تحت الشَّمس الحارقة


نُـور الجندلي



ذهب بائع جوال لأدوات الرّسم والكتابة؛ إلى مدرسة قرويّة ليروج بضاعته، وحين وصل إلى هناك؛ وجد الأطفال يقرؤون كتبهم في الظلّ، إلا صبياً واحداً جلس يذاكر دروسه تحت الشَّمس الحارقة!
لفت منظر الطفلِ البائعَ، فسأله: لماذا تقرأ كتبك تحت الشّمس الحارقة، بينما يقرأ زملاؤك التلاميذُ كتبهم في قلبِ الظلِّ البارد؟!
مسح الصبيُّ عرقه وأجاب البائع بأدب: إن عائلتي فقيرة، وأبي يعمل أجيراً، لأنه لا يمتلك قطعة أرض أو متجراً، وهو يعملُ بجد حتى يدفع رسوم المدرسة.
إنَّ أبي يدفعُ ثمن الفرشاة، وثمن الأحبار، وثمن الأوراق التي أستخدمها في دراستي، بفضل العرق الذي يسيلُ على جبينه من العمل تحت الشمس الحارقة، لهذا أقرأ كتابي تحت الشمس!
انتهتِ القصّةُ، وشعرتُ بلهيبِ الحزن يحرقني، وفكرتُ في مسألة التقديرِ والإحساسِ بالآخر، والتي بدأت تتلاشى من شعور الناس مع اجتياح موجة المظاهر الكاذبة، وكثيراً ما أصادفُ أناساً يطرقون خجلاً عند ذكرِ مهنة والدهم أو والدتهم، وذلك لشعورهم أنها مهنة ناقصة، أو معيبة، فيما أنها في الحقيقة لا تعدو أن تكون عملاً شريفاً، فمن أين تولد الكرامة والاعتزاز بالنفس؟! وكيف تنشأ؟! هل يكون السببُ هو الشخصُ نفسه الذي يرغب بأن يظهر بصورة من الكمال أمام أقرانه، وعمل والده يشوه ذلك المنظر؟!
لماذا نصطدم دائماً هذه الأيام بجيل متمرد، لا يقدر للجهود قيمة، ولا يولي أعمال الآخرين، وخاصّة الوالدين أدنى تقدير، فكأنه يعتبرُ وجوده معهما منّة كبيرة، وقبوله بوضعه الاجتماعي السيئ فضلٌ عظيم!
ولماذا نلمح الخجل في عيون أطفال هذه الفئة الكادحة من الناس، فيما يفترضُ أن تكون النظرة نظرة فخر واعتزاز!
أترانا نكون السبب بطريقةٍ أو بأخرى؟! أو لعلنا مارسنا الظلم من حيثُ لا ندري لأشخاصٍ كثر، ثم بتنا نتساءلُ عن الصدوع المرعبة التي بدأت تبرزُ على سطح مجتمعنا؟!
فكرتُ بألوان الظلم التي يمكن أن نمارسها، فوجدتها كثيرة متشعبة، وتساءلتُ في نفسي حول واقعٍ مرير...
أليس من الظلم الاجتماعي أن نجلد العامل أو الحرفي لأنه يمتهن عملاً شريفاً، ويبحثُ عن لقمة حلالٍ لعياله؛ في حين أننا قد نحترم من زوّر شهادته أو حصل عليها بطريقة الرّشوة، لأنه حصل على وظيفة مرموقة، بالغشِّ والخديعة!
أليس ظلماً أن يتحرج الأبُ والأم أمام أولادهما من المهن الشريفة التي يزاولانها، ليعززا شعور النقص لدى الطفل، ويكبر محرجاً مضطرب النفس، ناقماً على المجتمع؟!
أوليس جرماً اجتماعياً أن نحوّل الناس إلى فئات، حسب تصنيف الشهادات العلمية، والدخل الشهري، ومكان السكن، ووسيلة النقل، ونوع المهنة؛ في حين أن الواجب على المجتمع بدءاً بالوالدين والمدرسة، وانتهاء بكل أفراده؛ مسألة تقدير التضحية، وحثّهم على أهمية المهنة التي يقدمونها للمجتمع، انطلاقاً من عامل النظافة، إلى سائق الأجرة، انتهاء بالخياطة والحياكة وغيرها من مهن تستلبُ من المرء عمره وصحّته!
إنه من الضروري أن يكافيء المجتمع هذه الفئات، ولو بكلمة تشجيعية، أو شهادات تقديرية، أو حتى بابتسامة فخر، تشعرهم بالاحترام الكبير لجهودهم، وبأن الأفراد أسرة متلاحمة، لا تفريق، ولا تكبّر، ولا انزواء أو فوضويّة بالأحكام، بل تكاتف وتواضع وحسن انتماء.
وليتنا نتذكر أمراً مهماً؛ فقد كانت الحرف أعمال الأنبياء عليهم السلام، ونبي الأمة صلى الله عليه وسلم كان راعياً للأغنام.
فلنتعلم من صبيٍّ غمر قلبه الصغير حبّه لوالده، ولنحاول ولو مرّة، ممارسة إحدى المهن، لنقدّر الأيدي الطيبة التي تعمل، ولنشعر بمنّة الله تعالى، وفضله العظيم علينا.