مقادير وصفة السعادة


خلود إسماعيل معطي




السعادة تلك الأمنية الجميلة التي نأمل لو أننا اقتنيناها وخبأناها عن عيون البشر، هي حلمٌ وردي يراود خيالنا ويؤرق أيامنا، بل هي كلمة سحرية ..عذبة ..ذات رنين رقيق..تراها هل تأتي عند اقتنائنا لمنزل واسع وجديد؟ أم عندما نحصل على دخل أعلى؟ أم أنها لا تقاس بالماديات لأنها ترقى إلى نجاحنا في العلاقات...؟
يقول أحد الحكماء:السعادة نتاج لعمل وجهد يشترك فيه اثنان أو أكثر..وهي ليست في المال..وليست في الشهرة..وليست في النجاح..فقد يكون المرء فقيراً، ولكنه سعيد..وقد يكون مغموراً، ولكنه واثق من نفسه ومن عمله..وقد يكون فاشلاً، ولكنه قد يجد في فشله التجربة التي كان يحتاج إليها وهو يتحسس طريقه إلى النجاح، تماماً كما يسقط الطفل وهو يخطو أولى خطواته في الحياة، ولكنه يقوم من سقطته ويحاول من جديد، لأنه لابد أن يتعلم..لا بد أن يمشي..ولكن الحب وحده هو قيمة السعادة..وهو باعثها وموجدها..
ما السعادة إذن ؟
ü هي شعور نفسي يراودنا عندما نقوم بعمل نبيل .. بل هي قوة داخلية تشيع في النفس سكينة وطمأنينة ويصيب من يصفها بأنها صفاء قلبي ونقاء وجداني وجمال روحاني .
ü وبالتالي السعادة ليست سلعة معروضة في الأسواق تباع وتشرى، وبالتالي يشتريها الأغنياء ، ويُحرم منها الفقراء .. بل إنها سلعة ربانية تبذل فيها النفوس والمُهج لتحصيلها والظفر بها .
أرصدة منخفضة..سعادة مرتفعة
نشرت مجلة العلم رائدة المجلات العلمية في أمريكا في عددها الصادر يوم 30حزيران(يونيو)2006 م دراسة للدكتور "دانييل كانيمان" من جامعة برنستون، وهي تتناول العلاقة بين الثروة والسعادة.
وأوضح "كانيمان" أن الاعتقاد أو الظن بأن الدخل المرتفع الذي يحققه الفرد أو الدولة يؤثر إيجابياً على سعادة الإنسان هو اعتقاد شائع لكنه خاطيء، لأن الاستقصاءات والأبحاث التي أجريت على مدى أربعة عقود أثبتت أن مؤشر السعادة لم يتحرك إلى الأعلى على الرغم من ارتفاع دخول الأفراد وتفاقم ثروات الأمم.
ذلك أن الدخل النسبي لا الدخل الفعلي هو الذي يؤثر على إحساس الإنسان بالرضا والسعادة.فعندما يرتفع دخل الفرد يبقى نسبياً مقارنة بدخول الآخرين.كما أن الناس يعتادون بسرعة على استخدام كل الأدوات التي يتم تصميمها وتسخيرها لخدمة الإنسان، ومع إدمان استخدامها تجد كلا منا يبحث دائماً عن المزيد مما يريحه ويسعده.
لقد اتضح أنه كلما زاد الدخل، كلما عجز الإنسان عن تكريس وقته للأنشطة والغايات التي تبعث على الراحة وتؤدي إلى مزيد من السعادة. وبالتالي فإن الأنشطة التي ينهمك فيها الأغنياء تؤدي إلى مزيد من القلق والضغوط لا إلى السعادة[i].
شكراً لأنك كنت سبب سعادتي!!
فيما تنفي الدراسات ارتباط سعادتنا بما نملكه من أموال، تؤكد على فكرة مفادها أن السعادة تنبع من الحب والعطاء اللذين يمدان جسور التواصل والتعاطف بين الناس، ذلك أن المستفيد الأول من هذا التلاقح الإنساني هو أنت لأنك ستتبادل مع الآخر وجهات النظر ومن يدري قد تفتح له آفاقاً جديدة لم يكن يدري بوجودها وقد تكسب من هذا التفاهم صديقاً صدوقاً في أوقات الشدة..وهنا تحضرني قصة ذاك الرحالة الشاب الذي داهمته عاصفة ثلجية أثناء تجواله بين الجبال، حيث التحفت الأشجار بالثلوج وعم الصقيع في كل الأجواء، وأخذ الشاب يبحث عن مأوى..وتملكه الحزن واليأس من النجاة..وفجأة سقط بجواره رجل مسن، بعد أن انزلقت قدماه في الثلج، وسرعان ما خارت قواه وراح الوهن يدب في أوصاله وأشرف على الموت، وهنا بادر الشاب إلى مساعدته، فخلع قفازيه وراح يدّلك ذراعي العجوز وساقيه ليبث الدفء في أوصاله.
بعد عدة دقائق عادت الحرارة والقوة للعجوز وهب واقفاً، فاتكأ الرجلان بعضهما على بعض وراحا يشقان طريقهما وسط الثلوج حتى وصلا إلى مكان يأويهما من العاصفة، وهنا راح الشاب يشكر للعجوز صنيعه، فعبر الأخير عن دهشته قائلاً:"أنا من يجب أن يشكرك فقد أنقذت حياتي"، فردّ الشاب قائلاً:" لا يا عم يبدو أنك لم تفهم قصدي، فقبل أن ألتقي بك كنت أشعر بالوهن والبرودة، وكاد اليأس يتملكني ويقتلني لولا أن قدر الله سبحانه والتقينا، فلم تكن مساعدتي لك سوى حافز لكي أنشط جسمي وأحركه، وعندما وجدتك وقد نهضت شعرت بالسعادة ودبت الحياة في ضلوعي فأنا مدين لك بتحسن حالي وحياتي[ii]"
حقاً عندما نبث السعادة في قلوب الآخرين تعود لنا عذبة جميلة وتنبت في قلوبنا زهوراً بيضاء وطاقة إيجابية تدفعنا للعيش بسلام واطمئنان، ذلك أن ما نقدمه يعود إلينا بطاقة إيجابية تدفعنا نحن أيضاً إلى الأمام، وقد ثبت علمياً أن المشاعر الإيجابية والتعاون مع الآخرين يشدان من عزيمة صاحبهما، وينسيانه آلامه ويمدانه بالطاقة التي ترسخ في عقله الباطن ولا تتلاشى مع الزمن.
العلاقات الاجتماعية تعزز سعادتنا؟
تؤثر المشاعر الإيجابية بشكل كبير في حياتنا وقد اكتشف العلماء أن أحد أهم مصادر هذه المشاعر هو الاستمتاع بالعلاقات الودية مثل علاقة الحب، والعلاقة بين الآباء وأبنائهم، ويستمد الأصدقاء الكثير من الحبور المشترك عند اشتراكهم في الأنشطة الترويحية المشتركة، وهذا ما يفسر سعادة زملاء العمل عندما يشارك بعضهم البعض في أوقات الراحة، وبعض النظريات ترد الانفعالات الإيجابية إلى الإشارات الإيجابية المبكرة التي تبثها الأم في حياة طفلها لاشعورياً، وتؤدي إلى شعور مشترك بالاستمتاع، ومن ثم تؤثر هذه الطريقة في التفكير على حياته مستقبلاً.
ومن أهم مصادر الشعور بالرضا نوعية العلاقات، وتتمثل عناصرها في كمية المودة، والقرب، وكون الفرد محلاً للثقة، وطمأنينة الفرد على قيميته، وهذه المفردات كلها تندرج تحت بند الدعم الاجتماعي، فتتزايد أهمية هذا الدعم الاجتماعي في إطار العلاقة الزوجية، وبين الأصدقاء، والأقارب والمعارف[iii].
المقادير اليومية للوصفة السحرية:
J افعل أفضل ما تستطيع في كل مناحي الحياة، ثم دع الأمور تجري في أعنتها، فإنك مهما بذلت من جهد فإنك لابدّ ستخطيء. وقبولك لهذه الحقيقة يجعلك تركز على نقاط قوتك، وليس على نقاط ضعفك، وسترى الدنيا أكثر جمالاً، وأمتع مما كنت تظن.
J كن رفيقاً بنفسك. لا تحط من قدرك ولا تغرق في تأنيب نفسك بشكل يؤدي في النهاية إلى الهزيمة أمام الآخرين، بل بادر بوضع الحلول بدلاً من الحزن على ما فات.
J ازرع في نفسك روح الإرادة والتحدي فهي تنمو كالعضلات تماماً بالتدريب والممارسة، فممارسة الإصرار والتدريب على اجتياز العوائق تكسبك آلية ذاتية دائمة تمكّنك من رؤية السلبيات على أنها أحد عناصر ومكونات الحياة.
J اترك مجالاً تسعد فيه نفسك دون مساس بالآخرين، ولا تدع مجالاً لإسعاد من لا يستحق على حساب نفسك.
J جدّد قوتك ومقدرتك متمثلة في الأبعاد الأربعة للذات الإنسانية (الجسم، العقل، الروح، العاطفة)، نمّي جسمك بالرياضة، وعقلك بالمعرفة والثقافة، وروحك بالإيمان والقيم، وعواطفك بالتواصل مع محيطك، إذا أردت التميز في حياتك.
J تبسّم فالابتسامة تدفع المزيد من الدم إلى شعيرات مخك فتنشطه وتُريح الجسد وتحقق لك النجاح، والحكمة الإنجليزية تقول:smiling is your way to success وتعني: الابتسامة طريقك إلى النجاح وبالتالي إلى السعادة.
J فكّر بالتميز وبالأشياء السعيدة وتذكر كلمات الفيلسوف ماركوس أوريليوس الذي حكم الإمبراطورية الرومانية وهي كلمات تستطيع أن تحدد مصيرك:"حياتنا هي ما تصنعه أفكارنا" لذا دمّر الأفكار السلبية قبل أن تتحول إلى وحوش ذهنية كاسرة، واملأ عقلك بكلمات وأفكار تعطيك الدافع على النجاح مثل: أنا أستطيع أن...، أنا سوف...،أنا سأقوم به..
J قُم بالدعاء والصلاة إذا داهمك الخوف وطوقك الحزن[iv].
همسات للحيارى
لقد حار الكتّاب والمفكرون في فهم كنه السعادة ومصدرها وسبل الوصول إليها، فها هو الكاتب عباس محمود العقاد يقول فيها: "إن السعادة هي الكفاية..والاكتف اء بدء التحول والاستغناء..فكأن ما السعادة تغرينا بالتحول عنها حين نملكها..فإن لم تغرنا بذلك..فهي كالنور الذي ينبسط على الحياة..فيرينا منها أخفى العيوب..فتخلق لنا أسباباً كثيرة للنفور من الدنيا بعد أن كانت تلك الأسباب خافية علينا..إذ نحن نريد الدنيا أبدا رفيعة جميلة..كما صورتها لنا السعادة..ولو لم تصورها لنا على ذلك المثال ..لقنعنا من الدنيا بالقليل.."[v]
وأما الأديب جبران خليل جبران فقد فهم السعادة بطريقة مختلفة:"سعادتك لا تقيم بما تأتي به إليك الحياة، بل بالموقف الذهني الذي تأتي به أنت للحياة..."
وأخيراً لكل الباحثين عن السعادة ننصحهم بكلمات ذهبية من الأستاذ يوسف القرضاوي:
قـل للذي نشد السـعا دة:دونـك النبع الفريد
إنّ السعادة منك، لا تأتيك مـن خــلف الحدود
هيّ بنت قلبك بنت عقلك ليست تشــرى بالنقود
فاســعد بذاتك أو فدع أمر السعادة للســعيد







[i] مجلة المختار الإداري العدد(55)السنة الخامسة يونيو 2006م

[ii] مجلة المختار الإداري العدد(56)السنة الخامسة أغسطس 2006(بتصرف)

[iii] أراجايل ،مايكل (سيكولوجية السعادة) ترجمة:د.فيصل عبد القادر يونس، سلسلة عالم المعرفة (175)

[iv] ديماس، محمد "كيف توقظ طاقاتك" دار ابن حزم، الطبعة الأولى (مقتطفات من الكتاب بتصرف)

[v] عبد الفتاح، سيد صديق "طريقك إلى السعادة في الحياة" الدار المصرية اللبنانية (102)