ذم قسوة القلب(خطبة)
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: ذم قسوة القلب(خطبة)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,096

    افتراضي ذم قسوة القلب(خطبة)

    ذم قسوة القلب
    حسن عبد الرحمن عبد الحافظ عثمان




    إنَّ الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.


    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1].
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70- 71].


    أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.


    أما بعد عباد الله:
    فعن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إن الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَتَبَهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقع في الحرام؛ كَالرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يرتع فيه، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ[2].


    هذا الحديث حديث عظيم الشأن جليل القدر حتى ذكر أهلُ العلم أنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، ومهم من قال بأنه يشمل ثلث الإسلام وقال الشافعي رحمه الله: " هذا الحديث نصف العلم ".


    فقد اشتمل على قاعدة جليلة في الحلال والحرام هذه القاعدة غاية في الأهمية خاصة في هذه الأوقات التي كَثُرَ فيها التنازع بين الناس - خاصة في أمور الدين - وظهر كثير ممن ينتسبون للعلم يلبسون على الناس دينهم بزعم أن الدين يسر فسلكوا مسلك التمييع للدين بزعم أن الأمر فيه خلاف.


    فتأتي هذه القاعدة لتبينَ وتُفَصِّلَ هذا الأمر " الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات "، فالأحكام في الدين والنصوص الشرعية منها ما هو محكم ومنها ما هو متشابه، فالمحكم هو البيِّن الظاهر "الحلال بيِّن والحرام بيِّن ". وأما المتشابه فقد يخفى حكمه على كثير من الناس أو يقع النزاع بين أهل العلم فيه خاصة فيما يستجد من قضايا، فيأتي النص من النبي صلى الله عليه وسلم في حكم هذا المتشابه "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ".


    "من اتقى الشبهات" أي هذا الأمر الذي صار فيه شبهة عندك، من العلماء من يقول حلال ومنهم من يقول حرام كمسألة الفوائد الربوية " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه " أي سلِمَ له دينه وبرأ من النقص، "واستبرأ لعرضه " أي سَلِمَ عِرضه من الذم والطعن من الناس، " ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام " أي من عوَّد نفسه بأن يقتحم الشبهات وأن لا يبالي ويقول هذا أمر فيه خلاف هذه مسألة تنازع الناس فيها هذا يسهل عليه الوقوع في الحرام " كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيها ".


    ثم بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم عِلَّة الجرأة على الوقوع في الحرام واقتحام الشبهات وهي القلب، قال: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلَحَت صَلَحَ سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائرُ الجسد ألا وهي القلب".


    إذن الذي يحول بين الجسد وبين وقوعه في الحرام هو القلب، لأن القلب بالنسبة للجسد كالقائد الذي تخضع له كلُّ الأعضاء، فإذا صلح هذا القائد واستقام استقامت جميع أجزاء الجسد، وإذا فسد القلب فسد الجسد وهلك صاحبه يوم القيامة.


    ولذلك ذكر الله عز وجل علامة الفلاح يوم القيامة وهي سلامة القلب، قال تعالى حاكيا دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم [الشعراء: 87 - 89]، ووصفه ربُّه بسلامة القلب فقال وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات: 83 - 84].


    والقلب السليم هو الذي سَلِمَ من الشرك والغلِّ والحقدِ والحسدِ، والشح الكبر وحب الدنيا والرياسة، فَسَلِمَ من كلِّ آفةٍ تُبْعِدُهُ عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبر الله، ومن كل شهوة تعارض أمر الله، وسلم من كل إرادة تزاحم مراد الله، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله.


    وما سُمِّيَ القلبُ قلبًا إلا لكثرة تقلبه وعدم ثباته على حال ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم دائما ما يدعو بثبات القلب يقول " يا مقلبَ القلوبِ ثَبِّت قلبي على دينك"[3].


    وذلك لأن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فالثبات به سبحانه والزيغ والضلال والانحراف أن يكلك إلى نفسك قال تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ: 50].


    عباد الله:
    إنَّ الاجتراءَ على المعاصي وعدمَ الانتفاعِ بالمواعظ التي تلقى والآيات التي تسمع والنذر التي تلوح في الآفاق سَبَبُها قسوةُ القلوب، فقسوةُ القلوب هي الداء الخطير الذي صدَّ المشركين عن الاستجابة لداعي الهدى، وهي التي حالت بين أثر كتاب الله في المسلمين، وكانت مُسَوِّغًا عندنا لاقتراف المعاصي والجرأة على الله عز وجل، حتى لتجدَ الرجل يصدع بسب الله وسب دين الله عز وجل ولا يتحرك لأحدٍ منا ساكنٌ، وتجد العاصي يأخذ كل التدابير ليتخفى عن أعين الناس وهان عليه نظرُ المولى إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    وقد ذمَّ الله ربُّ العالمين قسوة القلوب فقال سبحانه وتعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74] ثم بين وَجْهَ كونِها أشد قسوة وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون [البقرة: 74].


    وقال عز وجل أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: 16]، وقال الملك جل في علاه فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزمر: 22].


    قال مالك بن دينار: ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب[4].
    وقال حُذيفة المرعشي: ما أصيب أحدٌ بمصيبة أعظم من قساوة قلبه[5].


    فقسوة القلب حائل يحول بين العبد وبين فهم كتاب الله وتدبره، كما أنها سببٌ للجرأة على المعاصي وانتهاك الحرمات، وهي سببٌ للشقاء في الآخرة.


    عباد الله:
    إن المسلم الحريص على آخرته يجب علىه أن يتخلَّص من هذا الداء الخطير، ولا يمكن أن يتخلص منه إلا إذا علم أسبابَه، وأسبابُ قسوة القلوب كثيرة منها:
    الغفلة عن ذكر الله وتدبر القرآن:
    قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124]، وقال عز وجل لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21]، فهذا مثال ضربه الله عز وجل لتوبيخ الإنسانِ على قسوةِ قلبهِ، وعدم تَخَشُّعِه عندَ تلاوة القرآن، وقلةِ تدبرِه فيه.


    كثرةُ الذنوب:
    قال تعالى: ï´؟ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ï´¾ [المطففين: 14].
    وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ تَابَ صُقِلَ مِنْهَا، فَإِنْ عَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْظُمَ فِي قَلْبِهِ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ï´؟ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ï´¾ [المطففين: 14] "[6].


    قال المحاسبي رحمه الله:
    اعلم أنَّ الذنوب تورث الغفلة، والغفلة تورث القسوة، والقسوة تورث البعد من الله، والبعد من الله يورث النار، وإنَّما يتفكر في هذا الأحياء، وأما الأموات فقد أماتوا أنفسهم بحب الدنيا[7].


    التفريط في الفرائض وانتهاك المحرمات:
    قال الله تعالى: ï´؟ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ï´¾ [المائدة: 13]، وبيَّن سبحانه ذلك ذلك بقوله تعالى: ï´؟ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيل ï´¾ [النساء: 155].


    الانشغال بالدنيا والانهماك في طلبها والمنافسة عليها:
    قال الله عز وجل في حق المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد في سبيل الله ورضوا بالحياة الدنيا ï´؟ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ كَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [التوبة: 93].


    وقال تعالى ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ï´¾ [يونس: 7- 8].


    قال ابن القيم رحمه الله: " متى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه، وحلَّ فيه حب المخلوق، والرضا بالحياة الدنيا، والطمأنينة بها، فاعلم أنه قد خسف به"[8].


    وقال في موضع آخر: "شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة، لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد. إذا غذي القلب بالتذكر، وسقي بالتفكر، ونقى من الدغل، رأى العجائب وألهم الحكمة،..إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا، قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد"[9].


    من أسباب قسوة القلب كثرةُ الضَّحك وكثرةٌ الكلامِ وكثرةٌ الأكلِ وكثرةُ النومِ.
    عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاً تُكْثِرُوا الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ»[10].
    وقال بشر ابن الحارث: خصلتان تُقسِّيان القلب، كثرةُ الكلام وكثرة الأكل[11].


    وذكر المروذي في كتاب الورع، قال: قلتُ لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-: يجد الرجلُ من قَلبه رقَّة وهو يَشْبِعُ؟ قال: ما أرى[12].


    الابتداع في الدين:
    قال تعالى: ï´؟ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾ [الأنعام: 153]. وقال عز وجل ï´؟ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ï´¾ [الصف: 5]، وقال تعالى: ï´؟ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ï´¾ [هود: 112].


    قال السعدي رحمه الله: " أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ومن معه، من المؤمنين، أن يستقيموا كما أمروا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنةً ولا يسرةً، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة"[13].


    فهذه بعض أسباب قسوة القلوب نسأل الله العافية، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم.



    الخطبة الثانية
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
    عباد الله:
    هذه بعض أسباب قسوة القلوب فما الدواء لإزالة هذه القسوة؟
    من أسباب إزالة قسوة القلوب دوامُ ذكرِ الله عزَّ وجل ومجاهدة النفس في هذا الشأن، وليس المقصود بالذكر ذكر اللسان فحسب بل ذكر اللسان فرع عن ذكر القلب والمهم هو ذكر القلب، أن تستحضر معاني الذكر والتدبر والفهم لآيات الله عز وجل، قال تعالى نزل أحسن ï´؟ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد ï´¾ [الزمر: 23].


    قال وهب بن الورد: نظرنا في هذا الحديث، فلم نجد شيئًا أرق لهذه القلوب ولا أشد استجلابًا للحق من قراءة القرآن لمن تدبره.


    وقال يحيى بن مُعاذ، وإبراهيم الخواص: دواءُ القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرَّع عند السحر، ومجالسة الصالحين.


    النظرُ في ديار الهالكين، والاعتبار بمنازل الغابرين.
    روى ابنُ أبي الدُّنْيَا في كتاب "التفكر والاعتبار"، بإسناده عن عُمر بن سليم الباهلي، عن أبي الوليد، أنَّه قال: كان ابن عمر إذا أراد أنْ يتعاهد قلبَه يأتي الخربة فيقف عَلَى بابها، فيُنادي بصوت حزين، فيقول: أَين أهلك؟ ثم يرجع إِلَى نفسه، فيقول: كل شيء هالكٌ إلاَّ وجهه"[14].


    وروى بإسناده، عن محمَّد بن قُدامة قال: كان الرَّبيعُ ابن خُثيم إذا وجد من قلبه قسوةً يأتي منزل صديق له قد مات في الليل فيُنادي: يا فُلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان. ثم يقول: ليت شِعري، ما فعلتَ وما فُعل بك؟ ثم يبكي حتى تسيل دموعه، فيعرف ذاك فيه إِلَى مثلها.


    كثرةُ ذكر الموت:
    ذكر ابنُ أبي الدُّنْيَا بإسناده "أنَّ امرأةً أتت عائشة لتشكو إليها القسوة. فقالت: أكثري ذكر الموت، يرق قلبك وتقدرين عَلَى حاجتك. قالت: ففعلت، فآنست من قلبها رشدًا، فجاءت تشكر لعائشة -رضي الله عنها-".


    وكان غيرُ واحد من السلف، منهم سعيد بن جُبير، وربيع بن أبي راشد يَقُولُونَ: لو فارق ذكرُ الموت قلوبنا ساعة لفسدت قلوبُنا.
    وعن النبي صلى الله عليه وسلم " أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ "[15].


    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "زُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ"[16].


    عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ»[17].


    وذُكِرَ أنَّ عجوزًا مُتَعبِّدة من عبد القيس كانت تُكثر إتيان القبور، فعُوتبت في ذلك. فقالت: إِنَّ القلب القاسي إذا جفا لم يليِّنه إلاَّ رسوم البلى، وإنِّي لآتي القبور وكأني أنظر إليهم وقد خرجوا من بين أطباقها، وكأني أنظرُ إِلَى تلك الوجوه المتعفِّرة، وإلى تلك الأجسام المتغيِّرة، وإلى تلك الأكفان الدنسة. فيا له من منظرٍ، ما أنكلَ مرارةَ الأنفس وأشدَّ تلفةِ الأبدان.


    وفي ذلك قيل:
    أفي دارِ الخرابِ تظلُّ تبني
    وتَعْمُرُ ما لعُمْراٍن خُلقتا

    وما تركتْ لكَ الأيامُ عذرًا
    لقد وَعَظَتْكَ لكن ما اتعظتا

    تُنادي للرحيل بكلِّ حينٍ
    وتُعْلِنُ إنَّمَا المقصودُ أنتا

    وتُسمعك النداءَ وأنت لاهٍ
    عن الداعي كأنَّك ما سمعتا

    وتعلمُ أنَّه سفرٌ بعيد
    وعن إعداد زادٍ قد غفلتا





    نسأل الله عز وجل أن يذيب قلوبنا بذكره وأجسادنا بطاعته إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم.

    [1] هذه الخطبة مستفادة من رسالة لابن رجب رحمه الله بهذا العنوان " ذم قسوة القلب " وهي مطبوعة ضمن رسائله.

    [2] أخرجه مسلم (1599).

    [3] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (683)، وأحمد (26679)، و الحاكم في المستدرك (1926)، وابن حيان (943).

    [4] جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1253).

    [5] حلية الأولياء 8 /269.

    [6] أخرجه الترمذي (3334)، وأحمد (7952)، و الحاكم في المستدرك (6)، وقال الأباني: صحيح.

    [7] رسالة المسترشدين للمحاسبي ص155.

    [8] بدائع الفوائد 2 /234.

    [9] الفوائد 1 /98.

    [10] أخرجه ابن ماجه (4193)، والبخاري في الأدب المفرد (252).

    [11] أخرجه البيهقي في الشعب (5315)، وأبو نعيم في الحلية 8 /350.

    [12] الورع للامام أحمد ابن حنبل رواية المروزي (323).

    [13] تفسير السعدي 1 /390.

    [14] نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم 2 /385.


    [15] أخرجه الحاكم في المستدرك (7909)، وابن حبان (2992)، وصححه الألباني في المشكاة (1607) والإرواء (682).

    [16] أخرجه ابن ماجه (1569)، وقال الألباني: صحيح.

    [17] أخرجه ابن ماجه (1571)، وأحمد في المسند (23005) من حديث بريدة الأسلمي.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    11,423

    افتراضي

    جزاكم الله خيرًا، أحسنت نقلًا
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •