تأملات في النصرانية... بولس الرسول
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: تأملات في النصرانية... بولس الرسول

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,095

    افتراضي تأملات في النصرانية... بولس الرسول

    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (1)




    الكاتب : نبيل محمد سعيد عبدالعزيز




    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (1)






    كشفت دراسة أجرتها مؤسسة بيو الأمريكية لأبحاث الأديان والحياة العامة، صدرت عام 2012م تحت عنوان "المشهد الديني العالمي: تقرير عن حجم وتوزيع المجموعات الدينية في العالم اعتباراً من سنة 2010م" أن النصارى يشكلون أكبر مجموعة دينية في العالم بـ 2.2 مليار نسمة أي 32% من سكان العالم، يليهم المسلمون بنسبة 23%(1).

    ونحاول في هذه السلسلة - بإذن الله تعالى - الوقوفَ على نشأة وتطور الديانة النصرانية. وفي هذا المقال نستعرض حياة أحد أهم الأشخاص المؤثرين في تاريخ النصرانية، الذي تجاوز تأثيره في وضع أسس وأركان الديانة تأثير أي شخص آخر. ويكفي هنا أن نُشير إلى ما ذكره القمص متى المسكين في كتابه (القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله) بقوله إن: "القديس بولس هو ألمع شخصية بعد المسيح في الأناجيل، وفي بقية الأسفار في العهد الجديد"(2). بينما ذهب كثيرٌ من العلماء والباحثين إلى أن بولس هو المؤسس الفعلي للنصرانية الحالية.

    جديرٌ بالذكر أنه من بين سبعة وعشرين سفراً يضمها العهد الجديد وضع بولس الرسول منها أربعة عشر سفراً (ثلاثة عشر تحمل اسمه، والأخيرة وإن لم تحمل اسمه فهي تُنسب له كنسياً)، وهذه الأسفار هي:

    1- رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية.

    2- رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورثنوس.

    3- رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس.

    4- رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية.

    5- رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس.

    6- رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي.

    7- رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي.

    8- رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي.

    9- رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل تسالونيكي.

    10- رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس.

    11- رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس.

    12- رسالة بولس الرسول إلى تيطس.

    13- رسالة بولس الرسول إلى فليمون.

    14- الرسالة إلى العبرانيين.

    وقد احتلت هذه الرسائل مكانة كبيرة، حيث كُتبت وقرئت في الكنيسة، وتسجلت في فكر النصارى، قبل كتابة الأناجيل الثلاثة الأولى بعشرات السنين(3).

    وبالإضافة إلى رسائل بولس الرسول، نجد سفر أعمال الرسل (المنسوب إلى لوقا الإنجيلي كملحق لإنجيله) يفرد مساحة كبيرة ليسهب في تسجيل حوادث وأحوال وتحركات وسكنات بولس على وجه الخصوص دون غيره. وهو الأمر الذي كان من المفترض أن يمدنا بصورة واضحة عن شخصية بولس بَيْد أنها في الواقع تزيد من الحيرة والاضطراب في فهم طبيعة هذه الشخصية وحقيقة دوافعها وسر المكانة التي حظيت بها. جديرٌ بالذكر أن الإشارة الأولى لبولس (وكان يسمى شاول قبل اعتناقه النصرانية) في هذا السفر وردت في خضم الحديث عن رجم رئيس الشمامسة إستفانوس (الذي يعده النصارى أول شهداء النصرانية)، إذ حضر بولس حادثة الرجم وكان راضياً عن قتله، إذ اختُتم الإصحاح السابع بالنص التالي: "58 وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ. 59 فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي». 60 ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ" (أع 7: 58 _ 60). وافتتح الإصحاح الثامن بفقرة: "1 وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ " (أع 8: 1 ).

    وعقب اعتناق بولس النصرانية، على النحو الذي سنبينه في المقالات التالية بإذن الله، أمضى بولس ثلاثين عاماً في الترحال داعياً لأفكاره التي شكلت النصرانية الحالية. واللافت هنا أن بولس الرسول اقتصر في تبشيره على غير اليهود مخالفاً في ذلك وصية المسيح – عليه السلام -: "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (متى15: 24)، ومخالفاً أيضاً لسيرة بقية التلاميذ الذين يطلق عليهم الرسل.

    كما أنه من اللافت أيضاً المكانة التي كان يرى بولس نفسه فيها، ومن ذلك قناعته بأنه مختار ومُفْرَزٌ من البطن للشهادة للمسيح، يقول في رسالته الأولى إلى أهل غلاطية: "وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ" (غل1 : 15)، ويؤكد على أن الرب قد دعاه من السماء بالاسم لحمل اسمه والتبشير به فيقول: " بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (غل1: 1)، وأن النعمة الإلهية صاغته ليكون ما كان فيقول: "لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ. وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي. (1كو15: 9_10)، ولذلك كان يشعر أنه رسول لا يقل عن فائقي الرسل فيقول: "لأَنِّي أَحْسِبُ أَنِّي لَمْ أَنْقُصْ شَيْئًا عَنْ فَائِقِي الرُّسُلِ." (2كو 11: 5 )، بالرغم من أنه لم يعاصر المسيح في حياته!













    ______________________________ ____

    (1) انظر: موقع مؤسسة بيو لأبحاث الأديان والحياة العامة على شبكة المعلومات الدولية.

    http://www.pewforum.org

    (2) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار - وادي النطرون، 1992م، ص 17.

    (3) المرجع نفسه، ص18.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,095

    افتراضي رد: تأملات في النصرانية... بولس الرسول

    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (2)




    الكاتب : نبيل محمد سعيد عبدالعزيز




    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (2)





    تفيد المعلومات التي بين أيدينا الآن استناداً إلى سِفر أعمال الرسل ورسائل بولس الرسول إلى أن مدينة طرسوس عاصمة إقليم كيليكا جنوب آسيا الصغرى (تقع حالياً ضمن حدود الجمهورية التركية) هي مسقط رأس بولس، وفي ذلك يقول لوقا في سفر أعمال الرسل نقلاً عن بولس: "أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّة" (أعمال الرسل 22: 3). وكان مولده في فترة محتملة بين سنتي 2 - 10م. ويمتد الغموض والخلاف ليشمل تعيين اسمه وطبيعة شخصيته وحقيقة دوافعه. فقد حمل الشخص نفسه اسمين مختلفين، الأول: "شاول" وورد هذا الاسم (في سفر أعمال الرسل) للإشارة إلى فترة يهوديته قبل اعتناقه النصرانية، والثاني "بولس" وهو الأكثر شهرة وقداسة، وأُطلق عليه الاسم بعد اعتناقه النصرانية.


    واختلف آباء الكنيسة وشراح الكتاب المقدس في ازدواج الاسم "بولس" و "شاول" فيرى أوريجانوس أن الاسمين أعطيا لبولس منذ الولادة، واحد ليكون بين اليهود (يقصد شاول) والآخر بين الأمم (يقصد بولس)، بينما يذهب أغسطين إلى أن "شاول" أخذ اسم "بولس" في بداية عمله كمبشَّر، ويرى يوحنا ذهبي الفم أن "بولس" استلم اسمه الجديد "بولس"، وذلك عند تكريسه وقت العماد في أنطاكية، وذهب جيروم إلى أنه تسمى بهذا الاسم بعد تعميده سرجيوس بولس الوالي الروماني على جزيرة قبرص(1).
    -----------------------
    (1) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار - وادي النطرون، 1992م، ص37.
    بيد أنه لا يوجد ما يحول بيننا وبين النظر إلى هذه الإشكالية في إطار تجديد الهوية الذي يقوم به البعض عند شروعه في بدء حياة جديدة بقواعد جديدة، فتُغَير الأسماء والألقاب لتتكيف مع الأوضاع الجديدة؛ فشاول الذي كان يضطهد الكنيسة ربما أراد أن يتخلص من ظلال وتبعات حياته السابقة تفادياً لمغرمٍ ما أو سعياً لمغنمٍ ما. إذ إنه من الوارد أن سمعة شاول كمضطهِد وقاتل للنصارى الأوائل لن تقفَ حجر عثرة أمام قبوله في أوساط النصارى الأوائل كمهتدي ومعتنق للديانة، ولكنها من المؤكد كانت ستقف أمام قبوله كمُبشرٍ بالديانة ومُشَرعٍ لها، فضلاً عن استحالة حمله للقب الرسول، ذلك اللقب الذي أضيف إلى اسمه الجديد "بولس".
    جديرٌ بالذكر أنه بحسب إنجيل مرقص فإن المسيح أقام اثني عشر شخصاً من تلاميذه ليكونوا معه (مرقس 3:14-19)، وهم: سمعان الذي يقال له بطرس وأندراوس أخوه، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، وفيلبس وبرثولماوس، وتوما ومتى العشار، ويعقوب بن حلفي ولبَّاوُس الملقب تُداوُس، وسمعان القانوني، ويهوذا الإسخريوطي. وكانت قد وردت شروط (الرسول) في عدة مواضع في سفر أعمال الرسل (1: 21-22)، وفي كورنثوس الأولى (9:1، 15: 83) ومنها نستطيع أن نخلص إلى أن الرسول هو من كان مع المسيح منذ معمودية يوحنا وحتى صعود المسيح، ويكون (بحسب الاعتقاد النصراني) قد اختبر ظهور المسيح بعد قيامته من الأموات، وهذه الشروط لا تنطبق على بولس. على الرغم من تأكيد الأخير على أنه رسول؛ إذ يقول في رسالته إلى أهل غلاطية: "بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوع الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (غلاطية 1: 1).
    واستكمالاً لتلمس مواضع سيرة بولس الرسول الذاتية بين دفتي الكتاب المقدس نجد إشارة إلى أصوله الدينية، فيقول في رسالته إلى أهل فيلبي: مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّ ينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ" (فـي 3: 5)، ونقف هنا قليلاً مع أحد أهم آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المعاصرين، وهو الراهب القمص متى المسكين (1919 - 2006م) حيث يعلق على هذه الفقرة بقوله: "حينما يشدد بولس الرسول على أنه من سبط بنيامين، يكون ذلك ذا اعتبار خاص عنده ومن ثَمَّ عندنا:
    1- فمن سبط بنيامين قام أول ملك على إسرائيل وهو المدعو "شاول" وعلى اسمه سُمي بولس.
    2- لقد ظاهر سبط بنيامين رحبعام ملك اليهودية وانضم إلى سبط يهوذا ليكوِّن جيشاً من 180 ألف محارب مخترط السيف ليردُّوا المملكة إلى رحبعام ابن سليمان، فاحتُسِبَ هذا الأمر شرفاً لسبط بنيامين (1مل 12: 21).
    3- عندما دخل بنو إسرائيل في حرب مع الكنعانيين وكان سيسرا هو رئيس جيشهم، برز سبط بنيامين لمعونة سبط نفتالي بقيادة دبُّورة قاضية إسرائيل ومعها باراق. وانتصر بنو إسرائيل وغنت دبورة أغنية نصرتها (قض5: 14).
    4- بعد رجوع بني إسرائيل من السبي، استطاع سبط بنيامين أن يسترد معظم أرض ميراثه، واقتسم أورشليم مع سبط يهوذا، وكانت أسوار هيكل أورشليم هي الحدود الفاصلة بين السبطين (إرميا11: 7- 9 ، 30-36).
    5- بنيامين رأس السبط، كان هو الوحيد من أولاد يعقوب الاثني عشر الذي ولد في أرض الميعاد بالقرب من أفراتة بيت لحم (تك35: 16-18).
    ويرى متى المسكين في انتماء بولس لسبط بنيامين، الذي هو الابن الأصغر بين الاثني عشر سبطاً، مناسبة ليست عادية في قول بولس: "لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ" (1كو15: 9). كذلك يرى في تسمية راحيل لأنها وهي متعسرة في ولادة بنيامين، وقد جاءتها مخاضة الموت، فسمته "بن أوني" أي "ابن عنائي"، ثم حوله أبوه إلى ابن يميني = بنيامين" (تك35:18). فهذه مناسبة أيضاً ليست عادية في بولس، الذي انتقل من "ابن عناء" ومقاومة للمسيح «شَاوُلُ! شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟» (أع9:4)، إلى "إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ" (أع9:15).
    كما يرى القمص متى المسكين في قصة بني يعقوب عند عودتهم من مصر بعد ضيافة أخيهم يوسف لهم ووضع كأس يوسف الفضي الحامل لاسم فرعون في زكيبة القمح الخاصة ببنيامين مع ثمن القمح مردوداً، مناسبة ليست عادية أيضاً في بولس الذي اختاره الرب إناءً خاصاً يحمل اسمه على ملوك وأمم!
    ويضيف متى المسكين بقوله: أما بركة موسى الأخيرة التي بارك بها الأسباط، فتحمل لبنيامين هذا الدعاء المبارك: "وَلِبَنْيَامِي َ قَالَ: «حَبِيبُ الرَّبِّ يَسْكُنُ لَدَيْهِ آمِنًا. يَسْتُرُهُ طُولَ النَّهَارِ، وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ يَسْكُنُ» (تث33:12). وفي هذا نرى مناسبة ليست عادية في قول بولس الرسول عن المسيح: "الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غل2 : 20)(2).
    وهذا التأويل العجيب والجهد الجهيد الذي بذله الأب الورع متى المسكين في تواضع وسخاء لاقتطاع عدد كبير من آيات العهد القديم وإخراجها من سياقها ليقدمها لنا كنبوءات تحمل بين طياتها بُشرى قدوم بولس الرسول، تبين مدى توغل شخصية بولس الرسول في قلب الفكر النصراني، ومدى تأثيره في صناعة وصياغة النصرانية الحالية.
    ---------------------------
    (2) المرجع نفسه، ص38 - 41.
    ولعله من اللافت أن هذه النبوءات لم يدرك بولس الرسول دلالاتها التي وصل إليها القمص متى المسكين، لأنه بلا أدنى شك لو كان أدركها لكان أشار إليها في رسائله أو تابعه الوفي لوقا في سفر أعمال الرسل، ولكان دلل بها بولس على شرعيته واستخدمها في دعوته، وهو الذي لم يدخر وسيلة إلا استخدمها، حتى وإن كانت وسيلته هي الكذب، يقول بولس في رسالته إلى أهل رومية: "فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟" (رومية 3: 7). وقوله: "19 فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. 20 فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. 21 وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ * مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ للهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ * لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. 22 صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. 23 وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ" (1كو 9: 20-23).






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,095

    افتراضي رد: تأملات في النصرانية... بولس الرسول

    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (3)




    الكاتب : نبيل محمد سعيد عبدالعزيز




    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (3)


    "أيها الإخوة والأخوات الأعزاء.. يضعنا عيد اهتداء القديس بولس من جديد بحضرة هذا الرسول العظيم، الذي اختاره الله لكي يكون “شَاهِدًا لِجَمِيعِ النَّاسِ” (أع 22، 15). لقد شكل لحظة اللقاء بالمسيح القائم على طريق دمشق، بالنسبة لشاول الطرسوسي، نقطة التحول الحاسمة في حياته. فقد تم حينها التحول الجذري في حياته، وكان اهتداءًا حقًا وفعليًا. بتدخل إلهي، وجد مضطهد الكنيسة الشرس نفسه في برهة أعمى يتلمس خطواته في الظلام، ولكن في الوقت عينه أضاء نورٌ في قلبه سيحمله بعد قليل لكي يكون رسول الإنجيل المتقد".


    كانت تلك الكلمات افتتاحية العظة التي تلاها البابا بندكت السادس عشر (بابا الفاتيكان السابق) مساء الجمعة الموافق 25 يناير 2008م بمناسبة عيد اهتداء بولس الرسول (أي اعتناقه النصرانية) وختام أسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس، بحضور ممثلين عن مختلف الكنائس والجماعات النصرانية المتواجدة في مدينة روما، وفي العظة نفسها أعلن بندكت السادس عشر عن تكريس (تخصيص) عام كامل (بدءاً من 28 يونيو 2008م(*)) وللمرة الأولى بالتاريخ للاحتفال والاحتفاء بمرور ألفي عام على مولد بولس الرسول، وكانت أبرز مظاهر هذا العام التوسع في عمليات التبشير، بالإضافة إلى السعي لاتخاذ المزيد من الخطوات في اتجاه توحيد الكنائس العالمية تحت مظلة واحدة.
    جديرٌ بالذكر فإن رواية حادثة اهتداء بولس ودخوله النصرانية تكاد تحظى _في الفكر النصراني_ بنفس الاهتمام الذي تحظى به رواية صلب المسيح وقيامته من الأموات، كما كان لها نفس التأثير في تطور عقائد النصرانية.
    وكان رجم إستفانوس قد أشعل فتيل صدام دامي " وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ ( أي يوم مقتل إستفانوس) اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَ. " (أع 8: 1) . وكان بولس وقتها يقوم بدور رئيسي في الأحداث "وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَسْطُو عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ يَدْخُلُ الْبُيُوتَ وَيَجُرُّ رِجَالاً وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى السِّجْنِ." (أع 9: 3). ويروي بولس عن هذه الفترة ومدى مساحة وعمق اضطهاده للنصارى الأوائل بقوله:
    -"فَقُلْتُ: يَا رَبُّ، هُمْ يَعْلَمُونَ أَنِّي كُنْتُ أَحْبِسُ وَأَضْرِبُ فِي كُلِّ مَجْمَعٍ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِكَ. وَحِينَ سُفِكَ دَمُ اسْتِفَانُوسَ شَهِيدِكَ كُنْتُ أَنَا وَاقِفًا وَرَاضِيًا بِقَتْلِهِ، وَحَافِظًا ثِيَابَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ.. (أع 22: 19 _20)
    - "وَاضْطَهَدْت هذَا الطَّرِيقَ حَتَّى الْمَوْتِ، مُقَيِّدًا وَمُسَلِّمًا إِلَى السُّجُونِ رِجَالاً وَنِسَاءً،" (أع 22: 4)
    -"فَأَنَا ارْتَأَيْتُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ أُمُورًا كَثِيرَةً مُضَادَّةً لاسْمِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ. وَفَعَلْتُ ذلِكَ أَيْضًا فِي أُورُشَلِيمَ، فَحَبَسْتُ فِي سُجُونٍ كَثِيرِينَ مِنَ الْقِدِّيسِينَ، آخِذًا السُّلْطَانَ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ. وَلَمَّا كَانُوا يُقْتَلُونَ أَلْقَيْتُ قُرْعَةً بِذلِكَ. وَفِي كُلِّ الْمَجَامِعِ كُنْتُ أُعَاقِبُهُمْ مِرَارًا كَثِيرَةً، وَأَضْطَرُّهُمْ إِلَى التَّجْدِيفِ. وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ كُنْتُ أَطْرُدُهُمْ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي فِي الْخَارِجِ" ( أع 26: 9_11)
    -"أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. " (1 تي 1: 13)
    -"فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا." ( غل1 :13)
    ويصف القمص متى المسكين أعمال بولس هذه بــ"الجنونية"، ويصف صاحبها بقوله: "إن أعظم وصف لبولس القتَّال هو أنه كان قد طمع فيه الشيطان واستغلَّه وسلَّمه عقله وسلطانه!".(1)، وتثير تلك الأعمال العديد من التساؤلات، وعلى رأسها منذ متى بدأ بولس في الإقدام على تلك الأفعال الإجرامية تجاه النصارى الأوائل؟! وهل بعض أفعاله الجنونية طالت المسيح نفسه ؟! .وهل كان له دور ما في الوشاية بالمسيح وما تبعها من أحداث دامية؟!.
    غير أنه وباتساع رقعة الاضطرابات الدامية، فر غالبية النصارى الأوائل إلى خارج أورشليم (القدس) وانتشروا في البلاد المحيطة وصولاً لأنطاكية وفينيقية وقبرص، "أَمَّا الَّذِينَ تَشَتَّتُوا مِنْ جَرَّاءِ الضِّيقِ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ اسْتِفَانُوسَ فَاجْتَازُوا إِلَى فِينِيقِيَةَ وَقُبْرُسَ وَأَنْطَاكِيَةَ ، وَهُمْ لاَ يُكَلِّمُونَ أَحَدًا بِالْكَلِمَةِ إِلاَّ الْيَهُودَ فَقَطْ." (أع 11: 19)، فما كان من بولس إلا أن عقد العزم على اللحاق بهم وتعقبهم، "أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ 2 وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ." (أع 9 : 1_2) . وهنا يبرز سؤال آخر عن طبيعة وظيفة بولس في تلك الفترة وماهية دوافعه الحقيقية؟!.
    وهكذا بدأت رحلة بولس إلى دمشق لتعقب أثر النصارى الأوائل الفارين بيد أن الرحلة حدث (أو أُحدث) فيها ما اهتزت له حياة بولس وبدل مجراها، ونقلها من نقيض إلى نقيض، فبحسب وصف بولس نفسه الذي ينقله لوقا في سفر أعمال الرسل:" فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. 7 فَسَقَطْتُ عَلَى الأَرْضِ، وَسَمِعْتُ صَوْتًا قَائِلاً لِي: شَاوُلُ، شَاوُلُ،! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ 8 فَأَجَبْتُ: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ لِي: أَنَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. 9 وَالَّذِينَ كَانُوا مَعِي نَظَرُوا النُّورَ وَارْتَعَبُوا، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ الَّذِي كَلَّمَنِي. 10 فَقُلْتُ: مَاذَا أَفْعَلُ يَا رَبُّ؟ فَقَالَ لِي الرَّبُّ: قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى دِمَشْقَ، وَهُنَاكَ يُقَالُ لَكَ عَنْ جَمِيعِ مَا تَرَتَّبَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ. 11 وَإِذْ كُنْتُ لاَ أُبْصِرُ مِنْ أَجْلِ بَهَاءِ ذلِكَ النُّورِ، اقْتَادَنِي بِيَدِي الَّذِينَ كَانُوا مَعِي، فَجِئْتُ إِلَى دِمَشْقَ." (أع22: 6_11 ).
    . وفي موضع أخر في نفس السفر ينقل لوقا على لسان بولس قوله: " وَلَمَّا كُنْتُ ذَاهِبًا فِي ذلِكَ إِلَى دِمَشْقَ، بِسُلْطَانٍ وَوَصِيَّةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ، 13 رَأَيْتُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ فِي الطَّرِيقِ، أَيُّهَا الْمَلِكُ، نُورًا مِنَ السَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ الشَّمْسِ، قَدْ أَبْرَقَ حَوْلِي وَحَوْلَ الذَّاهِبِينَ مَعِي. 14 فَلَمَّا سَقَطْنَا جَمِيعُنَا عَلَى الأَرْضِ، سَمِعْتُ صَوْتًا يُكَلِّمُنِي وَيَقُولُ بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّ ةِ: شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ . 15 فَقُلْتُ أَنَا: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ: أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. 16 وَلكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ لأَنِّي لِهذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، 17 مُنْقِذًا إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، 18 لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ ." (أع 26: 12_ 18)
    ويقص لوقا هذه القصة في موضع ثالث، فيقول: " أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ 2 وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 3 وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، 4 فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتًا قَائِلاً لَهُ: «شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟» 5 فَقَالَ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟» فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ». 6 فَقَاَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: «يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟» فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «قُمْ وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ». 7 وَأَمَّا الرِّجَالُ الْمُسَافِرُونَ مَعَهُ فَوَقَفُوا صَامِتِينَ، يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلاَ يَنْظُرُونَ أَحَدًا. 8 فَنَهَضَ شَاوُلُ عَنِ الأَرْضِ، وَكَانَ وَهُوَ مَفْتُوحُ الْعَيْنَيْنِ لاَ يُبْصِرُ أَحَدًا. فَاقْتَادُوهُ بِيَدِهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى دِمَشْقَ. 9 وَكَانَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ يُبْصِرُ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ.". (أع 9: 3_9)
    ومن ابتلع هذه الرواية وصدق بها وآمن، لن يرى في حبكتها تهافت، أو في تفاصيلها تباين وتفاوت، وعلى الأرجح لن يلتفت للاختلاف الوارد في النصوص الثلاثة السابقة لردود أفعال المرافقين لبولس، بالرغم من كونه سبباً كافياً لرد الرواية وتكذيبها والطعن في صدق حدوثها. بيد أننا إذا تجاوزنا هذه الإشكالية نجد أن هذه الرواية في الواقع تحمل بين جنباتها مجموعة من التساؤلات التي لا يمكن غض الطرف عنه، فعلى سبيل المثال لماذا لم يُذكر اسم شخص ممن حضروا الواقعة أو سُجلت شهادة أحد منهم، بالرغم من أنهم كانوا مع بولس ونظروا النور وارتعبوا ولم يسمعوا الصوت الذي كلم بولس وتركوه يسقط وحده (في النص الأول) !!!، وتفاعلوا وسقطوا معه على الأرض (في النص الثاني)!!!. وفقدوا حماستهم ولم يُستثاروا (لسبب لا أعلمه) فوقفوا صامتين، يسمعون الصوت ولا ينظرون أحداً (في النص الثالث) !!!. ولماذا وقعت تلك الحادثة خارج أورشليم (القدس)؟ .
    على كل حال بتلك الرواية وثب بولس من طرفٍ إلى طرف، وبدأت مرحلة جديدة من حياته، سنكشف عن تفاصيلها في مقالنا القادم بإذن الله تعالى .

    __________________
    (*) يحتفل النصارى يوم 29 يونيو من كل عام بذكرى "استشهاد" بولس الرسول.
    (1) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار _ وادي النطرون، 1992م، ص 69.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,095

    افتراضي رد: تأملات في النصرانية... بولس الرسول


    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (4)




    الكاتب : نبيل محمد سعيد عبدالعزيز




    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (4)




    يرى كثير من باحثي الأديان حادثة اهتداء بولس الرسول أنها نتيجة انفعال نفساني، أو ربما نتيجة مرضي عصبي، كالصرع، والذي إحدى أهم مظاهر نوباته السقوط أرضاً، وحدوث اضطراب مؤقت في وظيفة من وظائف الدماغ (أو عدة وظائف مجتمعة) ينتج عنها هلوسة المريض، أو تحدث له خداعات بصرية، أو تظهر لديه انفعالات شديدة دون سبب واضح، علماً بأننا إذا أسقطنا أعراض نوبات الصرع الجزئي Partial Epilepsy على الحادثة، نحصل على تلاءم يثير التساؤل، فنوبات الصرع الجزئية يبقى فيها النشاط الصرعي محدوداً بمركز أو أكثر من مراكز المخ دون أن يشمل المخ ككل وهي بذلك تكون غير مصاحبة بفقدان الوعي، وأبرز أعراض النوبة الجزئية البسيطة:


    • أن يعاني المريض من مشاكل متفرقة (صعوبة في الكلام بطريقة سليمة، تقلصات وارتعاش الأعضاء، تحرف صوتي وبصري): "وَكَانَ وَهُوَ مَفْتُوحُ الْعَيْنَيْنِ لاَ يُبْصِرُ أَحَدًا. فَاقْتَادُوهُ بِيَدِهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى دِمَشْقَ. 9 وَكَانَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ يُبْصِرُ " (أع 9: 8_9 ).
    • أن يعاني المريض من مشاكل في الحواس (شم وذوق مختلف) ومشاكل في المعدة: "فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ (أع 9: 9 ).
    • أن ينتاب المريض إحساس بالغم والخوف: "فَقَاَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: «يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟»" (أع 9: 6).
    ولا يمكن تجاهل تلك المعطيات في إطار الحديث عن شخصية يظهر في كثيرٍ من تصرفاتها الاعتلال النفسي، والسلوك العدواني، والانفعالية:
    -فقبل اعتناقه النصرانية يسطو على الكنائس ويقتحم البيوت ويجر الرجال والنساء إلى غياهب السجون، "وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَسْطُو عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ يَدْخُلُ الْبُيُوتَ وَيَجُرُّ رِجَالاً وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى السِّجْنِ." (أع 9: 3)
    -وبعد اعتناقه النصرانية يضرب رجلاً حتى يفقده البصر،" 6 وَلَمَّا اجْتَازَا الْجَزِيرَةَ إِلَى بَافُوسَ، وَجَدَا رَجُلاً سَاحِرًا نَبِيًّا كَذَّابًا يَهُودِيًّا اسْمُهُ بَارْيَشُوعُ، 7 كَانَ مَعَ الْوَالِي سَرْجِيُوسَ بُولُسَ، وَهُوَ رَجُلٌ فَهِيمٌ. فَهذَا دَعَا بَرْنَابَا وَشَاوُلَ وَالْتَمَسَ أَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ. 8 فَقَاوَمَهُمَا عَلِيمٌ السَّاحِرُ، لأَنْ هكَذَا يُتَرْجَمُ اسْمُهُ، طَالِبًا أَنْ يُفْسِدَ الْوَالِيَ عَنِ الإِيمَانِ. 9 وَأَمَّا شَاوُلُ، الَّذِي هُوَ بُولُسُ أَيْضًا، فَامْتَلأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَشَخَصَ إِلَيْهِ 10 وَقَالَ: «أَيُّهَا الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ابْنَ إِبْلِيسَ! يَاعَدُوَّ كُلِّ بِرّ! أَلاَ تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ اللهِ الْمُسْتَقِيمَة َ؟ 11 فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ، فَتَكُونُ أَعْمَى لاَ تُبْصِرُ الشَّمْسَ إِلَى حِينٍ». فَفِي الْحَالِ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ وَظُلْمَةٌ، فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ." (أع 13: 6_11). متجاهلاً وصية المسيح: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ." (لوقا 6: 27_28).
    كما يظهر في تصرفاتها سلوك مضطرب، واندفاعي متقلب: فمرة يقوم بطرد النصارى الأوائل إلى المدن التي في الخارج، "وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ كُنْتُ أَطْرُدُهُمْ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي فِي الْخَارِجِ" ( أع 26: 9_11) . ثم يتراجع ويعقد العزم على اللحاق بهم وتتبعهم وإرجاعهم موثقين إلى أورشليم، "أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ 2 وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ." (أع 9 : 1_2).
    واستكمالاً لرحلة بولس الرسول، فقد دخل بولس الرسول دمشق مقوداً من يديه، أعمى لا يُبصر، نزيلاً عند رجل نصراني يدعى يهوذا، ليظهر شخص يدعى حنانيا (كان حينها أسقف دمشق وهو أحد السبعون رسولاً بحسب العقيدة النصرانية)(1)وطبقاً لرواية لوقا: "10 وَكَانَ فِي دِمَشْقَ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ حَنَانِيَّا، فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ فِي رُؤْيَا: «يَا حَنَانِيَّا!». فَقَالَ: «هأَنَذَا يَا رَبُّ». 11 فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَاطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلاً طَرْسُوسِيًّا اسْمُهُ شَاوُلُ . لأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي، 12 وَقَدْ رَأَى فِي رُؤْيَا رَجُلاً اسْمُهُ حَنَانِيَّا دَاخِلاً وَوَاضِعًا يَدَهُ عَلَيْهِ لِكَيْ يُبْصِرَ». 13 فَأَجَابَ حَنَانِيَّا: «يَا رَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هذَا الرَّجُلِ، كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيمَ. 14 وَههُنَا لَهُ سُلْطَانٌ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُوثِقَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِكَ». 15 فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «اذْهَبْ! لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ. 16 لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي». 17 فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ». 18 فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ. 19 وَتَنَاوَلَ طَعَامًا فَتَقَوَّى." (أع 9: 10 _ 19) . وفي موضع أخر نفس الرواية بتفاصيل مختلفة ينقلها لوقا أيضاً ولكن هذه المرة على لسان بولس: " 12 «ثُمَّ إِنَّ حَنَانِيَّا رَجُلاً تَقِيًّا حَسَبَ النَّامُوسِ، وَمَشْهُودًا لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْيَهُودِ السُّكَّانِ 13 أَتَى إِلَيَّ، وَوَقَفَ وَقَالَ لِي: أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، أَبْصِرْ! فَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، 14 فَقَالَ: إِلهُ آبَائِنَا انْتَخَبَكَ لِتَعْلَمَ مَشِيئَتَهُ، وَتُبْصِرَ الْبَارَّ، وَتَسْمَعَ صَوْتًا مِنْ فَمِهِ. 15 لأَنَّكَ سَتَكُونُ لَهُ شَاهِدًا لِجَمِيعِ النَّاسِ بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ. 16 وَالآنَ لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيًا بِاسْمِ الرَّبِّ." (أع 22: 12_16)
    ويطرح النص الأخير علامات استفهام حول هوية حنانيا الدينية، فالرجل يصفه بولس بكونه تقياً حسب الناموس (يقصد الشريعة اليهودية)، مشهود له من جميع اليهود السكان، مشبع تماماً بالروح اليهودية الصرفة وهو ما يظهر في قوله (إِلهُ آبَائِنَا). وهو ما يطرح احتمالية _ لدى بعض الباحثين_ وجود تنسيق من نوعٍ ما بين بولس وحنانيا.
    جديرٌ بالذكر فمن الواضح أن جميع تساؤلاتنا لم تغب عن النصارى الأوائل، وأن شهادة حنانيا لم تكن ذات أهمية أو موضع ثقة كافية، وهو ما يقودنا للتساؤل عن حقيقة تولي حنانيا أسقفية دمشق حينها؟!. وهل كان النصارى الأولون يعدونه من السبعين رسولاً كما عده اللاحقون؟!.
    وكان الجميع قد نظر إلى بولس بشكٍ وارتياب، ومن ثم عانى بولس من النبذ والإبعاد في دمشق: " 21 فَبُهِتَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ فِي أُورُشَلِيمَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهذَا الاسْمِ؟ وَقَدْ جَاءَ إِلَى هُنَا لِهذاَ لِيَسُوقَهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ!»." (أع 9: 21). كما عانى منهما أيضاً في أورشليم عند عودته إليها:" 26 وَلَمَّا جَاءَ شَاوُلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَاوَلَ أَنْ يَلْتَصِقَ بِالتَّلاَمِيذِ ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَخَافُونَهُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّهُ تِلْمِيذٌ. (أع 9: 26). فمن الواضح أن رواية هداية بولس ورؤيته للمسيح لم تنل في وقتها نصيباً من القداسة واليقين التي حظيت بهما بعد ذلك، بيد أن بولس سعى لبذل المزيد من الجهد واحتاج لمزيد من الوقت في سبيل تدعيم روايته، وهو ما جعله يخرج من دمشق متوجهاً للعربية (المنطقة المتاخمة للبحر الميت وتنتهي عند خليج العقبة) ويبقى فيها فترة ثلاث سنوات، ولا يُعرف عن تفاصيل حياته خلال تلك الفترة أي شيءٍ بالمرة، ليخرج بعدها بولس ليؤسس عقيدة جديدة نتناول أهم ملامحها في مقالنا القادم بإذن الله تعالى.
    ______________________________ _____
    (1) أسماء السبعين، الأنبا متاؤس، مكتبة دير السيدة العذراء مريم (السريان)، الطبعة الثالثة، د. ت ، ص45_46.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,095

    افتراضي رد: تأملات في النصرانية... بولس الرسول

    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (5)




    الكاتب : نبيل محمد سعيد عبدالعزيز





    تأملات في النصرانية.. بولس الرسول (5)


    " بمناسبة صوم الرسل كنت في الإسكندرية يوم الأحد الماضي 30 مايو 2010 وتكلمت عن الآباء الرسل بصفة عامة. أريد اليوم أن أكلمكم عن واحد من هؤلاء الآباء الرسل أحبه جدًا وهو في نظري من أعظم الآباء الرسل بلا قياس. وهو بولس الرسول. أريد أن أكلمكم اليوم عن بولس الرسول. إن غالبية الرسل كانوا أشخاص غير مثقفين، قال عنهم بولس نفسه "بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ". (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1: 27 ) وكانوا غالبيتهم من الصيادين. وعندما عمل بطرس ويوحنا بالكرازة في أول العصر الرسولي وقبض عليهم يقول الإنجيل "وجدوا أنهما إنسانان عاميان": "فَلَمَّا رَأَوْا مُجَاهَرَةَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوَجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ عَدِيمَا الْعِلْمِ وَعَامِّيَّانِ، تَعَجَّبُوا. فَعَرَفُوهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يَسُوعَ" (سفر أعمال الرسل 4: 13) أي غير مثقفين. أما بولس فكان رجلًا مثقفًا إلى أبعد الحدود. فمن الناحية العلمانية درس في جامعة طرسوس. وكان اسمه شاول الطرسوسي. ومن الناحية الدينية تتلمذ عند قدمي غمالائيل أعظم أساتذة الناموس في عهده. ففي الماضي كان الأساتذة أو المعلمين يجلسون على كراسي والتلاميذ يجلسون على الأرض عند قدميهم. لذلك يقول الإنجيل عن بولس الرسول أنه تتلمذ عند قدمي غمالائيل. وأيضًا كان من الناحية الدينية من المدققين جدًا في الشريعة ولذلك قال عن نفسه "كنت فريسيًا ابن فريسي" (أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ) (سفر أعمال الرسل 23: 6)، والفريسيين كانوا أكثر الناس مدققين -ولو نظريًا- في مسألة العقيدة". (1) (شنودة الثالث)


    ترك بولس دمشق وانطلق لينعزل في العربية، تلك العزلة التي لم يُسجل عن تفاصيلها شيء، والتي يرى القمص متى المسكين_ بدون أن يقدم دليل_ أنها كانت فترة مراجعة وتوبة ودراسة على يد الروح القدس، وانفتاح وعي الإيمان على أعلى وأعمق إمكانياته (2)، خلافاً لإشارة لوقا في سفر أعمال إلى أن بولس قد بدأ نشر دعوته فور إفاقته من أثر الحادثة التي تعرض لها قبيل دخوله دمشق: " وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ «أَنْ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ». (أع 9: 20) ، فهل نشر الدعوة يسبق التوبة والدراسة والمراجعة!!!. بيد أننا لا يمكن أن ننكر أن تلك السنوات الثلاث وبالرغم من الستار من الدخان الذي ضرب حولها وحول الأحداث والتطورات التي وقعت فيها، فإنها كانت فترة دراسة ومراجعة لكثيرٍ من الأفكار التي أُعلنت في الفترة اللاحقة، وشكلت الديانة الأبرز انتشاراً في وقتنا الحالي.
    جديرٌ بالذكر فإن بولس الرسول برر خروجه أو هروبه من دمشق إلى العربية، بأنه تعرض لمكيدة مدبرة لقتله، وفيما يؤكد لوقا على أن المكيدة كانت من اليهود: " 22 وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُوَّةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقًا «أَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ». 23 وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ تَشَاوَرَ الْيَهُودُ لِيَقْتُلُوهُ، 24 فَعَلِمَ شَاوُلُ بِمَكِيدَتِهِمْ . وَكَانُوا يُرَاقِبُونَ الأَبْوَابَ أَيْضًا نَهَارًا وَلَيْلاً لِيَقْتُلُوهُ. 25 فَأَخَذَهُ التَّلاَمِيذُ لَيْلاً وَأَنْزَلُوهُ مِنَ السُّورِ مُدَلِّينَ إِيَّاهُ فِي سَلّ." (أع 9: 22_25). نرى بولس يخبرنا بأن المكيدة كانت من صنع والي المدينة: " 32 فِي دِمَشْقَ، وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّي نَ، يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي، 33 فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيل مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ." (2كو 11: 32_33).
    غير أننا نفاجئ بعودته مرة أخرى لدمشق ثم ذهابه إلى أورشليم، دون أن يُكشف عن ما يوحي بتغير الأوضاع التي دفعته للهروب من دمشق، أو تبدل موقف اليهود أو موقف والي المدينة تجاهه: " لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ 16 أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا 17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. 18 ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا." (غل1: 15_ 18) .
    وقبل أن نتحدث عن علاقة بولس بالحواريين (تلاميذ المسيح)، أحب أن نلقي الضوء قليلاً على الخلفية الدينية لبولس، فقد دأب بولس على الإشارة إلى ماضيه باعتباره يهودياً من أسرة يهودية عريقة،فريسية متمسكة بعقيدتها، رابضة على يهوديتها، فيفتخر بأصل جنسه اليهودي وسبطه وتلقيه الشريعة اليهودية عند رجلي عالمها الأجل في زمانه غمالائيل، ومن ذلك قوله:
    - «أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالاَئِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ. وَكُنْتُ غَيُورًا للهِ كَمَا أَنْتُمْ جَمِيعُكُمُ الْيَوْمَ." ( أع 22 : 3 )
    - " مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّ ينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ." (فيلبي 3: 5) .
    - " «أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ." (أع23 : 6 )
    - "إِنِّي أَشْكُرُ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ مِنْ أَجْدَادِي بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ" (2 تي 1 : 3)
    - " فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لِأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيٌّ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ." (الرسالة إلى أهل روما 11: 1)
    - كما يظهر تأثر بولس بالتوراة حيث اقتبس حوالي 180 آية من التوراة ووضعها بين ثنايا رسائله.
    بيد أن هناك بعض الدلالات التي تؤكد لنا أن يهودية بولس لم تكن يهودية خالصة، بل خُلطت بكثيرٍ من العقائد الوثنية التي كانت تنتشر في موطنه ومسقط رأسه، مما يوحي بأن بولس لم يكن يهودياً بالولادة، بل نشأ وترعرع مشبعاً بعقائد وثنية، وفي مرحلة ما من حياته اعتنق اليهودية، سواء أكان هذا في مسقط رأسه أو بعد انتقاله إلى أورشليم. فكانت اليهودية إحدى الروافد الفكرية التي استقى منها عقائده وأفكاره ولكنها لم تكن الرافد الوحيد كما لم تكن الرافد الرئيسي. وربما هذه الفرضية (فرضية تهود بولس) تفسر لنا أسباب العداء المفرط الذي أبداه بولس تجاه النصارى الأوائل فربما لجأ لهذا السلوك كطريق لإثبات قوة وصدق إيمانه وعمق إخلاصه لدينه الجديد أمام محيطه اليهودي، وذلك بدافع نفساني أو دافع مادي. كما تفسر لنا توجهاته العقائدية التي سنتحدث عنها تباعاً فيما بعد بإذن الله تعالى، وفي إطار البحث في تلك الفرضية، سنلجأ إلى تناول عدة قضايا رئيسية ونقارن بين الرؤية اليهودية لها وبين رؤية بولس.

    -ولتكن البداية بقضية التوحيد، حيث تشير نصوص التوراة إلى وحدانية الله، ومن ذلك: "«اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ." ( تثنية 6: 4 ) وكانت أولى الوصايا العشر: " لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي." (خروج 20: 3). ويؤكد إرميا على أن الله إله حق، حي وأبدي: "أَمَّا الرَّبُّ الإِلهُ فَحَقٌّ. هُوَ إِلهٌ حَيٌّ وَمَلِكٌ أَبَدِيٌّ."( إرميا 10: 10) . ونفس المعنى يؤكده حزقيال: " حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، " (حزقيال 18: 3) .
    بينما نصوص بولس تذهب في اتجاه آخر: " وَإِلهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ الْعَهْدِ الأَبَدِيِّ،". (عبرانيين 13: 20 ).
    -وبخصوص قضية المسيح المخلص " משיח "، نرى أن المسيح المخلص في اليهودية، هو الذي سوف يخلصهم ويبدأ عهداً جديداً وهو " أيام المسيح ", حيث يعيش البشر حياة سعيدة صالحة قائمة على السلام والعدل, وقد أدى هذا الأمل في مجئ " المسيح المخلص " إلى ظهور عدة حركات مسيحانية في التاريخ اليهودي تتعجل النهاية. وقد ظهرت عدة أساطير متعارضة في فترة الشتات الطويلة بشأن مجئ المسيح، إلا أن النبوءة المسيحانية حسبما ترد في التلمود والمدراشيم تؤكد موضوع الخلاص السياسي, حيث ينقذ المسيح ابن داوود اليهود من ضائقتهم ويحقق نبؤة الدولة اليهودية الكاملة المؤسسة بأحكام التوراة, وتتمركز في وسطها ( القدس ) المشيدة وفيها الهيكل, ويتجمع شتات اليهود مع مجئ " المسيح المخلص ", ويسبق مجيئه فترة من المظالم والاضطرابات الشديدة أو ما يسمى ( الآم مجئ المخلص ) " חבלי משיח ". (3)
    أما بولس فكان أول ما بدأ دعوته في دمشق كان : "وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ «أَنْ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ»." (أع 9: 20).

    _______________________
    (1) جزء من عظة مكتوبة للبابا شنودة الثالث (بطريرك الأقباط الأرثوذكس السابق) تحت عنوان القديس بولس الرسول، لمطالعة العظة كاملة، انظر:
    http://st-takla.org/Full-Free-Coptic...e-Apostle.html
    (2) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار _ وادي النطرون، 1992م، ص 77.
    (3) د. رشاد الشامي, موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية , المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2002م , ص 199 .





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,095

    افتراضي رد: تأملات في النصرانية... بولس الرسول

    تأملات في النصرانية... بولس الرسول (6)




    الكاتب : نبيل محمد سعيد عبدالعزيز





    تأملات في النصرانية.. بولس الرسول (6)




    نستكمل في هذا المقال ما بدأناه سالفاً من مقارنة بعض ما جاءت به الشريعة اليهودية بما جاء به بولس، في سعي منا لاستكشاف خلفيته الدينية وروافده العقدية والفكرية، وذلك للاستدلال على ما نراه من أن بولس لم يكن يهودي الأصل كما كان يدعي ويُروج، بل هو في الحقيقة متهود من أصول وثنية، شكلت الوصايا التوراتية الصارمة عبءً ألجمه وأثقل كاهله. ومن ثم كانت الشرائع الجديدة التي دعا لها بولس الرسول هي بمثابة محاولة للفكاك مما رآه قيوداً قاسية وأغلالاً عاتية، أحيطت به عقب اعتناقه لليهودية، وربما لم يجد نفسه قادراً على التعايش مع كل تلك القواعد الدينية التي تحكم كافة تفاصيل حياة اليهودي، والتي من المؤكد أنه لو كان ولد يهودياً لأسرة فريسية لكانت تلك القواعد أحد أركان حياته التي لا تقوم إلا بها، وكانت من المسلمات التي لا يجرؤ على تجاوزها أو نقضها. وبخاصة أن النصرانية في عهد المسيح لم تقدم نفسها كديانة مغايرة ومستقلة عن اليهودية، بل قدمت نفسها بصورة هي أقرب ما تكون إلى صورة الحركات الإصلاحية التي تهدف إلى الإصلاح وتثبيت المبادئ، وذلك وفق ما جاء على لسان المسيح في عظة الجبل: " 17 «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. 18 فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ." (متى5 : 17_18) . وأيضاً قوله: «عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيّ ُونَ، 3 فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ." (متى23: 2_3). كما أن سيرة المسيح تخلو من تسجيل أي أفعال تناقض الناموس.


    جديرٌ بالذكر فقد فرضت اليهودية ستمائة وثلاثة عشر فريضة " תרי"ג המצוות "، وهي بحسب التوراة الشرائع التي أوحيت إلى ( موسى ) في سيناء ، ومن بينها ثلاثمائة وخمس وستون شريعة ناهية ، أي " لا تفعل " ، بما يتناسب مع أيام السنة الشمسية ، ومائتان وثماني وأربعون شريعة مفروضة ، أي شريعة " افعل " ، بما يتناسب مع عدد أعضاء جسم الإنسان . (1)

    ويرى القمص متى المسكين أن: "بولس الرسول هو الوحيد من بين الرسل الذي أدرك انتهاء سلطان الناموس بمجيء المسيح وموته على الصليب، وذلك حينما دعاه الله لبشارة الإنجيل بين الأمم، فكرز بإنجيل المسبح بدون ناموس ولا سبت ولا ختان ولا أعياد يهودية ولا عادات ولا تعاليم فرَّيسية..". ثم يعود ليؤكد متى المسكين الأمر نفسه بقوله: " لقد اكتشف بولس أنه بمجرد أن استُعلن له المسيح _وهو في طريقه إلى دمشق ليقتل المؤمنين بالمسيح هناك_ أن غيرته للناموس قد أوقعته في أخطر جريمة، وأن صوت المسيح من السماء:" أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ" (أع9: 5) قد أيقظ الضمير الذي لم يستطع الناموس أن يوقظه بل بالعكس كان قد طمس معالم الحق فيه؛ إلى هنا انتهى الناموس عند بولس. وحينئذٍ استعلن له بأجلى صورة أن دور الناموس قد انتهى بمجيء المسيح، وأن أي تمسك بالناموس بعد مجيء المسيح هو التجديف بعينه؛ بل ويصير علة لقتل المسيح نفسه كما حدث على الصليب أو كما حدث بيدي بولس نفسه!" . (2)

    وعلى سبيل المثال كانت قد حددت الشريعة اليهودية مجموعة من القواعد الصارمة للطعام تسمي ( كشيروت ) " כשרות ". والـ ( كشيروت ) " כשרות " صيغة جمع من كلمة ( كاشير ) " כשר " وتعني " مناسب " أو " مُلائم "، وتُستخدم هذه الكلمة لتشير إلى مجموعة القوانين الخاصة بالأطعمة وطريقة إعدادها وطريقة الذبح الشرعي عند اليهود، وهذه القوانين تحرم على اليهودي أكل أنواع معينة من الطعام وهي تتعلق أساساً بلحوم الحيوانات، إلا أن هناك بعض المحرمات الأُخرى، مثل: ثمرة الشجرة التي لم يمض على غرسها سوى أربعة أعوام، أو أي نبات غُرس مع نبات أخر، كما يحظر كذلك شرب خمر أعدها أو لمسها شخص من الأغيار (غير اليهود)، بل يُحرَّم أيضاً أكل خبز أو طعام أعده شخص من الأغيار حتى لو أُعد حسب قوانين الطعام " كشيروت "، كما يُحرَّم أكل الخبز المُخمَّر في "عيد الفصح"، أما بالنسبة إلى لحوم الحيوانات، فالأمر كالتالي :

    1- يحل لليهودي أن يأكل الحيوانات والطيور النظيفة، وهي الحيوانات ذوات الأربع ، التي لها ظلف مشقوق وليس لها أنياب وتأكل العشب وتجتر ، والطيور الأليفة التي يمكن تربيتها في المنازل والحقول، وبعض الطيور البرية آكلة العشب والحب، ويُحرَّم أكل " الخيل " و " البغال " و " الحمير " و " الجمال " و " الأرانب " لأنها ليست لها أظلاف مشقوقة، ويُحرَّم " الخنزير " لأنه ذو ناب، أما الطيور غير النظيفة فهي كل طير له منقار معقوف أو مخلب، وهي أوابد الطير التي تأكل الجيف، مثل " الصقر " و " النسر " و " البومة " و " الحدأة " و " الببغاء ".

    2- يُحرَّم أيضاً أكل أجزاء معينة من الحيوانات مثل " عرق النسا " ، كذلك يُحرَّم أكل أجزاء الحيوان الذي لا يزال حياً، كما يُحرَّم اللحم الذي لم يُسحب منه الدم من خلال " التمليح " " המלחה "، وتتم تلك العملية عن طريق غسل اللحم لمدة ثلاثين دقيقة ، ثم تصفية ما تبقى من الدم، وتغطية اللحم لمدة ساعة بالملح، ثم يغسل اللحم مما تبقى من دم وملح، وعادةً ما يقوم الذابح الشرعي بهذه المهمة.

    3- يجوز أكل " السمك " الذي له زعانف وعليه قشور، و يُحرَّم أكل " الجمبري " و " الإستاكوزا " و " الكابوريا " وأنواع " الأخطبوط " و " المحار ".

    4- يُحرَّم أكل الحشرات والزواحف باستثناء أربعة أنواع من " الجراد " .

    5- يُحرَّم الجمع بين اللبن واللحم في إناءٍ واحد، أو وضع اللحم في إناء كان قد وضع فيه لبن أو جبن من قبل، أو أن يستعمل سكين واحدة في تقطيع اللحوم والجبن أو ما إليهما، كما يُحرَّم الجمع بينهما في وجبة واحدة ، وكان ورد في التوراة ثلاث مرات ( لاَ تَطْبُخْ جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ ) . (3)

    أما بولس الرسول فنقض قوانين الأطعمة ونفضها ورأى أن " كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ. " (تي 1: 15). وأكد على هذا بقوله: " لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ". (1 تيموثاوس 4: 4 )

    ولم يقتصر الأمر على قوانين الأطعمة بل عمد بولس الرسول إلى إلغاء أحد أهم الشعائر في اليهودية، وهو الختان، ويعد الختان علامة العهد الذي بين الله وإبراهيم وذريته من بعده على مرّ الأجيال بحسب ما ورد في سفر التكوين من التوراة : "وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. 10 هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، 11 فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. 12 اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ " (تك 17: 9_ 12). وهو من أساسيات انتماء الشخص إلى العقيدة اليهودية, كما أنه أحد الإجراءات الضرورية لتعميد الطفل, وتمييز الإسرائيلي عن بقية الشعوب . أما بولس فرأى أن: " لَيْسَ الْخِتَانُ شَيْئًا، وَلَيْسَتِ الْغُرْلَةُ شَيْئًا، بَلْ حِفْظُ وَصَايَا اللهِ" ( 1 كو 7_ 19) .







    (1) د. رشاد الشامي, موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية , المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2002م , ص 315 .

    (2) متى المسكين، القديس بولس الرسول: حياته. لاهوته. أعماله، مطبعة دير القديس أنبا مقار _ وادي النطرون، 1992م، ص 320 و ص 326_ 327.


    (3) انظر: عبد الوهاب المسيري ( د ) ، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية . الموسوعة الموجزة ، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالث، 2006م، الجزء الثاني ، ص 48 _ 49 . وانظر: د. رشاد الشامي, مرجع سابق، ص 78 _ 79 .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •