أكثر من تفكير


د. محمد بن عبدالله الدويش


من يتأمل في واقع الشباب الآن يدرك أن هناك شرخاً عظيماً وانصداعاً في هذا الكيان المهم من كيانات الأمة والركن الركين من أركان المجتمع ودعاماتها، والأمم والمجتمعات إنما تقوم بشبابها وتعقد آمالها عليهم. وعندما تتحدث عن الانحراف في واقع الشباب فلست بحاجة إلى إيراد الأدلة على هذه الدعوى، فالجميع يسلم لك بذلك، ولا أظن أحداً يخالف في هذه البدهية، ومن الترف الفكري وإضاعة الوقت السعي إلى إثباتها، ولكن القضية التي قد يقع حولها الخلاف هي التعامل مع هذا الواقع، إن الجميع يتفقون على أن هذا الواقع واقع غير شرعي، وعلى أن هذا الواقع يحتاج إلى تصحيح. والخلاف إنما هو في منهج التعامل مع هذا الواقع، وكيف نتعامل مع هؤلاء الشباب؟
وأحسب أن القضية بحاجة إلى أكثر من تفكير، وبحاجة إلى أكثر من جهد، وبحاجة إلى تنوع المجالات والجهود، فهي قضية مهمة من قضايا مجتمعنا.
عندما تتأمل في أساليب الناس في التعامل مع هذا الواقع تجد الناس أصنافاً شتى:
ففئة لا تتجاوز إثارة الأحزان والأشجان والندب لهذا الواقع الأليم، فهو يحدثك عن مرارة الواقع و الفساد والانحراف، ويذكر لك ألواناً من الصور الصارخة لهذا الفساد والانحراف، ولكنه يقف عند هذا القدر، وهذا قدر يشترك فيه الكثير من الناس، ولكن المشكلة ليست هنا! فنحن الآن تجاوزنا مرحلة إقناع الناس بفساد هذا الواقع، وعندما نتحدث عنه وعن مراراته ونندبه فيجب التحدث بلغة من يريد التغيير لا من يقف عند هذا الحد، ولكن هناك فئة كبيرة قد يكون منهم بعض أهل الصلاح والخير والاستقامة تقف عند هذا الحد، تقف عند حد انتقاد الواقع وإثارة الأحزان والندب على هذا الواقع، وهو منطق العاجزين والكسالى، ومنطق الناس الذين يستسلمون للواقع.
حين يكون الإنسان في حالة فقر ويتحمل أعباءً وديوناً يسلك ألف وسيلة، ويبحث عن ألف أسلوب ليحتال على هذه المشكلة ويخرج من هذا المأزق، وأنت ترى امرءاً يريد هدفاً في الحياة الدنيا ـ أيًّأ كان هذا الهدف ـ وتكون أمامه العقبات والمشاكل الكثيرة فيسعى ويفكر ويبحث عن ألف طريق وألف وسيلة ليتجاوز هذه المشكلة، عندما يكون للإنسان حاجة في أي دائرة حكومية وقد يكون فيها مشكلة تتطلب تأخير هذه المعاملة أو تتطلب عدم البت فيها فماذا يصنع هذا الإنسان؟ إنه يسأل عن المسؤول ومن أي بلد وأقربائه، ويحاول بأي طريقة أو بأخرى أن يتصل بأقرباء هذا المسؤول حتى يتصلوا به ليقنعوه بحل هذه المشكلة, وهكذا عندما يتقدم أحد ليخطب ابنته تراه يسأل عنه وعن أخواله حتى يحصل على تفاصيل دقيقة عن حياته وشخصيته، عندما كان المرء صاحب حاجة وإرادة وتصميم استطاع أن يحتال على حاجته واستطاع أن يجد ألف أسلوب، أما في قضايا دينه فكثيراً ما يقف الأمر عند التألم والأحزان والأشجان لا غير.
ثانياً: فئة أخرى تغرق في الحديث عن وصف المرض وعن ذكر مظاهره وأعراضه بلغة تبعث على الأسى واليأس والقنوط، وعندما تذكر له بعض النماذج وتحاول أن توجد عنده بصيصاً من الأمل فتحدثه عن بعض البشائر يذكرك ببعض المظاهر الصارخة من الفساد والانحراف ساعياً أن يبدد كل أمل لديك في تغيير هذا الواقع، و قد لا تختلف هذه الفئة عن سابقتها، لكن الفئة السابقة تقتصر على التألم، أما هذا فهو يزيد، فقد يتحدث من خلال المنابر عن الانحراف وعن الفساد وعن الخطأ وعن الضلال وعن انحراف الشباب ثم يقف عند هذا الحد ، إن هذا وصف للمرض وقد يكون مطلباً أحياناً لإقناع من لا يدرك خطورة المرض، ولكن أن يكون هذا هو العلاج فلا.
إن هذا الأسلوب غاية ما ينتجه إثارة الاهتمام بالمرض، وإثارة الشعور به، أما القضية التي نحتاج إليها فهي العلاج، إننا الآن لا نملك أدنى شك ولا أظن أن أحداً يخالجه الشك أن هذا الواقع أو هذه القضية التي نتحدث عنها (واقع الشباب) أن هذا واقع لا يرضي الله ورسوله، أن هذا الواقع يطلب الحل المِلحَّ، إذاً لسنا بحاجة إلى الإسهاب في الحديث عن المرض، وفي الحديث عن سرد النماذج والصور، هذه القضية يجب أن نتجاوزها فهذا وصف للمرض. إننا بحاجة أن يوفر هذا الإنسان جهده إلى أن يتحدث عن العلاج .
تتنوع أساليب الناس في العلاج وقد تجدها أساليب تأخذ خطوطاً قد لا يكون بينها التقاء، فهذا يستعمل أسلوب التهديد والترهيب أسلوب هز مثل هذا الشاب هزًّا، ويهز أولئك العصاة هزًّا وكأنه يصرخ بهم ويقول: قد أدرككم الهلاك، وأسلوب آخر يأخذ جانب الترغيب وأسلوب الحديث العاطفي. أسلوب آخر يأخذ جانب الإقناع العقلي ، أسلوب ثالث … ورابع … إنّ تنوع هذه الأساليب لا مشكلة فيه ولا داعي لأن نثير اللغط والجدل حول هذه الأساليب فكلها تؤدي إلى هدف واحد وإلى نتيجة واحدة، أن فلاناً من الناس قد يصلح معه هذا الأسلوب، لكن الأسلوب الآخر لا يصلح معه، وكذلك فلان وكذلك الشخص الآخر، وليس ثمة أسلوب واحد هو الذي ينبغي احتذاؤه، ولاطريقة واحدة ينبغي سلوكها، المهم أن تكون هذه الأساليب وهذه الطرق منضبطة بالضوابط الشرعية، ثم تكون مؤدية إلى النتيجة ومحققة للمصلحة.
عندما نقرأ القرآن الكريم نجد أن القرآن ينوع أساليب معالجة القلوب، ينوع أساليب وعظ الغافلين، فتارة بالقصص، وتارة بالحديث عن اليوم الآخر وأحواله، وتارة بالحديث عن النار وما فيها، وتارة بالحديث عن الجنة وما فيها، وتارة بالخطاب العقلي المقنع، وتارة بهذا الأسلوب وتارة بذاك، إن النفوس محتاجة إلى هذه الأساليب .
والجانب الآخر يعود إلى الشخص الذي يقوم بالدعوة ، فحين أجد المنطق العقلي والنقاش العقلي قد لا يناسبني الحديث في الرقائق ؛ لأني أجد أني امرؤ أعاني قسوة القلب عندما أتحدث في الرقائق، أتحدث فيما لا أحسن ، وأتكلف مالا علم لي به، فلا حرج عليّ إذاً أن لا أسلك هذا الأسلوب، وكذلك فلان قد لا يناسبه إلا أن يتحدث في هذا الموضوع وهذا الجانب، وكلُّ ميسر لما خلق له، إنها أساليب كثيرة وأساليب متنوعة ينبغي أن لا نقيم جدلاً حولها، وأظن أن الوقت ينبغي أن يستثمر في العمل بعيداً عن الجدل وإثارة اللغط والنقاش.

---------------------------