الأدلة والبراهين لإيضاح
المعتقد السليم
والرد على المخالفين



كتبه الفقير إلى ربه
سليمان بن ناصر العلوان



قام بصفه ونشره
[أبو عمر الدوسري]
أجزل الله لهُ المثوبة
www.frqan.com بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مصل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين وحجة على أهل الزيغ والضلال أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فقد وقفت على رسالة لبعض من يدعي العلم يقرر فيها القول بأن النار تفنى وينسب ذلك إلى شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى. وهما بريئان من هذا القول كما سيأتي بيانه وتوضيحه وعلى سبيل التنزل أن ابن القيم قال بفناء النار فهو قول باطل مخالف للكتاب والسنة ولذلك رد عليه الإمام الصنعاني وكذلك الإمام محمد الآمين الشنقيطي رحمهما الله تعالى، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحق في هذه المسألة واضح كوضوح الشمس في نحر الظهيرة، ومع وضوحها ظهر بعض الناس ينشر بين الناس زعماً منه أنه يريد الانتصار لابن القيم وهو لا يشعر أن ذلك يضع من قدره.
وقد صرح ابن القيم في (الوابل الصيب) أن النار لا تفنى وإليك نص كلامه قال: ((ولما كان الناس على ثلاث طبقات طيب لا يشينه خبث وخبيث لا طيب فيه وآخرون فيهم خبث وطيب كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض ودار الخبيث المحض وهاتان الداران لا تفنيان. ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد فإنهم إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا.

فصل
القول بفناء النار قول مبتدع والقول به بدعة لا شك فيه ولا ارتياب كما قاله الصنعاني() وهو الحق والصواب والقول بفناء النار خارج عن مقتضى العقول ومخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. فالكفار خالدون في النار خلوداً لا انقطاع له بل هو غير متناه أبد الآبدين ودهر الداهرين، وقد ذكر الله التأييد في كتابه في ثلاثة مواضع في حق الكفار فيه كافية في أبدية النار وأبداً للزمان المستقبل الذي لا غاية لمنتهاه، أفندع كتاب ربنا وسنة نبينا لأقوال أناس غير معصومين؟

فصل
ذكر الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في:
((أن النار لا تفنى ولا يفنى ما فيها))
الحديث الأول:
حديث أنس الطويل في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ((فأخرجهم فأدخلهم الجنة فما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود)) متفق عليه. فهذا الحديث نص قاطع وبرهام ساطع على أن الكفار مخلدون في النار قال تعالى: ) كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا (. وقال تعالى: ) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا (.

الحديث الثاني:
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله تعالى إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشافعة... الحديث)) أخرجه مسلم وأبو عوانة وأحمد وابن ماجه وغيرهم.
وفي هذا الحديث دلالة قاطعة على تأبيد عذاب الكفار في النار وعدم انقطاعه عنهم. قال تعالى: ) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَ ا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى (. قال ابن كثير رحمه الله: أي لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه بل هي مضرة عليه لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من اليم العذاب وأنواع النكال.

الحديث الثالث:
حديث ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد هو فيه)) أخرجه البخاري ومسلم.
فقوله: يا أهل النار لا موت: فيه دلالة على عدم فناء النار.
وقوله: كل خالد هو فيه: تأكيد أكيد على جعلها بمنزلة واحدة أعني أهل الجنة وأهل النار في أن كلاً من المنزلتين لا فناء فيهما.
وعلى هذا جمهور السلف والخلف ونقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

الحديث الرابع:
حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط فيقال: يا أهل الجنة فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه ثم يقال: يا أهل النار فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه فيقال هل تعرفون هذا؟ قالوا نعم هذا الموت قال: فيؤمر به فيذبح على الصراط ثم يقال للفريقين كلاهما: خلود فيما تجدون لا موت فيه() أبدا) أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة وابن حبان: قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وهذا الحديث أيضاً من الأدلة القاطعة على خلود أهل النار قال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا(. قال الشوكاني: قوله ((أبدا)) منصوب على الظرفية وهو لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل. أهـ.
وهذه الأحاديث كافية في أبدية النار وهناك بعض الآثار وردت عن الصحابة والأخيار في بقاء النار وعدم فنائها نذكر منها أثرين خشية الإطالة والله الموفق للصواب والهادي إلى الطريق الرشاد.
(1) عن عبد الله بن عمرو قال: أهل النار يدعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً ثم يقول إنكم ماكثون ثم يدعون ربهم فيقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فلا يجيبهم مثل الدنيا ثم يقول: اخسئوا فيها ولا تكلمون ثن ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير أولها شهيق وآخرها زفير، رواه الطبراني وقال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح، ورواه ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وهذا الأثر له حكم الرفع لأنه أمر غيبي لا يقال من قبل الرأي.
(2) قال الحافظ ابن رجب في (التخويف من النار): قال أبو الحسن بن البراء العبدي في كتاب (الروضة) له حدثنا أحمد بن خالد هو الخلال حدثنا عثمان بن عمر حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: لو أن أهل جهنم وعدوا يوماً من أبد أو عدد أيام الدنيا لفرحوا بذلك اليوم لأن كل ما هو آت قريب. قال ابن رجب: إسناده جيد.
وهذا نص من الصحابي الجليل في أن النار لا تفنى ولا يفنى ما فيها وفيه دلالة على ضعف ما نقل عنه من أنه من القائلين بفناء النار كما سيأتي أثره والجواب عنه إن شاء الله . والمؤمن الحقيقي يكفيه حديث واحد في أبدية النار فكيف والآيات والأحاديث والآثار وإجماع أهل العلم على ذلك.

((ذكر أقوال العلماء في عدم فناء النار))
(قول الإمام أحمد رحمه الله)
قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية أحمد بن جعفر الاصطخرى() :
هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا. وأدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.
فذكر قولهم إلى أن قال : وقد خلقت الجنة وما فيها والنار وما فيها خلقهما الله عز وجل وخلق الخلق لهما لا يفنيان ولا يغنى ما فيها أبدا فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله عز وجل (كل شيء هالك إلا وجهه) وبنحو هذا من متشابه القرآن.
قيل له كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من لا من الدنيا والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا أبدا لأن الله عز وجل خلقهن للبقاء لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت فمن قال:خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضل عن سواء السبيل.أهـ المقصود من(طبقات الحنابلة) للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى ج 1 ص24.
وقال أيضا في كتابه (الرد على الجهمية والزنادقة)ص147.
قال بعد أن ذكر الأدلة على بقاء الجنة ودوام أهلها فيها رادا بذلك على الجهمية بقولهم في فناء الجنة والنار وغيرهما قال: وقد ذكر الله أهل النار فقال: ( لا يقض عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها).
وقال: (أولئك ينسوا من رحمتي ). وقال: ( لا ينالهم الله برحمة ).
وقال: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون).
وقال:( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص ).
وقال : (خالدين فيها أولئك هم شر البرية ).
وقال : (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ).
وقال : ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ).
وقال : ( إنها عليهم مؤصدة)ومثله في القرآن كثير. أهـ كلامه.

((قول الإمام الطحاوي))
.قال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى في (العقيدة الطحاوية): والجنة والنار ومخلوقتان لا تفنيان آبدا ولا تبيدا أن...الخ

((قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى))
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه عن حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :(سبعة لا تموت ولا تغفي ولا تذوق الغناء النار وسكانها واللوح والقلم والكرسي والعرش) فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟.
فأجاب رحمه الله تعالى : هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من كلام بعض العلماء وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات مالا يعدم ولا يغنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك. ولم يقل بغناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع سلف الأمة وأئمتها.. الخ ص 307 ج{18}.

((قول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى))
قال ابن حزم رحمه الله في (الفصل في الملل والنحل ) : اتفقت فرق الأمة كلها على أنه لا فناء للجنة ولا لنعيمها ولا للنار ولا لعذابها إلا جهم بن صفوان.
وقال رحمه الله في كتابه ( مراتب الإجماع ) : باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالقه بإجماع. ثم ذكر عدة مسائل ثم قال: وأن النار حق وأنها دار عذاب أبدا لا تفنى ولا يغنى أهلها أبدا بلا نهاية .
ولم يتعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه على هذا الكتاب كما تعقبه على غيرها من المسائل وقال المعلق على هذا الكتاب : فدعوى فناء أحديهما بعد دخول أهلها فيها كفر بإجماع () أهـ.
فابن حزم نص على أن النار لا تغنى بالإجماع وكذلك سيأتي أن شاء الله نقل الإجماع عن غيره من العلماء والله الموفق.

((قول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى))
قال القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه ( التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة():
أجمع أهل السنة على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها كإبليس وفرعون وهامان وقارون وكل من كفر وتكبر وطغى فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي. وقد وعدهم الله عذابا أليما فقال عز وجل : (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ).
وأجمع أهل السنة أيضا على أنه لا يبقى فيها ولا يخلد إلا كافر جاحد فاعلم.
وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر من الكتاب () : لما ساق الأحاديث بنحو ما تقدم من سياقنا ( هذه الأحاديث مع صحتها نص في خلود أهل الدارين فيها لا إلى غاية ولا إلى أمد .مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة بل كما قال في كتابه الكريم وأوضع فيه عن عذاب الكافرين:( والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقض عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور. وهم يصطرخون فيها.. إلى قوله :من نصير ) الآية وقال (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) وقال: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد .كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها) وقد تقدمت هذه المعاني كلها فمن قال أنهم يخرجون منها وأن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها وأنها تغنى وتزول فهو خارج عن مقتض المعقول ومخالف لما جاء به الرسول وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) وإنما تخلى جهنم وهى الطبقة العليا التي فيها العصاة من أهل التوحيد. أهـ المقصود من كلامه رحمه الله.

((قول السيوطي رحمه الله))
نظم الجلال السيوطي رحمه الله المخلوقات التي لا تفني وهي ثمانية فقال :
ثمانية حكم البقاء يعمها.. من الخلق والباقون في حيز العدم هي العرش والكرسي ونار وجنة.. وعجب وأرواح وكذا اللوح والقلم

((قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله))
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في عقيدته التي سأله أهل القصيم عنها قال في أولها : أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ثم قال: وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما اليوم موجودتان وأنهما لا يفنيان.

((قول العلامة صديق خان رحمه الله))
قال العلامة صديق حسن خان في كتابه (يقطة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار).
باب (في أن النار لا تفنى ثم ساق الأحاديث في أبدية النار ثم قال : وثبت بما ذكر من الآيات الصريحة والأخبار الصيحة خلود أهل الدارين خلودا مؤبدا كل بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة ودليل ذلك من الكتاب والسنة وزعمت الجهمية أن الجنة والنار تفنيان قال هذا جهم بن صفوان إمام المعطلة وليس له في ذلك سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الدين ولا قال به أحد من أهل السنة .نعم حكى بعض العلماء في أبدية النار قولين وحاصل ذلك كله سبعة أقوال فساقها ( توفيق الفريقين على خلود أهل الدارين ) وفي الباب رسالة () للسيد الإمام محمد بن إسماعيل الأمير. ورسالة للقاضي العلامة المجتهد محمد بن علي الشوكاني حاصلهما بقاء الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما وهو الحق الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأئمة والأمة والله أعلم أهـ كلامه.
وقال رحمه الله في كتابه (قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر) .
والجنة والنار مخلوقتان اليوم باقيتان ولا يغنى أهلها لقوله تعالى في حق الفريقين (خالدين فيه أبدا ) الآية فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه ص137 وص 138.

((قول الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى))
قال الإمام العلامة محمد الأمين بن محمد رحمه الله تعالى في كتابه (معارج الصعود إلى تفسير سورة هود) الذي كتبه تلميذه عنه عبد الله بن أحمد قادري قال: الجواب الحق أن أهل النار الكفرة خالدون فيها خلود الانقطاع له البتة والاستثناء بالمشيئة كما صرح به في أهل النار صرح به كذلك في أهل الجنة() مع أنه لا يقول أحد ممن يقول بانقطاع النار بانقطاع الجنة كما قال تعالى هنا في سورة هود ) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (.
وهذه المشيئة مجملة لم نعرف ما أخرجته والأدلة المنفصلة وضحت أن المشيئة اقتضت الخلود الأبدي كما قال تعالى في أهل الجنة ) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (() ... وقال تعالى ) مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( () وقال تعالى: ) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ 74 لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (().. وقال تعالى: ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (().. وقال تعالى: ) خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ (().. وقال تعالى: ) مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (().
والفعل بعد (كلما) يتكرر بتكررها فمن ادعى خبوة للنار نهائية تفنى بها ليس بعده سعير يرد عليه بهذه الآية.
ولو قيل للعبد: كلما جاء أحدهم أكرمه الله لزمه ذلك ولا حق له أن يعتذر بأنه لم يفهم التكرار.
وقد زعم ابن القيم رحمه الله أن النار تفنى() عندما ناقش الأدلة في كتابه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) وأيد رأيه بأن الله تعالى لا يخلف الميعاد بخلاف الوعيد فإنه لم يأت ما يدل على أنه لا يخلفه وخلف الوعيد من الصفات المحمودة كما قال الشاعر:

وإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

وكان ابن القيم في أثناء كلامه يتحدى من يقول: إن الله أخبر أنه لا يخلف وعيده وما قاله مردود من وجوه.
الوجه الأول:
أنا لو تمسكنا بما ذكر لجاز أن يقال: لا يدخل النار كافر لجواز إخلاف الإيعاد وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص وما فهمه العلماء.
الثاني:
إننا لا نسلم أنه ليس في كتاب الله ما يدل على أنه لا يخلف وعيده بالنسبة للكفار بل صرحت الأدلة بلزومه كما قال تعالى: ) قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (() فقد صرح أنه لا يبدل قوله وذلك هو وعيده كما هو ظاهر.
وقال تعالى: ) كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (() أي ثبت ووجب والفاء للتعليل فكل مكذب لا بد أن يحق عليه ذلك وقال تعالى: ) إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ(() والوعيد الذي يجوز إخلافه هو وعيد عصاة المؤمنين المذنبين.. كما قال تعالى: ) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( أهـ المقصود منه.

((قول الشيخ عبد الله بن علي بن يابس رحمه الله))
قال الشيخ عبد اله بن على بن يابس رحمه الله في كتابه إعلام الأنام بمخالفة شيخ الأزهر شلتوت.
قال: (الوسوسة السابعة في التشكيك في دوام النار والرد عليه)..
قال في صفحة 39 (هل يدوم عذاب النار وتدوم النار كما يدوم النعيم والجنة. هنا بحث تناوله المتقدمون فعندهم أقوال وآراء ثم قال ليس في القرآن نص قطعي صريح دوام النار).. وجوابه من وجوه:
الأول: في ذكر الخلاف في ذلك قال صاحب فتح الباري، من زعم أنهم يخرجون منها وأنها تبقى خالية أو تفنى فهو خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه أهل السنة ثم قال وجمع بعض المتأخرين في هذه المسألة سبعة أقوال. أحدها هذا الذي نقل فيه الإجماع.
والثاني: قول من قال يعذبون فيها إلى أن تنقلب طبيعتهم وهذا قول ينسب إلى الزنادقة.
والثالث: قول من يقول يدخلها قوم ويخلفهم آخرون وهو قول اليهود وقد أكذبهم الله بقوله: ) وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (.
وقول رابع: يخرجون منها وتستمر على حالها.
والقول الخامس: أنها تفنى لأنها حادثة وكل حادث يفنى وهو قول الجهمية.
السادس: تفنى حركاتهم البتة وهو قول أبي الهذيل العلاف.
السابع: قول من يقول عذابها ويخرج أهلها منها جاء ذلك عن بعض الصحابة أهـ.
قلت ما روى عن الصحابة سنده منقطع لا يصح كما روى عن ابن مسعود وأبي هريرة وقد علمت أن كل القائلين بهذه المذاهب غير المذهب الأول وغير من قالوا بما روى عن الصحابة جميع الأقوال الخمسة القائلون بها لا يعدون في عداد المسلمين فقول الشيخ بأن المتقدمين تناولوه قول باطل بقي علينا أن نذكر شبهة القائلين بما روى عن الصحابة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم() فقد ذهبا يؤيدان هذا المذهب الذي يروى عن عمر وعن بعض الصحابة وسوف نسوق لك أدلته التي حشدها ابن القيم من كل ناحية وصوب ونناقشها وهو الوجه الثاني، ثم نذكر في الوجه الثالث الآيات القرآنية الدالة على دوام عذاب النار والله الموفق.
الوجه الثاني: أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله قد ذهبا يؤيدان القول بفناء النار وهي هفوة كبيرة() منهما أن كان ذلك رأيهما إلا أنه يشفع لهما قدمهما الصادق في الإسلام ودفاعهما عنه بكل شجاعة وإقدام وما لقياه في سبيل ذلك والخطأ لم يعصم منه إلا الشارع في تشريعه ولا يعرف عنهما سوى حشدهما أدلة القائلين بهذا المذهب ولم أر هذا الرأي صريحاً لهما بل أن ابن القيم صرح في بعض كتبه بأن أهل النار الذين هم أهلها لا يخرجون منها وهاك أدلتهم ليبين الحق وتنجلي الغاية إن شاء الله.
احتجا بما روى عبد بن حميد عن الحسن عن عمر واعترفا بأنه مرسل وهما يعلمان أن المرسل ليس بحجة للجهل بالساقط في الإسناد، ولكن لأجل رأيهما فخما عبد بن حميد والحسن البصري وفاتهما أن مرسلات الحسن خاصة ضعاف وأن عبد بن حميد لم يشترط الصحة لما رواه وحتى لو صححه لما أفاد تصحيحه، والمؤلفون الأولون ينقلون الصحيح والضعيف بل وربما الموضوع أما للجهل ببعض رجاله والقدح فيهم أو لأنهم يرون إبراز الإسناد يخلص من التبعة، وأنه أداء للأمانة لأن معظم من في عمرهم يعرفون الإسناد ورجاله وحتى لو صح عن عمر فليس بحجة فقد خالف عمر رضي الله عنه آية التيمم وهي صريحة وجادله في ذلك عمار وخالف في آية المهر حتى ردته العجوز، والحجة في قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.
واحتجا أيضاً بما روى عن ابن عباس في تفسير آية ) إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ (. وهو احتجاج باطل لوجوه:
الأول: أنه غير ثابت السند.
الثاني: أنه قول من ليس بحجة على فرض صحته.
الثالث: أنه في غير محل النزاع فإنه يخبر بأن أبوابها تصفق خالية أي أنهم يخرجون منها وهي موجودة وهذا هو حجة الزنادقة القائلين بخروجهم منها.
واحتجا بتقول عن بعض الصحابة لم تصح أسانيدها.
واحتجا أيضاً بالاستثناء في حق أهل النار ويلزمها أن يقولا في الاستثناء في حق أهل الجنة ما قالاه في استثناء أهل النار فالاستثناء أن واحد أما تشبثهما بقوله )عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ(. فيقول لها القائلون بفناء الجنة معناه حيث هي موجودة فالعطاء غير مجذوذ وكلنها تفنى وإن كان هذا القول باطلاً فالآخر مثله وقوله تعالى: ) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (. فقد قلتم فيه ما دامت النار موجودة فقالوا لكم وغير مجذوذ ما دامت الجنة لم تفن ولا فرق بين القولين، فإن قلتم هذا باطل قلنا وذلك مثله.
واستدلا أيضاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله (إن رحمتي غلبت غضبي) قلنا هذا مسلم ولكن لا يدل على فناء النار فرحمته أوسع من الجنة كما أن عذابه النار وغيرهما.
واحتجا بأن النار طهرة من خبث الشرك فقيل لهم ليس كذلك وإنما هي جزاء على الشرك لأن هذا الخبث غير ممكن الزوال قال تعالى: ) وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (. هذه هي أكبر حججهما، قد أوردنا عليها ما رأيت وقد أكثرا رحمهما الله في هذا الموضوع من الفلسفة التي لا تغني في الاحتجاج والله يغفر لهما إن كان ذلك رأيهما.
الوجه الثالث: في ذكر الآيات الدالة على عدم فناء النار منها قوله تعالى: ) فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (. والخلود الدوام الأبدي فهذه هي حقيقته إذا أطلق حتى يرد دليل علا خلافه خصوصاً أن الله تعالى أعقب الخلود في آية أخرى بالأبدية فقال خالدين فيها أبدا. وهذا يؤكد ما قلناه وقال في آية أخرى ) إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (. أي مقيماً ولو فنيت لم يكن عذابها غراماً ولا مقيماً. وقال ) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (. لفتر عنهم العذاب ولكان الخبر غير صادق.
وأخبر تعالى أنه لن يزيدهم إلا عذاباً ولو فنيت فإنه لم يزدهم عذاباً ولكنه سلمهم وقال تعالى: ) وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( ولو فنيت لخرجوا منه قطعاً وقال تعالى: ) أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي( ولو خرجوا منها لكان اليأس غير موجود وقال تعالى: ) لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ( ولو خرجوا لخفف عنهم العذاب.
ولم نأت على ذكر جميع الآيات وكفى بما ذكرناه غنية والله المستعان أهـ كلامه رحمه الله.

((قول الإمام المحدث شيخ الإسلام الصابوني رحمه الله))
قال شيخ الإسلام الصابوني رحمه الله المتوفى سنة (449) في عقيدة السلف وأصحاب الحديث. قال بعد كلام سبق (أما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبداً ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحداً).
وقال (ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما باقيتان لا يفنيان أبداً وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها لا يخرجون أبدا. وأن المنادي ينادي يومئذ يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهـ ص123 من الجزء الأول من مجموعة الرسائل المنيرية.



((قول الإمام الآجري رحمه الله))
قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتابه الشريعة رحمه الله تعالى قال: (كتاب الإيمان والتصديق بأن الجنة والنار مخلوقتان وأن نعيم أهل الجنة لا ينقطع عن أهلها أبداً وأن عذاب النار لا ينقطع عن أهلها الكفار أبداً ثم ساق الآيات والأحاديث في ذلك بمثل ما تقدم فراجعه إن شئت ص387 ثم قال ص398 (باب ذكر الإيمان بأن أهل الجنة خالدون فيها أبداً وأن أهل النار من الكفار والمنافقين خالدون فيها أبدا) ثم ساق الآيات والأحاديث.

((قول العلامة الآلوسي رحمه الله))
قال نعمان خير الدين الآلوسي في جلاء العينين كلاماً إليك أيها القارئ نصه (نقل الوالد قدس الله روحه في تفسيره عن الفهامة ابن الجوزي أنه ضعف بعض الآثار الواردة في ذلك كخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ((يأتي على جهنم يوم ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها أبوبا الموحدين)) وأول البعض أيضاً بعضها قال: وأن تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون ولا عبرة بالمخالف والقواطع أكثر من أن تحصى ولا يقاوم واحد واحداً منها كثير من هذه الأخبار) أهـ المقصود.

((قول الشيخ حافظ بن أحمد حكمي رحمه الله))
قال الشيخ حافظ رحمه الله تعالى في كتابه معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد ج{2} ص279.
فصل فيما ورد في الجنة والنار:

والنار والجنة حق وهما
موجودتان لا فناء لهما

أي ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالجنة والنار والبحث فيه ينحصر في ثلاثة أمور:
البحث الأول: كونهما حقا لا ريب فيهما ولا شك وأن النار دار أعداء الله والجنة دار أوليائه إلخ.
البحث الثاني: اعتقاد وجودهما الآن ثم ذكر الآيات والأحاديث ثم قال.
البحث الثالث: في دوامهما وبقائهما بإبقاء الله لهما وأنهما لا تفنيان أبداً ولا يفني من فيهما ثم ساق الآيات، أن النار لا تفنى ثم قال فأخبرنا تعالى في هذه الآيات وأمثالها أن أهل النار الذين هم أهلها خلقت لهم وخلقوا لها وأنهم خالدون فيها أبدا الآبدين ودهر الداهرين لا فكاك لهم منها ولا خلاص ولات حين مناص. فأخبر تعالى عن أبديتهم فيها بقوله )خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(. ونفى تعالى خروجهم منها بقوله تعالى ) وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ(. انقطاعها عنهم بقوله عز وجل ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى (. وقوله
) كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ( ثم ساق الأحاديث في أن النار لا تفنى ثم قال (نعم جاءت الأحاديث الصريحة بإخراج عصاة الموحدين الذين تمسهم النار بقدر جنايتهم وأنهم يخرجون منها برحمة الله تعالى ثم بشفاعة الشافعين كما سيأتي إن شاء الله قريباً وأن هؤلاء العصاة يسكنون الطبقة العليا من النار على تفاوتهم في مقدار ما تأخذ منهم.
وجاء فيها آثار أن هذه الطبقة تفنى بعدهم إذا أخرجوا منها وأدخلوا الجنة وأنها ليأتين عليها يوم وهي تصفق في أبوابها ليس بها أحد وعلى ذلك حمل جمهور المفسرين الاستثناء في وقله تعالى: ) إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ( الآية وعلى ذلك يحمل ما ورد من آثار الصحابة وما أحسن ما قاله ابن القيم في كتابه (الوابل الصيب) ثم ساق وقد قدمناه في أول الكتاب فليرجع عليه.

((قول الشيخ محمد العثيمين))
قال الشيخ محمد في شرحه لزاد المستنقع على قول المؤلف (ويستعيذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر) قال بعد كلام سبق البحث فيها من وجوه:
الوجه الأول:
هل هي موجودة الآن أو ليست موجودة ؟ ثم ذكر الجواب ثم قال: الوجه الثاني: هل هي مؤبدة أو مؤمدة يعنى هل تفنى أو هي دائمة آبد الآبدين؟ والجواب الثاني هو المتعين قطعا أنها مؤبدة ولا يكاد يعرف عند السلف سوى هذا القول ولهذا جعله العلماء من عقائدهم بأن نؤمن ونعتقد بأن النار مؤبدة ابد ا الآبدين وهذا أمر لاشك فيه لأن الله تعالى ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن في سورة النساء في قوله تعالى: (أن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا).
الثالث: في سورة الجن) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا( ولو ذكر الله عز وجل التأبيد في موضع واحد لكفى فكيف وهو قد ذكره في ثلاثة مواضع ومن العجب أم فئة قليلة من العلماء ذهبوا إلى أنها تغنى بنا على علل عليلة لمخالفتهما لمقتضى الكتاب والسنة وحرفوا من أجلها الكتاب والسنة فقالوا: أن خالدين فيها أبدا ما دامت موجودة فكيف هذا؟؟
إذا كانوا خالدين فيها أبدا لزم أن تكون هي مؤبدة(( فيها)) هم كائنون فيها وإذا كان الإنسان مؤبدا تخليده لزم أن يكون مكان الخلود مؤبدا لأنه لو فني مكان الخلق وما صح تأبيد الخلود والآية واضحة جدا.
والتعليلات الباردة المخالفة للنص مردودة على صاحبها وهذا الخلاف الذي ذكر عن فئة قليلة من أهل العلم خلاف مطرح لأنه مخالف للنص الصريح الذي يجب على كل مؤمن أن يعتقده ومن خالفه لشبهة قامت عنده فيعذر عند الله لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة عرف أنها مؤبدة والحكمة تقتضي ذلك () لأن هذا الكافر أفنى عمره في محاربة الله عز وجل ومعصية الله والكفر به وتكذيب رسله كل عمره مع أنه جاءه النذير وأعذر وبين له الحق ودعي إليه وقوتل عليه وأصر على الكفر والباطل فكيف نقول أن هذا لا يؤبد عذابه الآيات في هذا صريحة أ هـ.
وهذا القدر يكفي من نقل أقوال العلماء وطالب الحق يكفيه عشر ذلك فالمسألة واضحة لا لبس فيها وعلى هذا إجماع أهل العلم ولم يخالف أحد أن يأتي بشيء صريح عنهما بالقول بغناء النار فلذي نعتقده وندين الله به أنهما لا يريان ذلك لمخالفته مقتضى العقول وصريح المنقول والله الموفق.
فصل
( ذكر الآثار التي احتج بها القائل بغناء النار والجواب عنها)
الأثر الأول:
ورد في معجم الطبراني أني حديث مرفوع من طريق عبد الله بن مسعر بن كدام عم جعفر عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يأتي على جهنم يوم ما فيها من بني آدم واحد تخفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين).
الجواب عم هذا الحديث أن يقال. هذا حديث موضوع لا يصح فمن نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل في الوعيد الشديد المنصوص عليه بقوله: ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) رواه الإمام أحمد والشيخان قال ابن الجوزي في كتاب الموضوعات ج3 ص 268 ( هذا حديث موضوع محال وجعفر هو ابن الزبير قال شعبة: كان يكذب وقال يحيى ليس بثقة وقال السعدي: نبذوا حديثه وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك) أ هـ ... وقال الذهبي في ترجمة جعفر بن الزبير: ( ويروي بإسناد مظلم عنه حديثه متنه: يأتي على جهنم يوم ما فيها أحد من بني آدم تخفق أبوابها) أ هـ ص 407 ج (1) ميزان الاعتدال.
وكذلك في إسناده عبد الله بن مسعر بن كدام قال الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمته( قال أبو حاتم: متروك الحديث) ثم قال الذهبي ( وفي معجم الطبراني من حديث هذا التالف...) ثم ساق له هذا الحديث ثم قال( وهذا باطل).
الأثر الثاني والجواب عنه:
روى عبد بن حميد في تفسيره فقال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال: قال عمر( لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه).
فأقول: هذا الأثر رجاله كلهم ثقات ولكنه منقطع فقولنا رجاله ثقات توفرت ثلاثة شروط من خمسة. وسبب انقطاع هذا الأثر هو أن الحسن لم يسمع من عمر عند أكثر أهل العلم وفيه خلاف معروف عند أهل الحديث والمنقطع عند أهل الحديث من قبل الضعيف. والضعيف لا يحتج به في هذه المسائل. بل ذهب جماعة من العلماء إلى أن الحديث الضعيف لا يعمل به ولا في فضائل الأعمال () فكيف بمسألة هي أكبر من الدنيا وما فيها كما قاله ابن القيم رحمه الله:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري ج 11 ص 422 ( هو منقطع) ثم قال ( ولو ثبت حمل على الموحدين أ هـ قلت وظاهر هذا الأثر ليس فيه دلالة على أنهم الكفار فيجب حمله على الموحدين هذا لو ثبت وإلا فهو ضعيف لا يحتج به ونحن في غنية بالأحاديث الموضوعة والآثار الواهية. ومما يضاف إلى ذلك ما قاله الحافظ الذهبي رحمه الله: ( كان الحسن كثير التدليس) أ هـ . ومعلوم أن المدلس لا يقبل حديثه حتى يصرح بالسماع.
الأثر الثالث والجواب عنه:
أخرج البزار من طريق أبي بلج سمع عمرو بن ميهون يحدث عن عبد الله ابن عمرو قال(ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا).
الجواب عن هذا: أن يقال: هذا الأثر ضعيف كسابقه بل أشد لأن في إسناده أبا بلج () قال ابن حجر في تقريب التهذيب في ترجمته (صدوق ربما أخطأ) أ هـ قلت هذا من أخطائه ولذلك قال الحافظ الذهبي في ترجمته: (ومن بلاياه): الفسوى في تاريخه حدثنا بندار عن شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد. وهذا منكر قال ثابت البناني سألت الحسن عن هذا فأنكره أهـ (ص385 ج4) ميزان الإعتدال).
وبذلك تعلم أن قول بعضهم (رجاله ثقات) فيه نظر لما تقدم من ضعف أبي بلج. قال أحمد (روى حديثاً منكراً) وقال البخاري: (فيه نظر) قال الذهبي في الموقظة (عادة البخاري إذا قال "فيه نظر" أنه بمعنى أنه متهم أو ليس بثقة فهو عنده أسوأ حالاً من الضعيف) أهـ مع أن هذا الأثر وأثر أ[ي هريرة (الآتي إن شاء الله) (كان أصحابنا يقولون يعني من الموحدين أضف إلى ذلك أنه ثبت عن عبد الله بن عمرو خلافه كما تقدم عنه في ذكر الآثار عن الصحبة الدالة على بداية النار...
الأثر الرابع والجواب فيه:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباً).
الجواب أن يقال هذا الأثر ذكره ابن جرير في تفسيره ج8 ص118 قال حدثت عن المسيب عمن ذكره قال: قال ابن مسعود فذكره.
وذكره البغوي في تفسيره بدون إسناد وهذا الأثر لا يصح ابن جرير لم يذكر الذي حدثه والمسيب لم يذكر من حدثه فهو أثر تالف باطل.. وعلى سبيل صحته فقد قال البغوي في تفسيره (معناه عند أهل السنة إن ثبت أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان وأما مواضع الكفار فممتلئة أبداً) ج2 ص403.
الأثر الخامس:
ساقه ابن القيم رحمه الله في (حادي الأرواح) من رواية إسحاق بن راهويه قال حدثنا عبيد الله() حدثنا أبي حدثنا شعبة عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (ما أنا بالذي لا أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد) وقرأ قوله: ) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ( الآية قال عبيد الله كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين.
الجواب عنه: هذا الأثر إسناده على شرط الشيخين إلا يحيى بن أيوب فلم يخرجا له. وذكر العقيلي في كتاب الضعفاء بإسناده عن يحيى بن معين أنه قال عنه (ضعيف) ونُقل عن يحيى بن معين أنه وثقه قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب (لا بأس به) وهذه من صيغ توثيق الرجل وقبوله ولكنه في المرتبة الرابعة من المراتب التي ذكرها الحافظ في مقدمة كتابة تقريب التهذيب فالذي يظهر لي أن هذا الأثر إسناده صحيح ولكن جوابه من وجهين.
الوجه الأول: أنه ليس فيه دلالة على فناء النار بل هو محمول على الموحدين للجمع بينه وبين الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم على عدم فناء النار ولذلك قال عبيد الله: كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين فحمل هذا الأثر على الطبقة التي فيها عصاة المسلمين متعين لأنه به يحصل الجمع بين الأدلة.
الوجه الثاني: لو فرضنا أن هذا الأثر فيه دلالة على فناء النار فهو قول صحابي وهو ليس بحجة إذا خالف السنة الصحيحة باتفاق العلماء وهناك من الصحابة من أفتوا بعدم فناء النار كما تقدم في ذكر الآثار عن الصحابة وقول الصحابي على صحابي مثله ليس بحجة بالإجماع كما نقل ذلك ابن عقيل وغيره فكيف إذا خالف الكتاب والسنة وقد ذكر الله التأبيد أعني تأبيد الكفار في النار في ثلاثة مواضع في سورة النساء في قوله تعالى: ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا... (.
والثاني في سورة الأحزاب ) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا...(
والثالث في سورة الجن في قوله تعالى: ) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ( والأحاديث في أبدية النار كثير جداً وقد تقم بعضها. وهذا الأثر أعني أثر أبي هريرة لا دلالة فيه البتة على فناء النار إنما قلنا ذلك على سبيل التنزل وقد قال الخازن في تفسيره على أثر أبي هريرة وابن مسعود المتقدم (وهذا إن صح عن ابن مسعود وأبي هريرة فمحمول عند أهل السنة على إخلاء أماكن المؤمنين الذين استحقوا النار بعد إخراجهم منها لأنه ثبت بالدليل الصحيح القاطع إخراج جميع الموحدين، وخلود الكافرين فيها..) أهـ المقصود منه من الجزء الثالث ص254، وتقدم كلام البغوي على هذا الأثر يغني عن إعادته.
وبعد هذا البيان يتضح للقارئ أنه لم يصح شيء عن الصحابة في فناء النار فنسبة القول إليهم بفناء النار خطأ قطعاً يجب إنكاره والذب عن الصحابة الأخيار أن ينسب إليهم ما لم يقولوه.
قال صاحب كتاب الزواجر (لم يصح عنهم يعني الصحابة من ذلك شيء وعلى التنزل فمعنى كلامهم كما قاله العلماء ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين أما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم لا يخرجون عنها أبداً كما ذكره الله في آيات كثير) أهـ ج1 ص37.

فصل
ومن المناسب بعد الأجوبة عن الآثار التي استدلوا بها على فناء النار أن نذكر الآيات التي استدلوا بها ونجيب عنها بكلام أهل العلم العدول الثقات.
والآيات التي استدلوا بها ثلاث آيات، قوله تعالى في سورة الأنعام ) قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ( الآية، وقوله تعالى في سورة هود: ) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ( الآية وقوله تعالى في سورة النبأ: ) لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (الآية.
والجواب عن هذه الآيات أما الآية الأولى والثانية.
فللعلماء عنهما أجوبة() منها أن قوله ) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ( معناه إلا من شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين لأن الأحاديث ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في خلود الكفار في النار وعدم خروجهم منها وكذلك ثبتت الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم أن الكبائر يخرجون من النار ومنها إنه استثناء لا يفعله تقول : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك على ضربه ذكره الفراء وهو معنى قول أبي صالح عن أبن عباس (( إلا ما شاء الله )) قال : (( فقد شاء أن يخلدوا فيها قال الزجاج وفائدة هذا أنه لو شاء أن يرحمهم ولكنهم أعلمنا أنهم خالدون أبدا.)) أهـ . هذا الوجه من زاد المسير لابن الجوزي.
ومنها أن ((إلا)) في سورة هود بمعنى سوى فيكون المعنى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء الله من الزيادة والخلود، والأقوال ثمانية في هذه المسألة من أرادها فليرجع إليها في أماكنها ولما ساقها الإمام الشنقيطي في معارج الصعود قال وأقرب هذه الأقوال: القول الأول.
وأما قوله تعالى: )لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا( فقد أجاب عنها الإمام الشنقيطي رحمه الله في معارج الصعود فقال (أحقاباً ظرف منكر يفهم منه أنه ينتهي في وقت ما ثم قال والجواب قد أوضحه الله تمام الإيضاح في سورة وخير ما يفسر به القرآن القرآن فالأحقاب في آية النبأ متعلقة بما بعدها وهو أنهم في تلك الأحقاب لا يذوقون إلا الحميم والغساق ثم بعد أن تنتهي تلك الأحقاب يشكل لهم العذاب من غيرهما أشكالاً لا نهاية لها والدليل على أن المراد ما ذكرنا قوله تعالى في سورة ) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ( فالأحقاب التي في النبأ لا يقع فيها الحميم والغساق ولا يقع فيها غيرهما وإذا قلنا بانتهاء تلك الأحقاب تنتهي النار يبقى ما ذكر في سورة لا ظرف له وهو خلاف القرآن فظهر أن الأحقاب ظرف لحميم والغساق وأنه بعد انتهاء تلك الأحقاب تأتي ألوان أخرى من العذاب أهـ المقصود.
وذهب بعض العلماء إلى أن الأحقاب هو الذي لا انقطاع له أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله تعالى: )لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا( قال الأحقاب ما لا انقطاع له كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر.
ونقل البغوي في تفسيره عن الحسن قال: إن الله لم يجعل لأهل النار مدة بل قال: )لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا( فوالله ما هو إلا إذا مضى حقل دخل حقب آخر ثم آخر إلى الأبد فليس للأحقاب عدة إلا الخلود أهـ.. وهذا القول فيه قوة يؤيده قوله تعالى: ) فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا( وقوله ) كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ( وبهذا البيان يتضح للقارئ أنه ليس مع من قال بفناء النار من الحجج إلا ما هو أو هي من بيت العنكبوت.

فصل
قد يقول بعض الناس يلزم مما تقدم من كلامك أن تبدع من قال بفناء النار من المتقدمين كفلان وفلان و و و...؟
فيقال: هذا الإلزام باطل لا يقوله إلا من هو جاهل ولا أعلم أحداً من أهل العلم المحققين قال بهذا الإلزام الباطل وأيضاً مما يجب التنبيه عليه والتفطن له أن العالم قد يقول قولا مرجوحاً ويكون مجتهداً فيه مأجوراً على اجتهاده فيه مغفوراً له خطؤه لعدم بلوغ الحجة له إلى غير ذلك من الأعذار التي توجب العفو.
أما غيره ممن بلغته الحجة فهذا يبدع ولا يكون بمنزلة الأول وهذا الباب باب عظيم يجب تفهمه وتدبره وتعلقه لأنه يفتح لطالب العلم باباً عظيماً من أبواب العلم ولشيخ الإسلام رحمه الله كلام مهم في هذه المسألة نذكره بلفظه قال في الفتاوى ج6 ص61 (إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت لعدم بلوغ الحجة له فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك ولا تبدع عائشة ونحوها ممن يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم فهذا أصل عظيم نتدبره فإنه نافع).
وقد صدرت أشياء كثيرة من بعض التابعين خصوصاً في العقائد ومع ذلك عدها العلماء من الخطأ المغفور ولما قال بها من بعدهم بدعوه وضللوله فمن ذلك ما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى وفسروا قوله: ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ( بأنها تنظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبي صالح(). وأشياء كثيرة من هذا النوع ولم يقل أحد من أهل العلم أن من أنكر رؤية الله لا يبدع ولا يضلل من أجل ما روى عن بعض التابعين ولو ذكرنا أقوال العلماء في هذه المسألة لطال بنا الكلام عما قدمناه وهو إبطال أدلة القائلين بفناء النار والله أعلم.
وهنا مسألة ينبغي التفطن لها وهي أن كثيراً من الناس يتكلم في هذه المسألة العظيمة أعني فناء النار تقليداً لشيخه ومتبوعة ولو قالها غير شيخه لما قال بها واعتقدها بل قد يعادي من قال بها فهو لم يقل بها إلا من أجل أن شيخه قال بها وهذا التابع لا يكون بمنزلة متبوعه لأنه مقلد جاهل لا علم له ولا دراية بل مع كل ناعق يهرول قال ابن رجب() رحمه الله (وههنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أن كثيراً من أئمة الدين قد يقول قولاً مرجوحاً ويكون مجتهداً فيه مأجوراً على اجتهاده فيه موضوعاً عنه خطؤه فيه ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا يكون متبوعة قد قاله بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ولا انتصر له ولا والى من يوافقه ولا عادى من خالفه ولا هو مع هذا يظن أنه أنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده وأما هذا التابع فقد شابه انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته وأنه لا ينسب إلى الخطأ وهذه دسيسة نقدح في قصداً لانتصار للحق فافهم هذا فإنه مهم عظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم أهـ كلامه رحمه الله.


قام بصفها ونشرها
[أبو عمر الدوسري]
أجزل الله له المثوبة

ندعوك لزيارة هذا الموقع
www.frqan.com