في عمل المرأة .. الأمومة أولا


مريم عبد اللطيف


شاء الله تعالى لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها أن يخلق البشر من أصل واحد، حيث فقال سبحانه في كتابه الكريم: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء...} (النساء:1).

فالناس كلهم من نفس واحدة أنشأها الله سبحانه وتعالى من تراب، وخلق منها زوجها (حواء)، ومنهما بث في الأرض رجالاً كثيراً ونساءً، ومنح كلا الجنسين استعدادات وقدرات تؤهله لأداء دوره ووظيفته في الحياة، ورسم لهما حدود هذه الوظيفة ومتطلباتها؛ حتى لا تختلط الأدواروتتعارض النتائج. وبالنظر إلى المرأة تحديداً نجد أن التشريع الإلهي أناط بها مجموعة من الوظائف وكلفها العديد من المسؤوليات الضخمة التي تتوافق مع طبيعتها التكوينية وخصائصها الذاتية .
وفي مقدمة هذه الوظائف وظيفة الزوجية فهي الزوجة الصالحة والصاحبة الوفية لزوجها وشريكها في حمل أعباء هذه الحياة، قال الله تعالى : }هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها...{(الأعراف/189). فالزوجة سكن وطمأنينة للزوج، والزوجية مطلب فطري للمرأة والرجل على حد سواء، وضرورة نفسية تحقق لهما المودة والرحمة والاستقرار .
كما تحمل المرأة أيضاً على كاهلها مهمة ثقيلة ووظيفة شاقة، ألا وهي "الأمومة" التي خصها الله بها ورفع منزلتها وعظّم فضلها وجعلها سبباً لاستحقاق الأم ثلاثة أضعاف محبة الأب والشفقة عليه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، من أحقُّ بحسن صحابتي؟ قال: "أمُّك" قال: ثم من ؟ قال :"ثم أمُّك" ، قال: ثم من ؟ قال:"ثم أمُّك"، قال: ثم من ؟ قال:"ثم أبوك" (رواه البخاري).
والأم جديرة بهذه المكانة فهي مربية الأجيال ومحضن الناشئة، وبقدر كفاءتها في أداء مهمتها تكون كفاءة المجتمع وقدرته على النهوض بنفسه ومواجهة أعدائه.
وتعظيماً لشأن الزوجية والأمومة، وحتى تؤدى هاتين الوظيفتين على أكمل وجه أمرها الله تعالى بالقرار في البيت، وفي المقابل كفاها المؤونة بوجوب النفقة على الزوج حتى لا تضطر للعمل خارج البيت، فيستهلك طلب الرزق جهدها وطاقتها، فلا يتاح لها من الوقت وراحة البال وهدوء النفس ما يمكّنها من أداء وظيفتها الأساسية كما أرادها الله، قال الله تعالى:{وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى{(الأحزاب/33). فالبيت هو الأصل في حياة المرأة الوظيفية، وهو المقر الذي تجد فيه نفسها على طبيعتها التي فطرت عليها، فالمرأة بشعورها الفطري ترغب دوماً في أن تكون زوجة وأماً ترعى بيت الزوجية، وتتعهد بالرعاية والاهتمام. وهي أيضاً مسؤولة ومؤتمنة، وربَّة مملكة رعاياهاالزوج والأبناء، عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كلكم راع، فمسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ، وهو مسؤول عنهم، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راعٍ على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته" (رواه البخاري).
وإلى جانب هذا الدور المحوري للمرأة، يحتاج إليها المجتمع في ميادين عدة خارج حدود البيت والأسرة، ومن سماحة الإسلام ويسر تشريعاته أن سمح لها بتلبية حاجة المجتمع إليها والعمل خارج مملكتها بأعمال تتلاءم مع أنوثتها، ولا تتعارض مع وظيفتها المثلى "الزوجية والأمومة" ، وبشروط محددة تكفل لها حفظ كرامتها وصيانة عرضها. لذا نجد المرأة المسلمة تساهم بفعالية واقتدار في خدمة مجتمعها، فهي طبيبة تعالج المرضى وتخفف آلامهم، وهي أستاذة جامعية تعلم بنات جنسها وترتقي بسلوكهن وأفكارهن وشخصياتهن، وهي باحثة دؤوب تتطلع إلى الإنجاز العلمي والتميز فيه، وهي عنصر نشط في العمل التطوعي، حاضرة بجهودها المباركة في الهيئات والمنظمات الخيرية، وهي أيضاً داعية لها دور كبير في مسيرة الدعوة، توجه المجتمع إلى الخير وتعين أخواتها المسلمات على الأخذ بالإسلام في كل شؤون الحياة، وترشد غير المسلمات إلى طريق الهداية والسعادة والنجاة.