الشغف بالغرب والأزمة النفسية للمثقف المسلم 2-2 / د. أحمد إدريس الطعان
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الشغف بالغرب والأزمة النفسية للمثقف المسلم 2-2 / د. أحمد إدريس الطعان

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,534

    افتراضي الشغف بالغرب والأزمة النفسية للمثقف المسلم 2-2 / د. أحمد إدريس الطعان

    الشغف بالغرب والأزمة النفسية للمثقف المسلم 2-2 / د. أحمد إدريس الطعان

    لقد عبر سلامة موسى عن رغبته في شفاء أمته المصرية من مرض التشرق - أي محبة الشرق والعرب والانضواء تحت رايته - واعتبر ذلك مرضاً مزمناً يحتاج إلى علاج، ونسي أن الاعتزاز بالذات عصامية وعافية وقوة، وأن أعراض المرض تبدو عندما يفقد الإنسان ثقته بنفسه وأمته ويدعوها إلى تقمص شخصية أخرى. هذا هو مرض "الابتلاء بالتغرب" مثله مثل الوباء، أو لعله أقرب إلى الهرم والشيخوخة، وقد يكون أشبه بالعفونة التي تصيب القمح عندما يبدو القشر سليماً والتسوس في القلب.

    واعتبـر سلامة موسى التعصب للعرب هو الداء الذي علينا أن نحاربه لكي نتمكن من التغرب، وهو بالفعل مخلص لسادته في تبني هذه الرؤية، لأن الغرب أدرك ولقن تلاميذه أن التعصب هو الجدار الواقي الذي يجب أن يهدم، وهو الحصن الحصين الذي يقف في وجه نفوذه ودخوله إلى المجتمعات الإسلامية، والتعصب هو البرج الفولاذي الذي يحرس مجتمعاته، وما دام هذا البرج قائماً فسوف يظل الغرب خارج بوابات الشرق.

    وطالب كل من سلامة موسى وطه حسين أن يُصبَغ التعليم بالصبغة الغربية، ويُسلك به الطريقة الأوربية، فالتعليم الغربي هو طريق التغريب كما يشير المستشرق جب ""هذا هو السبيل الوحيد الذي لا سبيل غيره"".

    لقد أدرك الشاعر الإسلامي أكبر الإله آبادي 1846 - 1921م خطورة هذه الخطوة في مسخ ذات الأمة والقضاء على شخصيتها وجعلها تابعة ذليلة فقال: ""إن أهل الشرق يقضون على العدو بشدخ رأسه، ولكن الغربي يغير طبيعته وقلبه"" وقال: ""يالبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات، وقد كان ذلك أسهل طريق لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التاريخ"".

    ويعبر إقبال عن خطورة التبعية في التعليم: ""إياك أن تكون آمناً من العلم الذي تدرسه، فإنه يستطيع أن يقتل روح أمة بأسرها"".


    ""إن التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي، ثم يُكوِّنها كما يشاء، إن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيراً من أي مادة كيميائية، هو الذي يستطيع أن يحول جبلاً شامخاً إلى كوم تراب "" "" ونظام التعليم الغربي إنما هو مؤامرة على الدين والخلق والمروءة "".

    والغريب أن المتغربين الذين يريدون الاندماج في الغرب من أجل خلاص الأمة من أزماتها لم يدركوا أن تقمص الأمة لذات حضارية أخرى لا يحل المشكلة بل يزيدها ويولد مشكلة جديدة تتمثل في الضياع أو الانفصام الحضاري مما قد يهدد الوجود ذاته.

    ولو أدرك هؤلاء لعلموا أن أزمتنا تتمثل في انعدام الاعتماد على الذات أصلاً، وشيوع التواكل بين أفراد النخبة، وفساد القادة واستبداد الحكام وعدم تبصرهم بمصالح الأمة، بل عدم التفكير فيها حاضراً فضلاً عن المستقبل، مما جعل الهوة واسعة جداً بيننا وبين الغرب الذي صنع الآلة، وسد حاجته منها وبدأ يبحث عن مستهلك، فوجدنا مهيئين تماماً لنكون سوقاً له، وما دمنا نعتمد عليه في ذلك فسوف نظل متغربين ""ومن الطريف أننا إذا صنعنا الآلة فسوف نصير مرضى بمرض الآلة تماماً كالغرب الذي يرتفع صوته وصراخه من التكنولوجيا والآلة"".

    ولكن من الذي قال إنهم لم يدركوا، إن التغرب يحقق لهم القيادة والنخبوية، وهذا يقتضي منهم أن يتنازلوا عن ذواتهم ويذوبوا في غيرهم، ويتنازلوا عن هوياتهم وتاريخهم وكل مقومات إنسانيتهم، ويأخذوا مقابل ذلك المال، ولكن العدو أذكى من أن يعطيهم المال، إنه يعود فيسترده منهم ببضائعه ومنتجاته التي سلبت عقولهم، وأعمت عيونهم.

    لقد كان الغساسنة والمناذرة متشبهين مقلدين للروم والفرس في كل شيء في لباسهم وفي قصورهم وعاداتهم، ومع ذلك لم يبنوا حضارة لأن التشبه نوع من المسخ ولا يشكل حضارة، الحضارة بناها أناس ظلوا محافظين على بداوتهم وعاداتهم، ولم يحتاجوا أن يلبسوا القبعة، ولا أن يرقصوا على الطريقة الغربية، ومع ذلك صنعوا الحضارة وصدروها للناس.
    المتفرنج شبه إنسان ؛ لأن الإنسان الأوربي أخلى باطنه من المحتوى الإنساني والفكري والكيان الخلاق، حتى أصبح من قمة رأسه إلى أخمص قدميه معدة مفتوحة، وفماً فاغراً يلتهم المنتجات الأوربية، ويكافئه الأوربي بأن يدهن له جلده الأجرب المنتن بالدهن الأوربي، ويلبسه لباساً أوربياً، ويرجّل شعره على الطريقة الأوربية، ثم يُشحن بالحركات والسكنات والإشارات الأوربية التقليدية المزيفة الشبيهة بالكليشهات تماماً كما تُعبأ الآلة الحاسبة أو الساعة الرقمية، ثم يُرسَل إلى قومه ليُعطى الإذن بالعمل ويتحرك كما أراد له سادته، ويُوصف عـند ذلك بأنه عصري متحضر أمام أبناء جنسه لتُثار فيهم داعية التقليد والاستهلاك، ولكنه يظل بين سادته يعرف قدره ولا يتجاوز حدوده، فيتقبل وصفهم له بأنه مقلد متشبه ليظل الشعور بالنقص يلازمه، وتظل جدلية الأم والطفل فعالة.

    وكلما حاول أن يثبت ولاءه ويقول لسادته لقد صرت متحضراً مثلكم يبتسم الغربي ويقول: لمّا بعد لأننا لا نزال ننتج، ولا نزال بحاجة إلى مستهلكين.

    وكلما تسارعت وتيرة الإنتاج كلما ازدادت سرعة الاستهلاك -كما هو الحال في بعض دول الخليج- من أجل اللحاق بالركب المتأورب -لأنهم جاءوا متأخرين- ويظل الغرب سعيداً بهؤلاء الممسوخين الذي لا يملُّون من الركض وراءه ولا يشبعون من نهم الاستهلاك.

    إن المتغرب إذن أوفى مستهلك للصناعة الغربية لأنه لا يفكر بالإنتاج، وإنما يفكر كيف يستهلك بجنون لكي يواكب المنتجات الحديثة.

    ولكي يوصف بالتحضر والرقي ولذلك فهو لا شخصية له، وفاقد للأصالة في شخصه ومنزله ومظهره، ولا تفوح كلماته برائحة أي شيء، بل تمثل في الأغلب كـل شيء.

    د بل إنه حتى نفسه لا يعرفها إلا من ألسنـة الآخرين، وحقيقـة ذاته يبحث عنها في كتابات المستشرقين، ويعتبـر نفسه موضـوعـاً تحت مجهر الاستـشراق، وهو مسرور جذلان ينتظر النتائج بفارغ الصبر، فإن قيـل له خيراً حمـد الله [ عز وجل ] وإن قيل غيـر ذلك لام نفسه وأمته "" وهذا هو أقبـح أنـواع التـغرب، بل إنه طاعون التغرب ""، يفتك بالذات حتى تفنى وتتلاشى أو تتحول إلى طاقة جديدة في تيار التأورب والاكتساح الذي لا يتوقف، ويظل المتغرب كالميت بين يدي المُغسِّل، فإن من شروط التغرب أن يكون الإنسان سهل القياد بلا جذور وبلا أصول، ولكي يصل إلى القيادة فلا بد أن يكون خفيفاً فإن "" العادة أن الخفيف هو الذي يطفو على سطح الماء "".

    لقد فهم الاستعمار وجرب أنه ما دامت الأمة تعتقد أن لها شخصية، فإن النفاذ إليها ليس بالأمر السهل، والثقافة والتاريخ في أمة دائماً يؤديان إلى شخصية وتعصب، ولا بد للاستعمار من أن ينفذ إلى داخلها عن طريق فصلها عن تاريخها وجعلها غريبة عن ثقافتها، وعندما يرى المفكر نفسه خواء، فاقداً للأصالة ولا جذور له، معطوباً في شخصيته، فلا مفر له من أن يقترب بنفسه عن وعي أو غير وعي من الأوربي، الذي تبدل في هذه الحالة إلى أصالة إنسانية مطلقة، وصاحب ثقافة، وقيم معنوية مثالية وكمال مطلق، كما تغزل سلامة بالإنجليز، وقاسم أمين بالفرنسيين، ويصير مفتوناً به ضائقاً من نفسه، ويعوِّض بالتظاهر بالسمات الأوربية فقدانَه لخصائصه الأصلية وفقر شخصيته وخلائها.

    أليس هذا هو السبب في أن العلمانيين لا يرون في تاريخنا إلا السواد والظلام، إنه ممسوخٌ في عقولهم لأنهم قرؤوه بعقول ممسوخة، ومظلم في أعينهم لأن الغرب ألبسهم نظارات سوداء.

    عندما فعـل الغرب ذلك - أي مسخ تـاريخ الأمم المغلوبة - لم يعد لديه شيء آخر يقوم به، ذلك لأن الأمـم نفسها جاهدت بكراهية وحقد خارقين للعادة في تخريب أنفسها بقدر ما تستطيع، وتحقير دينها وأخلاقها وأصالتهـا التي مُسخت، وبشـوق وإصـرار ألقت بأنفسهـا في أحضان الغرب.

    كالطفل عندما يتعرض لغضب أمه يلجأ إليها هي نفسها من أجل أن يقاومها ويلقي بنفسه في أحضانها.

    هذه الممارسات المسخية والتشويهية والعنصرية التي يتوجه بها الغرب إلى الأمم المغلوبة يدرك أن ممارسته لها لا بد أن تكون بنوع من التحضر، ولذلك فليس من حقه أن يجاهر بالنكران للشرقي والتجاهل لثقافته، عليه فقط أن يشعره بأنه عرق من الدرجة الثانية، وأنه لا يستطيع أن يتجاوز في تفكيره نظريات العرفان ونظم الشعر، أما الغربي فهو السيد الذي يفكر ويصنع ويحكم لأنه عرق أسمى، ولذلك يُحقَّق تراثنا الصوفي مراراً بينما تراثنا العلمي تأكله الفئران.

    ولكن السؤال لماذا؟ لماذا يسعى الغربي لأن يُشعر الشرقي بالدونية حتى كاد سلامة موسى أن ينسلخ من جلده ويستبدله ببشرة أوربية!؟ لأنه عندما يفهم الشرقي أنه من جنس أدنى وفي الدرجة الثانية، ويعتقد أن الغربي من جنس أعلى وفي الدرجة الأولى وصانع للثقافة، فإن علاقته به سوف تشبه علاقة الطفل بأمه، علاقة من هذا الصنف بين الأم والطفل ستقوم تلقائياً على التبعية، فالمستعمر دولته هي "الوطن الأم"، أما المستعمرات في آسيا وإفريقيا فسكانها أطفال مفتقرون إلى التربية عليهم أن ينشأوا في حجره، وهذا ما تكشفه جدلية سوردل إذ تبين أن العلاقة بين الأم والطفل تقوم على أن: الأم تنهر طفلها، والطفل يلوذ بحضن الأم خوفاً منها وطلباً للأمان، وهذه الجدلية تنمو بنفسها وتصبح عامل جذب، وعندما يحس الشرقي أنه غثاء وهباء، وينتسب إلى دين منحط، وينتمي إلى عرق وثقافة وتاريخ وأدب وقادة وماض كله منحط فإنه يشعر تلقائياً بالعار، ويصدق بأنه كذلك منحط، ومن أجل أن يدفع التهمة عن نفسه يتشبه بالغربي حتى يعبر لهم بلسان حاله: لست من هذا العرق المتهم إنني من صنفكم، ويتظـاهر بالتحضر والتغرب في سلوكه وتصرفاته وهيئاته وأسلوب حياته في شخصه ومنزله وزوجته.

    إنه فعلاً منهم لأن ""من تشبه بقومٍ فهو منهم"".

    ولكن الغرب لا يقبله أصيلاً وإنما يقبله متشبهاً، ولا يقبله مُنتجاً وإنما مستهلِكاً.

    إن علي شريعتي في تحليلاته هذه يضع يده على الداء، ويكشف عن سر المرض الذي أصيب به هؤلاء الممسوخين.

    لقد هزِئ سلامة موسى من تاريخنا ولغتنا وحضـارتنا واعتبرها لا تساوي شيئاً، ولغتنا لا يستطيع أن يصف بها أثاث غرفته، وعمر رضي الله عنه الذي شهد له القاصي والداني والعدو قبل الصديق بالعدل كان -بنظره- مستبداً، والأزهر يبعث فينا الظلام، والشيوخ مأفونون لأنهم يتوضؤن في الطرقات، أما الإنجليز فنظاف أذكياء، وهم أرقى الناس على الإطلاق.

    وطلب قاسم أمين أن نقتدي بالغرب فنغير قواعد لغتنا العربية لتصبح نهاياتها دائماً سواكن كما في اللغات الأجنبية، ويتأفف لاستخدام الناس كلمة السيارة بدلاً من الأوتومبيل، ويريد أن نتقبل الكلمات الأجنبية في لغتنا بكل ترحيب، ودون تردد ودون ضوابط.

    وتاريخنا بنظر فـرج فـودة كله قتـل وسفك دماء وظلم واستبداد.

    وهو كذلك بنظر سيد القمني محاكم تفتيش واحتلال وجيوش وسيوف وقسر وإرهاب وإبادة.

    إن هؤلاء الناس أصابتهم هستريا التفرنج، بل إن الغرب أقنعهم بأنهم مجروبون فأخذوا يحكُّون جلـودهم حكاً شديداً كأنهم يريدون أن ينسلخوا منها، ولكن المرض في الحقيقة لم يكن جلدياً وإنما هو نفسي، ويستطيع طبيب نفساني مجرب أن يعالجهم بالدواء المناسب والوسائل اللازمة، ويعيد إليهم شخصياتهم المفقودة، ويعيد إليهم وعيهم وإنسانيتهم، وينتـشلهم من دوامة الشعور بالنقص والحكة والجرب.

    إن هذه اللغة التي لم يجد فيها سلامة موسى ما يعبر به عن أثاث غرفته كانت لغة الحضارة والعلم لبضعة قرون، ودُوِّنت بها علوم الفلسفة والتاريخ والفلك والرياضيات والأديان والأدب والشعر والوجدانيات، ولم يجد أهلها حرجاً في التعبير عن كل ما يريدون، بل كانت لغة طيِّعة مرنة تستجيب لكل متطلبات الحياة وأغراض البشر، وإذا كان سلامة موسى يعاني من نقص في قاموسه اللغوي، ويعجز عن تذكر أسماء الأثاث في غرفته، فليس من حقه أن يُحمِّل اللغـة مسؤولية عجزه وجهله، لأنه لا توجد لغة في العالم كله عاجزة عن نقل الحضارة، لأن اللغة تزدهر إذا كانت الأمة مزدهرة، وتتكـلس وتتقلص إذا جمدت الأمة وتخلفت، واللغة العربية قادرة -كما فعلت بالأمس- على التجاوب مع الحضارة بمختلف فروعها وأشكالها إذا أراد لها أهلها ذلك، لأن اللغة تحتاج إلى حوار ومحاورة، ومساءلة ومجادلة، ومخاطبة، وبقدر ما نتجادل معها نجدها سخية، وبقدر ما نحاول أن نكلمها نجدها مرنة ثرية، وليس تراجع اللغة العربية اليوم إلا لتخلف أهلها، وقلة تعاملهم معها، واتجاههم إلى العاميات أو اللغات الأجنبية فليس لأن لغتنا تخلفت تخلفنا، ولكن لأننا تخلفنا تخلفت لغتنا، إن اللغة ليست عامل تخلف، بل مظهر وتعبير عنه، ولو أننا سمينا أجزاء السيارة والطائرة والتلفاز والحاسوب على نحو ما سمى القدامى أعضاء البعير وأقسام السفينة وأجزاء المحراث، لما بقيت قطع غيار مستخدمات التكنولوجيا بلا تسمية في العربية الحديثة، ولما وجدنا فقراً في التعبير عن الأدوات والاختراعات المتلاحقة يتبرم منه سلامة موسى وغيره.

    إن أفضل سلاح يواجَه به التغرب هو "العودة إلى الذات" وليس من متطلبات الارتقاء بالذات التخلي عن الدين، لأن أوربا إذا كانت تقدمت لأنها تركت دينها، فنحن تخلفنا لأننا فعلنا ذلك، لأن السلاح الوحيد الذي نملكه للدفاع عن ذاتنا وكياننا هو الدين، لأن الدين والدنيا لدينا شيء واحد وضياع أحدهما يستتبع ضياع الآخر، وليس كما يحاول مفكرونا الذين صُنعوا في الغرب أن يقنعونا بأن الدين نوع من التعصب والرجعية والتخلف.

    ولكن قد يسأل سائل إلى أي ذات نعود؟ أو إلى أي إسلام نعود؟ فالإسلامات اليوم كثيرة في الواقع الإسلامي، وشيوخ السلطة جاهزون لتمزيق الإسلام وتحريفه التماساً لرضا أسيادهم؟ إن الإسلام المطروح والذي يراد العودة إليه هو الإسلام الرسالي نفسه، الإسلام "المحجة البيضاء، الواضحة، التي ليلها كنهارها" -كما جاء في الحديث- ذاك الذي جعل من طائفة من البدو الحفاة أمة استطاعت خلال سنوات قليلة لا تكاد تحسب في عمر الزمن أن تقضي على أكبر امبراطوريتين في العالم، وخلال سنوات أخرى أن تقيم حضارة فاتحة مسيطرة، وُلدت منها حضارة العالم اليوم، الإسلام هو نفسه الذي حوّل عمر بمرقعته -دون أن يحتاج إلى تغييرها-وأبو ذر الوثني قاطع الطريق-دون أن يحتاج إلى حلق لحيته أو تغيير راحلته أو لبس القبعة -حوّلهم إلى فاتحين ثوار وقادة عظماء، ولم تحُل دون ذلك لحاهم أو مرقعاتهم أو رواحلهم.

    ولكن لأن الذي أصاب أمتنا من جراء التغريب والتأورب هو عملية مسخ وتشويه وليس إنكاراً وتجاهلاً، والمسخ والتشويه أنكى من الإلغاء والتجاهل، فمصيبتنا لذلك أشد من مصيبة الأفارقة، لأن الأفارقة أقنعهم الغرب بأنه ليس لهم تاريخ ولا حضارة، وهؤلاء يكفيهم أن يعودوا إلى ذاتهم فيكتشفوها، أما نحن فلم يقل لنا الغرب ذلك، لقد جاملنا الغرب وضحك علينا وخدرنا وأقنعنا بأننا أصحاب حضارة، ولكنها حضارة ممسوخة مشوهة مظلمة، ولذلك فلا يكفينا أن نعود إلى ذاتنا لأنها أصبحت مزيفة ومزورة، وإثبات التزوير والتزييف مهمة أصعب من إثبات الذات والوجود.

    ولذلك فالعودة إلى الذات القائمة الآن لن يجدينا شيئاً لأنها مطموسة، قد مُثِّل بها أسوأ تمثيل، العودة يجب أن تكون إلى الذات الإسلامية الأصيلة "الرسالية" لأنها الوحيدة القريبة من بين كل الذوات، ولأنها الوحيدة التي تجمع شتات القلوب، وترضاها الجماهير، وتعبر عن كيان الأمة وشخصيتها وتطلعاتها وطموحاتها، لن تقبل الأمة اليوم أن يُعبّر عنها فرعون، ولا آشور ولا بابل ولا تدمر ولا كنعان، لا تقبل الأمة اليوم بالإسلام بديلاً.

    إن الشمولية الإسلامية هي السد الوحيد الذي يقف في وجه التغريب والاستعمار المسيحي الأوربي، هذه الشمولية التي تحيط بكل كيان الإنسان جسماً وروحاً وعقلاً، وتلبي كل طموحاته، وتجيب على كل تساؤلاته هذه الشمولية الجامعة هي الهوية والشخصية والكيان والذات، والماضي والمستقبل والحاضر، وهي ما تفقده إفريقيا، ولذلك كانت مادة خام للاستعمار الأوربي تقبلت كثيراً من نصرانيته، واندمجت في حضارته، لأنها لم تكن مشمولة برؤية دينية كلية على نحو ما يفعل الإسلام بأتباعه.

    إن الشمولية الإسلامية لا تعني أن يرفض المسلمون الحضارة الغربية مطلقاً دون أن يعترفوا بحسناتها ولكن المسلمين ""إذا تبنوا -كما هو من واجبهم- الطرق والوسائل الحديثة في العلوم والفنون الصناعية فإنهم لا يفعلون أكثر من اتباع غريزة التطور والارتقاء، التي تجعل الناس يفيدون من خبرات بعضهم، ولكنهم إذا تبنوا -وهم في غير حاجة إلى أن يفعلوا ذلك- أشكال الحياة الغربية والآداب والعادات والمفاهيم الاجتماعية الغربية، فإنهم لن يفيدوا من ذلك شيئاً، ذلك أن ما يستطيع أن يقدمه الغرب لهم في هذا المضمار لن يكون أفضل وأسمى مما قدمته لهـم ثقافتهم نفسها، ومما يدلهم عليه دينهم نفسه، ولو أن المسلمين احتفظوا برباطة جأشهم، وارتضوا الرقي وسيلة لا غاية في ذاتها، إذن لما استطاعوا أن يحتفظوا بحريتهم الباطنية فحسب، بل ربما استطاعوا أن يعطوا إنسان الغرب سر طلاوة الحياة الضائع"".

    ذلك هو موقف العبقري العصامي الذي يعامل الحضارة الغربية بعلومها، ونظرياتها واكتشافاتها وطاقاتها كمواد خام يصوغ منها حضارة قوية مؤسسة على الإيمان والأخلاق والتقوى والرحمة والعدل في جانب، والعلم والقوة والعمل والإنتاج والرفاهبة والابتكار في جانب آخر. وبذلك نستغني عن النموذج العلماني الذي صدره إلينا الاستعمار عن طريق صنائعه وربائبه، وسبب لنا اضطراباً في حياتنا وأفكارنا ومعيشتنا وقيمنا وأخلاقنا، بسبب تصادمه مع أصالتنا ومرجعيتنا، ومقومات وجودنا.

    الخاتمة:

    ربما نجد عذراً لأناس بهرتهم الحضارة المادية ووسائل القوة والتكنولوجيا في بداية هذا القرن لأن النور كان قوياً في وسط ظلام التخلف والجهل الذي تعيشه الأمة الإسلامية، ولكن لم يمض وقت طويل حتى ذهب الانبهار، وتلاشى الزبد وظهرت الحقائق جاثمة على صدر التاريخ، وارتد كيد العدو في نحره، فخرج المستعمر مدحوراً من أغلب البلاد الإسلامية، وتكشفت حقائق الدراسات الاستشراقية وما تخفيه من تزوير وتشويه، واتضح أنها كانت دراسات استطلاعية استعمارية بالدرجة الأولى، ولم يكن التجمل بأثواب البحث العلمي في الغالب إلا لوناً من المداهنة والمراوغة.

    ومهما يكن من أمر فإن سلامة موسى وأمثاله من ربائب الغرب كان من الطبيعي في وسط هذا الاختلال الحضاري للأمة أن ينشأ لهم جيل من المروجين والمسوقين لأن الغرب لا يزال يمسك زمام القوة، وفي كل زمان يوجد منافقون يتزلفون للقوي ويتملقونه لكي تُتاح لهم فرصة التعيُّش على الفتات، وهم اليوم -وللأسف- في عصر الثورة الإعلامية قد تبوؤوا مراكز مهمة جداً وأوصلوا -أو كادوا- رسالة سلامة موسى إلى أوساط مختلفة من الناس، بل إن الرسالة "السلاموسية" أصبحت مثالاً يُحتذى من قبل التنويريين المعاصرين.

    ما الذي يمكننا فعله إزاء هذا الخلل الحضاري والفكري؟ فالنموذج الذي يستحق لعنة التاريخ، وصفعة الأجيال، أمسى مثالاً للحرية والتقدم والنضال، وليس ذلك غريباً فنحن في عصر العجائب!!.


    ولكن الأدهى من ذلك أن تختل القيم والمعايير الحضارية في هذا العصر فيصبح الاعتزاز بالتراث والتشبث به تخلفاً ورجعية، بينما التسول على موائد الغرب تقدماً وتحضراً! حين نعتمد نحن على علمائنا السالفين في البحث عن نافذة إصلاح وتجديد نعد تقليديين أو ماضويين، بينما حين يقلدون هم علماء الغرب ورواده يعدون أنفسهم تنويريين ومبدعين! في عصرنا أمست العصامية التراثية النبيلة ظلامية مخزية، بينما التسول الفكري، والسطو على جهود الأوربيين عنوان التحضر والإبداع!!
    قال العلامة الأمين : العقيدة كالأساس والعمل كالسقف فالسقف اذا وجد أساسا ثبت عليه وإن لم يجد أساسا انهار

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    10,880

    افتراضي رد: الشغف بالغرب والأزمة النفسية للمثقف المسلم 2-2 / د. أحمد إدريس الطعان

    لم أزل منذ قرأت موضوع : ((المدخل المقاصدي والمقاربة العلمانية)) للدكتور أحمد إدريس الطعان الذي نقله أخونا الشيخ عبد الرحمن السديس على هذا الرابط :
    المدخل المقاصدي والمقاربة العلمانية: نصوص الوحي للدكتور أحمد الطعان

    أقول : لم أزل من حينها معجبًا بهذا الرجل وبرجاحة عقلة وقوة تفكيره وحسن اختياره لموضوعاته وعباراته بل وألفاظه ، جزاه الله خيرًا .
    وجزاك الله خيرًا أخانا (آل عامر) على هذا النقل .
    قال أبو عبدِ الله ابنِ الأعرابي:
    لنا جلـساء مـا نــمَلُّ حـدِيثَهم *** ألِبَّاء مأمونون غيبًا ومشهدا
    يُفيدوننا مِن عِلمهم علمَ ما مضى *** وعقلًا وتأديبًا ورأيا مُسدَّدا
    بلا فتنةٍ تُخْشَى ولا سـوء عِشرَةٍ *** ولا نَتَّقي منهم لسانًا ولا يدا
    فإن قُلْتَ أمـواتٌ فلـستَ بكاذبٍ *** وإن قُلْتَ أحياءٌ فلستَ مُفَنّدا


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •