"أولئك لهم الأمن"
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2
1اعجابات
  • 1 Post By ابو وليد البحيرى

الموضوع: "أولئك لهم الأمن"

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,513

    افتراضي "أولئك لهم الأمن"

    "أولئك لهم الأمن" (1)


    د. نوال العيد


    إن الحديث عن الإيمان حديث مهم لكل من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد – صلى الله عليه وسلم نبياً، والمؤمن مطالب بتعاهد إيمانه، والحرص على زيادته، وتنقيته مما يشوبه ويعلق به.. ولحاجتي إلى الموضوع أولاً حرصت أن أضرب بسهمي فيه، وأبحث عن ثمرات المتصفين به، وعوامل تقويته، ولأن الحق جل وعلا أمرنا بالتعاون على البر، والتواصي بالحق والصبر، نشرته؛ لتعم ثمرته، وتتم فائدته. الإيمان لغة: قال ابن منظور في لسان العرب: إن الإيمان مصدر آمن يؤمن إيماناً، فهو مؤمن، واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق.

    والأمن ضد الخوف، وهو: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والإيمان: التصديق المؤدي إلى الطمأنينة.. وقد سئل الخليل بن أحمد ما الإيمان؟ قال: هو الطمأنينة. ولأن العبد إذا آمن أمّنه الله وصار في أمانه، قال عز وجل:
    {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون} الأنعام: 82.

    ومن أسماء الحق جل وعلا: "المؤمن"، هو الذي يصْدق عباده وعده، فهو من الإيمان بمعنى التصديق. أو يؤمنهم في القيامة من عذابه، فهو من الأمان والأمن الذي هو ضد الخوف.

    والإيمان في الاصطلاح: عرفه أهل الحديث مالك والأوزاعي والشافعي وغيرهم من أهل العلم بأنه اعتقاد بالقلب، وقول باللسان. قال الله تعالى:
    {مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ..} المائدة 41، وعمل بالأركان، قاله ابن عباس، والبراء، وقتادة، وغيرهم. ثمرات الإيمان: العلم الذي هو مطمح كل مؤمن. قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ..}.

    ثمرة العلم العم به، ولا يقبل عمل بلا إيمان، وقال رجل للشافعي: أي الأعمال عند الله أفضل؟ وقال: ما لا يقبل العمل إلا به. قال: وما ذاك. قال: الإيمان بالله؛ هو أعلى الأعمال درجة، وأشرفها حظاً.

    ذكره ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (12/293)، ودليل هذا قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} قال السمعاني في تفسيره (2/408): {فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي: يتقبل عمله. قال القرطبي في تفسيره (11/339): {فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي: لا يجوز لعمله، أي: لا يضيع جزاؤه.. {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} لعمله حافظون نظيره
    {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى}.

    الهداية والبشارة من الله المؤمنين بقوله تعالى:
    {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }. ولاية الله للمؤمنين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ}. يقول ابن القيم في بدائع الفوائد (2/446): فالإيمان كله نور ومآله نور، ومستقره في القلب المضيء المستنير، المقترن بأثقل الأرواح المستنيرة.

    المؤمن أولى الناس بخليل الله ومصطفاه إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام قال تعالى:
    {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} يقول الشيخ السعدي في تفسيره (1/134): "كانت الأديان كلها اليهود والنصارى والمشركون وكذلك المسلمون كلهم يدعون أنهم على ملة إبراهيم، فأخبر الله تعالى أن أولى الناس به محمد – صلى الله عليه وسلم – وأتباعه وأتباع الخليل قبل محمد – صلى الله عليه وسلم -.

    أما اليهود والنصارى والمشركون فإبراهيم برئ منهم ومن ولايتهم؛ لأن دينه الحنيفية السمحة". القوة المعنوية، والنصرة الحسية، لا تكون إلا للمؤمنين، يقول تعالى:
    {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِم}، ويقول: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} ويقول: {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}.

    الأمن النفسي، وكلما زاد إيمان العبد اطمأنت نفسه، وسكنت جوارحه، قال تعالى:
    {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون}. النجاة من عذاب الدنيا والآخرة تكون للمؤمنين، قال تعالى: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا..}، وقال: {وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)، وقال: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ}.. قال الشيخ السعدي في التفسير (1/375): "وينجيهم من مكاره الدنيا والآخرة وشدائدهما" . والنجاة أيضاً من الغموم: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}.

    الموعظة والذكرى لا ينتفع بها إلا المؤمنون (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ). قدم الصدق عند الله بشارة منه {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ..}، وقال ابن كثير في معنى قول تعالى {قَدَمَ صِدْقٍ}، واختلفوا فيه فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أقدم صدق، سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، وقال العوفي عن ابن عباس يقول: أجراً حسناً بما قدموا، وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس.... وقال مجاهد: (قدم صدق) الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم.. وتسبيحهم، قال: ومحمد – صلى الله عليه وسلم – يشفع لهم (التفسير). دفاع الله عن المؤمنين قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} يقول الشيخ السعدي في تفسيره (1/539): "هذه إخبار ووعد وبشارة من الله للذين آمنوا أن الله يدفع عنهم كل مكروه، ويدفع عنهم بسبب إيمانهم كل شر من شرور الكفار، وشرور وسوسة الشيطان، وشرور أنفسهم، وسيئات أعمالهم، ويحمل عنهم عند نزول المكاره ما لا يتحملون فيخفف عنهم غاية التخفيف، وكل مؤمن له من هذه المدافعة والفضيلة بحسب إيمانه فمستقل ومستكثر" .

    الفلاح. يقول الله تعالى:
    {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} قال الشيخ السعدي في تفسيره (1/547): "هذا تنويه من الله يذكر عباده المؤمنين فبذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب فيها، فليزن العبد نفسه وغيره على هذه الآيات، يعرف بذلك ما معه وما مع غيره من الإيمان زيادة ونقصاً، كثرة وقلة فقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) أي قد فازوا وسعدوا ونجحوا وأدركوا كل ما يروه المؤمنون الذي آمنوا بالهل وصدقوا المرسلين.. وقال الشنقيطي في أضواء البيان (5/305)/.

    "وفلاح المؤمنين مذكور ذكراً كثيراً في القرآن كقوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}..". المؤمن مجيب لنداء ربه، قال تعالى:
    {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ}.

    يقول ابن القيم في الزاد (3/75): "لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية والهمم العالية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حياً فهزه السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيده، فما حطت به رحالة إلا بدار القرار".

    الإخراج من الظلمات إلى النور، ويقول الحق جل وعلا:
    {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ..}. وتأمل – رحمك الله – في إفراده للنور وجمعه الظلمات، يقول ابن القيم في بدائع الفوائد (1/127): "ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل، والنور بمنزلة طريق الحق، فقد أفرد النور، وجمع الظلمات، ووحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد، وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم، وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها، ووحد النور وهـو دينه الحـق، وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه ســواه".. وقد سبق هذه الآية في سورة البقرة قول الحق تبارك وتعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...} فذكر في هذه الآية الأساس، ثم ثنى بالثمرة، فأخبر تعالى أن الذين آمنوا بالله وصدقوا إيمانهم بالقيام بواجبات الإيمان، وترك ما ينافيه أن وليهم يتولاهم بولايته الخاصة، ويتولى تربيتهم، فيخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والمعاصي والغفلة إلى نور العلم واليقين والإيمان والطاعة والإقبال الكامل على ربهم، وينور قلوبهم بما يقذفه فيها من نور الوحي والإيمان. أن الإيمان حلاوة يذوقها من وفقه الله للالتزام بصفات أهلها، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان.
    باب: حلاوة الإيمان (1/14) عن أنس، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" .

    قال النووي في شرح صحيح مسلم (2/13): قال العلماء – رحمهم الله – "معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات في رضى الله عز وجل ورسوله – صلى الله عليه وسلم -، وإيثار ذلك على عرض الدنيا".. قال القاضي عياض في إكمال المعلم (1/102): "هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم ذات طعم الإيمان من رضي الله رباً ..." وقال الحافظ في الفتـــــــــــ ـح (1/60): وفي قوله (حلاوة الإيمان) استعارة تخيلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرّاً، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئاً ما؛ نقص ذوقه بقدر ذلك" .
    الإيمان شجرة طيبة قال تعالى:
    {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا...} (الرعد 24-25) قال ابن عباس في تفسير الآية: (كَلِمَةً طَيِّبَةً) شهادة أن لا إله إلا الله (كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ) المؤمن (أَصْلُهَا ثَابِتٌ) بقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن (وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء) يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.
    وهكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد. تفسير ابن كثير 2/531 ، وليعلم أن شجرة الإيمان تحتاج إلى تعاهد وسقي، يقول ابن القيم في إعلام الموقعين (1/174): (ومنها أن الشجة لا تبقى حبة إلا بمادة تسقيها وتنميها، فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس، فهكذا شجرة الإيمان في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكر، والتفكر على التذكر وإلا أوشك أن تيبس، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "إن الإيمان يخلق في القلب كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم"، وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك، ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات، وعظيم رحمته، وتمام نعمته، وإحسانه إلى عباده بأن وظفها عليها، وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم. ومنها أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه المادة أنه لا بد أن يخالطه دغل ونبت غريب.
    ليس من جنسه، فإن تعاهده ربه ونقاه وقلعه يحمل الغرس والزرع، واستوى وتم نباته، وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى، وإن تركه أوشك أن يغلب على الغرس والزرع، ويكون الحكم له، أو يضعف الأصل، ويجعل الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته، ومن لم يكن له فقه نفس في هذا أو معرفة به؛ فإنه يفوته ربح كثير وهو لا يشعر، فالمؤمن دائماً سعيه في شيئين: سقي هذه الشجرة، وتنقية ما حولها، فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتم، والله المستعان وعليه التكلان".
    أن أهل الإيمان بينهم رباط قوي، أسس دعائمه، وبين منهجه الرب جل وعلا حيث قال:
    {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ..} ومن انضم إلى جماعة أهل الإيمان سيأنس برابطتهم، ويقطف ثمر أخوتهم.

    وبعد؛ فقد كان هذا عرضا موجزا لبعض ثمرات الإيمان، والمعروض نقطة من بحر عظيم يظفر بها من اتصف بصفات المؤمنين، وثمرة من شجرة مباركة. والمتأمل في آي الكتاب وحديث الحبيب – صلى الله عليه وسلم – يقف على الكثير منها.




    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة هناء الشنواني
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,513

    افتراضي رد: "أولئك لهم الأمن"


    "وأولئك لهم الأمن" (2)

    عوامل تقوية الإيمان

    د. نوال العيد

    من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وتوافرت الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح على هذا المعنى قال تعالى: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ)(وَ زِدْنَاهُمْ هُدًى) وقوله:(أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) وقوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً).

    وقال عمير بن حبيب الخطمي وهو من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم -، الإيمان يزيد وينقص. قيلله: وما زيادته وها نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحانه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه.

    وقال أبو الدرداء: إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه، وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد الإيمان أم ينقص، وإن من فقه الرجل أن يعلم نزعات الشيطان أنى تأتيه.

    وكان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه: هلموا نزداد إيماناً فيذكرون الله عز وجل.وقال خيثمة بن عبدالرحمن: الإيمان يسمن في الخصب، ويهزل في الجدب، فخصبه العمل الصالح، وجدبه الذنوب والمعاصي.

    وقيل لبعض السلف: يزداد الإيمان وينقص. وقال: نعم. يزداد حتى يصير أمثال الجبال، وينقص حتى يصير أمثال الهباء، ذكر كل ما تقدم شيخ الإسلام في مجموع الفتوى (7/224).

    وسأقدم في ذكر عوامل تقويته آيةً في كتاب الله حوت صفات كاملي الإيمان قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا..) ]سورة الأنفال: 4،3،2[وتأمل ـ رحمك الله ـ استهلال الآية بأداة الحصر "إنما" وقد أفاد ابن القيم في إعلام الموقعين (2/155) وختمها حصر الكمال بـ "أولئك هم المؤمنون حقاً" يقول أبو السعود في تفسيره (4/4) "(أولئك) إشارة إلى من ذكرت صفاتهم الحميدة من حيث إنهم متصفون بها، وفيه دلالة على أنهم متميزون بذلك عمن عداهم أكمل تميز، منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف. (هم المؤمنون حقاً) لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه ما فضل من أفاضل الأعمال القلبية والقالبية. وحقاً صفة لمصدر محذوف أي أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً، لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة بين العلم والعمل بين أداء حقوق الله وحقوق عباده، وقدم تعالى أعمال القلوب لأنها أصل أعمال الجوارح، وأفضل منها".

    · وإليك عوامل تقويته:

    "الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" جاء في قراءة ابن مسعود "فرقت قلوبهم" فإذا ذكر الله وجلت فحصل لها اضطراب لما تخافه من دونه، وتخشى من فوات نصيبها منه، فالرجل إذا ذُكر حاصل بسبب من الإنسان، وإلا فنفس ذكر الله يوجب الطمأنينة، لأنه هو المعبود لذاته، والخير كله منه قال تعالى: (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {15/49} وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ)" وقال: (اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقال علي ـ رضي الله عنه ـ "لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، فالخوف الذي يحصل عند ذكره هو بسبب من العبد وإلا فذكر الرب نفسه يحصل الطمأنينة والأمن، فما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، كما قال ذلك المريض الذي سئل كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم -: "ما اجتمعا في قلب عبد مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف" ولم يقل بذكر الله توجل القلوب كما قال "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" فذكره بالذات يوجب الطمأنينة، والوجل عارض بسبب ما في نفس الإنسان من التقصير في حقه والتعدي لحده، فهو كالزبد مع ما ينفع الناس، الزبد يذهب جفا، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، فالخوف مطلوب لغيره ليدعو النفس إلى فعل الواجب وترك المحرم، وأما الطمأنينة بذكره وفرح القلب به ومحبته فمطلوب لذاته، ولهذا يبقى معهم هذا في الجنة فيلهمون التسبيح كما يلهمون النفس.
    قال شيخ الإسلام في النبوات (1/84). ولذا جاء في تفسير هذه الآية أنه الرجل يريد أن يظلم ويهم بمعصية، فينزع عنها. وهذا كقوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) وقوله: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) انظر: الدار المنثور (4/12).

    حتى إذا أطاع العبد ربه رجاه أن يتقبل عمله، وخاف منه في قصور عمله وعدم الإتيان به على وجهه وعلى ما أرداه منه ربه، وقد أخرج الترمذي في سننه (5/327)، وابن ماجه في السنن (2/1404) عن عائشة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن هذه الآية (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) قالت عائشة: "هم الذين يشربون الخمر ويسرقون، قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/304) .

    والخوف من الله يورث العبد الهداية والعلم والرضا، قال تعالى: (هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) وقال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) وقال: (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ).

    ولا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوفه من ربه وإن ضعف، ويكون ضعفه بحسب ضعف إيمانه ومعرفته.والخوف من الله يكون بمعرفة أسمائه وصفاته، وبمعرفة كثرة ذنوب العبد وجنايته على نفسه.

    فأخوف الناس لربه أعرفهم بربه وبنفسه ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلــم-: "والله أني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية" أخرجه البخاري (5/2263).
    ولا شك أن معرفة أسماء الله وصفاته أساس إيمان العبد يقول: ابن القيم ـ رحمه الله ـ في الفوائد (156): "فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان، فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس، وهذا الأساس أمران: صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته. والثاني: تجريد الانقياد له ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون ما سواه. فهذا أوثق أساس أسس العبد عليه، وبحسبه يعتلي البناء ما شاء، فاحكم الأساس، واحفظ القوة، ودم على الحمية، واستفرغ إذا زاد بك الخلط، والقصد القصد وقد بلغت المراد، وإلا فما دامت القوة ضعيفة والمادة الفاسدة موجودة والاستفراغ معدوم فاقرأ السلام على الحياة فإنها قد آذنتك بسرعة التوديع.. فيا من آمن بأن ربه سميع، كيف يسمعك وأنت تغتاب وتكذب وتنم وتسمع الحرام، أما آن لسمعك ولسانك أن يتقي ربه، ويامن يؤمن بأن ربه بصير كيف يبصرك على حرام وباطل وفي أماكن يبغضها، أما آن لك أن تقلع، وأين إيمانك بأنه معك، وأنه يراك، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، لحظاتك وخطراتك مطلع عليها، شديد العقاب، يغار أن تنتهك محارمه، وتضيع أوامره، جبار متكبر حي قيوم لا تخفى عليه خافية (ما غرك بربك الكريم)

    فواعجباً كيف تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن إجابته، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تتعامل مع غيره، وأنتعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه!! وأعجب من هذا، علمك أن لا بد لك منه وأنك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب!!

    وبعد هذه الفقرة اجلس مع نفسك جلسة محاسبة (ولتنظر ما قدمت لغد) وانظر إلى كثرة ذنبك مع إحسانه إليك، خيره إليك نازل وشرك إليه صاعد، فاقلع عن ما يغضبه واقبل على ما يرضيه، واقرأ في أسمائه وصفاته، وأنصحك هنا بكتب جيدة في بابها هي: التوحيد وإثبات صفات الرب لمحمد بن خزيمة، والقواعد المثلى في أسماء الله وصفاته الحسنى، وشرح العقيدة الواسطية كلاهما للشيخ محمد بن عثيمين ـ رحمهم الله ـ أجمعين، وكتاب صفات الله عز وجل الورادة في الكتاب والسنة لعلي السقاف ـ حفظه الله - .

    (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)اعلم أن القلب والبدن محتاج إلى ينمو أن ويزيد حتى يكتمل ويصلح، فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكى بالأغذية المصلحة له، والحمية عما يضره فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه، ومنع ما يضره، فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو ولا يتم صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن،وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو يسير لا يحصل له به تمام المقصود. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا).

    ومن أهم عوامل تقوية الإيمان تدبر القرآن قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) وقد عاب الحق على هؤلاء القوم بالرغم من أنهم كانوا يقرؤونه ويسمعونه، واعلم ـ حفظك الله ـ أن هجر القرآن على أضرب:

    · هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.
    · هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.
    · هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.
    · هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
    · هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به.
    وكل هذا داخل في قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. وإذا شرع العبد في قراءة القرآن فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر وأشهر وأظهر من أن تذكر، فهو المقصود المطلوب وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب. قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ). وأخرج ابن حبان في صحيحه ـ2/286) من طريق عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير علىعائشة، فقلت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمّه كما قال الأول: زد غباً تزد حباً. فقال: فقالت دعونا من رطانتكم هذه. قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -، قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي، قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرك. قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره. قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض. فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر. قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار…). وحسنة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/203) حديث رقم: 1468. وقام ـ صلى الله عليه وسلم بآية ترددها حتى أصبح (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم). رواه النسائي في الكبرى (1/346)، وابن ماجه في السنن (1/429) وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (1/429) ودخل عبادة بن حمزة على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) فوقف عندها فجعلت تعيدها وتدعو فطال عليه ذلك، فذهب إلى السوق فقضى حاجته ثم رجع وهي تعيدها وتدعو. ورويت هذه القصة عن عائشة كما ذكر ذلك النووي في التبيان (44).

    ويقول الطبري: "إني لأعجب فيمن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذ، وهنا أوصيك أن يكون لك ورد تقرأه إن لم تحفظه من كتاب الله فهو زاد قلبك، ونور صدرك، وذهاب همك وغمك، ورفعة درجتك، واحرص أن تقرأ تفسير الآيات من كتب التفسير المعتبرة كتفسير ابن كثير، والقرطبي، وأضواء البيان للشنقيطي، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي، فإن ذلك أدعى لحضور قلبك، ومعايشة معاني آي ربك، قال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) يقول مطر: "هل من طالب علم فيعان بقراءته".


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •