أحكام التلبية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: أحكام التلبية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,589

    افتراضي أحكام التلبية

    أحكام التلبية 1

    د.عبود بن علي بن درع




    المقدمة :



    الحمد لله على إحسانه وتوفيقه ، والشكر له على فضله وامتنانه ، أحمده تعالى وأشكره ، وأتوب إليه وأستغفره ، وأثني عليه الخير كله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، تعظيماً لشأنه ، وإقراراً بعبوديته وربوبيته وألوهيته وكماله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ومصطفاه وخليله، الداعي إلى رضوانه ، والمبلغ للناس رسالاته ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه ، ومن سار على نهجهم واتبع أثرهم إلى يوم القيامة وسلم تسليماً كثيراً مباركاً فيه.



    أما بعد :



    فالحج من العبادات التي يتجلى فيها تعظيم الرب ـ جل جلاله ـ في كل منسك من مناسكه، فإن هناك كثيراً من أفعال الحج غير معقولة المعنى ، غير أن المعنى الذي يجمعها جميعاً هو الطاعة المطلقة والتعظيم المطلق لله تعالى ، فالطواف يكون حول البيت الذي هو من الحجارة ، والحجر الأسود يقبل مع كونه حجراً ، ورمي الجمار إنما هو حجر يرمى به حجر ، فما الذي جعل هذا الحجر يرمى ، وهذا الحجر يقبل ، وهذا الحجر يطاف حوله ، مستوى العبودية المحضة والتعظيم الخالص لله تعالى ! .



    وفي التلبية التي هي شعار الحج أعظم عبارات الثناء والتعظيم لله جل وعلا : " لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة ، لك والملك ، لا شريك لك" .







    ذكر ابن القيم رحمه الله في معنى التلبية كلاماً جميلاً نذكر منه ما يدل على تعظيم الرب تعالى، حيث ذكر من معانيها : "إجابة لك بعد إجابة ، أو انقياداً لك بعد انقياد ، أي انقدت لك ، وسعت نفسي خاضعة ذليلة ، أو حباً لك بعد حب ، أو أخلصت لُبي وقلبي لك ، فهي شعار التوحيد ملة إبراهيم الذي هو روح الحج ومقصده ، بل روح العبادات كلها والمقصود منها ، ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها .



    وكذلك فإنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها ، ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق، أي النعم كلها لك وأنت موليها والمنعم بها .



    ومشتملة كذلك على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده ، فلا ملك على الحقيقة لغيره .



    والله سبحانه يفرق في صفاته بين الملك والحمد ، وسوغ هذا المعنى أن اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال والملك ، والملك وحده كمال ، والحمد كمال ، واقتران أحدهما بالآخر كمال ، فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة ، مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة ، مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته ، كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله"[1].



    وقد اخترت الكتابة في هذا الموضوع وقد أسميته " أحكام التلبية " سائلاً المولى القدير أن ينفعني به وأن ينفع به إخواني المسلمين ، إنه ولي ذلك والقادر عليه .



    أسباب اختيار الموضوع :



    أولاً :التلبية عبادة وذكر له اثر بالغ وفائدة عظيمة ، والعبادة ينبغي بيان ما شرعه الله فيها ، وما منع فيها حتى لا يقع الداعي في شيء من البدع والمخالفات .







    ثانياً : حاجة المسلمين إلى بيان أحكام هذه العبادة وما يتعلق بها من مسائل خاصة بضيوف الرحمن من حجاج ومعتمرين في كل وقت وحين ، وهم بحمد الله في هذه العصور يزدادون يوماً بعد يوم ، فكانت مسؤولية أهل العلم والاختصاص في بيان الهدي النبوي في هذه الفريضة من الأهمية بمكان .



    ثالثاً : الرغبة في خدمة الفقهاء وطلبة العلم ببحث مسائل التلبية وجمعها في مكان واحد بحيث يسهل الوصول إليها والرجوع لها بسهولة ويسر.



    رابعاً : بعد الاطلاع والبحث ـ حسب علمي ـ لم أعثر على دراسة علمية شاملة للموضوع ، تجمع مسائله ، وتفصل أدلته ، فعقدت العزم على الكتابة في هذا الموضوع بشيء من التفصيل أجمع ما قيل فيه ، وأفصل أدلته ، وأذكر الأقوال والتفريعات مع الاجتهاد في تتبع الجزئيات بقدر الإمكان .



    فجزى الله العلماء قديماً وحديثاً على ما قدموا وبذلوا خيراً فمن معينهم غرفت ، ومن مسائلهم ارتشفت ، وعلى الله جل وعلا توكلت نعم المولى ونعم النصير.



    ولقد سرت في بحث هذا الموضوع ضمن الخطة التالية والتي اشتملت على ستة مباحث



    المقدمة : وتحدثت فيها عن الموضوع ، وأهميته ، وأسباب اختياره إضافة إلى بيان خطة البحث ، ومنهجه .



    المبحث الأول :معنى التلبية وفضلها وفوائدها وألفاظها ومواطنها وآدابها .



    وفيه ثمانية مطالب :



    المطلب الأول : معنى التلبية







    المطلب الثاني : فضل التلبية .



    المطلب الثالث : سبب التلبية .



    المطلب الرابع : فوائد التلبية .



    المطلب الخامس : ألفاظ التلبية .



    المطلب السادس : حكم الزيادة على التلبية .



    المطلب السابع : مواطن التلبية .



    المطلب الثامن : آداب التلبية .



    المبحث الثاني : حكم التلبية وترجمتها وحكم العجز عنها .



    وفيه ثلاث مطالب .



    المطلب الأول : حكم التلبية .



    المطلب الثاني : حكم من نسي التلبية .



    المطلب الثالث : حكم التلبية لمن لا يقدر عليها.



    وفيه المسائل التالية :



    المسألة الأولى : حكم التلبية بغير العربية .



    المسألة الثانية : حكم اتخاذ مترجم للأعاجم في التلبية .



    المسألة الثالثة : إذا كان الملبي يحسن العربية فهل له أن يلبي بغيرها ؟



    المسألة الرابعة : حكم العجز عن التلبية .



    المبحث الثالث : أحكام رفع الصوت بالتلبية .



    وفيه ثلاث مطالب:



    المطلب الأول : فضل رفع الصوت بالتلبية



    المطلب الثاني : حكم ترك الصوت بالتلبية إن خاف ذهاب صوته .



    المطلب الثالث : حكم رفع الصوت بالتلبية في حق الرجل والمرأة .



    وفيه فرعان :



    الفرع الأول : حكم رفع الصوت بالتلبية في حق الرجل .



    الفرع الثاني : حكم رفع الصوت بالتلبية في حق المرأة .



    المبحث الرابع : أحكام الملبي وقت التلبية .



    وفيه خمسة مطالب :



    المطلب الأول : وقت بداية التلبية .



    المطلب الثاني : حكم من بدأ بدعاء الركوب قبل التلبية .



    المطلب الثالث : حكم التلبية عن الصبيان .



    المطلب الرابع : حكم تلبية غير المحرم .



    المطلب الخامس : حكم التلبية حال الجنابة .



    المبحث الخامس : متى يقطع المحرم التلبية .



    وفيه مطلبان :



    المطلب الأول : متى يقطع المعتمر التلبية .



    المطلب الثاني : متى يقطع الحاج التلبية



    المبحث السادس : ظواهر الانحراف في التلبية .



    وفيه خمسة مطالب :



    المطلب الأول : الانحراف في تلبية الجاهلية .



    المطلب الثاني : التلبية في الأمصار .



    المطلب الثالث : رفع الصوت بالتلبية للمرأة بحضرة الأجانب .



    المطلب الرابع : التلبية الجماعية .



    المطلب الخامس : التمايل عند التلبية .



    المطلب السادس : وضع تسجيل صوتي للتلبية في ألعاب الأطفال.



    الخاتمة : وتشمل أهم النتائج



    منهج البحث :



    لقد سرت في بحث هذا الموضوع على المنهج التالي :



    ـ الاقتصار على المذاهب الفقهية المعتبرة ، من كتب الأئمة الفقهية الأربعة ، وقد أضيف



    إليها المذهب الظاهري إذا اقتضت طبيعة دراسة المسألة ذلك .



    ـ ذكر الأقوال في المسالة ، مع توثيق الأقوال من كتب أهل المذهب نفسه .



    ـ استقصاء أدلة الأقوال ، مع بيان وجه الدلالة ، وذكر ما يرد عليها من مناقشات ، وما



    يجاب به عنها إن كانت .



    ـ الترجيح مع بيان سببه .



    ـ ترقيم الآيات وبيان سورها ، وتخريج الأحاديث مع العناية ببيان درجة الحديث من



    كتب التخريج المعتمدة .



    ـ الخاتمة عبارة عن ملخص لأبرز النتائج .



    ـ فهارس للمراجع والموضوعات .



    وبعد فأرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وفقت في هذا البحث للصواب ، وأن يجعله



    خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به الإسلام والمسلمين .



    المبحث الأول : معنى التلبية وفضلها وفوائدها وألفاظها ومواطنها وآدابها .



    وفيه ثمانية مطالب :



    المطلب الأول : معنى التلبية .



    المطلب الثاني : فضل التلبية .



    المطلب الثالث : سبب التلبية .



    المطلب الرابع: فوائد التلبية .



    المطلب الخامس : ألفاظ التلبية .



    المطلب السادس : حكم الزيادة على التلبية .



    المطلب السابع : مواطن التلبية .



    المطلب الثامن : آداب التلبية .



    المطلب الأول : معنى التلبية :



    1 المعنى الأول للبيك مأخوذة من لبى بمعنى أجاب ، ولفظها : لبيك منصوبة على المصدر ، وثنى على معنى التأكيد ، أي إلباباً بعد الباب ، وإقامة بعد إقامة[2] .



    قال ابن حجر : أي معنى إجابة بعد إجابة ـ أظهر وأشهر لأن المحرم مستجيب لدعاء الله إياه في حج بيته ، ولهذا من دعا فقال لبيك فقد استجاب "[3] .



    قال بن عبد البر قوله : " قال جماعة من أهل العلم معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن بالحج في الناس "[4] .



    أخرج أحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له : أذن في الناس بالحج ، قال : رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليَّ البلاغ . قال: فنادى إبراهيم : يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق ، فسمعه من بين السماء والأرض ، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون"[5] .



    فتبين بهذا أن أحد معاني لبيك الإجابة كما أجابوا بنعم وبلى ونحوها . كما أنه أراد بقوله لبيك وسعديك إجابة بعد إجابة كأنه قال كلما أجبتك في أمر فأنا في الأمر الآخر مجيب وكأن هذا التشبيه أشد توكيداً [6] .



    ومن مظاهر الإيمان في هذا المعنى " أن قولك لبيك يتضمن إجابة داعٍ دعاك ومنادٍ ناداك ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه[7]. فالملبي قد أجاب الله الذي دعاه إلى الحج ليغفر له ذنوبه فهو بتلبيته مستجيب لدعاء الله "ومعنى التلبية إجابة الله إنما فرض عليهم من حج بيته والإقامة على طاعته فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء الله إياه في إيجاب الحج عليه ومن أجل الاستجابة ـ والله أعلم ـ لبى لأن من دعا فقال لبيك فقد استجاب[8] .



    2 أما المعنى الثاني للبيك فهو : الإقامة: والمعنى أنا مقيم على طاعتك ملازم لها ، مأخوذ من لب بالمكان[9] .



    قال ابن القيم : " إنه من لب بالمكان إذا أقام به ولزمه ، والمعنى أنا مقيم على طاعتك ملازم لها ـ وهذا اختيار الجوهري ـ [10] .ففيه معنى الإقامة والملازمة والمداومة " فأما تأويل قولهم لبيك فإنما يقال : ألب فلان على الأمر إذا لزمه ودام عليه فمعناه مداومة على إجابتك ومحافظة على حقك فإذا قال العبد لربه : لبيك فمعناه ملازمة لطاعتك ومحافظة على أمرك"[11] .
    يتبع






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,589

    افتراضي رد: أحكام التلبية

    أحكام التلبية 1

    د.عبود بن علي بن درع

    وفي هذا المعنى من مظاهر الإيمان " أنها تتضمن التزام دوام العبودية ولهذا قيل هي من الإقامة أي أنا مقيم على طاعتك"[12] .
    3 وأما المعنى الثالث للبيك فهو القصد والاتجاه أي قصدي واتجاهي إليك" قال الخليل: " هو من قولهم دار فلان تَلُبُّ داري أي تحاذيها أي أنا مواجهك بما تحب إجابة لك والباء للتنية"[13] .
    قال النووي : " واختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها فيل معناها: اتجاهي وقصدي إليك مأخوذ من قولهم داري تلب دارك أي : تواجهها "[14] .
    4 والمعنى الرابع للبيك هو الانقياد أي انقدت لك انقياد الملبب بردائه ففيه معنى الخضوع والذل فهو " انقياد من قولهم : لببت الرجل إذا إذا قبضت على تلابيبه ومنه لببته بردائه والمعنى انقدت لك وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة كما يفعل بمن لُبب بردائه "[15] .
    والتلبية هي إجابة دعوة الله تعالى لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم عليه السلام والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلته والمعنى : إنا مجيبوك لدعوتك مستسلمون لحكمتك مطيعون لأمرك مرة بعد مرة لانزال على ذلك"[16]
    5 أما المعنى الخامس للبيك فهو من المحبة و" معناه حباً لك بعد حب من قولهم امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها"[17] .ومن مظاهر الإيمان في هذا المعنى أنه " لا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه ولهذا قيل في معناها أنا مواجه لك بما تحب وأنا من قولهم امرأة لبة أي محبة لولدها"[18] .
    6 والمعنى السادس للبيك : " اللب وأنه مأخوذ من لبَّ الشيء وهو خالصه ومنه لب الطعام ولب الرجل عقله وقلبه ومعناه : أخصلت لي وقلبي لك وجعلت لك لبي وخالصتي [19] .
    وفي هذا المعنى من مظاهر الإيمان " أنها تتضمن الإخلاص ولهذا قيل أنها من اللب وهو الخالص" [20] .فالحاج حينما يردد هذه الكلمات فهو يلحظ هذا المعنى فهو يقول : قد أجبتك مخلصاً لك لبي وقلبي وجعلت لك لبي وخالصتي .
    7 وأما المعنى السابع للبيك فهو من الرخاء والسعة فهو " من قولهم " فلان رخي اللب وفي لب رخي أي في حال واسعة منشرح الصدر ومعناه أني منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها متوجه إليك بلب رخي بوجد المحب إلى محبوبه لا بكره ولا تكلف "[21] .
    8 والمعنى الثامن : للبيك مأخوذ من الاقتراب فهو : " من الإلباب وهو الاقتراب أي اقتراباً إليك كما يتقرب المحب من محبوبه"[22] . لأن قولك لبيك إنما يريدون قرباً ودنواً على معنى إلباب بعد إلباب أي : قرب بعد قرب فجعلوا بدله لبيك ويقال: ألب الرجل بمكان كذا وكذا أي: أقام، وكان الوجه أن تقول لبيتك لأنهم شبهوا ذلك باللب فإذا اجتمع في الكلمة حرفان غيروا الحرف الأخير كما قال الله جل وعز { وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا }[23] . والأصل دسها فقالوا : لبيك قربت وأقمت ، وإذا قالوا : أنا لب فإنما يريدون قريب منك مرة واحدة وإذا قالوا لبيك أرادوا أنا قريب منك أنا قريب منك مرتين قال الشاعر:
    دعوت لما نابني مسوراً فلبى فلبى يدي مسور[24]
    وفي هذا المعنى من مظاهر الإيمان " أنها تتضمن التقرب من الله ولهذا قيل : إنها من الإلباب وهو التقرب "[25] وأيضاً " تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى إذ يستحيل أن يقول الرجل : لبيك لمن لا يسمع دعاءه"[26] .
    قال ابن تيمية رحمه الله : والأجود في اشتقاقها : أن جماع هذه المادة : هو العطف على الشيء والإقبال إليه ، والتوجه نحوه ؛ ومنه اللبلاب ، وهو نبت يلتوي على الشجر ، واللبلبة: الرقة على الولد ، ولبلبت الشاة على ولدها : إذا لحسته ، واشبلت عليه حين تضعه ، ومنه لب بالمكان ، وألب به : إذا لزمه ؛ لإقباله عليه ، ورجل لب ولبب ؛ أي : لازم الأمر ، ويقال : رجل لب طب؛ قال "[27] .
    لباباً لإعجاز المطي لاحقا
    قال :
    فقلت لها"[28] قيئي إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيب
    وامرأة لبة ، قال أبو عبيد"[29] أي: قريبة من الناس لطيفة ، ومنه اللبة ؛ وهي المنحر ، واللب؛ وهو موضع القلادة من الصدر من كل شيء، وهو ما يشد أيضاً على صدر الناقة أو الدابة ، يمنع الرجل من الاستخار ، سمي مقدم الحيوان : لبباً ولبة ؛ لأنه أول ما يقبل به ويتوجه ، ثم قيل: لببت الرجل تلبيباً : إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ، ثم جررته ؛ لأن انقياده واستجابته تكون بهذا الفعل ، وقد تلبب: إذا انقاد .
    وسمي العقل لباً ؛ لأنه الذي يعلم الحق فيتبعه ، فلا يكون للرجل لب حتى يستجيب للحق ويتبعه ، وإلا فلو عرفه وعصاه ، لم يكن ذا لب ، وصاحبه لبيب .
    ويقال : بنات ألبب: روق في القلب ، تكون منها الرقة .
    وقيل لأعرابية "[30] . تُعاقب ابناً لها : مالك لا تدعين عليه ؟! قالت: تأبى له ذلك بنات ألببي وقد قيل في قول[31] .الكميت :
    إليكم ذوي آل النبي تطلعت نوازع من قلب ظماءً وألـبُبُ
    إنه من هذا ، وقيل: إنه جمع لب، وإنما فك الإدغام للضرورة ، فالداعي إلى الشيء يطلب استجابة المدعو وانقياده ، وإقباله إليه ، وتوجهه نحوه ، فيقول : لبيك ؛ أي: قد أقبلت إليك ، وتوجهت نحوك ، وانقدت لك ، فأما مجرد الإقامة ، فليست محفوظة [32] .
    والمستحب : كسر إنَّ ؛ نص عليه[33] ويجوز فتحها ، فإذا فتح كان المعنى : لبيك ؛ لأن الحمد لك ، أو بأن الحمد لك ، وعلى هذا فيبنغي أن توصل أن بالتلبية التي قبلها ؛ لأنها متعلقة بها تعلق المفعول بفاعله، وتكون التلبية فيها خصوص ؛ أي : لبيناك بالحمد لك ، أو بسبب أن الحمد لك ، أو لأن الحمد لك ، وأما الحمد ، فلا خصوص فيه ، كما توهمه [34] بعض أصحابنا .
    وأما إذا كسر ، فإنها تكون جملة مبتدأة ، وإن كانت تتضمن معنى التعليل ، فتكون التلبية مطلقة عام ، والحمد مطلق ؛ كما في قوله : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير، وفي قوله : ] يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ [ [35] .
    المطلب الثاني : فضل التلبية :
    التلبية : من ميراث الأنبياء ، وهي إجابة لدعوة إبراهيم لما أمر بالحج إلى بيت الله الحرام كما قال تعالى ] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [ [ الحج : 27] .فلما لبى عليه السلام خفضت الجبال له رؤوسها ، ورُفعت له القرى ؛ فعن ابن عباس قال لأبي الطفيل " هل تدري كيف كانت التلبية ؟ قال: قلت: وكيف كانت ؟ قال: " إن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس بالحج، خفضت له الجبال رؤوسها ، ورفعت له القرى ، فأذن في الناس بالحج " [36] ، قال ابن المنير " وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه سبحانه وتعالى " [37] ذلك أن " التلبية هي إجابة دعوة الله تعالى لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم عليه السلام والملبي : هو المستسلم المنقاد لغيره كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته والمعنى: إنا مجيبوك لدعوتك مستسلمون لحكمتك مطيعون لأمرك مرة بعد مرة لانزال على ذلك "[38] قال الله تعالى { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [ [39] قال الشافعي : " فسمعت بعض من أرضى من أهل العلم يذكر:أن الله تبارك وتعالى لما أمر بهذا إبراهيم عليه السلام وقف على المقام فصاح صيحة : عباد الله أجيبوا داعي الله فاستجاب له حتى من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فمن حج البيت بعد دعوته فهو ممن أجاب دعوته ووافاه من وافاه يقولون لبيك داعي ربنا لبيك وقال الله عز وجل { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} الآية فكان ذلك دلالة كتاب الله عز وجل فينا وفي الأمم على أن الناس مندوبون إلى إتيان البيت بإحرام" [40] قال ابن كثير : " وقوله { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} أي ناد في الناس بالحج داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه فذكر أنه قال: يارب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم فقال ناد وعلينا البلاغ فقام على مقامه وقيل على الحجر وقيل على الصفا وقيل على أبي قبيس وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض وأسمع من في الأرحام والأصلاب وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك هذا مضمون ما ورد عن بن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد ابن جبير وغير واحد من السلف والله أعلم[41] .
    وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: يقف المسلمون بين هذه الأجبل ، قال : فيلبي المؤمن فيقول : " لبيك اللهم لبيك قال : فيقول الله عز وجل: " لبيك وسعديك استجبت دعوتك وقبلت نفقتك وغفرت لك ذنبك فاستأنف العمل يا مؤمن"[42] .
    قال مجاهد :كان إبراهيم أول من لبى[43] .
    وعن ابن عباس قال: قام إبراهيم خليل الله على الحِجْر ، فنادى : يا أيها الناس كُتب عليكم الحج ، فأسمع من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة :لبيك اللهم لبيك [44]
    وبنحوه روي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير وعطاء وغير واحد من السلف [45] .
    وروي عن علي مرفوعاً ـ قال : " لما نادى إبراهيم عليه السلام بالحج لبى الخلق ، فمن لبى تلبية واحدة حج حجة ، ومن لبى مرتين حج حجتين ، ومن زاد فبحساب ذلك "[46]
    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تلبية موسى ، ويونس عليهما السلام فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق فقال: " أي وادٍ هذا ؟" قالوا: هذا وادي الأزرق . قال: كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطاً من الثنية وله جؤار [47] إلى الله بالتلبية " . ثم أتى على ثنية هرشى [48] فقال : " أي ثنية هذه؟ " قالوا : ثنية هرشى قال: " كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة[49] ، عليه جبة من صوف ، خطان ناقته جُلْبة[50]، وهو يلبي[51] .
    ولم يزل الناس يلبون بالتوحيد حتى دخل الشيطان عليهم بالشرك ؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: " كان الناس بعد إسماعيل على الإسلام ، فكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردهم عن الإسلام حتى أدخل عليهم في التلبية : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك . قال : فمازال حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك"[52].
    وكان من تلبيتهم في الجاهلية [53]
    لبيك تعظيماً إليك عذراً هذي زبيد قد أتتك قسرا
    تعدو بها مضمرات شزرا يقطعون خبتاً وجبالاً وعرا
    ولم يزالوا على شركهم في التلبية حتى أدركهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:ثم كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد قد"[54] فيقولون : إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك . يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت[55] . ولما حج النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالناس بالتوحيد[56].
    ولبيان فضل التلبية أُفصِّل ذلك في المسائل التالية :
    المسألة الأولى تعظيم الله للتلبية:
    من مظاهر تعظيم الله للتلبية أن الله جعل التلبية مفتاح الحج وأول شيء يقوله العبد ، فجعل التلبية كالتكبير في الصلاة ، قال ابن تيمية :
    في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ـ قالت ـ كان رسول الله يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين [57] ولم يتلفظ قبل التكبير بنية ولا غيرها ، ولا علم ذلك أحداً من المسلمين ، ولو كان ذلك مستحسناً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولعظمه المسلمون ، وكذلك في الحج إنما كان يستفتح الإحرام بالتلبية وشرع للمسلمين أن يلبوا في أول الحج وقال لضباعة بنت الزبير حجي واشترطي فقولي لبيك اللهم لبيك ومحلي حيث حبستني [58]؛ فأمرها أن تشترط بعد التلبية ، ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئاً لا يقول : اللهم إني أريد العمرة والحج ، ولا الحج والعمرة ولا يقول : فيسره لي وتقبله مني ولا يقول : نويتهما جميعاً ولا يقول : أحرمت لله ذلك من العبادات كلها ولا يقول قبل التلبية شيئاً بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة ، وكان هو وأصحابه يقولون : فلان أهل بالحج أو أهل بهما جميعاً " [59].
    * ومن مظاهر تعظيم الله للتلبية أن الله أمر برفع الصوت بها فعن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "جاءني جبريل فقال يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شعار الحج"[60] .
    *ومن مظاهر تعظيم الله للتلبية أن الله جعلها شعار الانتقال من حال إلى حال ، ومن منسك إلى منسك ؛ كما جعل التكبير في الصلاة سبعاً للانتقال من ركن إلى ركن ، ولهذا كانت السنة أن يلبي حتى يشرع في الطواف فيقطع التلبية ، ثم إذا سار لبى حتى يقف بعرفة فيقطعها ، ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها ، ثم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها ؛ فالتلبية شعار الحج والتنقل في أعمال المناسك ؛ فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: لبيك اللهم لبيك ، كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن : الله أكبر فإذا حل من نسكه قطعها كما يكون سلام المصلي قاطعاً لتكبيره"[61] .
    *ومن مظاهر تعظيم الله للتلبية أن الله أمر الأشجار والأحجار أن تلبي مع المسلم ، فعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مسلم يلبي إلا لبى عن يمينه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وهاهنا "[62] .
    *ومن مظاهر تعظيم الله للتلبية أن من مات محرماً بعثه الله يوم القيامة ملبياً ، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلاً كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فرفصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم :" اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً"[63].
    فقوله: ملبياً نصب على الحال أي حال كونه قائلاً لبيك ، والمعنى أنه يحشر يوم القيامة على هيئته التي مات عليها ليكون ذلك علامة لحجه كالشهيد يأتي وأوداجه تشخب دماً "[64] .
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,589

    افتراضي رد: أحكام التلبية

    أحكام التلبية 1

    د.عبود بن علي بن درع



    المسألة الثانية : تعظيم الأنبياء للتلبية :
    لقد عظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما عظم الله سبحانه وتعالى ، ومن ذلك تعظيمهم للتلبية ؛ فمن مظاهر تعظيم الأنبياء للتلبية تلبيتهم من خارج الحرم في حجهم ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال : يا أبكر أي وادٍ هذا ؟ قال: وادي عسفان ، قال : " لقد مر به هود وصالح على بكرات حمر خطمها ليف ، أزرهم العباء وأرديتهم النِّمار، يلبون ، يحجون البيت العتيق"[65] .
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق"[66] . ، فقال: " أي وادٍ هذا؟ فقالوا : " هذا وادي الأزرق . قال: كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطاً من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية ، ثم أتى على ثنية هرشى ، فقال : أي ثنية هذه ؟ قالوا : ثنية هرسى ، قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة ، عليه جبة من صوف ، خطام ناقته خلبة وهو يلبي[67].
    هذا النبي الكريم يرفع صوته بأقصى ما يستطيع ، إنه مظهر عظيم من مظاهر الإيمان ، يؤديه نبي الله موسى عليه السلام إنها التلبية شعار الحج وشعار التوحيد ترفع في هذه الأودية وتتردد بين تلك الجبال لا يعوقها صعود جبل ولا هبوط ثنية ، وهذا عيسى عليه السلام يهل ملبياً بالتوحيد ، فعن حنظلة الأسلمي قال : سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنيهما "[68] .
    المسألة الثالثة : تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم للتلبية :
    *من مظاهر تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم للتلبية : أنه لم يزد عليها ، قال جابر رضي الله عنه : " فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ عن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فأهل التوحيد لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئاً منه ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته "[69] .
    *ومن مظاهر تعظيم النبي للتلبية :أنه أكثر منها [70] ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما ـ أن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى قال: فكلاهما قالاً : لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة[71] .
    وعن زيد بن خالد الجهني ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جاءني جبريل ، فقال: يا محمد، مر أصحابك ، فليرفعوا أصواتهم بالتلبية ؛ فإنها من شعائر الحج[72]
    وعن أبي هريرة ، قال: قال: "رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرني جبريل برفع الصوت في الإهلال؛ فإنه من شعائر الحج" [73] .
    وعن السائب بن خلاد : أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كن عجاجاً ثجاجاً " والعج التلبية ، والثج : نحر البدن " [74] .
    وقد روي في فضل التلبية أدلة كثيرة منها :
    أ ـ حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل :أي الحج أفضل ؟ قال: " العج والثج" [75] . قال الترمذي : العج هو رفع الصوت بالتلبية ، والثج : هو نحر البدن[76] .
    ب ـ حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من محرم يضحي لله يومه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه "[77] .
    ج ـ حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر" قيل: يا رسول الله ، بالجنة ؟ قال : نعم "[78] .
    المسألة الرابعة : تعظيم السلف للتلبية :
    عظم سلف هذه الأمة التلبية كما عظمها الله وكما عظمها أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام ومن مظاهر تعظيم السلف للتلبية تسميتها بالتوحيد ، قال جابر رضي الله عنه فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يزد رسول اللهصلى الله عليه وسلم عليهم شيئاً منه ولزم رسول صلى الله عليه وسلم تلبيته "[79] .
    وقد قال جابر في الحديث الصحيح في حجة الوداع ، فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك فهذا توحيد الرسول المتضمن لإثبات صفة الكمال التي يستحق عليها الحمد ، ولإثبات الأفعال التي استحق بها أن يكون منعماً ، ولإثبات القدرة والمشيئة والإرادة والتصرف والغضب والرضا والغنى والجود الذي هو حقيقة ملكه[80] .
    المصدر: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة
    [1] نهذيب سنن أبي داود 1/224ـ 229 باختصار .
    [2] أنظر: لسان العرب 2/730 . والنهاية في غريب الحديث . 4/222 .
    [3] انظر فتح الباري 3/ 409 ، مجموع فتاوى ابن تيمية : 26/115 .
    [4] انظر فتح الباري 3/409 ، الاستذكار لابن عبد البر : 11/92 ـ 93 .
    [5] أنظر : الاستذكار لابن عبد البر : 11/93، وقواه ابن حجر ، فتح الباري : 3/409
    [6] كتاب سيبويه 1/ 348 ـ 350 .
    [7] حاشية ابن القيم 5/178 .
    [8] التمهيد 15/130 .
    [9] كتاب سيبويه1/253 .
    [10] حاشية ابن القيم 5/176 ، وانظر الصحاح 1/216ـ217 باب الباء فصل اللام ، 6/ 2478 ـ 2479 باب فصل
    اللام ، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم 8/87 ، وانظر فتح الباري 3/409 ، مشارق الأنوار 1/43 .
    [11] المقتضب 3/225 .
    [12] حاشية ابن القيم 5/178 .
    [13] الصحاح 1/216 باب الباء فصل اللام ، وانظر فتح الباري 3/409 ، مشارق الأنوار 1/43 .
    [14] المجموع 7/217 .
    [15] حاشية ابن القيم 5/ 178 .
    [16] مجموع الفتاوى 26/115 .
    [17] انظر شرح النووي على صحيح مسلم 8/87 ، وانظر فتح الباري 3/409 ، مشارق الأنوار 1/43 .
    [18] حاشية ابن القيم 5/ 178 .
    [19] حاشية ابن القيم 5/ 176 . وانظر : شرح النووي على صحيح مسلم 8/87 .
    [20] حاشية ابن القيم 5/ 178 .
    [21] حاشية ابن القيم ج 5 / ص 176 .
    [22] حاشية ابن القيم 5/178 .
    [23] سورة الشمس آية 10 .
    [24] الجمل في النحو 1/176 .
    [25] حاشية ابن القيم 5/ 178 .
    [26] حاشية ابن القيم 5/ 178 .
    [27] انظر : هذا القول في كتاب " لسان العرب " لابن منظور : فصل اللام ، حرف الباء ، وقد نسبه إلى أبي عمرو.
    [28] والقائل هو المضرب بن كعب . انظر: كتاب الصحاح باب الياء ، فصل اللام .
    [29] انظر : قول أبي عبيد في كتاب الصحاح باب الباء ، فصل اللام .
    [30] انظر: قولها في كتاب " لسان العرب" فصل اللام ، حرف الباء.
    [31] انظر: قول الكميت في كتاب"لسان العرب" ، الموضع السابق ، وفي كتاب " الصحاح" للجوهري ، باب الباء ، فصل اللام.
    [32] شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة ، ص 492 ـ 493 .
    [33] انظر: كتاب المغني 3/289 ، والفروع : 3/340 ، و المبدع 3/133 ، و "كشاف القناع 2/489 .
    [34] انظر : كتاب المغنى 3/290 و الفروع 3/340 ، وكشاف القناع 2/489 ، وقد نقلوا قول ثعلب: " من قال بفتحها ، فقد خص ، ومن قال بكسر الألف ، فقد عم " .
    [35] آخرها قوله تعالى ] وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [[ التغابن :1 ] .
    انظر: شرح العمدة ص 494 .
    [36] أخرجه الإمام أحمد 1/297ـ298 ، وابن جرير في " التفسير " 17/145 ، والطبراني في الكبير 10/268ـ269، والبيهقي في " الشعب" 3/465 .
    [37] فتح الباري ح 3/ص409 .
    [38] الفتاوى ح26/ص115 .
    [39] سورة الحج آية 27 .
    [40] الأم ح2 / ص141 .
    [41] تفسير ابن كثير ح3/ص 217 .
    [42] مصنف ابن أبي شيبة 3/120 ح 12643
    [43] عزاه السيوطي في " الدر المنثور " 6/34 إلى عبد بن حميد عن مجاهد .
    [44] أخرجه ابن جرير في تفسيره 17/144.
    [45] انظر : مصنف عبد الرزاق 5/96 ـ 98 ، وتفسير ابن جرير 17/144 ـ 145 ، وتفسير ابن كثير 5/410، والدر المنثور 6/33ـ 35 ، والتمهيد 15/131.
    [46] أخرجه الديلمي في " الفردوس" 3/425ـ ط . دار الكتب العلمية من طريق محمد بن الأشعث عن موسى بن إسماعيل عن أبيه عن جده الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب ـ كما في مسند الفردوس الذي بهامش طبعة دار الكتاب العربي من الفردوس 3/472 ـ وقال الفتني في " تذكرة الموضوعات " ص:73 : من نسخة محمد بن الأشعث التي عامة أحاديثها مناكبر ، انتهى .
    [47] الجؤار رفع الصوت والاستغاثة . انظر: النهاية في غريب الحديث 1/ 232 .
    [48] ثنية هرشى : بفتح الهاء وإسكان الراء جبل قريب من الجحفة . انظر: شرح النووي على مسلم 2/298.
    [49] ناقة جعدة : أي مجتمعة الخلق ، مكتنزة اللحم . انظر: النهاية في غريب الحديث 1/275 ، والفتح الرباني 20/85 .
    [50] جلبة : بضم الجيم وسكون اللام ، جراب من الأدم يوضع فيه السيف مخموداً ويطرح فيه الراكب سوطه وأدواته . انظر: النهاية في غريب الحديث 1/275 ، والفتح الرباني 20/85 .
    [51] أخرجه مسلم في الإيمان ، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات ، وفرض الصلوات 1/152 ، وابن ماجه فيالمناسك ، باب الحج على الرحل 2/965 ، والإمام أحمد 1/215 .وأخرجه البخاري ـ مختصراً ـ لفظ آخر في اللباس ، باب الجعد 5/2212.
    [52] أخرجه البزار كشف الأستار 12/15 من حديث أنس ، وقال الهيثمي في " المجمع " 3/223 : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ، انتهى .وأخرجه الطبراني في " الكبير " 12/16 ، و " الأوسط " 8/45 من حديث ابن عباس ، وقال الهيثمي في " المجمع " 3/213: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه حماد بن شعيب وهو ضعيف .
    [53] انظر: التمهيد 15/127 من حديث عمرو بن معدي يكرب .
    [54] قدقد : أي حسبكم ، وتكرارها لتأكيد الأمر : انظر: النهاية في غريب الحديث 4/19 .
    [55] أخرجه مسلم في كتاب الحج ، باب التلبية وصفتها ووقتها 2/843 .
    [56] انظر : حجة النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله عند مسلم 2/887 ، كتاب الحج 18 ـ باب ذكر حديث جابر الطويل في حجة النبيصلى الله عليه وسلم2950.
    [57] أخرجه مسلم في صحيحه كتاب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به وما يختتم به وصفة الركوع والاعتدال منه والسجود والاعتدال منه والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية وصفة الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول ص 755 ـ ح 1110/ك4 ـ ح 240/ ب 46/ ح 498 .
    [58] أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح باب الأكفاء في الدين وقوله وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ص440/ك67/ ب16 /ح 5089 ، أخرج مسلم في صحيحه باب الحج كتاب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه ص876 ـ ح2902/ك15 ـ ح 104/ ب 15/ ح 1207 .
    [59] الفتاوى ج22/ ص222 .
    [60] أخرجه ابن ماجه في المناسك ، باب رفع الصوت بالتلبية 2/975 وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم830 .
    [61] حاشية ابن القيم على سنن أبي داود ، 5/ 178 .
    [62] أخرجه الترمذي في الحج 3/189 باب ما جاء في فضل التلبية والنحر وصححه الألباني في المشكاة رقم 2550 .
    [63] أخرجه مسلم في الحج 2/865 ـ 867 باب ما يفعل بالمحرم إذا مات .
    [64] عمدة القاري ج8/ص51
    [65] أخرجه أحمد في مسنده 1/323 ، ح 2068 ، ص 182 ،وذكره الهيثمي في المجمع 3/220 وقال رواه أحمد وفيه زمعة بن صالح وفيه كلام وقد وثق .

    [66] وادي الأزرق بالحجاز ، ماء في طريق حاج الشام دون تيماء ، يعرف اليوم بالنفر جنوب الدف غير بعيد بينه وبين عسفان" معجم البلدان لياقوت 1/168 ومعجم معالم الحجاز 1/90 .
    [67] أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان ، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات ، ص717 ، ج420 ومعنى خطام ناقته خلبة أي حبل ناقته من الليف . انظر: النهاية في غريب الحديث ، 2/58 .
    [68] أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج ، باب أهلال النبي صلى الله عليه وسلم وهديه ص 886، ح3030 والروحاء بين مكة والمدينة يعرف بطرف ظبية . انظر: معجم معالم الحجاز 6/12 . وعن سعيد بن المسيب قال : " مر موسى عليه السلام بفج الروحاء وعليه
    عباءتان قطوانيتان يجاوبه صفاح الروحاء وهو يقول : لبيك عبدك وابن عبديك ومر عيسى بن مريم عليهما السلام يلبي وهو يقول: لبيك عبدك وابن عبدك وابن أمتك بنت عبدتك " أخرجه الفاكهي في أخبار مكة 4/269، وعن عطاء قال : بلغنا أن
    موسى النبي عليه السلام طاف بين الصفا والمروة في عباءة قطوانية يقول : لبيك اللهم نبيك فيجيبه ربه تبارك وتعالى فيقول: لبيك يا
    موسى وهذا أنا معك " أخرجه الأزرقي في أخبار مكة 1/226" وعن عبد الله بن مسعود قال ثم حج موسى بن عمران عليه السلام في خمسين ألفاً من بني إسرائيل وعليه عباءتان قطوانيتان وهو يلبي لبيك اللهم لبيك ، لبيك تعبداً ورقاً لبيك أنا عبدك أنا لديك يا كشاف الكرب قال فجاوبته الجبال " أخرجه البيهقي في سننه 5/177 . والقطوانية عباءة بيضاء قصيرة الحمل ـ النهاية في غريب الحديث ، 4/85
    [69] أخرجه مسلم في صحيحه 8/170 كتاب الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم رقم 1218 .
    [70] أخرجه الشافعي عن محمد بن المنكدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من التلبية مسند الشافعي ج1 /ص 122 .
    [71] أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج / باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً وبيان قوله صلى الله عليه وسلم : " لتأخذوا عني مناسككم " ص 893ـ ح3137 ـ 15 ح 310/ب 51 /1297 .
    [72] أخرجه الإمام أحمد في "مسندة ": 5/192 ، وابن ماجه في " سننه " في كتاب المناسك ، الباب السابق : 2/975، ح 2923 ، وابن حبان في "صحيحه " ، كما في " موارد الظمآن " ص: 242، ح 974 ، وابن خزيمة في "صحيحه" ، في كتاب المناسك ، باب استحباب رفع الصوت بالتلبية : 4/1741، ح2628، والحاكم في " المستدرك" ، في كتاب المناسك: 1/450، وقال ـ بعد أن ذكر له ثلاث طرقـ : هذه الأسانيد كلها صحيحة .اهـ. ووافقه الذهبي .
    وأخرجه أيضاً البيهقي في "سننه " ، في كتاب الحج ، باب رفع الصوت بالتلبية : 5/42، لكنه قال: الصحيح رواية مالك، وابن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الملك ، عن خلاد بن السائب ، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كذا قاله البخاري وغيره.اهـ .
    [73] أخرجه الإمام أحمد في " مسنده " : 2/325 ، وأخرجه أيضاً الحاكم في " المستدرك" ، في كتاب الحج: 1/4 ، وقال: إسناده صحيح . ووافقه الذهبي . وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد" : 3/224: رواه أحمد ، ورجاله ثقات . اهـ .
    [74] أخرجه الإمام أحمد في " مسنده " : وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد" : 3/224: وفي إسناده محمد بن إسحاق ثقة ، ولكنه مدلس ، وقد عنعن .

    [75] أخرجه الترمذي في الحج ، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر 3/189، وابن ماجه في المناسك ، باب رفع الصوت بالتلبية 2/975 ، وصححه الألباني في الصحيحة " رقم : 1500 .وأخرجه الترمذي في التفسير ، باب ومن سورة آل عمران 5/225 .
    [76] انظر: سنن الترمذي 3/191 و 2/967 . كتاب الحج ، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر .
    [77] أخرجه ابن ماجه في المناسك ، باب الظلال للمحرم 2/976 ، والإمام أحمد 3/373 قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " 3/191 : هذا إسناد ضعيف . والحديث ضعفه الألباني في " ضعيف ابن ماجه " ص:233 ، وفي " الضعيفة" رقم : 5018 .
    [78] أخرجه الطبراني في الأوسط 7/379 ، وفي 5/329 بلفظ : " ما سبح الحاج من تسبيحة ، ولا كبر من تكبيرة إلا بشر بها بشرى ". وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 5445 .قال : المنذري في " الترغيب" 2/38 : رواه الطبراني في "الأوسط" بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح ، انتهى . وتابعه
    الهيثمي في "المجمع " 3/224 . والحديث حسنه الألباني في " الصحيحة " رقم : 1621 . وفي "صحيح الترغيب"2/24.
    [79] تقدم تخريجه
    [80] الصواعق المرسلة ج3 / 927ـ 933 .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •