث أنس عند البخاري: ((أن رجلاً من أهل البادية))، وهذا الرجل ذكر الحافظ في (الفتح) أنه ذو الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد، وقال إن حديثه بذلك مخرج عند الدار قطني. انتهى.
    والحديث عند الدار قطني: عن عبد الله ـ وهو ابن مسعود ـ قال: ((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير فقال: يا محمد متى الساعة؟ فقال: " وما أعددت لها "؟ قال: لا والذي بعثك بالحق نبياً، ما أعددت لها من كبير صلاة، ولا صيام، إلاّ أني أحب الله ورسوله. قال:" فإنك مع من أحببت "))، قال: فذهب الشيخ فأخذ يبول في المسجد الخ.
    (2) قوله (وماذا أعددت لها): أي ما العمل الصالح الذي أعددته لتلقى جزاءه إذا قامت الساعة. قال الحافظ: قال الكرماني: سلك مع السائل أسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل بغير ما يطلب مما يهمه أو هو أهم.
    (3) قوله (أنت مع من أحببت): قال الحافظ في (الفتح): أي ملحق بهم حتى تكون من زمرتهم، وبهذا يندفع إيراد أن منازلهم متفاوتة فكيف تصح المعية؟ فيقال: إن المعية تحصل بمجرد الاجتماع في شيء ما ولا تلزم في جميع الأشياء، فإذا اتفق أن الجميع دخلوا الجنة صدقت المعية وإن تفاوتت الدرجات.
    (4) قول أنس رضي الله عنه: (فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت)، وفي صحيح مسلم قال أنس: (فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: فإنك مع من أحببت).
    (5) قوله (فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر): جمع أنس رضي الله عنه بين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه في المحبة، ومحبتهما رضي الله عنهما من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن المحبة الصادقة تقتضي موافقة المحبوب في محبة ما يحبه وبغض ما يبغضه، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما حبيباه وصاحباه رضي الله عنهما، وقد قال الله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } وقد جمع الله بين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما في الدنيا، وفي التربة في البرزخ، وهما معه في الجنة، وهما أفضل من ولدته النساء بعد الأنبياء والمرسلين، وأفضلهما الصديق رضي الله عنه، وبعد عمر في الفضل عثمان رضي الله عنه، ثم علي رضي الله عنه وعن سائر الصحابة أجمعين.
    (6) من فقه الحديث وما يستنبط منه:
    (1) الرجوع إلى العلماء وسؤالهم عن أمور الدين.
    (2) رفق العالم بالسائل وتوجيه عنايته إلى ما يعود عليه بالفوائد العظيمة.
    (3) كمال نصح الرسول صلى الله عليه وسلم وشفقته على أمته وإرشادهم إلى ما فيه فوزهم وسعادتهم.
    (4) أن من حسن إسلام المرء اشتغاله بما يعنيه وتركه ما لا يعنيه.
    (5) أن الاستعداد للدار الآخرة والعمل لما بعد الموت هو الشيء المهم الذي يجب أن تصرف إليه الهمم.
    (6) احتقار الإنسان لعمله وعدم اغتراره به وتيقنه أنه دائماً محل التقصير.
    (7) عظم شأن محبة الله ورسوله، وفي الحديث الصحيح: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) الحديث.
    (8) حسن تصرف السائل وتسديده في الإجابة لما أعيد عليه السؤال.

    (9) توجيه عناية المسلم إلى محبة الحق وأهله ليحظى بالسعادة، لأن المرء مع من أحب.
    (10) عظم قدر الصحابة رضوان الله عليهم، وحرصهم على الخير، وبعدهم عن الشر وذلك في شدة فرحهم رضوان الله عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنت مع من أحببت)).
    (11) أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم للواحد خطاب للجميع ما لم يدل دليل على التخصيص.
    (12) فضل أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما، ومن أجل ذلك أورد البخاري هذا الحديث في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
    (13) تعظيم الصحابة رضي الله عنهم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومحبتهم لهما، ومعرفتهم قدرهما رضي الله عن الجميع.
    (14) في قول أنس رضي الله عنه: وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، دلالة على توسل الإنسان إلى الله بعمله الصالح، وقد دلَّ على ذلك أيضاً حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (7)



    حديث : ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما )




    قال الإمام البخاري في (كتاب التفسير) من صحيحه:


    حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا حبان حدثنا همام حدثنا ثابت حدثنا أنس قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين قلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).

    المبحث الأول: التخريج:

    أورد البخاري ـ رحمه الله ـ هذا الحديث في ثلاثة مواضع من صحيحه هذا أحدها في باب قوله تعالى: ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )، والثاني في (باب مناقب المهاجرين وفضلهم) في (كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) ولفظه: حدثنا محمد بن سنان حدثنا همام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر رضي الله عنه قال: ((قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ))، والثالث في (باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة) ولفظه: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا همام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر رضي الله عنه قال: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم فقلت: يا نبي الله لو أن أحدهم طأطأ بصره رآنا، قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما)).

    وأخرج الحديث مسلم في صحيحه، وهو أول حديث عنده في (كتاب فضائل الصحابة رضوان الله عنهم)، فقال: حدثني زهير بن حرب وعبد بن حميد وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال عبد الله: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا حبان بن هلال حدثنا همام حدثنا ثابت حدثنا أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق حدثه قال: ((نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).

    وأخرجه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا عفان قال حدثنا همام قال أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: ((قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في الغار ـ وقال مرة: ونحن في الغار ـ: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، قال: فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).

    ورواه الترمذي في التفسير من جامعه عن زياد بن أيوب البغدادي عن عفان بمثل سنده ومتنه في مسند الإمام أحمد. وقال هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما يعرف من حديث همام تفرد به، وقد روى هذا الحديث حبان بن هلال وغير واحد عن همام نحو هذا.

    وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): تنبيه: اشتهر أن حديث الباب تفرد به همام عن ثابت، وممن صرّح بذلك الترمذي والبزار، وقد أخرجه ابن شاهين في (الأفراد) من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت بمتابعة همام، وقد قدمت له شاهداً من حديث حبشي بن جنادة ـ يشير بذلك إلى ما أخرجه ابن عساكر عنه ـ ووجدت له آخر عن ابن عباس أخرجه الحاكم في (الإكليل). انتهى.

    وقال الشوكاني في تفسيره: وأخرج ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر عن حبشي بن جنادة قال: قال أبو بكر: ((يا رسول الله لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا)).



    المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:

    الأول: شيخ البخاري عبد الله بن محمد: قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان، أبو جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي، وإنما عرف به لأنه كان وقت الطلب يتبع الأحاديث المسندة ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل. سمع سفيان بن عيينة، ويحيى بن آدم، وحرمي بن عمارة، وأناساً آخرين سماهم، وقال: وروى عنه البخاري في مواضع. وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): وقال أبو حاتم صدوق. وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال: كان متقناً. وقال أحمد بن سيار: من المعروفين بالعدالة والصدق، صاحب سنة، عرف بالإتقان والضبط، وقد رأيته بواسط حسن القامة، أبيض الرأس واللحية، ورجع إلى بخارى ومات بها. وقال: قال الحاكم: سمى المسندي لأنه أول من جمع مسند الصحابة بما وراء النهر، وإمام الحديث في عصره هناك بلا مدافعة. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه. قال في (تقريب التهذيب): أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي ـ بفتح النون ـ ثقة، حافظ، جمع المسند، من العاشرة، مات سنة تسع وعشرين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال البخاري والترمذي.

    الثاني: حبان ـ بفتح الحاء ـ: قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): حبان بن هلال الباهلي، ويقال: الكناني البصري، يكنى أبا حبيب. سمع همام بن يحيى عندهما ـ أي في الصحيحين ـ، ثم ذكر جماعة سمع منهم عند البخاري، وجماعة سمع منهم عند مسلم، ثم قال: روى عنه أحمد، والدارمي عندهما، وعبد الله المسندي، ويحيى بن محمد بن السكن، وعليّ بن مسلم عند البخاري.

    وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): وقال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. ونقل توثيقه عن ابن معين، والترمذي، والنسائي، وابن سعد، والعجلي، والبزار، والخطيب. وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، ثبت، من التاسعة، مات سنة ست عشرة ومائتين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

    الثالث: همام: قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): همام بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي المحلمي مولاهم، أبو عبد الله ويقال: أبو بكر البصري، روى عن عطاء بن أبي رباح، واسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، وثابت البناني، وجماعة آخرين سماهم، ثم قال: وعنه الثوري وهو من أقرانه، وابن المبارك، وابن علية، ووكيع، وابن مهدي، وحبان بن هلال، ويزيد بن هارون، وأناس آخرون سماهم. ونقل توثيقه عن أحمد، وابن معين، وأبي حاتم، والعجلي، والحاكم. وقال الحافظ في (تقريب التهذيب): ثقة ربما وهم، من السابعة، مات سنة أربع أو خمس وستين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

    وقال في مقدمة الفتح: همام بن يحيى البصري أحد الأثبات. وقال أيضاً: تكلم في بعض حديثه من حفظه. وقال الذهبي في (الميزان): أحد علماء البصرة وثقاتها.

    الرابع والخامس: ثابت البناني وأنس بن مالك رضي الله عنه: وقد تقدم التعريف بهما في إسناد الحديث السادس.

    السادس: أبو بكر رضي الله عنه: وهو أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، اسمه عبد الله واسم أبيه عثمان. قال الحافظ في (تقريب التهذيب): عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، أبو بكر بن أبي قحافة، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.

    وقال الخزرجي في (الخلاصة): روى مائة واثنين وأربعين حديثاً، اتفقا ـ أي البخاري ومسلم ـ على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث. وعنه ولداه عبد الرحمن وعائشة، وعمر، وعليّ وخلق. وذكر الحافظ في مقدمة الفتح أن له عند البخاري اثنين وعشرين حديثاً. وقال الحافظ في (الإصابة): ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج في الناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع، واستقر خليفة في الأرض بعده، ولقبه المسلمون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أسلم أبوه، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر جماعة ممن رووا عنه من الصحابة وكبار التابعين وقال: قال سعيد بن منصور: حدثني صالح بن موسى حدثنا معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: ((اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد الله ولكن غلب عليه اسم عتيق)). وقال الحافظ أيضاً: وقال ابن إسحاق في (السيرة الكبرى): ((كان أبو بكر رجلاً مؤلفاً لقومه محبباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بما كان منها من خير وشر، وكان تاجراً ذا خلق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به، فأسلم على يديه عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف))، وذكر شيئاً من محاسنه وبذله المال في سبيل الله وإعتاق العبيد، ثم قال: وأخرج الدار قطني في الأفراد من طريق أبي إسحاق عن أبي يحيى قال: ((لا أحصي كم سمعت عليّاً يقول على المنبر: إن الله عزوجل سمى أبا بكر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم صديقاً))، ومناقب أبي بكر رضي الله عنه كثيرة جداً، وقد أفرده جماعة بالتصنيف، وترجمته في تاريخ ابن عساكر قدر مجلدة، ومن أعظم مناقبه قوله الله تعالى: ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )، فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، وقال: وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وهما في الغار: ((ما ظنك باثنين، الله ثالثهما)). والأحاديث في كونه معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في هذه المنقبة غيره. وقال: وقد أطنب أبو القاسم بن عساكر في ترجمة الصديق، حتى أن ترجمته في تاريخه على كبره تجيء قدر ثمن عشره وهو مجلد من ثمانين مجلداً.

    وقال في (فتح الباري) في أوائل (كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) بعد أن ذكر أنه كان يسمى عتيقاً: واختلف هل هو اسم له أصلي أو قيل له ذلك لأنه ليس في نسبه ما يعاب به، أو لقدمه في الخير وسبقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك لحسنه أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما ولد استقبلت البيت وقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بأن الله أعتقه من النار، وقد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي، وآخر عن عبد الله بن الزبير عند البزار وصححه ابن حبان وزاد فيه: وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان، وعثمان اسم أبي قحافة لم يختلف في ذلك كما لم يختلف في كنية الصديق، ولقب الصديق لسبقه إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء. وروى الطبراني من حديث عليّ أنه كان يحلف بأن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق، رجاله ثقات.

    وأما نسبه فهو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب وعدد آبائهما إلى مرة سواء، وأم أبي بكر سلمى وتكنى أم الخير بنت صخر بن عامر بن عمرو المذكور، أسلمت وهاجرت، وذلك معدود من مناقبه لأنه انتظم إسلام أبويه وجميع أولاده.

    وقال ابن كثير في (البداية والنهاية): وقد ذكرنا ترجمة الصديق رضي الله عنه، وسيرته، وأيامه، وما روى من الأحاديث، وما روي عنه من الأحكام في مجلد، ولله الحمد والمنة.



    المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

    (1) رجال الإسناد الستة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة ما عدا شيخ البخاري فإنه لم يرو عنه مع البخاري سوى الترمذي.

    (2) الإسناد مسلسل بصيغة من صيغ الأداء وهي صيغة التحديث، وقد قال الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر): وإن اتفق الرواة في صيغ الأداء أو غيرها فهو من الحالات المسلسل.

    (3) أربعة من رجال الإسناد بصريون على نسق، وهم حبان وهمام وثابت وأنس.

    (4) في الإسناد صحابيان، فالحديث من رواية صحابي عن صحابي.

    (5) عبد الله بن محمد شيخ البخاري وقد أكثر من الرواية عنه، وجده اليمان الجعفي البخاري، هو الذي أسلم على يديه جد الإمام البخاري المغيرة بن بردزبه ونسب إلى الجعفيين لذلك، فجد البخاري المغيرة استفاد من جد عبد الله بن محمد الدلالة على الدخول في الإسلام، والبخاري استفاد من عبد الله بن محمد شيخه معرفة الأحاديث الصحيحة المسندة إلى خير الأنام عليه الصلاة والسلام.

    (6) عبد الله بن محمد شيخ البخاري يقال له: المسندي ـ بفتح النون ـ وفي أصل هذه النسبة لطيفة من اللطائف وهي: أنه كان وقت الطلب معنياً بالأحاديث المسندة دون المرسلة والمنقطعة، فقيل له المسندي لذلك.

    (7) قال الحافظ ابن حجر: عبد الله بن محمد هو الجعفي، وفي شيوخه عبد الله بن محمد جماعة منهم: أبو بكر بن أبي شيبة، ولكن حيث يطلق ذلك فالمراد به الجعفي لاختصاصه به وإكثاره عنه. انتهى. وهذا النوع يسمى في علم المصطلح (المهمل)، وهذه الطريقة التي ذكرها الحافظ ـ رحمه الله ـ مما يتبين به المراد.

    (8) حبان ـ بفتح الحاء ـ وهو ابن هلال، وقد نسب في الإسناد عند مسلم ولا لبس في عدم نسبته، إذ ليس في رجال البخاري حبان بفتح الحاء غيره، ولا يلتبس بحبان بكسر الحاء أيضاً، وهو ابن موسى، لأنه لم يدرك هماماً كما أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح.

    (9) همام: هو ابن يحيى، ولا لبس في عدم نسبته لأن ما في رجال البخاري ممن يسمى هماماً سواه اثنان: همام بن الحارث وهمام بن منبه وليسا في طبقته.

    (10) ثابت: هو ابن أسلم البناني، وقد روى عن أنس غيره من التابعين ممن يسمى ثابتاً، إلاّ أن البناني أخص به إذ هما معاً بصريان وقد صحبه أربعين سنة كما في (تهذيب التهذيب).

    (11) أنس: هو ابن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من الصحابة ممن يسمى أنساً سواه، وقد نسب في الإسناد عند مسلم كما تقدم في التخريج.

    (12) روى البخاري هذا الحديث في التفسير نازلاً إذ بينه وبين همام واسطتان: المسندي وحبان، أما الموضعان الآخران المذكوران في التخريج فالإسناد فيهما عال، إذ ليس بينه وبين همام فيهما إلا واسطة واحدة، ولعل الغرض من ذلك الإشارة إلى تعدد الطرق إلى همام، وأمر آخر وهو أن الثلاثة الذين رووا الحديث عن همام وهم: حبان بن هلال، ومحمد بن سنان، وموسى بن إسماعيل، بصريون، وحبان أشدهم تثبتاً. قال فيه الإمام أحمد كما في (تهذيب التهذيب): إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. انتهى. وقد روى الحديث عنه عبد الله بن محمد المسندي شيخ البخاري، وقد قال عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: وهو من نبلاء مشايخه وإن كان قد لقي من هو أعلى إسناداً منه.

    (13) صحابي الحديث هو أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين، وقد اشتهر بكنيته كما اشتهر أبوه بالكنية، فهو يعرف بأبي بكر بن أبي قحافة، واسمه عبد الله، واسم أبيه عثمان، وقد أسلم أبواه وأولاده رضي الله عنهم وعن سائر الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان.

    المبحث الرابع: شرح الحديث:

    (1) قول أبي بكر رضي الله عنه: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار): هو غار في جبل ثور، وذلك حين هاجرا من مكة إلى المدينة، وقد نوه الله بذلك في كتابه العزيز فقال: ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )، وقد ورد ذكر ذلك في عدة أحاديث غير هذا الحديث منها: حديث عائشة رضي الله عنها، أخرجه البخاري في (باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة) وفيه قالت: ((فلحق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال))، ومنها حديث أبي سعيد في قصة بعث أبي بكر إلى الحج، أخرجه ابن حبان وفيه: ((أنت أخي وصاحبي في الغار)). ومنها حديث ابن عباس في قصته مع ابن الزبير أخرجه البخاري في التفسير، وفيه قول ابن عباس يعني ابن الزبير: وأما جده فصاحب الغار، يريد أبا بكر رضي الله عنه. ومنها حديث ابن عباس أيضاً أخرجه أحمد والحاكم من طريق عمرو بن ميمون عنه قال: ((كان المشركون يرمون عليّاً وهم يظنون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله، فقال له عليّ: إنه انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار))، وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار)) الحديث، ورجاله ثقات كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وقد ذكر جميع هذه الأحاديث فيه. وقال في ترجمته في (الإصابة): والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يشركه في هذه المنقبة غيره.

    (2) قوله (فرأيت آثار المشركين، قلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا): قال الحافظ في (الفتح): فيه مجيء (لو) الشرطية للاستقبال خلافاً للأكثر، واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها كقوله: ( لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم )، وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى القول الأكثر يكون قاله بعد مضيهم شكراً لله تعالى على صيانتهما منهم.

    (3) قوله (ما ظنك باثنين، الله ثالثهما): قال الحافظ في (الفتح): ومعنى (ثالثهما) ناصرهما ومعينهما، وإلاّ فالله ثالث كل اثنين بعلمه. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: معناه: ثالثهما بالنصر، والمعونة، والحفظ، والتسديد، وهو داخل في قوله تعالى: ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ).

    (4) من فقه الحديث وما يستنبط منه:

    1/ الحديث منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال النووي: وهي من أجل مناقبه، والفضيلة من أوجه: منها هذا اللفظ ـ يعني ما ظنك باثنين الله ثالثهما ـ، ومنها بذله نفسه ومفارقة أهله في طاعة الله تعالى ورسوله، وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيه، ومنها جعله نفسه وقاية عنه، وغير ذلك.

    2/ بيان عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم على ربه تعالى.

    3/ بيان مدى شدة عداوة المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذائهم له وحرصهم على قتله.

    4/ الأخذ بأسباب السلامة والاحتياط في ذلك، حيث كمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار.

    5/ اتخاذ الرفيق في السفر واختياره من ذوي الفضل والصلاح.

    6/ عناية الصاحب بصاحبه وطمأنته إياه، وإدخاله السرور عليه.

    7/ تسلية المقتفين لآثار المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحثهم على الصبر على ما يلاقونه في سبيل نشر الدعوة تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    8/ أن الداعي إلى الحق عرضة للأذى، وأن طريق الحق ليس مفروشاً بالورد، بل الأمر كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)).

    9/ أن العاقبة لمن اتقى الله، وأن الله ناصر من نصر دينه، وأن الله مع أوليائه بالنصر والتأييد.

    10/ تأدب أبي بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عبر (بمع) الدالة على التبعية في قوله رضي الله عنه: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار)).

    11/ تحدث الإنسان عما يجري له ولأصحابه في السفر وغيره، وذلك فيما إذا لم يكن هناك ما يستدعي الكتمان.

    12/ في الحديث إثبات المعية لله تعالى، وهي على نوعين: معية عامة شاملة لجميع المخلوقات وهي المعية بالعلم، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة منها:

    قوله تعالى: ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم ).

    النوع الثاني: معية خاصة وهي معية الله لرسله وأوليائه بالنصر والتأييد، وأدلة هذا النوع كثيرة منها قوله تعالى فيما حكاه عن نبيه صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار: ( لا تحزن إن الله معنا )، وقوله تعالى: ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون )، وقوله: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).

    وهذه النصوص لا تنافي النصوص الكثيرة الدالة على علوه وفوقيته، فهو مع المخلوقات بعلمه، ومع أوليائه بنصره وتأييده، وهو مستو على عرشه استواء يليق به، وقد جمع الله بين الاستواء على العرش ومعيته بعلمه لخلقه في قوله: ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (8)


    ( إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع )


    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الحج) من صحيحه:

    حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة عن عمر رضي الله عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: ((إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)).
    المبحث الأول: التخريج:
    هذا الحديث أورده البخاري في ثلاثة مواضع من (كتاب الحج) من صحيحه هذا أولها في (باب ما ذكر في الحجر الأسود)، والثاني في (باب الرمل في الحج والعمرة)، ولفظه: حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرني زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للركن: ((أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك)) فاستلمه، ثم قال: ((ما لنا وللرمل، إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله))، ثم قال: ((شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه)). والثالث في (باب تقبيل الحجر الأسود) ولفظه: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا ورقاء أخبرنا زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبّل الحجر وقال: ((لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّلك ما قبّلتك)).
    ورواه مسلم في صحيحه من طرق فقال: وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس وعمرو (ح) وحدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثني ابن وهب أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن سالم أن أباه حدثه قال: قبَّل عمر بن الخطاب الحجر، ثم قال: ((أما والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)). زاد هارون في روايته، قال عمرو وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه أسلم وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر قبّل الحجر وقال: ((إني لأقبلك، وإنّي لأعلم أنك حجر، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك)).
    حدثنا خلف بن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة بن سعيد كلهم عن حماد، قال خلف: حدثنا حماد بن زيد عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت الأصلع يعني عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول: ((والله إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك)).
    وفي رواية المقدمي وأبي كامل: رأيت الأصيلع. وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير جميعا عن أبي معاوية قال يحيى أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبّل الحجر ويقول: ((إني لأقبلك وأعلم أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لم أقبلك))، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعاً عن وكيع قال أبو بكر حدثنا وكيع عن سفيان عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال: رأيت عمر قبّل الحجر والتزمه وقال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا)). وحدثنيه محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بهذا الإسناد قال: ((ولكني رأيت أبا القاسم بك حفيا))، ولم يقل: والتزمه.
    ورواه أبو داود في سننه بمثل الإسناد الأول عند البخاري عن عمر: أنه جاء إلى الحجر فقبّله، فقال: ((إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك)).
    وأخرجه النسائي فقال: أخبرنا محمود بن غيلان قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة: أن عمر قبَّل الحجر والتزمه وقال: ((رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفياً))، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا عيسى بن يونس وجرير عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر جاء إلى الحجر فقال: ((إني لأعلم أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك))، ثم دنا منه فقبله. أخبرنا عمرو بن عثمان قال حدثنا الوليد بن حنظلة قال: رأيت طاووساً يمر بالركن فإن وجد عليه زحاماً مرّ ولم يزاحم، وإن رآه خالياً قبّله ثلاثاً، ثم قال: ((رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب فعل مثل ذلك، ثم قال: إنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك، ثم قال عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ذلك)).
    ورواه الترمذي في جامعه فقال: حدثنا هناد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب يقبّل الحجر ويقول: ((إني أقبلك، وأعلم أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لم أقبلك))، قال: وفي الباب عن أبي بكر، وابن عمر. قال أبو عيسى: حديث عمر حديث حسن صحيح.
    ورواه ابن ماجه في سننه فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعليّ بن محمد قالا حدثنا أبو معاوية حدثنا عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت الأصيلع عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول: ((إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)).
    وروى مالك في (الموطأ) عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: ((إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك)) ثم قبّله.
    وأخرج الحديث الدارمي في سننه عن مسدد وأبي عاصم بإسنادين عن ابن عمر عن عمر وعن ابن عباس رضي الله عنهم. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن عباس عن عمر، وعن سويد بن غفلة عن عمر، وعن عبد الله بن سرجس عن عمر. ورواه الإمام أحمد في المسند من طرق نذكر منها طريقاً واحدة وهي قوله: حدثنا أسود بن عامر قال حدثنا زهير عن سليمان الأعمش حدثنا إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر نظر إلى الحجر فقال: ((أما والله لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)) ثم قبله. وقد صرّح الأعمش بالتحديث في هذه الطريق عند الإمام أحمد فانتفى احتمال تدليسه. وأخرج الحديث ابن الجارود في (المنتقى) والحميدي في مسنده.

    المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري محمد بن كثير: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): محمد بن كثير العبدي، البصري، ثقة، لم يصب من ضعّفه، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث وعشرين ـ أي بعد المائتين ـ وله تسعون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): محمد بن كثير أبو عبد الله البصري، أخو سليمان، سمع أخاه سليمان، وشعبة، والثوري عند البخاري. روى عنه البخاري في مواضع، وروى مسلم عن عبد الله الدارمي عنه عن أخيه حديثاً في الرؤيا. وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): قال ابن معين: لم يكن بثقة. وقال أحمد: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في (الثقات).
    الثاني: سفيان: وهو الثوري كما قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)، وقد قال فيه في (تقريب التهذيب): سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، مات سنة إحدى وستين ـ أي بعد المائة ـ وله أربع وستون، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، والأعمش، وأناس آخرين سماهم. ثم قال: وروى عنه خلق لا يحصون، ذكر كثيراً منهم ومن بينهم: الأوزاعي، ومالك، ومسعر من أقرانه، وابن مهدي، وابن المبارك. ثم ذكر الكثير من ثناء الأئمة عليه ومن ذلك: قول شعبة وابن عيينة وأبي عاصم وابن معين وغير واحد من العلماء: ((سفيان أمير المؤمنين في الحديث)). وقول ابن المبارك: ((كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان)). وقول الخطيب: ((كان إماماً من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين، مجمعاً على إمامته، بحيث يستغني عن تزكيته مع الإتقان والحفظ، والمعرفة والضبط، والورع والزهد)). وقول النسائي: ((هو أجلّ من أن يقال فيه ثقة، وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله ممن جعله للمتقين إماماً)). وقال الذهبي في (الميزان): ((سفيان بن سعيد الحجة، الثبت، متفق عليه، مع أنه كان يدلس عن الضعفاء، ولكن له نقد وذوق ولا عبرة لقول من قال: يدلس ويكتب عن الكذابين)). انتهى. وهو أحد السفيانين فيما إذا قيل في ترجمة من فوقهما في الطبقة روى عنه السفيانان، وفي ترجمة من دونهما روى عن السفيانين، والثاني منهما سفيان بن عيينة.
    الثالث: الأعمش: قال الحافظ في (التقريب): سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءة، ورع لكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين أو ثمان ـ أي بعد المائة ـ، وكان مولده أوّل إحدى وستين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال في (تهذيب التهذيب): الأسدي الكاهلي مولاهم، وذكر كثيراً ممن روى عنهم من بينهم: عامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد بن جبر، وكثيراً ممن رووا عنه ومنهم: شعبة، والسفيانان، وابن المبارك، وهشيم. ونقل كثيراً من ثناء الأئمة عليه، ونقل توثيقه عن ابن معين، والنسائي، والعجلي، وقال: ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وقال الذهبي في (الميزان): ((أحد الأئمة الأثبات، عداده في صغار التابعين، ما نقموا عليه إلاّ التدليس)). وقال: قلت: وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف، ولا يدري به، فمتى قال: (حدثنا)، فلا كلام، ومتى قال: (عن) تطرق إليه احتمال التدليس إلاّ في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم، وابن أبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال.
    الرابع: إبراهيم: وهو النخعي، كما صرّح به الحافظ في (فتح الباري)، وقال في (تهذيب التهذيب): إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة ابن ذهل النخعي، أبو عمران الكوفي، الفقيه، روى عن خاليه الأسود وعبد الرحمن بنا يزيد، ومسروق، وعلقمة، وابن معمر، وهمام بن الحارث، وشريح القاضي، وسهم بن منجاب، وجماعة، وروى عن عائشة ولم يثبت سماعه منها. روى عنه الأعمش، ومنصور، وابن عون، وزبيد اليامي، وحماد بن أبي سليمان، ومغيرة بن مقسم الضبي، وخلق. وقال: وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: هو مكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود.
    وقال في (التقريب): ثقة إلاّ أنه يرسل كثيراً، وقال: مات سنة ست وتسعين وهو ابن خمسين أو نحوها، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال الذهبي في (الميزان): إبراهيم بن يزيد النخعي، أحد الأعلام، يرسل عن جماعة، وقد رأى زيد بن أرقم وغيره، ولم يصح له سماع من صحابي. وقال: قلت: استقر الأمر على أن إبراهيم حجة، وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود أو غيره فليس ذلك بحجة. انتهى.
    الخامس: عابس بن ربيعة: قال في (التقريب): عابس ـ بموحدة مكسورة ثم مهملة ـ بن ربيعة النخعي، الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن عمر، وعليّ، وحذيفة، وعائشة. وعنه أولاده عبد الرحمن وإبراهيم وأسماء، وأبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم بن يزيد النخعي. وذكر توثيقه عن النسائي، وابن سعد. وقال: وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: قلت: قال أبو نعيم: في الصحابة. انتهى. ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
    السادس: صحابي الحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): عمر بن الخطاب بن نفيل ـ بنون وفاء مصغراً ـ بن عبد العزى بن رياح ـ بتحتانية ـ بن عبد الله بن قرط ـ بضم القاف ـ بن رزاح ـ براء ثم زاي خفيفة ـ بن عدي بن كعب القرشي العدوي، أمير المؤمنين، مشهور، جم المناقب، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولى الخلافة عشر سنين ونصفاً، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة. وذكر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري ستين حديثاً.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي، أبو حفص المدني، أحد فقهاء الصحابة، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من سمي أمير المؤمنين، له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثاً، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر. وعنه أبناؤه عبد الله وعاصم وعبيد الله وعلقمة بن وقاص، وغيرهم، شهد بدراً والمشاهد، وولي أمر الأمة بعد أبي بكر رضي الله عنهما، وفتح في أيامه عدة أمصار، أسلم بعد أربعين رجلاً، عن ابن عمر مرفوعاً: ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه))، ولما دفن، قال ابن مسعود: ((ذهب اليوم بتسعة أعشار العلم))، استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين، ودفن في أول سنة أربع وعشرين وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه صهيب، ودفن في الحجرة النبوية، ومناقبه جمة. انتهى.
    وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وأبي بن كعب، روى عنه أولاده عبد الله وعاصم وحفصة وعثمان وعليّ، وأناس آخرون من الصحابة ومن التابعين سماهم، ثم ذكر كثيراً من مناقبه في الجاهلية والإسلام، ثم قال: ومناقبه وفضائله كثيرة جداً. وترجم له الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية)، وذكر الكثير من مناقبه، ثم قال في ختام ترجمته: ((وقد ذكر ابن جرير ترجمة طويلة لعمر بن الخطاب، وكذلك أطال ابن الجوزي في سيرته، وشيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخه، وقد جمعنا متفرقات كلام الناس في مجلد مفرد، وأفردنا لما أسنده وروي عنه من الأحكام مجلداً آخر كبيراً مرتباً على أبواب الفقه، ولله الحمد)). ثم ذكر بعض حوادث سنة ثلاث وعشرين نقلاً عن تاريخ الذهبي، ثم قال: ((ثم ذكر ـ يعني الذهبي ـ ترجمة عمر بن الخطاب، فأطال فيها وأكثر وأطنب، وأتى بمقاصد كثيرة مهمة، وفوائد جمة، وأشياء حسنة، فأثابه الله الجنة)). انتهى. وذكر ترجمته المحب الطبري في الرياض النضرة في خمسين ورقة.
    المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسناد الستة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم.
    (2) في الإسناد ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم: الأعمش، وإبراهيم النخعي، وعابس بن ربيعة.
    (3) في الإسناد أربعة كوفيون على نسق وهم: سفيان الثوري، والأعمش، وإبراهيم النخعي، وعابس بن ربيعة.
    (4) في الإسناد نخعيان وهما: إبراهيم وعابس.
    (5) في الإسناد اثنان ممن وصفوا بالتدليس وهما: سفيان الثوري والأعمش، وقد صرّح الأعمش بالتحديث كما في مسند الإمام أحمد، وتقدم في التخريج، ولم أقف لسفيان على تصريح بالسماع.
    (6) إبراهيم بن يزيد النخعي من أصحاب المراسيل من التابعين، كما تقدم في ترجمته، وهو من فقهاء التابعين ومن أولياته، كما جاء في (زاد المعاد) لابن القيم عند الكلام على حديث غمس الذباب في الطعام إذا وقع فيه: التعبير عن الذباب وما يشبهه بما لا نفس له سائله قال ابن القيم: ((وأوّل من حفظ عنه في الإسلام أنه تكلم بهذه اللفظة فقال: ما لا نفس له سائله، إبراهيم النخعي، وعنه تلقاه الفقهاء.
    (7) في إسناد الحديث رجل من الذين وصفوا بأنهم أمراء المؤمنين في الحديث وهو: سفيان الثوري، وصفه بذلك شعبة، وابن عيينة، وأبو عاصم، وابن معين، وغير واحد من العلماء كما في (تهذيب التهذيب).
    (8) في الإسناد رجل من المخضرمين وهو عابس بن ربيعة، والمخضرمون هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، وهم معدودون في كبار التابعين.
    (9) الأعمش لقب لُقِّب به سليمان بن مهران، وقد اشتهر بلقبه كما اشتهر باسمه، ومعرفة مثل ذلك من الأمور المهمة لئلا يظن الواحد اثنين إذا ذكر في موضع بالاسم وفي آخر باللقب.
    (10) أول المتن سياقه كلام عابس بن ربيعة الراوي عن عمر رضي الله عنه لا كلام عمر كما قد يتوهم من ذكر (عن عمر) والمعنى: عن عابس أن عمر جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: الخ. ولما ذكر المنذري هذا الحديث في مختصره لسنن أبي داود قال: عن عابس بن ربيعة عن عمر أنه جاء إلى الحجر الخ.
    المبحث الرابع: شرح الحديث:
    (1) هذا الحديث أورده البخاري في (باب ما ذكر في الحجر الأسود)، ولم يذكر غيره من الأحاديث في هذا الباب. قال الحافظ ابن حجر في شرحه: وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وردت فيه أحاديث فذكر بعضها ومنها: حديث ابن عباس مرفوعاً: ((نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم))، أخرجه الترمذي وصححه، وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق لكنه اختلط، وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى في (صحيح ابن خزيمة) فيقوى بها، وقد رواه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن عطاء مختصراً ولفظه: ((الحجر الأسود من الجنة))، وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، وفي (صحيح ابن خزيمة) أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً: ((إن لهذا الحجر لساناً وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق))، وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضاً. انتهى.
    (2) قوله (لا تضر ولا تنفع): قال الحافظ ابن حجر: أي إلاّ بإذن الله، وقد روى الحاكم من حديث أبي سعيد أن عمر لما قال هذا، قال له عليّ بن أبي طالب: إنه يضر وينفع. وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق، يشهد لمن استلمه بالتوحيد)). وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جداً. انتهى. وقد أشار إلى حديث أبي سعيد هذا الشوكاني في (نيل الأوطار) وقال: ولكنه يشد عضده حديث ابن عباس، يعني الحديث الذي تقدم في حكاية كلام الحافظ ابن حجر.
    (3) قوله (إني أعلم أنك حجر...) الخ: خاطب عمر رضي الله عنه الحجر ليسمع الحاضرين، فهو من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة. قال الطبري: إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل بالجاهلية، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته، كما كانت الجاهلية تعتقده بالأوثان. انتهى.
    (4) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
    (1) مشروعية تقبيل الحجر الأسود.
    (2) المنع من تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله.
    (3) بيان السنن بالقول والفعل.
    (4) أن الأصل في أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم التشريع للأمة ما لم يدل دليل على التخصيص به.
    (5) وجوب التسليم للشارع في أمور الدين، والتعويل على ما يثبت عنه في ذلك.
    (6) أن التسليم للشارع لا يتوقف على معرفة حكمة الأمر أو النهي.
    (7) بيان أن الحجر الأسود ليس مصدراً للنفع أو الضر لذاته.
    (8) أن على الإمام أو العالم إذا خشي أن يفهم من فعل الشيء المشروع فهماً خاطئاً أن يبادر إلى بيان الحق وإزالة اللبس.
    (9) كمال نصح أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه للأمة وشفقته على المسلمين.
    (10) تأكيد الكلام إذا اقتضى حال المبين لهم ذلك، فإن عمر رضي الله عنه صدّر كلامه بإن المؤكدة في هذا الحديث، وفي بعض روايات الحديث زيادة التأكيد بالقسم واللام.
    (11) العناية في بيان الحق وخاصة ما يتعلق بأمر العقيدة.
    (12) مدى حكمة الفاروق رضي الله عنه في بيانه لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتوفيق الله له وتسديده، وهذا مصداق قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر)).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (9)


    ( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم )

    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في أواخر (كتاب الإيمان) من صحيحه:
    حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن إسماعيل قال حدثني قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
    المبحث الأول/ التخريج:
    هذا الحديث أخرجه البخاري في سبعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة، لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)))، و(الثاني) في (كتاب مواقيت الصلاة، باب البيعة على إقام الصلاة)، قال فيه: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا يحيى قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا قيس عن جرير بن عبد الله قال: فذكره، و(الثالث) في (كتاب الزكاة، باب البيعة على إيتاء الزكاة)، قال: حدثنا ابن نمير قال حدثني أبي حدثنا إسماعيل عن قيس قال: قال جرير بن عبد الله: فذكره، و(الرابع) في (كتاب البيوع، باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر، وهل يعينه أو ينصحه؟)، قال: حدثنا عليّ بن عبد الله حدثنا سفيان عن إسماعيل عن قيس سمعت جريراً رضي الله عنه يقول: ((بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم))، و(الخامس) في (كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة)، قال: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال سمعت جريراً رضي الله عنه يقول: ((بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترط عليَّ: والنصح لكل مسلم))، و(السادس) يلي هذا الحديث عن مسدد بمثل سنده ومتنه سواء بسواء، و(السابع) في (كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس؟)، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا سيار عن الشعبي عن جرير بن عبد الله قال: ((بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني: فيما استطعت والنصح لكل مسلم)).
    وأخرج الحديث مسلم في (كتاب الإيمان) من صحيحه فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير قال: ((بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم))، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير قالوا: حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة سمع جرير بن عبد الله يقول: ((بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم))، حدثنا سريج بن يونس ويعقوب الدورقي قالا: حدثنا هشيم عن سيار عن الشعبي عن جرير قال: ((بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني: ((فيما استطعت، والنصح لكل مسلم))، قال يعقوب في روايته قال حدثنا سيار، وأخرجه أبو داود في سننه في (كتاب الأدب، باب في النصيحة)، قال: حدثنا عون بن عمرو حدثنا خالد عن يونس عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير قال: ((بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وأن أنصح لكل مسلم))، قال: وكان إذا باع الشيء أو اشتراه، قال: أما إن الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر. وأخرجه النسائي في سننه في (كتاب البيعة، باب البيعة على النصح لكل مسلم)، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد قال حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة عن جرير قال: ((بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم))، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن يونس عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال جرير: ((بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وأن أنصح لكل مسلم))، وفي (باب البيعة فيما يستطيع الإنسان)، قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا هشيم قال حدثنا سيار عن الشعبي عن جرير بن عبد الله قال: ((بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني: فيما استطعت، والنصح لكل مسلم)).
    المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري مسدد: قال الحافظ في (التقريب): مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري، أبو الحسن، ثقة حافظ، يقال: إنه أوّل من صنّف المسند بالبصرة، من العاشرة، مات سنة ثمان وعشرين ـ أي بعد المائتين ـ، ويقال: اسمه عبد الملك بن عبد العزيز، ومسدد لقبه، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى مسلم وابن ماجه.
    وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، وهشيم، ووكيع، والقطان، وابن علية، وأناس آخرين سماهم. وروى عنه البخاري، وأبو داود، وغيرهم. ثم ذكر كثيراً من ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك: قول جعفر بن أبي عثمان: قلت لابن معين عمن أكتب بالبصرة؟ قال: ((اكتب عن مسدد فإنه ثقة ثقة))، وقال محمد بن هارون الفلاس عن ابن معين: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد، الأسدي البصري، ثقة، كان يملي عليَّ حتى أضجر ،قال: أبا الحسن اكتب، فيملي عليَّ بعد ضجري خمسين حديثاً. قال: فأتيت في الرحلة الثانية فأصبت عليه زحاماً، فقلت: قد أخذت بحظي منك، قال: وكان أبو نعيم يسألني عن نسبه فأخبره فيقول: يا أحمد هذه رقية العقرب. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة. وقال ابن قانع: كان ثقة. وذكره ابن حبان في (الثقات).
    الثاني: يحيى: وهو القطان. قال الخزرجي في (الخلاصة): يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي، أبو سعيد الأحول القطان، البصري، الحافظ الحجة، أحد أئمة الجرح والتعديل. وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): مولى بني تميم. وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): روى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم سماهم. ثم قال: وعنه ابنه محمد بن يحيى بن سعيد، وحفيده أحمد بن محمد، وأحمد، وإسحاق، وعليّ بن المديني، ويحيى بن معين، وعمرو بن عليّ الفلاس، ومسدد، وغيرهم. ثم ذكر كثيراً من ثناء الأئمة عليه في ورقتين ومن ذلك: قال عليّ بن المديني: ((ما رأيت أثبت من يحيى القطان)). وقال إبراهيم بن محمد التيمي: ((ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان)). وقال عبد الله بن أحمد: ((سمعت أبي يقول: حدثني يحيى القطان، وما رأت عيناي مثله)). وقال أحمد: ((كان إليه المنتهى في التثبت بالبصرة)). وقال ابن خزيمة عن بندار: ((حدثنا يحيى بن سعيد إمام أهل زمانه)). وقال ابن سعد: ((كان ثقة مأموناً رفيعاً حجةً)). وقال العجلي: ((بصري ثقة في الحديث، كان لا يحدث إلاّ عن ثقة)). وقال أبو زرعة: ((كان من الثقات الحفاظ)). وقال أبو حاتم: ((حجة حافظ)). وقال النسائي: ((ثقة ثبت مرضي، وكان الثوري يتعجب من حفظه، واحتج به الأئمة كلهم وقالوا: من تركه يحيى تركناه)). وقال الحافظ في (التقريب): ثقة، متقن، حافظ، إمام، قدوة، من كبار التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ـ أي بعد المائة ـ وله ثمان وسبعون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    الثالث: إسماعيل: وهو ابن أبي خالد: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم، البصري، ثقة، ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي البجلي مولاهم، الكوفي، واسم أبي خالد سعد، ويقال: هرمز، ويقال: كثير، يكنى أبا عبد الله. وذكر في (تهذيب التهذيب) أنه روى عن جماعة من الصحابة ومن التابعين سماهم، وقال: روى عن قيس بن أبي حازم وأكثر عنه، ثم قال: وعنه شعبة، والسفيانان، وزائدة، وابن المبارك، وهشيم، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وعبيد الله بن موسى وهو آخر ثقة حدث عنه، ويحيى بن هاشم السمسار أحد المتروكين وهو آخر من حدث عنه مطلقاً. ثم ذكر الكثير من ثناء الأئمة عليه ومن ذلك: قال ابن المبارك عن الثوري: ((حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ـ يعني إسماعيل ـ أعلم الناس بالشعبي، وأثبتهم فيه. ونقل توثيقه عن ابن مهدي، وابن معين، والنسائي، والعجلي، ويعقوب بن أبي شيبة، وأبي حاتم، ويعقوب بن سليمان.
    الرابع: قيس بن أبي حازم: قال الحافظ في (التقريب): قيس بن أبي حازم البجلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من الثانية مخضرم، ويقال له رؤية، وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة، مات بعد التسعين أو قبلها، وقد جاوز المائة وتغير، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال في (تهذيب التهذيب): قيس بن أبي حازم، واسمه حصين بن عوف، ويقال: عوف بن عبد الحارث، ويقال: عبد عوف بن الحارث بن عوف البجلي الأحمسي، أبو عبد الله الكوفي، أدرك الجاهلية، ورحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فقُبض وهو في الطريق، وأبوه له صحبة، ويقال: إن لقيس رؤية ولم يثبت، ثم ذكر جماعة كثيرين من الصحابة روى عنهم، ثم ذكر جماعة رووا عنه ومنهم: إسماعيل بن أبي خالد، ونقل توثيقه عن جماعة، وقال: قال ابن خراش: كوفي جليل وليس في التابعين أحد روى عن العشرة إلاّ قيس بن أبي حازم. وقال الذهبي في (الميزان): ثقة، حجة، كاد أن يكون صحابياً، وثقه ابن معين والناس، وقال: أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه آذى نفسه.
    الخامس: صحابي الحديث: جرير بن عبد الله رضي الله عنه: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): جرير بن عبد الله بن جابر البجلي صحابي مشهور، مات سنة إحدى وخمسين، وقيل بعدها، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة. وذكر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري عشرة أحاديث.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): له مائة حديث، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة، وقال: ويلقب بيوسف هذه الأمة أي لجماله. وقال في (تهذيب التهذيب): جرير بن عبد الله بن جابر، وهو السليل بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جشم بن عوف البجلي، القسري، أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله اليماني، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عمر، ومعاوية. وعنه أولاده المنذر وعبيد الله وأيوب وإبراهيم، وابن ابنه أبو زرعة بن عمرو، وأنس، وأبو وائل، وزيد بن وهب، وزياد بن علاقة، والشعبي، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم سماهم. وقال: قال عبد الملك بن عمر: ((رأيت جرير بن عبد الله وكأن وجهه شقة قمر)). وقال عمر بن الخطاب: ((يرحمك الله نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام)). وقال في (الإصابة): ((وكان جرير جميلاً)). قال عمر: ((هو يوسف هذه الأمة، وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله عليٌّ رسولاً إلى معاوية، ثم اعتزل الفريقين وسكن فرقيسيا حتى مات سنة إحدى وقيل أربع وخمسين، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى ذي الخلصة فهدمها)).
    المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسناد الخمسة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم إلا شيخ البخاري مسدداً فلم يرو له مسلم ولا ابن ماجه وروى له الباقون.
    (2) شيخ البخاري مسدد وشيخ شيخه يحيى بن سعيد القطان بصريان.
    (3) ثلاثة من رجال الإسناد وهم: جرير وقيس وإسماعيل اتفقوا في أربعة أشياء: (1) كلهم بجليون.(2) ثلاثتهم كوفيون.(3) كل منهم يكنى أبا عبد الله.(4) خرج أصحاب الكتب الستة حديثهم.
    (4) إسماعيل بن أبي خالد روى عنه الحكم بن عتيبة ويحيى بن هاشم وبين وفاتيهما نحو من مائة وعشر سنوات، قاله الخطيب، كما نقله الحافظ في (تهذيب التهذيب) وهذا النوع يسمى في علم المصطلح (السابق واللاحق) وتقدم نظيره في لطائف إسناد الحديث الثالث.
    (5) قيس بن أبي حازم من المخضرمين وهو التابعي الوحيد الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة كما في (التقريب) وغيره.
    (6) صحابي الحديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال فيه الحافظ في (الإصابة): وكان جرير جميلاً، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة.
    (7) شيخ البخاري هو مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد بن مرعبل، وقد قال أبو نعيم لما ذكر له نسبه هذا: ((هذه رقية العقرب)) كما في (تهذيب التهذيب) و(الجمع بين رجال الصحيحين).
    (8) قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح نقلاً عن ابن طاهر المقدسي: وقلما يورد ـ يعني البخاري ـ حديثاً واحداً في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وقال في شرح حديث كفران العشير في (كتاب الإيمان) من صحيح البخاري: فلا يوجد في كتابه حديث على صورة واحدة في موضعين فصاعداً إلاّ نادراً. انتهى.
    وهذا الحديث من ذلك النادر، فإنه أورده سنداً ومتناً في موضعين: أحدهما في أواخر (كتاب الإيمان)، والثاني في (كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة).
    المبحث الرابع: شرح الحديث:
    (1) قوله (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم): قال الحافظ في (الفتح): والمراد بالبيعة: البيعة على الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أوّل ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة لأنها رأس العبادات البدنية، ثم أداء الزكاة لأنها رأس العبادات المالية، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمس، فبايع جريراً على النصيحة، لأنه كان سيد قومه، فأرشده إلى تعليمهم بأمره بالنصيحة لهم، وبايع وفد عبد القيس على أداء الخمس، لكونهم كانوا أهل محاربة مع من يليهم من كفار مضر.
    (2) قوله (والنصح لكل مسلم): قال الحافظ في (الفتح): قال المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته، يقال نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلصه له، أو مشتقة من النصح، وهي الخياطة بالمنصحة وهي الإبرة، والمعنى: أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة، ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه.
    (3) قوله (والنصح لكل مسلم): قال الحافظ في (الفتح): التقييد بالمسلم للأغلب وإلاّ فالنصح للكافر معتبر، بأن يدعى إلى الإسلام ويشار عليه بالصواب إذا استشار.
    (4) قوله (والنصح لكل مسلم): في هذه الجملة التعميم في النصح وفي المنصوح له، فيشمل كل ما يفيد المنصوح له ويعود عليه بالنفع الدنيوي والأخروي، وأما المنصوح له فتحته صنفان: (الأول) ولاة أمور المسلمين منهم، و(الثاني) عامة المسلمين، فالنصح لولاة أمور المسلمين يكون بالسمع والطاعة لهم بالمعروف، وإعانتهم على الخير، وتحذيرهم من الشر، والدعاء لهم بالتوفيق والتسديد، وأن يجعلهم الله هداة مهتدين، وأن يعز بهم الإسلام، ويقمع بهم المبطلين، والنصح لعامة المسلمين يكون بإرشادهم إلى الخير، وتحذيرهم من الشر، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها.
    (5) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
    (1) مبايعة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام.
    (2) بيان أهمية الصلاة والزكاة وعظم شأنهما في الإسلام.
    (3) قرنه صلى الله عليه وسلم بين الصلاة والزكاة في الحديث كما قُرن بينهما في الكتاب العزيز.
    (4) تقديم الصلاة على الزكاة وأنها أعظم أركان الإسلام بعد التوحيد.
    (5) بيان عظم شأن النصح للمسلمين واهتمام الشارع به.
    (6) بذل المسلم النصيحة وتعميمها.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (10)



    حديث ( على كل مسلم صدقة )



    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الأدب) من صحيحه:


    حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن جده قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " على كل مسلم صدقة ". قالوا: فإن لم يجد قال: " فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق "، قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: " فيعين ذا الحاجة الملهوف "، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: " فليأمر بالخير أو قال بالمعروف "، قال: فإن لم يفعل؟ قال: " فليمسك عن الشر فإنه له صدقة ".

    المبحث الأول/ التخريج:


    أورد البخاري هذا الحديث في موضعين من صحيحه هذا أحدهما في (باب: كل معروف صدقة)، والثاني في (كتاب الزكاة، باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف)، ولفظه: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة حدثنا سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((على كل مسلم صدقة، قالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة)).

    وأخرجه مسلم في (كتاب الزكاة) من صحيحه فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال يمسك عن الشر فإنها له صدقة)). وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة بهذا الإسناد.

    ورواه النسائي في (كتاب الزكاة، باب صدقة العبد)، فقال: أخبرني محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا خالد قال حدثنا شعبة قال أخبرني ابن أبي بردة قال سمعت أبي يحدث عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجدها؟ قال: يعتمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قيل: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قيل: فإن لم يفعل؟ قال: يأمر بالخير، قيل: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة)).

    وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة وفيه: ((على كل مسلم صدقة في كل يوم))، وفيه قال: ((يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر))، أي بزيادة (في كل يوم)، (وينهى عن المنكر) على ما في الصحيحين. وأخرج الحديث الإمام أحمد في (المسند) عن شعبة بطريقين إليه. وأخرجه البخاري في (الأدب المفرد).

    المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:


    الأول: شيخ البخاري آدم: وهو ابن أبي إياس، واسمه عبد الرحمن العسقلاني، أصله خراساني، يكنى أبا الحسن، نشأ ببغداد، ثقة، عابد، من التاسعة، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، ذكر ذلك في (تقريب التهذيب)، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى مسلم وابن ماجه.


    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): إن أباه اسمه عبد الرحمن بن محمد بن الحسن مولى تيم أو تميم، أصله من خراسان، سكن عسقلان، سمع شعبة، وابن أبي ذئب، والليث، وشيبان بن عبد الرحمن، وإسرائيل بن يونس، وحفص بن ميسرة. روى عنه البخاري في غير موضع.

    وقال في (تهذيب التهذيب): نشأ ببغداد، وارتحل في الحديث فاستوطن عسقلان إلى أن مات، وقال: قال أبو داود: ثقة. وقال أحمد: كان مكيناً عند شعبة. وقال أحمد: كان من الستة أو السبعة الذين يضبطون الحديث عند شعبة. وقال ابن معين: ثقة ربما حدث عن قوم ضعفاء. وقال أبو حاتم: ثقة مأمون، متعبد من خيار عباد الله. وقال ابن سعد: سمع من شعبة سماعاً كثيراً. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في (الثقات).

    الثاني: شعبة: قال في (تهذيب التهذيب): شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الأزدي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثم ذكر جماعة روى عنهم سرد أسماءهم في خمس صفحات تقريباً، وذكر جماعة رووا عنه، ثم ذكر ثناء الأئمة عليه ومن ذلك: قول الإمام أحمد: ((كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن ـ يعني في الرجال ـ وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته للرجال)). وقال ابن مهدي: كان الثوري يقول: ((شعبة أمير المؤمنين في الحديث)). وقال وكيع: ((إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات لذبِّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وقال ابن سعد: ((كان ثقة مأموناً، ثبتاً، حجة، صاحب حديث)). وقال صالح جزرة: ((أول من تكلم في الرجال شعبة ثم تبعه القطان ثم أحمد ويحيى)). وقال أبو بكر بن منجويه: ((وكان من سادات أهل زمانه حفظاً، واتقاناً، وورعًا، وفضلاً، وهو أوّل من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علَما يُقتدى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق)). وقال الحاكم: ((شعبة إمام الأئمة في معرفة الحديث بالبصرة، رأى أنس بن مالك وعمرو بن سلمة الصحابيين، وسمع من أربعمائة من التابعين)). وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، حافظ، متقن، وقال: وكان عابداً، من السابعة، مات سنة ستين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.


    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): كان مولده سنة ثلاث وثمانين، مات سنة ستين ومائة في أولها، وله يوم مات سبع وسبعون سنة، قال عليّ بن المديني: كان أكبر من سفيان الثوري بعشر سنين رحمهم الله.

    الثالث: سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري: قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع أباه عندهما ـ أي في الصحيحين ـ وأنس بن مالك عند مسلم، روى عنه شعبة عندهما، وأبو إسحاق الشيباني عند البخاري، وعمرو بن دينار، وزيد بن أبي أنيسة، وزكريا بن أبي زائدة، ومجمع بن يحيى، وقتادة عند مسلم. وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين، والعجلي، وأبي حاتم، والنسائي، وقال: وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: قال ابن أبي حاتم في (المراسيل): لم يسمع ابن أبي بردة من ابن عمر شيئاً، إنما يروي عن أبيه عنه، وروايته عن جده منقطعة لم يسمع منه شيئاً.


    وقال في (تقريب التهذيب): سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، ثقة، ثبت، وروايته عن ابن عمر مرسلة، من الخامسة، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في (تهذيب التهذيب): وقال الصريفيني: مات سنة 168، كذا بخط مغلطاي ولعله وثلاثين بدل وستين. انتهى.

    الرابع والخامس: أبو بردة وأبو موسى الأشعري: وقد سبق التعريف بهما في رجال إسناد الحديث الخامس.


    المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

    (1) رجال الإسناد الخمسة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم إلاّ شيخ البخاري آدم بن أبي إياس فلم يرو له مسلم ولا ابن ماجه وروى له الباقون.

    (2) ثلاثة من رجاله كوفيون وهم: أبو موسى رضي الله عنه وابنه وحفيده.

    (3) روى الحديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده، قال الحافظ ابن حجر في شرح نخبة الفكر: ((وجمع الحافظ صلاح الدين العلائي من المتأخرين مجلداً كبيراً في معرفة من روى عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: وقد لخصت كتابه المذكور وزدت عليه تراجم كثيرة جداً، وأكثر ما وقع فيه ما تسلسلت فيه الرواية عن الآباء بأربعة عشر أباً)). انتهى.

    (4) آدم هو ابن أبي إياس، ولم ينسبه البخاري لانتفاء اللبس إذ ليس في شيوخه من يسمى آدم سواه، بل ليس في رجال صحيحه غيره إلاّ رجلاً واحداً وهو آدم بن عليّ العجلي، وهو من التابعين، وقد روى له هو والنسائي، وقد انفرد البخاري عن مسلم بالرواية لهذين، كما انفرد مسلم عن البخاري بالرواية لآدم بن سليمان القرشي الكوفي، ولم يرو له إلا حديثاً واحداً في (كتاب الإيمان) من صحيحه في الآيتين من آخر سورة البقرة، فليس في صحيح مسلم من يسمى آدم سواه، ولم يرد ذكره إلاّ في موضع واحد من صحيحه، وقد روى له الترمذي والنسائي.

    وهؤلاء الثلاثة هم جملة من يسمى آدم في رجال الكتب الستة.

    (5) شعبة هو ابن الحجاج، ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من يسمى شعبة غيره.

    (6) في الإسناد رجل وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث وهو شعبة بن الحجاج، وصفه بذلك سفيان الثوري كما في (تهذيب التهذيب).

    المبحث الرابع/ شرح الحديث:

    (1) قوله (على كل مسلم صدقة): ورد في مسند الطيالسي تقييد ذلك في كل يوم كما تقدم في التخريج، وهذه الصدقة قال الحافظ في (الفتح): على سبيل الاستحباب المتأكد أو على ما هو أعم من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب والاستحباب كقوله صلى الله عليه وسلم: ((على المسلم ست خصال))، فذكر منها ما هو مستحب اتفاقاً. انتهى.

    (2) قوله (قالوا فإن لم يجد): أي ما يتصدق به، قال الحافظ: كأنهم فهموا من لفظ الصدقة العطية، فسألوا عمن ليس عنده شيء، فبين لهم أن المراد بالصدقة: ما هو أعم من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف.

    (3) قوله (فيعين ذا الحاجة الملهوف): أي المستغيث سواء كان عاجزاً أو مظلوماً، فيعينه بالفعل أو بالقول أو بهما معاً.

    (4) قوله (فليأمر بالخير ـ أو قال ـ بالمعروف): أي وينهى عن المنكر، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر متلازمان، وقد جاء الجمع بينهما في رواية أبي داود الطيالسي في مسنده كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في التخريج.

    (5) قوله (فليمسك عن الشر فإنه له صدقة): المراد بالشر: ما منعه الشرع والضمير في (فإنه) يعود إلى الإمساك، وفي الرواية الأخرى (فإنها له صدقة) بالضمير المؤنث باعتبار الخصلة من الخير التي هي الإمساك، والضمير في له يعود إلى المسلم الممسك عن الشر.

    (6) قوله (فليمسك عن الشر فإنه له صدقة): قال الزين بن المنير كما في (الفتح): إنما يحصل ذلك للممسك عن الشر إذا نوى بالإمساك القربة بخلاف محض الترك، والإمساك أعم من أن يكون عن غيره، فكأنه تصدق عليه بالسلامة منه، فإن كان شره لا يتعدى نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم. انتهى.

    (7) وقال الزين بن المنير كما في (الفتح) أيضاً: وليس ما تضمنه الخبر من قوله: (فإن لم يجد) ترتيباً، وإنما هو للإيضاح لما يفعله من عجز عن خصلة من الخصال المذكورة، فإنه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق، وأن يغيث الملهوف، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويمسك عن الشر فليفعل الجميع.

    (8) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:

    (1) الحث على الصدقة.

    (2) أن الصدقة كما تطلق على إنفاق المال تطلق على جميع أفعال الخير.

    (3) التنبيه على العمل والتكسب للاستفادة والإفادة.

    (4) الحث على فعل الخير مهما أمكن.

    (5) أن من قصد فعل خصلة من خصال الخير فتعسر عليه ذلك فلينتقل إلى فعل غيرها.

    (6) أن أعمال الخير تنـزل منزلة الصدقات في الأجر ولاسيما في حق من لا يقدر عليها.

    (7) أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من الأعمال القاصرة.

    (8) في الحديث تسلية للعاجز عن فعل المندوبات إذا كان عجزه عن ذلك عن غير اختيار.

    (9) أن الأحكام تجري على الغالب، لأن في المسلمين من أخذ الصدقة المأمور بصرفها وقد قال: ((على كل مسلم صدقة)).

    (10) مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص العام.

    (11) فضل التكسب وعمل الإنسان بيده لما فيه من الإغناء عن ذل السؤال، وإفادة الغير.

    (12) تقديم النفس والبدء بالأهم فالمهم لقوله: ((فينفع نفسه ويتصدق)).

    (13) أن كل شيء يفعله المرء أو يقوله من الخير يكتب له صدقة.

    (14) أن الصدقة بمعناها العام لا تختص بأهل اليسار، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة.

    (15) أن خصال الخير تتفاضل وبعضها أولى من بعض.

    (16) الحث على إعانة المحتاج ولاسيما الملهوف.

    (17) الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    (18) أن الترك عمل وكسب للعبد يثاب عليه إذا كان من أجل الله.

    (19) أن الإحسان إلى الغير والشفقة على الخلق متأكد، وهو إما بمال حاصل أو ممكن التحصيل، أو بغير مال وذلك إما فعل وهو الإعانة، أو قول وهو الأمر بالمعروف، أو ترك وهو الإمساك عن الشر مع قصد القربة.

    (20) حرص الصحابة رضوان الله عليهم على معرفة الحق وتبين درجات الخير.

    (21) أن إمساك المسلم عن الشر صدقة منه على نفسه أو على غيره مع نفسه.

    (22) أنه لا أقل من الإمساك عن الشر إن لم يحصل من المسلم فعل الخير مع ذلك.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (11)



    حديث ( أي الإسلام خير )


    قال البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الإيمان) من صحيحه:
    حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا الليث عن يزيد عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ((أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)).
    المبحث الأول/ التخريج:
    أورد البخاري هذا الحديث في ثلاثة مواضع من صحيحه هذا أولها في (باب إطعام الطعام من الإسلام)، والثاني في (كتاب الإيمان) أيضاً في (باب إفشاء السلام من الإسلام) ولفظه: حدثنا قتيبة قال حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مثله، والثالث في (كتاب الاستئذان، باب السلام للمعرفة وغير المعرفة) ولفظه: حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث قال حدثني يزيد عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو: ((أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى ومن لم تعرف)).
    ورواه مسلم في صحيحه فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث (ح) وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو مثله. ورواه أبو داود في (كتاب الأدب) من سننه عن قتيبة بن سعيد عن الليث بمثل إسناده ومتنه. وأخرجه النسائي في (كتاب الإيمان) من سننه بمثل سنده ومتنه عند أبي داود.
    ورواه ابن ماجه في (كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام) فقال: حدثنا محمد بن رمح أنبأنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو: ((أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)).
    ورواه الإمام أحمد في (المسند) فقال: حدثنا حجاج وأبو النضر قالا: حدثنا ليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو: ((أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أي الأعمال خير؟ قال: أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)).
    والحديث رواه البخاري في (الأدب المفرد، باب التسليم بالمعرفة وغيرها) عن شيخه قتيبة بن سعيد بمثل إسناده ومتنه في الصحيح، وفي (باب من كره تسليم الخاصة) عن عبد الله بن صالح عن الليث بمثل إسناده ومتنه. ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن أبي بكر بن خلاد عن الحارث بن أبي أسامة عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث بمثل إسناده ومتنه. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمة حامد بن سعدان بإسناده إليه عن ابن رمح وابن زغبة عن الليث بمثل سنده ومتنه.

    المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري عمرو بن خالد: قال الحافظ في (التقريب): عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد التميمي، ويقال: الخزاعي، أبو الحسن الحراني، نزيل مصر، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وعشرين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال البخاري وابن ماجه.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع الليث بن سعد وزهير بن معاوية روى عنه البخاري في مواضع، وقال: مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين. وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن العجلي، والدار قطني، ومسلمة. وقال: وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال الذهبي في (الميزان): ثقة مشهور.
    الثاني: الليث ـ وهو ابن سعد ـ: قال الحافظ في (التقريب): الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة، ثبت، فقيه، إمام مشهور، من السابعة، مات في شبعان سنة خمس وسبعين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): ((الفهمي مولاهم، الإمام، عالم مصر وفقيهها ورئيسها)). وقال الذهبي في (الميزان): ((أحد الأعلام والأئمة الأثبات، ثقة حجة بلا نزاع)). وذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن أحمد، وابن سعد، وابن معين، وابن المديني، والعجلي، والنسائي، ويعقوب بن شيبة. وقال: قال ابن حبان في (الثقات): ((كان من سادات أهل زمانه فقهاً، وورعاً، وعلماً، وفضلاً، وسخاء)). وقال ابن أبي مريم: ((ما رأيت أحداً من خلق الله أفضل من الليث، وما كانت خصلة يتقرب بها إلى الله إلاّ كانت تلك الخصلة في الليث)). وقال أبو يعلى الخليلي: ((كان إمام وقته بلا مدافعة)).
    وقال النووي في شرح صحيح مسلم مبيناً فضل الليث ومكانته: ((وأما الليث بن سعد رضي الله عنه فإمامته وجلالته وصيانته وبراعته، وشهادة أهل عصره بسخائه وسيادته، وغير ذلك من جميل حالاته، أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، ويكفي في جلالته شهادة الإمامين الجليلين الشافعي وابن بكير ـ رحمهما الله تعالى ـ أن الليث أفقه من مالك رضي الله عنهم أجمعين، فهذان صاحبا مالك ـ رحمه الله ـ وقد شهدا بما شهدا، وهما بالمنـزلة المعروفة من الإتقان والورع وإجلال مالك ومعرفتهما بأحواله، هذا كله مع ما قد علم من جلالة مالك وعظم فقهه رضي الله عنه)).
    قال محمد بن رمح: ((كان دخل الليث ثمانين ألف دينار، ما أوجب الله تعالى عليه زكاة قط)). وقال قتيبة: ((لما قدم الليث أهدى له مالك من طرف المدينة فبعث إليه ألف دينار، وكان الليث مفتي أهل مصر في زمانه)). انتهى. وقد أفرد الحافظ ابن حجر ترجمته في جزء سماه (الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية)، قال: ورتبتها على ثمانية أبواب على عدد أبواب الجنة.
    الثالث: يزيد ـ وهو ابن أبي حبيب ـ: قال الحافظ في (التقريب): يزيد بن أبي حبيب المصري، أبو رجاء، واسم أبيه سويد، واختلف في ولائه، ثقة فقيه، وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ـ أي بعد المائة ـ وقد قارب الثمانين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وذكر في (تهذيب التهذيب) بعض ثناء الأئمة عليه وتوثيقه عن ابن سعد، وأبي زرعة، والعجلي، وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال ابن أبي حاتم: عن أبيه يزيد بن أبي حبيب عن عقبة بن عامر مرسل.
    وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: وأما يزيد بن أبي حبيب فكنيته أبو رجاء وهو تابعي. قال ابن يونس: ((وكان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليماً عاقلاً، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحم والترغيب بالخير)). انتهى.
    الرابع: أبو الخير: قال الحافظ في (التقريب): مرثد بن عبد الله اليزني ـ بفتح التحتانية والزاي بعدها نون ـ أبو الخير المصري، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة تسعين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): ويزن بطن من حمير، سمع عقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، وأبا عبد الله الصنابحي، وعبد الرحمن بن عسيلة عندهما ـ أي في الصحيحين ـ، وعبد الرحمن بن وعلة عند مسلم. روى عنه يزيد بن أبي حبيب عندهما، وجعفر بن ربيعة وعبد الرحمن بن شماسة عند مسلم.
    وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): قال ابن يونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة وله فضل وعبادة، ووثقه يعقوب بن سفيان.
    الخامس: صحابي الحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال في (التقريب): عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد ـ بالتصغير ـ بن سعد بن سهم السهمي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليال الحرة على الأصح، بالطائف على الراجح، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، أبو محمد، بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة، له سبعمائة حديث، اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): كان بينه وبين أبيه ثلاث عشرة سنة، وقال إنه أسلم قبل أبيه، وكان يسكن مكة ثم خرج إلى الشام وانتقل إلى مصر، سمع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الصديق عندهما، وروى عنه مسروق، وأبو الخير مرثد، وحميد بن عبد الرحمن، وأبو العباس الشاعر، وغير واحد، قال يحيى بن بكير: مات سنة خمس وستين، وقائل يقول: سنة ثمان وستين وسنه اثنتان وتسعون.
    وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري ستة وعشرين حديثاً، وقال في (تهذيب التهذيب): ((ولم يكن بينه وبين أبيه في السن سوى إحدى عشرة سنة، وأسلم قبل أبيه، وكان مجتهداً في العبادة غزير العلم)). وقال في (الإصابة): روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، وعن عمر، وأبي الدرداء، ومعاذ، وابن عوف، وعن والده عمرو. وقال أبو نعيم: حدث عنه من الصحابة: ابن عمر، وأبو أمامة، والمسور، والسائب بن يزيد، وأبو الطفيل، وعدد كثير من التابعين.
    وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: ((فأما عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فجلالته، وفقهه، وكثرة حديثه، وشدة ورعه وزهادته، وإكثاره من الصلاة والصيام، وسائر العبادات، وغير ذلك من أنواع الخير، فمعروفة مشهورة لا يمكن استقصاؤها فرضي الله عنه)).

    المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسناد الخمسة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم ماعدا شيخ البخاري فلم يرو له منهم مع البخاري سوى ابن ماجه.
    (2) رجال الإسناد الخمسة مصريون، فهو مسلسل بالرواة المصريين، والتسلسل بالرواة المصريين قليل. قال النووي في شرحه لهذا الحديث في (صحيح مسلم): وقد رواه مسلم عن شيخه محمد بن رمح عن الليث بمثل إسناده عند البخاري، قال: ((وهذا من عزيز الأسانيد في مسلم بل في غيره، فإن اتفاق جميع الرواة في كونهم مصريين في غاية القلة، ويزداد قلة باعتبار الجلالة)). ثم أخذ يبين جلالة كل منهم وفضله.
    (3) ومن اللطائف في ذلك أن أربعة من أصحاب الكتب الستة وهم: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، اتفقوا في رواية هذا الحديث سنداً ومتناً، وشيخهم جميعاً فيه قتيبة بن سعيد.
    (4) ذكر الحافظ في (الفتح) أنه لا يعرف اسم الرجل السائل في هذا الحديث، فهو يعتبر من مبهمات المتن.
    (5) في الإسناد ثلاثة كل منهم مفتي مصر في زمانه وهم: أبو الخير، ويزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد.
    (6) أبو الخير ويزيد بن أبي حبيب تابعيان، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
    (7) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أحد العبادلة الفقهاء الأربعة في الصحابة وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في الكلام على الحديث الثاني.
    (8) من اللطائف في ترجمة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ما ذكر من أن بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة.

    المبحث الرابع/ شرح الحديث:
    (1) قوله (أي الإسلام خير؟): معناه أي خصال الإسلام خير؟ وخير: أفعل تفضيل حذفت الهمزة من أوله، وكما يرد أفعل تفضيل كما هنا يرد اسماً في مقابلة الشر، وقد جمع الله تعالى بينهما في قوله تعالى في سورة الأنفال:{يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أُخذ منكم}، فالأولى ما يقابل الشر، والثانية أفعل تفضيل.
    (2) قوله (أي الإسلام خير؟): مقول لقول محذوف، أي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((أي الإسلام خير))، وقد صرّح بذلك في (سنن ابن ماجه) حيث قال: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أي الإسلام خير؟. وتقدم في التخريج.
    (3) قوله (تطعم الطعام...) الخ: قال الحافظ في (الفتح): هو في تقدير المصدر، أي أن تطعم ومثله تسمع بالمعيدي. انتهى. وقد ورد ذكر (أن) قبل الفعل في مسند الإمام أحمد كما تقدم في التخريج.
    (4) قوله (تطعم الطعام): قال في (الفتح): ذكر الإطعام ليدخل فيه الضيافة و غيرها.
    (5) قوله (وتقرأ السلام): قال في (الفتح): وتقرأ بلفظ مضارع القراءة بمعنى تقول، قال أبو حاتم السجستاني: تقول اقرأ عليه السلام ولا تقول: أقرئه السلام، فإذا كان مكتوباً قلت: أقرئه السلام، أي اجعله يقرأه. انتهى. ولعل هذا باعتبار الغالب، فقد ورد لفظ (أقرئه السلام) في غير المكتوب، كما في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمحمد صلى الله عليه وسلم: ((أقرئ أمتك مني السلام)) الحديث.
    (6) قوله (على من عرفت ومن لم تعرف): قال في (الفتح): أي لا تخص به أحداً تكبراً أو تصنعاً، بل تعظيماً لشعائر الإسلام، ومراعاة لأخوة المسلم، فإن قيل اللفظ عام فيدخل الكافر والمنافق والفاسق، أجيب بأنه خص بأدلة أخرى أو أن النهي متأخر وكان هذا عاماً لمصلحة التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص، وقال في موضع آخر: قال النووي: ((وهذا العموم مخصوص بالمسلم فلا يبتدئ السلام على كافر)). قلت: ((قد تمسك به من أجاز ابتداء الكافر بالسلام، ولا حجة فيه لأن الأصل مشروعية السلام للمسلم، فيحمل قوله (من عرفت) عليه، وأما (من لم تعرف) فلا دلالة فيه، بل إن عرف أنه مسلم فذاك وإلا فلو سلم احتياطاً لم يمنع حتى يعرف أنه كافر)).
    وقال ابن بطال: ((في مشروعية السلام على غير المعرفة استفتاح للمخاطبة للتأنيس، ليكون المؤمنون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد، وفي التخصيص ما قد يوقع في الاستيحاش ويشبه صدود المتهاجرين المنهي عنه)). انتهى.
    (7)من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
    1/ حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الخير ومعرفة الحق.
    2/ الرجوع إلى العلماء وسؤالهم عن أمور الدين.
    3/ إثبات تفاضل خصال الإسلام.
    4/ البحث عن الفاضل من خصال الخير لإيلائه مزيد العناية.
    5/ إخلاص العمل لله رجاء مثوبته.
    6/ استعمال التواضع والإرشاد إليه.
    7/ الحث على إفشاء السلام وأنه من خير خصال الإسلام.
    8/ الحث على إطعام الطعام وأنه من خير خصال الإسلام.
    9/ فيه دلالة على إكرام الضيف.
    10/ بذل السلام للمعرفة وغير المعرفة.

    11/ أنه لو ترك السلام على من لم يعرف احتمل أن يظهر أنه من معارفه فقد يوقعه في الاستيحاش منه.
    13/ الإرشاد إلى أسباب تآلف القلوب، واستجلاب ما يؤكد ذلك بين المؤمنين بالقول والفعل، من التهادي، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وغير ذلك.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (12)


    حديث: ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله )


    قال البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب فرض الخمس) من صحيحه:
    حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عمرو قال سمعت أبا وائل قال: حدثنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه، من في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).

    المبحث الأول/ التخريج:
    هذا الحديث أورده الإمام البخاري في أربعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في (باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره)، والثاني في (كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً)، ولفظه: حدثنا عثمان قال أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن أبي موسى قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله، فإن أحدنا يقاتل غضباً ويقاتل حمية؟ فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلاّ أنه كان قائماً، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عزوجل)). والثالث في (كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)، ولفظه: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عمرو عن أبي وائل عن أبي موسى رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)). والرابع في (كتاب التوحيد، باب: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين }، ولفظه: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن أبي موسى قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).
    وأخرجه الإمام مسلم في (كتاب الجهاد) من صحيحه فقال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار ـ واللفظ لابن المثنى ـ قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل قال: حدثنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: ((أن رجلاً أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله)). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن العلاء، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن أبي موسى قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)). وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن شقيق عن أبي موسى قال: ((أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، الرجل يقاتل منا شجاعة فذكر مثله. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن أبي موسى الأشعري: ((أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال في سبيل الله عزوجل فقال: الرجل يقاتل غضباً، ويقاتل حمية، قال: فرفع رأسه إليه، وما رفع رأسه إليه إلاّ أنه كان قائماً، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).
    ورواه أبو داود في سننه في (كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، فقال: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن أبي موسى: أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليحمد، ويقاتل ليغنم، ويقاتل ليرى مكانه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل حتى تكون كلمة الله هي أعلى، فهو في سبيل الله عزوجل)). حدثنا عليّ بن مسلم حدثنا أبو داود عن شعبة عن عمرو قال: سمعت من أبي وائل حديثا أعجبني فذكر معناه.
    وأخرجه النسائي في (الجهاد) من سننه (باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) فقال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد قال حدثنا شعبة أن عمرو بن مرة أخبرهم قال: سمعت أبا وائل قال: حدثنا أبو موسى الأشعري قال: ((جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل ليذكر، ويقاتل ليغنم، ويقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عزوجل)).
    ورواه الترمذي في جامعه في (أبواب الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا)، فقال: حدثنا هناد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق بن سلمة عن أبي موسى قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)). قال أبو عيسى: وفي الباب: عن عمر، وهذا حديث حسن صحيح.
    ورواه ابن ماجه في (كتاب الجهاد) من سننه (باب النية في القتال)، فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن أبي موسى قال: ((سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).
    وأخرجه أيضاً الإمام أحمد في مسنده، وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) في ترجمة عمرو بن مرة، وفي ترجمة سفيان الثوري، وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده.

    المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري محمد بن بشار: قال الحافظ في (التقريب): محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري، أبو بكر بندار، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ـ أي بعد المائتين ـ وله بضع وثمانون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): يلقب بنداراً، لأنه كان بنداراً في الحديث جمع حديث البصرة، وكان ممن يحفظ حديثه، سمع محمد بن جعفر غندراً، وابن أبي عدي محمداً، وعبد الوهاب الثقفي، وغير واحد عندهما. روى عنه البخاري، ومسلم وأكثر، ولد سنة سبع وستين ومائة، في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة.
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): روى عنه الجماعة، وابن خزيمة، وابن صاعد، وخلق. وقال عنه أبو بكر البصري: الحافظ بندار، أحد أوعية العلم. ونقل الحافظ في مقدمة الفتح توثيقه عن العجلي، والنسائي، وابن خزيمة، وسماه إمام أهل زمانه، والفرهياني، والذهلي، ومسلمة، وأبي حاتم الرازي. وقال الذهبي في (الميزان): قد احتج به أصحاب الصحاح كلهم، وهو حجة بلا ريب، وقال: كان من أوعية العلم.
    الثاني: غندر ـ واسمه محمد بن جعفر ـ: قال الحافظ في (تهذيب التهذيب): محمد بن جعفر الهذلي مولاهم، أبو عبد الله البصري، المعروف بغندر، صاحب الكرابيس، روى عن شعبة فأكثر، وجالسه نحواً من عشرين سنة، وكان ربيبه، وذكر جماعة روى عنهم، ثم ذكر بعض الذين رووا عنه ومنهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعليّ بن المديني، وبندار.
    وقال في (تقريب التهذيب): ثقة، صحيح الكتاب إلاّ أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في مقدمة الفتح: أحد الأثبات المتقنين، من أصحاب شعبة، اعتمده الأئمة كلهم، حتى قال عليّ بن المديني: ((هو أحب إليَّ من عبد الرحمن بن مهدي في شعبة)). وقال ابن المبارك: ((إذا اختلف الناس في شعبة، فكتاب غندر حكم بينهم)). لكن قال أبو حاتم: ((يكتب حديثه عن غير شعبة ولا يحتج به)). قلت: أخرج البخاري له عن شعبة كثيراً، وأخرج له حديثاً عن معمر، وآخر عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند توبع فيهما، وروى له الباقون. انتهى.
    وقال الذهبي في (الميزان): أحد الأثبات المتقنين ولاسيما في شعبة، وقال: وقال يحيى بن معين: ((كان غندر أصح الناس كتاباً، أراد بعض الناس أن يخطئه فلم يقدر، أخرج إلينا كتاباً، وقال: اجهدوا أن تخرجوا فيه خطأ. فما وجدنا شيئاً، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً منذ خمسين سنة)).
    الثالث: شعبة ـ وهو ابن الحجاج ـ: تقدم في رجال إسناد الحديث العاشر.
    الرابع: عمرو ـ وهو ابن مرة ـ كما في الإسناد عند مسلم وتقدم في التخريج.
    قال في (تقريب التهذيب): عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي ـ بفتح الجيم والميم ـ المرادي، أبو عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد، كان لا يدلس ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثمان عشرة ومائة، وقيل: قبلها، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في مقدمة الفتح: أحد الأثبات، من صغار التابعين، متفق على توثيقه إلا أن بعضهم تكلم فيه لأنه كان يرى الإرجاء. وقال شعبة: كان لا يدلس، وقد احتج به الجماعة. ونقل في (تهذيب التهذيب) ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول مسعر: ((لم يكن بالكوفة أحب إلي ولا أفضل منه))، وقوله: كان عمرو من معادن الصدق.
    الخامس: أبو وائل ـ وهو شقيق بن سلمة ـ: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل، الكوفي، ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة
    وقال الخزرجي في (الخلاصة): أحد سادة التابعين مخضرم، عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ومعاذ بن جبل، وطائفة. وعنه الشعبي، وعمرو بن مرة، ومغيرة بن مقسم، ومنصور، وزبيد. وذكر في (تهذيب التهذيب) توثيق الأئمة له وثناءهم عليه، ومن ذلك: قول ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله. وقول ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة.
    السادس: صحابي الحديث أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وقد تقدم في رجال إسناد الحديث الخامس.

    المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسناد الستة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم، فهو مسلسل بالرواة الذين خرج لهم البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
    (2) النصف الأعلى من رجال الإسناد كوفيون وهم: أبو موسى وأبو وائل وعمرو بن مرة، والنصف الأدنى بصريون وهم: شعبة وغندر وبندار.
    (3) شيخ البخاري محمد بن بشار يلقب بنداراً، و قد اشتهر بلقبه وهو شيخ لبقية أصحاب الكتب الستة أيضاً كل منهم روى عنه مباشرة.
    (4) شيخ شيخ البخاري غندر وهو لقب اشتهر به كما اشتهر باسمه أيضاً، وهو محمد بن جعفر، وقد ذكر هنا باللقب، كما يذكر في مواضع من صحيح البخاري بالاسم أيضاً، وقد ذكر بالاسم في سند هذا الحديث عند مسلم كما تقدم في التخريج.
    (5) أبو وائل الراوي عن أبي موسى، اسمه شقيق بن سلمة، وقد اشتهر بكنيته كما اشتهر باسمه، وقد جاء ذكره في رجال إسناد هذا الحديث عند مسلم بالاسم وبالكنية كما تقدم في التخريج، كما ورد ذكره بالاسم في إسناد هذا الحديث عند الترمذي وابن ماجه كما في التخريج أيضاً، ومعرفة مثل ذلك من الأمور المهمة في مصطلح الحديث، قال الحافظ في شرحه لنخبة الفكر: ((ومن المهم في هذا الفن معرفة كنى المسمين ممن اشتهر باسمه وله كنية، لا يؤمن أن يأتي في بعض الراوية مكنياً، لئلا يظن أنه آخر، ومعرفة أسماء المكنين وهو عكس الذي قبله)). انتهى.
    (6) في الإسناد تابعيان وهما: أبو وائل وعمرو بن مرة، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
    (7) هذا الحديث رواه البخاري من طريقين إلى شعبة، في (كتاب الجهاد) بينه وبين شعبة سليمان بن حرب، وفي (كتاب فرض الخمس) بينه وبينه واسطتان: محمد بن بشار وغندر، وإنما رواه نازلاً هنا مع روايته له عالياً في (كتاب الجهاد) إشارة إلى تعدد الطرق إلى شعبة، ولأن الطريق النازلة فيها ميزة وهي: أن الراوي فيها عن شعبة محمد بن جعفر الملقب بغندر، وهو أثبت الناس في شعبة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في أقوال الأئمة في ترجمته، وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث أورده البخاري في (كتاب الإيمان) من طريقين في (باب ظلم دون ظلم)، روى الحديث في إحدى الطريقين عالياً بينه وبين شعبة أبو الوليد الطيالسي، ورواه نازلاً في الطريق الأخرى بينه وبين شعبة بشر بن خالد ومحمد بن جعفر المعروف بغندر، قال الحافظ: وغندر أثبت الناس في شعبة ولهذا أخرج المؤلف روايته مع كونه أخرج الحديث عالياً عن أبي الوليد. انتهى.

    المبحث الرابع/ شرح الحديث:
    (1) الأعرابي السائل في هذا الحديث: قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): يصلح أن يفسر بلاحق بن ضميرة، وحديثه عند أبي موسى المديني في الصحابة. من طريق عفير بن معدان سمعت لاحق بن ضميرة الباهلي قال: ((وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر، فقال: لا شيء له)) الحديث. وفي إسناده ضعف. انتهى.
    (2) قوله (يقاتل للمغنم أي لطلب الغنيمة. والرجل يقاتل ليذكر): أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة، وفي بعض روايات هذا الحديث: ((ويقاتل شجاعة))، وقوله: (ويقاتل ليرى مكانه): وفي رواية: (ويقاتل رياء)، وفي رواية: (ويقاتل حمية)، وفي رواية: (ويقاتل غضباً): قال الحافظ ابن حجر بعد الإشارة إلى تلك الروايات: فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب. وكل منها يتناوله المدح والذم فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي.
    (3) قوله (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا): قال الحافظ في (الفتح): المراد بكلمة الله: دعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد: أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أن لو أضاف إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمناً لا أصلاً ومقصوداً، وبذلك صرح الطبري فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأوّل لا يضره ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، لكن روى أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال: ((يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال: لا شيء له))، فأعادها ثلاثاً كل ذلك يقول: لا شيء له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يقبل من العمل إلاّ ما كان له خالصاً وابتُغي به وجهه))، ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معاً على حد واحد، فلا يخالف المرجح أولا فتصير المراتب خمساً، أن يقصد الشيئين معاً، أو يقصد أحدهما صرفاً، أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمناً، فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمناً وقد لا يحصل، ويدخل تحته مرتبتان، وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى ودونه أن يقصدهما معاً فهو محذور أيضاً على ما دل عليه حديث أبي أمامة، والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفاً، وقد يحصل غير الإعلاء وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضاً، قال ابن أبي جمرة: ((ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأوّل قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه)). انتهى، ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمناً لا يقدح في الإعلاء، إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصلي، ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال: ((بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئاً، فقال: اللهم لا تكلهم إليَّ)) الحديث.
    (4) (كلمة الله): في هذا الحديث بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله))، وهو من إطلاق الكلمة مراداً بها الكلام ومنه قوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعد إلا الله ولا نشرك به شيئا } الآية.
    (5) قوله (فهو في سبيل الله): سبيل الله الطريق الموصلة إليه، وتطلق على كل ما شرعه الله، كما تطلق مراداً بها الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ومن الأوّل قوله تعالى: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة }، ومن الثاني هذا الحديث.
    (6) في إجابة النبي صلى الله عليه وسلم السائل بقوله: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله): شاهد لما يعرف في فن البلاغة بأسلوب الحكيم، فإن هذا الجواب مشتمل على إجابته عما سأل عنه وزيادة مع اختصاره وإيجازه، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل الله، احتمل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: (فهو) راجعاً إلى القتال الذي في ضمن (قاتل) أي: فقتاله قتال في سبيل الله، واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه، وطلب ثوابه، وطلب دحض أعدائه، وكلها متلازمة. قال ذلك الحافظ ابن حجر، وقال: قال ابن بطال: إنما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن لفظ جواب السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان لله، فعدل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلى لفظ جامع فأفاد دفع الإلباس وزيادة الإفهام.
    (7) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
    (1) الرجوع إلى العلماء وسؤالهم عن أمور الدين.
    (2) بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، والحديث شاهد لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)).
    (3) أن الفضل الذي ورد في المجاهدين مختص بمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
    (4) جواز السؤال عن العلة.
    (5) تقدم العلم على العمل.
    (6) ذم الحرص على الدنيا وعلى القتال لحظ النفس في غير الطاعة.
    (7) إطلاق الكلمة مراداً بها الكلام.
    (8) أن من حسن إجابة المفتي أن تكون فتواه وافية بغرض السائل وزيادة.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (13)




    حديث ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه )




    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الإيمان) من صحيحه:


    حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم (ح) وحدثنا آدم قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)).

    المبحث الأول/ التخريج:

    هذا الحديث أورده الإمام البخاري في صحيحه في موضع واحد في (باب حب الرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان)، أورده عقب حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده)).

    وروى مسلم حديث أنس هذا في (كتاب الإيمان) من صحيحه فقال: وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن علية (ح) وحدثنا شيبان بن أبي شيبة حدثنا عبد الوارث كلاهما عن عبد العزيز عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد ـ وفي حديث عبد الوارث (الرجل) ـ حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين)). حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)).

    ورواه النسائي في (باب علامة الإيمان) فقال: أخبرنا حميد بن مسعدة قال حدثنا بشر ـ يعنى ابن المفضل ـ قال حدثنا شعبة عن قتادة أنه سمع أنساً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)). أخبرنا الحسين بن حريث قال: أنبأنا إسماعيل عن عبد العزيز (ح) وأنبأنا عمران بن موسى قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا عبد العزيز عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين)).

    ورواه ابن ماجه في أوائل سننه فقال: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده.



    المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:

    أول رجال الإسناد الأول: شيخ البخاري يعقوب بن إبراهيم: قال الحافظ في (التقريب): يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن أفلح العبدي مولاهم، أبو يوسف الدورقي، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ـ أي بعد المائتين ـ وله ست وتسعون سنة، وكان من الحفاظ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

    وقال الخزرجي في (الخلاصة): روى عن يحيى بن أبي زائدة، ومعتمر بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي حازم، وخلق. وعنه الجماعة.

    قال الخطيب: كان حافظاً متقناً، صنف المسند. وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): العبدي مولى عبد القيس، أبو يوسف الدورقي، الحافظ البغدادي.

    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): يكنى أبا يوسف أخو أحمد القيسي مولى لعبد القيس، وليس من بلد دورق، وإنما كانوا يلبسون قلانس تسمى الدورقية فنسبوا إليها. وقال: قال أبو العباس السراج: ولد يعقوب سنة ست وستين ومائة وكان بينه وبين أخيه أحمد سنتان، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

    الثاني: ابن علية: قال الحافظ في (التقريب): إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف بابن علية، ثقة حافظ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ـ أي بعد المائة ـ وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): الأسدي البصري، مولى بني أسد بن خزيمة، يكنى أبا بشر، وأمه علية مولاة لبني أسد، ونقل في (تهذيب التهذيب) توثيق الأئمة له وثناءهم عليه، ومن ذلك قول شعبة: ((إسماعيل بن علية ريحانة الفقهاء))، وقوله أيضاً: ((ابن علية سيد المحدثين))، وقول أحمد: ((إليه المنتهى في التثبت بالبصرة))، وقول ابن المديني: ((ما أقول إن أحداً أثبت في الحديث من ابن علية)). انتهى. وقال الذهبي في (الميزان): ((وكان حافظاً فقيهاً كبير القدر)).

    الثالث: عبد العزيز بن صهيب: قال الحافظ في (التقريب): عبد العزيز بن صهيب البناني ـ بموحدة ونونين ـ البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

    وقال الخزرجي في (الخلاصة): عبد العزيز بن صهيب البناني بن سعد بن لؤي بن غالب مولاهم، البصري، عن أنس وشهر. عنه شعبة والحمادان. وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): البناني مولاهم، البصري الأعمى. ونقل توثيقه عن أحمد، وابن معين، وابن سعد، والنسائي، والعجلي.

    الرابع: صحابي الحديث في الإسنادين أنس بن مالك رضي الله عنه، وتقدم في رجال إسناد الحديث السادس.

    أما بقية رجال الإسناد الثاني فأوّلهم: شيخ البخاري آدم بن أبي إياس، وقد تقدم في رجال إسناد الحديث العاشر.

    الثاني: شعبة بن الحجاج، وتقدم في رجال إسناد الحديث العاشر أيضاً.

    الثالث: قتادة، قال في (التقريب): قتادة بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ـ أي بعد المائة ـ ورمز لكونه من رجال الجماعة.

    وقال الخزرجي في (الخلاصة): أبو الخطاب البصري، الأكمه، أحد الأئمة الأعلام، حافظ مدلس، روى عن أنس، وابن المسيب، وابن سيرين، وخلق. وعنه أيوب، وحميد، وحسين المعلم، والأوزاعي، وشعبة، وعلقمة. انتهى.

    وقال الذهبي في (الميزان): حافظ، ثقة، ثبت لكنه مدلس، ورمي بالقدر. قال يحيى بن معين: ((ومع هذا فاحتج به أصحاب الصحاح لاسيما إذا قال: حدثنا، مات كهلاً)). انتهى. وقال الحافظ في مقدمة الفتح: قتادة بن دعامة البصري، التابعي الجليل، أحد الأثبات المشهورين، كان يضرب به المثل في الحفظ، إلاّ أنه كان ربما دلس. وقال ابن معين: رمي بالقدر، وذكر ذلك عن جماعة. وأما أبو داود فقال: لم يثبت عندنا عن قتادة القول بالقدر، والله أعلم. واحتج به الجماعة. انتهى.

    وترجم له في (تهذيب التهذيب) بأكثر من خمس صفحات، ومما ذكره من الثناء عليه قول ابن سيرين: ((قتادة هو أحفظ الناس))، وقول بكر بن عبد الله المزني: ((ما رأيت الذي هو أحفظ منه، ولا أجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه))، ونقل عن بعض العلماء وصفه بالتدليس، ونقل عن بعضهم أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم فهو متصف بالإرسال والتدليس.



    المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه ما الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

    (1) رجال الإسنادين السبعة خرّج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلاّ شيخ البخاري في الإسناد الثاني آدم بن أبي إياس فلم يرو له مسلم وابن ماجه.

    (2) رجال الإسنادين السبعة بصريون إلاّ شيخي البخاري يعقوب فهو بغدادي وآدم عسقلاني نشأ ببغداد.

    (3) يعقوب بن إبراهيم الدورقي شيخ البخاري وقد توفي قبله بأربع سنوات، وقد شاركه في الرواية عنه مباشرة بقية أصحاب الكتب الستة.

    ومما يحسن ذكره هنا أن يعقوب بن إبراهيم هذا ومحمد بن بشار الملقب بنداراً ومحمد بن المثنى الملقب الزمن، قد ماتوا في سنة واحدة وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكل واحد منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد اتفقوا أيضاً في سنة الولادة إلاَّ أن يعقوب ولد قبلهما بسنة واحدة، حيث كانت ولادته سنة ست وستين ومائة، أما محمد بن بشار ومحمد بن المثنى فقد ولدا في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة ـ أي سنة سبع وستين ومائة ـ ولهذا لما ذكر الحافظ ابن حجر محمد بن المثنى في (التقريب) قال: ((وكان هو وبندار فرسي رهان وماتا في سنة واحدة))، وللبخاري شيخ رابع توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين أيضاً وهو زياد بن أيوب الطوسي البغدادي، وولد في السنة التي ولد فيها يعقوب بن إبراهيم.

    (4) رجال الإسناد الأول كلهم من الموالى إلا الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه، وابن علية أسدي ولاء من جهة أبيه وأمه.

    (5) ابن علية: هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وعلية اسم أمه اشتهر بالنسبة إليها، وكان يقول: ((من قال لي ابن علية فقد اغتابني))، ومعرفة مثل هذه النسبة من الأمور المهمة في علم مصطلح الحديث، قال الحافظ ابن حجر في شرح نخبة الفكر: ((ومن المهم معرفة من نسب إلى غير أبيه كالمقداد بن الأسود نسب إلى الأسود الزهري، لكونه تبناه، وإنما هو مقداد بن عمرو، أو إلى أمه كابن علية وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، أحد الثقات، وعلية اسم أمه اشتهر بها، وكان لا يحب أن يقال له ابن علية، ولهذا كان يقول الشافعي: أنبأنا إسماعيل الذي يقال له ابن علية)). انتهى.

    فإذا ذكر مع اسمه اسم أبيه أو اسم أبيه وجده ثم ذكر منسوباً إلى أمه فإنه يتعين شيئان: أحدهما أن يعرب (ابن) في النسبة إلى أمه إعراب (ابن) في نسبته إلى أبيه، والثاني أن تثبت الألف في (ابن) في نسبته إلى أمه، وقد نبه على هذا النووي في شرحه لصحيح مسلم في (كتاب الإيمان) لما جاء ذكر المقداد بن عمرو بن الأسود الكندي وقال: ((ولهذا الاسم نظائر منها: عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم، وعبد الله بن أبي ابن سلول، وعبد الله بن مالك ابن بحينة، ومحمد بن عليّ ابن الحنفية، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية، وإسحاق بن إبراهيم ابن راهويه، ومحمد بن يزيد ابن ماجه، فكل هؤلاء ليس الأب فيهم ابناً لمن بعده، فيتعين أن يكتب (ابن) بالألف وأن يعرب بإعراب الابن المذكور أولاً، فأم مكتوم زوجة عمرو، وسلول زوجة أبي، وبحينة زوجة مالك وأم عبد الله، وكذلك الحنفية زوجة عليّ رضي الله عنه، وعلية زوجة إبراهيم، وراهويه هو إبراهيم والد إسحاق، وكذلك ماجه هو يزيد، فهما لقبان، والله أعلم)). ثم أشار إلى وجه ذكر النسبة إلى الأب والنسبة إلى الأم معاً في بعض الأحوال فقال: ومرادهم في هذا كله تعريف الشخص بوصفيه ليكمل تعريفه، فقد يكون الإنسان عارفاً بأحد وصفيه دون الآخر، فيجمعون بينهما ليتم التعريف لكل أحد.

    (6) قتادة: هو ابن دعامة، ولا لبس في عدم نسبته في الإسناد لأنه ليس في رجال البخاري من يسمى قتادة سواه إلا قتادة بن النعمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    (7) ذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لنخبة الفكر: أن أرفع مراتب التعديل الوصف بأفعل، كأوثق الناس، أو أثبت الناس، أو إليه المنتهى في التثبت. انتهى.

    وفي رجال هذا الإسناد من وصف بذلك، فابن علية قال فيه الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت في البصرة. وقال فيه ابن المديني: ما أقول إن أحداً أثبت في الحديث من ابن علية. وقتادة بن دعامة، قال فيه ابن سيرين: قتادة هو أحفظ الناس. وقال بكر بن عبد الله المزني: ما رأيت الذي هو أحفظ منه، ولا أجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه.

    (8) قتادة من المعروفين بالتدليس، والراوي عنه في هذا الحديث شعبة بن الحجاج وهو لا يروى عنه إلا ما سمعه، وقد صرح بالسماع في روايته لهذا الحديث كما في سنن النسائي، وتقدم في التخريج. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) في شرحه لهذا الحديث: ورواية شعبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة، لأنه كان لا يسمع منه إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي. انتهى.

    (9) المتن المسوق رواية قتادة عن أنس، وهو قريب من سياق حديث أبي هريرة وفيه زيادة عليه: (والناس أجمعين)، أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في (الفتح) وقال: واقتصر ـ يعني البخاري ـ على سياق قتادة لموافقته لسياق حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    (10) قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): ولفظ عبد العزيز مثله ـ يعني مثل لفظ قتادة ـ إلاَّ أنه قال كما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن يعقوب شيخ البخاري بهذا الإسناد: (من أهله وماله) بدل (من والده وولده)، وكذا لمسلم من طريق ابن علية، وكذا للإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز ولفظه: ((لا يؤمن الرجل))، وهو أشمل من جهة، و(أحدكم) أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيلي (لا يؤمن أحد)، فإن قيل: فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قتادة، وصنيع البخاري يوهم اتحادهما في المعنى وليس كذلك، فالجواب: أن البخاري يصنع مثل هذا نظراً إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه. انتهى.

    (11) ساق البخاري ـ رحمه الله ـ الإسناد الأول إلى آخره، ثم عطف عليه الإسناد الثاني ولم يحول الإسناد قبل الوصول إلى أنس رضي الله عنه وهو المروى عنه في الإسنادين معاً، ولعلّ السر في ذلك تغاير صيغة الرواية من أنس رضي الله عنه، فسياق روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب: عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسياق روايته من طريق قتادة: قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    (12) الإسنادان من أولهما إلى أنس رضي الله عنه متحدان سياقاً، فالبخاري يقول في الرواية عن كل من شيخيه: حدثنا، وكل من شيخيه يقول عن شيخه: حدثنا، وشيخا شيخيه ابن علية وشعبة كل منهما يقول عن شيخه: عن، وقتادة وعبد العزيز يقولان: عن أنس رضي الله عنه.

    المبحث الرابع: شرح الحديث:

    (1) قوله (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه...) الخ: قال الحافظ ابن حجر: أي إيماناً كاملاً. قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في (فيض القدير): أي إيماناً كاملاً. وقال في قوله: (حتى أكون أحب إليه): غاية لنفي كمال الإيمان، ومن كمل إيمانه علم أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بترجيح حبه على حب كل من ولده ووالده والناس أجمعين.

    وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في (فتح المجيد): (لا يؤمن أحدكم): أي الإيمان الواجب والمراد كماله، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى العبد من ولده ووالده والناس أجمعين، بل ولا يحصل هذا الكمال إلاّ بأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه كما في الحديث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلاّ من نفسي. فقال:" والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك "، فقال له عمر: فإنك الآن أحب إليَّ من نفسي. فقال:" الآن يا عمر "))، رواه البخاري، فمن قال: أن المنفى هو الكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أن المنفي الكمال المستحب، فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قاله شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ، فمن ادعى محبة النبي صلى الله عليه وسلم بدون متابعته وتقديم قوله على قول غيره فقد كذب كما قال تعالى:{ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ }، فنفي الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن كل مسلم يكون محباً بقدر ما معه من الإسلام، وكل مسلم لابد أن يكون مؤمناً وإن لم يكن مؤمناً الإيمان المطلق، لأن ذلك لا يحصل إلاَّ لخواص المؤمنين.

    وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه (تيسير العزيز الحميد): لا يؤمن أحدكم: أي لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من أهله وولده ووالده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه أيضاً كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه فساقه، وقال: فمن لم يكن كذلك فهو من أصحاب الكبائر إذا لم يكن كافراً، فإنه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحباً في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب.

    وقال أيضاً: وأكثر الناس يدَّعي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما ذكر فلابد من تصديق ذلك بالعمل والمتابعة له وإلاَّ فالمدَّعي كاذب، فإن القرآن بين أن المحبة التي في القلب تستلزم العمل الظاهر بحسبها كما قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}.

    (2) قوله (حتى أكون أحب إليه من والده وولده): ورد في بعض الروايات عند مسلم وغيره: (من أهله وماله) بدل (من والده وولده)، قال الحافظ ابن حجر: وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى لأنهما أعزّ على العاقل من الأهل والمال، بل يكونان أعزّ من نفسه.

    (3) قوله (من والده): لفظ الوالد يشمل الوالدة إن أريد به من له الولد، أو يقال: اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفى عن أحد الضدين بالآخر. قاله الحافظ ابن حجر في (الفتح).

    (4) قوله (والناس أجمعين): وذكره بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص، وهل يشمل النفس؟ قال الحافظ في (الفتح): الظاهر دخوله. انتهى. وتقدم حديث عمر الذي هو نص في نفس الإنسان، ويدل على ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما))، فإن النفس مما سواهما.

    (5) قوله (من والده وولده): قدّم الوالد على الولد في رواية أنس هذه ورواية أبي هريرة عند البخاري، والسر في ذلك تقدمه في الزمان والإجلال، أو للأكثرية، لأن كل أحد له والد من غير عكس، وقدّم الولد على الوالد في رواية النسائي لمزيد الشفقة.

    (6) وهل الحكم الذي اشتمل عليه هذا الحديث يكون لسائر الأنبياء والمرسلين أيضاً؟ قال الحافظ في (الفتح): محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    (7) قال الحافظ في (الفتح): ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء لو خيِّرَ بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ـ أن لو كانت ممكنة ـ، فإن كان فقدها ـ أن لو كانت ممكنة ـ أشد عليه من فقد شيء من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة ومن لا فلا، وليس ذلك محصوراً في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصر سنته والذَبِّ عن شريعته وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونقل عن النووي أنه قال: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فإن من رجّح جانب المطمئنة كان حبه للنبي صلى الله عليه وسلم راجحاً، ومن رجّح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس. انتهى.

    ومعنى ذلك: أن لو تعارض عند الإنسان فعل شيء يحبه الله ورسوله قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، ونفسه الأمارة بالسوء لا ترتاح إلى فعله، فإن قدّم فعل ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما تهواه نفسه حصل له الاتصاف بالأحبية المذكورة في الحديث، وإن قدّم ما تهواه نفسه كان بالعكس. وقال الكرماني: ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم إرادة طاعته وترك مخالفته، وهو من واجبات الإسلام.

    وقال ابن القيم في النونية:

    فهـو المطاع وأمره العالي على * أمر الورى وأمــر ذي السلطان

    وهـو المقدم في محبتنــا على * الأهليــن والأزواج والولـدان

    وعلى العباد جميعهم حتى على الـ * ـنفس التي قـد ضمهـا الجنبان

    (8) السر في الأحبية الثابتة في الحديث: كونه صلى الله عليه وسلم سبب هداية الناس الذين بعثه الله إليهم، إذ أخرجهم الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، فلما كان سبب المحبة بين المحب والمحبوب ما يحصل من النفع للمحب، كانت محبة الرسول صلى الله عليه وسلم مقدمة على محبة أعزّ الناس إلى الإنسان، لأن النفع الذي حصل للمسلم بسبب الرسول صلى الله عليه وسلم هو بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، ولهذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم أجر عمله ومثل أجور من آمن به من حين بعثه الله إلى قيام الساعة، لأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي دلّ الناس على الخير، ومن دلَّ على هدى كان له من الأجر مثل أجور من فعله كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    (9) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:

    (1) وجوب تقديم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على أعزّ الناس إلى الإنسان.

    (2) أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة وهي تابعة لمحبة الله لازمة لها.

    (3) أن الأعمال من الإيمان لأن المحبة عمل القلب.

    (4) أنه قد ينفى الإيمان عن شخص ولا يخرج بذلك عن الإسلام.

    (5) أنه إذا كان هذا شأن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فما الظن بمحبة الله؟

    (6) الإشارة إلى ما يجب للوالد من التوقير والإجلال، وما يجب للولد من الشفقة.

    (7) البدء بالأهم فالمهم.

    (8) الإشارة إلى أهمية التفكر لأن الأحبية المذكورة تعرف به وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد بقاءها سالمة من الآفات، هذا حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالاً ومآلاً، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة وإما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره، لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة رضوان الله عليهم من هذا المعنى أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم، والله الموفق. قاله الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في مؤلفه العظيم (فتح الباري).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة

    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (14)





    حديث ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان )




    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الإكراه) من صحيحه:

    حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)).

    المبحث الأول/ التخريج:

    أورد البخاري ـ رحمه الله ـ هذا الحديث في أربعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في (باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر)، والثاني في (كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان)، رواه عن شيخه محمد بن المثنى بمثل روايته عن محمد بن عبد الله بن حوشب متناً وسنداً وسياقاً، إلاَّ أن فيه نسبة عبد الوهاب (الثقفي) وأنس رضي الله عنه يقول فيه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالث في (كتاب الإيمان) أيضاً (باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان)، ولفظه: حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلاّ لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار))، والرابع في (كتاب الأدب، باب الحب في الله)، ولفظه: حدثنا آدم حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)).

    ورواه مسلم في (كتاب الإيمان) من صحيحه فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن يحيى بن أبي عمر ومحمد بن بشار جميعاً عن الثقفي، قال ابن أبي عمر حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار)).

    حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه)). حدثنا إسحاق بن منصور أنبأنا النضر بن شميل أنبأنا حماد عن ثابت عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديثهم غير أنه قال: ((من أن يرجع يهودياً أو نصرانياً)).

    ورواه الترمذي في (كتاب الإيمان) من جامعه عن ابن أبي عمر عن عبد الوهاب بمثل إسناده ومتنه عند مسلم إلاَّ أن فيه بدل (حلاوة الإيمان) (طعم الإيمان)، وقال قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ورواه النسائي في (كتاب الإيمان) أيضاً فقال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا جرير عن منصور عن طلق بن حبيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله عزوجل ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئاً)). أخبرنا سويد بن نصر قال حدثنا عبد الله عن شعبة عن قتادة قال سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من أحب المرء لا يحبه إلا لله عزوجل، ومن كان الله عزوجل ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه)). أخبرنا عليّ بن حجر قال حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كان فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار)). ورواه الإمام أحمد في (المسند) عن عبد الوهاب بإسناده وفيه: ((كما يكره أن يوقد له نار فيقذف فيها)). وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) قبيل ترجمة الصديق رضي الله عنه، وفي ترجمة أبي قلابة. وأخرجه الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) في ترجمة محمد بن الحسن المؤذن الأنباري.

    المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:

    الأول: شيخ البخاري محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي: قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): محمد بن عبد الله بن حوشب بمهملة ثم معجمة بوزن جعفر الطائفي، نزيل الكوفة، صدوق، من العاشرة، ورمز لكونه من رجال البخاري.

    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع إبراهيم بن سعد وهشيماً، وعبد الوهاب الثقفي، روى عنه البخاري في تفسير سورة النساء ومواضع. وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): قال ابن شاهين في (الثقات): قال ابن معين: ليس به بأس. انتهى. ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.

    الثاني: عبد الوهاب ـ وهو الثقفي ـ كما ورد منسوباً في رواية محمد بن المثنى عند البخاري. قال الحافظ في (التقريب): عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ـ أي بعد المائة ـ عن نحو من ثمانين سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.

    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد، وخالد الحذاء، وعبيد الله بن عمر عندهما ـ أي في الصحيحين ـ وغير واحد عند مسلم. روى عنه بندار، وأبو موسى عندهما، وذكر جماعة رووا عنه عند البخاري، وجماعة عند مسلم. ونقل في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين، والعجلي، وذكره ابن حبان في (الثقات).

    وقال عليّ بن المديني: ((ليس في الدنيا كتاب عن يحيى ـ يعني ابن سعيد الأنصاري ـ أصح من كتاب عبد الوهاب، وكل كتاب عن يحيى فهو عليه كَل)). وقال الترمذي: سمعت قتيبة يقول: ((ما رأيت مثل هؤلاء الأربعة: مالك، والليث، وعبد الوهاب الثقفي، وعباد بن عباد)).

    وقال في مقدمة الفتح: أحد الأثبات، وقال ـ بعد نقل تغيره عن بعض المحدثين ـ قلت: احتج به الجماعة ولم يكثر البخاري عنه، والظاهر أنه إنما أخرج له عمن سمع منه قبل اختلاطه كعمرو بن عليّ وغيره، بل نقل العقيلي أنه لما اختلط حجبه أهله فلم يرو في الاختلاط شيئاً، والله أعلم.

    الثالث: أيوب ـ وهو السختياني ـ: قال الحافظ في (التقريب): أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني ـ بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون ـ أبو بكر البصري، ثقة، ثبت، حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة وله خمس وستون، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في (تهذيب التهذيب): أبو بكر البصري مولى عنـزة، ويقال: مولى جهينة، رأى أنس بن مالك، وروى عن عمرو بن سلمة الجرمي، وحميد بن هلال، وأبي قلابة، وأناس آخرين سماهم. وعنه الأعمش وهو من أقرانه، وقتادة وهو من شيوخه، والحمادان، والسفيانان، وشعبة، وعبد الوارث، ومالك، وابن إسحاق، وسعيد بن أبي عروبة، وابن علية، وخلق كثير. ونقل في (تهذيب التهذيب) توثيقه والثناء عليه عن كثرين، ومن ذلك قول شعبة: حدثني أيوب وكان سيد الفقهاء. وقول ابن عيينة: ما لقيت مثل أيوب. وقول ابن سعد: كان ثقة ثبتاً في الحديث، جامعاً كثير العلم، حجة عدلاً. وقول مالك: كان من العالمين العاملين الخاشعين.

    الرابع: أبو قلابة: قال الحافظ في (التقريب): عبد الله بن زيد بن عمرو، أبو عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، قال العجلي: فيه نصب يسير، من الثالثة، مات بالشام ـ هارباً من القضاء ـ سنة أربع ومائة، وقيل بعدها، ورمز لكونه من رجال الجماعة. انتهى. روى عن جماعة من الصحابة وأرسل عن آخرين ذكرهم في (تهذيب التهذيب)، ونقل توثيقه عن ابن سعد، والعجلي، وابن خراش.

    الخامس: الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه: تقدم في رجال إسناد الحديث السادس.



    المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

    (1) رجال الإسناد الخمسة خرّج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلاّ شيخ البخاري محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي فلم يرو له منهم سوى البخاري.

    (2) رجال الإسناد كلهم بصريون إلاّ شيخ البخاري فإنه طائفي ثم كوفي.

    (3) شيخ شيخ البخاري عبد الوهاب ـ وهو ابن عبد المجيد الثقفي ـ لم ينسبه في الإكراه ونسبه في الإيمان، ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من يسمى عبد الوهاب سواه.

    (4) عبد الوهاب بن عبد المجيد تغير قبل وفاته بثلاث سنين، والحكم في رواية المختلط عند المحدثين أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميز قبل، وإذا لم يتميز توقف فيه، وعبد الوهاب الثقفي لم يحدث بعد اختلاطه، قال الذهبي في (الميزان) بعد أن نقل عن بعض المحدثين تغيره: قلت: لكنه ما ضر تغيره حديثه، فإنه ما حدث بحديث في زمن التغير. قال العقيلي: حدثنا الحسين بن عبد الله الذارع حدثنا أبو داود قال: تغير جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي فحجب الناس عنهم. انتهى.

    (5) في الإسناد تابعيان وهما: أيوب السختياني وشيخه أبو قلابة، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.

    (6) أبو قلابة: كنية اشتهر بها عبد الله بن زيد الجرمي وهو من التابعين، وهناك رجل آخر اشتهر بأبي قلابة أيضاً إلاّ أنه متأخر عن هذا وهو بصري يكنى أبا محمد ويلقب بأبي قلابة، وهو من شيوخ ابن ماجه ولم يرو له الباقون، مات سنة ست وسبعين ومائتين وهو عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الملك الرقاشي.




    المبحث الرابع/ شرح الحديث:

    (1) قوله (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان): (ثلاث) مبتدأ وخبره الجملة بعده، وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض عن المضاف إليه أي ثلاث خصال، (وكن فيه) يحتمل أن تكون تامة أي وجدن فيه، ويحتمل أن تكون ناقصة والتقدير: من كن مجتمعة فيه.

    (2) معنى ( حلاوة الإيمان ): قال النووي: استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في رضى الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على عرض الدنيا.

    وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في (فتح المجيد): الحلاوة هنا هي التي يعبر عنها بالذوق لما يحصل به من لذة القلب، ونعيمه، وسروره، وغذائه، وهي شيء محسوس يجده أهل الإيمان في قلوبهم.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (فتح المجيد): أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئاً واشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى، قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للّذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها، فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، قال: وتفريعها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، قال: ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان كما يكره أن يقذف في النار. انتهى.

    (3) قوله (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما): قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق أبيه وأمه وزوجه وجميع الناس، لأن الهدى من الضلال والخلاص من النار إنما كان بالله على لسان رسوله، ومن علامات محبته نصر دينه بالقول والفعل والذَّب عن شريعته والتخلق بأخلاقه. وقال النووي: ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في (فتح المجيد): ومحبة الله تستلزم محبة طاعته، فإنه يحب من عبده أن يطيعه والمحب يحب محبوبه ولابد، ومن لوازم محبة الله أيضاً محبة أهل طاعته كمحبة أنبيائه ورسله والصالحين من عباده، فمحبة ما يحبه الله ومن يحبه الله من كمال الإيمان.

    وقال أيضاً: ومن علامات محبة الله ورسوله، أن يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، ويؤثر مرضاته على ما سواه، ويسعى في مرضاته ما استطاع، ويبعد عما حرمه الله ويكرهه أشد الكراهة، ويتابع رسوله، ويمتثل أمره ويترك نهيه، كما قال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}، فمن آثر أمر غيره على أمره وخالف ما نهى عنه فذلك علَم على عدم محبته لله ورسوله، فإن محبة الرسول من لوازم محبة الله، فمن أحب الله وأطاعه أحب الرسول وأطاعه ومن لا فلا كما في آية المحنة ونظائرها. انتهى. ويعنى بآية المحنة قوله تعالى في سورة آل عمران: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}، فقد قال ـ رحمه الله ـ عند الكلام عليها: وهذه تسمى آية المحنة قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله تعالى آية المحنة: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}، إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفائدتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل منكم المتابعة فمحبتكم له غير حاصلة ومحبته لكم منتفية.

    وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)). ولهذا قال:{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول. انتهى.

    وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: المراد في الحديث: أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما حباً قلبياً كما في بعض الأحاديث: ((أحبوا الله بكل قلوبكم))، فيميل بكليته إلى الله وحده حتى يكون وحده محبوبه ومعبوده، وإنما يحب من سواه تبعاً لمحبته، كما يحب الأنبياء والمرسلين والملائكة والصالحين لما كان يحبهم ربه سبحانه، وذلك موجب لمحبة ما يحبه سبحانه وكراهة ما يكره، وإيثار مرضاته على ما سواه والسعي فيما يرضيه ما استطاع، وترك ما يكره، فهذه علامات المحبة الصادقة ولوازمها.

    وقال ابن رجب في كتابه (جامع العلوم والحكم) في شرحه لحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) ما ملخصه: معنى الحديث: أن الإنسان لا يكون مؤمناً كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه، وقد ورد القرآن بمثل هذا المعنى في غير موضع قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، وذم سبحانه من كره ما أحب الله وأحب ما كرهه الله، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ }، وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحب الله، محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلاً، وأن يكره ما كرهه تعالى، كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنـزيهاً كان ذلك فضلاً، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات، فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه، أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما كرهه الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئاً يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دلَّ ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة، فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله. انتهى.

    هذه بعض النقول عن العلماء في بيان المحبة الصادقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم التي تطابق فيها القول والعمل، والتي هي سبب لمحبة الله تعالى للعبد.

    وإذا أراد الإنسان أن يقف يقيناً على مقدار ما في قلبه من المحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فليعرض أقواله وأفعاله على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن وافقت الشرع المحمدي كان ذلك دليلاً على صدق المحبة، وإن خالفته دلَّ على أن دعوى المحبة كاذبة، ولو أن إنساناً مثلاً ادعى أنه بار بوالديه، محب لهما، ثم أمراه أو أحدهما بأمر هو هين عليه، وليس معصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فتلكّأ وعصى أمرهما ظهر لكل عاقل أن دعواه كاذبة، ويكون صادقاً إذا طابقت أعماله أقواله.

    (4) في قوله (مما سواهما) شيئان، أحدهما: التعبير (بما) دون (من) والسر في ذلك: ليعم من يعقل ومن لا يعقل. والثاني: الضمير المثنى عائد إلى الله ورسوله، وهو يدل على جواز مثل هذه التثنية، ويستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم للخطيب الذي قال في خطبته (ومن يعصهما): ((بئس خطيب القوم أنت))، وأمره بأن يقول: ومن يعص الله ورسوله، أن ذلك ممنوع منه، ووجه الجمع بين الحديثين: أن الخطب يراد بها الإيضاح بخلاف ما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ. وقيل: إن تثنية الضمير هنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدَّعي حب الله مثلاً ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك. أما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية. وهناك وجوه أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر في (الفتح)، وهذان الوجهان من أحسن ما قيل في الجمع بين الحديثين.


    (5) قوله صلى الله عليه وسلم: ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)): قد دلَّ القرآن العزيز على ما ثبت في هذا الحديث مع الوعيد لمن أخل بذلك، وذلك في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{23} قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوه َا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{24} }

    (6) قوله (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله): وذلك من لوازم محبة الله تعالى، قال شارح الطحاوية: ((فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله يحب المحسنين ويحب المتقين ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضاً، ونبغضهم موافقة له سبحانه وتعالى، فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته. انتهى.

    (7) قوله (وأن يكره أن يعود في الكفر): قال الحافظ ابن حجر: فإن قيل فلم عدى العود (بفي) ولم يعد (بإلى)؟ فالجواب: أنه ضمنه معنى الاستقرار، وكأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا }.

    (8) قوله (وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)، وفي رواية آدم عند البخاري في (كتاب الأدب): ((وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه))، قال الحافظ ابن حجر: وهي أبلغ من لفظ حديث الباب، لأنه سوى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى.

    (9) قوله في رواية آدم في (كتاب الأدب): (بعد إذ أنقذه الله منه): قال الحافظ في (الفتح): والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله: يعود. على معنى الصيرورة بخلاف الثاني فإن العود فيه على ظاهره.

    (10) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:

    (1) وجوب تقديم محبة الله ورسوله على كل ما سواهما.

    (2) أن للإيمان حلاوة يجدها من وجدت فيه الخصال الثلاث المذكورة في الحديث.

    (3) أن من لوازم محبة الله: الحب في الله والبغض في الله.

    (4) أن تمكن محبة الله في قلب المؤمن يقتضي كراهة الكفر بالله وأهله.

    (5) أن الوقوع في نار الدنيا أحب إلى العبد المؤمن حقاً من العود في الكفر لأنه يؤدي إلى دخول نار الآخرة والخلود فيها.

    (6) في الحديث إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فالخصلتان الأولى والثانية من الأول، والثالثة من الثاني.

    (7) في الحديث دليل على أنه لا بأس في الجمع بين الله ورسوله في ضمير تثنية.

    (8) التنفير من الكفر بالله والتحذير منه.

    (9) استعمال التشبيه وضرب الأمثلة.

    (10) في الحديث دليل على تفاضل الناس في الإيمان، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وذلك أن من وجدت فيه الخصال الثلاث وجد حلاوة الإيمان بخلاف غيره.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,623

    افتراضي رد: دراسة تحليلية للحديث **متجددة


    دراسة تحليلية للحديث
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
    الحلقة (15)



    حديث ( فقولوا: عبد الله ورسوله )


    قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب أحاديث الأنبياء) من صحيحه:
    حدثنا الحميدي حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يقول أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله).
    المبحث الأول/ التخريج:
    هذا الحديث أورده البخاري في باب قول الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ}مريم16، وأورده ضمن خطبة خطبها عمر رضي الله عنه وذلك في (كتاب المحاربين) في (باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت)، وسنده: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، وسياق محل الشاهد منه قول عمر رضي الله عنه: ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تطروني كما أُطري عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله)، وهذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم.
    وأخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان بهذا الإسناد ومتنه: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده ورسوله). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده عن هشيم عن الزهري، وعن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وعن إسحاق بن عيسى الطباخ عن مالك بن أنس عن الزهري مطولاً، وعن سفيان بن عيينة عن الزهري، كلها عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهما، وسياق رواية سفيان: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبده ورسوله). وقد أشار الحافظ ابن كثير في تفسيره في آخر سورة النساء إلى أن عليّ بن المديني رواه عن سفيان بن عيينة عن الزهري بمثل رواية أحمد في مسنده وقال: وقال عليّ بن المديني: هذا حديث صحيح مسند. انتهى.
    ورواه الدارمي في سننه في (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تطروني)، فقال: أخبرنا عثمان بن عمر حدثنا مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تطروني كما تطري النصارى عيسى بن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله).
    المبحث الثاني/ التعريف برجال الإسناد:
    الأول: شيخ البخاري الحميدي: قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبد الله ابن حميد، وإليه ينسب أبو بكر الحميدي القرشي المكي، سمع سفيان بن عيينة، وكان من أثبت الناس فيه، وقال: جالسته تسع عشرة سنة أو نحوها، والوليد بن مسلم، ووكيعاً، ومروان بن معاوية، وبشر بن بكير. روى عنه البخاري في أول كتابه حديث: (الأعمال بالنيات) وغير موضع، وقال فيه الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب): ثقة، حافظ، فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة، من العاشرة، مات سنة تسع عشرة ـ أي بعد المائتين وقيل بعدها ـ، قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. ورمز لكونه من رجال البخاري، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، ومسلم في مقدمة صحيحه، وابن ماجه في التفسير.
    وقال الحافظ في شرحه لأول حديث في صحيح البخاري: هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب إلى حميد بن أسامة ـ بطن من بني أسد ـ ابن عبد العزى بن قصي، رهط خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، يجتمع معها في أسد، ويجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي، وهو إمام كبير مصنف، رافق الشافعي في الطلب عن ابن عيينة وأخذ عنه الفقه، ورحل معه إلى مصر، ورجع بعد وفاته إلى مكة إلى أن مات بها سنة تسع عشرة ومائتين.
    وفي (تهذيب التهذيب) لابن حجر قال أحمد: ((الحميدي عندنا إمام))، وقال أبو حاتم: ((هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام))، وقال يعقوب بن سفيان: ((حدثنا الحميدي، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه))، وفيه غير ذلك من ثناء الأئمة عليه رحمه الله.
    الثاني: سفيان ـ وهو ابن عيينة ـ: قال الحافظ في (تقريب التهذيب): سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه، إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ـ أي بعد المائة ـ وله إحدى وتسعون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
    وقال في شرحه لأول حديث في صحيح البخاري: هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد المكي، أصله ومولده الكوفة، وقد شارك مالكاً في كثير من شيوخه وعاش بعده عشرين سنة، وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين.
    وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): يكنى أبا محمد الهلالي، سكن مكة، وقيل: اسم جده أبي عمران ميمون، مولى بني عبد الله بن رويبة من بني هلال بن عامر، سمع الزهري، وعمرو بن دينار، وغير واحد من التابعين، وغيرهم عندهما ـ أي في الصحيحين ـ، وروى عنه أبو نعيم الفضل، وأبو الوليد الطيالسي، وعبد الله بن موسى، والحميدي، وعليّ بن المديني، وغيرهم عند البخاري، وسعيد بن منصور، وقتيبة، وبشر بن الحكم، ويحيى بن يحيى، وغير واحد عند مسلم.
    وقال الذهبي في (الميزان): أحد الأثبات الأعلام، أجمعت الأمة على الاحتجاج به، وكان يدلس، لكن المعهود منه أنه لا يدلس إلاَّ عن ثقة، وكان قوى الحفظ، وما في أصحاب الزهري أصغر سناً منه، ومع هذا فهو من أثبتهم. ونقل عن ابن عمار عن يحيى القطان: أن ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء، ثم ذكر الذهبي أنه سمع منه فيها محمد بن عاصم صاحب الجزء العالي، وقال: ويغلب على ظنّي أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع، فأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات ولم يلقه أحد فيها، لأنه توفي قبل قدوم الحاج بأربعة أشهر.
    ونقل في (تهذيب التهذيب) الكثير من ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول ابن حبان في (الثقات): ((كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والدين))، وقول اللالكائي: ((هو مستغن عن التزكية لتثبته وإتقانه، وأجمع الحفاظ أنه أثبت الناس في عمرو بن دينار))، وقول ابن مهدي: ((كان أعلم الناس بحديث أهل الحجاز))، وقول ابن وهب: ((ما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله من ابن عيينة))، وقال أبو مسلم المستملي: ((سمعت ابن عيينة يقول: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه)).
    وذكر ابن حبان في مقدمة صحيحه أنه لا يحتج بأخبار الثقات العدول من المدلسين إلاَّ ما بينوا السماع فيما رووا، ثم قال: اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلس قط إلاَّ عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع، وهذا ليس في الدنيا إلاّ سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلاّ عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلاّ وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه. انتهى.
    الثالث: الزهري محمد بن مسلم بن شهاب: تقدم في رجال إسناد الحديث الأول.
    الرابع: عبيد الله بن عبد الله ـ وهو ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة ـ تقدم في رجال إسناد الحديث الثاني.
    الخامس: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أحد العبادلة الأربعة من فقهاء الصحابة وتقدم في رجال إسناد الحديث الثاني، وأضيف هنا أن العبادلة الأربعة نظمهم السيوطي في ألفيته فقال:
    والبـحـر وابنا عمر عُمرو ** وابن الزبير في اشتهار يجرى
    دون ابن مسعود لهم عبادلة ** وغلطوا من غير هذا مال له

    السادس: عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابي الجليل، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وثاني الخلفاء الراشدين، صاحب المناقب العظيمة، الذي لا يسلك فجاً إلاّ وهرب الشيطان من ذلك الفج بشهادة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تقدم في رجال الحديث الثامن.

    المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
    (1) رجال الإسناد الستة خرّج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلاّ شيخ البخاري فإن مسلماً لم يخرّج له في الصحيح، وروى له في المقدمة، وابن ماجه روى له في التفسير.
    (2) شيخ البخاري وشيخ شيخه مكيان وبقية رجال الإسناد مدنيون.
    (3) في الإسناد صحابيان وتابعيان، فالحديث من رواية صحابي عن صحابي وهو أيضاً من رواية تابعي عن تابعي.
    (4) اجتمع في الإسناد أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وهو: عبد الله بن عباس، وأحد الفقهاء السبعة من التابعين وهو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود.
    (5) اشتمل هذا الإسناد على أربع من صيغ الأداء وهي التحديث، والسماع، والإخبار، والعنعنة.
    (6) هذا الإسناد مماثل في الجملة لإسناد أوّل حديث أخرجه البخاري في صحيحه وهو حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فالصحابي فيهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وشيخ البخاري وشيخ شيخه فيهما الحميدي وسفيان بن عيينة.
    (7) سفيان بن عيينة من المدلسين، وهو معروف بالتدليس عن الثقات خاصة، وقد تقدم قول ابن حبان فيه: ((وهذا يعني التدليس عن الثقات خاصة، ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلاّ عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلاّ وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه)). انتهى. وهذا الحديث قد صرّح في روايته له بالسماع من الزهري في هذا الإسناد.
    (8) ابن شهاب الزهري: وصفه الذهبي في (الميزان) بأنه يدلس نادراً، وقد صرّح بالإخبار في رواية هذا الحديث عن عبيد الله، فانتفى احتمال التدليس.
    (9) شيخ البخاري اشتهر بالنسبة إلى جده حميد، ولهذا يذكره البخاري وغيره مقتصرين على النسبة، وقد اشتهر بهذه النسبة رجل آخر من رجال الحديث لكنه متأخر كثيراً عن هذا، وهو أبو عبد الله محمد بن فتوح بن عبد الله بن فتوح ابن حميد الحميدي الأندلسي، المتوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، مؤلف كتاب (الجمع بين الصحيحين) وكتاب (جذوة المقتبس) وغيرهما.
    (10) سفيان بن عيينة: هو أحد السفيانين فيما إذا قيل في ترجمة رجل دونهما: روى عن السفيانين، أو رجل فوقهما روى عنه السفيانان، والثاني منهما سفيان الثوري وقد تقدم في رجال إسناد الحديث الثامن.


    المبحث الرابع/ شرح الحديث:
    (1) قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم): الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. والمعنى: لا تمدحوني بالباطل أو لا تجاوزوا الحد في مدحي فتغلوا كما غلت النصارى في عيسى فادعوا ألوهيته.
    (2) قوله (فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله): أي صفوني بذلك كما وصفني به ربي وقولوا عبد الله ورسوله، وقد وصف الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك في أشرف المقامات فقال في ذكر الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ}الإسراء1، وقال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ }الجن19، وقال: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}النجم10، وقال: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}البقرة23، وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك يقول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يوم القيامة إذا طلبوا منه الشفاعة بعد غيره من الأنبياء: (اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى، قاله شارح الطحاوية.
    (3) قوله (كما أطرت النصارى ابن مريم): قد بين الله تعالى في كتابه العزيز ما كان عليه النصارى من الغلو، وحذرهم من ذلك، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً}النساء171.
    (4) قوله (فقولوا: عبد الله ورسوله): جمع صلى الله عليه وسلم بين وصفه بكونه عبد الله ووصفه بكونه رسوله، دفعاً للإفراط والتفريط، دفعاً للإفراط والإطراء والغلو، لأنه عبد الله تعالى، ودفعاً للتقصير والتفريط بترك متابعته، وعدم الأخذ بسنته والسير على نهجه الذي أرسله الله به، ورحم الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إذ يقول: (عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب بل يطاع ويتبع). وهذا هو مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، فإن معناها كما قال رحمه الله: (طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع).
    (5) لما كان أهل الكتاب بالنسبة لعيسى عليه الصلاة والسلام طرفي نقيض النصارى في جانب الإفراط، حيث غلوا فيه ورفعوه إلى المنـزلة التي لا يستحقها، والتي لا تليق إلاّ بالله وحده لا شريك له، وفي جانب التفريط أيضاً حيث حرّفوا وبدّلوا، خالفوا الشريعة التي جاء بها عيسى صلى الله عليه وسلم، وفي جانب التفريط أيضاً اليهود الذين يقتلون الأنبياء، وينتقصون عيسى صلى الله عليه وسلم ويصفونه وأمه بما هم برآء منه، لما كان أهل الكتاب في الطرفين المتناقضين، حذرنا الله من سلوك سبيلهم، وأمرنا في كل ركعة من ركعات الصلاة أن نسأله الهداية للصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير الطريق التي سلكها أعداؤه من المغضوب عليهم والضالين.
    وقد جمع صلى الله عليه وسلم بينه وبين عيسى صلى الله عليه وسلم في وصف كل منهما بأنه عبد الله ورسوله حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل). وسر الجمع بينهما عليهما الصلاة والسلام ووصفهما بكونهما عبدي الله ورسوليه، بيان أن عقيدة الإسلام في حق عيسى عليه الصلاة والسلام: أنه عبد الله ورسوله، فلا يغلى فيه غلو النصارى من جانب، ولا يقصر في حقه كما قصرت النصارى من جانب آخر، وكما جفت اليهود لعنة الله عليهم، وبيان أن الواجب في حق محمد صلى الله عليه وسلم وصفه بذلك وعدم الإفراط والتفريط، وأن وصفه بأنه عبد الله يقتضي اعتقاد أنه لا يستحق أن يصرف له شيء مما لا يستحقه إلاّ الله تعالى، ووصفه بأنه رسول الله يقتضي تصديقه في جميع ما يخبر به من أخبار في الماضي وفي المستقبل، وفي ما هو موجود غير مشاهد لنا، ويقتضي طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتقديم محبته صلى الله عليه وسلم على النفس والوالد والولد والناس أجمعين، وأن لا يعبد الله إلاّ على وفق ما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه، هذه عقيدة المسلمين في عيسى عليه الصلاة والسلام وفي محمد صلى الله عليه وسلم، وسط بين طرفي الإفراط والتفريط. ولقد أحسن الشاعر إذ يقول:
    ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ** كلا طرفي قصـد الأمــور ذميم

    (6) قوله (لا تطروني...) الخ: هذا منه صلى الله عليه وسلم سد للذرائع التي تؤدي إلى الشرك بالله، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما من خير إلاّ دلّ الأمة عليه، وما من شر إلاّ حذرها منه، وكل ما كان الشيء أخطر كانت العناية به أعظم، فالشرك لما كان أعظم الذنوب وأظلم الظلم على الإطلاق، وهو الذنب الذي لا يغفره الله والذي حرم الله على صاحبه الجنة ومأواه النار، لما كان بهذه الخطورة حذّر منه صلى الله عليه وسلم غاية التحذير، ومنع من أي وسيلة تؤدي إليه، كما منع من إطرائه في هذا الحديث، لئلا يفضي ذلك إلى أعظم محذور، وكما لعن صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى في اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد وهو في شدة المرض الذي مات فيه، كل ذلك حماية منه صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، وسد للطرق التي تنتهي إلى الشرك، فصلوات الله وسلامه الأتمّان الأكملان على البشير النذير والسراج المنير الذي أرشد الناس إلى كل خير، وحذرهم من كل شر.
    (7) مدح الرسول صلى الله عليه وسلم منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم. فالمحمود هو أن يوصف بكل كمال يليق بالإنسان، فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وأنصحهم وأخشاهم لله وأتقاهم، وأفصحهم لساناً وأقواهم بياناً، وأرجحهم عقلاً، وأكثرهم أدباً، وأوفرهم حلماً، وأكملهم قوة وشجاعة وشفقة، وأكرهم نفساً، وأعلاهم منـزلة، وكل وصف هو كمال في حق الإنسان فلسيد ولد آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ منه القسط الأكبر والحظ الأوفر، وكل وصف يعتبر نقصاً في الإنسان فهو أسلم الناس منه وأبعدهم عنه، فلقد اتصف بكل خلق كريم، وسلم من أدنى أي وصف ذميم، وحسبه شرفاً قول الله تعالى فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}القلم4، قد والله بلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة على أكمل وجه، ونصح للأمة غاية النصح، ببيان ليس وراءه بيان، ونصح يفوق نصح أي إنسان، فكل ثناء على سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل فهو حق مع الحذر من تجاوز الحد والخروج عن الحق، وما أحلى وأجمل وصفه صلى الله عليه وسلم بكونه عبد الله ورسوله تحقيقاً لرغبته عليه الصلاة والسلام وامتثالاً لأمره في قوله في هذا الحديث: (وقولوا عبد الله ورسوله).
    والمدح المذموم هو الذي يتجاوز فيه الحد ويقع به المادح في المحذور الذي لا يرضاه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن يوصف صلى الله عليه وسلم بما لا يجوز أن يوصف به إلاَّ الله تبارك وتعالى، أو أن يصرف له صلى الله عليه وسلم ما لا يستحقه إلا الباري جل وعلا. ومن ذلك بعض الأبيات التي قالها البوصيري في البردة مثل قوله:
    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ** سواك عند حلول الحادث العمم

    فهذا المعنى الذي اشتمل عليه هذا البيت لا يجوز أن يصرف لغير الله عزوجل، ولا يستحقه إلاّ هو وحده لا شريك له، فهو الذي يعاذ به ويلاذ به، ويلتجأ إليه، ويعتصم بحبله، ويعول عليه، وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم مبينا تفضله وامتنانه على عباده، وأنه ما بهم من نعمة فمنه تفضلاً وامتناناً: " لن يدخل أحدكم بعمله الجنة "، قالوا: ولا أنت لا رسول الله؟ قال:" ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل "، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء كما قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}النمل62 أي: لا أحد سواه يكون كذلك لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، فضلا عمن سواهما.وقال تعالى:{وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}يونس107، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}الإسراء67، وقال: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}النحل53، والحاصل أن المدح الذي اشتمل عليه هذا البيت مدح بالباطل الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون حقاً لو قال منادياً ربه:
    يا خالق الخلق ما لي مَن ألوذ به ** سواك عند حلول الحادث العمم

    ومثل قوله أيضاً يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
    فإن من جودك الدنيا وضرتها ** ومن علومك علم اللوح والقلم

    وهذا لا يليق إلاّ بمن بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى، فهو القائل عن نفسه: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}النحل53، والقائل عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك) الحديث، فهو وحده الذي من جوده الدنيا والآخرة، وهو وحده الذي من علمه علم اللوح والقلم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو لا يملك إلاّ ما أعطاه الله، ولا يعلم من الغيب إلاّ ما أطلعه عليه، وقد أمره الله أن يقول: {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ}الأنعام50.
    وقال له: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً}الجن21، وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}الشعراء214، قال: (يا معشر قريش ـ أو كلمة نحوها ـ اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سليني ما شئت من مالي، لا أغنى عنك من الله شيئاً).
    وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك) الحديث.
    (8) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
    (1) نشر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإعلانها على المنابر.
    (2) كمال نصح الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وبلاغه البلاغ المبين.
    (3) سد الذرائع التي تؤدي إلى الشرك.
    (4) بيان ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى عليه الصلاة والسلام.
    (5) تحذير هذه الأمة أن تقع فيما وقعت فيه النصارى.
    (6) الجمع بين الأمر والنهي، وأن على المفتي إذا أرشد إلى المنع من محذور أن يدل على مأمور به هو خير.
    (7) وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه عبد الله ورسوله امتثالاً لأمره.
    (8) الإشارة في الجمع بين وصفه بكونه عبد الله ووصفه بكونه رسوله إلى دفع الإفراط والتفريط.
    (9) بيان أنه صلى الله عليه وسلم لا يخرج عن أن يكون عبدًا لله تعالى حيث قال: " إنما أنا عبده ".



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •