الآداب الشّرعيّة
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الآداب الشّرعيّة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,280

    افتراضي الآداب الشّرعيّة

    الآداب الشّرعيّة
    (1) أهمّية الأدب وتزكية النّفس


    الشيخ عبد الحليم توميات







    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد:

    فقد روى البخاري ومسلم عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه قَالَ:

    " كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ: (( نَعَمْ )).

    قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ: (( نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ )).

    قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ: (( قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ )).

    والشّاهد من هذا الحديث – أخي القارئ – قوله صلّى الله عليه وسلّم : (( خَيْرٌ فِيهِ دَخَنٌ ))، أي: شوائب وأخلاط تفسده.

    ولو سألت أيّ مسلم عاقل، ينظر إلى الأمور نظرة تأمّل وتدبّر، لسارع قائلا: إي والله ! نحن على خير كثير، ولكنْ هناك دخن.



    ولو زدت قليلا وتأمّلت لعلمت أنّ أهل الاستقامة والالتزام لم يُؤتوا إلاّ من أخلاقهم، ومعاملاتهم .. فالأزمة اليوم أزمة أخلاق وآداب..

    وصدق عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى حين قال:" نحن إلى قليل من الأدب أحوج منّا إلى كثير من الفقه "..

    هذا قاله في العصر الذّهبي لأمّة الإسلام، يوم انتشر الفقه انتشارا عظيما، فما القول في عصر صار من الفقه عقيما ؟!


    قال ذلك يوم كان يلتفت فإذا به يرى سفيان الثّوري وابن عيينة والحسن البصريّ والفضيل بن عياض ومنصور بن المعتمر وغيرهم من سادات الأصفياء، وخيار الأتقياء ..

    فما عسانا نقول في عصر تُحارب فيه آداب الإسلام من أصحابها، وتداس معالم الأخلاق من طلاّبها ؟!..

    فطلبا للتّحلّي بجملة من الآداب الطيّبة، جعلنا هذه الأسطر بين يديك تذكيرا بمنزلة الأدب في الإسلام، وعلوّ مرتبته عند ربّ الأنام.

    وتظهر لنا أهمّية الأدب من عدّة وجوه يصعب حصرها، وإنّما نكتفي بالإشارة إلى بعضها:

    1- من اسمه ( الأدب ).

    فالأدب كلمة تدلّ على الخير كلّه، فهي تعني:

    الأدب مع الله، كالإخلاص له في القول والعمل، ومراقبته في السرّ والعلن، والوقوف بين يديه على أحسن حال، واستحضار ما له من قدر وجلال.

    وتجمع الأدب مع الخلق، كصدق الحديث، والوفاء، وأداء الأمانة والإخاء، وإفشاء السّلام، وحسن الكلام، والابتسامة في وجوه النّاس، والرّفق بالضّعيف، والصّبر على الطّائش الخفيف.

    وتجمع أدبك مع نفسك: في سيرك، وجلوسك، وحديثك، وسمعك، ونومك، وأكلك، وشربك، وغير ذلك.

    لذلك عرّفه ابن حجر رحمه الله وغيره بأنّه:" استعمال ما يُحمد قولا وفعلا ".

    وقال غيره:" الأخذ بمكارم الأخلاق "، وقال آخر:" الدّعوة إلى مكارم الأخلاق وتهذيبها ".

    وعرّفه ابن القيّم رحمه الله بقوله:" اجتماع خصال الخير في النّفس "، وكأنّه يرى أنّ الأدب كلمة تدلّ على الاجتماع، ومنه المأدُبة تطلق على اجتماع النّاس على الطّعام.

    2- الأدب هو التّزكية التي ندبنا المولى عزّ وجلّ إليها، وعلّق الفوز والنّجاة عليها.

    يقول أهل العلم: لا يخلو قلب من القلوب من أسقام، لو أهمِلت تراكمت، وترادفت العلل وتظاهرت، فيحتاج العبد إلى تأنّق في معرفة أسبابها، ثمّ إلى التّشمير في علاجها وإصلاحها.

    التّزكية هي الّتي أقسم الله من أجل تحقيقها ثمانية أقسام حتّى قال:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}، وإهمالها هو المراد بقوله:{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}..

    تزكية النّفوس هو ربع الرّسالة النبويّة، لقوله تعالى:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164].

    تزكية النّفوس: هي ملاك دعوة الرّسل بعد التّوحيد، فهذا موسى عليه السّلام يقول لفرعون: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى}..

    تزكية النّفوس: أعظم أسباب الفوز بالدّرجات العُلى كما قال تعالى:{وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)}..

    تزكية النّفوس: هي ما كان يكثر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الدّعاء لتحصيلها، فقد كان من دعائه صلّى الله عليه وسلّم: (( اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا ))[1].

    3- كثرة النّصوص النّبويّة في الحثّ على التحلّي بالآداب الشّرعيّة:

    فمن فتح دواوين السنّة النبويّة لتعجّب أشدّ العجب من كثرة الأحاديث الدّاعية إلى التحلّي بالأخلاق الإسلاميّة، والتزيّن بالآداب الشّرعيّة، فهي ممّا يصعب استقصاؤه، ولا يمكن إحصاؤه، ولكن حسبنا ببعضها، فهي تغني عن كلام كلّ أديب، وقطعت جهيزة قول كلّ خطيب.

    - روى أحمد والتّرمذي وغيرهما عن أَبِي ذَرٍّ وَمُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( اِتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَبخُلُقٍ حَسَنٍ )).

    - وروى ابن حبّان عن أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي المِيزَانِ: الخُلُقُ الحَسَنُ ))، وفي رواية للبيهقيّ في "الشُّعب": (( أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ خُلُقٌ حَسَنٌ، إِنَّ اللهَ يُبغِضُ الفَاحِشَ المُتَفَحِّشَ البَذِيَّ )).

    - وروى أحمد والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ قَائِمِ اللَّيْلِ صَائِمِ النَّهَارِ )).

    - وروى التّرمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سُئِل عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ ؟ فَقَالَ: (( تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ ))، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ ؟ فَقَالَ: (( الفمُ وَالفَرجُ )).

    - وروى التّرمذيّ أيضا عن جابر رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ: أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ: الثَّرْثَارُونَ، وَالمُتَشَدِّقُ ونَ، وَالمُتَفَيْهِق ُونَ ))، قَالُوا: "وَمَا المُتَفَيْهِقُو نَ ؟ " قَالَ: (( المُتَكَبِّرُون َ ))[2].

    - وروى أبو داود عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ )).

    والوعد بضمان بيت في الجنّة ليس بالشّيء الهيّن اليسير، فهو بيت في الجنّة لا كسائر البيوت.

    إنّه بيت خاصّ بمن حسَّن خلقه، وقد بلغت بحسن خلقك درجة من بنى لله مسجدا من خالص ماله، روى البخاري ومسلم عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: (( مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ -وفي رواية-: بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ )).

    لقد بلغت بحسن خلقك درجة المواظب والمحافظ على الصّلوات النّوافل والرّواتب ففي صحيح مسلم عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ))..

    لقد بلغت بحسن خلقك درجة من ابتُلي بذهاب ولده وفلذة كبده، فكان من الصّابرين المحتسبين، فقد روى التّرمذي عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ ! فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ ؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ !. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ.

    فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ )).

    وهذا من فضل الله تعالى على هذه الأمّة، تنال أيّها المسلم مثل هذا الشّرف المحمود، والمقام المشهود، بينما كان من قبلنا لا يناله إلاّ ببذل النّفس لله تعالى، فإنّ أقصى ما طلبته من الله آسيا بنت مزاحم ما يناله العبد إذا حسّن خلقه لله، قال تعالى:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم:11].

    - وروى البخاري رحمه الله في " الأدب المفرد " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ )).

    فالعرب عُرِفوا بمكارم الأخلاق، وأبرز ما عُرِفوا به الكرم، والشّجاعة، والغَيرة، والعِفّة، والوفاء، وصِدق اللّهجة، وحماية الجوار .. وغير ذلك، إلاّ أنّ بعضها كان يصل إلى حدّ الغلوّ، فاحتاج إلى ضبطه، وقسم منها كان فيه نوع من النّقص فاحتاج إلى إصلاح غلطه.

    4- أنّ التحلّي بالآداب من أعظم صنائع المعروف..

    وصنائع المعروف تقي صاحبها مصارع السّوء، ولا أدلّ على ذلك من الحديث الّذي رواه البخاري ومسلم يوم نزل الوحي عليه صلّى الله عليه وسلّم لأوّل مرّة، فَرَجَعَ صلّى الله عليه وسلّم تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: (( زَمِّلُونِي ! زَمِّلُونِي !)).

    فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ قَالَ لِخَدِيجَةَ: (( أَيْ خَدِيجَةُ مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي )) فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَتْ خَدِيجَةُ: ( كَلَّا أَبْشِرْ ! فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ! فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ).

    فتأمّل ما ذكرته، تجدها لم تذكر إلاّ الأخلاق الحميدة الّتي بها يدفع الله عن عبده السّوء.

    5- طرد الهمّ.

    فقد أجمعت الملل والنّحل والأمم على استحسان الأدب، لأنّهم يرون أنّ أكبر طارد للهمّ هو التّحلّي بالفضائل.

    حتّى إنّ علماء الاجتماع وغيرهم، يقرّرون أنّ النّفوس الّتي لا تستطيع أن تصل إلى حدّ من الأخلاق المرضيّة تصاب باليأس والقنوط، والغمّ والإحباط !

    وهذا أمر نراه كلّ يوم، فطفرة غضب تُفسِد حالَ الرّجل يوما كاملا أو أكثر من ذلك..

    وإنّ علم المرء بتقصيره في حقوق غيره من الاحترام والتّوقير والبذل والعطاء يجعله في ضيق من العيش ونحو ذلك، وصدق الله إذ قال:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطفّفين:14]..

    ومن أعجب الأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك، حديث يجعل السّعادة بين يديك، والطّمأنينة مقبلة عليك، لأمور عظام في دين الله، وترى بينها أدبا من آداب البيوت:

    قد روى الإمام روى أبو داود وابن حبّان - واللّفظ له - عن أبي أمامةرضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( ثَلاَثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ: إِنْ عَاشَ رُزِقَ وَكُفِيَ، وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ الجَنَّةَ: مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَسَلَّمَ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ، وَمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ ))[3].

    لذلك قال الإمام ابن حزم رحمه الله في " الأخلاق والسّير " (ص14-15):

    " السّعيد من أنِست نفسه بالفضائل والطّاعات، ونفَرت من الرّذائل والسيّئات، وليس ذلك إلاّ صنع الله تعالى ..".

    6- الدّين أدب كله.

    ذلك لأنّ الآداب الإسلاميّة تشمل المعاملة مع الخالق عزّ وجلّ، ثمّ مع الخلق، ثمّ مع النّفس، وتشمل ما هو واجب وما هو مستحبّ، لذلك كثرت المصنّفات في الأدب على ثلاثة طرق:


    الطّريقة الأولى: نثر الفقهاء لشعب الأدب في الأبواب الفقهيّة، فبوّبوا لآداب القيام، والجلوس، والاستنجاء، وستر العورة، وأدب العُطاس، والسّلام، والاستئذان، والمصافحة، والكلام، ومعاشرة الوالدين، والأزواج، والإخوان، وأدب البيع والشّراء، وغيرها..
    الطّريقة الثّانية: كتب أُفرِدت في الأدب عموما، ككتاب :" الآداب الشّرعيّة " لابن مفلح، و" منظومة الآداب " لابن عبد القويّ، وشرحِها " غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب" للإمام السّفاريني، و"أدب الدّنيا والدّين" للماوردي.
    الطّريقة الثالثة: كتب أُفرِدت في أدب معيّن وهي كثيرة جدّا، من ذلك: ( أدب الفتيا ) للسّيوطي وغيره، و(أدب الأكل) للأقفهسي، و( أدب الأطفال ) للهيثمي، و(آداب المناظرة) للشّنقيطي، و(آداب الصّحبة) للسّلمي، و(آداب الزّفاف) للألباني، و(آداب العشرة) للغزّي، وآداب الطّبيب، وآداب معاملة الضّيف، وآداب معلّمي القرآن، وأدب الكاتب، وأدب الهاتف، وسوق السّيارة، وغير ذلك، وأكثر الأبواب حظِي بعناية العلماء آداب طالب العلم، لما ورد من الوعيد الشّديد لمن علم ولم يعمل بمقتضى ما علمه.





    [1] رواه مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه.

    [2] قال ابن القيّم رحمه الله في " تهذيب السّنن ":" والثّرثار: هو الكثير الكلام بتكلّف. والمتشدّق: المتطاول على النّاس بكلامه الّذي يتكلّم بملء فيه تفاخما وتعظيما لكلامه. والمتفيهق: أصله من الفهق، وهو الامتلاء، وهو الّذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسّع فيه تكثّرا وارتفاعا وإظهارا لفضله على غيره ".

    [3] " صحيح التّرغيب والتّرهيب " (321).





    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,280

    افتراضي

    الآداب الشّرعيّة (2)
    الأدب مع الله: الإخلاص


    الكاتب: عبد الحليم توميات



    الأدب ثلاثة أنواع: أدب مع الله تعالى، وأدب مع الخلق، وأدب مع النّفس.
    * أمّا الأدب مع الله تبارك وتعالى:
    فالأمر الجامع له هو: مراقبته في السرّ والعلن، وهو غاية الإحسان معه تعالى.
    قال الله عزّ وجلّ:{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}، وقد فسّر لنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الإحسان كما في حديث جبريل عليه السّلام الطّويل، فقال صلّى الله عليه وسلّم: (( أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )).
    ففتّش عن سبل الإحسان لتسلكها، وابحث عن أبوابه لتطرقها .. وها هي أمامك بعض هذه المظاهر، فاظفر بها.

    - من مظاهر الإحسان مع الله تعالى ومراقبته.
    1- الإخلاص لله في القول والعمل:
    فهو السرّ الّذي بينك وبين الله، لا يعلمه أحد سواه، وهو قطب القرآن، قال تعالى:{تَنْزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ} أي: ما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتقيم العبادة لله وحده لا شريك له.
    وما كان السّلف يحملون همّ شيء كما يحملون همّ الإخلاص، حتّى كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا حدّث بحديث الثّلاثة الذين هم أوّل من تسعّر بهم النّار يُغشى عليه.
    * وعلامة الإخلاص هو استواء الحال في السرّ والعلن، فمن كان يعمل أمام النّاس ويترك العمل في خلوته فهذا منذر شرّ.
    روى ابن ماجه عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ:
    (( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا )).
    قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا ! أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ:
    (( أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا !))
    وليس من الحكمة في شيء أن نكتفِي بذكر الدّاء دون بيان الدّواء، لذلك أرى لزاما علينا أن نجيب عن سؤال مهمّ:
    * كيف السّبيل إلى إخلاص العمل لله تعالى ؟
    1-كثرة الدّعاء، ومن أحسن الأدعية أن نقول: (( اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم )).
    فقد روى الإمام أحمد عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ ! اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ، فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ !)).
    فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ:" وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟! " قَالَ: (( قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُك َ لِمَا لَا نَعْلَمُ )).
    2- معرفة صفات الله تعالى:
    قال ابن رجب رحمه الله: " ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلاّ لجهله بعظمة الخالق ".
    فإذا علم العبد أنَّ الله وحده هو الذي ينفع ويضرُّ، ويرفع ويخفض، ويقدّم ويؤخّر، طرح من قلبه الخوف من النَّاس والطّمع فيما في أيديهم، فلا يخشى ذمَّهم، ولا يطمع فِي ثنائهم.
    وكذلك، متى علم العبد أنَّ الله سميعٌ بصيرٌ، يعلم خائنة الأعين وما تُخفِي الصُّدور، طرح مراقبة النَّاس من قلبه. قال ابنُ القيّم رحمه الله في " الفوائد " (1/ 149):
    " لا يجتمع الإخلاص فِي القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يَجتمع الماء والنار، والضب والحوت.
    فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فاقبل على الطمع أولا، فاذبَحه بسكين اليأس، وأقبل على الْمدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشَّاق الدنيا فِي الآخرة.
    فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد فِي الثناء والْمدح، سهل عليك الإخلاص.
    فإن قلت: وما الذي يسهل علي ذبـح الطمع والزهد فِي الثناء والْمدح ؟ قلت:
    أمّا ذبح الطّمع فيُسهِّله عليك علمُك يقينا أنّه ليس من شيء يُطمَع فيه إلاّ وبيد الله وحده خزائنه، لا يملكها غيره، ولا يُؤتِي العبدَ منها شيئا سواه.
    وأمّا الزُّهد فِي الثّناء والمدح، فيُسهّله عليك علمُك أنه ليس أحد ينفع مدحُه ويزين، ويضرّ ذمّه ويشين إلاَّ الله وحده، كما قـال ذلك الأعرابِي للنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( ذَاكَ اللَّهُ )) [رواه التّرمذي وأحمد].
    فازهد فِي مدح من لا يَزينُك مدحُه، وفِي ذمِّ من لا يشينُك ذمُّه، وارغب فِي مدح من كلُّ الزَّينِ فِي مدحه، وكل الشَّينِ فِي ذمِّه.
    ولن يُقدَر على ذلك إلاَّ بالصبر واليقين، فمتى فقـدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السّفر فِي البحر فِي غير مركب، قال تعالى:{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّك َ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الرّوم:60]، وقال تعالَى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24] ".
    فالإخلاص لوجه الله تعالى أن تستحي منه إذ علّمك وفهّمك وأجلسك مجالس الرّحمة هذه، فمن العيب بعد ذلك أن تعمل لغيره.
    3- تكلّف إخفاء العمل أحيانا:
    كصلاة النّافلة، والصّدقة، وغير ذلك أمام من تظهر أمامه هذه الأعمال غالبا، كصديق ملازم، أو زوجة ونحوهم.
    لأنّ تعوّد إخفاء الأعمال عمّن يغلب عليهم اطّلاعهم عليك من أحسن ما يعوّد المؤمن على الإخلاص.
    وقد قالوا: عمل الخلوة أحبّ إلينا من عمل الجلوة. لذلك كان كثير من السّلف يستحبّون أن يكون للرّجل خبيئةٌ من عمل صالح لا يعلم به أحد، اقتداء بحديث أصحاب الغار الثّلاثة، وبما رواه الضّياء في " المختارة "، والخطيب في " تاريخه " عَن الزُّبير بن العوّام رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالَ: (( مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبِيءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ )) [" الصّحيحة "(2313)].
    بل كانوا يكرهون إظهار حسناتهم كما يكره أحدنا إظهار عيوبه، وما قصّة عبد الله بن المبارك عنّا ببعيد.
    فقد ذكر ابن الجوزي في "صفوة الصّفوة" (4/144) عن عبدة بن سليمان قال:
    كنّا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الرّوم، فصادفنا العدوّ، فلمّا التقى الصفّان خرج رجل من العدوّ، فدعا إلى البِراز ( أي: المبارزة )، فخرج إليه رجلٌ فطارده ساعة فطعنه فقتله، ثمّ آخر فقتله.
    ثمّ دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله، فازدحم عليه النّاس، وكنت فيمن ازدحم عليه، فإذا هو ملثِّمٌ وجهَه بكمّه، فأخذت بطرف كمّه فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: و أنت يا أبا عمرو ممّن يشنّع علينا.
    ويقول الحسن:" إن كان الرّجل لَيجمع القرآن ولَمَّا يشعر به الناس، وإن كان الرجل لينفق النفقة الكثيرة ولَمَّا يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته ولَمَّا يشعر الناس به، ولقد أدركت أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملونه في السر فيكون علانية أبداً ".
    وهذا منصور بن المعتمر كان يكتحل نهارا حتّى لا يظهر أثر دموع الأسحار في عينيه.
    وقال النّعمان بن قيس: ما رأيت عبيدة رحمه الله متطوّعا في مسجد الحيّ.
    وروى ابن المبارك في " الزّهد " عن الرّبيع بن خثيم أنّه ما رُئِي متطوّعا في مسجد الحي.
    ويقول حمّاد بن زيد:" كان أيّوب رُبَّما حدّث فِي الحديث فيرقَّ وتدمعَ عيناه، فيلتفت ويَمتخطُ، ويقول ما أشدَّ الزكام ! فيُظهرُ الزُّكامَ لإخفاءِ البكاء.
    ويقول محمّد بن واسع التابعي: إن كان الرّجل ليبكي عشرين سنة وامرأته لا تعلم.
    وكان علي بن الحسين يحمل الخبز بالليل على ظهره يتتبع به المساكين بالظلمة، ويقول: إنّ صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ. قال محمّد بن إسحاق: كان أهالٍ بالْمدينة يعيشون لا يدرون من أين معاشهم، فلما مات وانقطع الطَّعام عرفوه، ورأوا على ظهره آثاراً مِمَّا كان ينقله من القِربِ والْجِرابِ بالليل وكان يعول مائة بيت.
    ومن عجائب أخبار المخلصين ما حصل لصاحب النَّفق، وما أدراك من صاحب النّفق ؟
    فقد حاصر المسلمون حصناً واشتد عليهم رمي الأعداء، فقام أحد المسلمين وحفر نفقاً فانتصر المسلمون، ولا يُعرَف من هو هذا الرجل؟
    وأراد مَسلمة أن يعرف الرَّجل لمكافأته، ولَمَّا لَمْ يجده سأل الله تعالى أن يأتيه. فأتاه طارقٌ بليل، وسأله شرطاً، وهو أنه إذا أخبره من هو لا يبحث عنه بعد ذلك أبداً، فعاهده، فأخبره.
    و كان مسلمة يقول: اللّهم احشرنِي مع صاحب النفق.
    وذكر ابن خلّكان في ترجمة الإمام الْماوردي أنّه لم يُظهِر شيئاً من تآليفه فِي حياته، حتّى دنت وفاته فوكل بها إلى شخص يثق به فقال له: إنّ الكتب التِّي فِي المكان الفلانِي كلّها من تصنيفي، وإنَّما لَم أظهرها لأنِّي لَم أجد نيّة خالصة لله تعالى لَم يشبها كدر !

    3-الصّيام: ومعلوم أنّ الصّيام مدرسة للإخلاص، إذ تكون على طاعة لا يعلمها إلاّ الله.
    وفي الحديث: (( كلّ عمل ابن آدم له، إلاّ الصّوم، فإنّه لي وأنا أجزي به )) فهو يجعل العبد معتادا على العمل لله وحده.
    4-مراقبة النّفس قبل العمل.
    قيل للحسن رحمه الله: تعالَ نشهدْ جنازة فلان. فدخل بيته ثمّ خرج، فسئل ؟ فقال: أخلصت النيّة.
    بمعنى أنّه أشهد الله تعالى أنّه ما خرج لئلاّ يقال عنه متقاعس عن حضور الجنازة، ولولا الحياء من النّاس ما تكلّفت شهودها ! لا، ولكن خرجت طمعا في الأجر.
    وكان ابن عيينة يقول:" ما عالجت شيئا أشدّ عليّ من نيّتي تتقلّب عليّ ".
    وكان بعضهم إذا قيل له حدِّثنا، قال:" لا، حتّى تأتي النيّة ".
    ذلك لأنّ أوّل ما يطلب الإنسان العلم يأتيه الزّهو والغرور، وحبّ المناظرة والمناقشة والظّهور، والبروز على الأقران، وغير ذلك من حظوظ الدّنيا، فمن أراد الله به خيرا في بداية الطّلب كسر قلبه لخشيته.
    وتبقى المراقبة أثناء العمل، وبعد العمل.
    فقد ذكر الذّهبي عن أبِي الحسن القطان قال: أُصِبتُ ببصري، وأظن أنِّي عوقبت بكثرة كلامي أثناء الرحلة !
    قال الذهبي: صدق والله، فإنَّهم كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً، يخافون من الكلام وإظهار المعرفة.
    وقال هشام الدَّستوائي:" والله ما أستطيع أن أقول إنِّي ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله عزَّ وجلَّ ".
    5-قراءة سير الصّالحين المخلصين.
    فالنّفس مجبولة على حبّ الائتساء، فلندعْها تستغلّ ذلك في الإخلاص ..
    وقد قال أبو حنيفة رحمه الله: لتراجم العلماء أحبّ إليّ من كثير الفقه، وقيل قديما: تراجم الرّجال مدارس الأجيال.
    فمن أقوالهم:
    - المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.
    - وقال ابن أبي ملكية: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلهم يخاف النفاق على نفسه.
    - وقال سهل بن عبد الله: ليس على النّفس شيء أشقّ من الإخلاص لأنّه ليس لها فيه نصيب.
    - وقال يوسف بن الحسين: أعزّ شيء في الدّنيا الإخلاص.
    - وقال نعيم بن حماد: ضرب السياط أهون علينا من النيّة الصّالحة.
    - وقال ابن القيم: العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه.
    - وقال الفضيل بن عياض: أدركنا أناسا يراءون بما يعملون، فصار الناس اليوم يراءون بما لا يعملون.
    - وعن الحسن أنه قال: لا يزال العبد بخير إذا قال، قال لله، وإذا عمل، يعمل لله.
    ومن أخبارهم:
    - كان منصور بن المعتمر إذا صلى الغداة أظهر النشاط لأصحابه فيحدثهم ويكثر إليهم، ولعله إنما بات قائماً على أطرافــه، وكلّ ذلك ليخفي عليهم العمل.
    - وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلّي، فإذا دخل عليه الدّاخل نام على فراشه.
    - وحسان بن أبي سنان تقول عنه زوجته: كان يجيء فيدخل في فراشي، ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني نمت سل نفسه فخرج، ثم يقوم فيصلي.
    - قال ابن الجوزي: كان إبراهيم النخعي إذا قرأ في المصحف فدخل داخل غطّاه.
    - وكما كانوا يخافون الرّياء في العبادة فقد كان خوفهم أشدّ خوفهم من الرّياء في باب العلم:
    - قال الشافعي: "وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم -يقصد علمه- على أن لا ينسب إليّ حرف منه.
    - قال ابن المبارك: "ما لقيت واحدا من أهل العلم إلا قال: إياك والشهرة".
    - وذكر ابن الجوزي عن الحسن أنه قال: كنت مع ابن المبارك فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس، فزحموه ودفعوه، فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا، يعني حيث لم نعرف ولم نوقر.
    6- مخالطة من تتوسم فيه الإخلاص:
    فالصّاحب ساحب، والنّاس كأسراب القطا مجبولون على أن يتشبّه بعضهم ببعض، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: (( المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ )) {رواه أحمد والترمذي].
    7- المجاهدة: قال سفيان: " ما عالجت شيئا أشدّ عليّ من نيّتي، لأنّها تتقلّب عليّ ".
    8- الدنوّ من المساكين.
    فتلك وصيّة حفظها أبو ذرّ رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: (( أوصاني خليلي بحبّ المساكين والدنوّ منهم )).
    وكان من دعائه صلّى الله عليه وسلّم: (( وأسألك حبّ المساكين )).
    قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في جزء سمّاه "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" حيث قال ص(84-88):
    " اعلم أنّ محبّة المساكين لها فوائد كثيرة:
    منها أنّها توجب إخلاص العمل لله عزّ وجلّ، لأنّ الإحسان إليهم لمحبّتهم لا يكون إلاّ لله عزّ وجلّ، لأنّ نفعهم في الدّنيا لا يُرجى غالبا، فأمّا من أحسن إليهم ليُمدح بذلك، فما أحسن إليهم حبّا لهم، بل حبّا لأهل الدّنيا وطلبا لمدحهم له بحب المساكين ".
    9- تذكر الموت: فقد روى التّرمذي والنّسائيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ )) -يَعْنِي الْمَوْتَ- زاد غيرهما: (( فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ إِلاَّ وَسَّعَهُ، وَلاَ ذَكَرَهُ فِي سَعَةٍ إِلاَّ ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ )).
    10- معرفة فوائد الإخلاص:
    ذلك لأنّ المرء إذا عرف ما يجنيه من الثّمار العظيمة حرص على العمل، وإذا علم العواقب الوخيمة تراجع وكسل.
    1- أعظم فوائده قبول العمل، ومثل المرائي كمثل المسافر يحمل جرابا من تراب، يُتعِبُهُ ولا ينفعه.
    2- النّجاة من الفواحش والمصائب، قال تعالى حكاية عن إبليس:{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُ مْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)}.
    وهذا يوسف عليه السّلام يقول تعالى عنه:{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: من الآية24].
    وفي قصّة الثّلاثة الّذين آواهم المبيت إلى غار، ترى أنّهم ما أنجاهم إلاّ إخلاصهم.
    3-الثّبات على الاستقامة .. قال مالك قولته المشهورة: " ما كان لله دام واتّصل ".. لذلك كان كلّ من زلّت به قدمه في الطّريق كان لأجل عدم أو قلّة الإخلاص.




    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,280

    افتراضي

    الآداب الشّرعيّة (3) الأدب مع الله في العبادة


    الكاتب: عبد الحليم توميات



    ( الأدب مع الله في العبادة )
    ومن الأدب مع الله في العبادة كما يقول ابن القيّم رحمه الله في "مدارج السّالكين" (2/384):
    " والأدب هو الدّين كلّه:
    - فإنّ ستر العورة من الأدب.
    - والوضوء وغسل الجنابة من الأدب.
    - والتطهّر من الخبث من الأدب، حتّى يقف بين يدي الله طاهرا.
    - ولهذا كانوا يستحبّون أن يتجمّل الرّجل في صلاته للوقوف بين يدي ربّه.

    وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصّلاة، وهو أخذ الزّينة، فقال تعالى:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، فعلّق الأمر بأخذ الزّينة، لا بستر العورة إيذانا بأنّ العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصّلاة.
    وكان لبعض السّلف حلّة بمبلغ عظيم من المال، وكان يلبسها وقت الصّلاة ويقول: ربّي أحقّ مَن تجمّلت له في صلاتي.
    ومعلوم أنّ الله سبحانه وتعالى يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، لا سيّما إذا وقف بين يديه، فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته الّتي ألبسه إيّاها ظاهرا وباطنا "اهـ.
    - ومن الأدب: نهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المصلّي أن يرفع بصره إلى السماء:
    فقد روى البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ ؟! )) فاشتدّ قوله في ذلك حتى قال: (( لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ )).
    روى ابن أبي شيبة عن محمّد بن سيرين رحمه الله قال:" كانوا لا يجاوز بصر أحدهم موضع سجوده ".
    قال ابن القيّم:" فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا من كمال أدب الصلاة: أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقا خافضا طرفه إلى الأرض ولا يرفع بصره إلى فوق.
    قال: والجهمية لما لم يفقهوا هذا الأدب ولا عرفوه، ظنّوا أن هذا دليل أن الله ليس فوق سمواته على عرشه كما أخبر به عن نفسه واتفقت عليه رسله وجميع أهل السنة.
    قال: وهذا من جهلهم، بل هذا دليل لمن عقل عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم على نقيض قولهم، إذ من الأدب مع الملوك: أنّ الواقف بين أيديهم يطرق إلى الأرض ولا يرفع بصره إليهم، فما الظنّ بملك الملوك سبحانه !؟"اهـ.
    - ومن الأدب أيضا ترك الالتفات في الصّلاة:
    فقد روى الترمذي عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
    إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا.
    فَقَالَ عِيسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ.
    فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ.
    فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، وَتَعَدَّوْا عَلَى الشُّرَفِ، فَقَالَ:
    إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ:
    أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي، فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ ؟
    وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ...)) الحديث.
    وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن التلفّت في الصّلاة، فقال: (( اِخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ العَبْدِ )).
    والاختلاس هو: الاختطاف بسرعة، قال العلاّمة الطّيبي طيّب الله ثراه:
    " سمّي اختلاسا تصويرا لقبيح تلك الفِعلة، لأنّ المصلّي يقبل عليه الرّب تعالى، والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان لبفرصة فسلبه تلك الحالة، والله أعلم " اهـ.
    - ومن الأدب مع الله عزّ وجلّ السّكون في الصّلاة:
    وهو الدوام الذي قال الله تعالى فيه :{ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ } [المعارج: 23]. ومنه حديث: (( لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ )) أي: السّاكن.
    وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه سئل عن هذه الآية، أهم الذين يصلون دائما ؟ قال:" لا، ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه ".
    قال ابن القيم:" هما أمران: الدوام عليها، والمداومة عليها ".
    وروى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: (( مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ ؟! اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ )). والشُّمْس: جمع شَمُوس، وهي النَّفور.
    فمن العبث وسوء الأدب مع الله كثرة الحركة في الصّلاة، وخاصّة من غير داعٍ، كمسّ اللّحية، وتحريك اليد، ونزع القذى من البدن والثّوب وغير ذلك.
    وقد روى البخاري ومسلم عن مُعَيقِيب رضي الله عنه قال: ذَكَرَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ - يَعْنِي الْحَصَى – قَالَ: (( إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً )).
    وعن جابر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عن مسح الحصى في الصّلاة ؟فقال: ((وَاحِدَةً، وَلَأَنْ تُمْسِكَ عَنْهَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ مِائَةِ نَاقَةٍ، كُلُّهَا سُودُ الحَدَق )) [رواه ابن خزيمة، وهو في " صحيح التّرغيب والتّرهيب " (557)].
    - ومن الأدب مع الله تعالى:ترك قراءة القرآن في الرّكوع والسّجود.
    قال ابن القيّم:" وسمعته – يقصد شيخ الإسلام - يقول في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود:
    إنّ القرآن هو أشرف الكلام، وهو كلام الله، وحالتا الركوع والسجود حالتا ذلّ وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله: ألاّ يُقرَأ في هاتين الحالتين، ويكون حال القيام والانتصاب أولى به "اهـ.
    - ومن الأدب مع الله: أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء الحاجة:
    كما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب، وسلمان، وأبي هريرة، وغيرهم رضي الله عنهم، والصّحيح: أنّ هذا الأدب يعمّ الفضاء والبنيان.
    - ومن الأدب مع الله في الوقوف بين يديه في الصلاة وضع اليمنى على اليسرى:
    وذلك حال قيام القراءة، ففي الموطّأ لمالك عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أنّه من السنة، وكان الناس يؤمرون به.
    ولا ريب أنه من أدب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء.
    والمقصود : أن الأدب مع الله تبارك وتعالى هو القيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهرا وباطنا.




    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,280

    افتراضي



    - الآداب الشّرعيّة (4) تعظيم النـبـيّ ومحبّته


    الكاتب: عبد الحليم توميات



    الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:
    فإنّ ما نراه رأي العين، ونلمسه لمس اليد، هو تلك الهوة العميقة، والفجوة السّحيقة بين المسلمين ونبيّهم صلّى الله عليه وسلّم، من جهة تعظيمه، وحبّه وتكريمه، وطاعته واتّباع سبيله.
    حتّى أضحى حال جمهور المسلمين اليوم:
    كأنّهم نسُوا أنّ محمّدا نبيّ مرسل، اصطفاه الله تعالى على سائر البشر !
    وإمّا أنّهم نسُوا معنى النبوّة والرّسالة ! .. وما أعظمها من جهالة..!
    وإمّا أنّهم لا يعرفون عن رسولهم إلاّ القليل، فاستبدلوا به أهل الفواحش والتّضليل، وأصحاب الغناء والتّمثيل ..

    أمّا لو تذكّروا منزلته عند ربّه سبحانه، والخصائص الّتي حباه بها، وشرّفه بنَيْلها، لعادت هيبته إلى قلوبهم، وجعلوه إمام دروبهم ..
    إنّه النبيّ الّذي أوجب الله على جميع الأنبياء والرّسل اتّباعه، فقال تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّ هُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:81].
    إنّه دعوة إبراهيم عليه السّلام الّذي نادى ربّه قائلا:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة:129].
    إنّه بشارة عيسى عليه السّلام الّذي نادى قومه قائلا:{يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصّف:من الآية6]..
    إنّه النبيّ الّذي خُصّ بأن أرسله الله إلى الخلق جميعم، فقال الله في حقّه:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: من الآية158].
    إنّه النبيّ الّذي ختم الله به الرّسالات دون غيره من الرّسل.
    إنّه النبيّ الّذي خلدت شريعته، فكان لا بدّ أن تخلُد معجزته، فقال صلّى الله عليه وسلّم: (( مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ، وإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) [متّفق عليه].
    إنّه النبيّ الوحيد الّذي أقسم الله بحياته: فقال تعالى:{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر:72]، وما ذلك إلاّ لأنّها أشرف وأعظم نفس عند الله.
    إنّه النبيّ الوحيد الّذي ناداه الله تعالى بوصف الرّسالة والنبوّة،ولم يدعُهُ قط باسمه صلّى الله عليه وسلّم.
    فكان لزاما أن نضع أيدينا على أهمّ الآداب الواجبة تجاه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّها حقٌّ من حقوقه، وهو الّذي قال: (( فَأَعْطِ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ )).
    * الأدب الأوّل: تعظيمه صلّى الله عليه وسلّم.
    إنّ الأدب الأوّل الّذي يجب على كلّ مسلم أن يتحلّى به هو: تعظيم قدر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّه إذا حلّ في القلب تعظيمه تحرّكت الجوارح لطاعته واتّباعه.
    لذلك أمر الله تعالى بتعظيمه قبل نصرته واتّباعه، لأنّ النّصرة والاتّباع من ثمرات التّعظيم، قال تعالى:{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: من الآية157]..
    وإنّ القاصي والدّاني ليشهد للصّحابة بأنّهم حازوا قصب السّبق في الفضل لتعظيمهم أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
    وتأمّل ما رواه البخاري عن المسور بن مخرمة حين جاء عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ليبرم مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلح الحديبية: ( جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم بِعَيْنَيْهِ.
    فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ ! وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم مُحَمَّدًا:
    وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا ).
    * الأدب الثّاني: المحبّة والاتّباع:
    إنّه أدب ضائع، لا يتمسّك به إلاّ القلّة في الواقع ..
    أدب فضح الأدعياء، الّذين يدّعون محبّة سيّد الأنبياء ..
    أدب يُمتحن به كلّ من ادّعى محبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بل يُمتحن به كلّ من ادّعى محبّة الله، قال الله تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[آل عمران:31].
    فلنسأل أنفُسنا: هل نحبّ فعلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟
    ولا بدّ من فهم السّؤال قبل الجواب ؟
    لأنّه ما من مسلم على ظهر الأرض، حتّى ذلك الّذي تراه مدمنا على الخمر والميسر، لو سألناه هذا السّؤال لما تردّد في أن يقول: نعم ! وكيف لا أحبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟
    ذلك لأنّه لم يفهم بعدُ معنى محبّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم..
    لا يعلم أنّ محبّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم درجتان: أصل المحبّة، وحقيقة المحبّة.
    - أصل المحبّة، وهي الّتي يكون بها مسلما.
    - وحقيقة المحبّة هي الّتي يكون بها مؤمنا.
    أصل المحبّة: لو انعدم لكان من الكافرين المحرومين .. فلا تجد مسلما يقول أنا لا أحبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ..
    أمّا حقيقة المحبّة: التي أمر الله بها، ويحاسَبُ العبدُ عليها فهي ليست مجرّد كلمة تقال، أو طيفٍ يخطر ببال ..
    إنّ محبّة نبيّ الله محمّد صلّى الله عليه وسلّم ليست في المدائح والطّبول، ولا في جلسة تُسرَد فيها سيرة الرّسول ..
    إنّما المحبّة الحقيقيّة هي في إحياء سنّته، واتّباع طريقته، والذبّ عن ملّته، ورفع الذلّ عن أمّته.
    أمّا مجرّد اللّسان، فما أسهل حركته ! وما أعظم حسرته !
    تأمّل معي قول ربّ العزّة سبحانه:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات:14].
    فالله أثبت لهم الإسلام بمجرّد اللّسان، ولكنّه تعالى يريد منهم أعظم من ذلك:{وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً}..
    محبّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن تقدّم اتّباعه على شهوات النّفس ..
    وأن تقدّم طاعته واتّباعه على طاعة الوالدين ..
    وأن تقدّم ما أمرك به ويرضيه، على ما يشتهيه الأولاد ويُرضيهم ..
    روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )).
    وروى البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي.
    فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ )).
    فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( الْآنَ يَا عُمَرُ )).
    وأدعوك أخي المسلم لتتأمّل معي كلّ آية يأمر الله فيها بالإيمان بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه لا يعلّق الأمر بالمحبّة فقط، بل لا بدّ من النّصرة والاتّباع.
    استمع إلى ربّ العزّة وهو يأخذ المواثيق على أنبيائه ورسله، فيقول:{ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّ هُ } [آل عمران:81]..
    وقال عن الحواريّين أتباع عيسى عليه السّلام:{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:53].
    وقال تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:58].
    وقال عزّو جلّ:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:65].

    حتّى ( يُحكّموك ) أنت يا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ! لا غيرك .. لا هواهم، ولا أعرافهم، ولا أذواقهم، ولا عقولهم، ولا من خدعوهم بالحضارة المزيّفة.
    ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل اشترط أن لا يجدوا في أنفسهم حرجا، وأن يسلّموا تسليما.
    [يتبع]






    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •