ذنوب الخلوات
عيد أضحى مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ذنوب الخلوات

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,264

    افتراضي ذنوب الخلوات





    ذنوب الخلوات (المقال الأول)


    محمد علي يوسف

    المزاوجة بين الطاعة والمعصية سرا فإنها تنقض ذلك التصور البائس وتضع احتمالية وجود الضعف الإنساني في المشهد وليست فقط مسألة اجتراء واستهانة بسمع الله وبصره كما سيحلو للشيطان أن يجعلها الاحتمال الأوحد..


    صاحب معصية السر الذي لم يزل الخير متمكنا من قلبه رغم ضعفه أمام معصيته غالبا ما يكون أشد فزعه وأعظم ندمه لأجل شيئين رئيسين..
    الأول: أن يموت على ذلك الذنب.
    والثاني: أن يكون استخفاؤه من الناس واجتراؤه حين لا يراه إلا ربه نفاقا يتسرب إلى قلبه حتى يتمكن منه في نهاية الأمر.

    الحقيقة أن هذا ندم محمود و قلق لابد منه ومخاوف ينبغي ألا يتم التهوين من شأنها الذي قد يورث يوما تمام توبة وكمال أوبة الإشكال أن ذلك القلق وتلك المخاوف قد تتحول إلى أمر من إثنين الأول هو اليأس والقنوط والعجز عن أي تغيير للأفضل والثاني هو اللامبالاة و( تكبير الدماغ ) والمضي قدما في طريق المعصية ما دامت الأمور ( كدة كدة بايظة )..

    هذه المخاوف يمكن التعامل معها بشكل إيجابي عام بتحويلها كما قلنا إلى دافع للتوبة والإنابة وبشكل خاص بمواجهة كل نوع من تلك المخاوف عبر علاجه المباشر..

    أما خوف سوء الخاتمة والموت على تلك الحال وما يكون عليه ذلك من هوان وفضيحة في الدنيا ثم بعث على تلك الحال في الآخرة كما وردت الأحاديث الصحيحة بذلك..

    ويُذكر كثيرا أن من عاش على شيء مات عليه ورغم أن هذا ليس بحديث مرفوع إلا أنها مقولة مشهود من خلال ما لا يحصى أنها تحمل الكثير من الحقيقة..

    إذاً فقد يساعد على عدم حدوث تلك الخاتمة على معصية السر ألا تكون تلك المعصية هي غالب حال المرء ألا تكون هي المسيطرة على حياته والأهم على قلبه ألا يكون الأصل فيه عند الخلوة المسارعة لانتهاك محارم الله..

    * يضعف أحيانا.
    * يفتن أحيانا.
    * يزل ويخطيء.
    لكن المهم أن يظل ذلك قدر وسعه استثناءً وليس أصلا وحيدا..

    أما عن مشكلة اتهام النفس بالنفاق وازدرائها واليأس منها فمن أهم حلولها العملية في نظري طاعة السر طاعة لا يعلمها مخلوق سواك ربك وأنت فقط هذا النوع من الطاعات له أثر عجيب في معادلة معصية السر..

    كأنها رسالة ضمنية مفادها: ليس الأمر كله سواد حالك ثمة بصيص من الضوء يلوح في الأفق لعلي ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فعسى الله أن يتوب علي مع من وعدهم بذلك..

    بديل ذلك هو مزيد من احتقار النفس ومزيد من الازدراء لها فإن أدرى الناس بما تفعله هو أنت وكلما نظر إليك الخلق بتقدير علمت أنت من نفسك ما لم يعلموا وبالتالي يزداد الحزن والهوان..

    أما المزاوجة بين الطاعة والمعصية سرا فإنها تنقض ذلك التصور البائس وتضع احتمالية وجود الضعف الإنساني في المشهد وليست فقط مسألة اجتراء واستهانة بسمع الله وبصره كما سيحلو للشيطان أن يجعلها الاحتمال الأوحد..
    وحينئذ يحدث اليأس والاستسلام وتلك غاية أمانيه وأهم مقاصده..
    فإياك أن تحققها له..







    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,264

    افتراضي رد: ذنوب الخلوات

    ذنوب الخلوات (المقال الثانى)


    محمد علي يوسف



    المشاعر المصاحبة للأعمال صالحة كانت أو سيئة تشكل ركنا مهما من حقيقة تلك الأعمال:
    * الفرح والحزن.
    * السرور والغم.
    * الحب والكره.
    * الحرص والزهد.
    * الخوف والاجتراء.
    * الوجل والاستخفاف.
    * حسن الظن وسوءه.
    * التعظيم والاستهانة.

    كل هذه المشاعر وغيرها قد يغير وجود أحدها من مقام العمل كلية وينقله نقلات نوعية هائلة قد لا يتصورها مقترف العمل نفسه قديما قالوا لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار وروي عن بعض الصالحين قوله: فرحك بالذنب أشد من وقوعك في الذنب.

    وتتضافر الآيات والأحاديث على ترسيخ هذه القيمة:
    قيمة المشاعر المصاحبة للأعمال أو المترتبة عليها{وَالَّذِي َ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}..

    تأمل.. يقترفون الحسنات ويسارعون في الخيرات وهم أثناء ذلك تفيض قلوبهم بالوجل وخشية عدم القبول هكذا اعتنى القرآن بحال قلوبهم عند الطاعة بوجلهم وبمواضع فرحهم وسرورهم {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}..
    وكذلك حال حزنهم {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}..
    هذه وغيرها كثير نماذج لقيمة المشاعر عند طاعة أو قربى وما ينبغي أن تكون عليه في المقابل وردت آيات عديدة في شأن المشاعر المصاحبة لمعصية أو ذنب لعل أوضح تلك النماذج ما وود من ذكر مشاعر المخلفين والقاعدين عن غزوة تبوك ما كانت عليه {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}..

    وما كان ينبغي لها أن تكون عليه{فَلْيَضْحَ ُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} كذلك ما ورد من استخفاف البعض بمعصية قذف المحصنات والخوض في الأعراض إبان حادث الإفك {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُم ْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}..

    ونماذج أخرى لا يتسع المقام لذكرها جميعا تمتليء بها صفحات كتاب الله وتجتمع كلها على لفت الانتباه لجانب المشاعر وما تحويه القلوب تلك القلوب التي لا ينجو من الخزي في الآخرة إلا من اعتنى بها وأصلحها ليأتي ربه وقد سلمت من الآفات والأدران {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}..

    لأجل ذلك ينبغي النظر ابتداء لهذا المحل ومحاسبة النفس على أحواله التي تظهر جلية واضحة لا لبس فيها هنالك في الخلوات..










    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,264

    افتراضي رد: ذنوب الخلوات

    ذنوب الخلوات (المقال الثالث)


    محمد علي يوسف








    ولعل اليأس هو أخطر تلك المشاعر التي قد تصاحب معصية السر مرة بعد مرة وسقطة تتلوها أخرى لا يطمح الشيطان من وراء تكرارها بشيء مثلما يطمح في أن يسرب هذا الشعور إلى قلبك وهو في الحقيقة قد يكون شعورا مريحا للبعض..

    إحساسك أنه لا فائدة وأنك مهما فعلت ومهما حاولت فلن تغير شيئا من نفسك سيورثك استرخاءً وهدوءاً مرحليا لا شيء عليك ولا قيمة لكل ما تنوي أن تفعله ما دمت كل مرة تسقط من جديد فلماذا إذاً تفعله؟

    ترتاح ظاهريا كلما سخرت من فكرة الأمل وممن يحاولون بثها شعور باللامبالاة سيخيم عليك كلما رددت عبارات الإحباط وستجد تسكينا مؤقتا كلما دندنت بشعارات ترسخ لفكرة القنوط المطلق وستحصل على خدر لذيذ كلما نشرت ثقافة العدمية و الهروب من مواجهة واقعك وتقصيرك وقررت إقناع نفسك إن (مافيش فايدة) و (خلاص بايظة بايظة) ومن الحماقة أن تتعب نفسك لأجل إصلاح شيء قد تم تدميره للأبد هكذا يفرح الشيطان وينتشي بتلك الأفكار المدمرة..

    إذا اختفى بصيص الأمل ففعلا لا تغيير يرتجى ولكي يستطيع المرء أن يتغير ويغير ينبغي ألا ينطفيء في قلبه وميض الأمل وجذوة اليقين أن الأمر ممكن وأن التغيير مستطاع ومن هنا يبدأ العمل ويبذل الجهد..

    من دون هذا فليس إلا راحة اليأس المؤقتة لأجل ذلك جاءت الآية واضحة حاسمة قاطعة آية لا تخاطب مجرد عاصٍ ولا تبث الأمل في قلب اعتراه فتور عابر أو زل زلة استثنائية إنها آية تخاطب المسرف {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}..
    لا تقنطوا.. هذا هو التوجية الأول والتأسيس المبدئي الذي يسبق الإصلاح والتغيير القادم في الآيات التي جاءت بعد ذلك..

    البداية هاهنا.. نبذ اليأس ونفض غبار القنوط هذا أيضا هو نفس ما رسخه النبي صلى الله عليه وسلم ترك الإغراق في المشاعر السلبية التي لا جدوى منها والالتفات إلى الحلول العملية هكذا بيّن في تصويره لحال المؤمن العاصي في الحديث "لكل عبد مؤمن ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا تأمل..

    هذا عبد مؤمن بشهادة الحبيب صلى الله عليه وسلم لكنه مع ذلك يزل ويخطيء وتتكرر نفس الأخطاء والحل لخصه النبى بعد ذلك حين ذكر ما ينبغي أن تكون عليه صفة المؤمن تجاه الذنب الذى ضعف أمامه واعتاده الفينة بعد الفينة لقد لخص تلك الصفات فى جملة جامعة رائعة جمعت صفات أربعة تتوازن سويا فقال " إن المؤمن خلق مفتنا توابا نسيا إذا ذكر تذكر "

    فمفتنا تعدلها توابا... هو عرضة للفتن وقد يقع فيها لكنه يسارع بالتوبة وهو نسيٌّ يقع فى الغفلة ويعتريه النسيان كما اعترى أباه الأول عليه السلام لكنه في النهاية يقبل التذكرة والنصح..

    ويتذكر.. حينئذ لا يعد ما هو عليه إصرارا ولا فجورا ما دامت جذوة الندم متقدة والرغبة في الإصلاح والتغيير لم تزل حية؛ لكنه الضعف البشري وعلى المؤمن أن يحاول اكتساب القوة في مواجهته ولا يكون ذلك إلا باستمدادها ممن لا حول ولا قوة إلا به..


    يا عزيزي لا تكره نفسك وضع الأشياء في نصابها ولا تجعل شيئا يحول بينك وبين ربك حتى لو كان تقصيرك وضعفك والأهم إياك واليأس والقنوط فهما أعظم أماني شيطانك ومطالبه من ذنبك إياك..








    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •