دراسة علم السّيرة النبويّة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: دراسة علم السّيرة النبويّة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,270

    افتراضي دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة النّبويّة
    عبد الحليم توميات
    (1) المقدّمة






    بسم الله الرّحمن الرّحيم

    مدخل إلى دراسة علم السّيرة النبويّة.


    1- التّعريف بالسّيرة:

    لغة: السّيرة من سار يسير سيرا، والسَّيْرة المرّة الواحدة، والسِّيرة الضرب من السير، قال ابن منظور: السّيرة: الطريقة، يقال سار بهم سيرة حسنة، والسّيرة الهيئة، وفي التّنزيل العزيز:{ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى }.


    فما سار عليه المرء في حياته يُسمّى سيرة، لذلك قالوا: السّيرة تقابل الصّورة، أي: السّيرة في السّلوك، والصّورة في الجسد.






    قال الجرجاني رحمه الله في "التّعريفات":" السِّيَر: جمع سيرة، وهي الطّريقة سواء كانت خيرا أو شرّا، يقال: فلان محمود السّيرة، وفلان مذموم السّيرة ".

    وفي الاصطلاح الشّرعي:

    السّيرة هي: العلم بحياة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم من قبل ولادته إلى وفاته، وما يتعلّق بدعوته من الحوادث.

    حتّى إنّه عند الإطلاق لا ينصرف لفظ السّيرة إلاّ إلى حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

    2- أهمّية دراسة السّيرة:

    لا ريب أنّ دراسة السّيرة لها مكانتها من بين العلوم، ويظهر لنا ذلك جليّا من خلال ما يلي:

    1- صحيح أنّ السّيرة تتحدّث عن حياة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولكنّها في الحقيقة تتحدّث عن الإسلام، لأنّها تعتني بدعوته ودلائل نبوّته لذلك أطلق عليها السّيرة النبويّة أي: باعتبار أنّه نبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

    2- ثمّ إنّ من شروط الإيمان بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حبّه وتقديمه على النّفس والأهل والولد، فقد روى الشّيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

    (( فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )).

    وفيهما أيضا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

    (( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )).

    والمتمعّن في سيـرته، ليخرج منها بأكبر نصيب من هذا الحبّ تجاه نبيّه صلّى الله عليه وسلّم .

    3- ثمّ يأتي بعد ذلك أصل من أصول الإيمان، ألا وهو: حبّ أصحابه رضي الله عنهم:

    وكيف خالط الإيمان تلك القلوب فرفعهم إلى أرقى المنازل، حتّى نالوا شهادة لا تزال تتلى على مرّ السّنين:{ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 100]

    فكانوا - وإن مشوا على الأرض - على اتّصال دائم بالله والملأ الأعلى، فهذا يهتزّ عرش الرّحمن من أجله، وآخر تشيّع الملائكة جنازته، وثالث تغسله الملائكة، ورابع تسمع ترنّمه بالتّلاوة، وخامس يقرئه ربّه السّلام، وسادس يسلّم عليه الملك، وجيش يقاتل معه مدد من السّماء الثّالثة .. الخ

    4- العبرة من دراسة السّيرة النبويّة فهم جزء كبير من كتاب الله عزّ وجلّ، وسنّة المصطفى ذاتها، قال تعالى:{ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24].

    فما من لحظة من لحظات حياته صلّى الله عليه وسلّم إلاّ وهي مكلّلة بوحي نازل من السّماء يستقي منه المسلم ما يعينه على تخطّي هذه الحياة فقها وسلوكا وإيمانا ودعوة ..

    لذلك كان أفقه النّاس بالقرآن والسنّة هم أصحابه الذين عايشوا مراحل حياته صلّى الله عليه وسلّم.

    5- جُبِلت النّفوس على حبّ الاقتداء، والزجاجة إن لم تملأها بالماء ملئت بالهواء.

    فدراسة حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تجعل المؤمن لا يرغب إلاّ في اتّباع منهجه في الحياة، مصداقا وامتثالا لأمر الله تعالى:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } [الأحزاب:21 ].

    فلمّا أراد الله ذلك، هيّأه لذلك:

    فجاءت سيرته شاملة شمول دين الإسلام، وكاملة كمال شريعته:

    فيجد فيه الحاكم قدوته في سياسة دولته.

    والأب يجد فيه قدوته في تربية أولاده.

    والزّوج تعامله مع زوجته.

    والمعلّم براعة الطريقة في تعليمه.

    والتّلميذ حسن تأدّبه مع شيخه.

    والزّاهد يجد صدق زهده.

    والتّاجر صدق تعامله.

    والعامل أمانة عمله.

    والغنيّ قمّة في شكر ربّه.

    والفقير غاية في صبره.

    واليتيم صورة لتوكّله على ربّه.

    والدّاعي نبراسا لدعوته ..

    فنبيّ مثل نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم جدير على كلّ مسلم أن لا تلفظ أنفاسه ولا تكون حركاته إلاّ بهديه.

    هذا فيما يخصّ عموم المسلمين.

    أمّا حملة الرّسالة، والمحاربون للجهالة، فإنّهم يلجون من خلال دراسة السّيرة النبويّة إلى عالم مخيف، قبل ظهور المنار المنيف ..

    عالم الجاهليّة الأولى، تجد فيه طفلا طهورا كالبَرَد، وُلِد يتيما، واستمرّ اليُتم يلاحقه، ويلاحق طفولته في طرقات مكّة ودروبها .. يذيقه مرارة تقلّب العشيرة والأصحاب، ويُفْجِعه بفقد الأهل والأحباب، ويكبر ،وتكبر غربته، ويكتشف في دروب الحياة يُتما أكبر من يتمه، وهمّا أعظم من همّه، فالأرض كلّها يُتم، والعالم كلّه همّ وغمّ ..

    ما عساه أن يفعل أمامها ؟ وماذا بيديه حيالها ؟..

    في تلكم الحال، ينزل عليه وحي الكبير المتعال: اُدع إلى ربّ البريّة .. وأصلح البشريّة .. وأزل هذه الجاهليّة .. فنطق بها، فأتته الإجابة على غير ما تمنّى ..

    سياط من التّكذيب وهو الذي كان بالأمس الصّادق الحبيب ..

    وفي الأخير كانت الإجابة بعد سيرة حياة كاملة، سيرته تلك تمثّل واقع هذه الصّحوة التي تهزّ أركان الأرض كلّها.

    6- تعدّ سيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم السّيرة الوحيدة من بين سير الأنبياء الكاملة في التّأريخ، والمترابطة الحلقات، والواضحة الأطوار، تجمع لنا جميع أطوار حياته بدقّة متناهية.

    بخلاف غيره من الأنبياء، فإنّ حياتهم يكتنف كثيرا من جوانبها الغموض، بل إنّ من الأنبياء ما لا نعرف عنه شيئا { وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } [النساء: من الآية 164].

    أمّا من ذكر في القرآن فمنهم من لا نعرف عنه إلاّ اسمه، والآخر لا نعرف عنه إلاّ حواره مع قومه، وأولو العزم من الرّسل نجهل كثيرا من أطوار حياتهم .

    وقد أجبرت هذه الميزة الكبيرة لسيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم غير المسلمين - على حقدهم - على الاعتراف بها.

    فقال جون ديون بورت في مقدّمة كتابه عن السّيرة " الاعتذار من محمّد والقرآن ":

    " لا ريب أنّه لا يوجد في الفاتحين والمُشرّعين والذين سنّوا السّنن من يعرف النّاس حياته وأحواله بما هو أكثر تفصيلا وأشمل بيانا من سيرة محمّد وأحواله ".

    ويقول الانكليزي باسورت سميث:

    " .. لا شكّ أنّ في الوجود شخصيّات لا نعلم عنها شيئا، ولا نتبيّن حقيقتها أبدا، أو تبقى منها أمور مجهولة.

    بيد أنّ التّاريخ الخارجيّ لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم نعلم جميع تفاصيله، من نشأته إلى شبابه، وعلاقته بالنّاس، وروابطه، وعاداته، ونعلم أوّل تفكيره، وتطوّره، وارتقاءه التّدريجيّ، ثمّ نزول الوحي العظيم عليه نوبة بعد نوبة، ونعلم تاريخه الدّاخليّ بعد ظهور دعوته وإعلان رسالته.." [الرّسالة المحمّدية (98 و121)].

    * ومن الأمور التي تبيّن أهمّية دراسة السّيرة: تعظيم دين الله.

    وأنّه ما جاء على طبق من فضّة وقطعة من حرير، ولكنّه جاء بعد عناء طويل، وجهاد متواصل، وصبر كبير ..

    فعلى المؤمن أن يعيش تلك الأيّام ليكون له حافزا على أن ينفض غبار الكسل والفشل من على نفسه، ويحذر أن يكون ممّن قال فيهم الله تعالى:

    { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } [الأعراف: من الآية: 169 ].

    لذلك أكثر العلماء من التّأليف في سيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانت قبل ذلك مبثوثة في كتب السنّة لأنّ تدوينها سابق لها، وأوّل من اهتمّ بكتابة السّيرة النبويّة هو عروة بن الزّبير (تـ:92)، ثمّ أبان بن عثمان (105)، ثمّ وهب بن منبه (110)، ثمّ شرحبيل بن سعد (123)، ثمّ ابن شهاب الزّهري (124).

    فكانت كتبهم طليعة هذا العمل العلميّ العظيم، ولكنّه لم يكن على النّسق المعروف اليوم، ولم يصلنا منها شيء، ولم يبق منها إلاّ أجزاء متناثرة يروي لنا بعضها الطّبري .. حتّى جاء عصر التّدوين الشّامل.

    ( يتبع إن شاء الله )




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,270

    افتراضي

    السّيرة النّبويّة
    عبد الحليم توميات



    دروس وعبر (2) مصادر السّيرة





    مصادر السّيرة.
    فإنّ لكلّ علم من العلوم أو فنّ من الفنون مصادره الّتي تُستمدّ منها مادّته، وأهمّ مصادر السّيرة النّبويّة:
    1- القرآن الكريم، حيث ورد فيه جزء كبير من سيرته صلّى الله عليه وسلّم، وخاصّة أطوار دعوته وتعامله مع الكفّار والمنافقين.
    2- ثمّ صحيح السنّة، فقد جمع العلماء أغلب الأحاديث في ذلك، ودوّنت بطريقة فريدة من نوعها، ثمّ إنّ هناك كتبا أفردت في المغازي، وكتبا أفردت في الشّمائل، وأخرى أفردت في الخصائص.
    لذلك وجب على طالب السّيرة النّبويّة التثبّت من أمرين اثنين:

    - الأمر الأوّل: التّفسير الصّحيح لآي القرآن الكريم الّتي تتناول جوانب من سيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولن يجد أصحّ ولا أسلم من تفاسير أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومن تبعهم بإحسان.
    - الأمر الثّاني: لا بدّ من التثبّت من الأحاديث الّتي تتناول السّيرة، وفي الصّحيح غنية عن الضّعيف كما هو مقرّر، ولا يقولنّ قائل إنّ مبنى السّير على التّسامح ! فإنّ قوله صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ )) عامّ يشمل جميع ما يتعلّق به صلّى الله عليه وسلّم.
    ثمّ إنّ هناك ضلالات عقديّة، وبدعا عمليّة، وأخطاء علميّة، ما طفت على سطح أمّة الإسلام إلاّ من جرّاء جزئيّات تذكر في حادث من حوادث السّيرة بسند ضعيف، وسُوقُ النّاس هذه الأيّام مبنيّ على شعار: ضلالات اليوم صواب الغد !
    ولنضْرب على ذلك أمثلة:
    - روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: ( أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُون َ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ ).
    زاد بعضهم أنّ سبب سجودهم معه أنّه قرأ:{ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)} وأنّ الشّيطان ألقى على لسانه: ( تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهنّ لتُرتَجى ) ! وكثير من كتب التّفسير لا تخلو من ذكر هذه الزّيادة.
    ولا ريب أنّ هذا من أبطل الباطل، إذ كيف يمكن أن يلقِي الشّيطان شيئا في تلاوة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد جعل الله تعالى تلك التّلاوة مقيمة للحجّة ؟! وسنعقد فصلا إن شاء الله لبيان بطلان هذه القصّة.
    - كثيرا ما نسمع روايات في السّيرة تتضمّن الطّعن في بعض أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولا ريب أنّ حفظ جناب الصّحابة رضي الله عنهمجميعا من واجبات الدّين.
    - قصّة إسلام عمر رضي الله عنه، ذكرها ابن الجوزي في " سيرة عمر "، وأنّهم خرجوا يهتفون بالحقّ يومئذ، وهذا لا أصل له، وكثيرا ما نسمع من ينتصر للقول بجواز المسيرات يستدلّ بهذه الحادثة.
    - وذكروا في قصّة إسلام عمر أيضا أنّه عندما أراد تناول الصّحيفة أمرته أخته فاطمة بالغسل، ممّا جعل بعضهم يعتمد ذلك في مسألة وجوب الطّهارة لمسّ القرآن. فوجوب الوضوء لمسّه يُستنبط من أدلّة أخرى لا من هذه القصّة.
    وغير ذلك ممّا تقع عليه عين المتصفّح للسّيرة النبويّة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم.
    فليحذر المسلم ثلاثة أبواب من العلم - كما قال الإمام أحمد -:" السّير، والمغازي، والتّفسير ".
    وإن الكتب التي اعتدت عليها في هذه الدّروس كثيرة جدّا، وفي مقدّمتها:
    1- كتاب الله تعالى وتفاسيره؟
    2- كتب الحديث، مع كتب التّخريج، لا سيّما كتب الشّيخين: الألباني والوادعي رحمهما الله,
    3- كتب السّيرة: كسيرة ابن هشام، والرّحيق المختوم، وفقه السّيرة ، والّذي اعتمدته كثيرا في الرّبط بين الأحداث، واقتبست منه جلّ هذه المادّة، هو كتاب:" قراءة جديدة في السّيرة النّبويّة " للصّويان، فلا أظنّ أحدا أحسن صوغ السّيرة النّبويّة مثله.
    4- كتب التّاريخ، والأطلس في السّيرة النّبويّة.
    5- كتب ابن القيّم لا سيّما " زاد المعاد ".
    6- شروح الحديث: لا سيّما " فتح الباري ".
    7- الكتب والمقالات العاّمة الّتي تعالج موضوعات خاصّة من حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
    وغيرها من الكتب.

    والله الموفّق لا ربّ سواه.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,270

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر (3) لماذا كانت جزيرة العرب مهبطا لآخر الرسالات ؟
    الكاتب: عبد الحليم توميات

    لماذا كانت جزيرة العرب مهبطا لآخر الرسالات ؟

    فلا بدّ قبل الشّروع في دراسة السّيرة النبويّة أن نلقي نظرة على العالم قبل بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ففي ذلك الزّمن حدثت فترة من الرّسالة كما قال تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة:19] وقال:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16].
    فكان يسود العالم دولتان عظيمتان: فارس والرّوم، ومن ورائهما اليونان والهند.
    أمّا فارس: فقد كانت حقلا لوساوس دينيّة فلسفيّة، شاع فيها مذهب زرادشت ومزدك وغيرهما، ممّا جعلها تتخبّط في صراعات دينيّة ما لها من زوال.


    الزرادشتية: ديانة من فلسفتها تفضيل زواج الرّجل من محارمه، حتّى إنّ يزدجرد الثّاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوّج بابنته، ناهيك عن الانحرافات الخلقيّة الأخرى.

    والمزدكيّة: ديانة قائمة على حلّ النّساء والأموال، وأنّ النّاس شركاء فيها كما يشتركون في الماء والنّار والكلأ ! وقد حظيت هذه الدّعوة بالقبول من أهل الرّعونات وأصحاب الشّهوات.

    وأمّا الرّومان: فقد كانت تسيطر عليهم الرّوح الاستعماريّة، وكانت منهمكة في خلاف عريض بين نصارى الشّام ونصارى مصر، وسادها الانحلال الخلقيّ والظّلم من جرّاء الإتاوات ومضاعفة الضّرائب.
    أمّا اليونان: فكانت غارقة في هوس عريض، وخرافات وأساطير كلاميّة لم تجنِ منها الشرّ المستطير، والانحراف العقديّ الكبير.
    أمّا الهند: فقد أجمع المؤرّخون أنّها كانت في أحطّ أدوارها دينيّا وخلقيّا واجتماعيّا.


    والقدر المشترك بين هذه الدّول هو أنّها كانت تتزعّم الحضارة المدنيّة القائمة على أسس مادّية لا تمتّ إلى القيم الأخلاقيّة بصلة.

    وفي بقعة من العالم كانت هنالك الجزيرة العربيّة .. كانت متّصفة بالهدوء أكثر من غيرها، بل كانت منعزلة عن العالم وعن مظاهر الاضطرابات التي سادت فيه.

    لم يكن لديهم من التّرف ما يجعلهم يُفتنون لإيجاد طرق الانحلال الخلقيّ.

    ولم يكن لديهم من الفلسفات التي انتشرت في أغلب بقاع العالم.

    ولم يكن لديهم من الطّغيان العسكري ما يفتح لهم شهيّة الاعتداء والاستبداد بغيرهم، حتّى إنّ كثيرا من القبائل كانت منقادةً لفارس والرّوم.

    وكانوا خاضعين إلى نوع من الفطرة، وتتّجه نفوسهم إلى بعض المبادئ والأخلاق: كالجود، والوفاء، والنّجدة، والإباء، والعفّة، وغير ذلك .. لكنّهم كانوا في حاجة إلى توجيه هذه القِيم إلى الاعتدال، فمنهم من كان يئد البنات خوفا – زعموا - من تلطّخ العِرض، ومنهم من كان يتلف الأموال بدافع الكرم، ومنهم من كان حريصا على الثّأر بدافع الإباء، ويثير الحروب بدافع النّجدة.

    إذن يمكن أن نقول إنّه كان هناك استعداد تامّ لأن تكون جزيرة العرب هي مهبط الرّسالة لعدّة نواح:

    1- صفاء أذهانهم: وما على الدّارس إلاّ أن يدرس أشعارهم – والشّعر ديوان العرب – فيلمس هذه الخصلة لمس اليد، فما علِقت بأذهانهم أفكار الأمم الفلسفيّة ومذاهبهم الفكريّة. ولا شكّ أنّ الخليّ من ذلك أقرب إلى الاستجابة إلى الحقّ من غيره.

    2- سلامة البيئة من الاضطرابات: نعم، لقد نشبت حروب بين بعض القبائل، ولكن لم يكن ذلك هو السّمة الغالبة عليهم كما هو الشّأن عند الأمم الأخرى. بدليل أنّ تلك الحروب تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، ولا تتعدّى إلى جميع بقاع الجزيرة، بخلاف تلك الحروب الطّاحنة لدى الفرس والرّوم واليونان، فإنّها كانت تأتي على الأخضر واليابس.

    أمّا أهل مكّة وحدود الحرم، فقد عمّهم الأمن، وقال الله تعالى مبيّنا حالهم:{ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا }.

    والدّعوة لا تحتاج إلى شيء لانتشارها حاجتها إلى الأمن.

    3- كونهم أمّة أمّية: وهذا يدفع كلّ شكّ بأنّ الّذي يأتي به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو من جملة الحضارات الشّائعة، كما قال تعالى:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48].

    4- كونهم وسط حضارتين علميّا وموقعا، فيسهل أن تنتشر الدّعوة إلى كامل بقاع العالم، ولو كانت في أقصى الشّرق أو الغرب لتعذّر وصولها.

    5- كونها مكان البيت الذي بناه إمام الحنفاء، والشّيء من معدنه لا يُستغرب، فكانت الأنظار كلّها متّجهة إلى تلك البقعة المباركة، قال تعالى:{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة: من الآية 125].

    6- بهذه الأرض وُجِد أعزّ نسب على ظهر الأرض، ألا وهو نسب محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

    ولكنّ العرب كانوا يتخبّطون في ضلال عقديّ مبين تدعو الفطرة نفسها إلى نبذه وطرحه، وهم الذين كانوا يعلنون فخرا انتسابهم إلى إبراهيم عليه السّلام ؟!

    بداية الانحلال العقديّ..

    سبق أن ذكرنا أنّ دراسة السّيرة تعني دراسة رسالة الله إلى العباد، ومن أهمّ وظائف الرّسل الدّعوة إلى تزكية النّفوس ممّا علق بها من الشّرك وفساد الخلق، كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2].

    والفطرة تحتاج إلى الشّرعة، إمّا لتثبيتها، أو لتقويمها، روى مسلم عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (( أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُم ْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ )).

    وبقي النّاس على الفطرة، منذ أن خلق الله آدم إلى عهد نوح عليه السّلام.

    فكيف بدأ الشّرك في الأرض ؟

    روى ابن جرير الطّبري بسنده عن محمّد بن قيس – وأصل الحديث عن ابن عبّاس في صحيح البخاري-:

    أنّ يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلمّا ماتوا قال أصحابهم الّذين كانوا يقتدون بهم:" لو صوّرناهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة "، فلمّا ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس فقال: إنّما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر، فعبدوهم.

    وروى بسنده عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون كلّهم على الإسلام.

    فأين صارت هذه الأصنام بعد الطّوفان ؟

    جاء الطّوفان كما هو معلوم، وطُهّرت الأرض من الشّرك والمشركين، حتّى طال عليهم الأمد مرّة أخرى فأحيوا أمر هؤلاء. ولكن هذه المرّة إلى جانب الشّرك الأرضي ظهر نوع آخر من الشّرك وهو عبادة الكواكب، فأرسل الله إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام ومَن بعدهم حتّى انتشر دين إبراهيم، وكان يُعظّم في الجزيرة العربيّة بشدّة.

    وعاد الشّرك إلى الظّهور مرّة أخرى، فأوّل ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل عليه السّلام – كا في " سيرة ابن إسحاق"- أنّه كان لا يظعن [أي: يسافر] من مكّة ظاعنٌ منهم إلاّ حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتّى وصل ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة.

    ثمّ خلف الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضّلالات.. بل إنّ بعضهم أحيا أمر أولئك الصّالحين الخمسة:

    روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قال: ( صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ:

    أَمَّا وَدٌّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ.

    وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ.

    وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبإٍ.

    وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ.

    وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ ).

    وكلّ ذلك حدث بالشّام..

    وجاء دور عمرو بن عامر بن لحيّ: الّذي جلب الأصنام من الشّام إلى مكّة.


    خرج عمرو بن عامر من اليمن فسار مع من تبعه من قومه حتّى نزلوا الشّام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرا، ونزلت أزد السّراة بالسّراة، ونزلت أزد عمان بعمان. وفيهم سار المثل المعروف:" تفرّقوا أيدي سبأ ".

    ثمّ إنّ عمرو بن لحيّ قدم البلقاء، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد عملاق – رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه ؟

    فأعطوه صنما يقال له هُبَل فقدم به مكّة، فنصبه وأمر النّاس بعبادته وتعظيمه. وحرّم ما أحلّ الّه من الإبل السّوائب والبحائر.


    روى البخاري ومسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ )).

    وفي رواية لهما عن عائشة: (( رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ )).


    الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ.

    وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ.

    وهنالك انتشر الشّرك في مكّة وما حواليها، وبقي فيهم تعظيم البيت، والطواف به، والحجّ، والعمرة، والوقوف على عرفة، والمزدلفة، وهدي البُدْن، والإهلال بالحجّ والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا:" لبّيك اللّهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك، إلاّ شريك هو لك، تملكه وما ملك ". فيوحّدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده.

    يقول الله تبارك وتعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106] أي: ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي.

    عندئذ كان لا بدّ أن يُصلح أمر هؤلاء، وفي علم الله تعالى أنّه لم يبق من أمر الدّنيا مقدار ما مضى منها، فشاء أن يأذن ببعثة سيّد البشر أجمعين، وإمام المرسلين محمّد صلّى الله عليه وسلّم..





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,270

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر(4) وقفات مع نَسَبِ النَبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم
    عبد الحليم توميات


    جاء في سيرة ابن هشام رحمه الله:" ذكر سرد النّسب الزكيّ من محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلى آدم عليه السّلام ".
    قال:" هذا كتاب سيرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب [واسم عبد المطلب شيبة] بن هاشم [واسم هاشم عمرو] بن عبد مناف [واسم عبد مناف المغيرة] بن قصيّ [واسم قصيّ زيد] بن كِلاب بن مُرّة بنِ كعب بنِ لؤيّ بنِ غالب بنِ فِهر بنِ مالك بن النّضر بن كنانة بنِ خزيمة بنِ مدركة [واسم مدركة عامر] بنِ إلياس بنِ مضر بنِ نِزار بنِ معدّ بنِ عدنان.."

    وساق رحمه الله بقيّة النّسب إلى آدم عليه السّلام.
    ولنا وقفات أمام النّسب الشّريف:
    - الوقفة الأولى: اعلم أنّه لا يصحّ النّسب فوق عدنان، وذلك لقول الله تعالى:{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} [إبراهيم: من الآية9]. لذلك روى ابن جرير الطّبري عن ابن مسعود وعمرو بن ميمون أنّهما كانا إذا قرءا هذه الآية قالا: ( كذب النسّابون ).
    أمّا ما رواه ابن سعد في "طبقاته" (1/1/28)، وابن عساكر عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذَا انْتَسَبَ لَمْ يُجَاوِزْ فِي نَسَبِهِ مَعَدّ بْنَ عَدْنَانَ بْنَ أُدَدٍ، ثُمَّ يُمْسِكُ وَيَقُولُ: (( كَذَبَ النَسَّابُونَ ))، فهو حديث موضوع مرفوعا، والصّحيح أنّه موقوف، ومقطوع.
    [انظر "سلسلة الأحاديث الضّعيفة" (رقم111)].
    لذلك قال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى:{لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ}:
    " أي لا يحصي عددهم إلاّ الله، ولا يَعرف نسبهم إلاّ الله، والنسّابون – وإن نسبوا إلى آدم – [لا يريدون(1)]إحصاء جميع الأمم، وإنّما ينسبون البعض، ويمسكون عن نسب البعض،[ثمّ ذكر ما يروى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبيّنا وضعه، ثمّ قال:]وقد روي عن عروة بن الزّبير أنّه قال: ما وجدنا أحدا يعرف مابين عدنان وإسماعيل ".
    - الوقفة الثّانية: ولكنّنا نجزم أنّه من ذرّية إسماعيل عليه السّلام، وذلك للحديث الذي رواه مسلم عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: (( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ )).
    والاصطفاء من التّصفية، فإنّ الله انتقاه من العباد انتقاءً، وجعل نسبه أطهر الأنساب، وحسبه أشرف الأحساب، لذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: (( خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ ولَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ، لَمْ يُصِبْنِي مِنْ سِفَاحِ الجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ )).[" الإرواء " (1914)].

    - الوقفة الثّالثة: تسمية عبد المطّلب بهذا الاسم ليس حجّة في جواز التّعبيد لغير الله تعالى، لوجوه:
    أ) فقد حكى ابن حزم رحمه الله في " مراتب الإجماع " إجماع العلماء على تحريم كلّ اسم معبّد لغير الله تعالى، واستثنوا عبد المطّلب لما فيه من الخلاف، ومنشأ الخلاف قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم حنين: (( أنا ابن عبد المطّلب )) [علّقه البخاري، ورواه أحمد وأبو داود موصولا].
    ب) قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هذا لا يفيد الجواز أبدا، لأنّه حكاية نسب مضى، فهو من باب الإخبار لا من باب الإنشاء.
    ج)قال أبو سليمان الخطّابي رحمه الله:
    " وقد يقع الغلط كثيرا في باب التّسمية، وأعرف رجلا من الفقهاء كان سمّى ولده " عبد المطّلب "، فهو يُدعى به اليوم، وذلك أنّه سمع بعبد المطّلب جدّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجرى في التّسمية به على التّقليد، ولم يشعر أنّ جدّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم إنّما دُعِي به، لأنّ هاشما أباه كان تزوّج أمّه بالمدينة، وهي امرأة من بني النجّار، فولدت له هذا الغلام، وسمّاه شيبة، ومات عنه وهو طفل، فخرج عمّه المطّلب بن عبد مناف أخو هاشم في طلبه إلى المدينة فحمله إلى مكّة فدخلها وأردفه خلفه، فقيل له: من هذا الغلام ؟ فقال: هذا عبدي، وذلك لأنّه لم يكن قد كساه ولا نظّفه، فاستحيا أن يقول: ابن أخي، فدُعِي بعبد المطّلب باقي عمره ".
    د) وقال أيضا:" على أنّه لا اعتبار بمذاهب أهل الجاهليّة في هذا فقد تسمّوا بعبد مناف، وعبد الدّار، ونحوهما من الأسامي " اهـ.
    وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في " الفتاوى " (1/375، 378)، وابن القيّم في " تحفة المودود " (113)، وصاحب " تيسير العزيز الحميد " (563،566) في بيان أنّه لا يجوز التّعبيد لغير أسماء الله، ونظيره تسمية النّصارى بعبد المسيح.
    هـ) ثمّ إنّه لا يليق أن نعارض بهذا الحديث ما جرى عليه عمل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه قد ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه غيّر أسماء كثير من الصّحابة لأجل كونها مُعبَّدةً لغير الله تعالى، كما في:
    ترجمة عبد الرّحمن بن سمرة، وكان اسمه عبد كلال، فسمّاه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عبد الرّحمن.
    وكذا في ترجمة كلّ من: عبد الله بن حكيم الضبّي، وعبد الله بن منقر القيسي، وعبد الحارث بن أنس الحارثي، وعبد الرّحمن بن أنس الحارثي، وعبد الرّحمن بن عبد الله البلوي، وعبد الله بن الحارث بن زيد الضبّي، وغيرها من التّراجم ممّا لا يمكن إحصاؤه.

    والله تعالى أعلم.


    (1) زيادة منّي يقتضيها السّياق.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,270

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر(5) حفر بئر زمزم


    الكاتب: عبد الحليم توميات


    دلائل وإرهاصات النبوّة ( حفر بئر زمزم )


    روى التّرمذي وأحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ ؟ قَالَ: (( وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ )).

    هذا هو شأن نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم ..


    ولم يزل يتقلّب في أعفّ الأرحام، وأشرف الأنساب، حتّى أوجب الله على جميع الأنبياء والرّسل اتّباعه، قال الله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّ هُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:81].



    ثمّ جاءت دعوة إبراهيم وبشارة عيسى .. فإبراهيم نادى ربّه قائلا:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة:129]..
    وعيسى نادى قومه قائلا:{يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصّف:من الآية6]..

    وبعد دعاء الخليل الذي ردّده الرّهبان، ونداء عيسى الذي مشى به الرّكبان، أصبح النّاس يترقّبون ظهور خاتم النبيّين، ويتشوّقون لاتّباع إمام المرسلين .. حتّى قوم اليهود الماكرين كانوا{يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: من الآية89]..

    كان الرّاهب من النّصارى لا يموت حتّى يشهد أتباعه أنّه إذا ظهر أحمد بفاران، أن يكونوا له من المتّبعين ..كما حدث لسلمان الفارسيّ رضي الله عنه عندما أشرف آخر راهب عاش معه على الموت، قال له سلمان: وَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ:

    ( أَيْ بُنَيَّ ! وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ، أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ ).

    وكان أشراف العرب يطمعون في أن تكون النبوّة فيهم، والرّسالة في ذويهم، والله تعالى يقول:{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68]..وقال:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه} [الأنعام:من الآية124]..

    أنت تريد، والله يريد، ولا يكون إلاّ ما يريد (( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ))..

    فما كان من أشراف العرب إلاّ أن{قَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)} يقصدون الوليد بن المغيرة بمكّة، وحبيب بن عمرو بالطّائف، فردّ الله عليهم قولهم:{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (32)} أي: كما أنّه فضّل بعضكم على بعض في الرّزق، فهو يفضّل بعضكم على بعض في النّبوّة..

    ولا بدّ لكلّ بداية من إرهاصات..ومقدّما ت..

    حفر بئرزمزم:

    فقد كانت زمزم عينا يشرب منها النّاس، وكانت العرب تعظّمها لأنّها من شعائر دين إبراهيم الخليل عليه السّلام، ولكنّ عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهميّ كان قد دفن زمزم قبل أن تخرج جرهم من مكّة، فجهل النّاس مكانها، وانطمست معالمها.

    وأراد الله عزّ وجلّ أن يجعل حفرَ بئر زمزم على يد عبد المطّلب جدّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ليشير إلى أنّ ملّة إبراهيم ستقام وتحيا من جديد على يد واحد من سلالة بني هاشم.

    قد روى ابن إسحاق والبيهقي في " دلائل النبوّة " عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حدّث حديث زمزم حين أمر عبد المطّلب بحفرها قال: قال عبد المطلب:

    ( إنّي لنائم في الحجر، إذ أتاني آت فقال:

    احفر طيبة ! قال: قلت: وما طيبة ؟ ثمّ ذهب عنّي، فلمّا كان الغد، رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني، فقال:

    احفر برّة ! قال: فقلت: وما برّة ؟ ثمّ ذهب عنّي، فلمّا كان الغد، رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني، فقال:

    احفر المضنونة[1] ! فقال: فقلت: وما المضنونة ؟ ثمّ ذهب عنّي، فلمّا كان الغد، رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه فجاءني فقال:

    احفر زمزم ! قال: قلت: وما زمزم ؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذمّ، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدمّ، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النّمل.

    فلمّا بيّن له شأنها ودُلّ على موضعها، وعرف أنّه قد صُدِق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطّلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلمّا بدا لعبد المطّلب الطيّ كبّر.

    فعرفت قريش أنّه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطّلب ! إنّها بئر أبينا إسماعيل، وإنّ لنا فيها حقّا، فأشركنا معك فيها !

    قال: ما أنا بفاعل، إنّ هذا الأمر قد خُصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم.

    فقالوا له: فأنصفنا، فإنّا غير تاركيك حتّى نخاصمَك فيها !

    قال: فأجملوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه.

    قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم.

    قال: نعم !.

    وكانت – أي: الكاهنة – بأشراف الشّام، فركب عبد المطّلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كلّ قبيلة من قريش نفرٌ، والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا.

    حتّى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشّام فَنِي ماء عبد المطّلب وأصحابه، فظمئوا، حتّى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم، وقالوا: إنّا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلمّا رأى عبد المطّلب ما صنع القوم، وما يتخوّف على نفسه وأصحابه، قال: ما ترون ؟ قالوا: ما رأيُنا إلاّ تبعٌ لرأيك، فمُرنا بما شئت.

    قال: فإنّي أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوّة، فكلّما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته، ثمّ واروه حتّى يكون آخركم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا.

    قالوا: نعم ! ما أمرت به.

    فقام كلّ واحد منهم فحفر حفرته، ثمّ قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثمّ إنّ عبد المطلب قال لأصحابه:

    والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا لعجزٌ، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا !

    وقبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون ؟ فتقدّم عبد المطلب إلى راحلته، فركبها.

    فلمّا انبعثت به، انفجرت من تحت خفّها عين ماء عذب! فكبّر عبد المطّلب، وكبّر أصحابه، ثمّ نزل فشرب، وشرب أصحابه، واستقوا حتّى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا !

    ثمّ قالوا: قد- والله - قضى لك علينا يا عبد المطّلب ! والله لا نخاصمك في زمزم أبدا ! إنّ الّذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الّذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا.

    فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها ).

    - الشّاهد: أنّ الله تعالى قد اصطفى بني هاشم بهذا الفضل المبين، الذي فيه إحياء لأمر من شعائر النّبيّين، وما كان ذلك إلاّ مقدّمة لاصطفاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ هذه الحادثة وتخصيص بيت عبد المطّلب بهذا الشّرف أصبح على لسان كلّ عربيّ، فإذا بُعِث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّه ينبغي أن يجهر الجميع قائلين: الشّيء من معدنه لا يُستغرب.

    والحمد لله ربّ العالمين





    [1]/ ( المضنونة ): الغالية، يطلق على زمزم لنفاسته، وعلى ضرب من الطّيب، أي التي يضنّ بها لنفاستها وعزّتها، قال في لسان العرب: "وقيل للخلوق والطّيب المضنونة لأنّه يضنّ بهما ".




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,270

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر (6) هل قِصَّةُ أَصْحَابِ الفِيلِ من دلائل النبوّة ؟


    الكاتب: عبد الحليم توميات


    حادثة من أعظم حوادث الزّمان، عادت على أهل مكّة بالأمن والأمان، وقطعت شأفة أهل الخزي والحرمان، حادثة لا تزال تخلّد في التّنزيل، تلكم هي حادثة الفيل ..

    ومبدأ القصّة أنّ أبرهة – وكان واليا على اليمن للنّجاشيّ – أراد أن يتقرّب إلى سيّده بعد ذنب اقترفه.. فماذا فعل ؟

    قال أهل السّير:



    "بنى أيرهة القُليس بصنعاء، كنيسة لم يُرَ مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثمّ كتب إلى النّجاشي أنّي قد بنيت لك أيّها الملك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك ! ولست بمنتهٍ حتّى أصرف إليها حجّ العرب ".

    وقفة: انظر، ما من حركة ولا حرب إلاّ ومن ورائها كنيسة، فالحروب الصّليبيّة أقدم بكثير ممّا يتصوّره المؤرّخون، كما هو الشّأن في زماننا هذا، يقف جنرال سفّاح على أرض كوسوفو ويقول: ها قد عادت الحروب الصّليبيّة !.. ويطلع علينا غزاة الأفغان والعراق من الكنيسة مفتخرين بإحياء الحروب الصّليبيّة !

    قال أهل السّير:

    " فلمّا تحدّثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النّجاشيّ، غضب رجل من النَّسَأَة أحد بني فُقَيم بن عديّ.. فخرج حتّى أتى القُلَّيس فأحدث فيها، ثمّ خرج فلحق بأرضه !".

    وقفة: إنّه مشرك بالله ربّ الأنام، من النّسأة الذين بدّلوا وغيّروا الأيّام، حتّى اختلط الحلال بالحرام، ولكنّ المروءة لا تزال تجري في عروقه.

    إنّ نصرة المؤمنين المضطهدين إن لم يحرّكها الدّين، فإنّها من لوازم الرّجولة، ومقوّمات الفحولة.

    ويوم أحدٍ حين تولّى ابن سلول ومن معه من المنافقين بثلث الجيش، نادى عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه –وهو والد جابر-، ناداهم بهذا الشّعار فقال:" اتّقوا الله ! ولا تتركوا نبيّكم ! وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ".

    {تَعَالَوْا قَاتِلُوا } أعداء الله { فِي سَبِيلِ اللهِ } فعلى ذلك بايعتم، ولأجل ذلك أسلمتم، فإن أبيتم القتال في سبيل الله، فعلى الأقلّ:{ادْفَعُوا} أي: قاتلوا للدّفاع عن الأهل والعشيرة.

    قال أهل السّير:

    " فأُخبِر بذلك أبرهة، فقال: مَنْ صَنَع هذا ؟ فقيل له: صنع هذا رجل من العرب من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكّة لمّا سمع قولك: أصرف إليها حجّ العرب، غضب فجاء فقعد فيها ! أي: إنهّا ليست لذلك بأهل.

    فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرنّ إلى البيت حتّى يهدمه، ثمّ أمر الحبشة فتهيّأت وتجهّزت، ثمّ سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب، فأعظموه وفظعوا به ورأوا قتاله حقّا عليهم حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام.

    فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه، فأجابه إلى ذلك من أجابه، ثمّ عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه ".

    وقفة: لا شكّ أنّه أدّى الّذي عليه، فكذلك المسلم، عليه أن يتيقّن بأنّه غير مطالب بالنّصر، قال تعالى:{وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ }، ولكنّه مطالب بالغزو والدّفع.

    قال أهل السّير:

    " ثمّ مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتّى إذا كان بأرض خثعم عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتين: خثعم وناهس، وتبعه بعض القبائل، فقاتله فهزمه أبرهة..

    حتّى إذا مرّ بالطّائف خرج إليه مسعود بن مُعْتِب بقبيلة ثقيف، فقالوا له: أيّها الملك ! إنّما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات - إنّما تريد البيت الّذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلّك عليه، فتجاوز عنهم - واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة - ".

    وقفة: وانظر أخي الكريم أنّ الغزاة لن يصلوا إلى المسلمين لولا خذلان الأقربين .. وكلّنا سمع الرّافضة يترضّون على الغزاة للعراق، ويعلنون لهم الولاء بالعِناق .. فعاد ابن العلقميّ من جديد !!.. ابن العلقميّ الّذي لولاه ما قدر التّتار على غزو بغداد قديما، ولولا أحفاده ما قدروا على غزوها حديثا ..


    قال أهل السّير:

    " فلمّا نزل أبرهة المغمس، بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له، حتىّ انتهى إلى مكّة، فأخذ شيئا من أموالهم وإبلهم، وكان منها مائتا بعير لعبد المطّلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثمّ عرفوا أنّهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك ...

    فانطلق عبد المطّلب ومعه بعض بنيه، حتّى أتى عسكر أبرهة، وكان عبد المطّلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم، فلمّا رآه أبرهة أجلّه وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثمّ قال لترجمانه:

    قل له حاجتك. فقال له ذلك الترجمان فقال: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي.

    فلمّا قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه:" قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثمّ زهدت فيك حين كلّمتني، أتكلّمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه ؟!".

    قال له عبد المطّلب: إنّي أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربّا سيمنعه.

    قال: ما كان ليمتنع منّي.

    قال: أنت وذاك.

    وقفة: كثير منّا يبكي على واقع الإسلام – ولا تثريب على الباكي العامل - ويهتمّ لشأنه، مع أنّ الله حافظه، ولا يبكي على واقعه، ويهتمّ بشأنه وشأن أهله، فهلاّ تفطّن أنّه هو ربّ أسرته، وللإسلام ربّ يمنعه ويحميه ؟ يقول تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمّد: 7]. فعلى المسلم أن يُصلح نفسه من العيوب، ويطهّرها من الذّنوب، فذلك نصرةٌ لعلاّم الغيوب ..


    كذلك بعض من يرتكب المحرّمات، ويعطّل الواجبات بحجّة مصلحة الدّعوة ! فليعْلم أنّ عليه أن يحمِي نفسه من عذاب الله ومقته وغضبه، وأنّ للدّعوة ربّا يحميها.

    قال أهل السّير:

    " فلمّا انصرفوا عنه، انصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكّة، والتحرّز في شعف الجبال والشعاب تخوّفا عليهم من معرّة الجيش، ثمّ قام عبد المطلب، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:

    اللّهم إنّ العبـد يـمـــنـع رحلــه فامــنـع حِلالـــك[1]

    لا يغلبــــنّ صليـــبـهــم ومحـالهم غـدوا محالك [2]

    إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمــــرٌ مــــا بـــدا لــــك

    وقفة: وفي هذا بيانٌ لفضل الدّعاء، والتضرّع لربّ السّماء، فمن دعا ربّ العالمين فهو من المحسنين، قال صلّى الله عليه وسلّم:

    (( أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الدُّعَاءِ )) [" السّلسلة الصّحيحة " (601)].

    قال أهل السّير:

    " وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكّة إذا دخلها ؟

    فلمّا أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكّة، وهيّأ فيله، وعبّى جيشه، وأبرهة مجمع لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن، فلمّا وجّهوا الفيل إلى مكّة، وضربوا الفيل ليقوم أبى، فضربوا في رأسه ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه[3] بها ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشّام ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكّة فبرك !

    عندئذ أرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر، أمثال الخطاطيف مع كلّ طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدا إلاّ هلك، وليس كلّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطّريق الذي منه جاءوا:

    أيـن المفـرّ والإلـه الطّـالب والأشـرم المغلـوب ليس الغـالـب

    فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون بكلّ مهلك، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلّما سقطت أنملة تمكث قيحا ودما، حتّى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطّائر، فما مات حتّى انصدع صدره عن قلبه..

    فلمّا بعث الله تعالى محمّدا صلّى الله عليه وسلّم كان ممّا يعدّ الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ما ردّ عنهم من أمر الحبشة، فقال الله تبارك وتعالى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)}، وَقَالَ:{ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هَذَا الْبَيْتِ الّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } "اهـ.

    وقفات:

    - كان ابن عبّاس لا يفصل بين سورة الفيل وسورة قريش، فهما كالسّورة الواحدة، لأنّ الله بعدها يذكر سبب نصرته لقريش، وأنّه ما فعل ذلك إلاّ ليعبدوه سبحانه، لذلك قال:{لِإِيلافِ قُرَيْشٍ

    - إنّ الله تعالى حفظ أهل مكّة مع كونهم مشركين، والأحباش من النّصارى، فهم أحسن حالا من أهل مكّة، ولكنّ الله تعالى له الأمر من قبل ومن بعد، وذلك لأسباب:

    1-أعظمها: لأنّ الأمر يمسّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه كان سيولد بعد أيّام، في عام الفيل؛ ولو مُكِّن لأبرهة لقيل بعد ذلك: كيف يكون نبيّا وقد هُدِم البيت الحرام عام مولده ؟ والعرب كانت مختصّة في التّشاؤم.

    ومن هنا ندرك سبب ذكر أهل العلم لهذه الحادثة في دلائل نوبّته صلّى الله عليه وسلّم.


    2- كذلك صارت مكّة وما أظهره الله من تأييد لها على لسان كلّ متحدّث، فإذا بُعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يستغرب النّاس بعثته.

    3- ومنها: أنّ الأمر يتعلّق ببيت الله الحرام، البيت العتيق الذي لا يقصده كافر إلا قصمه الله.

    4-ومنها: أنّ المظلوم إذا دعا ربّه فإنّه ينصره، ولو كان كافرا، فما بال أيدي الكفّار اليوم تصل إلى المظلومين من المسلمين ؟ أهانوا على الله أكثر من هوان المشركين ؟ أم أنّهم تكبّروا عن دعاء الله تعالى، والتضرّع إليه، والافتقار بين يديه ؟




    [1] الحلال: جمع حِلّة بالكسر، وهم القوم المجتمعون.

    [2] المِحال: الشدّة والقوّة، ومنه قول الله تعالى:{ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ }.

    [3] (المِحْجَن):عصا معوجّة يجعل فيها حديد. (المِراق): أسفل البطن. (بزغوه): أدمـوه.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,270

    افتراضي رد: دراسة علم السّيرة النبويّة

    السّيرة: دروس وعبر (7) مولد الحبيب صلّى الله عليه وسلّم
    عبد الحليم توميات

    ونتكلّم حول أمور أربعة:
    تحقيق عام مولده - بيان نسبه صلّى الله عليه وسلّم - تحقيق شهر ويوم مولده - ثمّ بيان ما صحّ من حوادث زمن مولده.
    فمولد محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم حدث ما زال يهزّ الدّنيا، فهو بُشرى للقلوب، وفرحة للأرواح، وبداية لإنقاذ البشريّة من رمضاء التّيه والضّلال المهلكة، وتحويل النّاس إلى النّبع الصّافي والمورد الكافي ..{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) } [المائدة].{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء:107]..

    * عام ولادته صلّى الله عليه وسلّم.
    أمّا عام ولادته صلّى الله عليه وسلّم: فقد ولد عام الفيل، وقد سبق أن ذكرنا أنّ حادثة الفيل حدثت قبيل ولادته صلّى الله عليه وسلّم بأيّام، أو بشهر، أو شهرين، وهذا ما ذهب إليه أئمّة الإسلام.
    قال ابن إسحاق:" وكان مولده صلّى الله عليه وسلّم عام الفيل، وهذا هو المشهور عن الجمهور، قال إبراهيم بن المنذر الحزامي: وهو الذي لا يشكّ فيه أحد من علمائنا أنّه صلّى الله عليه وسلّم وُلِد عام الفيل، وبُعِث على رأس أربعين سنة من الفيل "اهـ.
    وليس معتمدهم في ذلك ما رواه التّرمذي وأحمد عن قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: وُلِدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم عَامَ الْفِيلِ.
    فإنّه ضعيف، ولكنّ العمدة في ذلك أمران اثنان:
    1- الأوّل: ما رواه البيهقي بسند حسن عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: وُلِدَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الفيل.
    2-الثّاني: بتتبّع أحداث التّاريخ، فقد قال ابن إسحاق وهو يسرد علينا حادثة حرب الفجّار: وكان رسول الله عام عكاظ [يقصد حاثة حرب الفجّار] ابن عشرين سنة.
    وقد قال هو وغيره: إنّ الفجّار كانت بعد الفيل بعشرين سنة. فدلّ ذلك على أنّه ولِد عام الفيل.
    * نسبه صلّى الله عليه وسلّم والحكمة منه.
    سبق أن ذكرنا نسب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من جهة أبيه، وأنّه ينتمي إلى أشرف الأنساب، وأعرق الأحساب.
    أمّا أمّه فهي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة.
    فنسبه من جهة أبيه وأمّه يرجع إلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السّلام، فهو في أعلى درجات الأصالة والشّرف كما مرّ في حديث مسلم: (( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ))..
    وفي هذا حِكَمٌ بالغة منها:
    أ*) أنّ ذلك من عوامل نجاح الدّعوة في أوّل أمرها، إذ يصعب على الكفّار قتله، لما كان من انتشار للعصبيّة القبليّة يومئذ، ولا يخفى على أحدٍ عناية أبي طالب له، ولم يجرؤ أحد على المساس به من أجل ذلك.
    ب*) كما أنّ في شرف هذا النّسب ردّا على ما يمكن أن يزعمه مكابر أو مجادل بأنّ دعوته جاءت ردّ فعل لإصلاح واقع اجتماعيّ، كما هو الشّأن في الدّعوات المادّية، فلو كان وضيعا لقالوا إنّما جاء بما جاء تمرّدا على واقعه.
    ت*) وكان معروفا لدى أهل الكتاب أنّ النبيّ لا بدّ أن يكون شريف النّسب، كما قال هرقل لأبي سفيان:" سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا " [رواه البخاري].
    وغير ذلك من الحكم.
    ففي عام الفيل وذلك الحدث الجليل، كانت آمنة تحمل في بطنها أشرف الخلق وأكرمهم على الله تعالى وهي لا تدري من ذلك شيئا ..
    ولكنّها ما حملت به حتّى تُوُفّي والده عبد الله .. ولم يُقدّر لهذا المولود أن يرى والده الذي أرسله عبد المطّلب في مَهمّة إلى المدينة.
    وليس ذلك من قبيل المصادفة .. وخاصّة أنّه سيفقد أمّه وجدّه أيضا بعد أعوام ..
    لقد اختار الله هذه النّشأة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لحكم باهرة، ولعلّ أعظمها أمران:
    1- تربية التوكّل على الله في قلبه، وأنّ عناية الله فوق كلّ عناية.
    2- ألاّ يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الرّيبة في القلوب، وإيهام النّاس أنّه مسيّر من أبيه، وخاصّة جدّه الذي كان سيّدا في قريش، فقد كانت فيه الرِّفادة والسّقاية[1]، بل المتأمّل ليُدرك أنّ عمّه الذي عاش معه وحماه لم يتّبع دعوته، فلا سبيل لأن يُقال إنّ له يدا في ذلك.
    ثمّ بعد موت والده، جاءت ولادته صلّى الله عليه وسلّم.
    * تحقيق شهر ويوم مولده صلّى الله عليه وسلّم.
    - اتّفق علماء الإسلام على أنّه صلّى الله عليه وسلّم ولد يوم الإثنين؛ لما رواه مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ؟ قَالَ: (( ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ )).
    - أمّا الشّهر فالجمهور على أنّ ذلك كان في ربيع الأوّل، وخالف الجمهور الزّبير بنُ بكَّار، حيث زعم أنّ ذلك كان في رمضان، بناء على أنّ أوّل نزول الوحي كان في رمضان بلا خلاف، وكان ذلك على رأس أربعين سنة من عمره، فيكون مولده في رمضان.
    لكنّ الصّواب ما ذهب إليه الجمهور، فقد جاء في ذلك آثار تدلّ بمجموعها على ذلك. [انظر " السّيرة النّبويّة " لابن كثير (1/199)].
    - أمّا تحديد اليوم، ففيه أقوال كثيرة:
    1- فقيل: ولد في اليوم الثّاني من ربيع الأوّل، وهو قول ابن عبد البرّ.
    2- وقيل: ولد في الثّامن من ربيع الأوّل، وهو قول ابن حزم في " جوامع السّيرة " له (ص 7).
    واستدلّ رحمه الله على ذلك برواية مالك عن محمّد بن جبير بن مطعم، وهي صحيحة.
    بل نقل ابن عبد البر في " الاستيعاب " تصحيح أهل الزَّيج[2] له، وهو الّذي قطع به عند الحافظ الكبير محمّد بن موسى الخوارزمي، ورجّحه الحافظ أبو الخطّاب ابن دحية.
    3- وقيل: ولد في العاشر من ربيع الأوّل، وهو قول الشّعبي، وأبي جعفر محمّد الباقر.
    4- وقيل: ولد في الثّاني عشر من ربيع الأوّل، نصّ عليه ابن إسحاق، وفيه رواية ابن أبي شيبة عن ابن عبّاس وجابر، وهو المشهور عند الجمهور.
    5- وقيل: ولد في السّابع عشر من ربيع الأوّل.
    هذه خلاصة الأقوال التي ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (2/242-243).
    وليس المقصود التحقّق في يوم مولده صلّى الله عليه وسلّم، وإنّما الإشارة إلى أنّ العلماء لم يتّفقوا على أنّ مولده كان في اليوم الثّاني عشر من ربيع الأوّل.
    إلاّ أنّ القول بأنّه صلّى الله عليه وسلّم ولِد في اليوم الثّامن من ربيع الأوّل أقوى وأرجح لعدَّة أمور:
    - أنّه هذا هو ما نقله الإمام مالك، وعقيل، ويونس بن يزيد -وهم من هم - عن الزّهري، عن محمد بن جبير بن مطعم.
    - أنّ هذا القول رجَّحه جمع من أهل العلم المحقّقون منهم: ابن حزم، والحافظ محمّد بن موسى الخوارزمي، والحافظ ابن دحية في كتابه " التنوير في مولد البشير "، وهو أوّل كتاب صُنِّف في " استحباب المولد ".
    * بيان ما صحّ من حوادث زمن ولادته.
    فإنّنا نجزم أنّ مولد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان ولا يزال أعظم حدث غيّر الله به البشريّة جمعاء، ولكنّ ذلك لا يعني أبدا أن تتتشقّق هذه المحبّة في القلوب عن أساطير ما لها من زمام ولا خطام !.
    فإنّ ولادته صلّى الله عليه وسلّم قد أحاطها الوضّاعون - وتبعهم العامّة - بجملة من الأكاذيب والخرافات، ولقد أعمى الحبُّ كثيرا من النّاس، فصاروا يسقون حدث ولادته بأمطار ممّا لا يصحّ من أخبار، فنشأت حول هذا الحدث العظيم كثير من الأساطير.
    من جملة هذه الأكاذيب:
    - دنوّ النّجوم من الأرض.
    - وأنّه كان هناك لوح من ذهب كتبت عليه الأشعار يوم ولادته عند رأس أمّه.
    - ومنها أنّ إيوان كسرى قد ارتجّ، وأنّ ناره التي يعبدون انطفأت لأوّل مرّة.
    - وأنّه لم تشعر أمّه بألم ولادته.
    - وأنّه ولد مختونا، وغير ذلك.
    فلم يصحّ شيء من ذلك إلاّ ما جاء موزونا بميزان أهل الحديث، ومصحوبا بأحكام عباقرة السنّة، وذلك:
    ما رواه الإمام أحمد والدّارمي عن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ ؟ قَالَ: (( دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهَا قُصُورُ الشَّامِ ))[3]. كناية عن انتشار دينه وملّته صلّى الله عليه وسلّم.

    والله أعلم وأعزّ وأكرم.


    [1]- الرّفادة شيء كانت قريش تترافد به في الجاهليّة، فيجمعون المال الوفير لشراء الطّعام في موسم الحجّ، والسّقاية هي الاعتناء بسقيهم.
    [2]- أهل الزّيج: يعني أصحاب الفلك، ووقع في بعض طبعات البداية والنهاية: (أصحاب التاريخ) وهو خطأ، انظر الطبعة التي بتحقيق التركي (3/373)].
    [3]- وهذا قد ذكره إبراهيم العليّ في "صحيح السّيرة النبويّة".
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •