علامات الترقيم وخدمتها للنصّ العربي


فراس عبد الرزاق السوداني

يُخطئ مَن ظنَّ علاماتِ الترقيم وافدةً على العربية شكلاً ومضموناً، فقد أسَّسَ القُرّاءُ علم «الوقف والابتداء»، وهو علم بقواعد يُعرف بها «محالّ الوقف ومحالّ الابتداء» في القرآن العظيم: ما يصحّ منها وما لا يصح. وفائدته: صَوْن النصّ القرآني من أن تُنسب فيه كلمة إلى غير جُملتها.

وتعرَّف علامات الترقيم بأنّها رموزٌ اصطلاحيّة توضع بين أجزاء الكلام؛ لتمييز بعضه من بعض، ولتنويع الصوت به عند قراءته، ليُعرف بها «مواضع الوقف من مواضع الوصل»، ولتحديد نبرة لهجته عند قراءته جهرًا.
فتنبّه إلى تداخل التعريفين وقُرب المأخذين في المَضمون!


أما في الشكل، فلا ريب أنّ هذه الرموز التي نستعملها اليومَ، كالنقطة (.) والفاصلة (،) والفاصلة المنقوطة (؛) والنقطتان ( وشرطتي الاستدراك (- -) وعلامة الاستفهام (؟) وعلامة الانفعال (!)، كلّ أولئك استورده علماء العربية في العصر الحديث من الغَرب، لكن بعد تعريفها وضبط وظائفها والتمثيل لها، حتى أصبحت مَبحثاً من مباحث الرسم والإملاء العربيّ.

ويعلم المشتغلون بتحقيق النُّصوص والدراسات القرآنية أنَّ علماءنا الأقدمين استعملوا رموزاً أُخرى تؤدي وظائف أغلب علامات التنقيط المعروفة اليوم. وربما تيسّر لنا الموازنة بين تلك العلامات القديمة المهجورة -إلا عند المُشتغلين بالتحقيق- والعلامات المستعملة اليوم في مقال آخر.

وقد مثّلوا لأهمية علامات الترقيم بأمثلة، منها هذا المثال المشهور:
* ولكنَّ عليّاً قال: أخي لا يكذب!
* ولكنَّ عليّاً -قال أخي- لا يكذب!


فالقائل في الجملة الأولى هو «عليّ»، يَنفي الكذبَ عن أخيه، بينما القائل في الثانية هو «أخو» المتكلّم لا عليّ، ينفي عن عليٍّ الكذب، فالمعنى مختلف بين الجملتين، فتأمّله!

فإذا كان النصّ مُقدّساً كالقرآن العظيم والحديث الشريف، أو يُفترض فيه الإحْكام كالنصوص الأدبيّة والقانونيّة والعلميّة؛ زادت أهمية تلك العلامات وتأكّدت ضرورة استعمالها.


وهذه العلامات تُعين القارئ على فهم النصّ كما أراده كاتبه، وهو ما يُسمّى بـ«التواصل الفكري» بين القارئ والكاتب. كما أنها تُيسّر القراءة المتّصلة من دون تعثّر للمتعلمين الجُدد. هذا فضلاً عن وظيفتها الجمالية في تزيين النصّ وتحليته، كما يعرف أهل الذوق في الكتابة. وربما أدّت وظيفة أخرى، هي اختصار النصّ وترشيقه.

وقد رفضَ بعضُ الفقهاء تطبيق هذه العلامات على النصّ القُرآني بدعوى الإضافة على النصّ المُقدّس ما ليس منه، كما فعل بعضُهم باعتراضه على صَنيع الأستاذ سيّد قطب في ضبطه للنصّ القرآني الوارد في «ظلال القرآن»، وفاتتهم الفوائد الجليلة المتحصّلة من صنيعه ذاك.

والخطب في ذلك يسير، فقد قدّم الأستاذ قراءته التفسيريّة للنصّ لا أكثر، من دون أن يُلزم أحداً بشيء، وهي قراءة عاليةٌ غالية لأديب كان مُرشَّحاً لتأسيس مدرسة أدبيّة مُستقلّة؛ لو تفرّغ لذلك. بل إنّ وظيفتها الأصليّة -فيما أفهم- كانت التوطئة لتأملاته في الآيات وسياحته الفكريّة في أبعادها.

والحقُّ أنّ الإضافة حاصلةٌ قبلَه، بما قدّمه الأولون من خدمات جليلة متتابعة للنصّ المقدّس، كإعجام الحروف وعلامات الوقف والابتداء والشكل وغير ذلك.

بقي أن أُشير إلى تميّز منهجَين في استعمال هذه العلامات، الأوّل: مُقتصد خشية إثقال النصّ وتعقيده، والثاني: مُكثر متوسّع بقصد البيان والتوضيح. وعلى الأوّل أكثرُ المُحقّقين والكُتّاب، وأشهر مَصاديق المنهج الثاني الشيخ محمود محمّد شاكر الذي اعتمد منهجاً متفرّداً في تنقيط النصوص وترقيمها.

والاجتهاد في وضع هذه العلامات وارد، والاختلاف فيها بين الكُتّاب كثير، خاصّة في بعض العلامات النادرة الاستعمال. لذا، فالتعصّب فيها مذموم؛ لأنّها اصطلاحيّة اجتهاديّة.

ومن أهمّ الكتب التي تكلّمت عن علامات الترقيم في اللغة العربية:

«الترقيم وعلاماته في اللغة العربيّة»، للعلامة أحمد زكي باشا، الذي طُبع بعناية الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة. وهو أصل في هذا الباب، ويقع في خمس وخمسين صفحة.
قواعد الإملاء وعلامات الترقيم»، للعلامة عبد السلام محمّد هارون، وخصّص للترقيم خاتمة الكتاب. وهو مهمّ في بابه لما لمؤلّفه من قدم راسخة في صناعة الإنشاء والتحقيق، ويقع في ثلاث وسبعين صفحة.
«علامات الترقيم في اللغة العربيّة»، للدكتور فخر الدين قبّاوة، في أربع وسبعين صفحة.
«قواعد الإملاء العربي بين النظرية والتطبيق»، للدكتور أحمد طاهر حسنين والدكتور حسن شحاتة، ويقع في مائة وسبع وخمسين صفحة، وتناولا علامات الترقيم في الفصل السابع منه.
«قواعد الإملاء»، للدكتور يحيى مير علم ومشاركِهِ الأستاذ رشيد ناجي الحسن، وهي كراسة ملوّنة في الإملاء تقع في ستّ وثلاثين صفحة، وتناولا علامات الترقيم في الباب السادس منها.

وجميع ما ذكرتُ هنا من الكتب متوفّر على النتّ لمَن شاء، وغيرها كثير.

والذي أريده من وراء هذا المقال دعوة أبناء الضاد إلى تعلّم هذه العلامات وتعهّدها بالدرس والتطبيق؛ لتزيّن نصوصهم وتنطق عنها ببيان قويم ومنطق سليم، وتعينهم على قراءة نصوص الآخرين ممن التزم استعمالها في نصوصه، والله ولي التوفيق!