مذاكرة العلم
صالح بن صبحي القيم


وقد قيل:
إحياء العلم مذاكرته *** فأدم للعلم مذاكرته
ولقد كان سلفنا الصالح يتواصون بمذاكرة العلم، يقول أحدهم: "مذاكرة ليلة أحب إلي من إحيائها". يعني: جلوسي في هذه الليلة أتذكر العلم وأتذكر ما حفظته أحب إلي من أن أقومها قراءة وتهجدا وصلاة وركوعا وسجودا.
وقال علي رضي الله عنه: "تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يَدرُس", فمذاكرة العلم حياته وثباته، وما طابت الاجتماعات والزيارات بمثل مذاكرة الحديث ومراجعة المسائل واستلهام الفوائد والطرائف، وإلا فإن العلم إذا لم يراجع تلاشى واندرس.
قال ابن عبد البر: "وجدت في كتاب أبي -رحمه الله- بخطه، حدثنا مسلمة بن القاسم، قال: حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا حسين بن الحسن، عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: لقد أتينا أم الدرداء فتحدثنا عندها، فقلنا: أمللناك يا أم الدرداء؟ فقالت: ما أمللتموني لقد طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت شيئًا أشفى لنفسي من مذاكرة العلم, أو قالت: من مذاكرة الفقه".
وقال الرياشي: "سمعت الأصمعي وقيل له: كيف حفظت ونسي أصحابك؟ قال: "درست وتركوا".
وقال ابن أبي ليلى: "إن إحياء الحديث مذاكرته"، فقال عبد الله بن شداد: "يرحمك الله! كم من حديث أحييته في صدري قد كان مات".
وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "تعاهدوا القرآن فإنه أشد تفلتاً من الإبل في عقلها" يقول ابن عبد البر: "في هذا الحديث دليل على أن من لم يتعهد علمه ذهب عنه".
وذلك لأن العلم في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - هو القرآن لا غير، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إذا لم يتعاهد فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة؟! فإذاً: لابد من هذا المصير لهذا العلم.
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي: "على طالب الفقه إذا جلس مع عالم أو مع طالب علم، فإنه يستفيد، أعني: إذا جلس مع طلاب العلم لا يجلس هكذا صامتاً، بل يسألهم مسألة إن كانوا دونه في العلم، ويطرح عليهم مسألة، ثم يفيدهم بها، وإن كانوا أعلى منه ذاكَرَهم وتواضَعَ للعلم، فهو دائماً يكون في مذاكرةٍ للعلم، فإن مذاكرة العلم عبادة، والإنسان يشتري رحمة الله في طلب العلم في كل لحظاته وحركاته، ويحتسب، حتى إذا جلس مع الناس فإنه يستفيد أو يفيد".
فمذاكرة العلم مع الأقران الصالحين، وبذله للناس: مما يُعين على الحفظ والتثبت، والفهم الصحيح ومراجعة ما تعلمه الطالب من علم.
فالإنسان لو حفظ شيئاً ثم لم يتحدث به، ولم يحدث به الآخرين لسرعان ما ينساه ويتفلته. فقد أثر عن أبي سعيد الخدري قال: "تحدثوا؛ فإن الحديث يهيج الحديث".
يراجع:
[بحث عن العلم والماوردي - (1 / 13)].
[تنبيهات الأكابر - (1 / 11)].
[جامع بيان العلم وفضله (1 / 204)].
[دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي - (47 / 17)].
[مذكرة في طلب العلم - (1 / 31)].