شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,088

    افتراضي شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - تعريف الصيام في اللغة والشرع وحكمه

    للشيخ : ( أحمد حطيبة )



    (1)


    لقد حكم الله على عباده بوجوب صوم رمضان، وبين لهم أن الصيام سبب للتقوى، وأخبرهم بأن الصوم كان مفروضاً على الذين من قبلهم من القرون الماضية، والأمم السالفة، وقد بين العلماءمعنى الصيام وحكمه وأحكامه، فعلى كل مسلم أن يتعلم أحكام الصيام ولو بالجملة؛ ليعبد الله على علم وبصيرة، فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
    تعريف الصوم في اللغة والغاية العظمى منه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.نبدأ من هذه الليلة إن شاء الله في شرح كتاب الصيام وأعمال شهر رمضان، فإننا نحتاج إلى معرفة هذه الأحكام فنقول: لقد فرض الله سبحانه وتعالى الصيام، وجعله ركناً من أركان الإسلام، وذكر الله عز وجل في كتابه أحكاماً تفصيلية للصيام في خمس آيات من سورة البقرة، من قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، إلى قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ [البقرة:187]، فالصيام فريضة فرضها الله عز وجل علينا، وفرضها على الأمم من قبلنا، فهو تهذيب للنفوس، وشعور يجعل المؤمن يشعر بحاجة الفقير والمسكين إلى الطعام والشراب، فالصوم يهذب نفسه، ويجعله يرحم غيره من الخلق، ويقربه من الله سبحانه وتعالى، ويعينه على العبادة، فالمسلمون في هذه العبادة يصومون في شهر واحد، ويقومون في هذا الشهر في صلاة التراويح معاً، ويتعاونون على البر والتقوى، وعندما يأتي وقت زكاة الفطر يخرجون الزكاة معاً في وقت محدد من أواخر هذا الشهر قبل يوم العيد، فالمسلمون في هذا الشهر يجتمعون على أنواع من الطاعات والقربات، من صيام وصلاة وقيام وإطعام للفقراء وإخراج للزكاة، وهذا يؤلف بين قلوب الجميع من الفقراء والأغنياء، والكبراء والمتواضعين، وغير ذلك من الحكم الظاهرة من وراء هذا الصيام العظيم.والأصل في الصيام معناه اللغوي، وقد جاءت الشريعة بالصيام على معناه اللغوي، ثم أعطت له معنى شرعياً لا يخرج عن معناه اللغوي، فقيدته بقيود، فالصيام لغةً: الإمساك، فإن أمسك عند الطعام والشراب سمي صائماً، وإن أمسك عن الحركة أو الكلام سمي صائماً، لكن الشريعة قيدت المعنى اللغوي للصيام بالمعنى الشرعي. إذاً: الصوم في اللغة بمعنى: الإمساك، فكل إمساك يطلق عليه صيام، فيقال: صام إذا سكت، وصامت الخيل إذا وقفت ولم تتحرك، قال الله عز وجل لمريم عليها السلام: فَإِمَّا تَرَيِنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26]، ما هو هذا الصوم؟ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26]، فهو صوم عن الكلام، قال ابن عباس : معنى قوله تعالى: نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26] أي: سكوتاً وصمتاً. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : كل ممسك عن كلام أو طعام أو سير فهو صائم. وقال النابغة : خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما فصائمة أي: لا تتحرك، وتحت العجاج أي: تحت التراب والغبار، تعلك اللجما أي: تحرك أفواهها وكأنها تنظر إلى اللجام المعقود عليها. وقال الخليل : الصيام: قيام بلا عمل، والصوم: الإمساك عن الطعام، وصام الفرس أي: قام على غير اعتلاف، وصام النهار أي: إذا قام قائم الظهيرة واعتدل، يعني: بأن توسطت الشمس في كبد السماء واستقامت، والصوم أيضاً: ركود الريح، يقال: صامت الريح: إذا ركدت ولم تتحرك.


    ويطلق الصيام كذلك على السياحة، والسياحة: أن يسافر الإنسان من بلد إلى بلد آخر بحثاً عن مكان يتعبد الله فيه، فيسمى الصائم سائحاً، وقد تتبع العلماء النصوص فيجدوا أن الله عز وجل إذا ذكر الصيام لم يذكر السياحة، وإذا ذكر السياحة لم يذكر الصوم، وذلك في معرض الحديث عن العبادات، قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّق ِينَ وَالْمُتَصَدِّق َاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، فذكر الصوم ولم يذكر السياحة، وقال سبحانه: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [التوبة:112]، فذكر السياحة ولم يذكر الصوم، وكأنه أبدل الصوم بكلمة السائحين، وقد قال أهل التفسير: السياحة هنا بمعنى: الصيام، فهو داخل في عموم المعنى اللغوي للسياحة: وهو السفر من بلد إلى آخر بحثاً عن مكان يتعبد الله فيه. وقال في سورة التحريم لنساء النبي صلى الله عليه وسلم: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم:5]، فذكر السياحة ولم يذكر الصوم، وهذا دليل على أن السياحة هنا بمعنى: الصيام، يقول الزجاج : السائحون في قول أَهل التفسير واللغة جميعاً: الصائمون. وإنما قيل للصائم: سائح؛ لأن المتعبد يسيح في الأرض ولا زاد معه، فهو لا يهتم كثيراً بطعام أو شراب، فتراه لا يطعم إلا إذا وجد الزاد، وكذلك الصائم فهو لا يطعم أيضاً، فلشبهه بالسائح سمي سائحاً، هذا تعريف الصيام في اللغة.


    تعريف الصيام في الشرع
    الصيام في الشرع: هو الإمساك عما منعه الله عز وجل منه، وكان مباحاً له في الأصل، فيمسك عن شهوتي البطن والفرج، فشهوة البطن في الطعام والشراب، وشهوة الفرج في الجماع. ويصح الصوم من مسلم مميز، والمميز: من كان عمره سبع سنوات أو ثماني سنوات، فهو يميز بين الصواب والخطأ، ويفهم الأشياء وإن كان ليس فهماً كاملاً. إذاً: الصوم: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من مسلم مميز، وإذا كان هذا الحكم في المميز فالمكلف من باب أولى. والفرق بين المميز والمكلف: أن المميز: هو الذي يعقل وإن لم يصل إلى درجة البلوغ، والمكلف هو البالغ العاقل، وهذا الأمر ينطبق كذلك على المرأة، فلابد أن تمسك عن شهوتي البطن والفرج إذا كانت مميزة، ونضيف لها شرطاً آخر إذا كانت بالغة مكلفة، وهو طهارتها من الحيض أو النفاس إذا كانت متزوجة، فإذا صامت المرأة المكلفة الحائض أو النفساء لم يصح منها الصوم، وكذلك المميزة إذا كانت حائضاً؛ وذلك لوجود مانع من موانع قبول هذا الصوم وهو: الحيض أو النفاس. إذاً: الصوم هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من مسلم مميز أو مكلف، أو مسلمة مميزة أو مكلفة، بشرط أن تكون المكلفة طاهرة من الحيض أو النفاس، ويكون هذا الإمساك من طلوع الشمس إلى غروبها بنية التعبد والتقرب لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183].وقال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، إلى أن قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، فلك أن تأكل طوال الليل إلى أن يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فإذا ظهر الفجر حرم عليك الطعام والشراب إلى الليل، أي: من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الصوم بنية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.


    حكم صوم رمضان
    صوم رمضان فرض واجب وركن من أركان الإسلام، والأصل في وجوبه: الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:183-185].إذاً: فقد فرض الله عز وجل صيام هذه الأيام في البداية، فجعل لهم شدة من وجه وتخفيفاً من وجه آخر، ثم بعد ذلك يسر الله سبحانه وفرض صوم رمضان على النحو الذي جاءت به الآية، يقول الحافظ ابن حجر في قول الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]: (كتب) أي: فرض عليكم الصيام، والمراد بالمكتوب في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) أي: مكتوب في اللوح المحفوظ عند الله عز وجل، فقد كتب في اللوح المحفوظ أن عليكم صيام رمضان، قال: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183].وقد اختلفوا في التشبيه الذي تدل عليه الكاف هنا، وما المقصود به؟ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، فإذا حملنا التشبيه هنا على الحقيقة فسيكون معناه: أن الصيام كان شهراً كاملاً على الذين من قبلنا، مثلما وجب علينا صيام شهر رمضان وإن تسمى باسم آخر، وإلا فالمقصود: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] أي: كصيامهم، فقد كتب عليهم الصيام، وهذا أيضاً محتمل، وإن كان الكثيرون من أهل العلم يرجحون فرضيته على السابقين شهراً كما فرض علينا، فإذا بهم يزيدون فيه وينقصون منه، وإذا بهم يأكلون ويشربون، ويزيدون في مدة الصيام بدعوى التعويض عن الفوائت، فإذا جاءهم شهر رمضان في أيام الحر مثلاً أخروه إلى وقت معين وعوضوا ما فاتهم منه، مع زيادة عشرة أيام مقابل هذا التأخير. قال الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، ثم ذكر لنا العلة فقال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، وكأن هذه العلة تشير إلى أنه كتب على الذين من قبلنا على سبيل الإصرار والتشديد عليهم، وقد قال جماعة من أهل العلم منهم معاذ وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن الصيام لم يزل مشروعاً منذ عهد نوح. فالصوم عبادة لله عز وجل، وهو من ضمن العبادات التي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183].إذاً: فكل من كانوا قبلنا كان مكتوباً عليهم الصوم بحسب ما فرض الله عز وجل عليهم، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184].


    بيان أن الصوم ركن من أركان الإسلام
    قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، الأيام المعدودات هي: أيام شهر رمضان، فمن شهد هذا الشهر بأن كان حياً مكلفاً قادراً لزمه صومه، وقد دلت السنة على فرضية صيام هذا الشهر، فقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان). فهذه أركان الإسلام: فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هي التوحيد والشهادة بالرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الركن هو أهم أركان الإسلام، أما الركن الثاني فهو أهمها بعد التوحيد، وهو إقام الصلاة، وقد أمر الله عز وجل به، أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً لما وجهه إلى اليمن أن يأمرهم بهذه الصلاة العظيمة بعد كلمة التوحيد، ثم يأتي بعد ذلك: إيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان. وفي الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما: (أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس، إلا أن تطوع شيئاً، فقال الرجل: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الصيام؟ قال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً، ثم أخبره عن شرائع الإسلام، فقال الرجل: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علي شيئاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق)، أو قال: (دخل الجنة إن صدق)، فعبر صلى الله عليه وسلم بـ (إن) الدالة على أنه قد يحدث الخبر، بخلاف ما لو أخبر بلو، فإنه حرف امتناع لامتناع، أي: يمتنع وقوع الجواب لامتناع الشرط، ولكن قال: (أفلح إن صدق)، ولكن أنى يكون للإنسان الصدق في ذلك؟! فإن كان للبعض فلن يكون للباقين؛ لأن الإنسان قد لا يأتي بالفريضة على الوجه الذي يرضى الله عز وجل عنه بها، فكل إنسان يعتريه في صلاة الفريضة السهو والخطأ، وقد يتأخر عنها وما إلى ذلك، أما أن يأتي بها كاملة فهذا بعيد، وعلى كل فقد أفلح من أتى بهذه الفرائض من غير النوافل إن صدق في إتيانها. وهذا دليل كذلك: على أنه لا فرض في الصوم غير فرض رمضان، إلا أن يكون بسبب آخر، كنذر ينذره الإنسان، أو كفارة من الكفارات التي لا تكون إلا بالصيام، فهذه فروض في الصوم بسبب آخر غير الأصل وهو صيام شهر رمضان.


    شرح حديث وفد عبد القيس
    في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم وفد عبد القيس فقالوا: يا رسول الله! نحن من ربيعة وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فلسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر نأخذ به وندعو إليه من وراءنا)، وكأن هذا الحي لم يزل على كفره إلى أن وفد وفد عبد القيس هذا، فقال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله) يعني: آمركم بالإيمان بالله، قال: (وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد بيده) أي: أنه أشار بيده وكأنه يقول: فهذه واحدة، قال: (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان)، فهذه الخصال الأربع التي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها. وقوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) دليل على ما بعدها، وهي شهادة أن محمداً رسول الله، ويطلق على هاتين الشهادتين مسمى: كلمة التوحيد، ولم يذكر الحج في الحديث مع أنهم جاءوا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فرض الحج؛ لأنهم لم يكونوا مستطيعين الحج، وإنما يجب الحج على من استطاع إليه سبيلاً. ثم زادهم فرضاً خامساً فقال: (وأن تؤدوا لله خمس ما غنمتم) فإذا جاهدتم في سبيل الله عز وجل وغنمتم فعليكم الخمس المذكور في سورة الأنفال في قوله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، وهذا الخمس الخاص بالله سبحانه وتعالى يخرج قبل توزيع الغنائم، ثم يأخذ المجاهدون أربعة أخماس من المغنم فيما بينهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم (وأنهاكم عن أربع: عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمقير أو المزفت)، وهذه أربعة أشياء يكون التخمر والفساد فيها سريعاً فنهاهم عنها، وإن كان بعد ذلك قد رخص لهم الشرب في جميع الأواني إلا أن يكون محرماً. قال: (أنهاكم عن الدباء)، الدباء: هو القرع، سواء كان القرع العسلي أو اليابس، فيعمد إلى هذا القرع فيفتح فيه فتحة بسيطة ويأخذ ما بداخله، فيصير كهيئة الإناء، فيطرح فيه النبيذ، والنبيذ: هو الشراب الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب، والنبيذ على وزن فعيل بمعنى مفعول، فهو الشيء المنبوذ الملقى بداخله، فإذا وضع التمر أو الزبيب داخل هذه القرعة أخذ في التخمر والتحول بسرعة كبيرة، فيصير خمراً، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: (والحنتم)، وهو: نوع من أنواع الجرار لها فم في جانبها، وكان لون هذه الجرار أخضر، والحنتم أو الحنتمة شيء واحد، يستعملونها كالأواني فيشربون فيها الخمر، وقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك سداً للذريعة، ولئلا توسوس لهم أنفسهم بعد ذلك فيشربون الخمر. ونهاهم كذلك عن: (النقير)، والنقير: مأخوذ من النقرة، وهو أن يأخذ جذعاً ملقى على الأرض فينقر فيه نقرة فيجعله مجوفاً، فيضع فيه النبيذ ويغطيه، فيتخمر سريعاً فيشربه، فنهاهم عن ذلك أيضاً. ونهاهم كذلك عن: (المزفت أو المقير)، وهو الإناء المطلي بالقار أو الزفت، فعندما يوضع فيه النبيذ يسخن إلى أن يتخمر، وقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أيضاً. فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى فيها أسقية الأدم -أي: أسقية الجلود، وهذه الأسقية تأكلها الجرذان- فقال صلى الله عليه وسلم: وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان). وهذا كان في البداية، حتى يمتنع الناس عن الخمر بتاتاً، فلما تعودوا على التحريم بعد ذلك أخبرهم أن الآنية لا تحل شيئاً ولا تحرمه، فاشربوا فيما شئتم غير ألا تشربوا مسكراً، فأصبح النهي عن هذه الآنية منسوخاً بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أنه قال: (كنت نهيكم عن الانتباذ في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً).ففي البداية حرم النبي صلى الله عليه وسلم الانتباذ في الأسقية هذه سداً للذريعة؛ لأن الإنسان قد تستهويه نفسه فتجعله يشرب الخمر بعد أن كان نبيذاً، ثم لما تعود الناس على هذا الحكم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الآنية لا تحرم شيئاً ولا تحله، فنسخ الحكم السابق القاضي بالنهي فأجازها.


    الإجماع على وجوب صوم رمضان
    أجمع أهل العلم على وجوب صيام شهر رمضان، وقلنا: إن الصوم المشروع: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق المستطير إلى غروب الشمس، قال الله عز وجل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، فلك أن تأكل في الليل وتشرب حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والمقصود بذلك: بياض النهار من سواد الليل، فإذا تبين ذلك فلا يجوز لك أن تأكل أو تشرب.قال ابن عبد البر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، وفي هذا الحديث دلالة على أن للفجر أذانين، أذان يؤذنه بلال ، وأذان يؤذنه ابن أم مكتوم ، وفي الحديث دليل على أن الخيط الأبيض: هو الصباح، وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، فلا يوجد هناك سحور بعد الفجر، وهذا بدلالة الأحاديث والآيات، وكأنه يشير هنا إلى الخلاف الواقع في هذه المسألة، ولذلك سينقل لنا الإجماع بعد ذلك على أن الطعام والشراب وغيرهما مفطرات إذا طلع الفجر، ثم قال: إلا الأعمش وحده فقد شذ ولم يعرج أحد على قوله، وكأن الأعمش وحده يرى جواز الأكل والشرب حتى تطلع الشمس، أي: يرى جوازه في وقت الإسفار بين الفجر وطلوع الشمس!ثم قال: والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هو الذي دلت عليه الآية، قال ابن عبد البر: هذا قول جماعة علماء المسلمين.


    بيان الفجر الصادق والكاذب
    روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال من سحوره)، والسحور: طعام السحور، وهو فعل الأكل، أي: الأكل في وقت السحر، قال: (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم)، فقوله: (ليرجع)، هذا فعل لازم ومتعد، فيجوز أن ينصب (قائمكم) على المفعولية، أو يرفعه فيكون فاعلاً له، ولفظ الحديث بالنصب، قال: (ولينبه نائمكم، وليس له أن يقول الفجر أو الصبح، وقال بأصابعه هكذا، فرفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا)، وكأنه يريد أن يقول: إن الفجر الكاذب: ما كان ضوءً عمودياً من أعلى إلى أسفل، وأن الفجر الصادق ما كان أفقياً مستطيلاً في السماء. (ثم قال بسبابتيه إحداهما على الأخرى ثم مدها عن يمينه وشماله)، وإذا نظرت إلى هذا الفجر وجدته يبدأ نوراً أفقياً من المشرق إلى المغرب، ثم يبتدأ هذا الخيط من النور في الظهور شيئاً فشيئاً إلى أن تتغير السماء من الظلمة إلى اللون الأزرق أو اللبني، وهذا هو الإسفار، إذاً: فالفجر الصادق: هو النور المستطيل في السماء المبتدئ من المشرق إلى المغرب. وفي رواية: (وليس أن يقول الفجر أو الصبح -وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل- حتى يقول هكذا بسبابتي إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله).وروى مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير هكذا)، فلا تغتر بهذا البياض أو النور في السماء، بل البياض المعتمد في الفجر هو ما كان على امتداد الأفق، والأفق هو المكان البعيد الذي ينقطع إليه بصرك. فيقول لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح)، والعمود: هو الشيء النازل من أعلى إلى أسفل. يقول: (حتى يستطير) أي: حتى ينفرد عن الأفق كخيط أمامك، ولذلك قال الله عنه: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ [البقرة:187]. ولـأبي داود والترمذي من حديث طلق بن علي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا ولا يهيدنكم) أي: لا يزعجنكم، قال: (ولا يهيدنكم الساطع المصعد) يعني: الضوء الصاعد أو النازل بشكل طولي من السماء، قال صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر)، وهو الخيط الأفقي الممتد من المشرق إلى المغرب، وليس الأحمر لوناً له، لكنه يكون محمراً عند أول ظهوره، ثم يصير خطاً ذهبياً أمام ناظريك، وهذا هو الخيط الأبيض المعبر عنه في القرآن الكريم. ولـابن أبي شيبة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الفجر فجران: فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه ولكن المستطير)، وذنب السرحان: هو ذيل الثعلب، فهذا لا يحل شيئاً ولا يحرم شيئاً، بل الضوء المستطير الأفقي هو الذي يحرم الأكل والشرب، وهو الفجر الصادق، فإذا طلع الفجر الصادق فلا يحل لك أن تأكل أو تشرب شيئاً، هذا إذا تبين لك الفجر الصادق، وإذا لم يتبين فالأكل والشرب والجماع مباح لك؛ لأن الله تعالى أباح الوطء أو الأكل أو الشرب إلى أن يتبين لنا الفجر، فقال تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، فلو تبين لك الفجر فلا يحل لك أن تأكل أو تشرب أو تجامع، ولو كان في فمك ماء أو طعام لزمك أن تلفظه، وحرم عليك بلعه، قال الله تعالى: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].


    جواز الأكل والشرب ما لم يتبين بزوغ الفجر الصادق
    روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)، فمنطوق الحديث يدل على جواز الأكل والشرب إلى أن ينادي ابن أم مكتوم ، ومفهوم المخالفة في الحديث يدل على عدم جواز الأكل والشرب بعد أذانه رضي الله عنه. قال: (وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت). يعني: طلع الصبح أو الفجر. وروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، قلت: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالاً أبيض وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار، يعني: أنه فهم الآية على ظاهرها، فكان يأكل ويشرب حتى يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود له، إذا أصابهما الضوء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن وسادك لعريض -أي: ضخم- إنما هو سواد الليل وبياض النهار)، وهذا لفظ الإمام مسلم ، وفيه دلالة لما سبق، وأن من شك في طلوع الفجر فله أن يأكل ويشرب إلى أن يستيقن من طلوعه، ثم بعد ذلك يمسك، وقال ابن عباس: كل ما شككت حتى لا تشك، فتأخذ من هذه القاعدة أن كل ما جاء عن الصحابة في الأكل مع وجود الضوء محمول على أنهم شكوا في طلوع الفجر، فأكلوا حتى استيقنوا من طلوع الفجر، وهذا كان في عصرهم، أما الآن فقد توافرت لدينا الساعات، فإذا جاء وقت صلاة الفجر وجب علينا الإمساك عن جميع المفطرات. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) أي: أطيلوا الصلاة في الفجر، حتى يرى بعضكم بعضاً بعد الصلاة، فهذا أول وقت الأسفار، وهو الوقت الذي تتلون فيه الشمس باللون الأزرق بعد أن كانت سوداء مظلمة، نتيجة لبداية ظهور الشمس على هذا الجزء من الأرض، فإذا ارتفعت الشمس عن الأرض قدر رمح لم يجز لك أن تصلي في هذا الوقت، وهذا التقدير تقريبي؛ وقد حرمت الصلاة في هذا الوقت لأن الشمس تشرق فيه على قرني شيطان، فتكون العبادة في هذه الساعة مصروفة للشيطان لا لله جل وعلا.


    حكم السحور بعد الأذان الثاني للفجر
    جاء عند أبي داود وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه)، زاد أحمد: (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر)، وقد قررتم فيما سبق أن من الواجب على الإنسان إذا سمع النداء وفي فمه شيء أن يلقيه ولا يبلعه، فكيف الجمع بين هذا وذاك؟ الجواب: قد استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على جواز أكل ما في اليد والمؤذن يؤذن، والحديث محتمل لهذا المعنى، وقد ذكر ابن حزم رحمه الله هذا الحديث مع أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرى كثيرة ثم حمل هذا الحديث على الشك، فكأنه يجوز للمتشكك في طلوع الفجر أن يأكل ما بيده والمؤذن يؤذن، ونحن نخاف من أن نقول بهذا الحديث؛ لورود الاحتمالات عليه؛ ولأن الله عز وجل يقول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ [البقرة:187] ولم يقل: حتى يتبين للمؤذن فقط، فكأنه يقول: يجب على الناس كلهم أن يستيقنوا بزوغ الفجر ودخول وقته، ما لم فليأكلوا ما بأيديهم حتى يستيقنوا من ذلك. أيضاً: جاء حديث عند النسائي وأحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند السحور: (يا أنس ! إني أريد الصيام فأطعمني شيئاً) أي: يريد أن يصوم تطوعاً صلى الله عليه وسلم قال: (يا أنس ! أطعمني شيئاً، قال: فأتيته بتمر وإناء فيه ماء وذلك بعدما أذن بلال)، وبلال كان يؤذن الأذان الأول، فقال: (يا أنس ! انظر رجلاً يأكل معي)، ولاحظ أنه كان بين الأذانين وقت قصير جداً، وقد ذكر: أنه ما كان بينهما من الوقت إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يتسحر لوحده، بل يريد أن يتسحر مع رجل آخر، قال: (فدعوت زيد بن ثابت فجاء فقال: إني قد شربت شربة سويق -وهو الشعير المخلوط بالماء- قال: وأنا أريد الصيام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا أريد الصيام، فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة)، فكأن زيداً تبين له الفجر فلم يأكل، ولم يتبين للنبي صلى الله عليه وسلم فأكل، ثم امتنع عن الأكل لما تبين له طلوع الفجر بعد ذلك، فهذا الحديث قد يوهم أنه أكل بعد الأذان الثاني وليس كذلك؛ لأنه قد نص في الحديث على أن مؤذن هذا الأذان هو بلال رضي الله عنه، وهو الذي كان يؤذن الأذان الأول، فاندفع الوهم، وارتفع الإشكال. قال ابن حزم في المحلى بعدما ذكر آثاراً كثيرة جداً عن الصحابة في هذا الشيء: وهذا كله محمول على أنه لم يكن تبين لهم الفجر بعد، وبهذا تتفق السنن مع القرآن. وقد كان ابن عباس في آخر حياته بعد أن عمي يسأل عن الفجر هل طلع أم لا؟ فإن قال أحدهم: نعم، والآخر: لا، قال: شككتما، ثم يأكل حتى يستيقن، وهذا هو رأي جمهور أهل العلم، والله تعالى أعلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,088

    افتراضي





    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - متى فرض الصيام وفضل صوم رمضان
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (2)



    دين الإسلام دين يسر وسهولة، ليس فيه حرج، وقد فرض الإسلام الصيام خلال مراحل حسب ما تقتضيه قدرة الإنسان وطاقته، تخفيفاً وتيسيراً منه سبحانه وتعالى.ووعد الله على الصيام بالأجر الكثير، وجعل فيه فضائل كثيرة في الدنيا والآخرة، وجعل صوم رمضان من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه.
    تعريف الصيام


    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.تكلمنا في الحديث السابق عن الصيام، وأنه ركن من أركان الإسلام، وأن الصيام لغة: بمعنى الإمساك.
    وشرعاً: بمعنى الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله، من مسلم مميز أو بالغ مكلف، أو من مسلمة مميزة أو بالغة مكلفة طاهرة من الحيض والنفاس.

    عدم وجوب صوم غير رمضان إلا ما كان بنذر أو كفارة أو غيره
    صوم رمضان هو الفريضة التي فرضها الله عز وجل، ولا يجب صوم غير رمضان بأصل الشرع بإجماع أهل العلم، ولكن قد يجب صوم غير رمضان بنذر أو بكفارة أو بجزاء صيد، وهنا وجوبه لسبب من الأسباب التي يتسبب فيها صاحبها، أما بأصل الشرع فلا يجب صوم غير صوم رمضان.دليل الإجماع على أنه لا يجب صيام إلا صيام رمضان الحديث الذي في الصحيحين من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه (لما سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيام الذي هو فرض عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صيام رمضان، قال: هل علي غيره؟ فقال: لا إلا أن تتطوع).فصوم رمضان هو الصوم الوحيد الذي أوجبه الله عز وجل، قال لنا ربنا سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، وقال: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، وقال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].حديث النبي صلى الله عليه وسلم بين أن غير رمضان يكون تطوعاً، إلا لسبب من الأسباب كما قدمنا.

    مراحل وأحوال تشريع الصيام


    الصيام أول ما فرض على النبي صلى الله عليه وسلم كان على هيئة معينة، ولذلك نقول: إن للصيام أحوالاً ومراحل تم فيها تشريع الصيام، فقد كان الإسلام يحرم على الصائم الطعام والشراب والجماع منذ أن ينام أو يصلي العشاء الآخرة، فأيهما وجد أولاً حصل به التحريم، فلو أن شخصاً نام في وقت غروب الشمس، فلم يجز له أن يأكل، أو أنه كان مستيقظاً فأكل إلى أن أذن العشاء فلا يجوز له أن يأكل إلى فجر اليوم الثاني، وكان وقت الطعام والشراب والجماع ما بين المغرب والعشاء، بقيد آخر وهو ألا يكون نائماً في هذا الوقت.فنسخ هذا الحكم الصعب بحكم آخر أسهل منه وهو الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس كما سبق في التعريف، وهذه أحوال الصيام.وجاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيح البخاري قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل منهم صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وهذا الأمر فيه صعوبة شديدة، والله سبحانه وتعالى يقول لنا: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة:220]، لشدد عليكم، ولألزمكم العنت والمشقة بالتكاليف الشرعية، ولكن رحمة الله عز وجل خففت على المؤمن من فضل الله سبحانه وتعالى، والحكمة من كونه يشرع لنا حكماً ثم ينسخه؛ حتى نذوق صعوبة هذا الشيء الذي لو شاء الله لأدامه، فلما فرضه فترة ثم رفعه يعرف المسلم مدى رحمة الله عز وجل وسعة فضله وبيان رحمة رب العالمين سبحانه وتعالى.ولذلك ربنا سبحانه وتعالى في البداية أمرهم بصوم طويل صعب ثم خفف بعد ذلك رحمة بعباده. يقول البراء : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل منهم صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى

    إلى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك.جاء وقت غروب الشمس يسأل عن طعام في البيت فلم يجد، فذهبت المرأة تحضر له طعام وكأن الطعام الموجود في البيت هو التمر، ولذلك في بعض الروايات أنه قال: لقد أحرق التمر بطني، أي: من كثر أكل التمر لقد احترقت بطني، فكأنه يسأل عن طعام غير التمر، فذهبت تبحث عن طحين لكي تعجن له شيئاً يأكله، ثم رجعت فوجدته نائماً رضي الله عنه، فقالت: خيبة لك! فنام ولم يأكل شيئاً حتى اليوم الثاني وهذا صيام طويل، قال: (فأصبح صائماً، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهداً شديداً، قال: ما لي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟ قال: يا رسول الله! إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت وأصبح حين أصبحت صائماً)، فكأن الرجل عند غروب الشمس صلى ثم نام، واستيقظ عند العشاء، وليس له أن يطعم، فصلى العشاء ونام وأصبح على هذه الحال.وكان عمر قد أصاب من النساء من جارية له أو من حرة بعد أن نام وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وهذه من الأسباب التي نسخت الحكم فذكر الله عز وجل:
    عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ [البقرة:187]، وتختانون من الخيانة، وما قال: تخونون، والفرق بينهما أن الإنسان الذي يخون يخون وهو يعلم أنه خائن، أما الذي يختان فيقع في الخيانة ولكن مع الشك هل الأمر الذي يعمله خطأ أم لا.فـعمر رضي الله عنه ذهب إلى البيت عند غروب الشمس فاستلقى، والجارية أو المرأة رأته نائماً، وهو كان يظن أنه ليس بنائم، فقد كانت الجارية تقول له: أنت نمت، وهو يقول: لم أنم، فأتى هذه الجارية ثم ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وحكى له هذا الأمر، فأنزل الله عز وجل رحمة بعبادة قوله سبحانه وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187] إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، هذه من رحمة رب العالمين سبحانه.فمعنى أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:187] أي: أنكم تقعون في الخطأ ثم تتأولون لأنفسكم، قال تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، فما أعظم رحمة الله سبحانه وتعالى!وقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ [البقرة:187]، وما قال: حتى يطلع الفجر رحمة منه.فنزلت هذه الآية الكريمة: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، ففرحوا بها فرحاً شديداً، فهم نفذوا ما أمر الله عز وجل به، فلما نزل التخفيف من الله سبحانه فرحوا.ونزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، ولكن رحمة الله سبحانه واضحة أنه لما فرض هذا الصوم الشاق جعله على التخيير، إما أن تصوم بهذه الصورة من العشاء إلى مغرب ثاني يوم، أو أن تطعم مكان كل يوم مسكيناً، فجعله مخيراً رحمة الله عز وجل في كل شيء حتى في الحكم الصعب يجعل له تيسيراً آخر.فقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، منسوخ بقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:183-184]، ومعنى يطيقونه أي: يستطيع أن يصوم ولكنه يشعر بالمشقة في ذلك، فكانت رخصة للجميع، فكان الذي يشق عليه يطعم بكل يوم مسكيناً، وبعد أن نسخت هذه الآية بقيت الرخصة على الذين لا يستطيع الصوم، فبقيت للمرأة الحامل، وللمرأة المرضع، وللمرأة العجوز، وللشيخ الكبير الضعيف، فهؤلاء إذا صاموا ستكون عليهم مشقة شديدة جداً وقد لا يطيقون ذلك، فجعل الرخصة لهؤلاء فقط، أما باقي الناس الذين يطيقون الصوم يلزمه الصيام لقول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فصار الجميع يلزمهم الصوم، واستثنى المرضع والحامل والعجوز والشيخ.
    شرح حديث معاذ في أحوال تشريع الصيام


    روى أبو داود وأحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال)، والمقصد من الحديث هنا أحوال الصيام.فالصلاة فرضها الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم فكان في مكة يصلي صلوات الله وسلامه عليه أول النهار وآخر النهار، فيصلي ركعتين في أول النهار، وركعتين في آخر النهار، إلى أن عرج به إلى السماء وفرضت الصلوات الخمس المعروفة، فجاء جبريل وعلم النبي صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، فصلى وقتاً ثم هاجر إلى المدينة، وهم في المدينة أرادوا أن يجتمعوا على الصلاة، فتناقشوا فيما بينهم كيف نصلي الصلوات الخمس؟ وكيف ننادي إلى هذه الصلاة؟ فشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فكل منهم أدلى برأيه، فمنهم من قال: نوقد ناراً -عند وقت الصلاة فيراها الناس فيأتون للصلاة، ومنهم من قال: نصنع ناقوساً مثل ناقوس النصارى فإذا جاء وقت الصلاة ضربنا الناقوس فاجتمع الناس للصلاة، فلما كادوا يصنعون ذلك، رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه رؤيا فيها الأذان، فجاء وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ورأى مثلها أيضاً عمر رضي الله عنه فسبقه عبد الله بن زيد بن عبد ربه فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالأذان، فكان ينادى على الناس بالصلاة فيصلون.وأحوال الصيام، قال معاذ بن جبل : (فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فصام سبعة عشر شهراً من ربيع الأول إلى رمضان من كل شهر ثلاثة أيام)، فلما هاجر ولم يفرض الصوم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم، وكان قبل ذلك يصوم بعض الأيام وهو في مكة عليه الصلاة والسلام، فكان يصوم عاشوراء في مكة، ولما قدم المدينة وجدهم يصومون عاشوراء فصام معهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان يصوم قبل ذلك، كما سيأتي في صوم عاشوراء.فقال هنا: (وصام يوم عاشوراء) وكان فرضاً عليهم في العام الثاني من الهجرة، ولذلك سيأتي في صوم عاشوراء أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح وقال لهم: (من أصبح صائماً فليتم صومه، ومن لم يصبح صائماً فليصم)، فكان في العام الثاني الذي فرض فيه صيام رمضان ثم نسخ عاشوراء بصيام رمضان.فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
    آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] إلى قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، قال: فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فأجزأ ذلك عنه، وهذه حالة من أحوال الصيام.فصاموا عاشورا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام تطوعاً، ثم فرض عاشورا لسنة واحدة فقط، ونسخ بعد ذلك، ثم فرض صيام رمضان، فإما تصوم من العشاء إلى غروب شمس اليوم الثاني، أو لك الخيار أن تطعم مسكيناً مكان كل يوم، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184].قال معاذ : (ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] إلى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فأثبت الله عز وجل صيامه على المقيم الصحيح).فصام تسعة عشر شهراً من ربيع الأول إلى رمضان وهي الأشهر التي صامها النبي صلى الله عليه وسلم في كل شهر ثلاثة أيام وهذا ما جاء في رواية يزيد قال: (فصام تسعة عشر شهراً من ربيع الأول) والرواية الأولى: (صام سبعة عشر شهراً) صلوات الله وسلامه عليه.وقد فرض الله صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة فصامه إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم في أول السنة الحادية عشرة، فصام صلى الله عليه وسلم رمضان لتسع سنين؛ لأنه فرض رمضان في شهر شعبان من السنة الثانية من هجرته صلى الله عليه وسلم، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من هجرته عليه الصلاة والسلام.
    شرح حديث سلمة بن الأكوع في أحوال تشريع الصيام


    في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال رضي الله عنه: (لما نزلت: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها).فيبين إن الآية الثانية نسخت الآية الأولى، والآية الثانية هي: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].وفي لفظ لـمسلم : (كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر، فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]).
    فضل الصيام
    كلنا يعرف فضل الصيام وفضل صيام رمضان، ولكن نذكره للتذكرة، فكلما تذكرت فضيلة شيء فعلته، فيتشجع الإنسان على العمل ويتذكر الثواب المترتب على فعله، فإن كل مؤمن يحب أن يصوم ولكن عندما يتذكر فضل الصيام ومقدار الثواب عند الله عز وجل عليه، يحثه هذا الأمر على أن يصوم ويجتهد في ذلك.

    الأحاديث الواردة في فضل الصيام


    روى الجماعة -وهم السبعة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد- وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)، وكأن ابن آدم عرف الثواب المترتب على بقية الأعمال إلا الصيام فقد ادخرت ثوابه عندي ولم أخبرك بهذا الثواب، فالثواب أعظم من أن تتخيله.قال: (إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به)، فالأعمال كلها لله سبحانه لكن الصيام وكأنه سر بين العبد وبين الرب، ومن سيعرف أنك صائم أو مفطر؟! ويخفي العبد ذلك فيؤجر عليه الأجر العظيم من الله سبحانه.قال صلى الله عليه وسلم: (والصيام جنة) أي: وقاية يستجن به الإنسان، فيحمي به نفسه من النار ومن عذاب الجبار سبحانه.قال عليه الصلاة والسلام: (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب)، الرفث الكلام الفاحش، فينهاك عن أن تتكلم بكلام فاحش وخاصة ما يتعلق بالجماع والنساء ومقدمات ذلك.قال: (فلا يرفث ولا يصخب)، والصخب من الجهل وهو رفع الصوت والصراخ والمشاجرة مع الناس.قال عليه الصلاة والسلام: (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)، إذا سابه أحد أي: تعرض له بالشتم من أجل أن يتعارك معه، فليقل له: إني صائم قال: (فليقل: إني امرؤ صائم)، وكأنه يذكر نفسه، ويقول للآخر: إني صائم لن أرد عليك بهذا الشيء؛ لأن الصوم يمنعني من ذلك، فالصوم يدفع المؤمن إلى الالتزام بالخلق الحسن، وليس من حسن الخلق أن أتشاجر أو أسب أو أرد على إنسان.قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفس محمد بيده!)، يقسم بالله سبحانه (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، قوله: (لخلوف فم الصائم) أي: تغير رائحة فم الصائم بسبب صومه، (أطيب عند الله من ريح المسك)، فربنا سبحانه يجعل هذه الرائحة عنده حين يرى العبد الثواب يوم القيامة، وحين يقابل ربه سبحانه وتعالى يوم القيامة، فالريح الذي كان يصدر من فمه وهي رائحة كريهة متغيرة يجعله الله عز وجل أطيب عنده من رائحة المسك، كما يجعل دم الشهيد، والدم الأصل فيه أنه نجس، ولكن الشهيد يجعل الله عز وجل دمه اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فيفضله ويكرمه ويجزيه بسبب استشهاده أن يغير الله عز وجل رائحة دمه من رائحة دم إلى رائحة المسك.قال عليه الصلاة والسلام: (للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر)، فالصائم يظل طوال اليوم جائعاً عطشان فما أن يأتي وقت الإفطار فيفطر فيفرح بذلك، وهذا فرحه بالدنيا، وإذا لقي ربه سبحانه فرح بالأجر والثواب، قال: (وإذا لقي ربه فرح بصومه).والحديث لفظه في لـمسلم: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)، فكأنه يبين أن كل عملك لك، يعني: الله عز وجل أعطاك وأعلمك أن الحسنة بعشر أمثالها، أو الحسنة بسبعمائة ضعف أو بما شاء الله سبحانه، إلا الصوم لم يذكر لك، فكأنه يقول: إن أعظم من ذلك الذي ادخرت لك من الأجر ليوم القيامة فسأخبرك به يوم القيامة.قال: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)، وهذا الجزء من الحديث هام في مسائلنا الفقهية بعد ذلك، (يدع شهوته وطعامه من أجلي)، فالصيام إمساك بقصد التقرب إلى الله عز وجل، فإذا وجد الصوم مع القصد فصاحبه مأجور على صومه، حين تجيء في مسألة الإنسان الذي تصيبه حالة صرع فيذهب عقله، فإذا كان وقت صرعه صائماً ممسكاً، ووجدت منه النية قبل ذلك، فالأصل أن هذا الصوم ينفعه حتى ولو كان يصرع ويفيق في اليوم أكثر من مرة، كذلك الإنسان الذي يغمى عليه وقد أفاق في فترة من الصوم في أول النهار أو في آخر النهار، فإذا وجد منه الإمساك ووجدت منه نية والتقرب لله عز وجل، فيؤخذ من هذا الحديث أنه ترك مع القصد، فإذا وجد هذان في النهار


    فصاحبها صائم.يقول: (يدع شهوته وطعامه من أجلي)، وفي لفظ للبخاري قال: (الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل)، ثم ذكر: (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها.وروى الإمام النسائي من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال)، وكلمة الجن مأخوذة من الاستتار، فالجن خفي مستتر، وكذلك الصيام فهو جنة، مأخوذ من المجن، والمجن هو الدرع الذي يختفي خلفه المقاتل حتى لا يصيبه سيف أو سهم من العدو.وكذلك الصوم فهو درع وهو مجن تستجن وراءه، فالصيام يحميك من غضب الله سبحانه وتعالى، ويسترك من النار، ويبعد عنك غضب الله سبحانه وتعالى.قال أحمد : الصيام جنة وحصن حصين من النار. فمن تحصن بالصوم كان له حصناً حصيناً من النار، ولم يعذب بالنار.روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً).وهذا من ثواب الصوم، وليس كله فقد قال: (الصيام لي وأنا أجزي به)، جزاؤك عندي، ولكن من ضمن هذا الجزاء أنه يبعدك عن النار سبعين سنة، فبالمقياس الدنيوي نبدأ نقيس المسافة بالمتر، ثم بالكيلو متر، ثم بالميل، وكلما ازدادت المسافة زدنا في وحدة القياس، وعندما تطول المسافة تقاس بالسنين.فنقول: بعد النجم الفلاني عن الأرض أربعة ونصف مليون سنة ضوئية، وهذه مسافة بعيدة جداً جداً، فإذا قال لنا هنا: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله عز وجل وجهه عن النار)، ولا أحد يعلم هل مسافة السبعين سنة هذه ونحن نجري أو نطير أم سرعة الصاروخ؟ فالله أعلم بهذا الشيء.جاء عن عبد الله بن عمرو في مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة)، وهذا أيضاً من ضمن الثواب المترتب على الصيام، فالصيام لله عز وجل وهو يجزي به، والصيام يباعدك عن النار سبعين خريفاً، والصيام يشفع لك، وذلك بأن يمثله الله كما يشاء سبحانه، فيتكلم ويجادل عنك عند الله عز وجل.وكذلك ثواب حفظك القرآن فإن الله عز وجل يمثله بصورة رجل شاحب يدافع عنك ويحامي عنك يوم القيامة عند الله سبحانه.قال عليه الصلاة والسلام: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه)، يقول القرآن: يا رب! أنا منعته طعامه وشرابه فشفعني فيه، (والقرآن يقول: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان) أي أن ربنا سبحانه وتعالى يقبل شفاعة صومك وشفاعة قراءتك للقرآن، ويمنعك من النار سبحانه وتعالى.وجاء في مسند الإمام أحمد عن حذيفة رضي الله عنه قال: (أسندت النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدري فقال: من قال: لا إله إلا الله! ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء


    وجه الله وختم له به دخل الجنة) أي: من مات وهو صائم، أو أفطر وقت الإفطار ومات، أو مات قبل أن يفطر، المهم أن الصيام آخر عمل عمله في هذا اليوم، دخل الجنة.فليس شرطاً أن يموت وهو صائم، أو يموت وهو يفطر عند غروب الشمس، لكن آخر عمل صالح قام به في يومه هو الصيام، فيدخل الجنة، حتى لو مات قبل الفجر قبل أن يأتي يوم آخر، فكنت في آخر أيام حياتك صائم فيه، من ختم له بذلك استحق الجنة.قال: (ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة)، أعطى للفقير صدقة وختم له بذلك دخل الجنة، وليست
    هذه الأعمال فقط، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة: (من قرأ آية الكرسي دبر الصلاة -الصلاة المكتوبة- لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، والمعنى أن لو كان آخر عمل عمله الإنسان ومات بعدها دخل الجنة، وقس على ذلك إذا قرأ قرآناً، وختم له بذلك فاستحق فضل الله عز وجل ورحمته سبحانه، نسأله سبحانه أن يختم لنا بالأعمال الصالحة.وروى النسائي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بأمر آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له)، وكأن غيره من الأعمال من الممكن أن أي أحد يعملها، فقد يصلي الإنسان ركعتين نافلة وهذا أمر سهل، (فالصلاة نور)، لكن الصوم مشقة وتعب، فالصلاة قد يصلي المرء دقيقة أو دقيقتين أو عشر دقائق، أو يصلي نصف ساعة، لكن الصوم فإنه سيصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهذا صعب على الإنسان ولذلك قال: (الصوم لا مثل).أيضاً روى الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض)، وجاء في الحديث السابق: (باعد بينه وبين النار سبعين خريفاً)، فقد يكون هذا الحديث مفسراً للحديث السابق فإن السبعين سنة مدتها ما بين السماء والأرض، والله أعلم.وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: (كنا في البحر)، وهذا أثر لـأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، حين كانوا مهاجرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الحبشة، يقول: (بينا نحن نسير وقد رفعنا الشراع إذ سمعنا منادياً ينادي عليهم، -وهي ليلة مظلمة وهم في البحر-: يا أهل السفينة: قفوا فقمنا ننظر فلم نر شيئاً فنادى سبعاً) أي: سبع مرات وهو ينادي عليهم بهذا الصوت في البحر.قال: (فلما كانت السابعة قمت فقلت: يا هذا! أخبرنا ما تريد أن تخبرنا به فإنك ترى حالنا، ولا نستطيع أن نقف عليها) أي: على السفينة فهي تجري بهم في البحر، قال: (ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه؟ أيما عبد أظمأ نفسه في سبيل الله في يوم حار أرواه الله يوم القيامة)، فالموقف عظيم يوم القيامة وبين يدي الله عز وجل، فالشمس تدنو من الرءوس، ويغرق الناس في عرقهم والمؤمن الذي يصوم يمن الله عليه ويسقيه، نسأل الله عز وجل أن يروينا من فضله سبحانه يوم القيامة.فسمع أبو موسى ذلك، فكان يصوم في الصيف وفي اليوم شديد الحر، واليوم الطويل من أيام الصيف.


    فضل صيام رمضان
    هذا كان في فضل الصوم، أما صوم رمضان فهو أعظم، فهو فرض فرضه الله، وجعله ركناً من أركان الإسلام الخمسة، وفيه ثواب عظيم عند الله سبحانه. روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فصيام رمضان إيماناً واحتساباً يغفر لك ما تقدم من ذنبك، وإذا قمت ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر لك ما تقدم من ذنبك.وروى أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً).فعندم ا تصوم وتقوم رمضان إيماناً واحتساباً، وتقوم ليلة القدر إيماناً واحتساباً ففضل الله عظيم، فقد جعل للعبد ما يكفر الله عز وجل به عن ذنوبه وسيئاته ومنها رمضان، والعمرة إلى العمرة، ومنها الحج، ومنها الصلاة إلى الصلاة، ومنها الجمعة إلى الجمعة، ففضل الله على عباده عظيم، فقد جعل للعبد مكفرات عظيمة تكفر عنه بها من سيئاته.في هذا الحديث العظيم الجليل ذكر لنا الإيمان والاحتساب، فالإيمان أن تؤمن بفرضية صيام رمضان، وأن الله فرض صيام رمضان إيماناً، وأن تؤمن أي: أن تصدق وأن تستيقن بذلك، وأنه جعل ذلك نافلة، وأن تؤمن بأن ليلة القدر ليلة عظيمة، يقول الله عز وجل فيها: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، وصدقت بما قاله الله سبحانه وتعالى.والاحتسا : أن تفعل ذلك طالباً الأجر من الله وحده، فلا تصوم وتنتظر ثناء الناس ومديحهم، ولا تنتظر الأجر من الناس، أو الأجرين من الله ومن الناس، لكن ترجو الأجر من الله سبحانه وحده.لذلك يقول الحافظ ابن حجر : المراد بالإيمان: الاعتقاد بحق فرضية صومه، والمراد بالاحتساب: طلب الثواب من الله تبارك وتعالى.وقال الخطابي : احتساباً أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك غير مستثقلاً لصيامه ولا مستطيلاً لأيامه. فالإنسان الذي يصوم ولا يستثقل الصيام، ويستشعر رحمة الله عز وجل في هذا الشهر العظيم، فيتمنى المؤمن لو أن عامه كله كان رمضان حينها يكون محتسباً.يقول الإمام النووي: معنى إيماناً: أي تصديقاً بأنه حق، مصدقاً بفضيلته، ومعنى الاحتساب: أن يريد الله تعالى وحده، ولا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.فيقوم رمضان إيماناً واحتساباً مصدقاً بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وأن له في ذلك الأجر، والقيام المقصود هو أن يصلي صلاة التراويح.روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وهذا قيد، فالذي يكفر عنه سيئاته اجتنابه للكبائر، فيبتعد عما يغضب الله سبحانه وتعالى من الكبائر، فيكفر الله عز وجل بذلك عنه سيئاته.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,088

    افتراضي




    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - فضل الصيام ومن يجب عليه الصوم والقضاء
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (3)



    جعل الله للصائمين شهر رمضان إيماناً واحتساباً أجراً عظيماً، وغفر لهم بذلك ما تقدم من ذنوبهم، ورهب المفطرين فيه عمداً وعدواناً، وتوعدهم بالعقاب الأليم؛ إذ قد هيأ لهم وللناس جميعاً أسباب القرب من الرحمن والبعد من الشيطان، ففتح أبواب الجنان، وأغلق أبواب النيران، وسلسل الشياطين، ولذلك استحق من بغى وتجبر في ذلك الشهر، العذاب الأليم. ومن رحمته سبحانه أنه لم يوجب الصيام على الجميع في كل حال، بل قد عذر أصحاب العذر، ولهم أحكام خاصة في الصيام.


    فضل صوم رمضان إيماناً واحتساباً

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الصوم عموماً، وأحاديث أخرى في فضل صوم رمضان خاصة، ومن هذه الأحاديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وفي حديث آخر: (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).وذكرنا أن إيماناً معناها: أنه مصدق بأن هذا الصوم حق وفريضة فرضها الله سبحانه وتعالى، وأن يكون صومه ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى قاصداً فضيلة هذا الصوم. واحتساباً: أي: محتسباً الأجر عند الله، فيرجو الثواب من الله لا من غيره سبحانه وتعالى، ولا يقصد تسمية ولا يقصد أن يُري الناس أنه صائم، إذ لا رياء ولا سمعة في ذلك.ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)، فهذه مكفرات جعلها الله عز وجل من فضله ورحمته تكفيراً لسيئات العبد، فجعل له مكفرات في اليوم، وفي الليلة، وفي العام، وغير ذلك من المكفرات.ومن ذلك الصلوات الخمس في اليوم، فمن الصلاة إلى الصلاة تكون صلاته التي صلاها كفارة لما وقع في مصائب وذنوب قبلها. وكذلك الجمعة إلى الجمعة، وكذلك رمضان إلى رمضان، فكل هذه من المكفرات لذنوب الإنسان المؤمن إذا أتى بهذه الأعمال على الوجه الذي يرضي به ربه سبحانه وتعالى.

    الترهيب من عدم الإخلاص في صوم رمضان

    جاء في مستدرك الحاكم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احضروا المنبر) يعني: احضروا عند المنبر، قال: (فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين).وكانت درجات منبر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات. يقول: (فلما نزل قلنا: يا رسول الله! لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه، قال: إن جبريل عرض لي فقال: بعد)، ومعناه: هلك هذا الإنسان وابتعد عن رحمة الله واستحق العذاب، (بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له! فقلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرتَ عنده فلم يصل عليك! فقلت: آمين -عليه الصلاة والسلام-، قال: فلما رقيت الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة! فقلت: آمين)، فجبريل دعا على الإنسان الذي يصنع هذه الأشياء الممنوع منها، أو يترك الأشياء التي تقربه من الله سبحانه وتعالى المذكورة في الحديث، ومنها: من أدرك رمضان ولم يغفر الله عز وجل له، إما لكونه كان يفطر في رمضان، أو يفعل في رمضان ما يجعل صومه معدوماً من الأجر كما سيأتي في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، فمثل هذا يصوم رمضان ولكنه يؤذي الخلق، ويستحق العقوبة، إذ لم يمنعه صومه ولا صلاته عن الفحشاء والمنكر فاستحق عقوبة الله سبحانه.فقوله: (بَعُد) أي: هلك واستحق العذاب، (من أدرك رمضان فلم يغفر له)، فلقد دعا جبريل وأمن النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. والدرجة الثانية قال فيها: (بَعُد من ذكرتَ عنده فلم يصل عليك)، والنبي صلى الله عليه وسلم يرقى على المنبر وجبريل يقول ذلك فيدعو ويؤمن النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم. يقول: (قال: فقلت: آمين، قال: فلما رقيت الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما) يعني: أدرك الكبر أبويه أو أحد أبويه: (فلم يدخلاه الجنة)، وهذا يدل على أن بر الوالدين يدخل العبد الجنة فضلاً عما يكون له من بركة في الدنيا ببر الوالدين في الدنيا ونيل الثواب في الآخرة، فيعجل له الخير في الدنيا بصلة الرحم وبر الوالدين، ثم يكونان سبباً في دخوله الجنة عند الله عز وجل.


    بيان ما يحدث عند دخول شهر رمضان

    روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)، وكأنه احتفال في السماء لدخول شهر رمضان، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فتحت أبواب السماء)، وكأنها تفتح للمباهاة بالصائمين عند الملائكة، وكأن الله يقول لهم: انظروا إلى عبادي يصلون ويصومون ويقومون.ويري الله عز وجل الملائكة رحمته في عباده. ونحن لا نرى أبواب السماء، ولكن إذا فتحت فإنه إما ينزل منها ملائكة وإما يعرج إليها ملائكة، وذلك بنزول وعروج أعمال صالحة للعباد إلى السماء، فالله عز وجل يفتح أبواب السماء ليتلقى من عباده الأعمال الصالحة، ويزين السماء فيباهي بعباده الملائكة. قال: (فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)، فقوله: (غلقت أبواب جهنم)؛ وذلك ليري ربنا سبحانه عباده وملائكته سبحانه وتعالى أنه يغفر لعباده بسبب صيامهم وقيامهم في هذا الشهر فيغلق أبواب جهنم.وقوله: (وسلسلت الشياطين)، وفي حديث آخر: (سلسلت أو صفدت مردة الشياطين)، والحديث رواه الترمذي وفيه: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين) فصفدت أي: غلت بالأغلال وأوثقت بالأغلال.قال: (وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير! أقبل) أي: يا من يريد أن يهتدي! لتقبل على الطاعة وعلى العبادة في هذا الشهر العظيم حتى تعتاد عليها في باقي العام وباقي العمر، قال: (ويا باغي الشر! أقصر) أي: كف عن شرك، وكف عن مؤاذاة خلق الله، واكتف بذلك، وإلا كانت نهايتك النار والعياذ بالله. (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)، وهذا فضل الله العظيم. أيضاً روى هذا الحديث الإمام النسائي وفيه زيادة: (أتاكم رمضان شهر مبارك -شهر فيه البركة-، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حرم)، وهذه الليلة هي ليلة القدر، فهي ليلة خير من ألف شهر ليس فيها شهر رمضان ولا ليلة القدر. يقول الحليمي فيما ينقله الحافظ ابن حجر : (يحتمل في الحديث أن يكون المراد من الشياطين مسترقي السمع منهم) يعني: يريد أن يجمع بين أنه تغل الشياطين وتسلسل وتصفد، وبين أنه يحصل في رمضان معاصي كثيرة، فيقول: بأن الذي يغل ويصفد ويسلسل هم مردة الشياطين أو جنس منهم وهم من يسترقون السمع من السماء، يقول: (وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه)، يريد أن يقول: أنهم يسلسلون في الليل دون نهار رمضان، قال: (لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ.ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام) يعني: أن الشر الذي يكون في غير رمضان قد يكون شراً بدرجة عظيمة جداً، فإذا غلت الشياطين يقل الشر، وليس معناه أنه يزول وإنما يقل. فالإنسان الذي يصوم ويحسن صومه، ويتقي الله، فهو وإن كان فيه شر، إلا أن هذا الشر كبت بسبب أن الله غل عنه الشياطين أو بعض الشياطين وهذا معنى حسن.يقول: (لاشتغال الصائمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر) وقال غيره المراد بالشياطين أي: بعض الشياطين، يقول هذا من أجل أن يجمع بين كون الناس يعصون ربنا سبحانه وتعالى في رمضان في نهاره وليلة،
    والمقصد أن بعض الشياطين يصفدون، وهم الذين يؤذون المؤمنين ويوسوسون لهم، فالله يغلهم بفضل صيام هؤلاء وقيامهم وطاعتهم لله سبحانه وتعالى.قوله: (صفدت الشياطين) بمعنى: شدت بالأصفاد، والأصفاد: الأغلال، والأغلال: القيود التي تربط الأيدي بالأعناق، وهذا معنى سلسلت أيضاً. يقول القاضي عياض : يحتمل الحديث أنه على ظاهره وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أيضاً في المعنى أنه إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين، ولا مانع من أن يُحمل على حقيقته. يقول الطيبي : (فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين) أي: أن الله عز وجل يري الملائكة أنه يحمد للصائمين هذا الذي يصنعونه، ويشكر لهم عبادتهم، ويثيبهم بهذا الذي يريهم إياه. قال: (وأنه من الله بمنزلة عظيمة -يعني: الصوم أو الصائم-، وفيه إذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق صلوات الله وسلامه عليه ما يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحية). يقول القرطبي : (فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرة فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟) يعني: كأنه يقول: هذا سؤال متوقع من الآخرين. يقول: (والجواب أنها إنما تغل -يعني: تصفد- الشياطين الذين يريدون إغواء الصائمين، فمن كان منهم كذلك حيث صام الصائم وأراد أن يغويه فإن الله سبحانه وتعالى يمنع هذا الشيطان من الوسوسة لهذا الصائم أو التمكن منه بتصفيد الشيطان وسلسلته). كأن مردة الشياطين أو البعض من الشياطين الذين يغوون المؤمنين، يقول: (إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه) بمعنى: أنه ليس أي صوم تغل فيه الشياطين، بل لا تغل إلا في الصوم الصحيح المتقن، بأن يصوم ابتغاء وجه الله سبحانه، فلا يرائي بصيامه ولا يسمع به، ويكون محافظاً على آداب الصيام، أما الصائم الذي يكون في صومه متعصباً غضبان، يريد أن يتعارك مع الناس بسبب أنه صائم، فليس هذا بالصوم الذي تصفد عن مثله الشياطين، وإنما يكون عن الإنسان المؤمن الذي يصوم صوماً يرضي به ربه سبحانه وتعالى، صوماً قد حوفظ فيه على شروطه وروعيت آدابه.قال: (أو المصفد بعض الشياطين كما في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور).وقال غير القرطبي : في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر مكلف، كأنه يقال له: قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم) يعني: الصيام يزيدك من البركة، ويزيدك من القرب من الله عز وجل، فعندما تقع في معصية لا تتعلل وتقول: الشيطان هو الذي أغواني، وإن كان الإنسان إذا تاب يقول كما قال تعالى: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف:63].فالإنسان إذا تاب إلى الله عز وجل تاب الله عليه، أما أنه يقع في المعاصي ويترك الصيام ويقول: الشيطان أغواني. فإن الله عز وجل يقول له: قد غلت عنك الشياطين، وقدرة الشيطان عليك في رمضان ضعيفة، ولكن شهوتك وأذاك في الخلق هو الذي جعلك تصنع ذلك، والله أعلم.


    ذكر بعض أسباب دخول الجنة والعتق من النار

    روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة) أي: عتقاء يعتقهم الله عز وجل من النار، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عتقائه من النار.وروى الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه: (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبة، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخل الجنة؟)، أي: أن الفرائض التي فرضها الله عز وجل لو أن العبد أتى بها على الوجه الذي ينبغي فهل يمكن أن يدخل الجنة بالفرائض فقط من غير نوافل معها؟ يقول: (أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات) أي: صليت الخمس الصلوات وواظبت عليها كما أمر الله سبحانه، (وصمت رمضان) أي: على الوجه الذي يرضي به الله سبحانه وتعالى، (وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً) يعني: ما قال عنه الله: حرام بعدت عنه، وما قال عنه: حلال فعلته، فهل بإتيان الفرائض وترك الحرام ندخل الجنة؟ (قال: نعم، قال الرجل: والله لا أزيد على ذلك شيئاً).وفي الحديث الآخر وهو حديث جميل وعظيم، وقد رواه ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته)، ويلاحظ هنا أنه ذكر أربعة أركان من أركان الإسلام، وكأن الرجل لم يبلغه فريضة الحج، أو أن الحج ليس على كل إنسان، وإنما على القادر فقط، فذكر في كلامه هذا أربعة أركان هي قوله: (أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله)، الركن الأول، والثاني قوله: (صليت الصلوات الخمس)، والثالث: (أديت الزكاة)، والرابع: (وصمت رمضان وقمته) وقوله: قمته أي: صليت التراويح فيه، قال: (فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء)، وهذا فضل واسع، وكرم عظيم من الله سبحانه وتعالى أن يجعل العبد بتأديته الفرائض من الصديقين والشهداء، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم ومعهم.


    جزاء المفطرين عمداً في رمضان

    روى النسائي في السنن الكبرى التي اختصرها في المجتبي وهو ما يسمى بالسنن الصغرى عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلاً وعراً) أي: أخذا بذراعي النبي صلى الله عليه وسلم وخرجا به عليه الصلاة والسلام، قال: (وأتيا بي جبلاً وعراً -أي: صعب المرتقى- فقالا لي: اصعد فقلت: إني لا أطيقه)؛ لأنه جبل صعب جداً. قال: (فقالا: إنا سنسهله لك، قال: فصعدت، حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات؟!) أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صراخاً وهو على الجبل، وكان هذا في رؤيا منامية رآها صلى الله عليه وسلم، قال: (فقالا: هذا عواء أهل النار) أي: عواء كعواء الذئاب والكلاب والعياذ بالله.(قال: ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً)، وهؤلاء أناس معلقون بأرجلهم من عراقيبهم، شفاههم مشققة الأشداق، (تسيل أشداقهم دماً) أي: يسيل الدم من أفواههم، قال: (قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) أي: هذا حال الذين يفطرون في رمضان قبل غروب الشمس، لا لعلة أو عذر، بل لهوى متبع، واستخفافاً بحرمة ذلك اليوم، فأمثال هؤلاء يكون حالهم يوم القيامة كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: (مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً)، وأيضاً يعوون وهم في نار جهنم والعياذ بالله.

    بيان من يجب عليهم الصوم والقضاء

    يجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم، والمسلمة كذلك مع شرط الطهارة من الحيض والنفاس. والصيام: هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله. فأما الكافر فإنه إن كان أصلياً لم يطالب به، لوجود المانع من القبول وهو: الكفر، ولأن من شروط قبول الصيام توافر الشروط وانتفاء الموانع، فمن موانعه الكفر، ومن شروطه وهو أهمها أن يأتي الصائم بركن الإسلام وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38].إذاً: هذا الإنسان إذا كان كافراً ومكث عمراً من عمره على ذلك، ثم أسلم فإن الله عز وجل يغفر له ما قد سلف، ولا يطالب بقضاء الأيام والشهور التي فاتته، ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيراً عن الإسلام، وهذه علة صحيحة، وحكمة عظيمة، فلو أن كافراً يبلغ من العمر خمسين سنة وأسلم، فعلى القول بإيجاب القضاء عليه سنطالبه بخمسة وثلاثين أو ستة وثلاثين شهراً وهذا صعب جداً.ولو قيل لإنسان ذلك لنفر عن الدين، ولكن الله عز وجل برحمته العظيمة الواسعة قال له: إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، والإسلام يجب ما قبله. والأصل أن العبادة التي يأتي بها في حال كفره لا تقبل منه، ولكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم استثناء في الصدقة والعتق، حيث من تصدق بشيء وأسلم، فقد أسلم على ما أسلف من خير، وتكتب له حسنات هذا الذي أنفق، أما الصيام فهو عبادة بدنية يشترط لقبوله أن يكون الصائم مسلماً، وكذلك باقي العبادات. روى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! أرأيت أشياء كنت أتحنث -أي: أتعبد- بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم فهل فيها من أجر؟)، فهذا حكيم بن حزام يصل الرحم، ويعطيهم الهدايا، وينفق عليهم، وكان يتعبد بذلك في جاهليته، وكان في ذلك الوقت كافراً، إذ كان إسلامه متأخراً، قال: (أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم فهل فيها من أجر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير) يعني: من هذه النفقات، فالصدقة نفقة، وعتق العبيد بأن تجعلهم أحراراً وصلة رحم بالإنفاق عليهم وغيره صدقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أسلمت على ما أسلفت من خير)، فهذا هو الحال في الكافر الأصلي.أما المرتد -وهو من كان مسلماً ثم ارتد وكفر- فإنه إذا رجع للإسلام بعد ذلك هل يلزمه قضاء ما فاته في ذلك؟ الراجح أنه لا يلزمه ذلك، وإن كان الأولى أن يقضيه؛ لأن العلة هي التي ذكرناها في الكافر الأصلي، إذ لعل هذا المرتد تمر عليه سنون وهو في ردته كعشر سنوات أو عشرين سنة ثم يسلم بعد ذلك، فلو قيل له صم عشرين
    شهراً! لكان هذا الأمر صعباً عليه، ولعله ينفر ولا يرجع إلى الإسلام بسبب ذلك، ولذلك نقول: الإسلام يهدم ما قبله، وأمره إلى الله عز وجل.وعليه فالمرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء الصوم، ولا يطالب بأدائه في حال ردته؛ لأنه لو صام وهو مرتد لم يقبل منه.وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ، وقال الشافعي : يلزمه قضاؤه، ويناقش هذه المسألة ابن العربي في أحكام القرآن فيقول: (إذا أسلم المرتد وقد فاتته صلوات وأصاب جنايات)، والصلوات حق لله، والجنايات حق للآدمي، قال: (فإن الشافعي قال: يلزمه كل حق لله وللآدمي)، ووجهة نظر الإمام الشافعي أنه طالما ستلزمه بعض الحقوق فإذاً يلزمه جميع الحقوق، فيلزمه إذا أتلف لآدمي شيئاً وهو في حال ردته إصلاح ما أفسد، أو دفع ثمن ما أتلفه على الآدمي، فطالما أننا نلزم المرتد بذلك فنلزمه أيضاً بحقوق الله عز وجل كالصيام وغيره. وقال أبو حنيفة : (ما كان لله يسقط وما كان للآدمي يلزمه)، يعني: يفرق بين حق الله وبين حق الآدمي، فإن الآدمي لا يتنازل عن حقه بل يطلبه، أما الله عز وجل فإنه هو الغفور الرحيم سبحانه وتعالى، يقول ابن العربي : (وبه قال علماؤنا) يعني: المالكية. قلنا: وكذلك هو مذهب أحمد رحمه الله تعالى.يقول: (ودليلهم عموم قول الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يهدم ما كان قبله)، هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو عام في الحقوق التي تتعلق بالله كلها.فإن قيل: المراد بذلك الكفر الأصلي) يعني: يريد أن يقول في المناقشة مع الإمام الشافعي رحمه الله، إذا قال قائل منهم: هذا في الكفر الأصلي وليس في المرتد، بدليل أن حقوق الآدميين تلزم المرتد، يعني: كأنه يفرق بين الكافر الأصلي إذا كان مع الكفار وهاجموا المسلمين، ثم أتلفوا في المسلمين، وبعد ذلك تاب ودخل في دين الله عز وجل فلا يطالب بشيء، أما المرتد، فإن أتلف ثم رجع إلى الإسلام طولب بضمان هذه الأشياء التي أتلفها. يقول: (بدليل أن حقوق الآدميين تلزم المرتد ولا تلزم الإنسان الكافر الأصلي، فوجب أن تلزم المرتد حقوق الله تبارك وتعالى، فالجواب: أنه لا يجوز اعتبار حقوق الآدميين بحقوق الله)، أي: لا يجوز قياس الآدمي على ربه سبحانه وتعالى، ولا اعتبار حق الآدمي بحق الله عز وجل، ولا حقوق الله بحقوق الآدميين في الإيجاب والإسقاط، يقول: (لأن حق الله يستغني عنه) أي: أن الله يستغني عن حقه سبحانه ويعفو ويتجاوز سبحانه، والإسلام يهدم ما قبله، أما حق الآدمي فهو مفتقر إلى حقه، ويطالب به. يقول: (ألا ترى أن حقوق الله لا تجب على الصبي) وهذا قياس آخر أجمل وأقوى، حيث إن الصبي لا تجب عليه حقوق الله سبحانه وتعالى، فلو تكلم بما يوقع الكبير في الكفر فإنه لا يطالب بحق الله عز وجل في ذلك، أما حقوق الآدمي فتلزمه، فلو أن هذا الصبي الصغير أتلف مالاً لآدمي لزمه حق هذا في ماله أو مما عنده من مال. يقول: (فرق بين حق الله وحق الآدمي، فإن الله عز وجل يعفو ويتجاوز، والآدمي يطلب حقه).


    حكم صوم الصبي

    الصبي لا يجب عليه صوم رمضان ولا قضاء ما فات قبل البلوغ، لكن المميز وهو الذي بلغ سبع سنوات، أو كان يميز ويدرك الصواب من الخطأ ويميز العورات، فهذا إذا صام يؤجر على هذا الصيام، وإذا لم يصم فليس عليه إثم في ذلك؛ لما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) فإذاً: قلم التكليف وهو كتابة الإثم على العبد أنه آثم أو أنه يعاقب على كذا قد رفع عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، فالإنسان النائم لو تكلم في نومه بكلام هذا الكلام لو تكلم به وهو يقظ لأثم، أما وهو نائم فلا شيء عليه، وكذلك إذا جاء وقت الصلاة على الإنسان وهو نائم فلم يسمع أذاناً، ولم ينتبه من نومه، فخرج وقت الصلاة فلا شيء عليه، فإذا استيقظ من نومه لزمه أن يصلي، أما ما ضاع من وقت نومه فلا يأثم على تضييعه طالما أنه ليس مفرطاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليس في النوم تفريط).قال: (وعن الصبي حتى يحتلم) أي: وعن الصبي حتى يبلغ.قال: (وعن المجنون حتى يعقل) أي: لا إثم على هؤلاء، لكن إذا أصبح الصبي والصبية مميزان وهما عند الحنابلة من جاوزا السبع سنوات أو ثمان سنوات، وعند الشافعية من كان يُدرك الصواب من الخطأ ويفرق بين العورات، ومن إذا سئل عن شيء أجاب، فهو يفهم السؤال ويفطن لرد الجواب. فهذان المميزان على الولي أن يأمرهما بالصوم لسبع، ويضربهما على تركه لعشر قياساً على الصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك في الصلاة، وقال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع)، فقوله: (مروا) أي: بالكلام، (واضربوهم عليها لعشر)، ولكن لاحظ أنه لم يقل ذلك في الصوم، ولذلك ينظر في الصوم إذا كان الصبي قد أفاق بأن كان مميزاً يطيق الصوم، فهذا يؤمر به لسبع ويضرب عليه لعشر قياساً على الصلاة، أما إذا كان لا يطيق الصوم فيؤمر ولو بعضاً من الوقت؛ ليتمرن عليه، حتى لو وصل سنه إلى عشر سنوات وهو أيضاً لا يطيق، فإذا كان الكبير قد جعل الله عز وجل له عذراً فالصبي من باب أولى، وعلى ذلك لا يضرب على الصوم من كان سنه في العشر سنوات طالما أنه لا يقدر أو يشق عليه. ويلاحظ هنا أن الأمر في الصلاة أشد حيث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فالصلاة سهلة إذ سيصلي الصبي صلاة الظهر أربع ركعات وهذا أمر سهل عليه، أما الصوم فهو الإمساك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس وهذا صعب. قال النووي في المجموع: (الصواب في حقيقة الصبي المميز أنه الذي يفهم الخطاب، ويحسن رد الجواب، ومقاصد الكلام ونحو ذلك، ولا يضبط بسن مخصوص، بل يختلف باختلاف الأفهام) وهذا قيد جميل أيضاً، فهو يريد أن يقول: إذا كان سن صبي تسع سنوات مثلاً وهو لا يفهم كأن تقول له: الصلاة، فلا يفهم الصلاة، فهذا غير مميز، إذ ليس القيد بالسن، فإذا جاوز هذا السن وهو لا يفهم ما صلاة وما صوم فعنده تخلف في الإدراك عن غيره ممن هم في سنه، وعند ذلك يصبر عليه حتى يفهم. قال ابن قدامة: (واعتباره بالعشر الأولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالضرب على الصلاة عندها، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن؛ لقرب إحدى العبادتين من الأخرى، واجتماعهما في أنهما عبادتان بدنيتان من أركان الإسلام، إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة) وهذا كلام جيد، حيث قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصوم، فمن عنده عشر سنوات قد يطيق الصلاة ولا يطيق الصوم. إذاً: عند الجمهور أنه يقاس على الصلاة وإن كان الخلاف في المميز وغير المميز، أما عند المالكية فإن الصوم لا يجب على الصبيان، بل ولا يستحب! وهذا فيه نظر، إذ كيف لا يستحب وقد جاء عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يمرنون أولادهم على الصيام، ففي الصحيحين عن رُبيع بنت معوذ
    رضي الله عنها قالت: (أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم)، فقوله: (من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه) أي: بالصوم وليس بالفطر. قالت الرُّبيع رضي الله عنها: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا. فهذا يدل على أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يفعلون ذلك، ويستحيل عليهم فعل شيء ثم نقول نحن: لا يستحب ذلك، فهم فعلوا ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ممنوعاً لنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فتقول رضي الله عنها: (ونجعل لهم اللعبة من العهن) يعني: نعمل لهم لعباً من العهن: وهو الصوف المصبوغ، تقول: (فإذا بكى أحدهم على الطعام) أي: لا نأتي له باللعبة من أول النهار، بل نحبس عنه اللعبة حتى يجوع ويبكي ثم نعطيه اللعبة يتسلى بها عن جوعه.قالت رضي الله عنها: (حتى إذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار)، وفي لفظ لـمسلم : (ونصنع له اللعبة من العهن فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم)، فهذا تمرين جميل، وفيه المكافأة على الشيء الحسن الذي يفعله الصبي.


    حكم صوم المجنون

    لا يلزم المجنون الصوم في الحال. والمجنون يدخل تحته أصناف كثيرة منها: من يجن حيناً ويفيق حيناً، بأن تكون به نوبة صرع، والمجنون فاقد العقل، وغيرهما. وعليه فإن المجنون لا يلزمه الصوم في الحال؛ لحديث علي الذي تقدم وفيه: (وعن المجنون حتى يفيق) وهذا مجمع عليه.وإذا أفاق المجنون لم يلزمه قضاء ما فاته بالجنون. وذلك المجنون إذا كانت أياماً تامة كاملة، وسواء قل أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه، كأن جن شخص من بداية شهر رمضان إلى يوم عشرة رمضان، ثم بعد ذلك أفاق، فنقول: هو الآن مكلف، وكان في خلال العشرة الأيام الأولى ليس مكلفاً فلا يلزمه القضاء؛ لأنه غير مكلف؛ ولأنه صوم فات في حال سقط فيه التكليف؛ لنقص في الأهلية، فلم يجب قضاؤه كما لو فات في حال الصغر.الصورة الثانية: إذا وجد الجنون في جزء من النهار كمن نوى من الليل وأصبح بالنهار صائماً، ثم بين الظهر والعصر ذهب عقله، بأن حدث له صرع أو ما شابه، وسواء كان الصرع الذي جاء له أوقعه على الأرض وأغمى عليه ثم ذهب بعقله، أو أن عقله ذاهب وهو مفيق، فتراه يتكلم ولكنه في غياب عن الوعي والإدراك، حتى وإن كان جالساً، وهذا يحدث عند البعض وخاصة كبار السن، حيث تراه يجلس ثم يذهب في غيبوبة ولا يدري بشيء أبداً، ويأتي عليه وقت الصلاة فينبه لها فلا يفهم شيئاً، ويمكن أن يرفع يده ويكبر ثم يذهب ولا يدري بشيء، فهذا عقله ذاهب الآن، وهو غير مكلف في هذه الحالة، ولكن يستمر ساعة أو ساعتين ثم يرجع له عقله مرة ثانية.فمثل هذه الصورة نقول فيها: هذا الجزء الذي ذهب فيه عقله لم يكن مكلفاً فيه فلا ينقض صومه، بل لا زال صائماً، حتى لو كان في هذا الجزء أكل أو شرب أو فعل شيئاً مما ينقض صيام غيره؛ لأنه ذاهب العقل غير مكلف في هذا الجزء. ومثله في الحكم من جن وذهب عقله فجاء إنسان ووضع له دواءً في فمه؛ ليفيق من جنونه. فهذا الرجل مكره على هذا الشيء وهو ذاهب عقله فلا شيء عليه، وإذا أفاق فصومه صحيح؛ لأنه أكره على ذلك. ولذلك نقول: إذا وجد الجنون في جزء من النهار لم يفسد الصوم، أما إذا وجد في جميع النهار فلا ينفع الصوم هنا، وذلك كمن جن من الفجر حتى غروب الشمس، فلا يصح صومه، وليس عليه القضاء. قال الشافعي رحمه الله: (إذا وجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم؛ لأنه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجوده في بعضه كالحيض)، وهذه هي وجهة نظر الشافعي حيث قاس الصوم على الحيض، فالمرأة إذا كانت صائمة ثم نزل عليها الحيض فسد صومها ولزمها القضاء، والجنون مثلها أيضاً في الإفساد. يقول ابن قدامة راداً على ذلك: لنا أنه زوال عقل في بعض النهار فلم يمنع صحة الصوم قياساً على الإغماء، أي: هناك فرق كبير بين الجنون وبين الحيض، فالمرأة الحائض إنسانة مفيقة عاقلة، أما المجنون فقد ذهب عقله، وأقرب أصل لهذا هو المغمى
    عليه، والمغمى عليه أجمعوا على أن صومه صحيح، إن كان الإغماء في بعض النهار لا كله، فنقيس المجنون على المغمى عليه في صحة الصوم بالشرط المذكور. يقول: (لم يمنع صحة الصوم كالإغماء والنوم، ويفارق الحيض، فإن الحيض لا يمنع الوجوب) يعني: أن الحيض لم يمنع وجوب الصوم، بل يجب عليها الصوم، ولكن لا يصح منها لوجود المانع، ولذلك فهي ملزمة بقضاء أيام حيضها. فإن الحيض لا يمنع الوجوب، وإنما يجوز تأخير الصوم، ويحرم فعله، ويوجب الغسل، ويحرم الصلاة والقراءة واللبث في المسجد والوطء، فلا يصح قياس الجنون عليه؛ لوجود فروق كثيرة بين هذا وذاك؛ لذلك فهذا قياس مع الفارق.يقول: (وأما إن أفاق في بعض اليوم فلنا منع في وجوب قضائه وهو الصواب)، أي: وهو الصواب أنه لا يجب قضاء من جن في بعض اليوم؛ لأنه غير مكلف في هذا الجزء، بل مكلف في الباقي، واجتمعت النية مع الإمساك في باقي اليوم فصيامه صحيح. يقول: (وإن سلمنا، فإنه قد أدرك بعض وقت العبادة) يقول: بفرض التنزل، فالذي نقوله: إن المجنون في بعض اليوم فاقد للإدراك، لكنه قد أدرك بعض وقت العبادة فيلزمه القضاء كالصبي إذا بلغ.والصواب أن الصبي إذا بلغ لا يلزمه القضاء طالما أنه أمسك باقي الجزء من اليوم الذي بلغ فيه، وكذلك الكافر إذا أسلم في بعض النهار، وكما لو أدرك بعض وقت الصلاة، فهذا يذكره ابن قدامة تنزلاً منه.


    حكم صوم المغمى عليه ووجوب القضاء عليه

    يقول: (متى أغمي على الصائم جميع النهار فلم يفق في شيء منه لم يصح صومه)، إذاً: هنا الإغماء كان جميع النهار، ونحن نقول: الصيام عبارة عن إمساك مع نية، إذ لابد ولو في جزء من النهار أن يكون ممسكاً ويحس، فالنائم مثلاً يستشعر الجوع، ولو أيقظه أحد لاستيقظ، أما المغمى عليه فإنه وإن ضرب فلا يحس بشيء، فإذا كان الإغماء من أول الفجر حتى غروب الشمس فإنه وإن كان ممسكاً، إلا أنه لا نية عنده، فهو لم يفق بحيث يستشعر هذا الجوع؛ ولأنه لا يحس بشيء فيها، فعلى ذلك إذا أغمي عليه بعض النهار أو أكثره وأفاق في بعضه فصومه صحيح، أما لو أغمي عليه جميع النهار فلا يصح منه هذا الصوم. يقول لنا: (فلم يفق في شيء منه لم يصح صومه، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد ، وقال أبو حنيفة : يصح)، وكأن أبا حنيفة يقيس ذلك على النوم، وإن كان هنا فارق بين النوم وبين الإغماء، فالنائم يستشعر الجوع وهو نائم، وكذلك النائم لو أيقظته استيقظ، لكن المغمى عليه لا يستشعر بجوع ولا بشيء، ولو أيقظته لم يستيقظ، إذ لو كان يستيقظ لنفعه صوم بعض النهار فصح باقيه.قال أبو حنيفة : (يصح؛ لأن النية قد صحت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم)، وكأنه يريد أن يكتفي بالنية إذا صحت بالليل. قال مالك : (إن كان أغمي عليه من أول النهار إلى الليل رأيت أن يقضي يوماً مكانه، وإن أغمي عليه وقد قضى أكثر النهار أجزأه ذلك)، يريد أن يقول: إن الإغماء إذا كان له أكثر النهار فعليه أن يقضي يوماً مكانه، أما إذا كان الإغماء أقل النهار فلا قضاء عليه، وكأنه يفرق بين القليل والكثير. والراجح فيه أنه إذا أفاق بعض النهار وكان قد جمع بين النية مع الإمساك فصومه صحيح ولا يلزمه القضاء، أما إذا أغمي عليه النهار كله فهذا يبطل صومه ويلزمه القضاء؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
    [البقرة:184].والإغماء يلحق بالمرض وليس بالجنون، فالمجنون إنسان ذاهب العقل غير مكلف، والمغمى عليه مريض، فعلى ذلك يلزمه أنه يقضي يوماً مكانه.فالجنون نقص في الأهلية، أما هذا فهو مريض، ولهذا لا يجوز الجنون على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ويجوز عليهم الإغماء. والدليل على ما رجحناه قول الله عز وجل في الحديث: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي)، فهذا الجزء من الحديث فيه الشاهد على أن الواجب في الصيام هو الترك مع النية، ولو كان الترك كأن أغمي عليه في الباقي فيصح منه ذلك، أما إذا أغمي عليه اليوم كله فلا يضاف الإمساك إليه. أما النوم فلا يؤثر في الصوم سواء وجد في جميع النهار أو بعضه؛ لأن النوم عادة يجري على جميع الخلق، ولا يزيل إحساس الإنسان بالكلية، ومتى نبه النائم استيقظ، أما الإغماء فعارض يزيل العقل فأشبه الجنون.ومن زال عقله بمرض أو بشرب دواء شربه لحاجة فهو ملحق بالجنون في حكمه، كأن أصابه صرع أو ما شابه، أما من كان مريضاً فأغمي عليه بسبب المرض كمن أصابته حمى فأغمي عليه في الحمى، فهذا مريض الآن، وحكمه حكم المريض، قال تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] أي: عليه قضاء تلك الأيام التي أفطر فيها. إذاً: نفرق بين من حالته الجنون فهو غير مكلف في هذا الوقت، وفيه التفصيل الذي تقدم، وبين من كان في مرض فأغمي عليه بسبب المرض، كأن يكون مريضاً بالحمى أو أغمي عليه بسبب أنه مريض الكبد أو الكلى أو غير ذلك، فيلزم هذا الإنسان قضاء الصوم دون الصلاة؛ لمشقة التكليف بقضاء الصلاة دون الصوم. وهو غير آثم لترك الصيام في تلك الأيام؛ لأن زوال عقله كان بعذر صحيح، أما إذا زال عقله بمحرم، كأن يشرب مسكراً، من حشيش، وخمر، وغيرهما، فهذا يلزمه القضاء، وهو آثم بالترك في هذه الحال.


    حكم من بلغ أو أسلم في نهار رمضان


    إذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار أتم صومه ولا قضاء عليه، وكان أول صومه نافلة وآخره فريضة. ولا يلزمه القضاء على الراجح في ذلك؛ لأن نية الصوم حصلت لهذا الإنسان ليلاً فيجزئه كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أول الصوم نافلة وباقيه فرضاً كما لو شرع في صوم يوم تطوعاً ثم نذر إتمامه، وصورة هذا النذر أن يكون أول النهار صائماً بنية النفل، ثم قال: اليوم الذي سيقدم فيه فلان لله علي نذر أني أصومه، فقدم صاحبه في نفس اليوم، فيصير اليوم الذي بدأه بصوم النافلة فريضة عليه بسبب نذرهن أما ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا قضاء عليه.وإذا أسلم الكافر في شهر رمضان صام ما يستقبل، فيلزمه صوم بقية الشهر، أما اليوم الذي أسلم فيه فإنه إن كان إسلامه عند صلاة الظهر فقد وجب عليه الصوم في ذلك الوقت، فإن صام من ذلك الوقت فالراجح أن صومه هذا يكفيه كصوم عاشورا من قبل الصحابة، حيث أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإمساك بقية اليوم، ولا يلزمه شيء أكثر من ذلك، فإن صام يوماً مكان هذا اليوم فهو أفضل احتياطاً للخلاف الذي في هذه المسألة.وهذا قول الإمام أحمد ، وبه قال إسحاق ، لكن قال مالك وأبو ثور وابن المنذر: لا قضاء عليه، ولو لم يصم ذلك اليوم أيضاً فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يدرك يوماً كاملاً في إسلامه.وهذا مروي أيضاً عن أحمد رحمه الله.أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,088

    افتراضي





    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
    - النية في الصيام
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (4)


    النية شرط في جميع العبادات ومنها الصوم، فإذا كان الصوم فرضاً فلا بد من الجزم بالنية من الليل، وإذا كان نافلة فلا بأس أن ينويه في النهار ما لم يطعم، ولو نوى في صيام الفرض من الليل ثم أكل بعد أن نوى ذلك في الليل فلا يضره إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر.ومن لم يعلم بدخول رمضان إلا في النهار فإنه ينوي ويمسك من وقت علمه بذلك، ولا قضاء عليه على الراجح.


    وجوب النية في الصيام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.ذكرنا في الحديث السابق أن صوم رمضان فريضة افترضها الله عز وجل على عباده، وهو ركن من أركان الإسلام، فصوم رمضان هو الفريضة، وغيره من الصيام إما أن يكون تطوعاً، وإما يكون واجباً إذا أوجبه الإنسان على نفسه لسبب من الأسباب، لكن لا توجد فريضة صيام بأصل الشريعة إلا صوم رمضان.وهذه الفريضة كما ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم لابد فيها من نية، فجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له).أي: بالنية، وقال: (إنما الأعمال بالنيات) فكل عمل من الأعمال لابد فيه من نية، كالصلاة والصيام، وكل عبادة من العبادات لابد فيها من نية، وكل عمل يعمله الإنسان إذا نوى فيه نية حسنة فالله عز وجل يأجره عليه، (وإنما الأعمال بالنيات) أي: إنما الأعمال الصالحة بالنوايا الخالصة، فإذا كانت النية خالصة لله عز وجل والعمل صالحاً، تقبل الله عز وجل هذا العمل، نسأل الله عز وجل أن يتقبل منا صيام شهر رمضان، وأن يعيننا عليه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحب ويرضى إنه ربنا سبحانه على كل شيء قدير.إذاً فلا يصح صوم رمضان إلا بنية، ولابد في الصوم الواجب أن تكون النية من الليل؛ والصوم الواجب: صوم رمضان وصوم الكفارة، وصيام قضاء رمضان، وصيام كفارات قتل الصيد للمحرم ونحو ذلك.إذاً: فلا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب والمندوب إلا بالنية؛ للحديث الذي في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه قال: النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).وعن ابن عمر عن حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)، فلا بد لصحة الصيام أن تكون النية قد بيتها صاحبها، والبيات يكون بالليل، فيبيت من الليل لنية أنه غداً صائم، هذا لغير المعذور.وأما المعذور كأن يريد أن ينام وهو لم يتبين له أن غداً من رمضان أو ليس من رمضان، فينوي: لو كان غداً من رمضان فإني صائم، فتصح له هذه النية، إذاً: لابد في النية من أن تكون جازمة أنه سيصوم رمضان إلا لمن كان معذوراً كهذا، فله أن ينوي النية على التردد: إن كان غداً من رمضان فإني صائم.

    محل النية هو القلب

    محل النية القلب في كل العبادات، فلا يحتاج أن يتلفظ بها بلسانه؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: نويت أن أصوم، أو قال: نويت أن أصلي، إلا في الحج والعمرة، فإنه يهل بهما، ويرفع صوته فيقول: لبيك حجة، لبيك عمرة، لبيك حجة وعمرة.وأما غيرها فلا؛ لأن الذي قال: لبيك حجة لم يقل: نويت أن أصلي، صلوات الله وسلامه عليه، فيؤخذ ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، فما قاله قلناه، وما سكت عنه سكتنا عنه.ومعنى النية العزم والقصد إلى فعل الشيء، فلا يكفي اللسان عن نية القلب، ولو أن الإنسان تكلم وقال: أنا غداً صائم ثم لم يكن هذا الكلام بقصد النية فلا ينفع، بل لا بد أن يكون القلب موافقاً لهذا اللسان.


    هل ينوي لكل يوم من رمضان أم تكفي النية في أول يوم

    النية في رمضان تجدد في كل ليله على الراجح، وبعض أهل العلم يرى أن نية واحدة في أول الشهر تغني عن الشهر كله، ولكن كون النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل)، وأن أيام رمضان لا يتعلق يوم فيها بيوم آخر، فإن ذلك يدل على أنه لا بد من النية لكل يوم، فأيام رمضان لا ارتباط فيما بينهما من حيث الصيام، فالذي يفطر يوماً لا نقول له: كأنك أفطرت الشهر كله، وهناك فرق بين صيام رمضان والصيام في كفارة القتل، وفي كفارة الظهار، فكفارة الظهار عليه أن يصوم فيها شهرين متتابعين، والصيام فيها متعلق بعضه ببعض، فليس له أن يفطر، قال تعالى: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة:4]، فلا بد من التتابع، فلو انقطع هذا الصيام بغير عذر فإنه يلزمه أن يعيد الشهرين المتتابعين من جديد وكذلك في قتل الخطأ أو الخطأ شبه العمد، فالكفارة في ذلك صيام شهرين متتابعين، إذاً: فيلزمه التتابع، وفي مثل ذلك يقال: إن نية واحدة تكفي؛ لأن التتابع شرط والصيام مرتبط بعضه ببعض.وليس كذلك في شهر رمضان، فلو أنه أفطر يوماً أو عدة أيام فهذه الأيام التي أفطرها لا تؤثر في الأيام التي صامها، فعلى ذلك يبيت النية أنه غداً صائم كل ليلة في صيام رمضان.وتبييت النية أمر سهل، فأنوي في قلبي أني غداً صائم، وكوني أتسحر بالليل هذه نية الصيام في الغد، وعلى ذلك الإنسان الذي يستحضر أنه غداً صائم، هذه هي النية، إذاً: تجب النية في كل صوم واجب سواء في رمضان أو في غير رمضان، فغير رمضان مثل صيام كفارة اليمين ثلاثة أيام، فيلزمه نية لكل ليلة، وخاصة إذا قلنا: إنها ثلاثة أيام لا يشترط فيها التتابع.وأما في صيام الكفارتين: كفارة الظهار والقتل شهرين متتابعين فتكفي بنية بواحدة من البداية على الراجح، ولكن الأولى أن ينوي في كل ليلة أنه غداً صائم.

    الفرق بين النية في صيام الفرض وصيام التطوع

    هناك فرق بين صيام الفريضة وصيام التطوع من حيث النية، فالتطوع يجوز فيه أن تكون النية من النهار، لكن الفريضة لابد من تبييت النية من الليل، والذي فرق بين الاثنين هو النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا صام رمضان بيت النية من الليل، وأخبرنا عن ذلك فقال: (لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل)، هو صلى الله عليه وسلم صام تطوعاً بنية من النهار، فقد كان ناوياً أن يفطر ثم صام ونوى التطوع من أثناء النهار.إذاً: لو نوى الصوم بعد الفجر لم ينعقد عن رمضان طالما أنه متمكن من النية بالليل، وهذا في النذر وغيره، إلا إذا كان النذر في النهار، والنذر أن يقول: لله علي نذر أن أصوم إذا قدم فلان، فإذا كان صائماً تطوعاً فقدم فلان انقلب الصوم إلى فريضة؛ لأنه نذر بذلك، فكانت نية الفريضة من أثناء النهار، وكانت النية قبل ذلك تطوعاً.

    تصح نية صيام الفرض في جميع الليل وحكم الأكل بعد النية قبل الفجر

    تصح النية في جميع الليل، فإذا نوى بعد غروب الشمس أنه غداً صائم تنفع هذه النية، ولا يشترط أنها تكون قبل الفجر مباشرة، ولكن في أي وقت من الليل من الغروب إلى قبيل الفجر يجوز له النية فيه.وإذا نوى الصوم بالليل ثم أكل أو شرب فهذا لا ينقض نيته، فبالليل نوى أنه غداً صائم، وبعدما نوى أكل أو شرب فلا شيء عليه، ولا تنقتض هذه النية بشيء.وكذلك لو نوى ونام ثم انتبه قبل الفجر فأكل فلا شيء عليه، وتكفيه تلك النية.
    جواز النية من النهار في صوم النفل


    يصح صوم النفل بنية من النهار، وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: يا عائشة ! هل عندكم شيء؟) يعني: من طعام، فهو يريد أن يأكل صلى الله عليه وسلم، وقوله هذا يدل على أنه كان مفطراً، (فقالت: يا رسول الله! ما عندنا شيء، قال: فإني صائم)، فالنية الآن من النهار، فقد كان في البداية ناوياً أن يفطر، فلم يلق طعاماً فصام صلوات الله وسلامه عليه، فدل ذلك على أنه يجوز لك أن تصبح وأنت تريد الإفطار، فإن لم تجد إفطاراً حولت النية إلى الصوم فتصير صائماً وتؤجر عليه.إذاً: ففي صيام التطوع الله عز وجل يرخص لعباده في أشياء حتى يحببهم في التطوع في العبادة، ولذلك في صلاة النافلة يجوز لك أن تصلي وأنت قاعد حتى ولو لم تكن مريضاً، ولكن الأجر على نصف القائم، وأما الفريضة فلا يجوز لك أن تصلي قاعداً إلا إذا لم تستطع القيام، إذاً لماذا في النافلة يجوز أن تصلي وأنت قاعد؟ يجوز ذلك للتحبيب في النافلة، فالإنسان طبيعته فيها الكسل، فتوسوس له نفسه بأني متعب ولا أستطيع أن أقوم وأصلي، فنقول له: ممكن تصلي وأنت قاعد، فإذا صلى وهو قاعد، تعود على النافلة مع الزمن، فيقوم بعد ذلك يصلي وهو قائم، ويقول: لماذا آخذ نصف الأجر وأنا أقدر أن آخذ الأجر كاملاً؟! إذاً: أصلي وأنا قائم.فكذلك في الصيام يخفف الله عز وجل تيسيراً على العبد، وتحبيباً له في التطوع، فإذا أصبح وليس عنده طعام، فيجوز له أن ينشئ نية الصيام من النهار، إلا أن يكون في أيام يكره فيها الصيام أو يحرم فيها الصيام، كيوم العيد مثلاً، ويوم الجمعة يكره الصيام فيه منفرداً إلا أن يكون يصوم يوماً ويفطر يوماً، أو أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده. ففي الحديث السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإني صائم، قالت عائشة : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور، قالت: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله! أهديت لنا هدية أو جاءنا زور وقد خبأت لك شيئاً، قال: ما هو؟ قالت: قلت: حيس، قال: هاتيه، قالت: فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائماً).وهذا الحديث كأنه جمع يومين مع بعض وليس يوماً واحد، ففي أحد الأيام كما في أحاديث أخرى عن عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها أنه كان أصبح مفطراً ولكن لم يأكل، فلما لم يجد طعاماً نوى الصيام وصام، وفي يوم آخر أصبح وقد نوى الصيام صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك أتته السيدة عائشة فقالت: أهدي لنا هدية، فقال: ما هي الهدية؟ قالت: حيس، وهو طعام حلو يتخذ من التمر والسمن، فأكل منه وأفطر صلى الله عليه وسلم.وهذا من رحمته بأمته صلوات الله وسلامه عليه، وذلك أن الصائم أمير نفسه، فإن شاء أكمل صومه، وإن شاء أفطر، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك لكان كل إنسان صائم عليه أن يستمر فيه، ولشق عليه صوم التطوع، لكن كون النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك دل على أنه يجوز أن تصبح وأنت صائم، ثم يبدو لك أن تفطر لعذر من الأعذار أو لغير عذر فلك ذلك؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت رواية في هذا المعنى، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (إذاً أفطر اليوم وقد فرضت الصوم)، قوله: (فرضت) هنا ليس معناها أنها فريضة، بل معناه: كنت نويت الصوم، ثم أفطر صلى الله عليه وسلم.وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (إنما مثل صوم المتطوع كمثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها)، وهذا يعطي لنا حكماً آخر وهو: أن المتطوع بالصوم كالمتطوع بالصدقة، وليس هو كالمتطوع بالصلاة؛ لأن الصلاة إذا أحرمت بها فليس لك أن تخرج منها، فالصلاة تكون تطوعاً إذا أنت لم تدخل، فإذا أردت أن تصلي فصل وإذا لم ترد أن تصلي فلا تصل، لكن إذا دخلت في الصلاة فأحرمت بها فليس لك أن تخرج منها، فهي إذاً غير الصوم وغير الصدقة، فالصدقة في جيبك، فإذا نويت أن تعطي فلاناً صدقة، ثم بدا لك ألا تفعل فإنك تؤجر على أنك نويت أن تفعل الصدقة، وهذا من كرم الله العظيم سبحانه، والصيام كذلك، فإذا نوى إنسان أن يصوم وأصبح صائماً، ثم بدا له أن يفطر بعد ذلك أفطر، فهذا الصائم تطوعاً كالذي يريد أن يتصدق بالصدقة، فكلاهما أمير نفسه إن شاء أمضى ذلك وإن شاء لم يفعل.وفي أي وقت من النهار نوى صيام التطوع أجزأه، سواء في ذلك ما قبل الزوال وبعده، فمثلاً في صوم التطوع إذا بقي إلى وقت الظهر وما أكل، فجاء عند وقت الظهر فقال: أكمل صومي، فالراجح أن له ذلك.ومثل إنسان كان نائماً لم ينو صوماً، ثم استيقظ من النوم قبيل المغرب فالراجح أنه يجوز له ذلك، تحبيباً للمسلم في الصوم، وهذا في التطوع وليس في رمضان وليس في فريضة. والشرط في ذلك ألا يكون قد طعم قبله، فلا يكون قد أكل وشرب وبعد ذلك يقول: سنصوم لا، بل يشترط ألا يكون قد أكل أو شرب بعد الفجر.ويؤجر على صيام يوم كامل، وهذا مثل أن يتصدق الإنسان بصدقة ويؤجر عليها عشر حسنات، وآخر يتصدق ويؤجر مائة، فلن يستوي هذا مع إنسان كان ناوياً للصيام من قبل الفجر، غداً صائم، لكن من حيث الأجر فيكون له أجر صيام يوم كامل، وأما المضاعفة فأمرها إلى الله عز وجل، فيضاعف لمن يشاء.


    تعيين النية في الصيام

    يشترط تعيين النية في صوم القضاء والكفارة، يعني: طالما أنه صيام واجب فلابد من تحديد النية، فمثلاً أنوي أني اليوم صائم صوم رمضان فيكفي، وإذا كان علي صيام من رمضان فأنوي أني صائم غداً عن اليوم الذي كان في رمضان، ولا ينفع أن أقول: سأصوم وبعد ذلك أنوي كفارة يمين أو كفارة عن كذا، أو ظهار، أو لرمضان. إذاً: لا بد من نية في الليل أنه صائم غداً صيام الفريضة.ولا يشترط تعيين سبب الكفارة، ولو عين وأخطأ لم تجزئ الكفارة، كتعيين كفارة يمين، أو كفارة ظهار، أو كفارة قتل خطأ، فإذا نوى أنه يصوم غداً صيام عن هذه الكفارة فأطلق وقال: أنا علي كفارات وسأبدأ الصيام من غداً وما حدد، جاز له أن يبدأ الصيام ويصرفه لأي نوع من هذه الكفارات، إلا إذا نوى من الليل وقال: غداً أصوم عن كفارة قتل الصيد مثلاً، فأصبح بالنهار وقال: أنا أحول النية وأجعلها للكفارة أخرى، فهنا لا تتحول النية، ولكن تظل على هذا الشيء، إذاً لو عين النية وأخطأ لم يجزئها في مسألة أخرى. ولو عين النية وأخطأ مثل أن يقول: علي يوم من رمضان وغداً سأقضي هذا، فلما صام هذا اليوم تبين له أنه لا يوجد عليه قضاء من رمضان، وإنما كان عليه كفارة يمين، فلا تنفع هذه مكان هذه؛ لأنه صامه قضاء لرمضان، فيكون صومه نافلة، ولا ينقلب إلى شيء آخر من الكفارة.


    حكم صيام التطوع بنية مطلقة

    يصح صيام التطوع بنية مطلقة كما تصح الصلاة بنية مطلقة، ولكن الأفضل هو تعيين النية في الصوم المرتب، فمثلاً ينوي أن غداً يوم الإثنين سأصوم؛ لأن يوم الإثنين يوم ترفع فيه الأعمال، ولو أنه صام بنية مطلقة، لأجزأ ورفعت فيه الأعمال أيضاً، ولكن الأفضل أنه ينوي اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يصوم الإثنين والخميس.وكذلك في صوم عاشوراء إذا صام بنية مطلقة، فإنه مأجور عليها، لكن الأفضل أن ينوي أن هذا صوم عاشوراء، وكذلك في يوم عرفة ينبغي أنه ينوي أن هذا صيام عرفة؛ بحيث يؤجر على أنه اختار أن يصوم في اليوم الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه تلك الفضيلة العظيمة، ولو صامه بنية مطلقة فإنه يؤجر عليه أيضاً بما جاء في الكفارة التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
    حكم الجزم بالنية في الصيام

    ينبغي أن تكون النية جازمة في الصيام فلا يبقى متردداً في التطوع، أنا صائم أو غير صائم، وإذا أصبح يتردد أصوم أو لا أصوم، ويظل على ذلك إلى أن تغرب الشمس، فلا يعد صياماً؛ لأنه لابد من الجزم بالنية.وفي صوم الفريضة لابد بالجزم بالنية بالليل كما قدمنا.
    حكم صوم الفرض بنية من النهار

    يصح صوم الفرض بنية من النهار في العذر الشديد جداً، مثل أن يصبح الناس فجاء إنسان وقال: رأينا الهلال بالأمس، وهذا إذا كانت رؤيا عين.ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم أصبحوا صائمين في يوم الثلاثين من رمضان، فجاء بعض الأعراب وقالوا: رأينا الهلال ونحن في الطريق، وأهل المدينة كانوا صائمين، وأخبروا بذلك بعد الظهر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالإفطار، وخرجوا إلى العيد في اليوم الثاني مع أن يوم العيد هو هذا اليوم الذي كانوا فيه، ولكن هذا اليوم قد انتهى فسيخرجون إلى العيد من اليوم الثاني.وكذلك يكون الأمر إذا لم يروا الهلال وأصبحوا مفطرين، ثم جاءهم من يقول: رأينا الهلال، وأخذ بكلام هذا الإنسان وقبلت شهادته، فيجوز لمن لم يكن قد أكل أن ينوي نية من النهار وأن يصوم، وإن كان الأحوط في هذه الحالة أن يقضي ذلك اليوم، والراجح من حيث الدليل أنه يجزئه، كصيام عاشوراء حين كان فريضة، ثم نسخ، فقد كان صيامه فريضة والنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يصوموا من النهار، ففي مثل هذه الحالة يجوز.


    حكم التردد في الصيام في آخر يوم من رمضان

    إذا كان في آخر رمضان فقال في ليلة الثلاثين من رمضان: أصوم غداً إن كان من رمضان، وفعلاً كان من رمضان، فهنا يجوز صومه ذلك، وإن كان من العيد أفطر.ولو كان عليه قضاء فقال: أصوم غداً قضاء أو تطوعاً، فهذا لا ينفع هنا، وهو ينفع في رمضان على الراجح، والفرق أن رمضان لن يقدر أن يستدرك هذا الشيء فيه، فإذا قال بالليل: لو كان غدا رمضان فأنا صائم عن رمضان، وإن كان غير رمضان فأنا صائم تطوع، فأصبح فكان من رمضان، فتنفع هذه النية.لكن لو أن إنساناً تردد في النية، وقال: أنا غداً صائم قضاء أو تطوعاً، ولم يجزم بأحدهما، فنقول له: لا بد من الجزم؛ لأن هذا الأمر بيدك فتستطيع أن تقضي غداً أو في أي وقت آخر، فلك الخيار إما أن تنوي قضاء أو تنوي تطوعاً، فالتطوع لك الخيار فيه، فعلى ذلك إذا قال: إني غداً صائم إما قضاء عن يوم من رمضان، أو تطوعاً، وأصبح الصبح على هذه النية المترددة، فإن الصيام يكون تطوعاً ولا يجزئ أن يكون فريضة في هذه الحالة والله أعلم.نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,088

    افتراضي رد: شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان الشيخ أحمد حطيبة



    شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان

    - مسائل في النية وبداية ونهاية الصوم
    - للشيخ : ( أحمد حطيبة )
    (5)


    لا بد من تبييت النية من الليل للصوم، وهناك مسائل تتعلق بالنية في الصوم، فمن نوى الصوم ثم نوى قطعه جازماً فقد أفطر وإن لم يأكل، ومن نوى قطعه متردداً فلا شيء عليه وصومه صحيح، ولا صيام لمن لم يبيت النية من الليل إلا أن يكون معذوراً بنوم أو نسيان، والصيام يبدأ من أول الفجر الصادق حتى غروب الشمس يقيناً.

    مسائل تتعلق بالنية في الصوم

    حكم من نوى قطع الصوم جازماً أو متردداً
    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. تكلمنا في الحديث السابق عن النية في الصوم وأن صوم الفريضة لا يصح إلا بنية، ولابد أن يبيت النية من الليل كما قدمنا، ولو دخل إنسان في صوم ثم نوى قطعه جازماً بنية الخروج فهذه من المسائل التي تتعلق بالنية، فإذا نوى مسلم من الليل أنه غداً صائم وأصبح بالنهار وهو على هذه النية عازماً على الصوم ثم بدا له أن يقطع هذه النية فإما أن يكون متردداً، أو أن يكون جازماً بقطع النية، يعني: كأن يقول: أنا الآن مفطر إذا وجدت طعاماً سآكل، فإذا عزم على الخروج خرج في الحال ولو لم يأكل، فإذا تردد في الخروج كإنسان مريض تردد وقال: أفطر لأنني معذور بالمرض ولا أكمل الصوم؛ فإنَّ التردد لا شيء فيه، والصوم صحيح، لكن الجزم بأنه خرج من الصوم كأنه نفى النية وألغاها، فعلى ذلك الآن هو مفطر؛ لأننا ذكرنا أن الصيام هو إمساك مع نية، فلا بد من الاثنين، فإذا وجد الإمساك والنية نسيها الإنسان فلا شيء، ولو تردد فيها وقال: أكمل أو أفطر؟ فلا شيء، لكن إذا عزم وجزم بأنه لا نية للصوم وقال: أنا مفطر الآن، فقد بطل صومه. ولو كان صائماً عن نذر فنوى قَلْبَهُ إلى كفارة أو عكس ذلك، أي لو أنه صائم عن نذر، كأن يكون نذر أن يصوم يوم الاثنين القادم -في غير رمضان- وجاء يوم الإثنين وأصبح وهو صائم بهذه النية، ثم تذكر أن عليه كفارة يمين الآن وهو بالنهار، فأراد أن يقلب نيته إلى كفارة يمين، فإنه لا يصلح ذلك، والراجح أن صومه صحيح وهو عن النذر وليس عن الكفارة، ولا ينقلب الصوم لشيء آخر بخلاف من نوى من الليل -فقال: أنا غداً صائم، إما قضاء رمضان وإما عن النذر، ولم يجزم بواحدة حتى طلع عليه الصبح فصام، فصومه الآن صوم نافلة وليس فريضة، لأنه لابد ليكون قضاءً من عزم في نيته على أن هذا صوم قضاء، وإذا كان عن كفارة لا بد من عزم، وإذا كان عن نذر لا بد من عزم كذلك، فإذا أصبح عليه الصبح ولم يجزم، ولكنها مجرد نية أنه يصوم ولم يحدد عن أي شيء، فلا يصلح أن يحدد بعد أول نهار ويكون صومه هذا نافلة.

    حكم الحائض إذا نوت الصوم قبل انقطاع حيضها ثم انقطع في الليل


    من المسائل التي تتعلق بنية الصوم: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع حيضها ثم انقطع في الليل، فهنا لا يشترط في وقت النية أن تكون المرأة طاهرة من الحيض، ولكن العادة قد تكون معروفة عندها، فهي تعرف أنها في يوم كذا في نهار رمضان أنها حائض، وأن هذا آخر يوم لها في دورتها، ومنتظرة خلال الليل أن تنقطع تماماً، وتعلم أنه قبل الفجر ستكون قد قطعت الدورة، فلو أنها نوت في أثناء حيضها وهي تعلم انقطاعه في الليل فالنية صحيحة وتجزئها، فإذا أصبحت وكانت طاهرة فصيامها صحيح.

    أي فعل يدل على الصوم في الليل يكفي في نية الصوم

    الإنسان لو تسحر ليتقوى على الصوم أو عزم في أول الليل أن يتسحر في آخره، أو قال: أتسحر للصوم أو أشرب لدفع العطش، هذا كله يصلح نية للصوم؛ لأنه فعل ذلك بقصد الصوم، فعلى ذلك فهذه نية تجزئ في الصوم، ولا يشترط أن يقول: أنا غداً صائم، بل أي فعل فعله من أجل الصوم كالسحور ونحو ذلك، فهو نية تجزئه.

    حكم تعقيب الصائم النية بقوله: إن شاء الله

    لو عقب النية بقوله: إن شاء الله أنا غداً صائم، فهذه الكلمة تقال على وجهين، إما أن يقصد التبرك بهذه الكلمة وتأكيد العزم فيما يقول، فهذا لا يؤثر في صومه وصومه صحيح، أو يقصد بها التعليق، مثال ذلك: إنسان يقول لك: ائتني بالليل، فتقول له: إن شاء الله، فأنت تركت الأمر للقدر، وإذا شاء الله ذهبت إليك، فأنت لست عازماً أصلاً أنك تأتيه، وتركت الأمر للظروف، إذا شاء الله عز وجل ذهبت إليك، هذا هو التعليق على المشيئة، والتعليق على المشيئة لا يصلح في نية الصوم، بخلاف من يقول: أنا صائم غداً إن شاء الله ويقصد بهذه الكلمة التبرك بها والعزم.


    حكم من نسي نية الصوم في رمضان حتى مطلع الفجر


    لو أن إنساناً جاء عليه الليل ونسي النية حتى الفجر، أو أنه نام قبل المغرب وقام بعد الفجر، ومعلوم أنَّ النية تكون بكل ليلة، لكن هذا لم يبيت النية لأنه نام أو نسي. قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلاة: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فالقياس الصحيح هنا أن يقال: نية الصوم تكون إذا استيقظ ولم يأكل، فقد نوى أنه يصوم فتجزئ، وخاصة أن مسألة النية في النهار للعلماء فيها قولان: فمذهب الإمام أبي حنيفة أن النية مجزئة لأي صائم، وفي أي صوم فريضة أو نافلة، فله أن ينوي من النهار، ومذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي وأحمد أنه لابد من تبييت النية إلا مع العذر وهذا هو الصحيح، إذاً: لابد من النية إلا أن يوجد عذر، وسبب الاستثناء في العذر ما جاء في عاشوراء أنه فرض عليهم صومه في عام واحد وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم في النهار أن يصوموه، فأجزأت هذه النية، فعلى ذلك لو أن الإنسان نام قبل غروب الشمس فلم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فهذا معذور بالنوم، وإذا كان يعذر في الصلاة فليعذر هنا، فلينو إذا استيقظ من نومه، ويصوم هذا اليوم، وإذا نسي طول الليل كأن يقرأ القرآن أو كان يصلي، ولم يستحضر في قلبه أن يوم غدٍ من أيام رمضان حتى طلع الفجر، فإننا نقول: يجزئه الآن أن ينوي من النهار، وهذا مذهب أبي حنيفة ومذهب ابن حزم في هذه المسألة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، فهذا معذور ولا يقاس على المعذور غيره، إذاً: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل، إلا أن يكون معذوراً بنوم أو بنسيان.

    حكم النية في الليل ثم قطع النية قبل الفجر

    لو نوى في الليل ثم قطع النية قبل الفجر، نحن نقول: الصيام لابد فيه من إمساك مع نية ولو حكماً؛ لأنه ليس من الممكن أبداً أن نقول للصائم: اذكر طول النهار من الفجر حتى المغرب نية الصوم، هذا بعيد؛ لأن الإنسان ينسى ويأكل ناسياً ويسهو وهكذا، فصعبٌ أن يتذكر النية طول النهار، إنما نقول: تعتبر له النية حكماً حتى يقطع هذه النية، فلو أنه نوى في الليل ثم قطع النية قبل الفجر، أي: نوى عند العشاء الصوم وجاء قبل الفجر وقال: لا، إنني مسافر غداً لن أصوم، فعلى ذلك فهو مفطر؛ لأنه قطع النية قبل الفجر، ولا تجزئه النية التي كانت في الليل، فإن لم يسافر هذا الذي قطع النية فإنه يلزمه الإمساك، ولا يجزئه عن رمضان، بل عليه القضاء بعد ذلك.

    حكم من علم أن عليه صوماً واجباً لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة

    لو علم أن عليه صوماً واجباً ولا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة؟ نقول: هنا لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، صُم ثلاثة أيام بنية الصوم الذي وجب عليك، أي: بنية الصوم الواجب ولا يلزم التحديد الآن؛ لأنه يشق عليك، والله سبحانه يقول: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] .

    مسائل تتعلق ببداية ونهاية الصوم


    إنَّ الصيام يبدأ من أول الفجر حتى غروب الشمس، إذاً: ينقضي الصوم ويتم بغروب الشمس، وهذا من رحمة الله سبحانه، إذْ خفف علينا بعدما كان الصوم يبدأ من العشاء حتى غروب شمس اليوم الثاني، فيصام ثلاثاً وعشرين ساعة في اليوم! فالله خفف وجعل الليل للأكل والشرب والجماع، قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] إذاً: من طلوع الفجر الصادق حتى غروب الشمس. وهذا بإجماع المسلمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) فقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم أن الليل آتٍ من هنا، والشمس تتحرك من المشرق إلى المغرب، وكلما تتحرك من مكان تخلف خلفها مكاناً للظلِّ ومكاناً للَّيل، فالظلمة تبدأ يسيراً شيئاً فشيئاً حتى تعمَّ الظلمة جميع المكان، فيكون هذا الليل بغروب الشمس، إذاً: إذا جاء الليل من هاهنا وغرب النهار من هاهنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأدبر النهار)، وقال: (وغربت الشمس) لأنه ليس ضرورياً إذا أدبر النهار أن تكون قد غربت الشمس، ولكن قد يكون هذا في تخيلك أنت وفي نظرك، فقد يُدبر النهار بسحابات انتشرت في السماء، ولم تغرب الشمس، فعلى ذلك لا بد من غروب الشمس، والذي يقف عند البحر، أو في أفق واسع أمامه في صحراء أو نحوها يرى الشمس وهي تغرب، تنزل رويداً رويداً حتى تنزل تحت الأفق.قال العلماء: الأحوط أن يمسك جزءاً يسيراً بعد الغروب؛ لأن الذي يرى الشمس وهي تغرب، يجد أن الشمس حين تنزل تحت الأفق يكون فوقها شعاع يسمى الشفق الأحمر، وكأن هذا الشفق يخبر الإنسان أن الشمس لم تنزل بالكامل تحت الأفق، ولذلك لا بد من الاحتياط.والدخو في الصوم يكون بطلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق، وذكرنا أن الفجر الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفجر الكاذب هو ضوء يكون في السماء مستطيلاً، والفجر الصادق يكون ضوءاً أو خيطاً مستعرضاً في الأفق من المشرق إلى المغرب. روى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] قلت: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالاً أبيض وعقالاً أسود أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار) ، فـعدي بن حاتم أخطأ في هذا الشيء، وأخذ بمقتضى ما يفهم هو من اللغة، أنه خيط أبيض وخيط أسود، فأخذ حبلين، حبلاً أبيض وحبلاً أسود، ووضعهما تحت وسادته ليتبين هذا من ذاك، فبيَّن له النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخطأ وأن قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ [البقرة:187] يقصد به: بياض النهار، وسواد الليل. أيضاً جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغرنكم من سحوركم) أي: من أكل السحور (أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطيل هكذا) إذا كان الأفق أمامكم بطول السماء، فليس هو الفجر، لكن الفجر الذي يكون خيطه مستعرضاً آتياً من المشرق إلى المغرب وتراه أمامك.

    جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الثاني

    يجوز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الثاني أي: الفجر الصادق، لقوله سبحانه: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، ولو أن إنساناً يقف وينظر إلى الفجر وينظر إلى الأفق أمامه بين المشرق والمغرب حتى يتبين له الفجر وما زال يشك، هل طلع الفجر أم لم يطلع؟ فطالما أنه يشك فله أن يأكل حتى يتبين له ذلك، وهذا قد يختلف باحتمال النظر، فمن الناس من نظره قوي، وهذا نظره أضعف منه، فإذا تبين طلوع الفجر لك وجب عليك الصوم، لكن الآن لدينا الساعة ونعرف طلوع الوقت الصادق عن طريقها، فإذا تأكدْنا أنَّ هذا وقت الفجر فلا يجوز لنا أن نأكل أو نشرب، بل من كان في فمه طعام فليقذف هذا الطعام على ما قدمنا في بحث قبل ذلك. جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أرسل رجلين ينظران في الفجر، فقال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، وكان ذلك بعد ما عمي رضي الله عنه، ففي آخر حياته صار ضريراً رضي الله عنه، فكان يرسل من ينظر في الفجر، فأرسل رجلين فقال الأول: أصبحت، وقال الثاني: لا، فقال: اختلفتما، أرني طعامي أو أرني شرابي فشرب رضي الله عنه؛ لأنه ذكر في الآية التبين، والآن لم يتبين، ولكن يختلف أنظار الناس، فمن تبين له بالنظر أن الفجر طلع لم يجُزْ له أن يأكل ولا أن يشرب، ومن عرف بالساعة أن الآن وقت الفجر الصادق فعلى ذلك لا يجوز له أن يأكل أو يشرب بعد طلوع الفجر.

    عدم الأكل والشرب إلا بعد التيقن من غروب الشمس

    ينبغي ألا يأكل حتى يتيقن الغروب، فتستيقن بساعتك إذا كانت مضبوطة، أو إذا كانت متأخرة فاصبر حتى تسمع الأذان في المسجد أو في المذياع فتعرف أن الوقت قد جاء، أو إذا كنت في صحراء أو عند البحر وترى الشمس وهي تغرب، فانتظر حتى تستيقن أن الشمس قد غربت.

    حكم من أكل ظاناً غروب الشمس فبانت طالعة أو ظاناً أن الفجر لم يطلع فبان طالعاً


    من أكل ظاناً غروب الشمس فبانت طالعةً أو ظاناً أن الفجر لم يطلع فبان طالعاً، فأحياناً الإنسان يضبط المنبه ليتسحر على الساعة كذا، ثمَّ يقوم للسحور ويأكل ويشرب وبعد ذلك يتبين أنَّ المنبه كان واقفاً، وأن الفجر قد طلع قبل فترة، فعلى ذلك أكل بعد طلوع الشمس، والعكس كذلك عند غروب الشمس يكون قبل الغروب يرى الدنيا قد أظلمت، ويظن أن الشمس غربت فيأكل وبعد ذلك يتبين له أنَّ المؤذن ما زال يؤذن، فالأول أكل بعد طلوع الفجر، والآخر أكل قبل غروب الشمس، فالاثنان لو أنهما اقتحما هذا العمل من غير تحرٍّ ومن غير سؤال، واندفعا إليه يلزمهما القضاء يوماً مكان هذا اليوم الذي ضيعاه، لكن إذا كان الأمر مشتبهاً، فالراجح في هذه الصورة: أنه عمل ما عليه، فالأمارات تدله على أن الشمس غربت الآن فهو أفطر بناءً على ذلك، فالراجح: أن هذا لا شيء عليه، لا يلزمه القضاء، وصومه صحيح، وبمجرد أنه عرف أنه أخطأ فعليه أن يمسك. إذاً: حكمه حكم الناسي والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وإذا كان الناسي في وسط النهار أكل حتى شبع وشرب حتى ارتوى وبعد ذلك تذكر أنه صائم، فقول: أطعمك الله وسقاك، ولا شيء عليك فليكن الحكم كذلك في المخطئ، إذا كان هذا المخطئ قد أخذ بالأسباب. لكن إنسان لم يأخذ بالأسباب أصلاً، قام من النوم فرأى الليل مظلماً ولم يكلف نفسه أن ينظر في ساعة، وأحياناً الإنسان يختان نفسه في ذلك، فيأكل ويشرب، ثم ينظر في الساعة، فرأى أن الوقت وقت الظهر، فإننا نقول له: أفطرت ويلزمك الإمساك وعليك القضاء، فنفرق بين إنسان تحرى فأخطأ ولا شيء عليه، وإنسان لم يتحرَ في ذلك فيلزمه القضاء. وهذا الذي ذكرناه جاء في حديث مرفوع في صحيح البخاري عن أسماء رضي الله عنها قالت: (أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس) ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء ولو أمرهم لذكرت: قضينا هذا اليوم، ولكن لم تذكر شيئاً، فدل على أنه لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، لكن راوي هذا الحديث عن أسماء رضي الله عنها هو عروة بن الزبير ، وابنه هشام بن عروة يروي الحديث عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء ، قيل لـهشام بن عروة: فأمروا بالقضاء؟ فقال هشام من عند نفسه رضي الله عنه: لابد من قضاء، ولم يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا ذكره عن أسماء رضي الله عنه، بل أبوه عروة بن الزبير كان يرى أنه لا يلزم القضاء في ذلك، فقول عروة أولى من قول ابنه، فهذا عروة من فقهاء التابعين رضي الله عنه وهو أقرب للصحابة من هشام ، وهشام أبعد رضي الله عنه. وحدث نفس الشيء في عهد عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه وأنهم أفطروا، يقول زيد بن وهب : كنت جالساً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر بن الخطاب فأوتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة ، يعني: أخرجت السيدة حفصة رضي الله عنها أقداحاً كبيرة فيها تمر وماء ونحو ذلك للصائمين يفطرون عليها، وهذا من كرمها رضي الله عنها، قال: فشربنا ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طلعت، إذاً: الذي حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حصل في عهد عمر رضي الله عنه، قال: فجعل الناس يقولون: نقضي يوماً مكانه، فقال عمر : والله لا نقضي ما تجانفنا بإثم، فعلى ذلك الإنسان إذا أخطأ وظنَّ أن الشمس غربت وبان له بأمارات أنها غربت من سماع مؤذن أو من نظر في ساعة فتبين أنه أخطأ فالراجح: أنه يلزمه الإمساك ولا شيء عليه، بخلاف من لم يتبين له بأمارة، إنسان نظر فوجد السماء غائمة وقال: الليل قد جاء، ولم يكلف نفسه أن يتحرى أو ينظر في الساعة ولم يسأل ولم يسمع مؤذناً فأكل فتبين أن الليل لم يأت؛ فهذا يلزمه القضاء، فنفرق بين الاثنين، والله أعلم. نكتفي بهذا القدر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •