شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 16 من 16

الموضوع: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الطهارة [1]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    إن المسلم مطالب أن يتطهر ويستعمل الماء في الوضوء والغسل, والطهارة لابد لها من فقه وعلم, ليميز المسلم بين أنواع المياه, وليعرف الماء الذي يصلح للطهارة من غيره.
    فضل طلب العلم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:فإن من علامة الخير للإنسان أن يتفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يتزود من ميراث النبوة؛ فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، وثبت أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ). ولا شك أن من تعلم القرآن أن يتفقه في أحكام دينه مما جاء به كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من الحلال والحرام.والعلم جاءت الأدلة والآثار على فضله وعلو منزلته, وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى مفاضلة بين طالب المال وطالب العلم، فذكر رحمه الله تفضيل طالب العلم على طالب المال بما يقرب من سبعين وجهاً؛ لأن المستقرئ لحال كثير من الناس اليوم يجد أنه فرق بين إنسان يطلب المال, ويكد بدنه، ويمضي عمره في ذلك، وبين إنسان يطلب العلم، ويكد بدنه, ويمضي حياته ويقضيها في ذلك, فذكر ابن القيم رحمه الله ما يقرب من سبعين وجهاً في تفضيل طالب العلم على طالب المال, وأشير إلى شيء من هذه الأوجه التي ذكرها رحمه الله, فمما ذكر أن طالب العلم يدعو الناس إلى الآخرة في طلبه، وأما طالب المال فإنه يدعو الناس إلى الدنيا بطلبه. وذكر أيضاً أن العلم هو ميراث الأنبياء؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ( وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ), وأما بالنسبة للدنيا فإنها ميراث الملوك، وفرق بين الميراثين، فرق بين أن ينهل الإنسان ويتزود من ميراث محمد صلى الله عليه وسلم, وبين أن يأخذ من ميراث بقية البشر من الملوك والحكام وغيرهم. وذكر من الأوجه أن العلم يحفظ صاحبه، فالعلم إذا كنت متزوداً به فإنه يحفظك من أمراض الشبهات وأمراض الشهوات، بخلاف المال, فإن الإنسان محتاج إلى أن يحفظ ماله، المال محتاج إلى أن تحفظه في الصناديق, ووراء الأقفال, وبالودائع ونحو ذلك. وأيضاً ذكر من الأوجه أن العلم يتبع صاحبه حتى بعد الموت، حتى بعد الموت يتبعك علمك إذ إنه من عملك؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث )، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان، يرجع أهله وماله, ويبقى عمله ), فالعلم يتبعك حتى بعد موتك، وأما بالنسبة للاثنين, فإنهما لا يتبعانك بعد موتك، بل إن العلماء رحمهم الله يذكرون في باب الهبة والعطية أن الإنسان إذا مرض مرض الموت لا يملك من ماله إلا الثلث فقط، وهذا من صدقة الله عليه، وهو حي لا يملك أن يتبرع, لا يملك أن يهب، لا يملك أن يتصدق، لا يملك أن يوقف، لا يملك أن يوصي إلا بالثلث فقط, إذا مرض مرض الموت، وأما الثلثان فإنهما يكونان للورثة, ففرق بين الطالبين.فمن نعمة الله عز وجل ومن توفيقه أن يهيئ العبد للتصدي لطلب العلم والتفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    وصايا لطالب العلم

    في بدء الدروس هناك بعض الوصايا لا بد أن يأخذ بها طالب العلم الجاد الذي يلم بشيء من فنون العلم، فمن هذه الوصايا التي أوصيه بها:
    الإخلاص

    أولاً: عليه بالإخلاص؛ أن يخلص عمله لله عز وجل، فإن العلم من أفضل العبادات وأجل القربات؛ ولهذا ذكر أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن تعلم العلم وتعليمه أفضل العبادات البدنية؛ لما اختلف العلماء رحمهم الله في أي العبادات البدنية أفضل؟ قال الشافعي: أفضلها الصلاة, وقال الإمام أحمد رحمه الله: أفضلها الجهاد في سبيل الله, وقال أبو حنيفة رحمه الله: أفضلها العلم تعلمه وتعليمه.ولا شك أن تعلم العلم وتعليمه من الجهاد في سبيل الله؛ ولهذا في الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ) .والله عز وجل يقول: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]. فالله عز وجل جعل المؤمنين طائفتين؛ طائفة تنفر للجهاد في سبيل الله، وطائفة تجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم تأخذ عنه سنته، فإذا رجعت الطائفة المجاهدة علمتهم الطائفة القاعدة. والنبي عليه الصلاة والسلام جاهد الناس بجهادين:الجهاد الأول: جهاد العلم والبيان؛ وهذا في المرحلة المكية، فمدة ثلاث عشرة سنة كان النبي صلى الله عليه وسلم يجاهد الناس بغرس التوحيد ونبذ الشرك وشوائبه.ثم بعد ذلك في المرحلة المدنية جاهد الناس بجهاد السيف والسنان، فعلينا أيها الأحبة أن نخلص في العلم لله عز وجل سواء كان علماً أو غيره؛ قال الإمام أحمد : العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، قيل: وكيف تصح النية؟ قال: إذا أراد أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره. فإذا أراد بتعلمه أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره, وأن يعبد الله على بصيرة, وأن يدعو الناس إلى هذا العلم الذي تعلمه، فإن هذا لا يعدله شيء؛ كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وإن هذا هو عمل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فالذي يقوم بتعلم العلم وتعليمه للناس يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومقام نوح وموسى وعيسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام، فإنهم يتعلمون من ربهم ثم بعد ذلك يعلمون الناس، ويوجهون الناس ويرشدونهم. فعلينا دائماً وأبداً أن نعلق قلوبنا بالله عز وجل محبة ورغبة ورهبة ورجاءً وتوكلاً واستعانة، وألا يلتفت قلب الإنسان إلى المخلوقين, أو إلى الدنيا, أو حظوظها الفانية. والله عز وجل في الحديث القدسي كما في حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين يقول: ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ). وذكر سفيان رحمه الله قال: كانوا يتعلمون النية كما يتعلمون العلم.وقال بعض السلف: رب عمل صغير كبرته النية، ورب عمل كبير صغرته النية, فقد يبذل الإنسان جهده ويعمل ويكثر من العمل .. إلخ لكن يصغره نيته، تكون نيته مشوبة بشوائب الشرك، مشوبة بالرياء، مشوبة بالسمعة، مشوبة بالتفاف القلب إلى المخلوقين .. إلخ.فعلى المسلم دائماً وأبداً أن يعلق قلبه بالله عز وجل وألا ينظر إلى الدنيا وحظوظها الفانية, وإنما يريد وجه الله عز وجل, والاستزادة من هذا العلم وتبصير الناس ودعوتهم .. إلخ.والآثار عن السلف في الإخلاص كثيرة جداً؛ فمن ذلك ما ذكر محمد بن واسع رحمه الله قال: كان الرجل يقوم في الصف فتسيل دموعه على لحيته لا يشعر به من بجنبه، وكان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة تسيل دموعه على خده لا تشعر به امرأته. وقال أبو التياح رحمه الله: كان الرجل يقرأ عشرين سنة لا يعلم به جيرانه. وقال محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى: الإجابة والإخلاص مقرونان لا فرقة بينهما، يعني: أن إجابة الدعاء يكون مع الإخلاص، فكلما كان الإنسان أخلص في عمله كانت استجابة الله عز وجل له أكثر.
    العمل بالعلم

    أما الوصية الثانية: فعلى الإنسان أن يعمل بما علم؛ وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً هدي صحابته رضي الله تعالى عنهم.ثبت في صحيح مسلم من حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من صلى لله في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة بني له بهن بيتاً في الجنة ). قالت أم حبيبة رضي الله تعالى عنها: فما تركتهن منذ سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم. قال عنبسة الراوي عن أم حبيبة : فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة . قال النعمان بن سالم الراوي عن عنبسة : ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة . قال عمرو بن أوس الراوي عن النعمان بن سالم : ما تركتهن منذ سمعتهن من النعمان بن سالم . عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كما في صحيح البخاري : ( رأى رؤيا, رأى في منامه النار.. إلخ, فقص على حفصة ، فقصتها حفصة رضي الله تعالى عنها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل ), قال سالم بن عبد الله : فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً. و معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: ( يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار ) - قال: عن عمل، دلني على عمل فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام ودعائمه ( تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتصلي الصلوات، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان, وتحج البيت )، ثم دله على أبواب الخير، ثم قال له: ( ألا أدلك على رأس الأمر, وعموده, وذروة سنامه )، ثم دله على ملاك ذلك كله، لأنه رضي الله تعالى عنه أراد العمل، لم يرد إلا العمل. وكان النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما: ( كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه )، كل ذلك استجابة لقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2].وكان مسروق رحمه الله يقوم الليل حتى انتفخت ساقاه، وكانت امرأته تقف من ورائه وتبكى وتقول: إنما أبكي رحمة له. فعلينا أيها الأحبة! إذا علمنا شيئاً أن نسارع إلى العمل به وامتثاله؛ هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة. قال بعض السلف: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل, وأغلق عنه باب الشر.فكلما رأيت الإنسان أكثر تطبيقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم, وأكثر مبادرة إلى العلم والعمل فاعلم أن ذلك من علامة الخير به.
    الدعوة

    الوصية الثالثة: على الإنسان أن يدعو إلى ما تعلم، وهذا داخل فيما سبق، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبايع الناس على ذلك. يقول جرير بن عبد الله كما ثبت في الصحيحين: ( بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وعلى إيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. ) .والله عز وجل يقول: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]. فسبيل النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه وهديه, وطريقة من اتبعه, وهدي من اتبعه هي الدعوة إلى الله عز وجل.
    الصبر والمصابرة

    الوصية الرابعة: الإنسان عليه أن يصبر وأن يصابر؛ فالعلم لا بد له من مصابرة، ولا بد له مجاهدة، ولن يؤتيك بعضه حتى تؤتيه كلك.ومن يقرأ في حال السلف رحمهم الله وفي تراجمهم وكتب الطبقات وسير العلماء وأخبار الرجال يجد العجب العجاب من مصابرة العلماء رحمهم الله للعلم, فلا بد للإنسان أن يصابر.من أئمة العلماء ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يجمع سنة النبي عليه الصلاة والسلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكان يأتي إلى بيت الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن يعلم أن عنده شيئاً من سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيضع رداءه ويتوسده، فتأتي الريح وتسفي عليه التراب حتى يخرج ذاك الصحابي، ثم بعد ذلك يأخذ منه تلك السنة التي حفظها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وكان أيضاً مالك يفعل نحواً من ذلك مع شيخه نافع مولى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما .. إلخ.وأخبارهم كثيرة جداً.
    الحفظ
    كذلك أيضاً مما أوصي به عليك بالحفظ، على الطالب أن يمرن نفسه وأن يربي نفسه على الحفظ، وإذا قرأت شيئاً في تراجم العلماء رحمهم الله تجد أنهم يذكرون في تراجمهم أنه حفظ القرآن وله عشر سنوات إلى آخره، فتجد في ترجمة ابن قدامة رحمه الله صاحب كتاب العمدة أنه حفظ القرآن وله عشر سنوات، ثم بعد ذلك شرع في حفظ بقية المتون كمختصر الخرقي وغيره من متون الحديث والعقيدة والأصول وغير ذلك. فلا بد للإنسان أن يحفظ، فالعلماء رحمهم الله جعلوا لكل فن شيئاً من المتون، فالحديث له شيء من المتون، والفقه والعقيدة وأصول الفقه, وكذلك أيضاً مصطلح الحديث وغير ذلك، وأساس العلوم وأمها ومصدرها هو كتاب الله عز وجل. فلا بد للطالب أن يربي نفسه على الحفظ، أن يربيها على حفظ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وشيء من هذه المتون التي كتبها العلماء رحمهم الله، فإن هذا المتون تعتبر زبدة لهذه الفنون التي يدرسها الطلاب. لكل فن من هذه الفنون هذه المختصرات التي هي تعتبر خلاصة وزبدة لذلك الفن؛ فلا بد للإنسان أن يجمع ذلك في قلبه, وأن يلم به؛ لكي يترقى في العلم. والرحبي رحمه الله يقول:فاحفظ فكل حافظ إماموكما أسلفت: إذا قرأت في كتب الرجال وسيرهم وتراجم العلماء تجد أنهم يذكرون عنهم كيف كانوا يحفظون سنة النبي صلى الله عليه وسلم, ويحفظون أيضاً غير ذلك من فنون العلم.
    حفظ الوقت

    كذلك مما أوصي به أيضاً: حفظ الوقت؛ لا بد لطالب العلم أن يحفظ وقته، وأن يكون شحيحاً بوقته، فإن الوقت هو الحياة، وليس لك من حياتك ليس لك من عمرك إلا ما مضيته في طاعة الله عز وجل. فلا بد للطالب أن يحفظ بقاء وقته، وأن يتخلص من كثير من فضول الخلطة، ومن فضول النوم، ومن فضول اللهو .. إلخ, لا مانع أن الإنسان يجم قلبه بأشياء يستعين بها على طلب العلم وعلى طاعة الله عز وجل. لكن أن يكون الإنسان مبعثراً غير منتظم، كثير الخلطة، وكثير النوم، وكثير الذهاب والإياب والتنزهات.. إلخ, هذا يضيع عليه الوقت، ولا يستدرك شيئاً، ولا يتمكن الإنسان من الأخذ من ميراث النبوة والتزود بنور العلم إلا إذا كان حافظاً لوقته. ولو قرأت أيضاً في كتب الرجال وسير العلماء وكيف كانوا حافظين لأوقاتهم لوجدت العجب العجاب. ابن الجوزي رحمه الله كان من أشد الناس حفظاً لوقته، وكان عامة الناس يغشونه في بيته فلا يستطيع أن يردهم، يعني: يأتونه لزيارته والجلوس معه وسؤاله فلا يستطيع أن يردهم, فكان يعمد رحمه الله إذا جاءه العامة أن يشغلهم ببري الأقلام، فإذا خرجوا استفاد من هذه الأقلام التي قاموا ببريها في الكتابة والتأليف.. إلخ. وكان ابن عقيل رحمه الله يقول: لا يحل لي أن أضيع شيئاً من وقتي، فكان يمضي وقته إما في القراءة والكتابة أو في الذكر والاستغفار.
    المنهجية في طلب العلم

    كذلك مما أوصي به: أن يكون الطالب منظماً لا يكون مبعثراً، فإذا كان مبعثراً فإنه لا يستفيد، لا بد أن يكون منظماً، بمعنى أن يكون له أصول وقواعد يسير عليها، في كل فن من فنون العلم يكون له متن يسير عليه، وهذا المتن كما أسلفت يقوم بحفظه, وأيضاً بتعلم مسائله, ويعرف راجحه ومرجوحه, ودليل ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.فهذه لا بد لطالب العلم منها، يعني: من حيث المنهج لا بد للطالب أن يسير على هذه القواعد والأصول التي كتبها العلماء من قبله، فإنه إذا لم يكن سائراً على شيء من ذلك، فإنه يكون مبعثراً، ويكون غير منتظم، تجد أنه تارة يقرأ في هذا الباب، وتارة في الباب الآخر، وتارة يقرأ في هذا الكتاب، وتارة يقرأ في هذه الفتوى .. إلخ, لا يكون منظماً.وإذا نظرت إلى هدي العلماء السابقين نجد أنهم يسيرون على هذه المتون، فعندنا عمل وعندنا منهج، العمل الإنسان يعمل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما المنهج والتربية والتعلم فإنه يكون على قواعد وأصول حتى يسير الإنسان إلى مبتغاه ومراده.
    تقييد العلم بالكتابة

    كذلك أيضاً مما أوصي به: أن يقيد الفوائد, أن يعتني بالكتابة وتقييد العلم، وأن لا يعتمد على الحفظ؛ لأن الإنسان إذا كان معتمداً على حفظه فحسب فإن الحفظ وخصوصاً في وقتنا هذا سرعان ما يخونه. لا بد للإنسان أن يعتمد الكتابة وأن يقيد، يكون له متن يقيد في حواشيه أو يجعل فيه أوراقاً يقيد في هذه الأوراق ما يسمعه وما يقرؤه وما يتعلمه لكي يكون هذا المتن مرجعاً له، ويعتمد عليه في الاستذكار والتعليم . إلخ.كذلك أيضاً: على الطالب أن يكون له ثلة تعنى بالعلم، فإن الإنسان إذا كان له ثلة تعنى بالعلم وأصحاب يعينونه على ذلك فإن هذا أيضاً من أهم الوسائل في طلب العلم. من أهم الوسائل في طلب العلم أن يكون للإنسان أصحاب وزملاء يعنون بالعلم. والإنسان على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، والطيور على أشكالها تقع. فإذا كان الإنسان مزاملاً لأهل العلم تشبه بهم وأخذ منهم وأعانوه وصار منهم، وإذا كان مزاملاً لأهل التجارة ونحو ذلك صار متأثراً بهم، وعلى هذا فقس. فعلى الإنسان أن يكون له أصحاب يعنون بالعلم، يستذكر معهم ويتحفظ معهم شيئاً من المحفوظات أو شيئاً مما قرءوا.. إلخ.فأسأل الله عز وجل أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح, وأن يجعلنا هداة مهتدين, وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبساً علينا.اللهم صل على محمد.
    ترجمة مؤلف عمدة الفقه

    الطريقة التي سنسير عليها بإذن الله أن نقرأ عبارة المؤلف رحمه الله, ونبين إن احتاجت إلى تحليل، ونذكر ما يستحضر من دليله والقول الراجح. يعني: نختصر بقدر الإمكان بحيث نتمكن أن نأخذ أكبر قدر خلال الدرس بإذن الله.هذا الكتاب كتاب (عمدة الفقه) مؤلفه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي ، وجماعيل بلدة في بلاد فلسطين، ولد رحمه الله في شهر شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة للهجرة، وتوفي رحمه الله سنة عشرين وستمائة للهجرة.ولد في بلدة جماعيل في فلسطين قريبة من مدينة نابلس، بعد أن ولد وكبر شرع في قراءة القرآن وحفظه، فحفظ القرآن الكريم وله عشر سنوات، ثم بعد ذلك شرع في حفظ بقية المتون، فحفظ مختصر الخرقي في الفقه وغيره من المتون، ثم بعد ذلك قدم به أهله إلى دمشق، فقرأ على علمائها وأخذ عنهم، ثم بعد ذلك رحل في طلب العلم كما هي عادة العلماء في ذلك الزمن وفي كل زمن, أنهم يرحلون في طلب العلم.فرحل رحمه الله إلى بغداد وطلب العلم وأخذ الحديث والفقه من علمائها، ثم بعد ذلك رجع إلى دمشق، وتصدر رحمه الله في جامع دمشق للتعليم والإفتاء.وكان رحمه الله متبحراً في الفقه والفرائض وأصول الفقه، وكذلك أيضاً العقيدة وغير ذلك، ويدل على تبحره كثرة مؤلفاته، كما سنذكر إن شاء الله شيئاً من مؤلفاته.تزوج ابنة عمه مريم ، وأنجب منها ثلاثة من الذكور، كلهم ماتوا في حياته, وأنجب منها بنتين، يعني: أنجب منها خمسة أولاد, ثلاثة من الذكور كلهم ماتوا في حياته, وأنجب منها أيضاً بنتين. وقد ذكروا من صفاته الخلقية أنه كان طويل القامة, صغير الرأس, طويل اللحية, أبيض البشرة, مقرون الحاجبين، وكان ذكياً ورعاً رحمه الله، وكان كثير العبادة والصلاة. له مؤلفات كثيرة، أي أنه كتب كثيراً من المؤلفات, ومن أعظم مؤلفاته: المغني شرح مختصر الخرقي ، هذا مؤلف كبير في الفقه، جمع فيه رحمه الله خلاف الأئمة وخلاف السلف مع ذكر أدلتهم وآثار الصحابة في هذه المسألة, وذكر أيضاً كثيراً من التفريعات التي لا تكاد توجد إلا في هذا الكتاب. وأيضاً من مؤلفاته في الفقه: هذا الكتاب كتاب العمدة, وقد ألفه للمبتدئين، وألف أيضاً كتاب المقنع ألفه للمتوسطين، ثم بعد ذلك أيضاً ألف كتاب الكافي، وجعله على روايتين، واستدل لكل رواية، والكافي جعله لما فوق المتوسطين. وكذلك أيضاً له مختصر الهداية لـأبي الخطاب .وأيضاً من مؤلفاته في الأصول: روضة الناظر، وأيضاً من مؤلفاته في العقيدة: لمعة الاعتقاد وهي مطبوعة الآن. وكذلك أيضاً من مؤلفاته كتاب التوابين, وله كتاب فضائل الصحابة، وله أيضاً التبيين في بيان نسب القرشيين، وله الاستبصار في بيان نسب الأنصار، وله مؤلف في الفرائض, وله مؤلف في القدر، له مؤلفات كثيرة رحمه الله.وتوفي كما أسلفنا سنة عشرين وستمائة للهجرة يوم السبت, ودفن بدمشق رحمه الله تعالى.
    مميزات كتاب عمدة الفقه وأهم شروحه

    وهذا الكتاب العمدة وقع الاختيار عليه؛ لأنه تميز بميز:الميزة الأولى: سهولة العبارة. والميزة الثانية: أن مؤلفه جعله على قول واحد فقط.والميزة الثالثة: أن مؤلفه ضمنه كثيراً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتينا إن شاء الله.فهذه ثلاث ميز.أيضاً ميزة رابعة: أن مؤلفه جرده من كثير من التفريعات، قد يكون هناك تفريعات لا دليل عليها مؤلفه جرده من ذلك, فتميز بهذه الميز. الميزة الأولى: سهولة العبارة. والميزة الثانية: أنه جعله على قول واحد. والميزة الثالثة: أن مؤلفه رحمه الله ضمنه كثيراً من الأدلة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. والميزة الرابعة أيضاً: أنه جرده من كثير من التفريعات.وله شروح؛ من شروحه: شرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، شرع في شرحه، وشرح في جزء من العبادات، شرحه شرحاً نفيساً، تجد في هذا الشرح الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من الاستنباطات والأدلة ورواية الإمام أحمد رحمه الله ما لا تكاد تجده في غيره. وقد طبع من كتاب العمدة لشيخ الإسلام كتاب الطهارة، وطبع أيضاً جزءاً من كتاب الصلاة، وطبع من كتاب الصيام، وطبع من كتاب المناسك, فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله شرح من هذا الكتاب العبادات فقط. أيضاً من شروحه المطبوعة المتداولة الآن: العدة لـبهاء الدين المقدسي .وهناك شروح أخرى، لكن هذه أهم الشروح وأشهرها.
    الطهارة

    تعريف الطهارة

    قال المؤلف رحمه الله: [كتاب الطهارة].
    الطهارة في اللغة:
    النظافة والنزاهة عن الأقذار.
    وأما في الاصطلاح:
    فالطهارة تنقسم إلى قسمين:
    القسم الأول: طهارة معنوية.
    والقسم الثاني: طهارة حسية.
    أما الطهارة المعنوية:
    فهي تطهير القلب من الشرك وأدرانه وشوائبه، وسوء الأخلاق، وتحليته بالتوحيد والعقيدة الصحيحة ومحاسن الأخلاق, وهذه الطهارة المعنوية لا يبحثها العلماء رحمهم الله، وإنما يبحثون القسم الثاني وهي الطهارة الحسية.والطهارة الحسية: يقسمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين: القسم الأول: ما يتعلق برفع الحدث.
    والقسم الثاني:
    ما يتعلق بزوال الخبث.وعلى هذا نقول: تعريف الطهارة في الاصطلاح: هي رفع الحدث وما في معناه وزوال الخبث. نقول: رفع الحدث، وهذا قول العلماء رحمهم الله يشمل: الحدث الأصغر والحدث الأكبر.والحدث: وصف يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.والمراد بالخبث النجاسة: وهي كل عين مستقذرة شرعاً. فالطهارة رفع الحدث يعني: رفع هذا الوصف القائم الذي يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، وكذلك أيضاً زوال الخبث إزالة النجاسة -هذا القذر- شرعاً.

    ورفع الحدث وما في معناه: هناك أشياء تسمى طهارة لكن ليست عن حدث، هي في معنى رفع الحدث, وهذا يمثل له العلماء رحمهم الله: غسل القائم من نوم الليل يديه ثلاث مرات، هذا الغسل يسمى طهارة، ومع ذلك هو ليس عن حدث, كذلك أيضاً غسل الجمعة؛ يغتسل الإنسان سواء قلنا: غسله مستحب, أو قلنا بوجوبه، وهذا الغسل يسمى طهارة, وهو مع ذلك ليس عن حدث, كذلك أيضاً غسل العيدين؛ يستحب للإنسان أن يغتسل من العيدين, ومع ذلك هذا ليس عن حدث ويسمى طهارة.
    سبب البدء بكتاب الطهارة في كتب الفقه

    وابتدأ المؤلف رحمه الله بالطهارة لأن أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين بعد التوحيد الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور، لحديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ) ، وهذا حديث إسناده حسن، وفي حديث ابن عمر : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ). وثالثاً: أن التخلية قبل التحلية؛ فالإنسان يتخلى من الحدث قبل أن يتحلى بالوقوف أمام الله عز وجل.فنقول: ابتدأ المؤلف رحمه الله أحكام الطهارة: لأن الطهارة هي مفتاح الصلاة. وثانياً: أن الله عز وجل لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. وثالثاً: أن التخلية قبل التحلية. والعلماء رحمهم الله يبدءون بأحكام العبادات، ثم بعد ذلك بأحكام المعاملات، ثم بعد ذلك بأحكام التبرعات، ثم بعد ذلك بأحكام الأنكحة، ثم بعد ذلك بأحكام الحدود والقصاص .. إلخ. فيبدءون بأحكام العبادات, ويبدءون من أحكام العبادات بالصلاة تبعاً لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في ترتيب أحكام الإسلام: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وحج البيت ) ؛ ولأن الصلاة هي آكد أركان الإسلام، وما أجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على شيء تركه كفر إلا الصلاة، ثم بعد الصلاة الزكاة لأنها قرينتها، الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله بما يقرب من ثلاثة وسبعين موضعاً في كتاب الله عز وجل, ثم الصيام لأنه حولي، ثم الحج لأنه عمري.
    الأصل في المياه الطهارة

    قال المؤلف رحمه الله: [خلق الماء طهوراً].بدأ المؤلف رحمه الله أحكام المياه بهذه القاعدة: أن الأصل في المياه الطهارة، وعلى هذا إذا شككت في طهارة ماء أو نجاسته، أو أن هذا الماء يرفع الحدث أو لا يرفع الحدث، فنقول: الأصل أن الماء طهور يرفع الحدث ويزيل الخبث.ويدل لهذا الأصل قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48], أيضاً قول الله عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11].فنقول: الأصل في المياه الطهارة، وعلى هذا إذا شك إنسان في نجاسة ماء أو طهارته, أو هذا الماء رافع أو ليس رافعاً، فنقول: عندنا أصل؛ وهو أن الأصل في الماء هو الطهارة.
    حكم رفع الحدث وإزالة النجس بغير الماء

    قال المؤلف رحمه الله: [يطهر من الأحداث والنجاسات، فلا تحصل الطهارة بمائع غيره].أفاد المؤلف رحمه الله أن الماء يطهر من الأحداث؛ وهذا قول جمهور أهل العلم أن الحدث سواء كان حدثاً أصغر أو كان حدثاً أكبر لا يرتفع إلا بالماء، خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله تعالى.ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، فقال الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [النساء:43] دل على أن الذي يرفع الحدث هو الماء، ما وجدنا الماء لم يحل الله عز وجل على مائع آخر غير الماء، وإنما أحال على التراب، أحال على الصعيد الطيب، سواء كان تراباً أو غيره كما سيأتينا إن شاء الله في التيمم, عندنا ماء لم نجد الماء ننتقل إلى الصعيد الطيب لا ننتقل إلى مائع غيره، خلافاً لما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى.فالصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, وأنه يشترط في رفع الأحداث سواء كان أصغر أو أكبر هو الماء, وأنه لا يرتفع بمائع غير الماء.قال: (فلا تحصل الطهارة بمائع غيره) هذا بالنسبة لرفع الحدث مسلم، أما بالنسبة لزوال الخبث فهل يشترط الماء لإزالة الخبث، لإزالة النجاسة؟يعني: لو أن الإنسان أصاب ثوبه بول، أو أصابه شيء من الغائط, أو أصابه دم مسفوح أو مذي أو نحو ذلك من النجاسات، هل نشترط الماء لإزالة الخبث؟نقول: هذا يشترط الماء لإزالة الخبث, واستدلوا على ذلك بأدلة؛ من أدلتهم حديث أنس كما في الصحيح: ( لما بال الإعرابي في طائفة من المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوه حتى يقضي بوله، فلما قضى بوله دعا النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فصبه على بوله ) . لو كان غير الماء يزيل الخبث كالشمس وكالريح .. إلخ لتركه النبي عليه الصلاة والسلام حتى تأتيه الشمس أو يأتيه الريح ويزيل هذا البول وأثره. وكذلك أيضاً استدلوا على ذلك بحديث أسماء في الصحيحين: ( في دم الحيض يصيب الثوب، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن تحته ثم تقرصه ثم تنضحه بالماء ) ، فكون النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بنضحه بالماء يدل على أنه لا بد لإزالة الخبث من الماء.الرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم أنه لا يشترط الماء، يعني في إزالة الخبث لا نشترط الماء؛ لأن الخبث عين مستقذرة شرعاً، النجاسة عين مستقذرة شرعاً فإذا زالت زال ما ترتب عليها من حكم، إذ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا زال هذا الخبث بأي مزيل فإنه يكفي. واستدلوا على ذلك بأدلة, وأنه لا يشترط الماء، فمن الأدلة أن الشارع اكتفى بتطهير النعلين إذا أصابهما أذى أن يدلكهما الإنسان بالأرض، يعني: يكفي أن تدلك نعليك بالأرض إذا أصابهما أذى فإن طهورهما التراب. كذلك أيضاً ذيل المرأة يكفي في طهارته إذا مر على موضع نجس أن يمر على الموضع الطاهر وهذا يكفي في طهارته. وكذلك أيضاً استدلوا على أن النجاسة تطهر بالاستحالة، فلو كان عندنا عذرة، ثم بعد ذلك استحالت من عين إلى عين أخرى فإنها تطهر بالاستحالة، يعني إذا انتقلت من عين إلى عين أخرى, يعني: مثلاً: عندنا عذرة انتقلت إلى رماد، فإنها تطهر بالاستحالة. كذلك أيضاً الخمر نجسة عند كثير من أهل العلم، بل عند جمهور أهل العلم أنها نجسة، والإجماع منعقد على أن الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلاً دون تخليل فإنها تطهر، وهنا الآن طهرت الخمرة لما انقلبت بنفسها خلاً، وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا نقول: لا بد من الماء لرفع الحدث، وأما زوال الخبث فإننا لا نشترط الماء، فإذا زال الخبث بأي مزيل كان، فلو أن الإنسان أصاب ثوبه بول، ثم غسله ببنزين، أو غسله بالجاز، أو عرضه للشمس فترة حتى زال أثر هذا البول، أو الرياح أصابت هذه الأرض أو نحو ذلك حتى زال أثر هذا البول فإننا نقول: بأنها تطهر. أو مثلاً: إذا كان صقيلاً ثم مسحته مثلاً كالرخام مثلاً، أو مثلاً المرآة ونحو ذلك إذا قمت بمسحها وزالت النجاسة فإن المحل يطهر. فنقول: فرق بين رفع الحدث وزوال الخبث، والعلماء رحمهم الله يفرقون بين رفع الحدث وزوال الخبث من أوجه: الوجه الأول كما سلف: أن رفع الحدث يشترط له الماء، أما زوال الخبث فلا يشترط له الماء، فالنجاسة تطهر بأي مطهر، سواء كان هذا المطهر ريحاً أو شمساً أو ماءً أو سائلاً آخر غير الماء, هذا هو الفرق الأول. الفرق الثاني: أن رفع الحدث يشترط له النية, فإذا أراد الإنسان أن يتوضأ أو أراد أن يغتسل لا بد أن ينوي, لا بد أن يفرق بين ما هو عبادة وما ليس عبادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عمر : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى )، أما زوال الخبث فهذا لا تشترط له النية. وعلى هذا لو أن الإنسان أصاب ثوبه بول، ثم بعد ذلك جاءت الأمطار وهطلت على هذا الثوب حتى نظفته من هذا البول، وهو لم ينو أن يطهره ولم ينو أن يعرضه للمطر فنقول: بأنه يطهر. الوجه الثالث: أن رفع الحدث لا يعذر فيه بالجهل والنسيان؛ لأنه من باب الأوامر، وأما زوال الخبث فإنه يعذر فيه بالجهل والنسيان؛ لأنه من باب التروك والنواهي.وعلى هذا لو أن الإنسان نسي أنه محدث أو جهل أن هذا اللحم لحم جزور، حصل منه بول ونسي ذلك ثم صلى، فنقول: أعد صلاتك, لا بد أن تتوضأ وأن تعيد صلاتك، أو يجهل أن هذا اللحم لحم جزور، فأكل لحم الجزور، ثم بعد ذلك صلى فنقول: يجب عليك أن تعيد صلاتك.وأما بالنسبة لزوال الخبث فهذا يعذر فيه بالجهل والنسيان؛ وعلى هذا لو أن الإنسان صلى وعلى ثوبه نجاسة، وهو ناس لهذه النجاسة، نسي أن على ثوبه نجاسة, أو جهل أن على ثوبه نجاسه، فنقول: بأن صلاته صحيحة, ولا بأس عليه, ففرق بين رفع الحدث وزوال الخبث كما أسلفنا من هذه الأوجه الثلاثة.
    حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة

    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جارياً لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه، وما عدا ذلك ينجس بمخالطة النجاسة].العلماء رحمهم الله يقسمون الماء إلى قسمين: القسم الأول: ماء كثير. والقسم الثاني: ماء قليل. فإذا رأيت في عباراتهم الماء الكثير فاعلم أن مرادهم بالماء الكثير هو ما بلغ قلتين فأكثر, والماء القليل هو ما كان دون القلتين, فإذا كان الماء بالغاً قلتين فهو ماء كثير, وإذا كان دون ذلك فهو ماء قليل. إذا وقع بالماء نجاسة، يقول المؤلف رحمه الله: إن كان الماء قلتين هذا لا ينجس إلا بالتغير، إذا كان عندنا ماء كثير ووقعت فيه نجاسة، وقع فيه بول أو غائط أو دم مسفوح أو نحو ذلك، المناط على التغير، إن تغير بالنجاسة تغير طعمه، تغير لونه، تغيرت رائحته بالنجاسة فهو نجس، لم يتغير بالنجاسة فليس بنجس. ودليلهم على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن الماء يكون بالفلاة, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ), وفي لفظ: ( لم ينجسه شيء )، وهذا في السنن. فقالوا: هذا دليل على أنه إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس إلا بالتغير, أما إن كان دون قلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة، فلو كان عندك ماء أقل من قلتين، وقعت فيه نقطة بول، فهذا ينجس بمجرد الملاقاة، سواء تغير أو لم يتغير, يعني: غيرته النجاسة أو لم تغيره النجاسة ينجس بمجرد الملاقاة. واستدلوا على ذلك بمفهوم حديث ابن عمر السابق؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث )، وفي لفظ: ( لم ينجسه شيء ). فقوله عليه الصلاة والسلام: ( لم يحمل الخبث ) يفهم منه أنه إذا كان دون القلتين أنه يحمل الخبث، وأنه ينجس. فالمؤلف رحمه الله ذكر أن الماء بالنسبة لوقوع النجاسة فيه ينقسم إلى هذين القسمين: إن كان كثيراً وضابط الكثير كما أسلفت ما بلغ القلتين فأكثر, فهذا لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان قليلاً وضابط القليل ما كان دون قلتين، فهذا ينجس بمجرد الملاقاة, وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. والرأي الثاني في المسألة: أن الماء لا ينجس إلا بتغير النجاسة، وعلى هذا إذا تغير بالنجاسة فإنه ينجس بالإجماع، إذا غيرته النجاسة غيرت طعمه أو لونه أو ريحه ينجس بالإجماع، أما إذا لم يتغير فالصواب أن الماء طهور كما تقدم. وقد ذكر المؤلف رحمه الله في أول كلامه قاعدة: الأصل في المياه الطهارة؛ ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقول الله عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11].ويدل لذلك أيضاً حديث أبي سعيد : في بئر بضاعة وما يلقى فيها من الحيض والنتن ولحوم الكلاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إن الماء طهور لا ينجسه شيء ).فالأصل في الماء أنه طهور إلا إذا غيرت النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه فهنا ننتقل إلى كونه نجساً؛ لأن الإجماع قائم على ذلك. وأما حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في القلتين فهذا أهل العلم رحمهم الله أجابوا عنه, ابن القيم رحمه الله ذكر في تهذيب السنن ما يقرب من ستة عشر وجهاً في الجواب عليه، أعله العلماء رحمهم الله من جهة الإسناد وأعلوه من جهة المتن. وأيضاً على فرض ثبوته فهو دل على نجاسة ما دون القلتين بمجرد الملاقاة بالمفهوم، وعندنا هذا المفهوم يعارض منطوق قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48], وأيضاً قول الله عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11], وأيضاً حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه في مسند الإمام أحمد وأبي داود وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الماء طهور لا ينجسه شي ).فالصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الماء طهور إلا إذا وقعت فيه نجاسة غيرت طعمه أو ريحه أو لونه فنقول: بأنه ينجس؛ لأن الإجماع منعقد على ذلك.والمشهور في المذهب أنهم يفرقون بين الماء وبين بقية المائعات، يعني يجعلون القليل والكثير بالنسبة للماء، أما بقية المائعات فهي تنجس بمجرد الملاقاة.فالصوا في ذلك: ما ذهب إليه شيخ الإسلام أيضاً أنه لا يفرق بين الماء وبقية المائعات كالدهن والعسل ونحو ذلك، إذا وقعت فيها نجاسة إن غيرت هذا المائع فهو نجس، وإن لم تغير هذا المائع فهو طهور.
    مقدار القلتين

    قال المؤلف رحمه الله: [والقلتان ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي].كيف نقدر القلتين بالكيلوات؟العلم اء رحمهم الله يقدرونها بالأرطال، تقدر بالرطل الدمشقي والرطل العراقي .. إلخ. وهذه الأشياء الآن ليست موجودة عندنا، هذه المكاييل ليس موجودة عندنا، فقد روها تقريباً بخمسمائة رطل عراقي, الرطل العراقي كم يساوي من المثاقيل؟ قالوا: يساوي الرطل الواحد من المثاقيل تسعين مثقالاً، عندنا خمسمائة رطل كل واحد من هذه الأرطال يساوي تسعين مثقالاً، فإذا أردت أن تخرج القلتان بالمثاقيل ماذا تعمل؟ نضرب خمسمائة بتسعين تخرج القلتين بالمثاقيل، المثقال الواحد كانوا يحددونه -أولاً- بحب الشعير، يقولون: يساوي ثنتين وسبعين حبة من الشعير مما طال وعليه قشره .. إلخ. ذكروا الأوصاف لكن الآن لا نحتاج إلى ذلك، المثقال الواحد الآن يقدر بأربعة غرامات وربع، وقال بعض العلماء: ثلاث غرامات ونصف, الآن نريد أن نخرج المثاقيل التي خرجت عندنا، نخرجها بالغرامات، ماذا نفعل؟ نضرب، الآن ضربنا خمسمائة بتسعين خرجت القلتين بالمثاقيل، أخرج الغرامات، المثقال الواحد يساوي أربعة غرامات وربع، فاضرب الناتج بأربعة وربع، أخرجها بالكيلوات، تقسم على ألف, فيخرج عندك تقريباً مائة وتسعون كيلو، يعني: يخرج عندك مائة واثنان وتسعون أو مائة وثلاثة وتسعون بالكيلوات.القاع ة في ذلك: القلتان تساويان خمسمائة رطل عراقي، الرطل الواحد من الأرطال العراقية يساوي تسعين مثقالاً، المثقال الواحد يساوي أربعة غرامات وربع، تضرب الأرطال بالمثاقيل، المثاقيل بالغرامات، ناتج الغرامات تقسمه على ألف، الناتج يساوي القلتين بالكيلوات.
    أقسام الماء
    قال المؤلف رحمه الله: [وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور].هنا يشير المؤلف رحمه الله إلى أن الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
    القسم الأول:
    ماء طهور.
    والقسم الثاني:
    ماء نجس.
    والقسم الثالث:
    ماء طاهر.

    والطاهر ذكر شيئاً من صوره، قال: ما استعمل في رفع حدث .. إلخ. وأيضاً يذكرون من صوره ما غمست فيه يد القائم من نوم الليل الذي نومه ينقض الوضوء، يقول: هذا ماء طاهر. ومثل ذلك أيضاً: ما تغير بطاهر، أيضاً يقولون بأنه ماء طاهر، فالماء الطاهر يقولون بأنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث، هو طاهر في نفسه لا يطهر غيره، لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث, بخلاف الماء الطهور, الماء الطهور طاهر في نفسه يرفع الحدث ويزيل الخبث، أما الطاهر فهو طاهر في نفسه ليس نجساً لكنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث. وهذه المسألة موضع خلاف، يعني: هل هناك قسم للماء يسمى بالطاهر، أو ليس هناك قسماً للماء يسمى بهذا الاسم. موضع خلاف, فالمشهور من مذهب الإمام أحمد كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو إثبات قسم من الماء يسمى بالطاهر. والرأي الثاني: يروى عن الإمام أحمد رحمه الله واختيار شيخ الإسلام أنه ليس هناك ما يسمى بالطاهر, وأن الماء ينقسم إلى قسمين: إما طهور وإما نجس, فالماء المطلق إما أن نقول: بأنه طهور؛ وهذا هو الأصل، أو نقول: بأنه نجس، وهو الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة, ما عدا ذلك فليس هناك ماء يسمى بالطاهر. وهذا القول هو الصواب. استدلوا على إثبات الطاهر بحديث ابن عمر : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن ماء البحر، أنتوضأ به؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هو الطهور ماؤه الحل ميتته )، فكون الصحابة رضي الله تعالى عنهم يسألون عن ماء البحر هذا يدل على أنه استقر في أذهانهم أن هناك ماء لا يتطهر به. والصواب كما أسلفنا: أنه ليس هناك ماء طاهر، وأن الماء إما طهور أو نجس؛ لأن حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه دليل في ذلك: ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) ، فلا يخلو الماء من أمرين: إما طهور, وإما نجس. وأيضاً قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، فدل على أن الماء طهور، هذا هو الأصل لا ننتقل عن هذا الأصل إلا إلى الماء النجس؛ لأن الإجماع قائم على أن الماء إذا تغير بالنجاسة أنه نجس, ويدل ذلك أيضاً أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يحملون الماء في قربهم، ومع ذلك يتغير الماء في هذه القرب، ويتوضئون به. وكذلك أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس في الصحيحين للذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماء وسدر )، يوضع فيه السدر وهذا السدر يتغير به الماء. وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قال للاتي غسلن ابنته: ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك، واجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً ) وهنا سيتغير الماء قطعاً، ومع ذلك كان هذا الماء مطهراً، فالصواب في ذلك أنه ليس هناك ماء طهور.
    حكم الماء إذا خالطه شيء طاهر

    قال المؤلف رحمه الله: [وكذا ما خالطه فغلب على اسمه].يعني: إذا خالط الماء شيء طاهر، مثل الحبر أو الصبغة أو الشاهي .. إلخ.نقول: هذا لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يغلب على اسمه بحيث ينقله عن اسم الماء المطلق، فهذا لا يسمى ماءً إلا مضافاً، فلا يرفع الحدث، يعني: لو أنه خالطه حبر أو خالطه سدر أو خالطه زعفران بحيث إنه لا يطلق عليه اسم الماء المطلق، بل لا نطلق عليه اسم الماء إلا مضافاً، فهذا نقول بأنه لا يرفع الحدث. وإن كانت هذه المخالطة لم تغلب عليه لم تنقله عن اسم الماء المطلق، فنقول: بأنه يرفع الحدث ويزيل الخبث، أما كونه يزيل الخبث فهذا يزيل الخبث مطلقاً حتى لو نقله عن اسم الماء المطلق؛ لأنه تقدم لنا أن الخبث يزول بأي مزيل، لكن بالنسبة لرفع الحدث إذا وقع فيه شيء طاهر فنقول: إن نقله عن اسم الماء المطلق بحيث لا يسمى ماء إلا مضافاً، نقول: لا يرفع الحدث، أما إذا لم ينقله عن اسم الماء المطلق فنقول: بأنه يرفع الحدث.
    الماء المستعمل
    قال المؤلف رحمه الله: [أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته].استعمل في رفع حدث, ما هو المستعمل في رفع الحدث؟ المستعمل في رفع الحدث هو المنفصل عن أجزاء البدن، يعني: إنسان يريد أن يتوضأ، فغسل وجهه تساقط هذا الماء في إناء، وغسل تمضمض واستشق تساقط هذا الماء، غسل يده تساقط، مسح رأسه وغسل رجليه تساقط، هذا المتساقط مستعمل في رفع الحدث، ما دام أنه يصير دون القلتين، هذا يقول المؤلف رحمه الله: مستعمل في رفع الحدث. ما حكمه؟ يقولون: بأنه طاهر وليس طهوراً، بمعنى: أنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، فإذا كان مستعملاً في رفع الحدث قالوا: بأنه طاهر. عندنا إناء فيه ماء دون القلتين، جاء شخص ونوى أن يرفع الجنابة عن نفسه، وانغمس فيه ثم بعد ذلك خرج، الآن هذا الماء يكون مستعملاً في رفع الحدث، يقولون: بأن هذا الاستعمال يسلبه الطهورية, فيكون طاهراً لا يرفع الحدث, ولا يزيل الخبث على المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.وتقدم لنا أن القاعدة في الماء أنه طهور؛ لقول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]. فالصواب: أن هذا يرفع الحدث ويزيل الخبث، النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يغتسل الإنسان في الماء الراكد الذي لا يجري وهو جنب، ونهى أن يبول فيه، لكن لم يتطرق النبي صلى الله عليه وسلم إلى حكم الماء، لم يقل بأن هذا الماء أصبح طاهراً، لا يرفع الحدث .. إلخ. فالصواب في ذلك أن الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا إذا وقعت فيه النجاسة, وغلبت على طعمه أو لونه أو ريحه فنقول: بأنه في هذه الحالة يكون نجساً.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الطهارة [2]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    الأصل في الماء أنه طهور إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، ولاشتباه الطاهر بالنجس صور ولكل صورة حكم معين، والأصل في الأواني إباحة استعمالها واتخاذها إلا ما حرمه الشرع كآنية الذهب والفضة.
    تلخيص لما سبق من أحكام الطهارة


    فقد سبق لنا شيء من أحكام الطهارة، وذكرنا أن الطهارة تنقسم إلى قسمين:القسم الأول: طهارة معنوية. والقسم الثاني: طهارة حسية. وبينا أن بحث العلماء رحمهم الله في مثل هذه الأقوال إنما تكون في الطهارة الحسية، وأن الطهارة الحسية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: رفع الحدث. والقسم الثاني: زوال الخبث. ثم شرع المؤلف رحمه الله في بيان أحكام المياه، وذكرنا أيضاً أن الصواب في المياه أنها تنقسم إلى قسمين:القسم الأول: ماء طهور. والقسم الثاني: ماء نجس. وأن الأصل في المياه الطهارة؛ لقول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقوله سبحانه: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11]، فالأصل في الماء أنه طاهر يرفع الحدث، إلا في حالتين: الحالة الأولى: إذا تغير بنجاسة. فإذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة حدثت فيه فهو نجس بالإجماع، لا يرفع الحدث.الحالة الثانية: إذا تغير بطاهر سلبه اسم الماء المطلق، بحيث لا يسمى ماءً عند الإطلاق، وإنما يسمى ماء بالإضافة.فمثلاً: يقال: ماء زعفران أو ماء حبر ونحو ذلك، فإذا تغير بطاهر سلبه اسم الماء المطلق فإنه لا يرفع الحدث حينئذٍ، فلو كان عندك ماء ثم بعد ذلك أضفت إليه حبراً أو أضفت إليه صبغاً أو أضفت إليه زعفراناً أو نحو ذلك، فتغير به بحيث سلبه اسم الماء المطلق فإنه في هذه الحالة لا يرفع الحدث، فأصبح عندنا أن الماء طهور يرفع الحدث إلا في هاتين الحالتين. أما زوال الخبث فيرتفع على الصحيح بالماء وغيره، وسيأتينا إن شاء الله في هذا الدرس ضابط الأشياء النجسة، فالنجاسة تطهر بأي مطهر، سواء طهرت بالريح، طهرت بالشمس, طهرت بالدلك مثل الأشياء الصقيلة كالمرآة وكالسيف وكالرخام وكالبلاط .. إلخ، فهذه إذا مسحتها وذهبت عين النجاسة فإن المحل يطهر، وليس ذلك خاصاً بالماء، وذكرنا الأدلة على ذلك, ومن الأدلة على ذلك سائر أدلة الاستجمار، أدلة الاستجمار تدل على أن النجاسة لا يشترط في إزالتها الماء، فإن الاستجمار إنما يكون بالحجارة أو التراب والأوراق ونحوها, وعلى هذا إذا أصاب الثوب شيء من البول ثم بعد ذلك نزل عليه الماء، أو المطر، أو أصابته الريح أو الشمس، فزال أثر هذا البول فنقول بأنه طهر؛ لأن النجاسة عين مستقذرة شرعاً إذا وجدت وجد الحكم، وإذا انتفت انتفى الحكم بأي مزيل وبأي سبب, فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً, هذا هو الصواب في هذه المسائل.وسبق لنا أيضاً أن العلماء رحمهم الله يقسمون الماء إلى قسمين: ماء كثير وماء قليل، وأن الماء الكثير ما بلغ قلتين، وذكرنا أيضاً في الدرس السابق كيف نحدد القلتين بالغرامات وبالكيلوات .. إلخ. فيقولون: الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغير إذا حدثت فيه النجاسة، وأما الماء القليل فإنه بمجرد ملاقاة النجاسة له ينجس. وذكرنا أن الصواب أنه لا فرق بين القليل والكثير, وإن العبرة إنما يكون بالتغير، فإذا تغير هذا الماء سواء كان قليلاً أو كثيراً بالنجاسة فإنه نجس، وإذا لم يتغير فإنه طهور. ويدل لذلك ما سبق أن ذكرناه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الماء طهور لا ينجسه شي ), فلا يخلو الماء إما طهور وإما نجس، فإن تغير بالنجاسة فهو نجس بالإجماع، لم يتغير بالنجاسة فهو طهور، إلا إن تغير بطاهر سلبه اسم الماء المطلق فإنه في هذه الحالة لا يرفع الحدث ويزيل الخبث كما سبق لنا أن إزالة الخبث تكون بأي مزيل. وذكرنا أيضاً أن هناك فرقاً بين رفع الحدث وزوال الخبث، وذكرنا هذه الفروق, وقلنا: إن رفع الحدث يشترط له النية, لا بد لرفع الحدث من النية، فلو أن الإنسان غسل الأعضاء ولم ينو رفع الحدث فإن ذلك لا يجزئ، أما زوال الخبث فإنه لا تشترط له النية، فلو وقع على الأرض بول ثم بعد ذلك صب عليه ماء أو نزلت عليه أمطار، ولم ينوَ إزالة وتطهير هذا البول فإن المكان يطهر, ومثل ذلك أيضاً لو وقع على الثوب ونحو ذلك. والفرق الثاني: أن رفع الحدث لا يعذر فيه بالجهل والنسيان, وأما زوال الخبث فيعذر فيه بالجهل والنسيان, فلو أن الإنسان صلى وقد نسي أن يتوضأ فإنه لا يعذر لكن لو كان على ثوبه نجاسة وصلى, أو جهل هذه النجاسة وصلى فإنه يعذر، فإذا نسي هذه النجاسة التي على ثوبه أو على بدنه أو على بقعته التي يصلي عليها وصلى, فنقول بأن صلاته صحيحة.الفرق الثالث: أن رفع الحدث هذا لا بد له من الماء, وأما زوال الخبث فسبق أن ذكرنا أنه لا يشترط له الماء.الفرق الرابع: أن رفع الحدث من باب الأوامر, وأما زوال الخبث فهو من باب النواهي.
    الشك في طهارة الماء


    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا شك في طهارة الماء أو غيره ونجاسته بنى على اليقين].إذا شك هل هذا الماء نجس أو ليس نجساً؟ يعني: وجد ماءً, وهذا الماء قد تغير، شك هل هذا المغير نجس أو أنه ليس نجساً. فنقول: الأصل في ذلك الطهارة، فيجوز للإنسان أن يتوضأ به ما دام أن اسم الماء باق عليه، ما دام أن هذا المغير لم يسلبه اسم الماء المطلق، فإذا شك هل هذا المغير نجس أو ليس نجساً؟ مثلاً وجد فيه روثة، وهذه الروثة قد غيرته، لا يدري هل هي روثة ما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم فيكون هذا الماء طهوراً، أو أن هذه الروثة روثة ما لا يؤكل لحمه -كالحمار مثلاً- فيكون نجساً؟ شك في ذلك فنقول: الأصل في ذلك أن هذا الماء طهور، وعندنا قاعدة يذكرها العلماء رحمهم الله وهي إحدى القواعد الخمس الكلية التي يدور عليها الفقه؛ وهي: أن اليقين لا يزول بالشك. ودليل ذلك حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم شكي إليه الرجل في الصلاة يخيل إليه أنه قد خرج منه شيء ولم يخرج منه شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً )، فهذا الحديث دليل لهذه القاعدة وهي أن اليقين لا يزول بالشك، فإذا تيقن الإنسان أنه طاهر وشك هل أحدث أو لم يحدث؟ فنقول: الأصل أنه طاهر، إذا شك في هذا الماء هل هو نجس أو ليس نجساً؟ نقول: الأصل أنه طاهر, وليس نجساً.كذلك أيضاً: لو كان هذا الماء نجساً، ثم بعد ذلك شك هل تطهر أو لم يتطهر؟ فنقول: الأصل بقاء النجاسة للقاعدة السابقة؛ وهي: أن اليقين لا يزول بالشك.قال: (في طهارة الماء أو غيره).مثل الثوب، إذا كان عنده ثوب وشك في نجاسته، وجد على هذا الثوب أثراً، لا يدري هل هذا الأثر نجس أو طاهر؟ فنقول: الأصل في ذلك الطهارة. وكذلك أيضاً: لو كان في هذا الثوب نجاسة، ثم بعد ذلك شك هل زالت النجاسة أو لم تزل؟ فنقول: الأصل بقاء النجاسة؛ للقاعدة التي أشرنا إليها؛ وهي: أن اليقين لا يزول بالشك.
    خفاء موضع النجاسة من الثوب وغيره

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما يتيقن به غسلها].إذا خفي موضع النجاسة: بمعنى أن هذا الثوب أصابه نجاسة ولم يعلم هل هذه النجاسة في هذا الكم، أو في هذا الكم .. إلخ؟ أو أنها في هذا الطرف أو في هذا الطرف .. إلخ؟ فيقول المؤلف رحمه الله: يغسل حتى يتيقن زوال النجاسة. والصواب في ذلك: أنه لا حاجة إلى اليقين، بل يكفي الظن؛ فإذا غلب على ظنه أن النجاسة قد زالت فإن هذا كاف، فإذا كان يغلب على ظنه أن هذه النجاسة في هذا الطرف الأيمن، فإنه يغسل الطرف الأيمن، وإن غلب على ظنه أن النجاسة في الطرف الأيسر فإنه يغسل الطرف الأيسر.فنقول: الصواب في هذه المسألة: أن غلبة الظن معتبرة شرعاً في مثل هذه المسائل, ولهذا ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ( حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء على سائر بدنه ).فنقول: غلبة الظن معتبرة في مثل هذه المسائل, فإذا غلب على ظنه أن المحل قد طهر فإن ذلك كاف.
    أحكام الاشتباه في الطهارة

    اشتباه الماء الطاهر بالنجس


    قال المؤلف رحمه الله: [وإن اشتبه ماء طاهر بنجس ولم يجد غيرهما تيمم وتركهما].إذا كان عنده ماء طاهر وعنده ماء نجس، وشك في أيهما الطاهر وأيهما النجس؟ فيقول المؤلف رحمه الله: بأنه يترك هذين المائين ويتيمم. والرأي الثاني: قول الشافعي رحمه الله أنه يتحرى وينظر في أي المائين الماء الطاهر, وهذا القول هو الصواب، فإذا تحرى وظن أن هذا الماء هو الطاهر فإنه يتوضأ به. ويدل لذلك حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري في الشك في الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فليتحر الصواب ثم ليبن عليه ).فنقول: الصواب في هذه المسألة أنه إذا أمكنه أن يتحرى بحيث إنه يشم الرائحة, قد يكون الظن أن هذا الماء هو الماء النجس لقبح رائحته ونتنها .. إلخ.المهم: أنه إذا أمكنه أن يتحرى فليتحر، فإذا غلب على ظنه أن هذا الماء هو الطهور, وأن هذا هو النجس, فإنه يتوضأ بالماء الطهور؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: ( فليتحر الصواب ثم ليبن عليه ).
    اشتباه الماء الطاهر بالطهور

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما].عندنا ماء طهور، وعندنا ماء طاهر، وسبق لنا في الدرس السابق أن الصواب أنه لا وجود للماء الطاهر، وأن الماء ينقسم إلى قسمين: إما طهور وإما نجس. وأما الطاهر فإنه لا وجود له. على كل حال المؤلف رحمه الله يرى أن الماء الطاهر له وجود، وأنهم يقسمون الماء إلى ثلاثة أقسام: طاهر, وطهور, ونجس.على كلام المؤلف رحمه الله إذا اشتبه ماء طهور بماء طاهر، إذا اجتمع طهور بطاهر، الماء الطاهر مثاله: ما غُمست فيه يد قائم من نوم الليل، فإذا كان عندنا شخص قام من نوم الليل وهذا النوم ينقض الوضوء, وغمس يده قبل أن يغسلها ثلاثاً، وهذا الماء قليل، يعني أقل من قلتين، فإن هذا الماء بمجرد غمس يده به يكون طاهراً لا يرفع الحدث، فإذا كان هذا الإناء قد غمست فيه يد هذا النائم القائم من نوم الليل, ونومه ينقض الوضوء, وعندنا ماء طهور اشتبها. فيقول المؤلف رحمه الله: يتوضأ من هذا, ويتوضأ من هذا؛ لكي يحصل له اليقين أنه توضأ بماء طهور، أما إذا قلنا بأن هذا الماء الذي غمست فيه يد النائم المستيقظ من نوم الليل لا تنسلب طهوريته, وإنما هو على طهوريته، فإن هذه المسألة لا توجد عندنا. وكذلك أيضاً من الأمثلة التي سبق أن ذكروها في الماء الطاهر: المستعمل برفع الحدث، يعني لو أن إنساناً عنده ماء, واستعمله في رفع الحدث، يعني: الغسلة الأولى من رفع الحدث، هذا المتساقط إذا جمعه في إناء، غسل وجهه وجمع هذا المتساقط، وغسل يديه وجمع هذا المتساقط، وغسل رجليه وتمضمض وجمع هذا المتساقط، واشتبه هذا المتساقط بماء طهور لم يرفع به حدث, فيقول المؤلف رحمه الله: يتوضأ من هذا, ويتوضأ من هذا .. إلخ. أو مثلاً: عندنا ماء قليل وإنسان أصابته جنابة عليه احتلم في منامه, وانغمس في الماء ناوياً رفع الحدث ثم خرج منه، فإن هذا الماء يكون مستعملاً في رفع الحدث فهو طاهر، فإذا اشتبه هذا الماء الطاهر بالماء الطهور, فإن المؤلف رحمه الله يقول: يتوضأ من هذا, ويتوضأ من هذا, لكن إذا قلنا بأن الماء الطاهر أصلاً لا وجود له فلا ترد عندنا هذه المسألة.
    اشتباه الثياب الطاهرة بالنجسة

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس, وزاد صلاة].لو أن رجلاً عنده عشرة أثواب نجسة وعشرة أثواب طاهرة، واشتبهت هذه الأثواب عنده, الآن عشرون ثوباً، عشرة طاهرة وعشرة نجسة، اشتبهت الآن الثياب الطاهرة بالنجسة.فيقول المؤلف رحمه الله: يصلي بعدد الأثواب النجسة ويزيد صلاة؛ لأنه إذا صلى بعدد الأثواب النجسة وزاد صلاة يتيقن قطعاً أنه صلى صلاة بثوب طاهر؛ لأنه إذا صلى عشر صلوات نفرض أن هذه الصلوات العشر كلها وقعت في الثياب النجسة، فإذا زاد صلاة تيقنا يقيناً أنه صلى صلاة في ثوب طاهر. والصواب في هذه المسألة: أن الإنسان يتحرى ثوباً من هذه الأثواب ويصلي فيه، ولا يكلف أن يصلي بعدد النجس؛ لأن النجسة قد تكون كثيرة، قد يكون عدد الأثواب النجسة عشرة قد يكون عشرين، قد يكون ثلاثين.. إلخ. فإذا قلنا: يلزمك أن تصلي بعدد النجس, وتزيد صلاة هذا فيه مشقة, ومن القواعد المقررة في الشريعة: أن المشقة تجلب التيسير.
    تطهير النجاسة

    كيفية تطهير نجاسة الكلب


    قال المؤلف رحمه الله: [وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب].المؤلف رحمه الله لما ذكر أقسام المياه شرع رحمه الله في بيان النجاسات, وكيف تطهر النجاسة؟فنقول: النجاسات من حيث التطهير تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: نجاسة مغلظة. والقسم الثاني: نجاسة مخففة. والقسم الثالث: نجاسة متوسطة. وهذه سترد علينا إن شاء الله. فنقول: القسم الأول: نجاسة مغلظة؛ وهي نجاسة الكلب. وبدأ بها المؤلف رحمه الله قال: (وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب).هذا القسم الأول من أقسام النجاسات, وهي النجاسة المغلظة: نجاسة الكلب, الكلب إذا ولغ في الإناء فإنه يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب. ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن ) وفي رواية: ( أولاهن بالتراب ), وهذا الحديث في الصحيحين. فنجاسة الكلب هذه نجاسة مغلظة، ومعنى الولوغ: أنه يخرج لسانه في الإناء ويشرب من الإناء، فهذا يجب أن نغسله سبع مرات إحداهن بالتراب, والأولى أن تكون الغسلة الأولى بالتراب؛ وهذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي.وعند أبي حنيفة أن نجاسة الكلب لا يجب غسلها سبعاً، وإنما يكفي أن تغسل ثلاثاً؛ لأن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه راوي الحديث سئل عن الإناء إذا ولغ فيه الكلب، فأفتى أبو هريرة بغسله ثلاثاً، وهذا ثابت عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه, ويجاب عنه بجوابين:أما الجواب الأول: فنقول: أيضاً ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه أفتى بالغسل سبعاً، هذا الجواب الأول.والجواب الثاني: أن العبرة بما روى أبو هريرة لا بما رأى، فعندنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه النص على أن الكلب إذا ولغ في الإناء أنه يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب.قوله: ( إحداهن بالتراب ) مسألة التترييب، هل تكون في الأولى أو تكون في إحدى الغسلات؟يجوز أن يكون الترتيب في الأولى وفي الثانية وفي الثالثة .. إلخ، لكن العلماء رحمهم الله قالوا: الأولى أن تكون في الأولى، وعلى هذا يأتي بالإناء ويضع فيه التراب ويمزجه بالماء، وهذه تكون غسلاً، ثم بعد ذلك يغسله الغسلة الثانية بالماء والثالثة وهكذا .. إلخ. عندنا مسألة أخرى، هل يقوم غير التراب مقام التراب؟ مثلاً المنظفات الآن الموجودة هل تقوم مقام التراب، أو لا تقوم مقام التراب؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.فأكثر العلماء قالوا: بأن غير التراب كالصابون وما يوجد الآن من منظفات تقوم مقام التراب؛ لأن القصد من ذلك هو التنظيف. والرأي الثاني: رأي الظاهرية قالوا: بأن غير التراب لا يقوم مقام التراب، وأنه لا بد من الغسل بالتراب كما نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. والصواب في ذلك: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله, وأن غير التراب مما يحصل به التنظيف يقوم مقام التراب, إلا إذا كان أثر ولوغ الكلب لا يزول إلا بالتراب، فإذا كان أثره لا يزول إلا بالتراب فنقتصر على ما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم, أما إذا كان أثره يزول بالتراب ويزول بغيره فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً, والمقصود من النص على التراب هو التنظيف، والنبي عليه الصلاة والسلام نص على التراب؛ لأن التراب أحد الطهورين، فعندنا الماء يتطهر به، أيضاً التراب يتطهر به, كما سيأتينا إن شاء الله في التيمم.
    إلحاق الخنزير بالكلب في كيفية التطهير

    المسألة الأخرى أيضاً: هل يلحق الخنزير بالكلب، أو نقول: بأن الخنزير لا يلحق بالكلب؟هذه أيضاً موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، والذي مشى عليه المؤلف: أن الخنزير يلحق بالكلب، وعلى هذا فنجاسة الخنزير نجاسة مغلظة تغسل سبع مرات إحداهن بالتراب. والصواب في ذلك: أن نجاسة الخنزير ليست نجاسة مغلظة، وإنما هي من النجاسات المتوسطة, هذا هو الصواب؛ لأن التسبيع إنما ورد فقط في نجاسة الكلب.
    كيفية تطهير بقية نجاسات الكلب غير اللعاب

    أيضاً مسألة أخرى: هل يلحق غير الولوغ بالولوغ من بقية نجاسات الكلب؟ يعني: مثلاً لو أن الكلب بال على ثوب، أو بال في أرض، أو بال في الإناء, أو حصل منه روث في الإناء ونحو ذلك، هل نقول بأن هذه النجاسات تلحق بالولوغ، وأنه يجب غسلها سبعاً، أو نقول بأنها لا تلحق؟هذا موضع خلاف، والذي مشى المؤلف رحمه الله أنها تلحق؛ لأنه عمم، فلو بال في إناء فإنه يجب غسلها سبعاً إحداهن بالتراب، وكذلك أيضاً لو تغوط في إناء يجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب. والصواب في ذلك: أن التسبيع خاص فقط بولوغ الكلب، فلو بال هذا الكلب على ثوب، أو بال في أرض أو نحو ذلك فإنه لا يسبع، ويكون هذا من النجاسات المتوسطة, وسيأتينا إن شاء الله ضابط النجاسة المتوسطة أنها تغسل حتى يغلب على الظن زوال النجاسة، ولا يجب التسبيع إلا في ولوغ الكلب.فأصبح عندنا الآن التسبيع خاصاً بولوغ الكلب في الإناء كما ورد في الحديث، ما عدا ذلك فإنه لا يجب فيه التسبيع، وإنما تكون نجاسته من النجاسات المتوسطة.
    كيفية تطهير سائر النجاسات غير الكلب

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية].لما تكلم المؤلف رحمه الله عن القسم الأول وهي النجاسة المغلظة، وفهمنا أن النجاسة المغلظة هي ولوغ الكلب في الإناء فقط، هذا الذي يجب أن يغسل سبعاً إحداهن بالتراب، وقلنا: الأولى أن تكون الأولى هي التراب, شرع المؤلف رحمه الله بالقسم الثاني، وهي النجاسات المتوسطة، وقال: النجاسات المتوسطة تغسل ثلاث مرات، مثل على الصحيح نجاسة بول الكلب، نجاسة الخنزير بول الخنزير, إذا ولغ الخنزير هذه من النجاسات المتوسطة، مثل الغائط، مثل بول الإنسان، مثل دم الحيض.. إلخ, فهذه نجاسات متوسطة.النجاسات المتوسطة يقول المؤلف رحمه الله: بأنها تغسل ثلاث مرات, واستدل المؤلف رحمه الله على ذلك بدليلين: الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً, فإنه لا يدري أين باتت يده ), فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يغسل يده ثلاث مرات قبل أن يغمسها في الإناء, ما هي العلة من غسلها ثلاث مرات؟على كلام المؤلف أن العلة هي توهم النجاسة، وقد ذكر الشافعي رحمه الله أنهم في بلاد الحجاز كثيراً ما يستعملون الحجارة، يعني: إذا انتهى الإنسان من حاجته يستجمر بالحجارة أو بالتراب أو بالمناديل ونحو ذلك، وإذا استجمر الإنسان فإنه سيبقى شيء من أثر النجاسة، فالاستجمار ليس كالاستنجاء، الاستنجاء يقطع النجاسة، أما الاستجمار فإنه يبقى معه شيء من أثر النجاسة، وإذا كان الإنسان نائماً ربما أن يده تصيب هذه النجاسة التي في دبره، فقال: تغسل ثلاث مرات. العلة في ذلك قالوا: هو توهم النجاسة. وخالف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ذلك وقال: ليست تلك هي العلة، العلة هي أن الشيطان قد يعبث بيد النائم، ونظير هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً في الحديث الآخر من حديث أبي هريرة: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثاً, فإن الشيطان يبيت على خيشومه )، فأمرك النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظت من نومك أن تستنشق الماء وتخرجه ثلاث مرات؛ لأن الشيطان يبيت على الخيشوم.فكذلك أيضاً: إذا استيقظت من نوم الليل فإنك تغسل يديك ثلاث مرات؛ لأن الشيطان ربما لامس يدك، كما أنه يبيت على خيشوم النائم، فهذا هو, وليست العلة توهم النجاسة، فأصبح الاستدلال بهذا الدليل فيه نظر. أما الدليل الثاني: فقالوا بأنه يقاس على الاستجمار، فالإنسان إذا استجمر لا بد أن يستجمر بثلاث مسحات؛ كما في حديث سلمان رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( وأن لا يستنجي بأقل من ثلاث أحجار )، فإذا كان الاستجمار يشترط فيه ثلاث مسحات، كذلك أيضاً إزالة هذه النجاسات المتوسطة يشترط فيها ثلاث مرات, هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله. والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أشد من هذا، وأن النجاسات المتوسطة لا بد فيها من سبع غسلات؛ واستدلوا على ذلك بما يروى من حديث ابن عمر قال: ( أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً )، وهذا الحديث لا يثبت. الرأي الثالث: ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله, أنه لا عدد في غسل النجاسات المتوسطة، بل يغسل الإنسان حتى يغلب على ظنه أن المحل قد طهر، فإذا أصاب ثوبك بول أو غائط أو دم مسفوح، أو المرأة أصاب ثوبها شيء من دم الحيض .. إلخ فإنها تغسل حتى يغلب على الظن زوال النجاسة, فإذا غلب على الظن زوال النجاسة فنقول: بأن المحل طهر، ولا يقيد بعدد، وهذا القول هو الصواب, أن لا يقيد بعدد؛ كما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله. ويدل على هذا -أولاً- ما ذكرناه من القاعدة, أن النجاسة عين مستقذرة شرعاً، فإذا وجدت وجد الحكم، وإذا انتفت انتفى الحكم، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا انتفت النجاسة انتفى الحكم. وأيضاً الأدلة على ذلك كثيرة، من الأدلة على ذلك النعلان, إذا أصاب نعليك شيء من النجاسة فإن طهورهما التراب، تدليكهما بالتراب أو بالأرض هذا طهورهما. ذيل المرأة يطهره ما بعده. أيضاً: أسماء رضي الله تعالى عنه ( سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: تحته, ثم تقرصه بالماء, ثم تنضحه ). فالصواب في ذلك أن غسل الأثواب وغير ذلك أن الإنسان يغسل حتى يغلب على الظن زوال النجاسة.
    كيفية تطهير الأرض المتنجسة


    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كانت النجاسة على الأرض فصبة واحدة تذهب بعينها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء )].إذا كانت النجاسة على الأرض يكفي صبة واحدة، فعلى هذا إذا كان مثلاً في الحمامات أو في الأراضي أو غير ذلك أو في الرمل أو التراب يكفي أن تصب صبة واحدة تذهب بعين النجاسة.ودليل ذلك ما أورده المؤلف رحمه الله من حديث أبي هريرة وحديث أنس في بول الأعرابي في المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صبوا على بوله ذنوباً من ماء ).
    كيفية تطهير النجاسة المخففة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح].هذا هو القسم الثالث من أقسام النجاسات؛ وهي النجاسة المخففة، والنجاسة المخففة تشمل شيئين:الشيء الأول: بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة؛ هذا يكفي في بوله فقط أن تغمره بالماء، هذا الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة، وإنما يكون طعامه اللبن, وأيضاً قال بعض العلماء: لا يمنع من ذلك العسل والدواء. أما إذا كان يأكله لشهوة، ويريده, وتجده يتتبعه، فهذا بوله ينتقل من النجاسة المخففة إلى النجاسة المتوسطة، أما إذا كان طعامه فقط الحليب, وأما الطعام فلا يأكله لشهوة، فهذا نجاسته نجاسة مخففة، يكفي في ذلك أن ترشه بالماء فقط، تغمره بالماء، إذا وضعت عليه ماء كفى ذلك ولا حاجة إلى فرك أو دلك أو نحو ذلك. ويدل لذلك حديث أم قيس بنت محصن رضي الله تعالى عنها: ( أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه في حجره، فبال هذا الصبي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فنضحه ولم يغسله ). وهذا الحديث في الصحيحين.أيضاً يدل لذلك حديث عائشة نحو هذا الحديث، هذا الأمر الأول, بول الصبي الذي لم يأكل الطعام لشهوة، وبينا معنى كونه لم يأكل الطعام لشهوة، يعني: أنك لا تجده يريد الطعام ويتتبعه، أما إذا كان يريد الطعام ويطلبه ويتتبعه، فهذا ينتقل بوله من البول المخفف إلى البول المتوسط. وقول المؤلف رحمه الله: (بول الصبي) هذا يخرج غائط الصبي، غائط الصبي نجاسته نجاسة متوسطة؛ لأن النص إنما ورد فقط في البول، أما بالنسبة لريقه وقيئه فإن هذا كله طاهر، وغسل هذا من باب النظافة فقط.الشيء الثاني: المذي, أيضاً المذي نجاسته نجاسة مخففة، فيكفي إذا أصاب المذي البول أن تأتي بماء وترشه عليه، تغمره بالماء وهذا كاف. ودليل ذلك حديث سهل بن حنيف : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشده أن يأخذ ماء, وأن ينضح هذا المذي ) أخرجه الترمذي وغيره وإسناده صحيح.فأصبح عندنا أن النجاسة المخففة تشمل هذين الأمرين.الخلاصة في ذلك: أن النجاسات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: نجاسة مغلظة، وهي نجاسة ولوغ الكلب إذا ولغ في الإناء، هذا الذي يغسل سبع مرات إحداها بالتراب. القسم الثاني: نجاسة متوسطة؛ وهي سائر النجاسات، إلا ما نستثنيه في النجاسة المخففة. القسم الثالث: النجاسة المخففة؛ وهي تشمل الأمرين:الأول: بول الصبي الذي لم يأكل الطعام لشهوة؛ وهذا دليله حديث أم قيس بنت محصن رضي الله تعالى عنها وحديث عائشة . والأمر الثاني: المذي؛ وهذا دليله حديث سهل بن حنيف في الترمذي وغيره.
    ما يعفى من النجاسات

    قال المؤلف رحمه الله: [ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد ونحوه].الآن ذكر المؤلف رحمه الله العفو عن النجاسة، المؤلف رحمه الله ذكر أنه يعفى عن ثلاثة أشياء من النجاسة:الأول: يسير المذي؛ يعني: إذا أصاب ثوبك أو أصاب السروال شيء يسير من المذي فلا بأس، لو تركته لم تنضحه بالماء فهذا لا بأس به.الثاني: يسير الدم، يسير الدم يعفى عنه.الثالث: ما تولد من الدم من القيح والصديد.فذكر المؤلف رحمه الله أنه يعفى عن يسير النجاسة في ثلاثة مواضع: الأول: يسير المذي. والثاني: يسير الدم. والثالث: يسير القيح والصديد. وقوله: يسير الدم يظهر من كلامه أن الدم نجس، لكن يأتينا إن شاء الله أن الدم له سبعة أقسام أو ثمانية أقسام, نبين إن شاء الله ما هو الدم الطاهر, وما هو الدم النجس, هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله. والصواب في هذه المسألة: أن نذكر قاعدة في ذلك اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأيضاً قول أبي حنيفة أنه يعفى عن يسير سائر النجاسات، ولا نقيد ذلك بالمذي أو بالدم أو بالقيح والصديد ونحو ذلك. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله استدل على ذلك بسائر أحاديث الاستجمار، سائر أحاديث الاستجمار تدل على أن يسير النجاسة يعفى عنها؛ لأن الإنسان إذا استجمر يبقى شيء من النجاسة في المحل، إذا استجمر الإنسان مهما كان الإنسان أيضاً مسح بالمناديل أو بالحجارة أو بالأتربة أو نحو ذلك فإنه سيبقى شيء من أثر النجاسة. هذا الأثر عفا عنه الشارع؛ حتى ابن القيم رحمه الله يقول: يسير النجاسة يعفى عنه حتى لو تجاوز محله، يعني: لو أن الإنسان استجمر، ثم بعد ذلك أصابه ماء، أو أصابه العرق، وعرق المحل، وسال العرق على فخذيه، فإنه يعفى عن ذلك. فنقول: القاعدة في ذلك أنه يعفى عن يسير سائر النجاسات؛ والدليل على ذلك سائر أحاديث الاستجمار، كلها تدل على أن يسير النجاسات يعفى عنها.ضابط اليسير:قال المؤلف رحمه الله: [وحد اليسير هو ما لا يفحش في النفس].يقول المؤلف رحمه الله: (حد اليسير ما لا يفحش في النفس) كأن المؤلف رحمه الله أرجع الكثرة والقلة إلى نفس الشخص، فيقول: إذا كان فاحشاً في نفس كل أحد بحسبه فإنه كثير، وإذا كان غير فاحش فإنه قليل. والصواب في ذلك: أنه لا يرجع إلى نفس الشخص؛ لأن بعض الناس يكون عنده شيء من الوسواس، فيعتبر النقطة اليسيرة كثيراً، وبعض الناس يكون عنده شيء من التفريط، فتجد أنه تلحقه كثير من النجاسة ويعتبرها يسيرة، فنقول الصواب في ذلك: أنه يرجع إلى العرف. والقاعدة عندنا أن كل شيء لم يرد له تحديد في الشرع فإنه يرجع في تحديده إلى العرف.
    حكم مني الآدمي


    قال المؤلف رحمه الله: [ومني الآدمي طاهر] مني الآدمي هل هو طاهر أو هو نجس؟هذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله, فمذهب المؤلف رحمه الله وهو مذهب الإمام أحمد والشافعي أن مني الآدمي طاهر؛ واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين: ( أنها كانت تفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ), ولو كان نجساً لما اكتفى فيه بالفرك، بل في صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان والبيهقي : ( أنها كانت تفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة )، فدل ذلك على أنه طاهر. وكذلك أيضاً: حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما هو بمنزلة البصاق والمخاط، إنما يكفيك أن تزيل عنك بأظفارك )، وهذا الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي, لكن الصواب: أنه موقوف، ليس مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو موقوف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأيضاً: هذا الماء هو أصل الأنبياء والشهداء والرسل والصديقين، فيبعد أن يكون أصل هؤلاء نجساً, فهذا هو ما ذهب إليه الإمام أحمد والشافعي. والرأي الثاني: رأي مالك وأبي حنيفة قالوا بأنه نجس؛ واستدلوا أيضاً بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين قالت: ( كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه ), وهذا الحديث في الصحيحين فقالوا: كون عائشة رضي الله تعالى عنها غسلت هذا يدل على النجاسة.وقالوا أيضاً: هذا الغسل وارد أيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنه, وعن ابن عمر , وكذلك أيضاً وارد عن ابن مسعود وعن أبي هريرة ، فهذا وارد عن جمع من الصحابة عمر وابنه وابن مسعود وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.والصواب في ذلك: ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وأيضاً الشافعي أن المني طاهر؛ والدليل على ذلك ما تقدم، ولكن يستحب أن يغسل إذا كان رطباً كما فعلت عائشة ، فنقول: فعل عائشة غسلها الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على الاستحباب، إذا كان رطباً يستحب لك أن تغسله، وإن كان يابساً يستحب لك أن تفركه.
    حكم بول ما يؤكل لحمه

    قال المؤلف رحمه الله: [وبول ما يؤكل لحمه طاهر].ما يؤكل لحمه بوله وروثه طاهر، كل شيء يؤكل لحمه، خلافاً للشافعي رحمه الله، فمثل الإبل والبقر والغنم والدجاج .. إلخ هذه روثها وما يخرج منها من بول طاهر. والدليل على ذلك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها ).وأيضاً يدل لذلك حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت ).
    الآنية
    قال المؤلف رحمه الله: [باب الآنية].الآنية: جمع إناء، والإناء هو الوعاء، فالآنية هي الأوعية، وأحكام الآنية لها مناسبتان:المناس


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )




    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الطهارة [3]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

    أمر الإسلام بالطهارة من الحدث والنجس, والطهارة من النجاسة تشمل البدن والثوب والمكان, فإذا وقعت النجاسة في شيء من ذلك وجب إزالتها بالماء, واختلف الفقهاء في حكم إزالتها بغير الماء.ومن الطهارة الاستنجاء, وله آداب شرعية علمها النبي صلى الله عليه وسلم أمته, ف


    تابع الآنية

    تقدم لنا شيء من أحكام الآنية، وذكرنا ما يتعلق بالآنية, وما يتعلق بالأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.وأيضاً: استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.وأيضاً: ما يتعلق باتخاذ آنية الذهب والفضة, هل هو جائز أو ليس جائزاً؟ وأيضاً: ما هو الأصل في الآنية؟ وذكرنا الدليل على ذلك.وأيضاً حكم المضبب بالفضة, ومتى يجوز الأكل فيه إناء مضبب بالفضة ومتى لا يجوز؟ وذكرنا شروط ذلك. ثم بعد ذلك تكلمنا في آخر شيء عن جلد الميتة، هل يطهر بالدبغ أو لا يطهر بالدبغ, وذكرنا آراء العلماء رحمهم الله في هذه المسألة. وظهر لنا ما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دبغ الإهاب فقد طهر ), أو: ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ), وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا في صحيح مسلم . فهذا يدل على أن كل جلد يدبغ فإنه يطهر بالدبغ، لكن يبقى معنا أن في حديث أبي المليح بن أسامة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن جلوع السباع ). وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الجارود وغيرهم, وإسناده صحيح ثابت. وأيضاً: حديث معاوية رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ركوب النمور )، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود النمور أن تركب, فكونه يطهر جلد السبع بالدبغ هذا لا يدل على أن الإنسان له أن يستعمله، لكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن جلود النمور كما تقدم؛ كما في حديث أبي المليح بن أسامة , وأيضاً في حديث معاوية رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن جلود النمور أن تركب ), وهذان الحديثان ثابتان، فلا يلزم من الطهارة جواز الاستعمال؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عنها.

    النجاسات

    قال المؤلف رحمه الله: [وكل ميتة نجسة إلا الآدمي وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر (هو الطهور ماؤه, الحل ميتته)]. هنا شرع المؤلف رحمه الله في ذكر أشياء من النجاسات، وسنذكر ضوابط لهذه النجاسات وما عداها فإنه يكون طاهراً؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، كما تقدم في قول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، وأيضاً قوله: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10]، فعندنا ضوابط للأشياء النجسة، بدأ المؤلف رحمه الله في ذكر شيء منها، وسنكملها إن شاء الله، وما عدا ذلك يتبين لنا طهارته.

    الخمر

    الضابط الأول: الخمر؛ وهو كل مسكر من أي شيء كان، سواء كان من نبيذ العنب، أو من نبيذ التمر أو الشعير أو غير ذلك. هذا هو الصواب في هذه المسألة.ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام )، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل مسكر خمر.فنقول: الخمر تعريفه هو كل مسكر من أي شيء كان؛ ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ). هذا الخمر اختلف فيه العلماء رحمهم الله هل هو طاهر أو نجس على رأيين: فالرأي الأول: أن الخمر نجس؛ وهذا قال به جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة؛ واستدلوا على ذلك بأدلة، من أدلتهم أن الله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ [المائدة:90]، والرجس هو النجس.وكذلك أيضاً استدلوا بأن الله عز وجل قال في خمر أهل الجنة: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21]، فكون الله عز وجل يصف خمر الجنة بأنه طهور يدل على أن خمر أهل الدنيا نجس. والرأي الثاني: قالوا بأن الخمر طاهرة؛ والدليل على ذلك: أن الخمر كانت مباحة في أول الإسلام، ثم بعد ذلك حرمت، لما حرمت لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يغسلوا أوانيهم، أو أن يغسلوا ثيابهم؛ لأن شارب الخمر سيصيب هذا الخمر شيئاً من أوانيه وثيابه.. إلخ.وكذلك أيضاً استدلوا على ذلك قالوا: بأن الخمرة لما حرمت خرج بها الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأراقوها في طرق المدينة وأزقتها، فلو كانت نجسة لم يفعلوا ذلك؛ لأن الشارع نهى عن البول في الطرقات كما سيأتينا إن شاء الله في آداب قضاء الحاجة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم ) رواه مسلم . وكذلك أيضاً استدلوا بقصة صاحب الراوية، فإن رجلاً جاء للنبي عليه الصلاة والسلام براوية خمر، كما في الصحيح، فأهداها للنبي عليه الصلاة والسلام فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن الخمر قد حرمت, وفي هذا الحديث أن صاحب هذه الراوية شقها وأراقها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم, فلو كانت نجسة لما أراقها بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام.وهذا القول ذهب إليه جماعة من أهل العلم، منهم الليث بن سعد والمزني وغيرهم من أهل العلم، وهذا القول هو الأقرب, فالأقرب في الخمر أنها طاهرة، وأنها ليست نجسة. وأما بالنسبة لما استدل به الجمهور من قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90] فإن المراد بالنجاسة هنا النجاسة المعنوية؛ بدليل أن الله عز وجل قرن الخمر بالميسر والأزلام.. إلخ؛ فيدل ذلك على أن هذه النجاسة نجاسة معنوية. وكذلك أيضاً: قول الله عز وجل في شراب أهل الجنة: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21] هذا لا يدل على نجاسة خمر الدنيا، وإنما هذا وصف لخمر أهل الجنة، وأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، وكذلك أيضاً أحوال الدنيا لا تقاس بأحوال الآخرة.

    الميتة


    الضابط الثاني: ما أشار إليه المؤلف رحمه الله بقوله: (كل ميتة نجسة). فكل ميتة نجسة, والميتة: هي كل ما مات حتف أنفه، أو ذكي ذكاة غير شرعية.فنقول: الضابط الثاني من ضوابط النجاسات: كل ميتة نجسة، يستثنى من ذلك ما يلي:الأول: الآدمي، فالآدمي ميتته طاهرة حتى لو كان كافراً، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المؤمن -وفي لفظ: المسلم- لا ينجس ). وهذا الحديث في الصحيحين، حديث أبي هريرة : ( إن المؤمن لا ينجس )فهذا يدل على أن المؤمن طاهر، حياً وميتاً، وكذلك أيضاً الكافر طاهر؛ والدليل على ذلك أن الله عز وجل أباح لنا طعام أهل الكتاب ونساءهم، ولا شك أن المسلم إذا تزوج بالنصرانية أو باليهودية سيفعل بزوجته, الله عز وجل يقول: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَات ُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَات ُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5], فهذا يدل على طهارة الآدمي إذا كان كافراً، فنقول: نستثنى من الميتات ميتة الآدمي، فإنها طاهرة. قال: (وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه).هذا الأمر الثاني: حيوان البحر، حيوان البحر هذا ميتته طاهرة؛ والدليل على ذلك قول الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَة ِ [المائدة:96]، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: صيد البحر ما أخذ حياً، وطعامه ما أخذ ميتاً، وأيضاً يدل لذلك ما استدل به المؤلف رحمه الله من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حيوانات البحر: ( الحل ميتته ) , فهذا دليل على أن حيوان البحر ميتته طاهرة ولا بأس بها. الثالث مما يستثنى من هذا الضابط: ما لا نفس له سائلة؛ فكل ما لا نفس له سائلة فهو طاهر، ويدخل في هذا أشياء كثيرة، مثل: الذباب، البق، البعوض، يعني: كل شيء إذا قتلته لا يخرج منه الدم فهو طاهر.وسيأتينا أيضاً أن ما خرج منه فهو طاهر أيضاً، فعندك الذباب، والبعوض، والبق، والعنكبوت، والفراش، والعقرب والخنفساء والجعل.. إلخ، كل هذه الأشياء طاهرة، في حال الحياة وفي حال الممات؛ ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ) , فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بغمسه، هذا مما يدل على طهارته.

    ما خرج من محرم الأكل

    الضابط الثالث: نقول: ما خرج من محرم الأكل فهو نجس، لكن نستثني من ذلك أشياء, فنستثني بالنسبة للآدمي لعابه، فريق الآدمي طاهر، وكذلك مخاطه ولبنه، ومنيه، وعرقه، وكذلك رطوبة فرج المرأة هذه أيضاً طاهرة, أما الدم فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.أيضاً مما يستثنى: ما خرج مما لا نفس له سائلة؛ فنقول: بأن هذا طاهر, فالذي يخرج من الذباب أو العنكبوت أو الجعل.. إلخ، نقول: بأن هذا طاهر.كذلك أيضاً بالنسبة لما يشق التحرز عنه؛ مثل الفأرة, مثل الهرة, مثل الحمار .. إلخ، نقول: ريق الهرة طاهر، ريق الفأرة طاهر، عرق الهرة طاهر، عرق الفأرة طاهر، أيضاً عرق الحمار والبغل طاهر، ريق البغل والحمار وما يخرج من أنفه هذه الأشياء نقول: بأنها طاهرة. فنقول: الضابط الثالث: ما خرج من محرم أكله هو نجس إلا ما ذكرنا أنه طاهر، ما استثنيناه بالنسبة للآدمي, وما استثنيناه أيضاً بالنسبة لما لا نفس له سائلة، وما استثنيناه أيضاً بالنسبة لما يشق التحرز عنه.

    كل حيوان محرم الأكل

    الضابط الرابع: نقول: كل حيوان محرم الأكل فهو نجس, يستثنى من ذلك الآدمي، وتقدم الدليل على ذلك، ونستثني أيضاً ما لا نفس له سائلة أيضاً طاهر، وتقدم الدليل على ذلك، ونستثني أيضاً ما يشق التحرز عنه أيضاً هذا طاهر؛ ويدخل في هذا الأشياء التي تكثر التطواف على بني آدم, فهذه طاهرة؛ كالهرة، والفأرة، والحمار, والبغل. وبينا معنى طهارة هذه الأشياء، يعني أن عرقها طاهر كما تقدم، أن ريقها طاهر، أن ما يخرج من أنفها طاهر، أما بالنسبة لما يخرج منها من البول .. إلخ فهذا نجس كما سبق فيما خرج من محرم الأكل.


    كل جزء انفصل من حيوان طاهر حال الحياة

    الضابط الخامس: نقول: كل جزء انفصل من حيوان طاهر في حال الحياة فهو نجس, ونستثني من ذلك أشياء, أولاً ما هو الحيوان الطاهر بحال الحياة؟ نقول: الحيوان الطاهر في حال الحياة يشمل أموراً: الأمر الأول: مأكول اللحم، إذا كان الحيوان مأكول اللحم مثل: الضأن, مثل البقر, مثل الإبل, مثل الدجاج .. إلخ، هذا حيوان طاهر في حال الحياة. الثاني: ما يشق التحرز عنه؛ مثل الفأرة مثل الهرة .. إلخ، هذا حيوان طاهر في حال الحياة, بحيث إن هذه الأشياء لو ماتت فهي نجسة، لكن في حال الحياة هي طاهرة، فالحيوان الطاهر بحال الحياة يشمل هذين الأمرين.فالأجزا التي تنفصل من هذا الأشياء نقول: بأنها نجس؛ فمثلاً: إذا قطعت من الشاة يدها، نقول: بأن هذه اليد نجسة؛ لأنا ذكرنا الضابط: كل جزء انفصل من حيوان طاهر في حال الحياة فهو نجس. فإذا قطعت يد شاة مثلاً أو يد بقرة .. إلخ فنقول: بأن هذه الأشياء نجسة, يستثنى من ذلك: الشعر، والوبر، والريش، والصوف, والأظلاف، والقرون، هذه كلها طاهرة.يعني: إذا أخذنا الشعر من المعز, أو الصوف من الضأن أو الأظلاف أو القرون ونحو ذلك من هذه الحيوانات في حال الحياة، فنقول: بأنها طاهرة.

    الدم

    الضابط الأخير: الدم؛ والدم هذا تحته أقسام: القسم الأول: الدم المسفوح الذي يخرج عند التذكية؛ فنقول: الدم الخارج عند التذكية نجس؛ ويدل لذلك قول الله عز وجل: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145].القسم الثاني: الدم الخارج من فرج الإنسان، فهذا أيضاً نقول بأنه نجس؛ ويدل لذلك حديث أسماء رضي الله تعالى عنها لما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الدم يصيب الثوب، هل تصلي فيه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيها ). القسم الثالث: الدم الذي يبقى في الحيوان بعد تذكيته؛ فمثلاً إذا ذبح الإنسان شاة شاة أو بعيراً أو بقرة، وبقي شيء من هذا الدم في هذا الحيوان، نقول: بأنه طاهر.القسم الرابع: الدم الخارج من الحيوان غير المأكول، أو من المأكول حال الحياة، نقول: هذا نجس؛ فلو مثلاً شاة، وخرج منها دم نقول: هذا الدم نجس؛ ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما أبين من حي فهو كميتته )، فهذا الخارج كميتة هذه الشاة، أي: إذا خرج منها هذا الدم فنقول بأن هذا الدم نجس، كما أن ميتة هذا الحيوان نجسة، فكذلك أيضاً ما خرج منه فهو نجس.القسم الخامس: ما خرج مما لا نفس له سائلة؛ فهذا طاهر. القسم السادس: ما خرج من حيوان البحر؛ هذا أيضاً نقول بأنه طاهر.القسم السابع: ما خرج من بدن الإنسان, فإذا جرح الإنسان ثم خرج منه دم، هل هذا الدم طاهر أو نجس؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم، فأكثر العلماء على أنه نجس، وحكي الإجماع على ذلك.والرأي الثاني: أنه طاهر؛ وهذا يشير إليه قول الحسن البصري رحمه الله: كانوا يصلون في جراحاتهم, وأيضاً اختيار الشوكاني رحمه الله.فالدم الخارج من بقية جسد الإنسان غير الفرج هل هو طاهر أو نجس؟نقول: الرأي الثاني: أنه طاهر, وهذا القول هو الأقرب.ويدل لذلك أن أجزاء الآدمي طاهرة، لو قطعت يد من الآدمي, النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ما أبين من حي فهو كميتته ) فيد الآدمي لو قطعت هل هي طاهرة أو نجسة؟ طاهرة، يد الآدمي هذه طاهرة لأنها كميتته: ( ما أبين من حي فهو كميتته ) , وميتة الآدمي تقدم لنا أنها طاهرة، فإذا كانت هذه اليد طاهرة، فكذلك أيضاً هذا الدم أيضاً طاهر.ومما يدل لذلك أيضاً: أن سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه جرح في غزوة الخندق، وضرب له النبي عليه الصلاة والسلام قبة في المسجد لكي يعوده من قريب، فانطلق دمه ذات يوم وسال في أرض المسجد.وأيضاً مما يدل على ذلك: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يغزون الغزوات مع النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضاً مع غير النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعهد عنهم أنهم كانوا ينظفون أسلحتهم أو أبدانهم أو ثيابهم مما يصيبهم من الدماء. فالأقرب في الدماء الخارجة من بقية بدن الإنسان أنها طاهرة.وأيضاً مما يدل لذلك ما تقدم لنا أن المني طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، أصل الشهداء والرسل والأنبياء، هذه النطفة تتحول إلى علقة، تتحول إلى قطعة دم. فالأقرب في ذلك هو القول بطهارة هذه الدماء.

    ما لا نفس له سائلة مما كان متولداً من النجاسات

    قال المؤلف رحمه الله: [وما لا نفس له سائلة إذا لم يكن متولداً من النجاسات].والصواب أن كل ما لا نفس له سائلة طاهر حتى ولو كان متولداً من النجاسة؛ لأن عندنا مسألة وهي: هل النجاسة تطهر بالاستحالة أو لا تطهر بالاستحالة؟ يعني: إذا كان عندنا نجاسة عينية، يعني: ذات هذا الشيء، هذا الشيء عينه وذاته نجسة، هل تطهر بالاستحالة -يعني إذا انقلبت من عين إلى عين أخرى- أو لا؟في ذلك رأيان للعلماء رحمهم الله, والصواب في هذه المسألة أن النجاسة العينية تطهر بالاستحالة، فإذا كان عندنا عذرة، وهذه العذرة احترقت وأصبحت رماداً فإنها تطهر بالاستحالة.كذلك أيضاً ما لا نفس له سائلة: نقول: بأنه طاهر حتى ولو كان متولداً من النجاسة، مثل: صراصير الكنف، صراصير الكنف هذه متولدة من النجاسات، متولدة من العذرة، يقول المؤلف رحمه الله: هذه الصراصير إذا كان أصلها النجاسة فإنها ليست طاهرة, والصواب: أنها طاهرة؛ لأن النجاسة هنا استحالت وانقلبت من عين إلى عين أخرى. وتقدم لنا أن النجاسة عين مستقذرة شرعاً إذا تغيرت بأي مغير فإن الحكم يتغير معه؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا زالت النجاسة بأي مزيل، سواء كان ذلك بالاستحالة, سواء كان ذلك بالماء, سواء كان ذلك بغير الماء .. إلخ، فإن الحكم يزول معه، وينتفي الخبث, ونقول: بأن المحل قد طهر. كذلك أيضاً: هذه الصراصير الآن وإن كان أصلها العذرة، لكنها انقلبت من عين إلى عين أخرى.فالصواب أن ما لا نفس له سائلة طاهر, وعلى هذا نقول: بأن هذه الصراصير التي توجد في الكنف تكون متحولة من العذرة, نقول بأنها طاهرة.

    قضاء الحاجة

    قال المؤلف رحمه الله: [باب قضاء الحاجة].قول المؤلف رحمه الله: باب قضاء الحاجة، المراد بذلك الأحكام المتعلقة بقضاء الحاجة من البول أو الغائط. وعبر المؤلف رحمه الله عما يتعلق بإخراج البول أو الغائط بقوله: (باب قضاء الحاجة)، فبعض العلماء يعبر بقوله: باب الاستنجاء والاستجمار، وبعضهم يعبر فيقول: باب الاستنجاء وآداب التخلي.إذا أراد المسلم أن يقضي حاجته من بول أو غائط فهناك آداب قولية وفعلية، وهناك أيضاً شروط لما يتعلق به قضاء حاجته وتطهير المحل، تعرض لها العلماء رحمهم الله في مثل هذه الأبواب.


    البسملة عند دخول الخلاء

    قال المؤلف رحمه الله: [يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله].حكى النووي الاتفاق على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يدخل الخلاء -أي: البيت المعد لقضاء الحاجة- أن يقول: بسم الله؛ وهذا دليله حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الكنيف أن يقول: بسم الله ). وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف، وله شواهد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه, وكذلك أيضاً من حديث ابن مسعود ومن حديث معاوية بن حيدة لكن هذا الحديث ضعيف، ومع ذلك النووي رحمه الله حكى الاتفاق على ذلك، وأنه يستحب للإنسان إذا أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله.

    الاستعاذة

    قال المؤلف رحمه الله: [أعوذ بالله من الخبث والخبائث].أيضاً هذا الأدب الثاني: أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث؛ وهذا دل عليه حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث ).والخبث: هو الشر، والخبائث: هم أهله، فكأن الإنسان استعاذ من الشر وأهله، هذا أحسن ما قيل في تفسير الخبث والخبائث.قال المؤلف رحمه الله: [ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم].يعني: تقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم، هذا الأدب الثالث أيضاً, تستعيذ من الرجس النجس الشيطان الرجيم. هذا دل له حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ), وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف، وعلى هذا ما يثبت فيه سنة، ما دام أنه ضعيف، لا يستحب للإنسان أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم؛ لأن هذا الحديث ضعيف لا تثبت به السنة.

    قول غفرانك عند الخروج من الخلاء

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا خرج قال: غفرانك].هذا الأدب الرابع, ويدل له حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك ), وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي ، وإسناده صحيح. وعلى هذا يستحب للإنسان إذا خرج من الخلاء أن يقول: غفرانك, وما مناسبة قول: غفرانك عند الخروج من الخلاء؟ قال بعض العلماء: المناسبة في قول: (غفرانك) أنه انحبس هذه الفترة عن ذكر الله عز وجل، فيستغفر الله عز وجل, لما انحبس هذه الفترة عن ذكر الله عز وجل فإنه يطلب الله عز وجل أن يغفر له. وقال ابن القيم رحمه الله: المناسبة أن هذا من باب تذكر الشيء بالشيء، وأن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم، فسأل الله عز وجل أن يخفف عنه أذية الإثم كما حصل له التخفف من أذية الجسم. وهذا القول هو الصواب، يعني: ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله أن مناسبة قول غفرانك أنه من باب تذكر الشيء بالشيء.

    قول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني

    قال المؤلف رحمه الله: [الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني].هذا الأدب الخامس, يقول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني؛ وهذا دليله حديث أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء يقول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني )، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه , وهو ضعيف لا يثبت، وعلى هذا لا تثبت به هذه السنة.

    تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج

    قال المؤلف رحمه الله: [ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج].هذا الأدب السادس: أنك إذا أردت دخول بيت الخلاء تقدم رجلك اليسرى دخولاً، واليمنى خروجاً. وقد حكى النووي رحمه الله الإجماع على ذلك، وأنه يستحب للإنسان إذا أراد دخول الخلاء -يعني: بيوت الخلاء التي يقضى فيه الحاجة- أن يقدم رجله اليسرى دخولاً، وأن يقدم رجله اليمنى خروجاً.وعندنا نقول: السنة دلت على أن ما كان من قبيل الإكرام فإنه تقدم فيه اليمنى، سواء كانت يداً أو رجلاً, وما كان من قبيل الإهانة فإنه تقدم فيه اليسرى، يداً كان أو رجلاً، وما تردد بينهما فالأصل في ذلك اليمنى.وعلى هذا فنقول الأقسام ثلاثة:القسم الأول: ما كان من قبيل الإكرام فإننا نقدم اليد اليمنى والرجل اليمني، وما كان من قبيل الإهانة فإننا نقدم اليد اليسرى والرجل اليسرى، ما تردد فإن الأصل أن يقدم الإنسان اليمين. ويدل لهذه القاعدة التي أشرنا إليها وذكرها أهل العلم رحمهم الله حديث أبي قتادة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه )، وإنما يتمسح بالشمال، وهذا الحديث في الصحيحين؛ لأن كونه يمسك الذكر باليمين وهو يبول مظنة أن يصيب اليمين شيء من البول, كذلك أيضاً لا يتمسح لا يستنجي ولا يستجمر باليمين، وإنما يستجمر بالشمال؛ لأن هذا من قبيل الإهانة. وكذلك أيضاً في حديث أنس أنه قال: ( من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى ) , وهذا الحديث أخرجه الحاكم وغيره، وإسناده صحيح ثابت. وكذلك أيضاً: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة : ( إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى )، لماذا يبدأ باليمنى إذا انتعل؟ لأن الانتعال من قبيل الإكرام، لأنه حفظ ووقاية وصيانة للرجل, وأما الخلع -خلع النعل- هذا ليس من قبيل الإكرام؛ لأنه إزالة لهذه الوقاية والستر والحماية، فالسنة إذا انتعل الإنسان أن يبدأ باليمنى، وإذا خلع أن يبدأ باليسرى. وكذلك أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا لبستم وتوضأتم فابدءوا بميامنكم )؛ لأن اللبس هنا فيه ستر ووقاية وحماية .. إلخ. فنقول: هذه الأدلة دالة لهذه القاعدة.وإذا تردد الإنسان بين أمرين لم يتضح له هل من قبيل الإكرام أو من قبيل الإهانة فليبدأ باليمنى؛ ( لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعجبه التيمن ) كما تقدم لنا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    حكم إدخال شيء فيه ذكر الله إلى الخلاء


    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يدخله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا من حاجة].الأدب السابع: إذا أردت دخول بيت الخلاء، يعني دورة المياه لا تدخل بشيء فيه ذكر الله، فإذا كان معك أوراق، أو معك نقود أو نحو ذلك لا تدخل فيها إلى بيت الخلاء. ويستدلون على ذلك بحديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد دخول بيت الخلاء وضع خاتمه، وكان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم مكتوباً فيه: الله .. محمد .. رسول ) هكذا في الأعلى الله، ثم محمد، ثم رسول. فقالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء وضع خاتمه, لكن هذا الحديث ضعيف، وعلى هذا ما نقول بأن الإنسان يكره له أن يدخل بيت الخلاء بشيء فيه ذكر الله عز وجل, فإذا كان الإنسان معه أوراق، وفيها شيء من ذكر الله, يعني أسماء الله عز وجل مثل الله أو الرحمن أو نحو ذلك، فإن هذا لا بأس به إن شاء الله؛ لأن هذا الحديث الذي استدلوا به حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد دخول الخلاء وضع خاتمه ) أخرجه أبو داود , لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    كيفية الجلوس عند قضاء الحاجة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى].هذا الأدب الثامن: يعني: إذا أردت أن تقضي الحاجة، فإن اعتمادك سيكون على رجلك اليسرى، وهذا اتفاق الأئمة، فالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يستحبون هذا, أن يعتمد الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته على رجله اليسرى.واستدلوا على ذلك بحديث سراقة بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى ) وهذا أخرجه الطبراني في معجمه وهو ضعيف، لكن إن كان هناك فائدة صحية فيقال: هذا هو الأولى، أما كونه سنة يعمل بها الإنسان ويقصدها لأنها واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم فنقول: هذا لم يرد فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    البعد والاستتار

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان في الفضاء أبعد واستتر].هذا الأدب الثامن من آداب قضاء الحاجة، أن الإنسان ينبغي له أن يستتر، والاستتار ينقسم إلى قسمين عند قضاء الحاجة:القسم الأول: استتار واجب؛ وهو أن يستر عورته؛ لقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:5]، ومن حفظ الفرج أن يحفظه الإنسان عن أن ينظر إليه من لا يحل له أن ينظر إليه, فلا يجوز للإنسان أن يكشف عورته في أثناء البول أو نحو ذلك أو الاستنجاء أو الاستجمار وهناك من ينظر إليه، نقول: هذا محرم ولا يجوز. وأيضاً حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: ( يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك )، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ العورة. هذا هو القسم الأول: حفظ وستر واجب. القسم الثاني: ستر مستحب؛ والستر المستحب أن يبتعد الإنسان حتى لا يرى شيء منه، يبتعد فلا يرى شيء من بدنه وهو يقضي حاجته، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث المغيرة في صحيح مسلم : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يقضي حاجته قال المغيرة : فأبعد حتى توارى عني ), فنقول: هذا ستر مستحب، بحيث إن الإنسان يختفي بدنه عن الناس بحيث لا يرى منه شيء.

    ارتياد موضع رخو للبول

    قال المؤلف رحمه الله: [ويرتاد لبوله موضعاً رخواً].يعني: يبحث عن مكان موضع لين، هذا هو الأدب التاسع، فلا يبول في أماكن قاسية, كالحجارة والصخور ونحو ذلك؛ لأن هذا ذريعة إلى أن يصيبه شيء من البول. ويدل لهذا الأدب سائر الأدلة في التنزه من البول، كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرأ من بوله )، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه ), فكونه يرتاد لبوله موضعاً رخواً هذا هو الأدب التاسع.

    عدم البول في ثقب أو شق

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يبول في ثقب ولا شق].هذا الأدب العاشر، أن الإنسان لا يعمد إلى ثقب، سواء كان في الأرض أو كان في الحقب يبول فيه؛ والدليل على ذلك: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر ), وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي وإسناده حسن. ومما يدل لذلك أن هذه الجحور وهذه الثقوب قد تكون مساكن لشيء من الهوام والحشرات، فتخرج عليه هذه الأشياء فيؤدي ذلك إلى تطاير شيء من النجاسة على بدنه أو ثيابه. فيستدل على ذلك أيضاً بما تقدم من الأدلة الدالة على أن الإنسان يتنزه من البول, فإذا بال في هذا الشق أو الجحر قد يؤدي ذلك إلى تطاير شيء من النجاسة على بدنه بسبب خروج هذه الأشياء.

    عدم البول في الطريق والظل النافع وتحت الشجرة المثمرة


    قال المؤلف رحمه الله: [ولا طريق، ولا ظل نافع، ولا تحت شجرة مثمرة].هذا هو الأدب الحادي عشر أن الإنسان لا يبول في طريق، ولا يبول أيضاً في ظل الناس، وكذلك أيضاً في منتزهات الناس وحدائقهم، والأماكن التي يتشمسون ويجلسون فيها في فصل الشتاء، أو الأماكن التي يبيعون فيها .. إلخ.فالقاعدة في ذلك: أن الإنسان لا يبول في مكان يحتاج إليه الناس, هذه القاعدة؛ والدليل على ذلك قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58]، كون الإنسان يبول في الطريق أو في ظل نافع أو تحت الأشجار التي عليها ثمار هذا فيه أذية للمؤمنين، والله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58]. وأيضاً ما تقدم لنا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يبول في طريق الناس أو ظلهم ).

    عدم استقبال الشمس والقمر بالفرج

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يستقبل الشمس والقمر بفرجه].الإنسان في أثناء قضاء الحاجة لا يستقبل الشمس بفرجه، ولا يستقبل أيضاً القمر بفرجه؛ وهذا عليه جمهور أهل العلم قالوا: يكره أن تستقبل الشمس أو تستقبل القمر وأنت تقضي الحاجة.وذهب بعض العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة، وأيضاً الشوكاني أن هذا لا يكره، كون الإنسان يستقبل الشمس أو يستقبل القمر هذا لا يكره. الجمهور قالوا: يكره لما فيهما من نور الله، وأيضاً عللوا بعلة أخرى، قالوا: بأن الشمس والقمر معهما الملائكة فيكره ذلك، لكن عندنا حديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا ), وإذا استقبل الإنسان المشرق فإنه سيستقبل الشمس، الشمس تشرق من المشرق، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( شرقوا أو غربوا ). ولو قلنا بهذه العلة التي ذكر العلماء رحمهم الله لما فيهما من نور الله أيضاً نقول: يلزم من ذلك أيضاً أن الإنسان ما يستقبل الكواكب، أيضاً الكواكب فيها من نور الله المخلوق, فالصواب في ذلك أنه لا يكره.

    عدم استقبال القبلة

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يستقبل القبلة].هذا الأدب الثاني عشر: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها أثناء قضاء الحاجة، أثناء البول أو أثناء الغائط. وهذه المسألة كثر فيها كلام أهل العلم رحمهم الله، لكن نلخص أهم الأقوال في هذه المسألة، يعني: استقبال القبلة حال البول وحال الغائط.فالمشهور من مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم : أن استقبال القبلة حال قضاء الحاجة أو استدبارها محرم ولا يجوز، يعني: لا يجوز للإنسان أن يستقبل أو يستدبر حال قضاء الحاجة، سواء كان ذلك في الصحراء أو كان ذلك في البنيان, لا فرق بين الصحراء والبنيان, يعني مطلقاً يحرم في الصحراء وفي البنيان، يحرم الاستقبال، ويحرم الاستدبار؛ وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذلك ابن القيم . واستدلوا بعمومات الأدلة الواردة في ذلك، من ذلك حديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط )، وهذا الحديث في الصحيحين. وأيضاً حديث سلمان رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم قال: ( نهانا صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ), وهذا يشمل الصحراء, وكذلك أيضاً يشمل البنيان. وأيضاً حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا جلس أحدكم إلى حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ). وهذا في صحيح مسلم , هذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة رحمه الله.الرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله من المالكية والشافعية والحنابلة, يفصلون في المسألة فيقولون: في الصحراء يحرم، يعني: إذا كان الإنسان في البر يحرم عليه أن يستقبل القبلة أو أن يستدبرها، وإذا كان في البنيان يجوز للإنسان أن يستقبل وأن يستدبر؛ مثل الآن دورات المياه، لو كان الإنسان مستقبل الكعبة أو كان مستدبراً لها هذا لا بأس به.هذا ما عليه الأئمة الثلاثة؛ ويستدلون عليه بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ( أنه رقي على بيت حفصة ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الكعبة مستدبر الشام ), وقالوا: كون النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك هذا يدل على أن هذا جائز في البنيان، وأما التحريم إنما هو خاص في الصحراء. هذا القول الثاني: فيه تفصيل، في البنيان يجوز الاستقبال والاستدبار، في الصحراء يحرم الاستقبال والاستدبار. الرأي الثالث يقابل الرأي الأول: وأن هذا جائز، يجوز لك أن تستقبل، ويجوز لك أن تستدبر في البنيان وفي الصحراء، لكن مع الكراهة؛ وهذا ما ذهب إليه داود الظاهري ؛ واستدلوا على ذلك بحديث جابر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا، ثم رأيته قبل أن يموت بعام مستقبل الكعبة وهو يبول). ففي حديث جابر الاستقبال، وفي حديث ابن عمر السابق الاستدبار, يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا، ثم رأيته قبل أن يموت بعام مستقبل الكعبة وهو يبول), وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وإسناده ثابت. والأقرب في هذه المسألة أن يقال: ما ورد من استقبال واستدبار إنما هو من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والنهي عن الاستقبال والاستدبار، هذا قول من أقوال النبي عليه الصلاة والسلام؛ وعلى هذا نقول: الأحوط للمسلم أن لا يستقبل وألا يستدبر؛ لأن الأحاديث القولية أقوى من الأحاديث الفعلية، وسواء كان ذلك في الصحراء، أو كان ذلك في البنيان. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن تحريم الاستقبال والاستدبار ورد في بضعة عشر حديثاً، فأدلة النهي هذه أحوط، فنقول: الأحوط للإنسان أن لا يستقبل وأن لا يستدبر.

    مسح الذكر ونتره بعد البول

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا انقطع البول مسح من أصل ذكره إلى رأسه، ثم ينتره ثلاثاً].هذا الأدب الثالث عشر: أن الإنسان إذا انتهى من البول يقوم بالمسح، بمعنى أن يجعل الإبهام على الذكر، والسبابة تحت الذكر، فيقوم بالسلت, والعلة في ذلك قالوا: لكي يخرج ما تبقى من البول؛ هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: بأنه بدعة، ولم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم. شيخ الإسلام رحمه الله يقول: الذكر مثل الدر -يعني مثل الضرع- إن تركته قر، وإن حلبته در، فكون الإنسان يقوم بهذا السلت هذا يسبب له سلس البول.فكما أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً هذا مما يكون سبباً لحدوث سلس البول، فكون الإنسان يقوم بالسلت هذا يؤدي له استمرار خروج الماء، وكما قال شيخ الإسلام: الذكر مثل الضرع إن حلبته در وإن تركته قر, وعلى هذا نقول: بأن هذا لا يشرع.كذلك أيضاً ما ذكره من النتر ثلاثاً، يعني: يحرك ذكره ثلاث مرات؛ لكي يخرج منه المتبقى من البول، سواء حركه بيده أو حركه بنفسه لكي يخرج ما تبقى من البول .. إلخ، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: هذا غير مشروع؛ لأن هذا كله مما يسبب الوسوسة، ويسبب للإنسان سلس البول وغير ذلك, فنقول: الصواب في مثل هذه المسائل أنها غير مشروعة.

    عدم مس الذكر باليمين عند البول وعدم الاستجمار بها


    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يمس ذكره بيمينه].هذا الأدب الخامس عشر، أن لا يمس ذكره بيمينه؛ ودليل ذلك ما تقدم من حديث أبي قتادة في الصحيحين: ( لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ) وهذا النهي للكراهة، يعني: أهل العلم رحمهم قالوا: يكره أن يمس ذكره بيمينه وهو يبول. قال المؤلف رحمه الله: [ولا يستجمر بها].هذا الأدب السادس عشر، لا يستجمر بيمينه، وإنما يكون الاستجمار بالشمال، وهذا تقدم لنا وذكرنا القاعدة في هذه المسألة؛ ويدل لذلك ما تقدم من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه، وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولا يتمسح من الخلاء بيمينه )، وهذا عند أهل العلم رحمهم الله مكروه؛ لأن هذا من باب الإرشاد والآداب.

    الاستجمار وتراً

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يستجمر وتراً].هذا الأدب السادس عشر: أنه يستجمر وتراً، الاستجمار أقله ثلاث مسحات إذا أنقى، فإن لم ينق فإن الإنسان يزيد رابعة وجوباً، ثم بعد ذلك يزيد خامسة استحباباً لكي يقطع على وتر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وإذا استجمر أحدكم فليوتر ), هذا حديث أبي هريرة في الصحيحين. فنقول: إذا أنقى بثلاث الحمد الله، ما أنقى بثلاث يزيد رابعة وجوباً وخامسة استحباباً، إذا لم ينق بالخمس يزيد سادسة وجوباً وسابعة استحباباً.. وهكذا لكي يقطع على وتر.

    الاستنجاء بالماء أو الاقتصار على الاستجمار بالحجارة

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يستنجي بالماء, فإن اقتصر على الاستجمار أجزأه].إذا انتهى الإنسان من حاجته فله ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يجمع بين الاستجمار والاستنجاء، يعني: يستجمر بالحجارة وبالمناديل أولاً ثم بعد ذلك يستنجي؛ وقد ورد عن عائشة أنها قالت: ( مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر غائط, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله )، وهذا أخرجه أبو داود والترمذي وإسناده صحيح. وأيضاً: هذا أبلغ في النظافة، كون الإنسان يجمع بين الاستنجاء والاستجمار هذا أبلغ. الحالة الثانية: أن يقتصر على الاستنجاء، فهذا أيضاً لا بأس به، وهي أقل من المرحلة التي سبقتها؛ ويدل لذلك ما في الصحيحين حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى الخلاء, قال: فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء ). المرتبة الثالثة: أن يقتصر على الاستجمار، وهذا أيضاً لا بأس به؛ ويدل لذلك حديث ابن مسعود : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى الخلاء فأتاه ابن مسعود بحجرين وروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة, وقال: هذا رجس ). وهذا في صحيح البخاري .

    شروط الاستجمار


    قال المؤلف رحمه الله: [وإنما يجزئ الاستجمار إذا لم يتعد الخارج موضع الحاجة].الاستجمار هذا يشترط له شروط: الاستنجاء بالماء أمره ظاهر، يعني: أن يعود المحل كما كان، يعني يتنظف المحل من أثر النجاسة ويعود كما كان, أما بالنسبة للاستجمار بالخرق أو بالمناديل أو بالتراب أو بالحجارة ونحو ذلك فهذا له شروط: الشرط الأول: هو ما قاله المؤلف: (إذا لم يتعد الخارج موضع الحاجة)، وما هي العادة التي ينتشر البول إليها إذا خرج من الذكر، يعني يكون عند الثقب وما حول الثقب، ما هو المكان الذي ينتشر إليه الغائط إذا خرج من الإنسان؟ فإن انتشر الغائط وتعدى الموضع الذي في العادة يصل إليه، فمثلاً إلى شيء من الصحفتين، أيضاً بالنسبة للبول تعدى إلى شيء من الحشفة, يقول المؤلف رحمه الله: إذا تعدى موضع الحاجة لا يجزئ فيه إلا الماء.والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يجزئ مطلقاً، أن الاستجمار يجزئ حتى ولو تعدى الخارج موضع الحاجة؛ لأن الاستجمار رخص فيه الشارع، فإذا كان في أصله رخص فيه فلا يشدد، ولذلك الاستجمار يبقى معه شيء من النجاسة، ومع ذلك رخص الشارع في ذلك.فنقول: الصواب أن هذا ليس شرطاً، وأنه حتى ولو تعدى الخارج موضع الحاجة فإن هذا لا بأس به.قال المؤلف رحمه الله: [ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات منقية].هذا الشرط الثاني: لا بد من ثلاث مسحات؛ ويدل على ذلك حديث سلمان رضي الله تعالى عنه وفيه: ( وأن لا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار )، فلا بد من ثلاثة أحجار، وأيضاً ما تقدم من حديث ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الخلاء وأتاه ابن مسعود بثلاثة أحجار وروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا رجس ), فلا بد من ثلاث مسحات، هذا الشرط الثاني.هذا الشرط الثالث قوله: (منقية) يعني أن يكون ما يستجمر به منقياً، ما يستجمر به لا بد أن يكون منقياً, فإن كان لا ينقي فهذا لا يجزئ الاستجمار به، مثلاً لو استجمر الإنسان بزجاج، الزجاج لا ينقي، أو استجمر بحجارة ملساء مثل الرخام ونحو ذلك، هذه الأشياء لا تنقي، فلا يجزئ الاستجمار بها. قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز الاستجمار بكل طاهر].هذا الشرط الرابع: أن يكون ما يستجمر به طاهراً، وعلى هذا إذا كان نجساً فإنه لا يصح الاستجمار به؛ ويدل على ذلك ما تقدم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه ابن مسعود بحجرين وروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا رجس ). يعني: هذا نجس. قال المؤلف رحمه الله: [ويكون منقياً إلا الروث والعظام وما له حرمة].هذا الشرط الخامس: أن لا يكون روثاً ولا عظاماً، فلا يجزئ الاستجمار بالروث والعظام، ما هو الدليل على ذلك؟الأدلة على ذلك كثيرة؛ من ذلك ما تقدم من حديث ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الروثة وقال: إنها رجس ). وأيضاً: حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنها زاد إخوانكم من الجن ). وذلك لما اجتمع النبي بالجن وسألوه عن طعامهم فقال عليه الصلاة والسلام: ( لكم كل عظم ذكر عليه اسم الله تجدونه أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لبهائمكم )، فالعظام الذي يذكر عليها اسم الله عز وجل يجدها إخواننا الجن أوفر ما تكون لحماً، وهذا البعر يكون علفاً لبهائم الجن، فنهى الشارع أن يستنجي الإنسان بهذه الأشياء؛ لأنه يلوثها على إخوانه من الجن، ويكون فيه أذية لهم. قال المؤلف رحمه الله: [وما له حرمة].الشرط السابع: كل ما له حرمة لا يجوز الاستنجاء به، مثل طعام الآدميين, إذا كان طعام الجن لا يجزئ الاستجمار به، فطعام الآدميين من باب أولى، وهو من كفر النعمة. وكذلك أيضاً: إذا كان طعام بهائم الجن لا يجزئ الاستجمار به، فكذلك أيضاً طعام بهائم الإنس أيضاً لا يجزئ الاستجمار به. وكذلك أيضاً ما يتعلق بكتب العلم وغير ذلك، كل شيء له حرمة فإنه لا يجزئ أن يستجمر به.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الطهارة [4]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    شرع الله الوضوء ليطهر المسلم ظاهراً وباطناً, فهو طهارة حسية للأعضاء, وطهارة معنوية للسيئات, وله أركان وسنن.ومن رحمة الله بعباده أن رخص لهم المسح على الخفين دفعاً للمشقة, وهذا المسح له أحكام وضوابط.

    الوضوء


    حكم الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا أن ينويه].الوضوء حكمه أنه شرط لصحة الصلاة, وأيضاً شرط لمس المصحف، يعني: لا يحل مس المصحف إلا بوضوء، كما أن الصلاة أيضاً لا تصح إلا بوضوء. وسيأتينا إن شاء الله ما هي الأشياء التي تشترط لها الطهارة، أو تشرع لها الطهارة وما هي الأشياء التي لا تشترط أو تشرع لها الطهارة. دليل شرطيته للصلاة: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، وهذا في الصحيحين.

    النية في الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا أن ينويه؛ لحديث عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى )].فالوضوء عبادة لا بد لها من النية؛ لأن الإنسان قد يغسل أعضاءه الأربعة على وجه التنظف، أو على وجه التبرد، أو على وجه التعبد، فلا بد من النية التي تميز العبادة عن العادة.

    البسملة في الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يقول بسم الله].البسملة المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنها واجبة للوضوء مع الذكر، وتسقط بالنسيان، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله. واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ).وهذا الحديث أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي وله شواهد كثيرة، وله طرق كثيرة؛ فمن شواهده حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه, وحديث أبي سعيد الخدري وحديث عائشة وحديث أبي سبرة وأم سبرة وغيرهم. واختلف أهل العلم رحمهم الله في ثبوت هذا الحديث، هل هو ثابت أو ليس ثابتاً؟على رأيين لأهل العلم في ثبوته: فبعض أهل العلم لم يثبته؛ ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: لم يثبت في هذا الباب شيء. وبعض العلماء أثبت هذا الحديث، وممن أثبته وقواه ابن حجر, وكذلك أيضاً المنذري، وحسنه ابن الصلاح وابن كثير ، وقال ابن أبي شيبة : ثبت.فإن ثبت هذا الحديث فإنه لا يدل على الوجوب كما ذكر الحنابلة رحمهم الله, وإنما يدل على المشروعية والاستحباب؛ لأن أكثر الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا التسمية كـعثمان وعبد الله بن زيد ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمرو .. إلخ, فالذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من اثنين وعشرين صحابياً. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن التسمية واجبة مع الذكر وتسقط بالنسيان، لو أن الإنسان نسي ولم يذكر التسمية حتى انتهى من وضوئه فإن وضوءه صحيح.الرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم أن التسمية مستحبة وليست واجبة؛ ودليل ذلك ما تقدم من الجمع بين حديث أبي هريرة : ( لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) وبين ما تقدم إيراده أن أكثر الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا التسمية. وذهب بعض أهل العلم إلى أن التسمية أصلاً ليست مشروعة، بناء على أن هذا الحديث ليس ثابتاً.

    غسل الكفين ثلاثاً

    قال المؤلف رحمه الله: [ويغسل كفيه ثلاثاً].يستحب للإنسان في بدء الوضوء أن يغسل يديه ثلاث مرات؛ ودليل ذلك حديث عثمان رضي الله تعالى عنه الثابت في الصحيحين، لما حكى صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فإنه غسل كفيه ثلاث مرات. إلا إذا كان الإنسان قائماً من نوم الليل الناقض للوضوء كما سبق لنا فإنه يجب عليه أن يغسل يديه ثلاث مرات؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده ).

    المضمضة والاستنشاق

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يتمضمض ويستنشق يجمع بينهما بغرفة واحدة أو ثلاث].المضمضمة: إدخال الماء في الفم، وسيأتينا إن شاء الله أن المضمضمة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: مضمضة واجبة. والقسم الثاني: مضمضة مستحبة. كذلك أيضاً الاستنشاق يأتينا أنه ينقسم إلى قسمين: استنشاق واجب. واستنشاق مستحب.فالمضمضمة: هي إدخال الماء في الفم، والاستنشاق هو جذب الماء إلى الأنف عن طريق النفس، وسيأتي إن شاء الله ما يجزئ من المضمضة والاستنشاق.يقول المؤلف رحمه الله: (يجمع بينهما بغرفة واحدة) المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن المضمضة والاستنشاق كلاً منهما واجبة، واجبة في الطهارة الصغرى وفي الطهارة الكبرى، ويجب إذا توضأ أن يتمضمض وأن يستنشق، وإذا اغتسل أيضاً غسلاً عن حدث أكبر فإنه يجب عليه أن يتمضمض وأن يستنشق، كذلك أيضاً إذا اغتسل غسلاً مشروعاً لا يتم ذلك إلا بالمضمضمة والاستنشاق، فهم يرون أن المضمضة والاستنشاق كلاً منهما واجبة في الطهارة الصغرى وفي الطهارة الكبرى.ودليلهم على ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6] فقال الله عز وجل: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، ومما يدخل في غسل الوجه المضمضة والاستنشاق، إذ إن الفم من الوجه، والأنف من الوجه. ويدل لذلك أن الإنسان إذا كان صائماً وأوصل الماء إلى فمه أو أنفه فإنه لا يفطر؛ ويدل لذلك أيضاً إلى ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر )، وهذا أمر, والأمر يفيد الوجوب. وأيضاً ورد في سنن أبي داود من حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأت فمضمض )، ومما يدل أيضاً على ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب المضمضة والاستنشاق أن الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وكما سبق لنا ما يقرب من اثنين وعشرين صحابياً لم يذكروا أن النبي عليه الصلاة والسلام أخل بهما، فكون النبي عليه الصلاة والسلام داوم عليهما هذا مما يشهد للوجوب. وعند الشافعي رحمه الله ومالك أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء, في الطهارة الكبرى وفي الطهارة الصغرى، وعند أبي حنيفة رحمه الله أن المضمضة والاستنشاق واجبتان في الطهارة الكبرى دون الطهارة الصغرى.لكن ما ذكرناه من الأدلة يشهد لما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله, وأن المضمضة والاستنشاق كلاً منهما واجبة في الطهارة الكبرى وفي الطهارة الصغرى.قال المؤلف رحمه الله: (يجمع بينهما بغرفة واحدة أو ثلاث).هذا بيان للأفضلية، أن السنة إذا أردت أن تتوضأ تجمع بين المضمضة والاستنشاق لا تفصل بينهما؛ ولهذا قال ابن القيم رحمه الله إنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق. فحديث زيد بن ثابت الثابت في الصحيح يدل على أن السنة أن تجمع بين المضمضة والاستنشاق سواء كان ذلك في ثلاث غرفات أو في غرفة واحدة، المذهب أن تأخذ غرفة تمضمض ببعضها وتستنشق بالباقي، ثم تأخذ الغرفة الثانية، تمضمض ببعضها وتستنشق بالباقي، وهكذا الثالثة.قال المؤلف: (بغرفة واحدة). تأخذ غرفة تتمضمض ببعضها وتستنشق، ثم تتمضمض وتستنشق، ثم تتمضمض وتستنشق، وهذا كله وارد من حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه, فإن عبد الله بن زيد لما ذكر صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ( أن النبي عليه الصلاة والسلام تمضمض واستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات ), وهذا في الصحيحين, وفي صحيح البخاري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق ثلاثاً بغرفة واحدة )، ولو أن الإنسان فصل، تمضمض ثم أخذ الماء واستنشق هذا لا بأس، لكن السنة كما ذكر المؤلف رحمه الله: أن تتمضمض وتستنشق بثلاث غرفات، ولا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، فليأخذ غرفة، ويتمضمض ببعضها ويستنشق بالباقي، وهكذا الثانية، وهكذا الثالثة. أو يأخذ غرفة واحدة ويتمضمض بالبعض ويستنشق، ثم يتمضمض ويستنشق، ثم يتمضمض ويستنشق، كما في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه.

    غسل الوجه

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يغسل وجهه ثلاثاً من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً].هذا هو الركن الأول من أركان الوضوء: غسل الوجه، وغسل الوجه دل عليه القرآن والسنة والإجماع، القرآن كما تقدم في آية المائدة، والسنة أن الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك، كما في حديث عثمان وعبد الله بن زيد وعلي وعبد الله بن عمرو ، والإجماع قائم على وجوب غسل الوجه. وبين المؤلف رحمه الله حده فقال: (من منابت شعر الرأس طولاً).قال العلماء رحمهم الله: من منابت شعر الرأس المعتاد، فلا عبرة بالأقرع، الأقرع الذي ينحسر شعر رأسه، ولا عبرة بالأجلح، الأجلح الذي يكون له شعر ينزل على الرأس ويكون في الجبهة، لا عبرة بالأقرع، ولا عبرة بالأجلح.وحد بعض العلماء حداً أحسن من هذا قال: بدلاً من أن نقيد من منابت شعر الرأس نقول: بأن الوجه الذي يجب غسله هو ما تحصل به المواجهة، فإذا حصل انحناء الرأس فإنه لا يجب غسله، ما يتعلق بالانحناء هذا لا يجب غسله، لكن غسله هو ما تحصل به المواجهة, هذا من جهة الأعلى. وأما من جهة الأسفل، فبينه المؤلف رحمه الله قال: (إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً).أما بالنسبة لشعر اللحية فهذا سيأتي بيانه إن شاء الله.قال المؤلف رحمه الله:[ومن الأذن إلى الأذن عرضاً].لأن هذا كله يطلق عليه وجه في اللغة العربية وتحصل به المواجهة، ويدخل في الوجه كما سبق لنا: المضمضة والاستنشاق، فإن المضمضة والاستنشاق كلٌ منهما واجب، ومن غسل الوجه.


    تخليل اللحية

    قال المؤلف رحمه الله: [ويخلل لحيته إن كانت كثيفة، وإن كانت تصف البشرة لزمه غسلها].بالنسبة لشعر اللحية ذكر المؤلف رحمه الله فيه تفصيلاً فقال: إن كان شعر اللحية كثيفاً فيجب أن يغسل ظاهرها فقط، أما بالنسبة لتخليل شعر اللحية فهذا سيأتينا إن شاء الله، وأن المؤلف رحمه الله يجعله من سنن الوضوء. أما الواجب فإنه يجب عليه أن يغسل الظاهر إذا كانت اللحية كثيفة؛ لأن هذا مما تحصل به المواجهة، وأما إن كانت خفيفة ترى البشرة من ورائها فإنه يجب غسل هذه البشرة، ويجب غسل اللحية والبشرة التي ترى من ورائها؛ لعموم قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، وما دامت هذه البشرة ترى وظاهرة لكون اللحية خفيفة فهذه البشرة داخلة في قول الله عز وجل: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6].

    غسل اليدين إلى المرفقين

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يغسل يديه الى المرفقين ثلاثاً ويدخلهما في الغسل].يغسل يديه، هذا أيضاً الركن الثاني من أركان الوضوء، وغسل اليدين هذا دل عليه القرآن والسنة والإجماع: أما القرآن: فقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، وأما السنة فالذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أن النبي عليه الصلاة والسلام أخل بغسل اليدين، والإجماع قائم على ذلك. وقول المؤلف رحمه الله: (ويدخلهما في الغسل) يعني: يدخل المرفقين في الغسل، هذا رد على قول الظاهرية، فإن الظاهرية يرون أن المرفقين لا يجب غسلهما أخذاً بظاهر القرآن في قول الله عز وجل: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، فقالوا: (إلى) هذه تفيد الغاية، وعلى هذا المرفق ليس داخلاً في الغسل؛ لأن الله عز وجل قال: إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]. وأجاب العلماء عن ذلك قالوا: بأن (إلى) هنا بمعنى (مع) كقول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2] أي: مع أموالكم.وأيضاً الجواب الثاني: أن السنة بينت أن المرفق يغسل؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ( فإن أبا هريرة توضأ وغسل يديه حتى أشرع في العضد، وغسل رجليه حتى أشرع في الساق، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ). فقوله: (أشرع في العضد), هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل مرفقيه. وقوله في الحديث: ( أشرع في الساق), هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل كعبيه. فنقول: بالنسبة للمرفقين داخلان في غسل اليد، يجب على الإنسان أن يغسل مرفقيه، وأما قوله: (إلى) فقلنا: أجبنا عن ذلك بجوابين.

    مسح الرأس مع الأذنين

    قال: [ثم يمسح رأسه مع الأذنين يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمرهما إلى قفاه].هذا الركن الثالث من أركان الوضوء، أن يمسح رأسه، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يجب عليه يمسح جميع رأسه، وهذا هو الصواب, وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الإمام مالك أن الإنسان في الوضوء يجب عليه أن يمسح كل رأسه، ولا يجب عليه أن يستوعب كل شعرة بالمسح، بل يجب عليه أن يمر يديه على كل الرأس. وهذا كما قلنا: مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الإمام مالك، خلافاً لـأبي حنيفة والشافعي فإنهما قالا: يكتفى بالبعض، فعند الشافعية قالوا: لو مسح ثلاث شعرات يكفي ذلك، وعند الحنفية يقيدونه بالربع. لكن الصواب في ذلك ما ذهب إليه الإمام أحمد ومالك ؛ لقول الله عز وجل: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، والباء هنا للإلصاق. وأيضاً الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أن النبي عليه الصلاة والسلام اقتصر على مسح بعض الرأس, بل كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يمسح كل رأسه. قال: (مع الأذنين).أيضاً الأذنان يجب مسحهما؛ ودليل ذلك القرآن، قول الله عز وجل: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، والأذنان من الرأس، والله عز وجل أمر بمسح الرأس، فإذا كان كذلك فيدخل في هذا الأمر الأمر بمسح الأذنين، فيجب مسح الأذنين. وأيضاً: يدل لذلك حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأذنان من الرأس )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم، وهذا الحديث إسناده إن شاء الله حسن.

    كيفية مسح الرأس

    قال المؤلف رحمه الله: [يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمرهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه].هذه الكيفية سنة، كيفما مسح الإنسان رأسه أجزأ، سواء بهذه الكيفية التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى أو بغيرها، المهم أن يستوعب الرأس بالمسح. لكن الذي دل عليه حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه إلى قفاه ، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه )، كما ذكر المؤلف رحمه الله. فنقول: السنة للإنسان أن يبدأ بمقدم رأسه إلى فقاه، ثم يرده.

    غسل القدمين مع الكعبين

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ويدخلهما في الغسل].يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً, هذا هو الركن الرابع من أركان الوضوء، هذا دل عليه القرآن والسنة والإجماع كما سلف. قال المؤلف رحمه الله: (إلى الكعبين) (إلى) هنا كما سلف لنا أنها بمعنى (مع), ولا يفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن الكعبين ليسا داخلين في الوضوء، بل الكعبان داخلان في الوضوء. وتقدم لنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( أنه توضأ وغسل يديه حتى أشرع في العضد، وغسل رجليه حتى أشرع في الساق، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ). وأما قول الله عز وجل: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، فنقول: بأن (إلى) بمعنى (مع) كما في قول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2] أي: مع أموالكم، أو نقول: بأن ظاهر القرآن دل على عدم دخول الكعبين, والسنة دلت على دخول الكعبين، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.


    تخليل الأصابع

    قال المؤلف رحمه الله: [ويدخلهما في الغسل ويخلل أصابعهما].تخليل الأصابع سنة، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن تخليل الأصابع سنة مطلقاً، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مداوماً على تخليل الأصابع. وفي حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع ), فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر بتخليل الأصابع، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والدارمي وهو ثابت. فنقول: يستحب للإنسان أن يخلل أصابع اليدين وأصابع الرجلين، لكن لا يداوم على ذلك، بل يفعل ذلك في بعض الأحيان، كما ذكر ابن القيم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على ذلك.

    الذكر بعد الفراغ من الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يرفع نظره إلى السماء فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله].رفع النظر إلى السماء واستقبال القبلة ورفع السبابة أثناء الوضوء هذه كلها لا أصل لها، يعني: كون الإنسان إذا انتهى من وضوئه، رفع بصره إلى السماء, واستقبل القبلة, ورفع سبابته هذه كلها لا أصل لها من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.قال المؤلف رحمه الله: (فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).هذا ثابت من حديث عمر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء ), فيستحب للمسلم إذا فرغ من وضوئه أن يقول هذا الذكر. وكذلك أيضاً في الترمذي يقول: ( اللهم اجعلني من التوابين, واجعلني من المتطهرين )، يزيد أيضاً: ( اللهم اجعلني من التوابين, واجعلني من المتطهرين )، وورد أيضاً ذكر ثالث كما في حديث أبي سعيد : ( سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ) في عمل اليوم والليلة للنسائي . وهذا الذكر اختلف العلماء رحمهم الله هل هو مرفوع أو موقوف على أبي سعيد؟ على رأيين، والأظهر كما رجح ابن حجر وكما هو رأي النسائي والدارقطني أنه موقوف على أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، وإذا كان موقوفاً فإن هذا له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بمجرد الاجتهاد. وعلى هذا نقول: إذا انتهى من وضوئه يستحب له أن يذكر الله, فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله .. إلخ. ثم يقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    صفات الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [والواجب من ذلك النية، والغسل مرة مرة ما خلا الكفين].الوضوء ورد له أربع صفات، يعني: الوضوء في السنة بالنسبة لكيفيته ورد له أربع صفات: الصفة الأولى: أن يتوضأ مرة مرة، يعني: يتمضمض مرة ويستنشق مرة، ويغسل وجهه مرة ويديه .. إلخ. أن يتوضأ مرة مرة، هذه هي الصفة الأولى.الصفة الثانية: أن يتوضأ مرتين مرتين، أن يتمضمض مرتين ويستنشق مرتين، ويغسل وجهه مرتين, ويديه مع المرفقين مرتين، ومسح الرأس دائماً يكون مرة واحدة، ويغسل رجليه مرتين.والصفة الثالثة: أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً؛ فيتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه ثلاث مرات، ويغسل يديه أيضاً ثلاث مرات، ومسح الرأس يكون مرة واحدة، ويغسل رجليه ثلاث مرات.والصفة الرابعة: أن يخالف، فيغسل وجهه مع المضمضة والاستنشاق ثلاثاً، ويغسل يديه مرتين، ويغسل الرجلين مرة واحدة.فهذه أربع صفات للوضوء, وسبق أن أشرنا أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يشرع أن يؤتى بهذه تارة وبهذه تارة لكي يعمل الإنسان بالسنة الواردة عن نبينا صلى الله عليه وسلم كلها.

    الترتيب بين أعضاء الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [ومسح الرأس كله وترتيب الوضوء على ما ذكرنا].هذا الركن الخامس من أركان الوضوء، أن يرتب الإنسان هذه الأعضاء الأربعة كما رتبه الله عز وجل، فيبدأ بغسل الوجه، ثم باليدين، ثم بمسح الرأس ثم بغسل الرجلين، يرتبها هكذا: يبدأ بالوجه، ثم باليدين، ثم الرأس, ثم الرجلين. ولا يجب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق؛ فلو غسل وجهه ثم تمضمض واستنشق لا بأس، أو استنشق ثم غسل وجهه هذا لا بأس، لكن الأحسن الإنسان يطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، يبدأ بالمضمضة ثم بالاستنشاق ثم يغسل وجهه، لكن لو قدم هذه الأشياء بعضها على بعض فإن هذا لا بأس به؛ لأن الوجه عضو واحد.كذلك أيضاً بالنسبة لليدين هما عضو واحد، لو قدم اليسرى على اليمنى فإن هذا لا بأس به، ولهذا قال علي رضي الله تعالى عنه: لا أبالي بأي أعضاء الوضوء بدأت، يعني: يقصد الميامن والمياسر، فإذا بدأ باليسرى ثم باليمنى هذا لا بأس, لكن يبدأ باليمنى ثم باليسرى؛ ( لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعجبه التيمن في ثلاث: في ترجله, وفي طهوره, وفي شأنه كله )، لكن المقصود بالترتيب هنا أن يرتب هذه الأعضاء الأربعة كما رتبها الله عز وجل، ودليل ذلك القرآن، أن هذه الأعضاء الأربعة وردت مرتبة، والله عز وجل أدخل الممسوح بين المغسولات، فكون الممسوح يدخل بين المغسولات يدل على اشتراط الترتيب، وإلا كان الأولى أن تكون المغسولات ثم بعد ذلك يكون الممسوح، لكن كون الممسوح يدخل بين المغسولات هذا يدل على اعتبار الترتيب. كذلك أيضاً لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخل بالترتيب، وهذا قول جمهور أهل العلم، أنه يجب الترتيب، وعند أبي حنيفة رحمه الله أن الترتيب في الوضوء ليس واجباً؛ واستدل بحديث المقداد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل كفيه، ثم وجهه ثلاثاً، ثم ذراعيه، ثم تمضمض واستنشق ). وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما لكن هذا شاذ، وعلى هذا نقول: الصواب في هذه المسألة: أن الإنسان يجب عليه أن يرتب كما ورد في القرآن, وكما رتب النبي صلى الله عليه وسلم.

    الموالاة في الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله].هذا الركن السادس من أركان الوضوء وهو الموالاة، بأن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله، يوالي بين الأعضاء، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ويدل لذلك حديث خالد بن معدان رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يعيد الوضوء والصلاة ). وهذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره, وأيضاً ورد من حديث عمر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم, فكون النبي عليه الصلاة والسلام يأمره أن يعيد الوضوء هذا دليل على اعتبار الموالاة. والرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الموالاة واجبة، لكنها تسقط عند العذر، فإذا حصل عذر للإنسان فإن الموالاة لا تجب، فلو أن الإنسان يتوضأ وانقطع عليه الماء احتاج إلى ماء، وتأخر في غسل بعض الأعضاء, أو أنه احتاج إلى أن يزيل الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة، وحصل فاصل بين العضوين أو مثلاً الإنسان حصل له ما يشغله، احتاج أن يسعف شخصاً .. إلخ فمادام وجدت هذه الأعذار، فإنها تسقط الموالاة. واستدل على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأدلة؛ من ذلك قال الله عز وجل في كفارة الظهار: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ -أي: عتق رقبة- فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة:4]، فالله عز وجل أوجب في صيام الكفارة أن يصوم الإنسان شهرين متتابعين، وإذا حصل عذر شرعي للإنسان، وأخل بهذا التتابع، فإنه لا يبطل صيامه، فلو أن الإنسان حصل له عذر من مرض وأفطر فإن هذا الإفطار لا ينكر عليه, بل إذا شفي من مرضه فإنه يكمل ويقضي ما أفطره متتابعاً. كذلك أيضاً في كفارة القتل: يجب على الإنسان أن يصوم شهرين متتابعين، لو أن المرأة حاضت فإنها تفطر وتقضي, وهذا الإفطار لا يخل بالتتابع. ذكر أيضاً ما يتعلق بقراءة الفاتحة؛ لو أن الإنسان قطع القراءة لاستماع القراءة، المأموم يجب عليه أن يقرأ الفاتحة، ثم بعد ذلك قطع قراءة الفاتحة لكونه يستمع إلى إمامه أو غير ذلك من الأعذار فإنه لا تبطل قراءته ولا يخل هذا بالتتابع, هذا الرأي الثاني. الرأي الثالث: أن الموالاة ليست واجبة، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ واستدلوا بالأثر الوارد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه توضأ ثم دخل المسجد، فدعي بجنازة فمسح على خفيه. ويجاب عن هذا بأنه محمول على الفاصل، أن ابن عمر توضأ ثم دخل المسجد ثم بعد ذلك مسح على خفيه، وكونه مسح على الخفين في المسجد لا يلزم من ذلك أن يكون الفاصل كثيراً. والأقرب في ذلك: ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله, وأن الموالاة واجبة، إلا إذا حصل عذر يقطع هذه الموالاة، فإن هذا العذر لا يبطل التوالي، فلا نقول للإنسان: إن وضوءه قد بطل لإخلائه بهذه الموالاة بغير عذر.وعندنا قاعدة سواء في ذلك الوضوء أو غير ذلك من العبادات: كل عبادة مركبة من أجزاء فإنها لا بد فيها من أمرين: الأمر الأول: الترتيب. والأمر الثاني: التوالي إلا لعذر بالنسبة للتوالي, وإلا لم تكن على وفق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.


    التسمية في الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [والمسنون التسمية].تقدم أن التسمية على المشهور من المذهب واجبة مع الذكر وتسقط بالنسيان، وهنا المؤلف رحمه الله وافق جمهور أهل العلم وأن التسمية ليست واجبة وإنما هي سنة. وغسل الكفين أيضاً من سنن الوضوء, كون الإنسان يغسلهما ثلاث مرات؛ كما تقدم من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه.

    المبالغة في المضمضة والاستنشاق

    قال المؤلف رحمه الله: [والمبالغة في المضمضة والاستنشاق].المضمضة كما أسلفنا لها كيفيتان، والاستنشاق له كيفيتان، أما الكيفية الواجبة للمضمضة أن يوصل الماء إلى داخل الفم، إذا أوصل الماء إلى داخل الفم فقد أتى بالواجب، وأضاف بعض العلماء رحمهم الله قال: أن يحركه أدنى تحريك. الكيفية الثانية، الكيفية المستحبة: أن يدير الماء في جميع الفم.فالكيفية الواجبة: أن يوصل الماء إلى داخل الفم, والكيفية المستحبة: أن يديره في جميع الفم.أيضاً الاستنشاق له كيفيتان: كيفية واجبة, وكيفية مستحبة. الكيفية الواجبة: أن يوصل الماء داخل الأنف.والكيفية المستحبة: أن يجذب الماء إلى أقصى الأنف.وقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه إذا أوصل الماء بأي طريق، سواء كان بجذب النفس أو بغيره من الطرق فإن ذلك كاف, المهم أن يصل الماء إلى داخل الأنف. والمستحب: أن تجذبه إلى أقصى الأنف؛ إلا أن يكون صائماً؛ لحديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ).

    تخليل اللحية

    قال المؤلف رحمه الله: [وتخليل اللحية].أيضاً تخليل اللحية مستحب، بحيث يأخذ الإنسان شيئاً من الماء إذا كانت اللحية كثيفة، أما إذا كانت اللحية خفيفة فإنه يجب أن يغسلها ويغسل ما وراءها من البشرة؛ لما تقدم من الدليل على ذلك، لكن إذا كانت اللحية كثيفة فإنه يأخذ شيئاً من الماء بكفه ويحركه من تحت الذقن، ثم يأخذ أيضاً بكفه من الماء ويحرك الجانب الأيمن، ثم الجانب الأيسر. وهذا دليله حديث عثمان رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته ), وهذا الحديث هل هو ثابت أو ليس ثابتاً؟ بعض العلماء حكم عليه بالشذوذ، لكن بعض العلماء أثبته، لكن حتى لو قلنا بأنه لم يثبت فإن هذا التخليل وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وعلى هذا نقول: يستحب للإنسان كما ذكر ابن القيم أن يخلل في بعض الأحيان، في بعض الأحيان يخلل لحيته ولا يداوم على ذلك, بل نقول: في بعض الأحيان يخلل, وفي بعض الأحيان يترك التخليل، وكذلك أيضاً مثله الأصابع في بعض الأحيان تخلل, وفي بعض الأحيان تترك التخليل.

    مسح الأذنين

    قال المؤلف رحمه الله: [ومسح الأذنين].بالنسبة لمسح الأذنين ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه سنة، وهذا فيه نظر، وقد تقدم أن الأذنين من الرأس، وتقدم حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( الأذنان من الرأس ). أيضاً تقدم لنا أن الله عز وجل قال: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، ومما يدخل في مسح الرأس مسح الأذنين, فالصواب أن مسح الأذنين واجب وليس سنة كما ذكر المؤلف رحمه الله. وفي حديث ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ), وهذا الحديث صححه الترمذي ، أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه .

    التيامن

    قال المؤلف رحمه الله: [وغسل الميامن قبل المياسر].غسل الميامن قبل المياسر، يعني: يغسل يده اليمنى قبل اليسرى، يغسل رجله اليمنى قبل اليسرى، هذا سنة؛ لما تقدم لنا من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه -أي يستحب- التيمن في ثلاث: في تنعله -ترجله- وطهوره وفي شأنه كله ).

    التثليث

    قال المؤلف رحمه الله: [والغسل ثلاثاً ثلاثاً].ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن هذا سنة مطلقاً, والصواب أن هذا ليس سنة مطلقاً، يعني كون الإنسان يغسل ثلاثاً ثلاثاً هذا ليس سنة مطلقاً، بل في بعض الأحيان يغسل مرة مرة، وفي بعض الأحيان يغسل مرتين مرتين، وفي بعض الأحيان يغسل ثلاثاً ثلاثاً، وفي بعض الأحيان يخالف فيغسل ثلاثاً بالنسبة للوجه، وبالنسبة لليدين يغسل مرتين، وبالنسبة للرجلين يغسل مرة واحدة، يعني: يأتي بسائر الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.قال المؤلف رحمه الله: [وتكره الزيادة عليها].ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يزيد على ثلاث غسلات، وهذا الصواب، قال المؤلف رحمه الله: يكره، فإن صريح كلامه أن هذا مكروه، يكره للإنسان أن يزيد على ثلاث غسلات، وهذا صواب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يزد على الثلاث، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( سيكون أقوام من أمتي يعتدون في الدعاء والطهور )، وهذا من الاعتداء، كون الإنسان يزيد على ثلاث غسلات هذا من الاعتداء في الطهارة، والإسراف في الماء. أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: (يكره أن يسرف في الماء) لقول الله عز وجل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، وقوله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27]، وهذا تقدم لنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( سيكون أقوام من أمتي يعتدون في الدعاء والطهور ).


    السواك

    قال المؤلف رحمه الله: [ويسن السواك].السواك يطلق على الآلة، ويطلق على الفعل، فالفعل يسمى سواكاً، والآلة التي يستاك بها يسمى سواكاً، ويقول المؤلف رحمه الله: يسن السواك، السواك سنة مطلقاً في كل وقت؛ لحديث عائشة في البخاري معلقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب )، وإذا كان مطهرة للفم، ومرضاة للرب فإن طهارة الفم ورضا الرب مطلوب في كل وقت، فنقول: بأنه مستحب في كل زمان, لكن يتأكد في بعض الأوقات.فالحالة الأولى: عند الوضوء ومحل السواك عند المضمضة؛ ودليل ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء ), ومحله عند المضمضة. قال المؤلف رحمه الله: [ويسن السواك عند تغير الفم].هذا الموضع الثاني؛ ودليله حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا انتبه من النوم يشوص فاه بالسواك ), وهذا في الصحيحين، ومعنى: قوله: (يشوص) أي يدلك فاه بالسواك، وهذا دليل على أنه إذا تغيرت رائحة الفم إما بسبب مأكول أو بسبب طول السكون، أو بغير ذلك فإنه يشرع للإنسان أن يتسوك؛ لأن النوم مظنة تغير الفم، فدل ذلك على أنه كلما تغير الفم فإنه يشرع للإنسان أن يستاك. قال المؤلف رحمه الله: [وعند القيام من النوم].دليله ما تقدم حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا انتبه من النوم يشوص فاه بالسواك ), هذان موضعان.الموضع الثالث قال المؤلف رحمه الله: [وعند الصلاة].لما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ), وهذا يشمل كل صلاة، سواء كانت فرضاً أو نفلاً، نقول: شامل لكل صلاة.ذكر المؤلف رحمه الله ثلاثة مواضع, الموضع الرابع: تقدم لنا وهو عند الوضوء وهو عند المضمضة. الموضع الخامس: عند دخول البيت؛ وهذا دليله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح مسلم : ( أنها سئلت: ما يبدأ به النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ فقالت: بالسواك )، فيستحب للإنسان إذا دخل بيته أن يبدأ بالسواك.الموضع السادس: عند قراءة القرآن، وهذا يدل له حديث علي في النسائي ، وفيه شرعية التسوك عند قراءة القرآن.فهذه ستة مواضع يتأكد فيها السواك, أما ما عدا هذه المواضع فإن السواك مشروع على سبيل الاستحباب.ويقول المؤلف رحمه الله: [ويستحب في سائر الأوقات إلا للصائم بعد الزوال].يقول المؤلف رحمه الله: للصائم بعد الزوال لا يستحب، والمشهور من المذهب أنه يكره السواك للصائم بعد الزوال؛ واستدلوا بحديث: ( إذا صمتم فاستاكوا بالغداة, ولا تستاكوا بالعشي ) وهذا حديث ضعيف، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهو أن السواك مسنون حتى للصائم بعد الزوال؛ لأنه مشروع، ويدل لذلك ما تقدم من الأدلة، كحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب )، وطهارة الفم ورضا الرب يطلب حتى بعد الزوال للصائم. وأيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة.. عند كل وضوء ), وهذا يشمل أيضاً الصلاة التي بعد الزوال للصائم، ويشمل أيضاً الوضوء بعد الزوال للصائم.فالصواب في ذلك عدم كراهته, وشرعيته.وفي حديث عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم ), وهذا الحديث ضعيف، لكن الترمذي حسنه، وقد أخرجه أبو داود والترمذي والإمام أحمد والبيهقي وغيره، وهو ما يثبت, والترمذي رحمه الله حسنه.و عائشة رضي الله تعالى عنها سئلت عن السواك للصائم، فقالت: هذا سواكي بيدي. ولم يذكر المؤلف رحمه الله بأي شيء يكون السواك؟ وهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فكثير من العلماء قال: بأن السواك لا تحصل به السنة إلا إذا كان بالعود، إذا كان بالعود حصلت به السنة، أما ما عدا ذلك فإنه لا تحصل به السنة. والصواب في ذلك: كما ذهب إليه النووي وابن قدامة إلى أن السواك يحصل بكل شيء تحصل به طهارة الفم، سواء كان ذلك بالعود أو كان بغير ذلك من الآلات، أو بالإصبع إذا كان الإصبع خشناً، أو كان بالخرقة أو غير ذلك أو ما وجد الآن من المنظفات أو غير ذلك، فكل ما حصل به نظافة الفم وطهارته فإن السنة تحصل به، فيتسوك عند الوضوء، تسوك مثلاً عند الوضوء بالفرشة، أو بالسواك، أو بإصبعه، إصبعه دلكها في فمه يقصد بذلك السواك فإنه يحصل له من السنة بقدر ما تحصل طهارة الفم ونظافته. وهذا هو الصواب؛ لأن المقصود هو طهارة الفم ونظافته، وإذا كان كذلك فبأي شيء حصلت له الطهارة والنظافة نقول: بأن السواك مشروع.

    مسح الخفين

    قال المؤلف رحمه الله: [باب مسح الخفين].مناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ فإن المؤلف رحمه الله لما تكلم على أحكام الوضوء تكلم على أحكام المسح على الخفين؛ لأن المسح على الخفين يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء وهو الرجلان، فالمناسبة بين البابين ظاهرة.


    حكم المسح على الخفين

    يقول المؤلف رحمه الله: [يجوز المسح على الخفين].المسح في اللغة: الإمرار. وأما في الاصطلاح: فهو إمرار البلة على حائل مخصوص.والخفان تثنية خف، وهو ما يلبس على الرجلين من جلد, وما يلحق بهما كالجوارب وغير ذلك.ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات المسح على الخفين، خلافاً للرافضة، ولهذا ابن منده رحمه الله جمع أحاديث المسح على الخفين عن ثمانين صحابياً من صحابة رسول صلى الله عليه وسلم، وقال الإمام أحمد رحمه الله: ليس في قلبي من المسح على الخفين شيء، فيه أربعون حديثاً من أحاديث رسول صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن : سمعت أحاديث المسح على الخفين عن سبعين صحابياً من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان فيه خلاف قليل للسلف، لكن هذا الخلاف زال، فالإجماع منعقد عليه، لكن الذي يخالف في ذلك الرافضة. ولذلك أهل السنة والجماعة يذكرون جواز المسح على الخفين في كتب الفروع، وكذلك أيضاً يذكرونه في كتب العقائد؛ لأن هناك من أهل البدعة من يخالف في المسح على الخفين وهم الرافضة، فلا يرون المسح على الخفين.والمسح على الخفين دل له القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6] على قراءة الجر، فإن بعض العلماء حمل قراءة الجر على أن المراد بذلك المسح على الخفين، مسح الرجلين إذا كان عليهما خفان. وأما السنة فسيأتينا إن شاء الله حديث علي بن أبي طالب وحديث عوف بن مالك وحديث صفوان بن أمية وغير ذلك من أحاديث المسح على الخفين كما سيأتي بإذن الله بيانه, وحديث المغيرة بن شعبة .قال المؤلف رحمه الله: [يجوز المسح على الخفين].ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن المسح على الخفين مباح، هذا ظاهر كلام المؤلف رحمه الله، وأنه ليس سنة؛ لقوله: (يجوز) وعند الإمام أحمد رحمه الله أن المسح على الخفين سنة، إذا كان الإنسان لابساً للخفين فإن المسح عليهما هو السنة، وذلك رد على أهل البدعة.واختلف العلماء رحمهم الله أيهما أفضل، أن يمسح الإنسان على خفيه أو يغسل رجليه؟ هل الأفضل الغسل أو الأفضل المسح؟أيضاً الإمام أحمد رحمه الله يرى أن المسح أفضل من الغسل رداً على أهل البدعة الذين ينكرون المسح على الخفين. وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن السنة للإنسان أن يراعي حال قدمه، فإذا كان لابساً للخفين فالأفضل أن يمسح، ولا نقول: الأفضل أنك تقلع وتغسل رجليك، وإذا كان خالعاً للخفين فالأفضل أن يغسل رجليه، ولا نقول: البس لكي تمسح، الأفضل للإنسان أن يراعي حال قدمه، وهذا الذي دل له سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم المسح على الجوارب

    قال المؤلف رحمه الله: [يجوز المسح على الخفين وما أشبهها من الجوارب].الجوارب هو ما يلبس على الرجل من الصوف والقطن وغير ذلك، ويفيد كلام المؤلف رحمه الله أن المسح على الجوارب جائز، كما أن المسح على الخفين جائز أيضاً المسح على الجوارب جائز.يعني: ما يلبس على الرجل من القطن ومن الصوف، ومن سائر أنواع الأقمشة .. إلخ. فيفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن المسح على الجوارب جائز؛ ويدل له حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين ). وهذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره وصححه الترمذي ، وأيضاً المسح على الجوارب هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.قال الإمام أحمد رحمه الله: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.فنقول: كما أن المسح على الخفين يعني: ما يلبس على الرجل من جلد وغيره يجوز، كذلك أيضاً ما يلبس على الرجل من صوف أو قطن أو نحو ذلك الذي تلبس الآن هذه كلها على المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن هذا جائز، خلافاً للإمام مالك . الإمام مالك رحمه الله يشترط أن يكون الممسوح جلداً، اشترط أن يكون من جلد, لكن ما ذكرناه من الدليل حديث المغيرة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على النعلين والجوربين ) , وهذا قلنا بأنه حديث ثابت، كما ذكر الترمذي رحمه الله، وكذلك أيضاً هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما تقدم عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شروط المسح على الخفين

    قال المؤلف رحمه الله: [الصفيقة].هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان شروط المسح على الخفين، فذكر الشرط الأول: أن تكون صفيقة، صفيقة بمعنى: ساترة للقدم، فإن كانت خفيفة تصف القدم لم يصح المسح عليه، هذا هو المشهور من المذهب، لا بد أن تكون ساترة لا تصف القدم، فإن كانت خفيفة تصف القدم، فإنه لا يصح المسح عليها، وهذا هو المشهور من المذهب, أيضاً مذهب الإمام مالك رحمه الله، وتقدم أن الإمام مالك رحمه الله يشترط أن يكون الممسوح عليه جلداً، فالمشهور من المذهب ومذهب الإمام مالك أنها إذا كانت خفيفة تصف القدم أنه لا يصح المسح عليها. والرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله أنها إذا كانت خفيفة فإنه يصح المسح عليه، حتى وإن وصفت القدم، حتى وإن كان الخف شفافاً يصف القدم، يعني: بشرط ما يكون فيه خروق على رأي الشافعي لكن إذا كان شفافاً بحيث إنك ترى القدم من ورائه يقول الشافعي رحمه الله: يصح المسح عليه.هم يقولون لا بد أن يكون ساتراً؛ لأن غير الساتر ما يصح المسح عليه إلحاقاً له بالمخرق، كما أن المخرق لا يصح المسح عليه، كذلك أيضاً الساتر الذي يشف القدم لا يصح المسح عليه، هذا هو المشهور من المذهب, ومذهب الإمام مالك . وقلنا: مذهب الشافعي إذا كان شفافاً يصف القدم فإنه يصح المسح عليه، لكن كما ذكرت أن الشافعية -كما سيأتينا في الشروط- يشترطون أن لا يكون فيه خرق، لكن إذا لم يكن فيه خروق ويشف القدم ولا يسترها يصح المسح عليه, وهذا القول هو الصواب، وأنه لا يشترط أن يكون صفيقاً. وعلى هذا نقول: الخف إذا كان اسم الخف لا يزال باقياً عليه، وينتفع به، فإنه يصح المسح عليه, وفي هذا خلاف سيأتينا إن شاء الله فيما يتعلق بالخف المخرق، هل يصح المسح عليه أو لا يصح المسح عليه؟هذا سيأتي إن شاء الله بيانه بإذن الله.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الطهارة [5]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    من رحمة الله بعباده أن خفف عنهم في عباداتهم ومعاملاتهم, ومن صور هذا التخفيف المسح على الخفين والجوربين والمسح على العمائم والجبائر, وكل هذا مضبوط في الشرع بضوابط بينها الفقهاء.والوضوء شرط لصحة الصلاة, وله مبطلات يجب على المسلم معرفتها حتى لا يعرض صلاته ل

    تابع مسح الخفين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين].مناسبة هذا الباب لما قبله أن المؤلف رحمه الله ذكر الوضوء وفروضه وشروطه وواجبه، ثم بعد ذلك أتبعه بباب المسح على الخفين؛ لأن المسح على الخفين يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء وهو الرجلان، فالرجلان في الوضوء إما أن يغسلا وإما أن يمسحا. وأيضاً تقدم لنا تعريف المسح، وأيضاً عرفنا الخفين، وذكرنا الدليل على جواز المسح على الخفين من الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وشرعنا في بيان شروط المسح على الخفين، وهل الأفضل للإنسان أن يمسح أو الأفضل أن يغسل؟ ذكرنا أن هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله, والذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإنسان يراعي حال قدمه، فإذا كان خالعاً فالأفضل أن يغسل، وإذا كان لابساً فالأفضل أن يمسح على خفيه.

    تابع شروط المسح على الخفين

    يقول المؤلف رحمه الله: [يجوز المسح على الخفين وما أشبههما من الجوارب الصفيقة].

    الشرط الأول: أن تكون صفيقة

    هذا هو الشرط الأول من شروط المسح على الخفين: أن تكون صفيقة تستر القدم لا يرى الجلد من ورائها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب الإمام مالك . والرأي الثاني: مذهب الشافعية: أنه يجوز المسح على الشفاف، وتقدم ذكرنا أن هذا القول هو الأقرب، وأن الخف إذا كان اسم الخف باقياً، وينتفع به عرفاً فإنه يجوز المسح عليه، حتى ولو كان شفافاً لعموم الأدلة، كحديث علي رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاث أيام بلياليها في المسح على الخفين )، وكحديث المغيرة بن شعبة وحديث عوف بن مالك وحديث صفوان بن عسال .. إلخ.فهذه الأدلة كلها تدل على أن الخف إذا كان اسم الخف باقياً عليه وينتفع به عرفاً، أنه يصح المسح عليه.

    الشرط الثاني: أن تثبت على القدمين

    قال المؤلف رحمه الله: [التي تثبت في القدمين].هذا هو الشرط الثاني، الشرط الثاني من شروط المسح على الخفين يقول المؤلف رحمه الله: أن تثبت بنفسها في القدم من غير شد، فإن كانت لا تثبت في القدم إلا بشدها، إما لثقلها، أو لسعتها .. إلخ. فيقول المؤلف رحمه الله: لا يصح المسح عليه. والعلة في ذلك قالوا: لأن التي تدعو الحاجة إليه هو الذي يثبت بنفسه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله, وكذلك أيضاً مذهب أبي حنيفة والشافعي قالوا: لا بد أن يثبت الخف بنفسه، فإن كان لا يثبت في القدم إلا بشدها، إما لسعته أو لثقله فإنه لا يصح المسح عليه، والعلة كما تقدم قالوا: إن التي تدعو الحاجة إليه هو الذي يثبت بنفسه. والرأي الثاني: قال به بعض المالكية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يصح المسح على الخفين مطلقاً، سواء ثبت بنفسه أو ثبت بغيره كشده، أو ثبت بنعلين ونحو ذلك، وهذا القول هو الصواب. والدليل على ذلك كما تقدم لنا أن القاعدة في ذلك: أنه يصح المسح على كل خف اسم الخف لا يزال باقياً عليه، وينتفع به عرفاً, فإذا كان ينتفع به عرفاً واسم الخف لا يزال باقياً عليه فإنه يصح المسح عليه.

    الشرط الثالث: أن تكون ساترة لمحل الغرض

    قال المؤلف رحمه الله: [والجراميق التي تجاوز الكعبين].هذا الشرط الثالث: أنه لا بد أن تكون هذه الخفاف والجراميق والجوارب التي يمسح عليها ساترة لمحل الفرض، يعني: ساترة للمحل الذي يجب غسله؛ لأن ما ظهر فرضه الغسل، قالوا: ولا يجتمع المسح مع الغسل. وتقدم لنا أن الصواب في ذلك: أن الخف إذا كان اسم الخف لا يزال باقياً عليه, وينتفع به عرفاً، أنه يصح المسح عليه.

    الشرط الرابع: أن يكون المسح في الطهارة الصغرى

    قال المؤلف رحمه الله: [في الطهارة الصغرى].هذا الشرط الرابع: أن يكون في الطهارة الصغرى، أما الطهارة الكبرى فإنه لا يمسح على الخفين؛ ودليل ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، وهذا الحديث أخرجه الترمذي والبيهقي والإمام أحمد وابن ماجه وغيرهم وإسناده صحيح. وكون المسح في الطهارة الصغرى دون الطهارة الكبرى هذا إجماع من أهل العلم رحمهم الله، فقد حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة ، وكذلك أيضاً حكاه النووي رحمهم الله، هذا هو الشرط الرابع.

    الشرط الخامس: أن يكون في مدة المسح

    قال المؤلف رحمه الله: [يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهم للمسافر].هذا هو الشرط الخامس من شروط المسح على الخفين: أن يكون ذلك في وقت المسح، ووقت المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله؛ ودليل ذلك ما تقدم من حديث صفوان بن عسال : (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم).وكذلك أيضاً حديث علي في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها في المسح على الخفين ).وكذلك أيضاً حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة ). الرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله، وهو أن المسح على الخفين غير مؤقت، يعني: أن الإنسان يمسح ما شاء، إذا لبس خفيه يمسح ما شاء، يمسح يوماً يومين ثلاثة أيام أربعة .. إلخ, الإمام مالك لا يرى أن المسح على الخفين مؤقت. واستدل على ذلك بحديث أبي بن عمارة : ( أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ قال: نعم, قال: ويومين؟ قال: نعم، قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم وما شئت ). فقوله: (وما شئت) قالوا: هذا دليل أن المسح على الخفين غير مؤقت فالإنسان له أن يمسح ما شاء، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه والطحاوي والدارقطني وغيرهم وهو ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه ابن ماجه في سننه, وكذلك أيضاً الدارقطني والطحاوي والطبراني وغيرهم، وهو لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. الرأي الثالث: أن المسح على الخفين مؤقت إلا في حال الضرورة أو المصلحة فإنه لا يتأقت، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يعني: يقول شيخ الإسلام: إذا كان الإنسان في حال الضرورة، مثلاً: المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، إذا اضطر يعني: لا يتمكن أن يخلع خفيه ويغسل قدميه؛ لأن الرفقة ستذهب، أو يخاف على نفسه، أو نحو ذلك فإن المسح في ذلك غير مؤقت، فله أن يمسح على خفيه ولو في حال الضرورة، أو في حال المصلحة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأنه غير مؤقت. ودليل ذلك ما أخرجه الطحاوي عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أنه قدم الشام على عمر رضي الله تعالى عنه، فسأله عمر رضي الله تعالى عنه: متى عهدك بخلع خفيك؟ فقال: لبستهما يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة، فـعقبة بن عامر يقول لـعمر : لبستهما يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة، يعني: لبسها من الجمعة إلى الجمعة، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أصبت السنة. وهذا الحديث أخرجه الطحاوي وغيره, لكن الدارقطني رحمه الله قال: بأن قوله: (السنة) هذه اللفظة شاذة، وليست ثابتة، الذي ثبت أن عمر قال: أصبت، وأما قوله: السنة فهذه شاذة. والأقرب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله؛ لأن أحاديث التوقيت هذه صريحة, عندنا حديث صفوان بن عسال وعوف بن مالك كذلك أيضاً علي بن أبي طالب وغيرها هذه صريحة في التوقيت, إذا كان في حال الضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات, فهذا الشرط الخامس أن يمسح في المدة المحددة.

    الشرط السادس: بعد كمال الطهارة

    الشرط السادس: أن يكون ذلك بعد كمال الطهارة كما سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله، ودليل ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، ( فإنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، قال: فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه ), فهذا دليل على أنه يشترط أن يكون المسح على الخفين إذا لبس الخفين بعد تمام الطهارة.

    الشرط السابع: ألا يكون الخف مخرقاً

    الشرط السابع: أن لا يكون الخف مخرقاً، فإن كان الخف مخرقاً فإنه لا يصح المسح عليه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي ، ونص الحنابلة قالوا: لو كان في الخف أو الجورب مثل ثقب الإبرة خرق فإنه لا يصح المسح عليه، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله, وكذلك أيضاً مذهب الشافعي . مذهب أبي حنيفة يقول: إذا كان الخرق أقل من ثلاثة أصابع فإنه لا بأس بالمسح عليه، أوسع من ذلك الإمام مالك رحمه الله يقول: إذا كان الخف مخرقاً، وكان الخرق أقل من ثلث الخف، فإنه يصح المسح عليه، أما إن كان الخرق الثلث فأكثر، فإنه لا يصح المسح عليه.فعندنا الآراء ثلاثة:الرأي الأول: مذهب الإمام أحمد والشافعي : أنه لا يصح المسح على الخف المخرق مطلقاً؛ لأن ما ظهر يقولون: فرضه الغسل، ولا يجتمع الغسل مع المسح.والرأي الثاني: أنه يصح المسح على الخف المخرق، واختلفوا في تحديده، فعند الحنفية قالوا: إذا كان الخرق أقل من ثلاثة أصابع صح المسح عليه، وإن كان الخرق ثلاثة أصابع فأكثر لا يصح المسح عليه.الإمام مالك أوسع قال: الثلث, إذا كان الخرق أقل من ثلث الخف صح المسح عليه، وإن كان الثلث فأكثر، فإنه لا يصح المسح عليه.والرأي الأخير: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو رأي الثوري ورأي عبد الله بن المبارك رحمهما الله وغيرهم، يقول شيخ الإسلام: إن الخف إذا كان فيه خروق يصح المسح عليه، إذا كان اسم الخف باقياً عليه، وينتفع به عرفاً، فإذا كان مخرقاً وينتفع به عرفاً، واسم الخف لا يزال باقياً عليه، فإنه يصح المسح عليه؛ أولاً: لإطلاق الأدلة، الأدلة مطلقة لم تفرق بين خف وخف، يعني: لم يأت في الأدلة اشتراط أن يكون الخف ساتراً أو غير مخرق أو يثبت بنفسه كما سبق، هذا دليل. الدليل الثاني: كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن أغلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقراء، والفقير غالباً خفافه لا تسلم من الخروق.فالصواب في هذه المسألة هو القول الأخير وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    الشرط الثامن: أن يكون طاهراً

    أيضاً بقينا في الشرط الأخير، وهو أن يكون الخف طاهر العين، فإن كان الخف نجس العين فإنه لا يصح المسح عليه، وعلى هذا نقول: الخف لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون نجس العين.والأمر الثاني: أن يكون طاهر العين لكن طرأت عليه نجاسة.فإن كان نجس العين فهذا لا يصح المسح عليه. مثال ذلك: إنسان لبس خفاً من جلد ميتة غير مدبوغ، الجلد كما سبق لنا يطهر بالدبغ، لكن لو أننا صنعنا من هذا الجلد خفاً قبل دبغه، ثم لبسه إنسان فنقول: بأنه لا يصح المسح عليه؛ لأنه نجس العين، ما دام أنه لم يدبغ يعني: صنعنا خفاً من جلد ميتة لم يدبغ هذا الجلد، فنقول: بأن المسح عليه لا يصح، لأنه نجس العين. القسم الثاني: أن يكون طاهر العين لكن طرأت عليه نجاسة فهذا يصح المسح عليه، مثلاً إنسان لبس شراب، هذا الشراب أصابه بول، أو أصابه دم مسفوح، أو أصابه غائط أو نحو ذلك، أو لبس الكنادر، الكنادر هذه أصابها شيء من البول أو نحو ذلك، فنقول: يصح أن تمسح عليها، ويرتفع الحدث، لكن إذا أراد الإنسان أن يصلي فإنه يخلع هذه الجوارب المتنجسة، أو يغسلها، أو يغسل النجاسة التي فيها، أو هذه الكنادر المتنجسة يخلعها أو يغسلها ينظفها .. إلخ. فيصح المسح على الجورب أو الخف المتنجس، يعني: الذي هو طاهر العين، لكن طرأت عليه نجاسة، الذي لا يصح المسح عليه هو الخف النجس العين، كما مثلنا: عندنا خف صنع من جلد ميتة قبل الدبغ، فهذا خف نجس العين لا يصح المسح عليه.

    بدء توقيت المسح على الخفين

    قال المؤلف رحمه الله: [من الحدث إلى مثله].هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله, وهو قول جمهور أهل العلم، يقولون: بأن المسح من الحدث, تبدأ مدة المسح من الحدث، على هذا الرأي مثلاً: لبست الخفين الساعة السادسة فجراً، فمتى تبدأ المدة؟ تبدأ المدة إذا أحدثت، إنسان لبس في الساعة السادسة فجراً، أحدث في الساعة التاسعة ضحىً، تبدأ المدة الآن من الساعة التاسعة، فإذا كنت مقيماً تحسب أربعاً وعشرين ساعة من التاسعة إلى التاسعة من الغد، هذا الظرف كله لك أن تمسح فيه، تمسح من التاسعة إلى التاسعة. هذا هو المشهور عند جمهور أهل العلم رحمهم الله.الرأي الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله وقول الأوزاعي وأبي ثور أن المدة تبدأ من أول مسح بعد حدث، فمثلاً: إنسان لبس في الساعة السادسة فجراً، أحدث في الساعة التاسعة ضحىً، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ظهراً، على الرأي الأول تبدأ المدة في الساعة التاسعة، والرأي الثاني تبدأ المدة في الساعة الثانية عشرة. يعني: من الساعة الثانية عشرة إذا كنت مقيماً تحسب أربعاً وعشرين ساعة إلى الساعة الثانية عشرة من الغد، وإن كنت مسافراً تحسب ثنتين وسبعين ساعة، فتحسب من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الثانية عشرة في اليوم الثالث ثنتين وسبعين ساعة هذه الساعات كلها ظرف للمسح، كلها يجوز لك أن تمسح فيها.ونفهم أن المدة لا تبدأ من أول اللبس أو أن المدة خمس صلوات كما يتوهم بعض الناس، قد يجلس الإنسان ما مسح على خفيه، هذا كله ما تحسب، قد تجلس ليلة كاملة، قد تلبس الآن الخفين ولا تمسح عليهما، الآن الساعة السابعة تلبس خفيك، ما تمسح عليه إلا غداً لصلاة الفجر، في الساعة الخامسة تستمر، كل هذه الساعات ليست داخلة في مدة المسح، فإذا مسحت في الساعة الخامسة بعد الحدث بدأت المدة من الساعة الخامسة إلى الساعة الخامسة من الغد.وهذا القول هو الصواب، الصواب في هذا هو الرأي الثاني, وأن مدة المسح تبدأ من أول مسح بعد الحدث، لأحاديث المسح، يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها، فدل على أن هذه المدة كلها وقت للمسح، ولا تكون هذه المدة كلها وقت للمسح إلا إذا كانت المدة تبدأ من أول مسحة.

    انقضاء مدة المسح

    قال المؤلف رحمه الله: [لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوماً وليلة ) ومتى مسح ثم انقضت المدة أو خلع قبلها بطلت طهارته].إذا مسح الإنسان ثم انقضت المدة، إذا ابتدأ المسح في الساعة الثانية عشرة، متى تنتهي المدة؟ في الساعة الثانية عشرة من الغد إذا كان مقيماً، إذا تمت الساعة الثانية عشرة من الغد, مسح اليوم الإثنين، تنتهي مدته غداً الثلاثاء في الساعة الثانية عشرة ظهراً، إذا جاءت الساعة الثانية عشرة ظهراً تمت المدة, الآن ما له حق أن يمسح، لكن هل تبطل الطهارة أو لا تبطل الطهارة؟ يقول المؤلف رحمه الله: (تبطل الطهارة بتمام المدة) وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وعند أبي حنيفة والشافعي أن الطهارة ما تبطل، لكن يجب عليه أن يغسل رجليه, قالوا: إذا تمت المدة وهو طاهر، مثلاً كما في المثال السابق تمت المدة في الساعة الثانية عشرة ظهراً، المشهور من مذهب الإمام أحمد ليس له أن يصلي، يجب عليه أن يخلع خفيه ويتوضأ.الرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة والشافعي تمام المدة لا تبطل الطهارة، لكن يجب عليه أن يغسل رجليه، يعني: يخلع خفيه ويغسل رجليه ويستمر على طهارته.أما الإمام مالك فأمره ظاهر، لماذا؟ الإمام مالك أصلاً لا يقول بالتوقيت, الإمام مالك يمسح يوماً .. يومين .. ثلاثة.. فليس عنده شيء إذا تمت المدة بطلت الطهارة؛ لأنه أصلاً لا يرى التوقيت.الرأي الثالث في المسألة اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن حزم أن تمام المدة لا يبطل الطهارة، لكنه يمنع المسح فقط؛ لأن الأحاديث التي جاءت دلت على أن لك المسح في هذه المدة، لكن بعد هذه المدة ليس لك أن تمسح، وليس فيها ما يدل على بطلان الطهارة، وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب ابن حزم رحمه الله وهو الصواب. وعلى هذا إذا تمت المدة، يعني: جاءت الساعة الثانية عشرة وأنت طاهر، هل لك أن تصلي الظهر أو ليس لك أن تصلي الظهر؟لك أن تصلي الظهر، وهل لك أن تمسح بعد الساعة الثانية عشرة أو ليس لك أن تمسح؟نقول: ليس لك أن تمسح، لا بد أن تخلع خفيك وأن تتوضأ، لكن لو كنت طاهراً فلك أن تستمر، تصلي الظهر، تصلي العصر, تصلي المغرب، وليس لك أن تمسح خفيك، لكن ليس لك أن تمسح بعد تمام المدة. وهذا القول هو الصواب؛ لأن الطهارة ارتفعت بدليل شرعي، فلا بد من دليل شرعي على نقضها، هذا الإنسان ارتفعت طهارته بمقتضى دليل شرعي، لا بد من دليل شرعي على إبطال الطهارة.

    حكم خلع الخفين لمن مسح عليهما

    قال المؤلف رحمه الله: [أو خلع قبلها بطلت طهارته].أيضاً: إذا خلع الخف أو الجوارب قبل تمام المدة، هل تبطل الطهارة أو لا تبطل الطهارة؟يقول المؤلف رحمه الله: إن الطهارة تبطل, وعند أبي حنيفة والشافعي كما سبق أن الطهارة لا تبطل، يعني: لو أن الإنسان لبس اليوم الخفين، ومسح عليهما في الساعة الثانية عشرة، الآن في الساعة السابعة أحس بحرارة، فخلع خفيه وهو طاهر، توضأ لصلاة المغرب، ثم خلع خفيه بعد أن توضأ، هل تبطل طهارته أو نقول: بأن طهارته لا تبطل؟ يقول المؤلف رحمه الله: إن طهارته تبطل، وعند أبي حنيفة والشافعي أن الطهارة لا تبطل، لكن قالوا: يجب عليه أن يغسل رجليه, أيضاً عند الإمام مالك رحمه الله قال: بأن الطهارة لا تبطل، لكن يجب عليه أن يغسل رجليه مباشرة، الإمام مالك يقول: لا بد من مباشرة الغسل بعد أن يخلع، لكي لا تبطل الطهارة، لا بد أن يوالي بين الخلع وغسل رجليه، عند أبي حنيفة والشافعي لا يشترط أن يوالي الخلع وغسل رجليه. الرأي الثالث: ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله واختيار شيخ الإسلام : أن الطهارة لا تبطل إذا خلع الممسوح عليه، وهذا القول هو الصواب، ويدل لذلك أنه ورد عن علي في البيهقي بإسناد صحيح أنه توضأ ومسح، ثم دخل المسجد ثم خلع، ثم صلى, فلو كانت الطهارة باطلة هل يصلي علي أو لا يصلي؟ نقول: إنه لا يصلي، هذا ثابت عن علي رضي الله تعالى عنه, هذا دليل. والدليل الثاني كما سلف لنا: أن طهارته ارتفعت بمقتضى دليل شرعي، فلا بد من دليل شرعي يدل على النقض.

    من مسح مسافراً ثم أقام والعكس

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن مسح مسافراً ثم أقام].هذه جملة مسائل, يقول المؤلف رحمه الله: ومن مسح مسافراً ثم أقام، يعني: بدأ المدة في السفر، والمسافر له أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن ثم أقام، يقول المؤلف رحمه الله: يتم مسح مقيم. يعني: قدم من البلد يتم مسح مقيم, وعلى هذا إن مسح يوماً وليلة في السفر فأكثر، ثم قدم البلد، ماذا نقول له؟ نقول: انتهت المدة لا تمسح، وإن مسح أقل من يوم وليلة نقول له: تمت مدة يوم وليلة.فهذا رجل مسافر إلى مكة، مسح في السفر يومين، ثم قدم إلى بلده، ماذا نقول له؟ نقول: الآن مدته قد انتهت، الآن تمسح مسح مقيم لما قدمت، وقد مسحت في السفر يومين، انتهت المدة، إذا كان مسح يوماً فقط، نقول له: بقي ليلة، وإن مسح ليلة نقول: بقي لك يوم. قال المؤلف رحمه الله: [أو مقيماً ثم سافر أتم مسح مقيم].إذا مسح مقيماً ثم سافر، يعني: هذا الرجل ابتدأ المسح في حال الحضر، مسح في حال الحضر يوماً واحد، ثم سافر، على كلام المؤلف رحمه الله بقي له من المسح ليلة واحدة، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه يمسح مسح مسافر، وهذا القول هو الصواب. وعلى هذا إذا مسح في الحضر يوماً نقول: بقي له يومان، وإذا مسح نصف يوم نقول: بقي لك يومان ونصف.

    المسح على العمامة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذات ذؤابة ساترة لجميع الرأس].أولاً: المسح على العمامة هل هو جائز أو ليس جائزاً؟يقول المؤلف رحمه الله بأن المسح على العمامة جائز، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.وهذا القول هو الصواب؛ وقد دل له حديث المغيرة بن شعبة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين والعمامة )، وهذا في مسلم , وكذلك أيضاً حديث عمرو بن أمية قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه )، وهذا في البخاري .فعندنا دليل على ذلك حديث عمرو بن أمية ، وحديث المغيرة بن شعبة ، حديث المغيرة في مسلم , وحديث عمرو بن أمية في صحيح البخاري .وعند جمهور أهل العلم أنه لا يصح المسح على العمامة، فالحنفية والمالكية والشافعية لا يصححون المسح على العمامة، والصواب في ذلك ما دلت عليه السنة، وأن المسح على العمامة جائز؛ لأن السنة دلت على ذلك.ذكر شرطاً المؤلف رحمه الله فقال: (أن تكون ذات ذؤابة) يعني: أن يكون طرفها مرخى على ظهر لابسها، أو تكون محنكة، يعني: المشهور من مذهب الإمام أحمد أن تكون ذات ذؤابة، يعني: ذات طرف مدلى، أو تكون محنكة وهي التي تدار تحت الحنك، وقالوا: بأن العمامة الصماء هذه ليست من ألبسة المسلمين، وإنما من ألبسة أهل الذمة.وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا ليس شرطاً، أي أنه لا يشترط أن تكون ذات ذؤابة، أو أن تكون محنكة، فيصح المسح على العمامة الصماء التي ليست ذات ذؤابة أو محنكة.قال المؤلف رحمه الله: [ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه].ذكر المؤلف رحمه الله شرطين: الشرط الأول: أن تكون ذات ذؤابة أو محنكة. الشرط الثاني: أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه.

    اشتراط لبس الممسوح على طهارة كاملة

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن شرط المسح على جميع ذلك أن يلبسه على طهارة كاملة].أما بالنسبة للخف والجورب فتقدم لنا الحديث عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، وفيه قال: ( فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )، وأيضاً: ما تقدم من حديث النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه )، فلا بد أن يكون على طهارة كاملة. بالنسبة للعمامة هل يشترط أن يكون لبسها على طهارة كاملة أو لا؟المشهور من المذهب أنه لا بد من ذلك، قياساً على الخف، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا يشترط أن تكون على طهارة كاملة، لو لبس العمامة على غير طهارة فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن هذا لا بأس به ويمسح عليها، ويقول: بأنه لم يرد دليل على أن المسح على العمامة لا بد أن يكون على طهارة كاملة. كذلك أيضاً المسح على العمامة هل هو مؤقت كالمسح على الخفين أو غير مؤقت؟المشهور من المذهب أنه مؤقت، وأن الإنسان يمسح على العمامة إذا كان مقيماً يوماً وليلة، وإذا كان مسافراً يمسح ثلاثة أيام بلياليها. والرأي الثاني: أنه غير مؤقت، مذهب ابن حزم رحمه الله.وقوله: (على طهارة كاملة) إذا توضأ الإنسان وغسل رجله اليمنى ثم لبس الخف، ثم غسل رجله اليسرى ثم لبس الخف، يقول المؤلف رحمه الله: لا يصح أن يمسح؛ لأنه لبس الخف الأيمن قبل تمام الطهارة، قبل غسل الرجل اليسرى، الطهارة لا تكتمل إلا بغسل الرجلين جميعاً، فهنا في هذه الحال لبس الخف الأيمن قبل أن يغسل رجله اليسرى، وقالوا: لا يصح. وعند أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام أن هذا جائز ولا بأس به، فلو أن الإنسان توضأ غسل رجله، ثم لبس الخف أو الجورب للرجل اليمنى، ثم غسل اليسرى، ثم لبس الجورب أو الخف للرجل اليسرى، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    المسح على الجبيرة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز المسح على الجبيرة إذا لم يتعد بشدها موضع الحاجة إلى أن يحلها].لما تكلم المؤلف رحمه الله على المسح على الخفين والجوارب والعمامة .. إلخ، شرع في بيان أحكام المسح على الجبيرة، والجبيرة فعيلة بمعنى فاعلة، وهي عبارة عن أعواد ونحوها تجعل على الكسر لكي تجبره. فيقول المؤلف رحمه الله: إذا لم يتعد بشدها موضع الحاجة، يعني: الجبيرة يصح المسح عليها لكن بشرط ألا يتعدى شدها موضع الحاجة، فإن تعدى شدها موضع الحاجة فلا بد أن يزيلها. وما هو موضع الحاجة؟موضع الحاجة هو الجرح أو الكسر وما يقاربه وما يحتاج إليه في الشد, فإذا كان مثلاً الجرح في منتصف الذراع، ونحتاج مثلاً إلى اثنين سانتي لكي نشد على الجرح أو الكسر، فهذه موضع حاجة من اللباس، لكن إذا زاد على ذلك ثلاثة سانتي، أربعة سانتي، يقول العلماء: لا بد أن يزيل هذا الزائد؛ لأن الأصل وجوب الغسل. فنقول: هذا الزائد لا بد أن يزيله الإنسان, إذا لم يتمكن من إزالته فالمشهور من المذهب أنه يمسح عليها ويتيمم، يجمع بين المسح والتيمم, والصواب أنه يكفي في ذلك المسح.

    الفرق بين المسح على الجبيرة والخفين

    وقال المؤلف: (إلى أن يحلها) يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن المسح على الجبيرة غير مؤقت، وهذا من الفروق بين المسح على الجبيرة والخفين، أن المسح على الخفين مؤقت، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، أما الجبيرة فالمسح عليها غير مؤقت، إلى أن يزيل هذه الجبيرة، يمسح يومين، ثلاثة أيام، خمسة عشرة .. إلخ، هذا الفرق الأول.الفرق الثاني: أن المسح على الخفين رخصة، وأما المسح على الجبيرة فعزيمة، يعني: يجب إذا وجب الوضوء، أما المسح على الخفين لو أنه خلع ما في بأس. الفرق الثالث: أن المسح على الخفين لا بد فيه من الطهارة قبل ذلك، وأما المسح على الجبيرة فالصواب أنه لا تشترط الطهارة، يعني: لو وضع الجبيرة على غير طهارة فإن هذا لا بأس به. الفرق الرابع: أن المسح على الخفين كما تقدم المشهور من المذهب أنه لا بد أن يكون ساتراً لمحل الفرض، ولا يكون فيه خروق، أما المسح على الجبيرة فإنه لا تشترط أن يكون ساتراً، ولا يشترط أيضاً أن يكون غير مخرق. أيضاً من الفروق أن المسح على الجبيرة يكون لكل جبيرة، فإذا كان في الذراع جبيرة تمسح على الأعلى والأسفل جميعاً، تمسح الجبيرة جميعاً، أما المسح على الخف يكون لأعلى الخف. ودليل ذلك قول علي رضي الله تعالى عنه: ( لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخف ), فالجبيرة ما يكفي للإنسان أن يمسح الفوقاني، بل لا بد أن يمسح كل الجبيرة، أما الخف فإنه يمسح أعلى الخف.

    أحوال المسح على الجبيرة

    أيضاً عندنا مسألة: إذا كان في يد الإنسان أو في رجله جرح، يعني: إذا كان في محل الوضوء أو في محل الغسل جرح، نقول: يجب على الإنسان أن يغسل الصحيح. فمثلاً: إذا كان في اليد اليسرى جرح، يجب أن تتمضمض وتستنشق وتغسل وجهك وتغسل يدك اليمنى وتغسل الصحيح من اليسرى، وأيضاً تمسح رأسك وتغسل رجليك.أيضاً لو كان الإنسان في فخذه جرح، يجب أن يغسل رأسه وبدنه إلا موضع الجرح، لكن بالنسبة للجرح هذا لا يخلو من أمور، فهمنا أن الإنسان يجب عليه أن يغسل الصحيح، لكن بقينا في الجرح، هذا الجرح لا يخلو من أمور: الأمر الأول: أن يكون عليه جبيرة، أو يكون عليها خرقة أو شاش أو لصقة كما هو الحال الآن، فنقول هنا: يكفي أن تمسح الجبيرة.الأمر الثاني: أن لا يكون عليه جبيرة ويمكن للإنسان أن يغسله، لا يتضرر بغسله، فنقول: يجب عليه أن يغسله، يعني: عنده جرح أو كسر ولا يتضرر إذا غسله، يعني: لا يزيد المرض، لا يتأخر البرء، لا يبقى موضع أثر في الجسم يشين البدن، فنقول: هنا لا بأس, يجب أن يغسله. الأمر الثالث: إذا كان الغسل يضره، ويتمكن من مسحه، فنقول: بأنه يمسحه ولا شيء عليه.الأمر الرابع: إذا كان الغسل يضره والمسح يضره، فماذا نقول في هذه الحالة؟ نقول: بأنه يتيمم في آخر الوضوء, والصواب أنه لا يشترط الموالاة بين التيمم وبين الوضوء، فأصبح عندنا الجرح له أربع حالات: الحالة الأولى: أن يكون على جبيرة يمسح.الحالة الثانية: أن لا يكون عليه جبيرة، ويتمكن من الغسل نقول: يجب أن يغسل.الحالة الثالثة: ليس عليه جبيرة، ويتمكن من المسح، الغسل يضره لكن المسح ما يضره، نقول: يمسح ولا يتيمم في الحالتين السابقتين. الحالة الرابعة: المسح يضره فنقول: في هذه الحالة يتيمم ويكون تيممه في آخر الوضوء.

    مسح المرأة على الخف والخمار

    قال المؤلف رحمه الله: [والرجل والمرأة في ذلك سواء].والرجل والمرأة فيما يتعلق بلبس الخفين سواء؛ لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل، والعكس بالعكس. يعني: قاعدة: ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، ما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلا بدليل. إلا أن المرأة لا تمسح على العمامة، لكن المرأة تمسح على الخمار، المرأة ما يجوز لها أن تمسح على العمامة؛ لأن العمامة هذه من خصائص الرجال، ( ولعن الله المتشبهين من النساء بالرجال والمتشبهات من النساء بالرجال )، لكن المرأة لها أن تمسح على الخمار؛ لفعل أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فإذا لبست المرأة خماراً، فإنه يقوم مقام العمامة، لها أن تمسح عليه كما تقدم، وهل يشترط أن يكون مؤقتاً أو غير مؤقت؟ يعني: يوم وليلة أو يكون على طهارة، حكمه حكم العمامة كما سبق.

    حكم المسح على الخف عليه خف آخر

    بقيت مسألتان على الباب. المسألة الأولى: إذا لبس خفاً على خف، أو لبس جورباً ثم لبس جورباً ثانياً، أو لبس الجوارب ثم لبس الكنادر، فنقول: إذا لبس خفاً على خف، إن كان لبسه للثاني على طهارة ولو كانت طهارة مسح، فإنه يمسح على الثاني، وإن كان لبسه للثاني على حدث، فإنه يمسح الأول.مثال ذلك: توضأ، ولبس خفين، ثم لما صار بالليل لبس الخف الثاني، نقول: إن كان لبس الخف الثاني على طهارة، حتى لو كانت طهارة مسح، مسح على خفيه ثم لبس الثاني، فإنه يمسح على الثاني، بقية المدة تحسب من الأول، وإن كان لبس الثاني على حدث، فإن الحكم متعلق بالأول.

    كيفية المسح على الخفين

    المسألة الثانية: كيفية المسح على الخفين؟نقول: المسح على الخفين بأن يمسح أعلى الخف، وقد وردت الآثار في البيهقي وغيره أنه يمر أصابع يديه من أصابع الرجلين إلى الساق.وهل يمسح اليمنى ثم اليسرى أو يمسحهما جميعاً؟ نقول: هذا موضع خلاف، بعض العلماء قال: بأنه يبدأ باليمنى ثم اليسرى؛ لأن المسح بدلاً من الغسل، والغسل يبدأ باليمنى ثم اليسرى. بعض العلماء قال: يمسحهما جميعاً، هذا موضع خلاف, والأمر في ذلك واسع إن شاء الله.

    نواقض الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [باب نواقض الوضوء وهي سبعة].مناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة، فإن المؤلف رحمه الله لما ذكر أحكام الوضوء ذكر شروطه وفروضه وواجبه وتكلم عن المسح على الخفين؛ لأنه يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء، شرع الآن في بيان مبطلات الوضوء، ومفسداتها، وهكذا العلماء رحمهم الله يتكلمون على العبادة، وفي الأخير يبينون مفسداتها ومبطلاتها .. إلخ. فمثلاً: الصلاة يتكلمون عليها؛ أركانها وشروطها وواجباتها، ثم بعد ذلك يتكلمون عن مبطلات الصلاة، والصيام أيضاً ثم يتكلمون بعد ذلك عن مفطرات الصوم، والحج ثم يتكلمون بعد ذلك عن محظورات الحج .. إلخ. قول المؤلف رحمه الله: (باب نواقض الوضوء) المراد بنواقض الوضوء مفسداته ومبطلاته. وقول المؤلف رحمه الله: (سبعة)، هذا بناء على استقراء الأدلة؛ فإن العلماء رحمهم الله نظروا في الأدلة واستقرءوها وتبين لهم أن الذي يبطل الوضوء سبعة أشياء.

    الخارج من السبيلين

    قال المؤلف رحمه الله: [الخارج من السبيلين].الأول: الخارج من السبيلين، والسبيلان تثنية سبيل، والسبيل: هو الطريق، وسمي القبل والدبر طريقاً أو سبيلاً؛ لأنه طريق أو سبيل لما يخرج منه. يقول المؤلف رحمه الله: الخارج من السبيلين هذا من نواقض الوضوء، والخارج من السبيلين هذا يقسمه العلماء إلى قسمين: القسم الأول: خارج معتاد. والقسم الثاني: خارج غير معتاد.المعتاد: مثل البول، والغائط، والمذي, والودي، ودم الحيض، والمني .. إلخ، هذا يسمى الخارج المعتاد, هذا ينقض بإجماع العلماء، دل على ذلك القرآن والسنة والإجماع.فالقرآ مثل قول الله عز وجل: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43]، وأيضاً حديث صفوان بن عسال وفيه: ( لكن من بول أو غائط أو نوم ), وأيضاً في المذي في حديث علي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوضوء )، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن زيد : (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) يدل على أن الريح من الدبر ناقضة. فنقول: القسم الأول: الخارج المعتاد، هذا حكمه أنه ناقض بالإجماع، مثل: البول، الغائط، الريح، المذي، المني، الودي، دم الحيض .. إلخ، هذه الأشياء معتادة وناقضة بالإجماع.القسم الثاني من الخارج من السبيلين: الخارج غير المعتاد، والخارج غير المعتاد هذا تحته أمثلة, مثل: رطوبة فرج المرأة، هذه خارج غير معتاد، ومثل: الريح من القبل، تخرج عند النساء، هذه خارج غير معتاد، ومثل: سلس البول، ومثل: دم الاستحاضة، هذه خارج غير معتاد، مثل أيضاً لو خرج من الدبر حصاة، أو خرج منه شعرة أو غير ذلك، هذه الأشياء هل تنقض أو لا تنقض؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو قول أكثر أهل العلم أنها ناقضة، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: الخارج من السبيل، يعني: يرى أن كل الخارج من السبيل سواء كان معتاداً أو غير معتاد أنه ناقض. والرأي الثاني: ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الخارج من السبيل إذا كان غير المعتاد أنه لا ينقض الوضوء، وهذا القول هو الصواب, أنه لا ينقض الوضوء؛ لأن الأصل في ذلك بقاء الطهارة، والطهارة تنقض من خلال دليل شرعي، فلا بد من دليل شرعي على النقض بها, ولم يرد ما يدل على الدليل الشرعي.وأما أمر المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة؛ فهذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الذين قالوا بأنه ينقض الخارج غير المعتاد استدلوا ( بأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة )، كما في أبي داود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا كما قلنا: لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالصواب في ذلك: أن الخارج غير المعتاد لا ينقض، وعلى هذا المستحاضة، ومن لديه سلس بول، أو سلس ريح ونحو ذلك من الأشياء، نقول: هذه الأشياء لا تنقض، إلا إذا وجد حدث آخر معتاد، أما الأحداث غير المعتادة فإنها لا تنقض الوضوء, وهذا القول هو الأقرب.

    الخارج النجس من سائر البدن

    قال المؤلف رحمه الله: [والخارج النجس من سائر البدن إذا فحش].هذا الناقض الثاني, يقول المؤلف رحمه الله: (الخارج النجس) نقول: الخارج النجس هذا لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون بولاً أو غائطاً خارجاً من البدن، مثلاً لو فتح في بطن الإنسان فتحة عن طريق عملية جراحية، ثم أخذ منه البول، عن طريق أنبوب أو ماسورة أو لي أو نحو ذلك، خروج البول ينقض أو لا ينقض؟ أو خروج الغائط هنا هل ينقض أو لا ينقض؟ يقول المؤلف رحمه الله: إنه ينقض.فنقول: إذا كان بولاً أو غائطاً فإنه ينقض؛ والدليل على ذلك العمومات، استدلوا بالعمومات مثل قول الله عز وجل: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43]، هذا يشمل الغائط، سواء خرج من مخرجه أو خرج من غير مخرجه.وأيضاً حديث صفوان بن عسال وفيه: ( لكن من بول أو غائط أو نوم ) البول والغائط سواء خرج من مخرجه أو خرج من غير مخرجه, هذا الأمر الأول.الأمر الثاني: إذا كان الخارج غير بول وغائط، مثل: الدم، القيح، الصديد، القيء، هذه الأشياء الصواب أنها طاهرة كما تقدم لنا، فالقيء طاهر، والدم الخارج من بقية البدن طاهر، والقيح والصديد هذه الأشياء الصواب أنها طاهرة, لكن على كلام المؤلف أنها نجسة، هل هي ناقضة للوضوء أو ليست ناقضة للوضوء؟المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنها ناقضة للوضوء. والرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله والشافعي أن هذه الأشياء لا تنقض الوضوء، فلو احتجم الإنسان أو قاء أو خرج منه دم أو قيء أو قيح أو غير ذلك، فنقول: بأن طهارته باقية ولا تبطل طهارته، وهذا القول هو الصواب. ويدل لذلك أدلة؛ من ذلك ما في صحيح البخاري معلقاً من قصة عباد بن بشر ، عباد بن بشر وهو في الصلاة طعن، واستمر في صلاته وجرحه يخرج منه الدم، ومع ذلك لم ينفلت من صلاته، وإنما استمر في صلاته رضي الله تعالى عنه حتى عجز. وأيضاً عمر رضي الله تعالى عنه صلى وجرحه يثعب دماً حتى عجز.وأيضاً ما ذكره الحسن أنه قال: كانوا يصلون بجراحاتهم. وأيضاً مما يدل لذلك عدم الدليل، فليس هناك دليل على النقض بهذه الأشياء.فالصواب في مثل هذه الأشياء أنه غير ناقض للوضوء.وهنا قال المؤلف رحمه الله: (من سائر البدن إذا فحش) فيفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه لا ينقص إذا كان غير فاحش، يعني مثلاً: الإنسان خرج من أصبعه نقطة من الدم أو نقطتان، أو خرج منه شيء يسير من القيح أو الصديد أو القيء، أن هذا لا ينقض الوضوء. واستدلوا على ذلك بأن ابن عمر عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ, وكذلك أيضاً ورد عن ابن أبي أوفى أنه عصر دملاً، وكذلك أيضاً ورد عن ابن عباس . قال المؤلف رحمه الله: إذا كان فاحشاً ينقض, وإذا كان غير فاحش لا ينقض، واختلفوا في الفاحش، هل الفاحش في أوساط الناس أو الفاحش في كل موضع بحسبه؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، وتقدم أن الصواب في مثل هذه الأشياء أنها لا تنقض، سواء كانت فاحشة أو غير فاحشة.

    زوال العقل

    قال المؤلف رحمه الله: [وزوال العقل إلا النوم اليسير جالساً أو قائماً].هذا الناقض الثالث من نواقض الوضوء: زوال العقل.وزوال العقل هذا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يزول بالجنون أو يغطى عليه بالسكر أو الإغماء، فهذا ينقض مطلقاً، سواء كان ذلك قليلاً أو كان كثيراً، فإذا زال عقل الإنسان بالجنون أو غطي على عقله بسبب سكر, بأن شرب مسكراً ، أو بسبب دواء كأن تعاطى بنجاً .. إلخ، فنقول: ينتقض وضوءه مطلقاً سواء كانت هذه التغطية أو الزوال قليلاً أو كثيراً.القسم الثاني: أن يغطى على العقل بالنوم.فعندنا زوال العقل أو تغطيته ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: زواله بالجنون, تغطيته بالسكر أو الإغماء، سواء كان ذلك بسبب حادث أو بسبب دواء أو نحو ذلك، فهذا قلنا بأنه ينتقض وضوءه مطلقاً، سواء كان قليلاً أو كان كثيراً. القسم الثاني: أن يغطى على عقله بالنوم, فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، العلماء رحمهم الله لهم في ذلك كلام كثير في النوم، هل ينقض أو لا ينقض؟ المؤلف قال: (وزوال العقل إلا النوم اليسير جالساً أو قائماً)، قال بأن النوم ناقض للوضوء، لكن يستثنى النوم اليسير جالساً أو قائماً، ما هو الدليل على أن النوم ينقض؟ الدليل حديث صفوان بن عسال كما تقدم لنا أنه قال:( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كنا سفراً أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم ). فقوله: (أو نوم) هذا دليل على أنه ناقض من نواقض الوضوء. وأيضاً: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ ), وهذا الحديث يتقوى بحديث معاوية , والشاهد حديث علي, وحسنه علي بن المديني ، وأيضاً ابن الصلاح ، هذا دليل على أن النوم ناقض, لكن المؤلف رحمه الله استثنى النوم اليسير, واشترط فيه شرطين, وهناك أيضاً شرط ثالث على المذهب: أن يكون يسيراً، وأن يكون من جالس أو قائم، وأن يكون غير محتب أو متكئٍ أو مستند.فنقول: يشترط على المذهب لكي لا ينقض النوم ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون النوم يسيراً.الشرط الثاني: وأن يكون النائم قائماً أو جالساً.والشرط الثالث: أن يكون غير متكئٍ, لو كان متكئاً ينتقض، يعني: لو كان متكئاً على يده اليمنى أو اليسرى ينقض، أو مستنداً على ظهره ينقض، أو محتبياً أيضاً قالوا بأنه ينقض.خلاصة كلام المؤلف رحمه الله: أن النوم ناقض بالوضوء إلا اليسير بثلاثة شروط:أن يكون يسيراً، وأن يكون من جالس أو قائم، وأن يكون غير محتب ولا متكئٍ ولا مستند.والدليل على هذا الاستثناء أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما في حديث أنس : ( كانوا ينتظرون العشاء، فينامون قعوداً ثم يصلون ولا يتوضئون )، وهذا في صحيح مسلم , هذا دليل على أن اليسير من جالس أو قائم أنه لا ينقض الوضوء. والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العبرة بالنوم المستغرق، فإن كان النوم مستغرقاً فإنه ينقض الوضوء، أما إن كان النوم في بداياته غير مستغرق فإنه لا ينقض الوضوء، وسواء كان الإنسان مستنداً أو متكئاً أو مضطجعاً أو غير ذلك، المهم العبرة بالاستغراق، فقد الإنسان يكون في بداية النوم، ينام نوماً يسيراً وهو متكئ أو مستند أو .. إلخ.فالعبرة بالاستغراق، إن استغرق في نومه نقض وضوءه، وإن لم يستغرق لم ينقض وضوءه؛ لأن النوم ليس حدثاً، وإنما هو مظنة الحدث، يعني: مظنة خروج الريح منه، فإذا كان الإنسان ما يدري هل خرج منه ريح أو لم يخرج منه ريح؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( العين وكاء السه ) يعني: الرباط لحلقة الدبر، ( فإذا نامت العينان استطلق الوكاء )، فإذا استغرق الإنسان في نومه ما يشعر هل خرج منه شيء أو لم يخرج منه شيء؟ لكن إذا كان نومه غير مستغرق، فإنه يعرف هل خرج منه شيء أو لم يخرج منه شيء؟ وهذا القول هو أقرب الأقوال. نقف على الناقض الثالث.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الطهارة [6]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    للوضوء نواقض ذكرها العلماء رحمهم الله، إلا أنهم اختلفوا في بعضها كمس الذكر وأكل لحم الإبل.ومن انتقض وضوءه يحرم عليه أشياء منها مس المصحف على خلاف. وللغسل موجبات منها: إنزال المني، والتقاء الختانين.

    تابع نواقض الوضوء

    مس الذكر

    قال المؤلف: رحمه الله تعالى: [ولمس الذكر بيده].ذكر المؤلف رحمه الله من نواقض الوضوء لمس الذكر بيده, وأن تمس بشرته بشرة امرأة بشهوة.تقدم لنا الناقض الأول وهو الخارج من السبيلين، وذكرنا أن الخارج من السبيلين ينقسم إلى قسمين، وتكلمنا على كل قسم من هذين القسمين. وأيضاً الناقض الثاني: الخارج من بقية البدن، وأن الخارج من بقية البدن ينقسم إلى قسمين، وتكلمنا على كل من هذين القسمين. الناقض الثالث: زوال العقل، وأيضاً ذكرنا أن زوال العقل أو تغطية العقل ينقسم إلى قسمين، وتكلمنا على كل قسم من هذين القسمين. ثم قال رحمه الله في الناقض الرابع: (ولمس الذكر بيده). لمس الذكر هل هو ناقض من نواقض الوضوء، أو ليس ناقضاً من نواقض الوضوء؟ هذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله على رأيين: الرأي الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وقول الشافعي أن لمس الذكر باليد، والمراد باليد هنا الكف فقط، يعني: إذا لمس ذكره بكفه دون بقية بشرته بلا حائل، فإنه ينتقض وضوءه، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله, وأيضاً هو قول الشافعي . والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء. فعندنا رأيان في هذه المسألة، ولكل من الرأيين دليل. أما الذين قالوا بأن مس الذكر ينقض الوضوء؛ فاستدلوا بحديث بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من مس ذكره فليتوضأ )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي والدارقطني .. وغيرهم، وهذا الحديث له شواهد، فله شاهد من حديث أبي هريرة وحديث أم حبيبة وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد ذكر الترمذي رحمه الله أنه روي عن سبعة من الصحابة، وهو حديث ثابت. ودليل من قال بأن مس الذكر لا ينقض الوضوء، ما رواه قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة؟ فقال: وهل هو إلا بضعة منك؟ ) يعني: قطعة منك، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم، وأيضاً ورد له شاهد من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، لكن حديث أبي أمامة هذا في إسناده جعفر بن الزبير وهو متروك. وحديث طلق بن علي هذا صححه جمع من أهل العلم منهم علي بن المديني ، والطحاوي وغيرهم، فإسناده ثابت أيضاً إسناده حسن. فعندنا هذان الحديثان، حديث طلق بن علي ، وحديث بسرة ، واختلف المحدثون في ترجيح أحدهما على الآخر، فـيحيى بن معين رحمه الله كان يرجح حديث بسرة بنت صفوان ، وكذلك أيضاً أبو حاتم وأبو زرعة كل منهم يضعف حديث طلق بن علي ، ويرجحون عليه حديث بسرة بنت صفوان . وقد وقعت مناظرة بين يحيى بن معين رحمه الله وبين علي بن المديني ، فـعلي بن المديني يرى حديث طلق بن علي حسناً، ويرجحه على حديث بسرة ، ويحيى بن معين يرجح حديث بسرة على حديث طلق بن علي . والأقرب في ذلك أن حديث طلق بن علي ثابت وأنه حسن، كما سبق لنا حسنه علي بن المديني رحمه الله وهو إمام معتبر، وصححه الطحاوي وغيرهم من أهل العلم.وعلى هذا يجمع بين الحديثين أنه يستحب للإنسان إذا مس ذكره أن يتوضأ، ولا يجب عليه، جمعاً بين الحديثين، والأحوط للإنسان أن يتوضأ إذا مس ذكره؛ لأن أكثر الصحابة على أن مس الذكر يوجب الوضوء، أو أن الإنسان يتوضأ من مس الذكر.نقول: إن حديث بسرة : ( من مس ذكره فليتوضأ ) هذا محمول على الاستحباب؛ ويدل لذلك حديث طلق بن علي بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: ( وهل هو إلا بضعة منك؟ )، ولا يمكن النسخ، يعني: كما قال بعض العلماء بأن حديث بسرة متأخر، وحديث طلق بن علي متقدم، فحديث بسرة ينسخ حديث طلق بن علي ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علل بعلة ما يمكن أن تنسخ، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وهل هو إلا بضعة منك؟ ) هذه علة لا يمكن أن تنسخ أبداً.فالأقرب في ذلك أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، كما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وحديث بسرة هذا يحمل على الاستحباب والاحتياط، أحوط للإنسان كما ورد عن أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم.وقوله: (بيده) المراد باليد كما أسلفنا الكف، وعلى هذا فلو أنه مس ذكره برجله، أو مس ذكره بذراعه، أو بغير ذلك من أعضاء بدنه فإن هذا لا ينقض الوضوء، لا ينتقض الوضوء إلا إذا مس ذكره بكفه بلا حائل. وقول المؤلف أيضاً لمس الذكر، هذا يخرج ما إذا لمس الأنثيين، فلو لمس الأنثيين فإن ذلك لا ينقض الوضوء، وإنما الذي ينقض الوضوء هو فقط لمس الذكر إذا قلنا بما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وإذا رجحنا مذهب أبي حنيفة وأن مس الذكر لا ينقض الوضوء فسواء مس ذكره أو مس أنثييه .. إلخ، فإن هذا لا ينتقض وضوءه.

    مس المرأة بشهوة

    قال المؤلف رحمه الله: [ولمس امرأة بشهوة].هذا الناقض الخامس: أن يمس امرأة بشهوة بلا حائل، وهنا عبر المؤلف رحمه الله بقوله: (ولمس) بالنسبة لمس الذكر لا يحصل النقض إلا بالكف فقط خاصة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من أفضى بيده ) فإن النبي عليه الصلاة والسلام نص على اليد، وهنا بالنسبة للأنثى إذا مس الأنثى لشهوة، سواء كان ذلك باليد أو بسائر أجزاء البدن، فإنه ينتقض وضوءه على ما ذهب إليه المؤلف. فلو أنه رجله مست رجل زوجته بشهوة انتقض وضوءه، أو أن يده مست يد امرأته بشهوة، أو أي جزء من أجزاء البدن مس جزءاً من أجزاء بدن هذه المرأة بشهوة بلا حائل فإنه ينتقض وضوءه، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى. والرأي الثاني: رأي الشافعي وهو أوسع من هذا، وهو أن مس الأنثى مطلقاً ينقض الوضوء، سواء مس بشهوة أو كان ذلك بغير شهوة.والرأي الثالث: أن مس الأنثى مطلقاً لا ينقض الوضوء، سواء كان ذلك بشهوة أو كان بغير شهوة، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وهو أرجح الأقوال.ولكل من هذه الأقوال دليل، أما الحنابلة الذين فصلوا قالوا: إن مس لشهوة فإنه ينتقض وضوءه، وإن كان لغير شهوة فإنه لا ينتقض وضوءه؛ فاستدلوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم -في الصحيحين- كان يصلي من الليل، فإذا أراد السجود غمزها، فكفت رجلها )، وهنا مس النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا: بأن هذا المس كان لغير شهوة، فلا ينتقض الوضوء. وأيضاً ما ثبت من حديث عائشة في صحيح مسلم : ( أنها خرجت تبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فوقعت يدي على قدميه، وهما منصوبتان، وهو ساجد )، فهنا وقعت يدها على قدمي النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينتقض وضوءه. وأما كونه ينتقض إذا كان لشهوة، قالوا: إن مس المرأة لشهوة هذا مظنة خروج الخارج، وإذا كان مظنة لخروج شيء من الإنسان خروج مذي مثلاً من الإنسان فإنه ينتقض الوضوء كالنوم، فإن النوم ينقض الوضوء؛ لأنه مظنة خروج الريح من الدبر، لما تقدم لنا من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء ). وأما بالنسبة لما ذهب إليه الشافعي وأن مس الأنثى ينقض مطلقاً فاستدل بقول الله سبحانه وتعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، وهذا يشمل مس المرأة سواء كان ذلك لشهوة أو كان لغير شهوة. وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله أن المرأة لا ينقض الوضوء فاستدل بما تقدم من حديث عائشة في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل، فإذا سجد غمزها، فكفت رجلها )، وأيضاً ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة : ( أنها ذهبت تبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم فوقعت يدها على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد ). وهذه الأدلة تدل على أن مس الأنثى سواء كان ذلك لشهوة أو لغير شهوة فإنه لا ينقض الوضوء، وهذا القول هو الصواب, وأيضاً مما يؤيد ذلك عدم الدليل على النقض، فليس هناك دليل يدل على نقض الطهارة بمس المرأة، والطهارة ارتفعت بمقتضى دليل شرعي، فلا بد من دليل شرعي على نقض الوضوء. وأما قول الله عز وجل: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] فإن المراد بالملامسة هنا الجماع؛ كما فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح. وقد ورد في سنن أبي داود من حديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها وصلى ولم يتوضأ )، لكن هذا الحديث مرسل، قال أبو داود : إبراهيم النخعي رواه عن عائشة وإبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة رضي الله تعالى عنها.

    الردة عن الإسلام

    قال المؤلف رحمه الله: [والردة عن الإسلام].هذا الناقض السادس: الردة عن الإسلام، فإذا ارتد الإنسان بطلت طهارته, وهذا ما ذهب إليه المؤلف؛ ودليل ذلك قول الله عز وجل: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65].وجمهور أهل العلم على أن الردة عن الإسلام لا تبطل الوضوء؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، لكن يأتينا إن شاء الله أن الكافر إذا أسلم فإنه يجب عليه أن يغتسل.

    أكل لحم الجزور

    قال المؤلف رحمه الله: [وأكل لحم الجزور].هذا الناقض السابع من نواقض الطهارة.قال المؤلف رحمه الله: [(لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضئوا منها. قيل: أفنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ)]. أكل لحم الجزور هل هو ناقض أو ليس ناقضاً؟ للعلماء في ذلك رأيان: الرأي الأول: ما مشى عليه المؤلف رحمه الله، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن أكل لحم الجزور ناقض، قال الإمام أحمد رحمه الله فيه حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب ، أما حديث جابر ففي صحيح مسلم : ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضأ من لحوم الإبل )، وهذا في صحيح مسلم ، أيضاً حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه: ( توضئوا من لحوم الإبل )، ففيه حديثان صحيحان كما قال الإمام أحمد رحمه الله. أكثر أهل العلم -الأئمة الثلاثة- على أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء؛ واستدلوا بحديث جابر في السنن أنه قال: ( كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ), ويدخل في ذلك لحم الإبل، ويجاب عنه بجوابين:الجواب الأول: أن هذا الحديث لا يثبت بهذا اللفظ، بل بلفظ: ( أكل من كتف شاة ثم دعي إلى الصلاة فقام النبي عليه الصلاة والسلام فصلى )، هذا الجواب الأول.الجواب الثاني: على فرض ثبوته فنقول: بأن حديث جابر بن سمرة ، حديث البراء بن عازب مقدم على هذا الحديث؛ لأنه أخص، فنقول: ترك الوضوء مما مست النار يستثنى من ذلك لحم الإبل؛ لدلالة حديث جابر بن سمرة ، وحديث البراء بن عازب ، ولذلك أكثر أهل الحديث على ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله أن أكل لحم الجزور يبطل الوضوء. قال المؤلف رحمه الله: (وأكل لحم الجزور) فقال: لحم، ما المراد باللحم؟ المراد باللحم الهبر، وعلى هذا فبقية أجزاء الجزور لا ينقض الوضوء، فلو أكل الإنسان كبداً أو كلية أو قلباً أو لحم رأس أو مصراناً أو كرشاً أو نحو ذلك من غير اللحم فإنه لا ينتقض وضوءه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وأن النقض خاص فقط في الهبر، أما بقية الأجزاء فإنها لا تنقض. والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو اختيار الشيخ السعدي أن بقية أجزاء الإبل تنقض الوضوء، فإذا أكل الإنسان كبداً أو كرشاً أو كلية أو قلباً أو مصراناً أو لحم رأس أو نحو ذلك فإن هذه الأشياء أيضاً تنقض الوضوء، وألحقوا هذه الأشياء بالهبر. أما بالنسبة للمذهب فاستدلوا بحديث جابر وحديث البراء ، فإن الحديث إنما ورد في اللحم، والكرش هذا ليس لحماً، والمصران ليس لحماً، والكبد ليس لحماً. أما الذين قالوا بأنها تنقض، فقالوا بأنه لا يوجد في الشريعة حيوان يختلف حكمه حلاً وحرمة ونجاسة وطهارة، إما أن يكون حلالاً وإما أن يكون حراماً، إما أن تكون جميع أجزائه ناقضة، أو تكون جميع أجزائه ليست ناقضة .. إلخ، هكذا استدلوا. والدليل الثاني: قالوا: إن هذه الأشياء التي قيل بأنها لا تنقض منها ما يدخل في مسمى اللحم، مثل لحم الرأس، لحم الرأس هذا يدخل في مسمى اللحم، وأنتم أخرجتموه، فإذا كان كذلك فإنه يدخل في الأحاديث.والأحو للإنسان أن يتوضأ من هذه الأشياء، يعني: إذا أكل كبداً، أو كرشاً أو نحو ذلك نقول: الأحوط للإنسان أن يتوضأ من هذه الأشياء. وقال المؤلف رحمه الله: (وأكل لحم الجزور) هذا يصدق على القليل والكثير؛ لأنه لو أكل شيئاً كثيراً، أو أكل شيئاً يسيراً، فإن هذا كله مما ينقض الوضوء، وكذلك أيضاً سواء كان هذا اللحم مطبوخاً أو نيئاً هذا كله ينقض الوضوء.

    الشك في الطهارة والحدث

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو على ما تيقن].إذا كان الإنسان متطهراً ثم شك هل أحدث أو لم يحدث؟ هل نام نوماً مستغرقاً أو النوم حتى الآن ليس مستغرقاً؟فنقول: الأصل بقاء الطهارة، أو كان محدثاً ثم شك، هل توضأ أو لم يتوضأ؟ نقول: الأصل بقاء الحدث، هذا يندرج تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك. ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : ( إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه هل خرج منه شيء أو لم يخرج منه شيء فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأيضاً يدل لذلك حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه في الصحيحين.

    ما يحرم على المحدث

    قبل أن ننتقل إلى الباب الآخر، بقي عندنا مسألة، وهذه المسألة ما هي الأشياء التي تحرم على المحدث؟ نقول: ذكر العلماء رحمهم الله أشياء تحرم على المحدث: الأول: الصلاة؛ فالصلاة محرمة على المحدث، سواء كانت نافلة أو فريضة، وضابط الصلاة التي تجب لها الطهارة كما ذكر ابن القيم رحمه الله هي المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فيدخل في ذلك صلاة النافلة، والفريضة وصلاة الجنازة وصلاة العيدين والاستسقاء .. إلخ. ويدل ذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، وهذا إسناده حسن، فضابط الصلاة التي تشترط لها الطهارة هي المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، يخرج عندنا سجود التلاوة، سجود الشكر، هذه الأشياء ليست صلاة؛ لأنها ليست داخلة تحت هذا الضابط الذي يدل عليه حديث علي رضي الله تعالى عنه. وعلى هذا لو قرأ الإنسان عن ظهر قلب، ثم مر بسجدة تلاوة فإنه يسجد، أو حصل له نعمة، أو انكشفت عنه نقمة فإنه يسجد حتى لو كان محدثاً، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: مس المصحف؛ فالمصحف لا يجوز للإنسان أن يمسه إلا بطهارة، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله خلافاً للظاهرية؛ ويدل لذلك حديث عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه: أن لا يمس القرآن إلا طاهر )، وهذا الحديث ثبت موصولاً للنبي صلى الله عليه وسلم, وله شواهد من حديث حكيم بن حزام ، وحديث ابن عمر وغيرها، فهو ثابت. وأيضاً يدل لذلك دلالة إشارة قول الله عز وجل: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]، حتى ولو قلنا بأن المراد بالمطهرين هم الملائكة فإنه يدل بالإشارة إلى أن غير المتطهر من بني آدم لا يمس القرآن. الأمر الثالث مما يحرم على المحدث: الطواف؛ والطواف هذا موضع خلاف، هل يجوز للإنسان أن يطوف وهو محدث أو لا يجوز أو تشترط الطهارة ؟ الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي والإمام أحمد : أنه تشترط الطهارة للطواف؛ لحديث عائشة في الصحيحين قالت: ( أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم توضأ ثم طاف ). وهذا الحديث في الصحيحين، وأيضاً ما يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الطواف بالبيت صلاة ) لكن هذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يصح رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم. والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله، يفصل في المسألة إذا طاف على غير طهارة، يقول: إذا خرج من مكة لزمه دم، وإن كان في مكة أمر بالإعادة. والرأي الثالث: أنه لا تشترط الطهارة للطواف؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأنه تستحب الطهارة ولا تشترط، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الذين أوجبوا الطهارة للطواف ليس معهم دليل أصلاً، إذ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترط الطهارة للطواف، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقبل طواف أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ كما قال في الصلاة. وإنما الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أراد الطواف توضأ، وهكذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، يتوضأ حتى للذكر، ولهذا لما أراد أن يرد السلام أقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الجدار وتيمم عليه ورد السلام، وقال أيضاً: ( كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ). وعلى هذا نقول: الأحوط للإنسان أن يتوضأ، لكن لو أن الإنسان سبقه الحدث، مثلاً في الزحام سبقه الحدث، فيظهر أنه لا يجب عليه أن يذهب ويخرج ويتوضأ، أو أنه نسي الإنسان وطاف على غير طهارة فنقول: إن شاء الله طوافه صحيح، أو سبقه الحدث وهو يطوف، نقول: طوافه صحيح إن شاء الله.والأحوط للإنسان إذا أراد أن يطوف أن يفعل هدي النبي عليه الصلاة والسلام، إذا أراد أن يطوف يتوضأ، لكن كما أسلفت لو سبقه ونسي فهذه إن شاء الله لا يجب عليه أن يعيد.

    الغسل من الجنابة

    قال المؤلف رحمه الله: [باب: الغسل من الجنابة].مناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ لأن المؤلف رحمه الله لما ذكر الحدث الأصغر، وذكر موجباته، ولما ذكر الوضوء، وكيفيته وشروطه وفروضه ونواقضه شرع الآن إلى ما يتعلق بالحدث الأكبر، وما هي موجباته، وكيفية التطهر منه.والغسل من الجنابة: هو التعبد لله عز وجل بغسل البدن على وجه مخصوص لأشياء مخصوصة.والأصل فيه القرآن والسنة والإجماع كما سيأتينا, أما القرآن فقول الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]، وأيضاً من السنة حديث عائشة وحديث ميمونة وحديث عمران وغيرها في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع قائم على ذلك.
    موجبات الغسل
    قال المؤلف رحمه الله: [والموجب له خروج المني وهو الماء الدافق].الموجب للغسل أشياء:

    الموجب الأول: خروج المني

    الأول: خروج المني؛ فقال المؤلف رحمه الله: (وهو الماء الدافق). يشترط لهذا المني لكي يوجب الغسل شروط: الشرط الأول: أن يكون دافقاً، وعبر بعض العلماء بقوله: أن يكون خروجه بلذة، وعلى هذا إذا خرج هذا الماء بغير لذة، بغير دفق، خرج إما لشدة برد أو لمرض أو لغير ذلك، هذا لا يجب الغسل، وإنما يتوضأ الإنسان وضوءه للصلاة فقط. وهذا الماء كما سبق لنا أنه ماء طاهر، فلا يجب على الإنسان أن يستنجي، يعني: لا يجب عليه أن يغسل ذكره؛ لأنه طاهر، وإنما يتوضأ وضوءه للصلاة، لأنه تقدم لنا أن الخارج المعتاد ينقض الوضوء، هذا الشرط الأول: أن يكون بلذة, وأن يكون خروجه دفقاً. ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي : ( إذا نضحت الماء فاغتسل )، قال العلماء رحمهم الله: نضح الماء خروجه عن طريق الغلبة، ومعنى خروجه عن طريق الغلبة يعني: عن طريق الشهوة، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد رحمه الله، وصححه ابن حبان والنووي وابن خزيمة وغيرهم. هذا الشرط الأول: أن يكون بلذة, أو يكون دافقاً، وذكرنا دليل ذلك. الشرط الثاني: أن يخرج من مخرجه، فإن خرج من غير مخرجه فلا يوجب الغسل، وعلى هذا لو أن صلب الإنسان انكسر، أو أجرى الإنسان عملية مع ظهره .. إلخ. فخرج هذا الماء، فإنه لا يوجب الغسل. الشرط الثالث: أن يكون في حال اليقظة، أما في حال النوم إذا وجد الإنسان بللاً في ثيابه فهذا له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يتيقن أنه مني، لكونه يعرف المني، فنقول هنا: يجب عليه أن يغتسل مطلقاً، سواء ذكر احتلاماً في منامه أو لم يذكر احتلاماً في منامه، يعني: سواء تذكر أنه خرج منه المني في منامه أو رأى أنه يجامع في منامه أو لم ير ذلك، المهم ما دام أنه تيقن أنه مني فإنه يجب عليه أن يغتسل، هذه الحالة الأولى. الحالة الثانية: أن يتيقن أن هذا البلل ليس منياً، فنقول: لا يجب عليك أن تغتسل، لكن يغسل الإنسان ذكره وأنثييه ويطهر ما أصابه. الحالة الثالثة: أن يشك في هذا الماء، لا يدري هل هو مني أو مذي؟ شك فيه فنقول: إن ذكر في منامه أنه احتلم وأنه جامع ونحو ذلك، فنقول: يجعله منياً ويغتسل، وإن لم يذكر احتلاماً فلا يجب عليه الغسل، لكن يتوضأ ويطهر ما أصابه. فأصبح إذا رأى الإنسان ماءً في منامه له هذه الحالات الثلاث: أن يتيقن أنه مني فيجب عليه أن يغتسل، أن يتيقن أنه ليس منياً فلا يجب عليه أن يغتسل، أن يشك فيه، فإذا شك فيه فإن ذكر احتلاماً وجب عليه أن يغتسل، وإن لم يذكر احتلاماً نقول: لا يجب عليك أن تغتسل، وإنما يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة. قال المؤلف رحمه الله: (خروج المني)، فإن المني لا يوجب الغسل حتى يخرج، وعلى هذا الإنسان إذا أحس بانتقال المني، لكنه لم يخرج، إما لكونه حبسه أو لكونه لا يحبسه، فإنه لا يجب عليه الغسل حتى يخرج منه؛ ويدل لذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام لـأم سليم لما قالت: ( هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم إذا هي رأت الماء )، وهذا في الصحيحين. هذا الأمر الأول من النواقض، وهو خروج الماء، وهو ناقض بإجماع المسلمين؛ ويدل له ما تقدم من حديث أم سليم ، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الماء من الماء ) كما في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم رحمه الله.

    الموجب الثاني: التقاء الختانين

    قال المؤلف رحمه الله: [والتقاء الختانين]هذا الموجب الثاني من موجبات الغسل، التقاء الختانين، والمراد بالتقاء الختانين: هو أن يغيب الزوج حشفته في فرج زوجته، والمراد بالحشفة هي رأس الذكر التي تقوم عليها الجلدة التي تقطع عند الختان، فإذا غيب هذه الحشفة في فرج زوجته، فإنه يحصل التقاء الختانين، إذا حصل تغييب الحشفة مع حد القطع بالنسبة للمرأة، فهنا يلتقي الختانان. وليس المراد بالتقاء الختانين هو مس الفرج بالفرج، فمس الفرج بالفرج لا يوجب الغسل، يعني: إذا فرج الزوج مس فرج زوجته هذا لا يوجب الغسل، لكن الذي يوجب الغسل هو أن يحصل تغييب للحشفة، والمراد بالحشفة ليست كل الذكر، وإنما هي رأس الذكر التي تكون عليها الجلدة التي تقطع عند الختان، فإذا حصل هذا التغييب هذا يمس حد القطع بالنسبة للزوجة، فيحصل التقاء الختانين. والتقاء الختانين هذا موجب من موجبات الغسل وإن لم يحصل إنزال، ولا بد أيضاً من تغييب جميع الحشفة، أما إذا غيب شيئاً من الحشفة فإن هذا لا يوجب الغسل، إنما يوجب الغسل إذا حصل تغييب الحشفة, وحصل التقاء الختانين. وقول المؤلف رحمه الله: التقاء الختانين وإن لم يحصل إنزال، هذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله؛ ويدل لذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان وجب الغسل )، وتقدم لنا كيف يمس الختان، وفي لفظ: ( إذا جاوز الختان الختان )، وفي لفظ عند مسلم أيضاً: ( وإن لم ينزل ). والرأي الثاني: أنه لا يجب الغسل إلا مع الإنزال؛ لحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الماء من الماء ) يعني: لا يجب ماء الغسل إلا إذا خرج ماء الإنزال، هذا هو الرأي الثاني، وقد ورد عن جمع من الصحابة، ورد عن عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبي بن كعب ، ورد عنهم أن التقاء الختانين لا يوجب الغسل إلا مع الإنزال، وثبت عن أكثرهم أنه رجع. وعلى هذا نقول: يجب على الإنسان أن يغتسل حتى ولو لم يحصل الإنزال، وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الماء من الماء ) فهذا في أول الإسلام كانوا كما في حديث أبي بن كعب لا يجب على الإنسان غسل إلا إذا حصل منه إنزال، ثم نسخ ذلك، ولذلك في حديث أبي هريرة : ( إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان وجب الغسل ) في لفظ لـمسلم : ( وإن لم ينزل ). ذكر المؤلف رحمه الله موجبين من موجبات الغسل، وهناك موجبات أخرى لم يتعرض لها المؤلف، فنقول:

    الموجب الثالث والرابع: خروج دم الحيض والنفاس

    الموجب الثالث والرابع: خروج دم الحيض، وخروج دم النفاس؛ وهذا سيأتينا إن شاء الله قريباً في باب الحيض والنفاس؛ ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222]، قال: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:222] وهذا التطهر إنما يكون من غسل، وأيضاً السنة بينت ذلك كما في حديث عائشة .. إلخ، والإجماع قائم على ذلك.

    الموجب الخامس: إسلام الكافر

    الخامس: إسلام الكافر، هل هو موجب للغسل أو ليس موجباً للغسل؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فالمشهور من المذهب أن إسلام الكافر يوجب الغسل؛ ويدل لذلك أدلة، من هذه الأدلة حديث قيس بن عاصم : ( فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يغتسل ) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، وهو حسن، وكون النبي عليه الصلاة والسلام أمر قيساً بن عاصم أن يغتسل، هذا يدل على وجوب الغسل. وأيضاً قصة ثمامة بن أثال كما في الصحيحين، ( فإنه لما أسلم ذهب واغتسل )، بل في مصنف عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اذهبوا به إلى حائط أبي طلحة ، وأمره أن يغتسل )، هذا هو المشهور من المذهب.الرأي الثاني: أنه لا يجب أن يغتسل، هذا مذهب أبي حنيفة ، واستدلوا على ذلك بأدلة, منها: قول الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، وأيضاً حديث عمرو بن العاص في صحيح مسلم : ( إن الإسلام يجب ما قبله )، وأكثر الذين أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم بالغسل.الرأي الثالث: رأي الشافعي رحمه الله قال: إن أجنب في حال كفره وجب عليه أن يغتسل، وإن لم يجنب في حال كفره لا يجب عليه أن يغتسل. يعني: يقول الشافعي : إذا حصل منه جنابة في حال كفره يجب عليه أن يغتسل ولو اغتسل في حال الكفر؛ لأن الغسل في حال الكفر غير معتبر؛ لأنه يشترط في الغسل النية، وهذا الكافر لا تصح منه النية.والأحوط في ذلك: ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله بأن الإنسان إذا أسلم فإنه يغتسل؛ لأن أمر النبي عليه الصلاة والسلام للواحد من الأمة أمر لجميع الأمة، وكونه لم ينقل -كما ذكر الحنفية- أن أكثر الذين أسلموا لم يعهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالاغتسال، نقول: عدم النقل ليس نقلاً للعدم. فالأحوط في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله.

    الموجب السادس: الموت

    الموجب السادس: الموت، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الذي وقصته ناقته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ) في الصحيحين، وأيضاً حديث أم عطية في اللاتي غسلن ابنته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك )، فقوله: ( اغسلن ) هذا أمر.هذا بالنسبة لموجبات الغسل، تتلخص لنا موجبات الغسل: خروج المني، والتقاء الختانين، وإسلام الكافر، والحيض والنفاس، والموت.

    كيفية الغسل

    قال المؤلف رحمه الله: [والواجب فيه النية وتعميم بدنه بالغسل مع المضمضة والاستنشاق، وتسن التسمية, ويدلك بدنه بيديه, ويفعل كما روت ميمونة .. إلخ].شرع المؤلف رحمه الله في بيان كيفية الغسل، وذكر أنه تجب فيه النية، وهذا دليله ظاهر حديث عمر رضي الله تعالى عنه: ( إنما الأعمال بالنيات )؛ لأن الإنسان يعمم قد يقصد التبرد وقد يقصد التنظف وقد يقصد العبادة، فلا بد من النية التي تميز العبادة من العادة، والغسل له كيفيتان: كيفية مسنونة كاملة، وكيفية مجزئة. والكيفية المسنونة الكاملة هي التي اشتملت على الشروط، والواجبات، والمستحبات.والك فية المجزئة هي التي اشتملت على الشروط والواجبات.فالكي ية الكاملة كما ذكر المؤلف رحمه الله في حديث ميمونة وعائشة يستحب الإنسان أولاً أن يتوضأ وضوءه للصلاة تماماً، وهل يغسل رجليه أو لا يغسل رجليه؟ هذا سيأتينا إن شاء الله، فيتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه .. إلخ كما تقدم في صفاته، ثم بعد ذلك يغسل رأسه ثلاث مرات كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ثم بعد ذلك يغسل سائر بدنه مرة واحدة، يبدأ بالجانب الأيمن ثم بالجانب الأيسر، ثم بعد ذلك يأتي بأذكار الوضوء السابقة، فإنها تشرع عند نهاية الغسل، هذه الكيفية الكاملة. لكن بالنسبة للكيفية الكاملة يستحب للإنسان أن يغسل رجليه في بعض الأحيان كما في حديث عائشة ، وفي حديث ميمونة : ( ثم تنحى وغسل رجليه ) يعني: في بعض الأحيان تتوضأ وضوءك كاملاً وتغسل رجليك، وفي بعض الأحيان يستحب أن تتوضأ وضوءاً كاملاً وتترك غسل رجليك.المشهور من المذهب أن الإنسان في الغسل الكامل يستحب أن يغسل قدميه مرتين، يعني: تتوضأ وضوءاً كاملاً, وتغسل قدميك، ثم بعد ذلك تغتسل وتغسل قدميك، يعني: يقولون: يستحب أن تغسل قدميك مرتين، هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله. والأقرب في ذلك التنويع، وأن الإنسان في بعض الأحيان يتوضأ وضوءاً كاملاً ويترك غسل قدميه حتى نهاية الغسل، وفي بعض الأحيان يتوضأ وضوءاً كاملاً ويغسل قدميه، فتارة يفعل هذا وتارة يفعل هذا، ويكون قد عمل بالسنة كلها؛ لأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( أنه غسل قدميه مع الوضوء )، وورد أيضاً: ( أنه ترك غسل قدميه ) كما في حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت: ( فتوضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ).فبعض العلماء حمله على التنويع، قال: يستحب أن يفعل هذا تارة ويستحب أن يفعل هذا تارة، وبعض العلماء حمل قولها: (غير رجليه) على أن المكان غير مناسب، إما لكونه فيه طين أو تراب أو غير ذلك، فإذا كان المكان كذلك فإنه يؤخر غسل القدمين في آخر الغسل. وبعض العلماء قال كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: يستحب أن يغسل القدمين مرتين لكي يأتي بالحديثين، حديث ميمونة وحديث عائشة. لكن الصواب والأقرب -والله أعلم- أن هذا على سبيل التنويع، فإن الإنسان في بعض الأحيان يغسل قدميه، وفي بعض الأحيان يترك غسل قدميه، هذا بالنسبة للكيفية الكاملة. وأما بالنسبة للكيفية المجزئة فهي أن ينوي ويعم بدنه بالماء ويتمضمض ويستنشق، إذا عم بدنه بالماء ومضمض واستنشق كفى ذلك، وسواء تمضمض في أول الغسل أو في أثناء الغسل أو في آخر الغسل يحصل له ارتفاع الحدث.قال المؤلف رحمه الله: (وتسن التسمية).تقدم الكلام عن التسمية .. إلخ.قال المؤلف رحمه الله: (ويدلك بدنه بيديه ويفعل كما روت ميمونة .. إلخ).يدلك بدنه بيديه, الدلك هذا مستحب، وقد ورد عن الإمام مالك رحمه الله أنه أوجبه، ويحمل ما ورد عن الإمام مالك رحمه الله إيجاب الدلك أنه يجب في موضع يظن أنه لا يصل إليه الماء، يعني: لو كان هناك موضع لا يصل إليه الماء فإنه يدلك, أما إذا ظن أنه وصل الماء فلا يجب الدلك. مثلاً: يدلك ظهره أو بطنه أو رجليه .. إلخ، المهم يكفي في ذلك الظن؛ ولذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( حتى إذا ظن أنه روى بشرته )، فإذا حصل الظن فإن ذلك كاف.

    نقض الشعر في الغسل

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يجب نقض الشعر في غسل إذا روى أصوله].ويدل لذلك حديث أم سلمة أنها قالت: ( يا رسول الله! إني أشد ظفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين )، وهذا في صحيح مسلم . وقول المؤلف رحمه الله: (ولا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة) يفهم من كلامه أنه يجب النقض في غسل الحيض والنفاس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله. والصواب في هذا أنه لا يجب نقض الشعر لا في غسل الجنابة، ولا في غسل الحيض؛ ويدل لذلك أيضاً ما في صحيح مسلم : ( أن أم سلمة رضي الله تعالى عنه قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أفأنقضه للحيضة؟ قال: لا. لما سألته عن غسل الجنابة قال: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين ). وأيضاً في صحيح مسلم : ( لما سألته عن الحيضة قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا ).

    الغسل عن الحدثين الأكبر والأصغر

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا نوى بغسله الطهارتين أجزأ عنهما].النية في الغسل لها صور: الصورة الأولى ذكرها المؤلف رحمه الله قال: (أن ينوي بغسله الطهارتين) يعني: هذا الإنسان اغتسل ونوى بغسله أن يرفع الحدث الأكبر والحدث الأصغر، عليه مثلاً جنابة من خروج مني أو عن جماع، أو امرأة حائض أو نحو ذلك، فهذا إذا نوى بغسله الحدثين الأكبر والأصغر فإنهما يرتفعان، هذه الصورة الأولى. الصورة الثانية: أن ينوي رفع الحدث الأكبر، هل يرتفع الأصغر أو لا يرتفع الأصغر؟ فالمشهور من المذهب أنه لا يرتفع الأصغر، يعني: عمم بدنه بالماء وقد نوى أن يرفع الحدث الأكبر فإن الأصغر لا يرتفع، فيجب عليه أن يتوضأ.وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا نوى رفع الأكبر فإنه يرتفع الأصغر، وهذا هو الصواب في هذه المسألة، فنقول: إذا نوى أن يرفع الحدث الأكبر فإنه يرتفع حدثه الأصغر، وعلى هذا إذا نوى أن يغتسل من الجنابة فإنه يرتفع حدثه الأكبر والأصغر ويرتفع بذلك. الصورة الثالثة: أن ينوي غسلاً مسنوناً، فإنه يجزئ عن الغسل الواجب، مثلاً: الإنسان استيقظ يوم العيد وعليه جنابة، واغتسل غسل العيدين، غسل العيدين غسل مستحب، فإنه يرتفع الواجب، ويجزئ هذا المسنون عن الواجب.الصورة الرابعة: أن ينوي غسلاً واجباً فإنه يكفي عن الغسل المسنون، مثلاً لو استيقظ يوم العيد وهو جنب، واغتسل من جنابة فإن هذا يكفيه عن الغسل المستحب. ومثل ذلك أيضاً: لو استيقظ يوم الجمعة ووجد أن عليه جنابة، واغتسل ينوي به غسل الجمعة وغسل الجنابة نقول: بأن هذا كاف، فإن نوى غسل الجنابة نقول: بأن هذا يكفي؛ لأن هذا من باب تداخل العبادات. وتداخل العبادات الضابط في ذلك: أن العبادة الثانية إذا كانت غير مقصودة لذاتها فإنها تندرج تحت العبادة الأولى، فالمقصود من ذلك تعميم البدن والنظافة، تطهير البدن وتنظيفه، فيكفيه غسل واحد. الصورة الخامسة: أن ينوي رفع الحدث ويطلقه، فنقول: يرتفع الحدثان عنه، يرتفع الحدث الأصغر وكذلك أيضاً الحدث الأكبر.
    التيمم عن الحدثين الأكبر والأصغر
    قال: [وكذلك لو تيمم للحدثين والنجاسة على بدنه أجزأ عن جميعها].لو تيمم للحدثين، الإنسان عليه حدث أكبر وعليه حدث أصغر، وعليه نجاسة على بدنه، فتيمم ينوي بهذا التيمم الحدث الأكبر والأصغر والنجاسة، يقول المؤلف رحمه الله: يجزئ. وقول المؤلف رحمه الله: (والنجاسة على بدنه أجزأ) يؤخذ من كلامه أن التيمم عن النجاسة التي على البدن مشروع، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله. والصواب: أنه لا تيمم عن النجاسة، التيمم إنما ورد عن الحدث إما أكبر وإما أصغر، أما التيمم عن النجاسة التي على البدن فإن هذا غير مشروع, ولم يرد دليل في ذلك. فنقول: النجاسة التي على البدن يشرع للإنسان أن يزيلها، فإذا لم يتمكن أن يزيلها يخففها ما استطاع، أما كونه يتيمم عنها فنقول: بأن هذا غير مشروع. قال المؤلف رحمه الله: [وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى].يعني: مثلاً نوى الحدث الأكبر لا يرتفع الأصغر، والصواب: أنه إذا نوى في التيمم أو بالغسل الحدث الأكبر فإنه يرتفع الحدث الأصغر، هذا هو الصواب. أما التيمم عن النجاسة فتقدم أنه غير مشروع، وإذا نوى بتيممه الحدث الأصغر فإنه لا يرتفع الحدث الأكبر، أو توضأ عن الحدث الأصغر فهذا ظاهر لا يرتفع الأكبر.وقول المؤلف رحمه الله: (وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى). هذا ليس على إطلاقه، بل نقول: إذا نوى الأكبر فإنه يندرج تحته الأصغر، فإن ارتفع الأكبر ارتفع الأصغر، إذا تيمم عن الأكبر فإنه يرتفع الأصغر، أما لو تيمم عن الأصغر نوى بتيممه فقط الحدث الأصغر فإنه لا يرتفع الأكبر، انتهى الباب.

    قراءة القرآن للجنب والحائض والنفساء

    قبل أن ننتقل إلى باب التيمم بقي علينا مسألتان تتعلقان بالغسل. تقدم أن المحدث يحرم عليه الصلاة ومس المصحف والطواف على خلاف كما ذكرناه، ومن عليه جنابة يحرم عليه قراءة القرآن, أما بالنسبة للحائض والنفساء فالصواب: لا تحرم القراءة عليها، فعندنا جنب، وعندنا حائض أو نفساء، فالجنب إذا خرج منه المني أو حصل منه الجماع هل يحرم عليه قراءة القرآن أو لا يحرم عليه قراءة القرآن؟ جمهور أهل العلم أن قراءة القرآن محرمة عليه؛ ويدل لذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً ) أخرجه الترمذي . واختلف أهل العلم رحمهم الله في إثباته، هل هو ثابت أو ليس ثابتاً؟ فصححه جمع من أهل العلم منهم ابن حبان ، وأيضاً الشيخ أحمد شاكر , حسنه الحافظ ابن حجر ، صححه ابن السكن والإشبيلي ، بعض العلماء ضعفه, مثل الشافعي والبيهقي والنووي ، وعلته عبد الله بن سلمة فإنه كبر وتغير، وهذا الحديث مما روي عنه بعد تغيره. وأيضاً: مما يدل أنه لا يجوز أنه ورد عن علي رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح في الدارقطني , وعلي من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بأخذ سنته: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ )، وأيضاً ورد من حديث ابن عمر لكن هذه الأحاديث ضعيفة. لكن عندنا أثر علي رضي الله تعالى عنه. وأما الذين قالوا بالإباحة أن الجنب يجوز له أن يقرأ القران، استدلوا بأن القران فعل خير, والله عز وجل أمر به، وليس هناك دليل على المنع: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]، ( اقرأ القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه )، وهذا يشمل الجنب وغيره، ولم يأت دليل عليه. لكن الأحوط في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، ويكفي في ذلك -إذا قلنا بأن الحديث لا يثبت- وروده عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. أما الحائض والنفساء فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والإمام مالك قالا: إنه يجوز لهما قراءة القرآن، خلافاً لجمهور أهل العلم، وهذا القول هو الصواب؛ لأن الحديث في ذلك حديث ابن عمر : ( لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ) هذا ضعيف لا يثبت، ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه منع من ذلك. وقراءة القرآن فعل خير, قد أمر الله عز وجل به، وكذلك أيضاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقرأ القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه )، اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45]. فالصواب في ذلك: أن الحائض والنفساء يجوز لهما قراءة القرآن، لكن مس المصحف كما تقدم لنا لا يجوز، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يجب على الحائض أن تقرأ القرآن إذا خشيت نسيانه.
    غسل الجنب أو وضوءه قبل الأكل والشرب
    المسألة الأخيرة: من عليه جنابة يستحب له أن لا يأكل أو يشرب حتى يغتسل أو يتوضأ، كما ورد بذلك حديث عائشة وحديث عمار رضي الله تعالى عنهما، فنقول: من عليه جنابة يستحب له أن لا يأكل ولا يشرب حتى يغتسل أو يتوضأ. كذلك أيضاً: إذا أراد أن يعاود الوطء يجامع مرة ثانية يستحب له أن لا يطأ حتى يتوضأ أو يغتسل.وأما بالنسبة للنوم فإنه يكره للإنسان أن ينام على جنابة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك كما في حديث عمر رضي الله تعالى عنه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الطهارة [7]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    شرع الله التيمم رخصة لعباده ليزيل عنهم المشقة، وله كيفية ثبتت في السنة، كما أن له شروطاً يجمعها العجز عن استعمال الماء، ويحرم على الحائض الصلاة والصوم والطواف، واختلف الفقهاء في حكم قراءتها للقرآن الكريم.
    التيمم

    حكم التيمم


    قال المؤلف رحمه الله: [باب: التيمم]. مناسبة هذا الباب لما قبله، أن المؤلف رحمه الله كما سبق ذكر الطهارة بالماء سواء كانت برفع الحدث الأصغر أو برفع الحدث الأكبر، ثم بعد ذلك ذكر ما ينوب عن الماء عند تعذر استعماله حقيقة أو حكماً وهو التيمم. فمناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة، فإن المؤلف رحمه الله ذكر الطهارة بالماء وهي الأصل, ثم بعد ذلك ذكر ما ينوب عن هذا الأصل وهو الطهارة بالصعيد الطيب, كما سيأتي بيانه إن شاء الله.والأصل في التيمم من حيث الدليل الكتاب, والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، أما السنة فأحاديث كثيرة كما سيأتينا في حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين؛ وفيه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما يكفيك هكذا, وضرب النبي عليه الصلاة والسلام بيديه على الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه ). وكذلك أيضاً حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر من هذا الخمس قال: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )، وأيضاً حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء ). والإجماع قائم على مشروعية التيمم. والتيمم من خصائص هذه الأمة فإنه لم يكن موجوداً في الأمم السابقة، وإنما هو من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ودليل ذلك ما تقدم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أعطيت خمساً لم يعطهن نبي من الأنبياء قبلي، وذكر منها النبي عليه الصلاة والسلام قال: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ).إن التيمم شرع رخصة وتسهيلاً على المكلف، فالأصل فيه التخفيف، وذلك أنه إنما شرع رخصة وتسهيلاً على المكلف، وإذا كان كذلك فإنه لا يشدد في صفته كما سيأتينا إن شاء الله؛ لأن التيمم إنما شرع للتسهيل ورفع الحرج والتخفيف على المكلف؛ كما قال الله عز وجل: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة:6].

    صفة التيمم

    قال المؤلف رحمه الله: [صفته أن يضرب بيديه على الصعيد الطيب].قوله: (صفته) أي كيفية، والمراد بالصعيد هو كل ما تصاعد على وجه الأرض، كما سيأتينا إن شاء الله في قول المؤلف رحمه الله لما ذكر الشروط: (الشرط الرابع: التراب)، فالصواب أنه يكون على كل ما تصاعد على وجه الأرض، سواء كان تراباً أو حجراً أو حصىً أو رملاً أو جبلاً .. إلخ، فكل ما تصاعد على وجه الأرض كل ما كان من جنس الأرض، فإنه يصح التيمم عليه.قال المؤلف رحمه الله: (الطيب) أي: الطاهر.قال: [ضربة واحدة، فيمسح بهما وجهه وكفيه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعمار : ( إنما يكفيك هكذا, وضرب بيديه على الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه )].هنا قال المؤلف رحمه الله: الصعيد الطيب كما سلف لنا أن التيمم ليس خاصاً بالتراب، كما سيأتي من التوضيح إن شاء الله، بل كل ما كان من جنس الأرض فإنه يصح لك أن تتيمم عليه. وأيضاً قال المؤلف رحمه الله: (ضربة واحدة)، هذا هو الصواب الذي دل له حديث عمار رضي الله تعالى عنه, يعني: أنه يكفي فيه ضربة واحدة، ولا يشترط أن يضرب أكثر من ضربة، وهذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه يكفي في ذلك ضربة واحدة. ودليل ذلك ما أورده المؤلف رحمه الله من حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه. كذلك أيضاً مما يدل لذلك ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما تيمم على الجدار ضرب النبي عليه الصلاة والسلام ضربة واحدة ). والرأي الثاني: أنه لا بد من ضربتين، وهذا عند أكثر أهل العلم، اشترطوا ضربتين؛ واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً, لكنه لا يثبت مرفوعاً للنبي عليه الصلاة والسلام وإنما هو موقوف على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وعلى هذا نقول الصحيح في هذه المسألة أنه يكفي ضربة واحدة. وأيضاً: كما تقدم لنا أنه لا يشترط التراب، وإنما يكفي أن يكون أي شيء من جنس الأرض، وسبق أن نبهنا على قاعدة, وهي: أن الأصل في التيمم أنه شرع للتخفيف والتسهيل ورفع الحرج، فإذا كان كذلك فلا نكثر من شروطه وتقييداته. فنقول: يكفي ضربة واحدة, ولا تشترط ضربتان، ويكفي ما تصاعد على وجه الأرض، ولا يشترط التراب، ويكفي أيضاً أن يمسح كفيه، ولا حاجة إلى أن يمسح الذراعين، وهذا قول المؤلف رحمه الله, وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه يكفي في التيمم أن يمسح الكفين، ولا حاجة إلى أن يمسح المرفقين، كما هو قول الأئمة الثلاثة. ودليل ذلك حديث عمار بن ياسر وحديث أبي الجهيم : ( لما تيمم النبي صلى الله عليه وسلم على الجدار مسح يديه ). وأما ما ورد في حديث ابن عمر : ( التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين والمرفقين ). فقلنا: بأن هذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو موقوف على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فلا نشترط التراب، لا نشترط التعدد في الضربات، لا يشترط المسح إلى المرفقين، وإنما هو الكفين. أيضاً: هل يفرج بين أصابعه أو لا يفرج كما ذكر العلماء رحمهم الله؟ نقول: لا حاجة إلى ذلك، وإنما يضرب الصعيد ويمسح وجهه, وكذلك أيضاً يمسح كفيه, فهي عبادة شرعت للتخفيف، تضرب الصعيد ضربة واحدة, وتمسح الوجه وأيضاً تمسح الكفين.وأيضاً ذكر بعض العلماء رحمهم الله أن الإنسان يضرب الصعيد ويمسح أيضاً الوجه، وأما بالنسبة للشعر فنقول: بأنه لا يمسح، فإذا كان الإنسان له لحية أو نحو ذلك لا يمسح الشعر؛ لأن التيمم ليس فيه طهارة حسية وإنما طهارته طهارة معنوية فقط، وإذا كان كذلك فلا حاجة للإنسان أن يمسح الشعر، ولتضرب وتمسح بيديك على وجهك وتمر بهما على كفيك، وينتهي الأمر. كذلك أيضاً: هل يفرج أصابعه أو لا يفرج؟ نقول: هذا لم يرد في السنة، بل إذا ضرب ومسح كفى ذلك. كذلك أيضاً: هل كما ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله إذا ضرب يمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه؟ ذهب بعض أهل العلم إذا تيمم بضربة واحدة فإنه يمسح بطول أصابعه، وأما بالنسبة لكفيه فإنه يمسحهما براحتيه، لماذا قالوا هذا التفصيل؟ لأنه إذا ضرب ضربة واحدة ثم مسح وجهه وكفيه، يصبح التراب الذي ضرب به مستعملاً، فينقلب من كونه طهوراً إلى كونه طاهراً، وحينئذٍ يحتاج إلى ضربة أخرى. فنقول: يمسح الوجه بأطراف الأصابع، ويمسح الكفين بالراحتين؛ لأنك إذا مسحت الكفين بالراحتين ما أصبح التراب الذي علق بالكفين مستعملاً .. إلخ، وهذا لا نحتاج إليه، وإنما يكفي كما سلف أن يضرب الإنسان ضربة واحدة ويمسح وجهه. وكذلك أيضاً: يمسح ظاهر كفيه، وأيضاً لا حاجة إلى أن يمسح الشعر في التيمم.

    أقسام الشعر في الطهارة

    وذكر بعض العلماء رحمهم الله أن الشعر في الطهارة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: يجب تطهير ظاهره وباطنه، وهذا في الغسل، إذا اغتسل الإنسان فيجب عليه أن يطهر ظاهره وباطنه. القسم الثاني: لا يجب أن يطهر لا ظاهره ولا باطنه، وهذا في التيمم. وهذان طرفان، الطرف الأول: في الغسل يطهر ظاهره وباطنه. القسم الثاني: في التيمم لا يطهر لا ظاهره ولا باطنه. القسم الثالث: في الوضوء؛ إن كان الشعر خفيفاً، فيجب عليه أن يطهر ظاهره وباطنه، وإن كان ثقيلاً كثيفاً فيجب عليه أن يطهر ظاهره، وأما باطنه فإنه لا يجب عليه أن يطهره. فالوضوء فيه تفصيل، إن كان خفيفاً فيجب أن يطهر ظاهره وباطنه، وإن كان كثيراً فيجب عليه أن يطهر ظاهره, وأما باطنه فلا يجب عليه أن يطهره.

    حكم التيمم بأكثر من ضربة ومسح اليدين إلى المرفقين

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن تيمم بأكثر من ضربة أو مسح أكثر من كفيه جاز].يعني: إذا تيمم بضربتين، يقول المؤلف: جائز، لأن هذا ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، لكن الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( يكفي ضربة واحدة ) يعني: لا يجب عليك أن تضرب أكثر من ضربة واحدة، لكن لو ضربت ضربتين كما ورد عن ابن عمر يقول المؤلف رحمه الله هذا جائز. قال: (أو مسح أكثر من كفيه) يعني: مسح إلى المرفق، يقول المؤلف رحمه الله: هذا جائز لكن لا يجب؛ لأنه ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام, إنما ورد مسح الكفين فقط، لكن ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى أن هذا الفعل من ابن عمر إنما هو من تشديداته، فإن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يأخذ بأشياء يخالفه عليها أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    شروط صحة التيمم

    قال المؤلف رحمه الله: [وله شروط أربعة: أحدها: العجز عن استعمال الماء إما لعدمه أو خوف الضرر من استعماله لمرض أو برد شديد].هذا الشرط الأول من شروط صحة التيمم: أن يعجز عن استعمال الماء؛ والعجز عن استعمال الماء إما أن يكون حقيقياً، وإما أن يكون حكمياً، يعني: أن يعجز عن الماء حقيقة يعني: لا يوجد الماء.. وكيف لا يوجد الماء؟قال العلماء رحمهم الله: لا يوجد الماء في رحله، وفي متاعه, وفيما قرب منه عرفاً، فإذا كان الإنسان لا يجد الماء في بيته، وفيما قارب بيته عرفاً، الأشياء التي هي قريبة من بيته عرفاً، هنا نقول: له أن يتيمم. ودليله قول الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، أما إذا كان يجد الماء، لكن الماء بعيد عرفاً فهذا له أن يتيمم، له أن ينتقل عن الماء إلى بدله، فأصبح معنى كونه لا يجد الماء حقيقةً، نقول: لا يتوافر الماء في بيته ورحله ومتاعه وما قارب بيته عرفاً، فإذا كان الماء موجوداً قريباً عرفاً هذا يجب عليه أن يقصده، أما إذا كان بعيداً عرفاً فإنه لا يجب عليه أن يقصده، وذكرنا دليل ذلك من قول الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]. قال: (العجز عن استعمال الماء إما لعدمه أو لخوف الضرر) هذا حقيقة أن لا يجد الماء، لا في مكانه ولا فيما قرب منه عرفاً، حكماً يتعذر عليه الماء ذكر أمثلة له فقال: (أو خوف الضرر من استعماله لمرض أو برد شديد).إذا كان الإنسان يخشى أنه إذا استعمله يصاب بالمرض؛ مثلاً: الإنسان على أعضاء الوضوء قروح، وإذا أصابت هذا القروح هذا الماء فإنه يصاب بالمرض، أو كان في شدة برد، بحيث إنه لو استعمل هذا الماء مع شدة البرد لحقه مرض، يقول المؤلف رحمه الله: له هنا أن يعدل إلى التيمم. ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وأيضاً قول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]. أيضاً من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية قاعدة: لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة أيضاً: المشقة تجلب التيسير، فإذا خشي الإنسان المرض إذا استعمل الماء فإنه يعود إلى التيمم. كذلك أيضاً مما يدل لذلك حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه ( فإن عمراً رضي الله تعالى عنه احتلم في ليلة باردة، فخشي على نفسه إن اغتسل من الهلاك، يقول: فتيممت وصليت بأصحابي, وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم يأمره بالإعادة ). فنقول: إذا خشي من استعمال الماء أن يلحقه مرض فإنه يعدل إلى التيمم، وذكرنا دليل ذلك من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.كذلك أيضاً: إذا كان هناك برد شديد، لا يستطيع معه استعمال الماء، أو يخشى على نفسه، إذا كان هناك برد شديد بحيث إنه تلحقه مشقة ظاهرة، لا يستطيع معه استعمال الماء، أو يخشى على نفسه من المرض ونحو ذلك، فإن في هذه الحالة يعدل إلى التيمم؛ إذا لم يجد ما يسخن به هذا الماء. قال المؤلف رحمه الله: [أو لخوف العطش].هذا من صور عدم الماء حكماً، إذا كان الإنسان معه ماء، لكن يخشى على نفسه العطش إن استعمل هذا الماء، فإنه لا بأس أن يوفر هذا الماء لشربه، لطعامه، لا بأس بذلك، فإذا كان الماء بعيداً عنه عرفاً، وليس معه إلا ماء يسير، وهذا الماء اليسير يخشى على نفسه إن استعمله أن يصاب بعطش، أو يحتاجه لطعامه ونحو ذلك، والماء بعيد عنه عرفاً، فنقول: لا بأس حينئذ أن يعدل إلى التيمم، يخشى على نفسه العطش أو رفيقه أو بهيمته، المهم يخشى على نفسه أو على نفس محترمة، إذا كان يخشى على نفسه العطش، أو على نفس محترمة، سواء كانت هذه النفس المحترمة بهيمة أو آدمي فإنه يعدل إلى التيمم.قال المؤلف رحمه الله: [أو خوف على نفسه أو ماله في طلبه].أيضاً هذه من صور تعذر الماء حكماً، يعني: يخشى على نفسه إذا طلب الماء من عدو لو خرج, الماء حوله قريب عرفاً، لكن لو خرج من منزله يخاف على نفسه من عدو أو لص، أو يخاف على ماله أن يسرق، أو يخاف على أهله إذا ذهب لكي يأتي بالماء، فإنه في هذه الحالة يعدل إلى التيمم. ودليل ذلك كما تقدم أن الأصل في التيمم إنما شرع للتخفيف والتسهيل ورفع الحرج؛ كما قال الله عز وجل: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة:6]. قال المؤلف رحمه الله: [أو تعذر إلا بثمن كثير].أيضاً هذا من صور عدم الماء حكماً، الماء موجود لكنه لا يشترى إلا بثمن كثير، فيقول المؤلف رحمه الله: يعدل إلى التيمم ولا يلزمه أن يشتريه. ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا كان يستطيع شراء الماء بثمن مثله، أو بأزيد من ثمن مثله زيادة يسيرة، فإنه يجب عليه أن يشتريه، فأصبحت الحالات ثلاث:الحالة الأولى: أن يجد الماء يباع بثمن مثله، فيجب عليه أن يشتريه، وأن يتطهر بالماء؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الحالة الثانية: أن يجده بأزيد من ثمنه زيادة يسيرة، فيقول المؤلف رحمه الله: يجب عليه أن يشتريه وأن يتطهر به. الحالة الثالثة: أن يجد الماء بأزيد من ثمنه زيادة كثيرة، فهنا لا يجب عليه، إذا كانت زيادة كثيرة عرفاً فإنه لا يجب عليه أن يشتريه, وله أن يعدل حينئذ إلى التيمم. فأصبح عندنا ثلاث حالات, الحالة الثالثة هي التي يجوز له أن يعدل إلى التيمم. والأحسن في مثل ذلك: أن يقيد بالمشقة الظاهرة؛ لأن الناس يختلفون في الغنى واليسر والفقر والحاجة .. إلخ، فإذا كان أزيد من ثمن مثله بزيادة كثيرة، بحيث يلحقه في الشراء مشقة ظاهرة، فنقول: له أن يعدل إلى التيمم, لرفع الحرج عنه ورفع المشقة. أما إذا زاد زيادة كثيرة، ومثل هذا الرجل إذا اشترى لا يلحقه مشقة، فيظهر -والله أعلم- أنه يجب عليه أن يشتري الماء وأن يتطهر به.

    التمكن من استعمال الماء في بعض البدن

    قال المؤلف رحمه الله: [فإن أمكنه استعماله في بعض بدنه أو وجد ماء لا يكفيه لطهارته استعمله وتيمم للباقي].هاتان مسألتان: يعني: إذا تمكن من استعمال الماء في بعض بدنه؛ مثلاً إنسان عليه جرح في يده اليسرى، فهذا كما سلف لنا يجب عليه أن يغسل الصحيح، يعني: يجب عليه أن يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه ويغسل يده اليمنى، وكفه اليسرى، وبقية يده اليسرى التي ليس فيها جرح، أما الجرح فهذا له أحوال كما تقدم لنا, إن استطاع أن يغسله فإنه يجب عليه أن يغسله, ولا حاجة إلى التيمم, لم يستطع أن يغسله فإنه يعدل إلى المسح، يمسحه بالماء، فإن تمكن أن يمسحه بالماء فيمسحه بالماء, ولا شيء عليه. الحالة الثالثة: إذا كان عليه جبيرة أو خرقة أو شاش أو جبس أو ونحو ذلك، فإنه يمسحه ولا شيء عليه. الحالة الرابعة الأخيرة: إذا كان لا يتمكن من غسله، ولا يتمكن من مسحه، فإنه في هذه الحالة يعدل إلى التيمم. والتيمم يكون بعد نهاية الوضوء، ولا يكون في أثناء الوضوء كما ذكر أهل العلم رحمهم الله، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الفصل بين أعضاء الوضوء بالتيمم بدعة، بل نقول: إذا انتهى الإنسان من وضوئه فإنه يتيمم عن الجرح الذي لم يستطع أن يغسله ولم يستطع أن يمسحه. وأيضاً هل تجب الموالاة بين الوضوء والتيمم؟ الصحيح لا تجب الموالاة بين الوضوء والتيمم؛ فإذا توضأ الإنسان ثم بعد نصف ساعة أو ساعة تيمم على الجرح الذي عليه الذي لم يستطع أن يمسحه ولا أن يغسله، فنقول: في هذه الحالة تيممه صحيح ولا شيء عليه. ومثل ذلك أيضاً لو أراد أن يغتسل، أصابته جنابة مثلاً وعليه جرح في فخذه، نقول: يغسل الصحيح، وأما غير الصحيح إن استطاع أن يغسله يغسله، إن استطاع أن يمسحه مسحه، إذا لم يتمكن من الغسل ولا المسح .. إلخ فإنه يتيمم عنه. ومثل ذلك أيضاً: لو كان في فمه جرح أو جروح لا يستطيع أن يتمضمض، ولا يستطيع أن يمسح، فإنه في هذه الحالة يتيمم، أو مثلاً في أنفه جروح لا يستطيع أن يمسحها ولا يستطيع أن يغسلها، فإنه يتيمم عنها في نهاية الوضوء. قال: (أو وجد ماء لا يكفيه لطهارته استعمله وتيمم للباقي). مثلاً: وجد شيئاً من الماء يتمكن أنه يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه، أما بالنسبة ليديه ومسح رأسه ورجليه، فهذا لا يتمكن من أن يغسل هذه الأشياء، فيقول المؤلف رحمه الله: يغسل بالماء الذي وجده, والباقي الذي لم يغسله بالماء فإنه يتيمم عنه؛ لقول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، ولما ثبت في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم )، وهذا هو الذي يستطيعه الآن، المسألة موضع خلاف، لكن هذا ما اختاره المؤلف رحمه الله.

    التيمم بعد دخول وقت الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [الثاني: دخول الوقت فلا يتيمم لفريضة قبل وقتها ولا لنافلة في وقت النهي عنه].يقول المؤلف رحمه الله: الشرط الثاني من شروط صحة التيمم: أن يدخل الوقت؛ فمثلاً: إذا أراد أن يتيمم لصلاة المغرب فلا بد أن تغرب الشمس، وإذا أراد أن يتيمم لصلاة العشاء لا بد أن يغيب الشفق، وإذا أراد أن يتيمم لصلاة الفجر لا بد أن يطلع الفجر الثاني، وهكذا، لا يكون تيممه إلا بعد دخول الوقت. وهذه المسألة والشرط الثالث الذي ذكره المؤلف رحمه الله مبنيان على مسألة أخرى، وهذه المسألة هي: هل التيمم مبيح أو رافع؟ التيمم هذا هل هو رافع للحدث كالوضوء بالماء، أو أنه ليس رافعاً للحدث، وإنما هو مبيح، يعني: أن الحدث لم يرتفع وإنما التيمم أباح لك أن تتلبس بهذه العبادة؟هذان الشرطان مبنيان على هذه المسألة، هل التيمم مبيح أو رافع؟ لأهل العلم في هذه المسألة رأيان: الرأي الأول: أن التيمم مبيح؛ وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد كما مشى عليه المؤلف، أن التيمم مبيح وليس رافعاً، وهذا أيضاً مذهب الشافعي. واستدلوا على ذلك بحديث عمران بن الحصين رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري في قصة: ( الرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم معتزلاً لم يصل مع الناس، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، فقال له عليه الصلاة والسلام: عليك بالصعيد فإنه يكفيك، فلما جاء الماء أخذ النبي عليه الصلاة والسلام دلواً من ماء فقال: خذ هذا فأفرغه عليك ). قالوا: لو كان التيمم رافعاً لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خذ هذا فأفرغه عليك ). يعني: حديث عمران الشاهد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا الرجل الذي أصابته جنابة وتيمم. وأيضاً: حديث أبي هريرة وحديث أبي ذر وغيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته )، قالوا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فليتق الله وليمسه بشرته ) هذا دليل على أنه ليس رافعاً، وإنما هو مبيح، لو كان رافعاً ما قال: (ليمسه بشرته). وأيضاً حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: أنه قال: ( احتلمت في ليلة باردة، فخشيت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت وصليت بأصحابي، فلما قدم المدينة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: صليت بأصحابك وأنت جنب؟ )، فسماه جنباً مع أنه تيمم، هذا دل على أن الحدث لم يرتفع. الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله، وأن التيمم رافع كالوضوء بالماء، فإنه يرفع الحدث، لكن الفرق بين التيمم وبين الماء أن التيمم رفع الحدث رفعاً مؤقتاً، فإذا وجد الماء يبطل التيمم، أما بالنسبة للماء فإنه يرفع الحدث رفعاً مطلقاً إلى أن يوجد حدث آخر، أما بالنسبة للتيمم فإنه لا يرفعه رفعاً مطلقاً وإنما يرفعه رفعاً مؤقتاً إلى وجود الماء أو القدرة على استعماله إذا كان التيمم لمرض أو لخوف ونحو ذلك.وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله, واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ واستدلوا على ذلك بأدلة، من هذه الأدلة قول الله عز وجل: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة:6]، والشاهد هنا قال: وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة:6]، فدل على أنه مطهر. وأيضاً: حديث جابر وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) فدل على أنه مطهر. وأيضاً: أن التيمم بدل عن الماء، والبدل له حكم المبدل، فإذا كان الماء رافعاً للحدث، فكذلك أيضاً التيمم رافع للحدث، وهذا القول هو الصواب.لكن الفرق بين الماء وبين التيمم، أن الماء يرفع الحدث رفعاً مطلقاً، وأما التيمم فيرفع الحدث إلى وجود الماء، أو القدرة على استعماله، أو بطلان التيمم بحدث. وأما بالنسبة لما استدل به أهل القول الأول الشافعية والحنابلة من قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمران للرجل: ( خذ هذا فأفرغه عليك )، وأيضاً قوله: ( فليتق الله وليمسه بشرته )، نقول: هذه الأدلة دليل على أن التيمم لا يرفع رفعاً مطلقاً، وإنما يرفع إلى وجود الماء, هذا هو الفرق بين طهارة الماء وطهارة التيمم.وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم لــعمرو : ( صليت بأصحابك وأنت جنب؟ ) هذا قبل أن يذكر له عمرو رضي الله تعالى عنه عذره، وأنه خشي على نفسه الهلاك.وعلى هذا نقول: التيمم حكمه حكم الماء، فإذا كنا لا نشترط للطهارة بالماء دخول الوقت فكذلك أيضاً لا نشترط للتيمم بالصعيد دخول الوقت، فأنت الآن إذا أردت أن تصلي العشاء، وحتى الآن ما دخل وقت العشاء، لك أن تتوضأ الآن, فكذلك أيضاً التيمم إذا كنت لا تريد الماء أو لا تقدر على استعماله، لك أيضاً أن تتيمم الآن ولا يشترط دخول الوقت، كما أننا لا نشترطه بالنسبة للماء. كذلك أيضاً بالنسبة للنافلة وقت النهي كما أن الإنسان له أن يتوضأ في أوقات النهي بعد العصر وبعد الفجر وقبل وقت الزوال له أن يتيمم، هذا هو الصواب.

    حكم من تيمم لنافلة وأراد أن يصلي فريضة

    قال المؤلف رحمه الله: [الثالث: النية؛ فإن تيمم لنافلة لم يصل بها فرضاً، وإن تيمم لفريضة فله فعلها وفعل ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقتها].النية شرط لصحة التيمم؛ لأن التيمم عبادة، وكل عبادة لا بد لها من نية. ودليل ذلك حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى )، لكن هنا قال المؤلف: إن تيمم لنافلة لم يصل بها فرضاً، وإن تيمم لفريضة فله فعلها وفعل ما شاء من النوافل والفرائض حتى يخرج وقتها، هذه المسألة مبنية على ما تقدم؛ وهي هل التيمم مبيح أو رافع؟فهم يقولون: بأن التيمم مبيح، وعلى هذا إذا تيممت لعبادة فإنك تستبيح العبادة ومثلها ودونها، ولا تستبيح ما هو أعلى من العبادة، فمثلاً أنت الآن تيممت لكي تصلي سنة المغرب، هل لك أن تصلي به العشاء الآخرة؟ ليس لك ذلك؟ لأنهم يبنون هذا على أن التيمم مبيح، وعلى هذا جعلوا العبادات مرتبة كالتالي: فالمرتبة الأولى فرض العين؛ فإذا تيممت لعبادة فرض العين مثل صلاة المغرب تستبيح سائر العبادات؛ لأن أعلى شيء هو فرض العين، ثم بعد فرض العين النذر، ثم بعد النذر فرض الكفاية، ثم بعد ذلك صلاة النافلة، ثم بعد ذلك طواف النفل، ثم بعد ذلك مس المصحف، ثم بعد ذلك قراءة القرآن بالنسبة للجنب، ثم بعد ذلك اللبث في المسجد، هكذا الترتيب. أعيد الترتيب: أولاً: فرض العين، ثم النذر، ثم فرض الكفاية، ثم صلاة النافلة، ثم طواف النفل، ثم مس المصحف، ثم قراءة القرآن بالنسبة للجنب، ثم بعد ذلك اللبث في المسجد بالنسبة للجنب، فأقل شيء هو اللبث في المسجد.إذا كان الإنسان جنباً وأراد أن يلبث في المسجد، لا بأس أن يلبث بعد الوضوء، لكن ما قدر على أن يتوضأ يتيمم، فإن تيممت وأنت جنب لكي تلبث في المسجد، هل لك أن تمس المصحف بذلك؟ليس لك ذلك، ومن باب أولى أنك لا تصلي صلاة منذورة، ومن باب أولى أنك لا تصلي صلاة فرض كفاية مثل صلاة العيدين ولا فريضة. إذا تيممت لصلاة منذورة تستبيح مس المصحف لأنه أقل، لكن تيممت لصلاة منذورة لا تصلي فرض العين؛ لأن فرض العين أعلى، وهذا كله كما أسلفت مبني على أن التيمم مبيح. لكن إذا قلنا بأنه رافع كالماء تماماً، لا حاجة إلى هذه التفصيلات، نقول: هذه التفصيلات لا حاجة لها، فأنت إذا توضأت لمس المصحف مثلاً فلك أن تصلي فرض العين، لك أن تصلي فرض الكفاية، لك أن تطوف، لك أن تصلي الصلاة المنذورة .. إلخ. وهذا القول هو الصواب كما تقدم أن الصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله وهو أن التيمم رافع وليس مبيحاً.

    التيمم بالتراب

    قال المؤلف رحمه الله: [الرابع: التراب فلا يتيمم إلا بتراب طاهر له غبار].يقول المؤلف رحمه الله: لا بد من تراب، فلا تتيمم إلا على تراب، وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله والشافعي ؛ واستدلوا على ذلك بحديث حذيفة : ( وجعلت تربتها لنا طهوراً )، فقال صلى الله عليه وسلم: ( تربتها لنا طهوراً ).الرأي الثاني: رأي مالك وأبي حنيفة أنه لا يشترط التراب، بل كل ما تصاعد على وجه الأرض كالتراب والجبال والصخور والرمال وغير ذلك، كل ما كان على وجه الأرض فإنه يصح لك أن تتيمم عليه.ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، وأيضاً كما في حديث أبي الجهيم : ( تيمم النبي صلى الله عليه وسلم على الجدار ). فالصواب أننا نقول: لا حاجة إلى التراب. وهنا اشترط شرطاً آخر فقال: (بتراب طاهر) طاهر دليله قول الله عز وجل: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، الطيب هو الطاهر، وعلى هذا إذا كان هذا التراب الذي تيمم عليه نجساً فإنه لا يصح التيمم. يقول المؤلف رحمه الله: (له غبار) واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [النساء:43]، وقالوا: بأن (من) هذه تبعيضية.والصواب في ذلك: أنه لا حاجة إلى الغبار؛ لعموم قول الله عز وجل: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، وهذا يشمل كل صعيد، حتى الصخر، والصخر ليس له غبار. وأيضاً: ( النبي صلى الله عليه وسلم تيمم على الجدار )، وهذا يدل على عدم اشتراط الغبار. وأيضاً: الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يخرجون وما كانوا يحملون معهم التراب، وإنما يتيممون على وجه الأرض، فالصواب أنه لا يشترط الغبار. وأما قول الله عز وجل: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [النساء:43]، فـ(من) هنا الصواب ليست للتبعيض، وإنما هي لابتداء الغاية، نقول: (من) هنا لابتداء الغاية، كما لو قلت: سافرت من مكة إلى المدينة، يعني: أن ابتداء غاية السفر من مكة إلى المدينة، فالصواب أن (من) هنا لابتداء الغاية، وليست للتبعيض. وعلى هذا ما يتمم عليه ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: ما كان من جنس الأرض، فهذا لا نشترط له غبار، لما تقدم من الأدلة: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، وأيضاً حديث أبي الجهيم : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام تيمم على الجدار )، فنقول: كل ما كان من جنس الأرض لا يشترط فيه الغبار، وهل يدخل في هذا التراب والرمل والصخر والجبال وأيضاً لو تيمم الإنسان على الرخام؟الحنفية رحمهم الله قالوا: لو تيمم على صخرة غسلت بالماء فإن هذا صحيح، لأنه الآن تيمم على جنس الأرض، فيتيمم على الرخام أو على البلاط، نقول: صحيح؛ لأن هذا من جنس الأرض، أو تيمم على جدار الطين، نقول: صحيح، تيمم على جدار من الإسمنت، نقول: صحيح، لأن الاسمنت هذا من جنس الأرض، يعني: إذا كان مبنياً من بلوك الإسمنت، فنقول: بأن هذا صحيح، تيمم على جدار مدهون بهذه الدهانات، هل هذا صحيح أو ليس صحيحاً؟ نقول: هذا ليس صحيحاً؛ لأن هذه الدهانات ليست من جنس الأرض إلا إذا كان على الجدار غبار تتيمم عليه نقول: هنا يصح؛ لأن التيمم هنا على الغبار والغبار من جنس الأرض.مثله أيضاً لو تيمم على مثل هذا الكرسي، نقول: هذا التيمم لا يصح؛ لأنه ليس من جنس الأرض، أو تيمم على الفرش، نقول: لا يصح، أو تيمم على أبواب الحديد أو الخشب نقول: لا يصح؛ لأن هذه ليست جنس الأرض، نشترط في هذه الحالة أن يكون عليها غبار لكي يكون التيمم على الغبار الذي هو من جنس الأرض. فأصبح عندنا ما يتيمم عليه ينقسم إلى قسمين: من جنس الأرض لا نشترط غباراً، وكما قلنا: دخل فيه التراب والرمل والصخور والجدران التي من جنس الأرض، والأرض التي أرضيتها أو مادتها من جنس الأرض، مثل البلاط، ومثل الرخام مثل الإسمنت مثل الطين، هذه كلها من جنس الأرض، هذه يصح أن تتيمم عليها.القسم الثاني: ما ليس من جنس الأرض، مثل الخشب، والفرش، والأبواب، والحديد، ونحو ذلك، فما ليس من جنس الأرض، نقول هنا: إذا تيممت عليه لا بد أن يكون عليها غبار لكي يكون التيمم على الغبار الذي هو من جنس الأرض.

    مبطلات التيمم

    قال المؤلف رحمه الله: [ويبطل التيمم ما يبطل طهارة الماء، وخروج الوقت، والقدرة على استعمال الماء, وإن كان في الصلاة].يبطل التيمم ما يبطل الماء؛ لأن التيمم بدل، والبدل له حكم المبدل، فالماء يبطل بخروج الخارج من الإنسان من بول أو غائط أو ريح ونحو ذلك كما سبق، فكذلك أيضاً: التيمم يبطل بهذه الأشياء، وأكل لحم الجزور يبطل طهارة الماء فكذلك أيضاً يبطل التيمم، وهكذا.ودليل ذلك -كما تقدم لنا- القاعدة: أن البدل له حكم المبدل.أيضاً خروج الوقت وهذا مبني على أنه مبيح، والصواب أن خروج الوقت لا يبطل التيمم. فمثلاً: تيممت الآن لصلاة المغرب، ثم خرج وقت صلاة المغرب فنقول: بأن التيمم لا يبطل لخروج الوقت؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، وهذه المسألة من المسائل المرتبة على هل التيمم مبيح أو رافع؟ نقول: الصواب أن التيمم رافع, هذا الصواب. قال: (والقدرة على استعمال الماء وإن كان في الصلاة) القدرة على استعمال الماء، إذا قدر الإنسان على استعمال الماء، سواء كان عدم الماء حقيقة أو حكماً، عدم الماء حقيقة بأن يكون ما وجد الماء ثم قدر عليه، نقول: يجب عليه أن يستعمله، ويبطل تيممه وإن لم يحدث، لما تقدم من حديث عمران بن الحصين في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خذ هذا فأفرغه عليك )؛ لأنه جاء الماء، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته ). قال المؤلف رحمه الله: (وإن كان في الصلاة) يعني: إذا شرع الإنسان يصلي، لم يجد هذا الإنسان ماءً، ثم شرع يصلي، وفي أثناء الصلاة جاء الماء، هل تبطل طهارته وتبطل صلاته أو نقول: لا تبطل صلاته؟للعلماء في ذلك رأيان: الرأي الأول: أن طهارته تبطل؛ وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، وهذا الآن وجد الماء. وأيضاً مما يدل لذلك حديث عمران بن الحصين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( خذ هذا فأفرغه عليك )، فدل هذا على أن طهارة التيمم قد بطلت. قلنا بأن الرأي الأول: أن التيمم يبطل فتبطل الصلاة لما تقدم من حديث عمران ، وأيضاً تقدم من حديث أبي ذر وحديث أبي هريرة ففيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته ). والرأي الثاني: أن طهارته لا تبطل، لا يخرج من الصلاة، ويمضي في صلاته؛ لقول الله عز وجل: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]. فالأقرب في مثل هذه المسألة أن يقال: إن صلى ركعة ثم قدر على استعمال الماء أتم صلاته، وإن صلى أقل من ركعة فإنه يخرج من الصلاة؛ ويدل لذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، فهذا الرجل قد أدرك ركعة من الصلاة، ويكون مدركاً لهذه الصلاة، يعني: هذا هو الأقرب في هذه المسألة بالتفصيل.

    التيمم لخوف فوت العبادة

    بقي علينا مسألة: هل يتيمم لخوف فوت العبادة أو لا يتيمم لذلك؟ هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور أهل العلم أنه لا يتيمم لخوف فوت العبادة، يعني: إذا خاف أن يفوت عليه العبادة فإنه لا يتيمم لذلك، إنما التيمم إذا تعذر عليه أن يستعمل الماء حقيقة أو حكماً، أما ما عدا ذلك فإنه لا يتيمم له، وهذا رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله، وإن كانوا لا يطلقون هذا، يعني: يستثنون بعض العبادات. والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يتيمم لخوف فوت العبادة، إذا خاف الإنسان أن تفوته العبادة فإنه يتيمم لها. مثلاً: لو أن الإنسان في صلاة الجمعة مثلاً، وسبقه الحدث، فلو ذهب وتوضأ وخرج من الجامع فإن الصلاة تفوت عليه, فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أنه يتيمم ويصلي. أو مثلاً: في صلاة العيدين، لو أنه سبقه الحدث مثلاً، وذهب لكي يتوضأ ثم يرجع فاتته صلاة العيدين، أو مثلاً جاءت جنازة وشرع الناس للصلاة عليها، ولو ذهب لكي يتوضأ فاتته صلاة الجنازة .. إلخ. فعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأنه في هذه الحالة إذا كانت العبادة يخشى عليها أن تفوت يتيمم لها. ويستدل لذلك بأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما تيمم للصلاة على الجنازة، وأيضاً فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي جهيم : ( فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما سلم عليه لم يرد السلام حتى أقبل على الجدار، ثم تيمم على الجدار، ثم رد النبي عليه الصلاة والسلام السلام )، فتيمم لكي يذكر الله عز وجل على طهر، ومن هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ). ومثل ذلك أيضاً لو خشي فوت الوقت، إذا كان غير معذور، أما إذا كان معذوراً فوقت الصلاة حين زوال العذر، يعني: لو كان نائماً أو ناسياً فوقت الصلاة حين زوال العذر، لكن لو كان الإنسان غير معذور فخشي أن يفوت الوقت، يعني: الإنسان لم يجد الماء إلا في آخر الوقت، وخشي إن شرع يتوضأ أن يفوت عليه الوقت. فعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يتيمم ويصلي أو خشي مثلاً: أن الماء ما يصل إليه إلا بعد خروج الوقت فإنه يتيمم ويصلي.

    الحيض

    قال المؤلف رحمه الله: [باب الحيض]: الحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال، ويقال أيضاً: حاضت الشجرة إذا خرج منها سائل أحمر.وأما في الاصطلاح: فهو دم طبيعة وجبلة يخرج من الأنثى في أوقات معلومة. والحيض كتبه الله على بنات أدم منذ أصل الخلقة، وليس مبتدأ كما ذكر بعض أهل العلم إن الله عز وجل كتبه على نساء بني إسرائيل، بل الحيض كتب على بنات آدم منذ أن خلقهن الله عز وجل؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام لـعائشة : ( إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ).
    ما يحرم على الحائض

    الحائض والصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة].يمنع فعل الصلاة، فإذا حاضت المرأة فإنه لا يجوز لها أن تصلي، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، حديث في الصحيحين. وأيضاً: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة )، وهذا في الصحيحين، ففعل الصلاة لا يجوز، ولا يصح من المرأة الحائضة, وهي لا تجب عليها الصلاة.ودليل ذلك ما تقدم من حديث عائشة قالت: ( كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة )، ولو كانت الصلاة واجبة لأمر الحيض بقضائها، لكن نستثني من ذلك حالتين: الحالة الأولى: إذا أدركت من أول الوقت مقدار ركعة، فإنه يجب عليها أن تقضيها إذا طهرت. مثال ذلك: أذان العشاء، الآن أذن العشاء، العشاء يؤذن السابعة إلا خمس دقائق، امرأة أذن عليها العشاء، ثم بعد ذلك مضى قدر ركعة، الركعة مثلاً نقدرها بدقيقتين، ثم حاضت قبل أن تصلي، فإنه يجب عليها إذا طهرت من حيضتها أن تقضي صلاة العشاء.ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، فيجب عليها صلاة العشاء لأنها أدركت من وقتها قدر ركعة، فيجب عليها أن تقضيها. وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يجب أن تقضي؛ لأن نساء الصحابة كن يحضن في وسط الوقت، ومع ذلك لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهن بالقضاء. لكن الأقرب في هذه المسألة والأحوط أن تقضي لهذا الحديث، ما دام أنها أدركت ركعة فإنه يجب عليها أن تقضيها. الحالة الثانية: إذا أدركت ركعة من آخر الوقت، يعني: عندنا امرأة حائض، قبل خروج الوقت بمقدار ركعة فأكثر طهرت من حيضتها، فنقول: يجب عليها إذا اغتسلت أن تقضي هذه الصلاة. فمثلاً: المغرب يخرج وقتها من أذان الساعة السابعة إلا خمس دقائق مثلاً، امرأة حائض قبل خروج وقت المغرب بمقدار ركعة فأكثر، يعني: الساعة السابعة إلا سبع دقائق .. إلا ثمان .. إلخ طهرت من حيضتها، فإنه يجب عليها أن تصلي هذه الصلاة؛ لأنها أدركت من وقتها قدر ركعة، فما دام أنها أدركت من وقتها قدر ركعة فيجب عليه أن تصليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ).

    الصيام

    قال المؤلف رحمه الله: [وفعل الصيام].أيضاً الحائض لا يجب عليها أن تصوم، ولكن يجب عليها أن تقضي الصيام، فالصيام محرم على الحائض؛ يدل لذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة في صحيح البخاري : ( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ). والمرأة إذا طهرت بعد طلوع الفجر لا يصح صيامها في ذلك اليوم، يعني: لو طهرت بعد طلوع الفجر، أي أنه ما انقطع عنها الدم إلا بعد طلوع الفجر بلحظة واحدة نقول: لا يصح صيام ذلك اليوم، ولو أنها انقطع عنها الدم قبل طلوع الفجر ولم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر فصيامها صحيح، ولو أنها حاضت -خرج منها دم الحيض- قبل غروب الشمس ولو للحظة واحدة فصيامها باطل. فلا بد أن تطهر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولو أحست بانتقاله ولم يخرج إلا بعد غروب الشمس فصيامها صحيح.ويجب عليها القضاء، لما تقدم من حديث عائشة : ( كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ).

    الطواف

    قال المؤلف رحمه الله: [والطواف].والطواف أيضاً لا يجوز للمرأة المحرمة أن تطوف وهي حائض؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما حاضت قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهرين ) وهذا في الصحيحين، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جوز طواف الحائض في حال الضرورة، يعني: في القوافل التي تأتي من أماكن بعيدة، من الهند مثلاً، أو من المغرب.. من أماكن بعيدة يلحق الناس مشقة بانتظار المرأة وهي حائض، فالمرأة في هذه الحال إما أن تنتظر هذه القافلة، فيكون فيها مشقة، أو نقول: هي محصرة، وتتحلل من حجها وترجع وهي ما حلت، أو أنها تطوف، فرخص شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الحالة الطواف.أما إذا كانت قريباً داخل البلد أو قريباً لا يرخص في ذلك، إما أن تنتظر أو تعود وتبقى المرأة محرمة، الذي رخص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المرأة التي تأتي من أماكن بعيدة، ويكون فيه ضرر ظاهر.

    قراءة القرآن

    قال المؤلف رحمه الله: [وقراءة القرآن].هل يحرم على الحائض قراءة القرآن أو لا يحرم؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد أن الحائض ممنوعة من قراءة القرآن، وهذا قول جمهور أهل العلم، أن الحائض ممنوعة من قراءة القرآن. والرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله، واختيار شيخ الإسلام أن الحائض لها قراءة القرآن، سواء كان ذلك من وراء حائل أو كان ذلك عن ظهر قلب، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يجب عليها أن تقرأ القرآن إذا خشيت نسيانه. أما الذين قالوا بأنها لا تقرأ؛ فاستدلوا بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن )، وهذا ضعيف. وأما الدليل على أنها تقرأ؛ فكما قال شيخ الإسلام: ليس هناك دليل على المنع من قراءة المرأة للقرآن، وأيضاً ما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت )، ومما يفعله الحاج قراءة القرآن. وكما ذكر شيخ الإسلام أن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كن يحضن، ومع ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يمنعهن من قراءة القرآن، كما أنه لم يمنعهن من الذكر والدعاء .. إلخ.فالصواب أن قراءة القرآن للحائض جائز ولا بأس به.

    مس المصحف

    قال المؤلف رحمه الله: [ومس المصحف].أيضاً يقول المؤلف: لا تمس المصحف، وهذا تقدم لنا في نواقض الوضوء أن المحدث يحرم عليه أن يمس المصحف، والحائض محدثة، فلا يجوز لها أن تمس المصحف, وهذا الصواب. واستدلينا على ذلك بقول الله عز وجل: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79] قلنا: بأن هذه دلالة إشارة، وأيضاً حديث عمرو بن حزم وفيه: ( وأن لا يمس القرآن إلا طاهر )، وأيضاً وروده عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه, فنقول: المحدث لا يمس المصحف.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الطهارة [8]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

    لى طالب العلم أن يعرف أحكام الحيض وأحوال النساء فيه، لتنزيل الأحكام الشرعية بمقتضى حال كل امرأة، سواء كانت مبتدأة أو معتادة أو متحيرة، ومعرفة الطوارئ التي تطرأ على الحيض، وعلامة الطهر عند النساء وحكم الصفرة والكدرة.
    أحكام الحيض والنفاس

    لبث الحائض في المسجد

    قال المؤلف رحمه الله: [واللبث في المسجد].يعني: أن المرأة الحائض ممنوعة من اللبث في المسجد، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، فجمهور أهل العلم رحمهم الله أن الحائض ممنوعة من اللبث في المسجد؛ ودليل ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، فقال الله عز وجل: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43].وقد ورد تفسير ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بذلك موضع الصلاة المسجد، فالجنب ممنوع من اللبث في المسجد إلا على سبيل العبور يعني: أن يدخل المسجد لحاجة ثم بعد ذلك يخرج ولا يمكث. قالوا: وكذلك أيضاً الحائض؛ الحائض يجوز لها أن تدخل المسجد لحاجة ثم بعد ذلك تخرج ولا تمكث، أما المكث فإن الله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43]، وقد ورد عن ابن عباس أن المراد بقول.. أن المراد بذلك موضع الصلاة. وخالف ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في ذلك ابن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقالوا: إن المراد بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، المسافر إذا أجنب ولم يجد الماء فإنه يتيمم. الدليل الثاني الذي استدل به أهل العلم رحمهم الله على أن الحائض ممنوعة من المسجد حديث عائشة : ( كان النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد، وعائشة في حجرتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخمرة ). والخمرة شيء يعمل من الخوص يكون مكاناً للسجود، يسجد عليه الإنسان في الصلاة على قدر وجهه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـعائشة : ( ناوليني الخمرة، فقالت: إني حائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن حيضتك ليست في يدك )؛ لأن عائشة رضي الله تعالى عنها ستدخل يدها في المسجد مناولة للنبي صلى الله عليه وسلم الخمرة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن حيضتك ليست في يدك )، والتي ستدخل إنما هي اليد، فقول عائشة رضي الله تعالى عنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( ناوليني الخمرة، فقالت: إني حائض ) قالوا: هذا دليل على أن الحائض ممنوعة من المسجد، ولهذا اعتذرت بأنها حائض. وأيضاً: استدلوا أيضاً بما ورد بسند جيد ( أن المعتكفات كن إذا حضن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجهن من المسجد ). وأيضاً مما يدل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما حاضت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي في البيت ). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: منعت من الطواف في البيت ليست لأنها محدثة، ولكن لأن الحائض ممنوعة من اللبث في المسجد, هذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله, واستدلوا بهذه الأدلة.الرأي الثاني: رأي الظاهرية، قالوا: بأن الحائض ليست ممنوعة من المسجد فلها أن تدخل المسجد, ولها أن تلبث فيه، واستدلوا بالعمومات؛ مثل حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )، فهذا يشمل حتى الحائض، فالحائض لها أن تدخل المسجد. واستدلوا أيضاً بما ثبت في الصحيح من قصة الوليدة التي كانت ساكنة في المسجد، فقالوا: كون هذه المرأة ساكنة في المسجد والمرأة يعتريها الحيض، هذا يدل على أن الحائض ليست ممنوعة من المسجد. وقد أجاب جمهور أهل العلم عن قصة الوليدة بما ثبت في البخاري وغيره أن هذه الوليدة إنما جاز لها أن تدخل المسجد وأن تمكث فيه وهي حائض للضرورة؛ لأنه لا مكان لها إلا المسجد. وجواب آخر قالوا: لعلها إذا كان في وقت الحيض تخرج من المسجد، أو لعلها بلغت سن الإياس بحيث انقطع عنها دم الحيض .. إلخ.وعلى هذا نقول: الأحوط للمرأة الحائض أن لا تدخل المسجد للبث فيه, أما دخولها لحاجة ثم بعد ذلك تخرج من المسجد فإن هذا جائز ولا بأس به.

    وطء الحائض

    قال المؤلف رحمه الله: [والوطء في الفرج].يعني: إذا كانت المرأة حائضاً فإنه يحرم على زوجها أن يطأها في الفرج، والمراد بذلك: تغييب الحشفة فما فوق، هذا محرم ولا يجوز.ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ [البقرة:222]، وأيضاً لما ثبت من حديث أنس في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، فالوطء في الفرج محرم ولا يجوز. ولو أن الإنسان وطأ زوجته وهي حائض، فإنه يأثم ويجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وتجب عليه الكفارة، كما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً قال به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لورود ذلك عن ابن عباس، يجب عليه أن يخرج كفارة. والكفارة هي دينار أو نصف دينار على التخيير، ووزن الدينار أربعة غرامات وربع من الذهب، فإذا كان الغرام يساوي ثلاثين ريالاً اليوم، فأربعة غرام يساوي مائة وعشرين، وربع الغرام يساوي سبعة ريال تقريباً. يعني: يجب عليه أن يخرج كفارة مائة وسبعة ريال يعطيها للمساكين، أو نصفها على التخيير؛ لأنه ورد عن ابن عباس في الذي يطأ زوجته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار. قوله: يتصدق بدينار أو بنصف دينار، بعض أهل العلم قال: على سبيل التخيير، إن شاء أخرج ديناراً، وإن شاء أخرج نصف دينار. وبعض أهل العلم قال: إن وطئ في أول الحيض فإنه يخرج ديناراً كاملاً، وإن وطئ في نهاية الحيض فإنه يخرج نصف دينار. وقال بعض العلماء: إن وطئ في الدم الأحمر يخرج ديناراً كاملاً، وإن وطئ في الصفرة أو الكدرة فإنه يخرج نصف دينار. وظاهر الأثر أنه مخير مطلقاً.

    طلاق الحائض

    قال المؤلف رحمه الله: [وسنة الطلاق].يعني: الذي يطلق زوجته وهي حائض فهذا خلاف السنة، طلاقه يسمى طلاقاً بدعياً. واعلم أن الطلاق لا يكون طلاق السنة إلا إذا جمع أربع صفات، يعني: إذا أراد الإنسان أن يطلق زوجته فعليه أن يتقيد بهذه الصفات الأربع: الصفة الأولى: أن يطلقها طلقة واحدة فقط، ولا يزيد على ذلك، لا يقول: أنت طالق، أنت طالق .. إلخ، أو أنت طالق ثلاثاً، أو أنت طالق طلقتين، .. إلخ، هذا كله طلاق بدعة حرام لا يجوز، السنة أن تطلق طلقة واحدة فقط، هذه الصفة الأولى. الصفة الثانية: أن يكون ذلك في طهر، ما يكون ذلك في حال الحيض, فإن كان الطلاق في حال الحيض فإن هذا طلاق بدعة، أيضاً لا يجوز محرم. الصفة الثالثة: أن يكون هذا الطهر لم يجامع فيه زوجته، بمعنى: أن المرأة طهرت من حيضها، ثم بعد ذلك إذا أراد أن يطلق يوقع الطلقة قبل أن يجامع. فلو أنه مثلاً مضى عليها الحيض، وطهرت من حيضتها، ثم بعد ذلك جامعها، وأراد أن يطلق، نقول: لا يجوز أن تطلق في هذا الطهر التي جامعتها فيه، بل انتظر حتى تحيض، فإذا طهرت من حيضتها، طلقها قبل أن تمسها. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لـابن عمر لما طلق ( ليطلقها طاهراً أو حاملاً )، وقال الله عز وجل: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أي: طاهرات من غير جماع. الصفة الرابعة: أن تتركها ما تلحقها طلقة أخرى حتى تنتهي عدتها، فأنت تطلقها طلقة واحدة، ثم بعد ذلك تتركها حتى تنتهي عدتها, ولا تلحقها طلقة أخرى في العدة، فإن ألحقتها طلقة أخرى في العدة فهذا طلاق بدعي. فأصبح طلاق السنة لا بد له من هذه الصفات الأربع: أن تكون طلقة واحدة، وأن تكون في طهر، وأن يكون هذا الطهر لم يحصل فيه جماع، وأن تتركها حتى تنتهي عدتها. وعلى هذا إذا طلق الإنسان في حال الحيض فإن هذا طلاق بدعة، وهذا محرم؛ ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أنه لما طلق زوجته تغيظ في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر عمر أن يأمر ابن عمر أن يراجع زوجته )، فالطلاق في حال الحيض هذا محرم ولا يجوز؛ لأنه خلاف للسنة.

    عدة الحائض

    قال المؤلف رحمه الله: [والاعتداد بالأشهر].إذا حاضت المرأة فإن عدتها تكون بالحيض، قبل أن تحيض إذا طلقت أو إذا حاضت وكبرت وأيست فإن عدتها تكون بالأشهر. ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَا تُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، فالمرأة إذا كانت طاهراً ثم بعد ذلك وقع عليها طلاق، فإن عدتها ثلاث حيض، إذا كانت لا تحيض لصغر، حتى الآن لم يأتها الحيض، أو أنها كبرت وانقطع عنها دم الحيض، فإن عدتها ثلاثة أشهر؛ كما قال الله عز وجل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4]. فالتي لم تحض لصغر أو أيست من الحيض لكبر فإن عدتها ثلاثة أشهر، أما التي تحيض فإنها لا بد لها أن تمضي عليها ثلاث حيض.وهذه أيضاً مسألة يغلط فيها كثير من الناس، بعض الناس يظن أن العدة هي ثلاثة أشهر، وهذا خطأ، العدة إذا كانت تحيض ثلاث حيض، إلا إذا كانت متوفى عنها زوجها فعدتها دائماً أربعة أشهر وعشرة أيام إلا إن كانت حاملاً فعدتها وضع الحمل. أما بالنسبة لغير المتوفى عنها وهي التي طلقها زوجها فنقول: إن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، إذا كانت لا تحيض لكبر أو صغر، أو مرض انقطع عنها الدم بمرض، مثلاً: استأصل رحمها ما تحيض, هذه نقول: عدتها ثلاثة أشهر. والحامل لا فرق بين حال الحياة وحال الموت، الحامل عدتها وضع الحمل.كما أن أيضاً كثيراً من الناس يخطئ في الطلاق، ففهم أنه يطلق لغير سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والطلاق بسنة النبي عليه الصلاة والسلام فيه خير كل خير، إذا طلق الإنسان طلقة واحدة، وطلق في غير الحيض وهو لم يجامع .. إلخ اتباع السنة هذا هو الذي فيه الخير. وتجد بعض الناس يخالف، ويطلق طلاق بدعة، يطلق ثلاث طلقات، ثم يوقع عليها الطلاق، نجد أنه يندم، يريد أن يراجع وقد لا يتمكن من المراجعة .. إلخ، فسن للإنسان أن ينتبه لهذه الصفات الأربع.

    وجوب الغسل بانقطاع الحيض

    قال المؤلف رحمه الله: [ويوجب الغسل].يعني: الحيض يوجب الغسل، من موجبات الغسل: خروج دم الحيض؛ ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222]، المراد بذلك انقطاع الدم، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:222] والمراد به الغسل، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ [البقرة:222]. وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم لـأم حبيبة رضي الله تعالى عنه لما استحيضت: ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي ) هذا يدل على أن الحائض إذا انقطع عنها دم الحيض يجب عليها أن تغتسل.

    بلوغ الجارية بالحيض والاعتداد به

    قال المؤلف رحمه الله: [والبلوغ].إذا حاضت الجارية فإنها بلغت، وتجب عليها التكاليف الشرعية، تجب عليها الصلاة، ويجب عليها الصيام وغير ذلك من التكاليف الشرعية، ولو لم تبلغ ثلاث عشرة، ولو لم تبلغ خمس عشرة .. إلخ، فقد تحيض البنت من ثنتي عشرة سنة، وقد تحيض من إحدى عشرة سنة، فيجب عليها أن تصلي، ويجب عليها أن تصوم، تأخذ أحكام البالغات. ودليل ذلك حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )، المراد بالحائض هنا البالغ. قال المؤلف رحمه الله: [والاعتداد به].يعني: إذا وجد الحيض فإن المرأة تعتد به، وهذه المسألة سبق أن أشرنا إليها، فإذا طلقت المرأة وهي من ذوات الحيض، فإن عدتها ثلاث حيض: وَالْمُطَلَّقَا تُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، أما إذا كانت لا تحيض إما لصغر أو لكبر ونحو ذلك فإن عدتها ثلاثة أشهر؛ كما تقدم في قول الله عز وجل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4].

    ما يباح بانقطاع دم الحيض

    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصوم والطلاق ولم يبح سائرها حتى تغتسل].كل ما تقدم لا يباح إلا بالغسل، فمثلاً: الجماع لا يباح من الحائض إلا بالغسل، الطواف لا يباح من الحائض إلا بالغسل.اللبث في المسجد، مس المصحف .. إلخ كل هذه لا بد فيها من غسل، إلا أنه استثنى المؤلف رحمه الله شيئين يباحان للحائض وإن لم تغتسل، المهم أنها طهرت، فالشيء الأول: الصوم، والشيء الثاني: الطلاق. فلو أن المرأة طهرت قبل طلوع الفجر، انقطع عنها دم الحيض قبل طلوع الفجر، فلا بأس أن تنوي الصيام وأن تصوم وإن لم تغتسل إلا بعد دخول وقت الصوم، بعد طلوع الفجر. فنقول: إذا انقطع عنها دم الحيض وطهرت المرأة فإنها تصوم وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر. الأمر الثاني مما يباح بعد الطهر وقبل الغسل: الطلاق؛ فإذا طهرت المرأة قبل أن تغتسل يجوز لزوجها أن يطلقها.

    الاستمتاع بالحائض

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا كل شيء غير النكاح )].الاستمتاع بالحائض إذا كان من قبل الزوج أو من قبل السيد بالنسبة لأمته.نقول: هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الاستمتاع بالوطء في الفرج؛ فهذا محرم ولا يجوز، وتقدم أن الإنسان إذا وطئ في الفرج فإنه يجب عليه كفارة، يجب عليه أن يكفر، وتجب الكفارة بشروط ثلاثة: الشرط الأول: أن يكون عالماً بالحال والحكم الشرعي، يعلم أن هذا محرم, ويعلم بالحال أن المرأة حائض. الشرط الثاني: أن يكون مختاراً.الشرط الثالث: أن يكون ذاكراً غير ناسٍ. فالشرط الأول: العلم بالحال والحكم الشرعي. الشرط الثاني: الاختيار؛ فإن كانت المرأة مكرهة مثلاً على الجماع، أكرهها زوجها فإنها لا يجب عليها كفارة ولا تأثم، هو الذي يأثم ويجب عليه كفارة.الشرط الثالث: أن يكون ذاكراً، فإن كان ناسياً وكانت المرأة ناسية، فإن كان ناسياً فلا يجب عليه، هذه ثلاثة شروط.فنقول: القسم الأول من الاستمتاع بالحائض: الاستمتاع بالوطء في الفرج، وتكلمنا عن المراد بالوطء في الفرج، المراد بالوطء في الفرج هو تغييب الحشفة، وذكرنا أن المراد بالحشفة رأس الذكر، فإذا حصل تغييب رأس الذكر في الفرج يعني: رأس الذكر تكون عليه الجلدة التي تقطع عند الختان، فإنه في هذه الحالة يأثم الإنسان وتجب عليه الكفارة؛ لأنه جامع في حال الحيض, هذا القسم الأول. القسم الثاني: الاستمتاع بما فوق السرة ودون الركبة، يعني: كون الإنسان يستمتع من زوجته الحائض بما فوق السرة، بما هو أعلى البدن، أو بما هو أسفل البدن من الركبة فأنزل، فأيضاً هذا جائز ولا بأس به. القسم الثالث: موضع خلاف، الاستمتاع بما بين السرة والركبة في غير الوطء في الفرج، أما الوطء في الفرج فتكلمنا عليه، هل يجوز للإنسان أن يستمتع بما بين السرة والركبة؟ هذا موضع خلاف. وذكر ابن القيم رحمه الله أن ظاهر حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) أن هذا جائز ولا بأس به. يعني: كون الإنسان يستمتع فيما بين السرة والركبة هذا جائز ولا بأس به؛ لظاهر حديث أنس رضي الله تعالى عنه، ولأن الأصل في الاستمتاع بين الزوجين الحل إلا ما ورد في الشرع تحريمه، لقول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، لكن قال العلماء رحمهم الله يستحب للزوج إذا أراد أن يستمتع من زوجته فيما بين السرة والركبة أن يأمر أن تستر محل الحيض؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض ).

    أقل الحيض وأكثره

    قال المؤلف رحمه الله: [وأقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً].يقول المؤلف رحمه الله: أقل الحيض يوم وليلة؛ وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، اليوم والليلة يساوي: أربعة وعشرين ساعة، فلو أنها رأت الدم أقل من يوم وليلة, يعني: مثلاً لمدة عشرين ساعة، فإن هذا لا يعتبر حيضاً بل يجب عليها أن تصوم وأن تصلي, ويجوز لزوجها أن يجامعها .. إلخ؛ لأن أقل الحيض يوم وليلة. وما هو الدليل على تحديده بيوم وليلة؟ الدليل على تحديده بيوم وليلة قالوا: الرجوع إلى الوجود، فإنه لم يوجد حيض أقل من يوم وليلة. والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة: أنه ليس له حد بالنسبة للقلة؛ ودليل ذلك قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، فإذا وجد هذا الأذى سواء كان أذى لمدة يوم وليلة أو أكثر أو أقل .. إلخ، المهم إذا وجد هذا الأذى فإن أحكامه تترتب عليه. وأيضاً: يدل لذلك حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على إقبال الحيضة، وهذا الحديث في الصحيحين، وهذا القول هو الصواب. نقول: الصواب أن أقله بالنسبة للأيام أنه لا حد لأقله، وهذا أيضاً قول الأطباء، الأطباء يقولون: لا حد لأقله، فنقول: بالنسبة للأيام الصواب لا حد لأقله، فإذا رأت المرأة الدم المعروف عند النساء سواء كان ليوم وليلة، أو لأقل أو أكثر .. إلخ فنقول بأنه حيض يأخذ أحكام الحيض, تترك الصلاة، ولا يعاشرها زوجها .. إلخ.قال المؤلف رحمه الله: (وأكثره خمسة عشر يوماً).يقول المؤلف رحمه الله: بأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، وعلى هذا إذا زاد عن خمسة عشرة يوماً فالزائد استحاضة.والكلام في هذه المسألة كالكلام في المسألة السابقة، وأن الصواب في هذه المسألة أن أكثره ليس مقيداً، بمدة وليس محدداً بزمن.فالصواب: أن المرأة متى رأت المعروف عند النساء فإنها تترك من أجله الصلاة والصيام .. إلخ، حتى ولو تجاوز خمسة عشر يوماً، ولا يحد بخمسة عشر يوماً؛ والدليل على ذلك كما تقدم قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، فعلق الله عز وجل الحكم على وجود الأذى، سواء وجد الأذى لخمسة عشر يوماً أو لأقل أو لعشرة .. إلخ.وأيضاً: حديث عائشة السابق في الصحيحين: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على إقبال الحيضة، فذكر أن المرأة إذا كثر عندها الدم مخالفة عادتها الطبيعية فإنها تحتاط وتنظر فيه، فقد لا يكون هذا الدم دم حيض؛ فمثلاً: إذا كانت المرأة عادتها سبعة أيام أو ستة أيام ثم بعد ذلك زاد معها الدم. فنقول بأنها تنظر فيه وتحتاط، إن كانت على وتيرة واحدة ولم يختلف عليها فهذا دم حيض حتى لو تجاوز خمسة عشر يوماً إلا إن أطبق عليها الدم فأصبح لا ينقطع أبداً، أو لا ينقطع بالشهر إلا مدة يسيرة فحينئذٍ نقول: إنها مستحاضة.

    الطهر بين الحيضتين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، ولا حد لأكثره].يقول المؤلف رحمه الله: الطهر بين الحيضتين أقله ثلاثة عشر يوماً، وعلى هذا لو أن امرأة طهرت من حيضتها، وبعد أن مضت عشرة أيام رأت الدم، أو لا نحكم بأنه حيض على كلام المؤلف؛ لأن المؤلف رحمه الله يقول: بأن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، وعلى هذا إذا قالت المرأة: أنا طهرت، ما لي إلا تسعة أيام أو ما لها إلا أسبوع فهذا دم فاسد، نقول لها على كلام المؤلف: صلي وصومي ولا يعتبره حيضاً، ولزوجها أن يعاشرها .. إلخ؛ لأن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً. وأيضاً: الخلاف في هذه المسألة كما تقدم, فعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين، وعلى هذا نقول: هذه المرأة التي جاءها الدم وطهرت من حيضتها، ثم بعد عشرة أيام أو أحد عشر يوماً أو اثنا عشر يوماً جاءها الدم نقول: إن كان هذا الدم إن وصفته دم الحيض فهو حيض.والدليل على ذلك أن الله عز وجل قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، وأيضاً حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، فمتى وجد الأذى ومتى وجد الحيضة فإن الأحكام تترتب على ذلك، وهذا القول هو الصواب، وأنه لا حد له لأنه لم يرد في الشرع تحديده. قال: (ولا حد لأكثره) ولا حد لأكثر الطهر بين الحيضتين، وهذا الصواب، بعض النساء لا تحيض أبداً، ويوجد من النساء من تجلس سنة كاملة لا يأتيها الدم، ومنهن من تجلس أربعة أشهر، ومنهن من تجلس خمسة أشهر .. إلخ، فلا حد لأكثره كما ذكره المؤلف رحمه الله, وهذا الصواب.

    أقل سن تحيض فيه المرأة وأكثره

    قال المؤلف رحمه الله: [وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين، وأكثره ستون].يقول المؤلف رحمه الله: أقل سن تحيض منه المرأة تسع سنين، يعني: إذا أتمت تسع سنين، وعلى هذا لو كان عندنا جارية لها ثمان سنوات، ثم جاءها دم الحيض، هل وجبت عليها الصلاة أو لم تجب عليها الصلاة؟ لم تجب عليها الصلاة؛ لأن هذا الدم على كلام المؤلف لا نعتبره دم حيض، ولا بد أن تبلغ الجارية تسع سنوات لكي يكون هذا الدم الذي خرج منها دم حيض، فإن كان لها ثمان سنوات ونصف .. إلخ، فإن رأت الدم فإننا لا نعتبره حيضاً، هذا على كلام المؤلف رحمه الله، وهو قول أكثر أهل العلم، أن أقل سن تحيض له المرأة هو تمام تسع سنوات، لا بد أن تتم تسع سنوات؛ وعلى هذا إذا رأت الدم في ثمان سنوات أو أقل أو أكثر .. إلخ لكن لم تبلغ تسع سنوات فإنه لا يعتبر حيضاً، واستدلوا على ذلك بقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة )، وهذا ليس صريحاً.وأيضاً قالوا: بأنه يرجع إلى الوجود، فإنه وجد أن الجارية تحيض من تسع سنوات فأكثر، يعني: قالوا: ما وجدنا أن جارية حاضت في أقل من تسع سنوات. وأيضاً الصواب في هذه المسألة كما تقدم في المسائل السابقة أنه لا حد, وأن الجارية متى رأت الدم المعروف عند النساء فنقول: بأنه دم حيض، تترك الصلاة ويجب عليها التكاليف الشرعية ونحكم بأنها بلغت، حتى لو كان لها أقل من تسع سنوات.ودليل ذلك كما أسلفنا قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، فعلق الله عز وجل الحكم على وجود هذا الأذى، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ) ولم يقيد ذلك بسنين ولم يقيد ذلك بأيام.. إلخ، فمتى أقبلت تلك الحيضة فإنها تدع الصلاة. أيضاً أكثره ستون، يعني: هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله, وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والرواية المشهورة عن الإمام أحمد رحمه الله أن أكثره خمسون سنة. وعلى هذا لو كان عندنا امرأة تم لها خمسون، أو تم لها ستون سنة على كلام المؤلف, وهي ترى الدم، ما نقول لها بالنسبة لهذا الدم تصلي أو لا تصلي؟ نقول: تصلي، يعني: عندنا امرأة لها خمسون سنة، ثم رأت دم الحيض، على كلام المؤلف نقول لها صلي؛ لأن سن الحيض بين تسع إلى خمسين، أو بين تسع إلى ستين كما ذكر المؤلف رحمه الله، وعلى هذا نقول لها: صلي، وصومي، ويجوز لزوجها أن يعاشرها, ولا نحتسب ذلك من دم الحيض، بل نخرجه عن دم الحيض، ويكون حكمه حكم الاستحاضة كما سيأتي إن شاء الله. والصواب في هذه المسألة كما تقدم: أنه لا حد لذلك، وأن المرأة متى رأت الدم المعروف عند النساء، حتى ولو كان لها خمسون سنة أو أكثر أو أقل .. إلخ فإننا نعتبره دم حيض؛ والدليل على ذلك ما أسلفناه فيما تقدم من قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فرتب الله عز وجل الحكم على وجود هذا الأذى, ولم يقيده بخمسين أو بتسع أو بيوم وليلة أو بخمسة عشر يوماً، وأيضاً ما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    المبتدأة في الحيض

    قال المؤلف رحمه الله: [والمبتدأة إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثله جلست، فإذا انقطع لأقل من يوم وليلة فليس بحيض، وإن جاوز ذلك ولم يعبر أكثر الحيض فهو حيض، فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة].المراد بالمبتدأة: هي التي رأت الدم أول مرة، يعني: أول مرة يأتيها دم الحيض، فهذه الجارية التي أول مرة يأتيها دم الحيض ماذا نقول لها؟مذهب الإمام أحمد رحمه الله من أصعب المذاهب فيما يتعلق بالمبتدأة، على كلام المؤلف نقول لهذه المبتدأة التي لها عشر سنوات وجاءها دم الحيض: تجلس أقل الحيض، يوم وليلة، بمعنى أنها لا تصلي ولا تصوم .. إلخ، تأخذ أحكام الحائضات، بعد أن يمضي يوم وليلة تغتسل، بعد أن تنتهي من الغسل تقوم وتعمل العبادات يعني: تصوم وتصلي.. إلخ، لكن لا يطؤها زوجها؛ لأنه يحتمل بأن هذا الدم دم حيض.فهم يقولون: ما نحكم أنه دم حيض، نقول: تصوم وتصلى، والدم معها، ولا نحكم بأنه دم حيض حتى تتكرر ثلاث مرات؛ لأن العادة لا تسمى عادة حتى تتكرر، فبعد أن تغتسل بعد يوم وليلة، نقول: صومي وصلي، وافعلي العبادات لكن لا يقربها زوجها إذا كانت متزوجة؛ لأنه يحتمل أن هذا الدم حيض، ثم بعد ذلك إذا انقطع بعد -مثلاً- خمسة أيام.. ستة أيام نقول: تغتسل مرة أخرى لانقطاع دم الحيض، الغسل الأول تغتسل احتياطاً، ثم بعد ذلك إذا انقطع الحيض اغتسلت مرة أخرى غسل الحيض، ثم تفعل ذلك في الشهر الثاني، ثم تفعل ذلك في الشهر الثالث، فإذا تكرر عليها هذا الدم ثلاث مرات عرفنا بأن هذا الدم عادة، فما دمنا حكمنا أنها عادة نرجع ونقول لها: اقضي الواجبات التي فعلتها ما بين يوم وليلة إلا إذا اغتسلت.قلنا لها: اجلسي يوماً وليلة أقل الحيض، ثم تغتسل، وبعد أن تغتسل تصوم وتصلي .. إلخ، الآن صامت، صيامها هل هو صحيح أو ليس صحيحاً؟ غير صحيح؛ لأنه لما تكرر تبين أن هذا عادة، فنقول لها: أعيدي الواجبات التي فعلتيها في حال الحيض، الصلاة ما تجب، لكن فعلتها في حال الحيض احتياطاً، لكن الصيام يحرم على الحائض، لو أنها صامت وهي حائض يجب أن تعيده، ولو أنها طافت بعد أن اغتسلت يجب أن تعيده، ولو أنها اعتكفت اعتكافاً واجباً يجب أن تعيده؛ لأنه تبين أنها حائض، وهذه الأشياء لا تصح من الحائض، الصلاة والصيام لا تصحان من الحائض، الطواف لا يصح من الحائض .. إلخ، فيجب عليها أن تعيد. هذا خلاصة قول الحنابلة رحمهم الله في المبتدأة، يعني: التي أصابها الدم أول مرة، يقولون كما أسلفت: تجلس يوماً وليلة، وتأخذ أحكام الحائض، ثم بعد ذلك تغتسل، ثم بعد ذلك تمارس العبادات كالطاهرات، مع أن معها الدم، لكن زوجها لا يقربها لأنه يحتمل أن هذا الدم دم حيض، إلى أن ينقطع عنها الدم، فإذا انقطع عنها الدم تغتسل، بعد أن تنتهي من الغسل تكون كالطاهرات الآن، إذا تكرر اليوم في الشهر الثاني والثالث .. إلخ عرفنا بأن هذا عادة، فنقول لها ما فعلتيه في حال جريان الدم في حال وجود الحيض يجب عليك أن تعيديه، فالصيام الذي فعلته في حال الحيض ما يصح، الاعتكاف ما يصح، الطواف ما يصح، يجب أن تعيديه. والصواب في المبتدأة: كما هو رأي أكثر أهل العلم أن نقول: المبتدأة إذا رأت الدم تجلس، فحكمها كحكم غيرها، وتكون حكمها كحكم الحائضات، إذا طهرت تغتسل وهكذا، ولا حاجة إلى أن نقول: أنها تغتسل بعد يوم وليلة .. إلخ كما هو قول الحنابلة رحمهم الله. وهذا القول هو الصواب, فإن مذهب أكثر أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة هو الصواب، وأن نقول البنت التي رأت الدم أول مرة إذا رأت دم الحيض تجلس، وتأخذ أحكام الحائضات، لا تصلي ولا تصوم, وإن كانت متزوجة لا يقربها زوجها، ولا حاجة إلى أن نقول: بعد يوم وليلة أو حتى يتكرر .. إلخ.ودليل ذلك ما تقدم أن أشرنا إليه من قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فرتب الله عز وجل الحكم على وجود الأذى، إذا وجد الأذى من المبتدأة أو غير المبتدأة.وأيضاً حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، وهذا يشمل المبتدأة وغير المبتدأة.

    المستحاضة

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن عبر ذلك فالزائد استحاضة، وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض وتغسل فرجها وتعصبه، ثم تتوضأ لوقت كل صلاة].

    تعريف الاستحاضة

    اختلف العلماء رحمهم الله في تعريف المستحاضة، يعني: عندنا حائض وعندنا مستحاضة وعندنا نفساء.أما المستحاضة فقال بعض العلماء: هي التي تجاوز دمها خمسة عشر يوماً، فقالوا: إن الزائد على خمسة عشر يوماً نعتبره استحاضة.والرأي الثاني: قالوا: إن المستحاضة هي التي ترى دماً لا يصلح أن يكون حيضاً ولا نفاساً. والرأي الثالث: أن المستحاضة هي التي يطبق عليها الدم، فلا ينقطع عليها أبداً، أو ينقطع لمدة يسيرة، يعني: امرأة أصبح معها نزيف الآن، ما ينقطع أبداً أو لا ينقطع إلا مدة يسيرة. والصواب من هذه الآراء هو التعريف الثاني، وأن المستحاضة هي التي ترى دماً لا يصلح أن يكون حيضاً ولا نفاساً، ويدخل فيه التعريف الثالث التي أطبق عليها الدم، يعني: المرأة التي أطبق عليها الدم لا يصلح أن يكون حيضاً، هذا القول هو الأقرب.

    ما يلزم المستحاضة

    وما الحكم بالنسبة للمستحاضة إذا حكمنا بأنها مستحاضة؟ المستحاضة من أحكامها: عليها أن تغتسل عند آخر الحيض، هذا يأتينا إن شاء الله بيانه، أن المستحاضة لها أقسام، فإذا قلنا: إن المستحاضة معتادة، يعني: هذه امرأة تقول: أنا لي عادة، وعادتي من واحد إلى ستة، هذا وقت العادة التي ينزل فيها الدم، فإذا أطبق عليها الدم، وأصبح مستمراً معها، نقول لها: اجلسي في وقت العادة من واحد إلى ستة، وبعد أن ينتهي وقت العادة، نقول لها: اغتسلي، ثم بعد ذلك صلي.هذا الحكم الأول، يجب عليها أن تغتسل إذا انتهت حيضتها، ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة للمستحاضة: ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي ).قال المؤلف رحمه الله: (وتغسل فرجها وتعصبه).تعصب الفرج لكي لا يخرج الدم؛ ولهذا أسماء بنت عميس لما ولدت في ذي الحليفة بـمحمد بن أبي بكر , أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تستثفر بثوب، تتلجم تتحفظ لكي لا يخرج الدم، ثم تتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي.المستحاضة الحكم الثاني أنها تتحفظ، تستثفر بثوب، يعني: تتلجم بثوب، هذا الحكم الثاني. الحكم الثالث: هل يجب عليها أن تغسل الفرج، وتغير هذا الثوب أو ما تحفظت به كل وقت أو لا يجب؟ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا لا يجب عليها، ما دام أنه لم يخرج منها إلا هذا الحدث، فإنه لا يجب عليها أن تغير ما تتحفظ به وقت كل صلاة.نقول: هذا لا يجب عليها, لكن تغسل الفرج، وإذا كان يضرها الغسل فإنها تستجمر.الحكم الرابع: هل تتوضأ لوقت كل صلاة مثل من به سلس بول .. إلخ؟ هل يجب عليها أن تتوضأ إذا دخل الوقت أو نقول بأنه لا يجب، وأن هذا الحدث ليس ناقضاً للوضوء؟ مذهب الإمام مالك رحمه الله أن هذه الأحداث المستمرة ليست ناقضة، وأن الذي ينقض هو الحدث المعتاد، فالصواب في هذا أنه لا يجب عليها أن تتوضأ لوقت كل صلاة إلا إذا وجد حدث آخر غير الاستحاضة، فإنه يجب عليها أن تتوضأ، أما إذا كان الذي يخرج هو الاستحاضة فقط غير دم الحيض هذا دم عرق فلا يجب عليها. قال المؤلف رحمه الله: [وكذا حكم من به سلس البول وما في معناه].يعني: في الوضوء هل يجب الوضوء أو لا يجب الوضوء؟

    أحوال المستحاضة

    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا استمر بها الدم في الشهر الآخر، فإن كانت معتادة فحيضها أيام عادتها، وإن لم تكن معتادة وكان لها تمييز وهو أن يكون بعض دمها أسود ثخيناً وبعضه أحمر رقيقاً فحيضها زمن الأسود الثخين، وإن كانت مبتدأة أو ناسية لعادتها ولا تمييز لها فحيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة؛ لأنه غالب عادات النساء] .. إلخ.هنا الحكم الرابع من أحوال المستحاضة، نقول: المستحاضة لها أحوال، نبينها فيما يلي:

    المعتادة غير المميزة

    الحالة الأولى: أن تكون المستحاضة معتادة، يعني: لها عادة قبل الاستحاضة، قبل أن يطبق عليها الدم لها عادة.مثال: امرأة تقول: أنا أطبق علي الدم، الآن أصابني نزيف, نقول لهذه المرأة: هل لك عادة أو ليست لك عادة؟ قالت: نعم.. لي عادة، متى عادتك؟ قالت: عادتي مثلاً من عشرة إلى خمسة عشر. نقول لهذه المرأة: ارجعي لعادتك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرجع المستحاضة إلى العادة، فإذا جاء من اليوم العاشر إلى اليوم الخامس عشر اجلسي، وخذي أحكام الحائضات، ثم بعد ذلك اغتسلي وكوني كالطاهرات.إذا قلنا كما تقدم: إنها تتلجم وتغسل الفرج وتتوضأ لكل صلاة، إذا قلنا بهذا فنقول بالنسبة للمستحاضة المعتادة: ارجعي إلى عادتك واجلسي أيام العادة، تأخذين أحكام الحائضات، ثم بعد ذلك إذا انتهى فإنك تغتسلين وتأخذين أحكام الطاهرات.ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي ).فالحالة الأولى من أحوال المستحاضة: أن يكون لها عادة، فإذا كان لها عادة نقول: ارجعي إلى عادتك، وترجع إلى عادتها، فإذا كانت هذه المستحاضة التي أصابها الآن الدم وأطبق عليها تقول: أنا لي عادة من عشرة إلى خمسة عشر نقول: اجلسي في هذا الوقت من عشرة إلى خمسة عشر، وخذي أحكام الحائضات، ثم بعد ذلك اغتسلي وصلي وافعلي أحكام الطاهرات إلا ما يتعلق بالمستحاضات, هذه الحالة الأولى.

    المعتادة المميزة

    الحالة الثانية من أحوال المستحاضة: أن يكون لها عادة معلومة ولها تمييز، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم، والصواب فيها أنها ترجع أيضاً إلى عادتها. فهذه امرأة أطبق عليها الدم، تقول: أنا لي عادة، وعادتي أن يأتيني الحيض مثلاً من خمسة إلى عشرة، هذا وقت العادة، لكني أرى الدم متميزاً، يعني: فيه صفات دم الحيض من عشرة إلى خمسة عشر، فهل نقول: ترجع إلى هذا التمييز؟ يعني: تقول مثلاً: من عشرة إلى خمسة عشر أرى صفات الدم فيه، أرى أنه أسود، أو أنه ثخين، أو أن له رائحة منتنة .. إلخ، من عشرة إلى خمسة عشر، وعادتي: خمسة إلى عشرة، فهذا نرجعها إلى التمييز، أو نرجعها إلى العادة؟ نقول: بأننا نرجعها إلى العادة؛ لأن هذا أضبط للمرأة؛ ولأن هذا التمييز قد يختلف عليها، وأيضاً لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرجع المستحاضة إلى العادة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي ) رواه مسلم .

    الناسية للعادة المميزة

    الحالة الثالثة: لها عادة لكن نسيت العادة ولها تمييز، يعني: هذه امرأة تقول: أنا لي عادة، لكن نسيت العادة، ما أدري متى العادة؟ وعندها تمييز ترى الدم متميزاً، مثلاً من خمسة عشر إلى عشرين ترى أنه متميز بصفات الحيض .. إلخ فنقول: في هذه الحالة ترجع إلى التمييز، فإذا كانت لها عادة ونسيت العادة، أو أصلاً ليس لها عادة، المبتدأة أطبق عليها الدم ولها تمييز، فنقول: ترجع إلى التمييز، فمثلاً إذا كان الدم أحمر لكنه متميز، من خمسة عشر إلى عشرين، وهي تقول: نسيت العادة، لكن عندها تمييز، فنقول في هذه الحالة: ترجع إلى التمييز.

    الناسية للعادة غير المميزة

    الحالة الرابعة من أحوال المستحاضة: امرأة ليس عندها تمييز ولها عادة لكن نسيت العادة، وهذه يقسمها العلماء رحمهم الله ثلاثة أقسام: يعني: امرأة الآن أطبق عليها الدم، نقول: متى عادتك لكي نرجع إلى العادة؟ تقول: نسيت، هل عندك تمييز؟ هل ترين الدم متميزاً مثلاً من كذا إلى كذا؟ تقول: لا، الدم على صفة واحدة، متى عادتك؟ قالت: نسيت.فالحالة الرابعة: امرأة نسيت عادتها وليس لها تمييز، هذه يقسمها العلماء رحمهم الله إلى ثلاثة أقسام: فأعيد الأحوال باختصار: الحالة الأولى: لها عادة معلومة، نقول لها: ارجعي إلى عادتك.الحالة الثانية: لها عادة وتمييز, نقول لها: ارجعي إلى العادة. الحالة الثالثة: ليس لها عادة لكنها تميز، أو نسيت العادة لكن تميز، نقول لها: ارجعي إلى التمييز. الحالة الرابعة: نسيت العادة، وليس لها تمييز، فهذه قسمها العلماء رحمهم الله إلى ثلاثة أقسام.القسم الأول: نسيت الموضع والعدد، هذه يسميها العلماء متحيرة، فهي لا تدري الموضع، هل هو أول الشهر أو وسط الشهر أو آخر الشهر؟ ولا تدري هل عادتها خمسة أيام أو ستة أو سبعة ..نقول في هذه الحالة: اجلسي غالب عادة نسائك، يعني: انظري إلى من تشابهك من أقاربك في الخلقة وفي السن .. إلخ، كم عادتها؟ عادتها ستة أيام سبعة .. إلخ، فنقول: اجلسي من أول الشهر ستة أيام أو سبعة كغالب نسائك، فنقول: تجلس أول الشهر ستة أيام أو سبعة كغالب نسائها.فإذا كانت من تشابهها من أقاربها حيضتها ستة أيام تجلس ستة، إذا كانت من تشابهها حيضها خمسة أيام تجلس خمسة، إذا كانت تجلس سبعة أيام تجلس سبعة .. إلخ من أول الشهر، إذا كانت تقول: أنا أعلم أن العادة تأتيني في النصف الثاني، لكن ما أحدده, ما نقول لها؟ هل تجلس من النصف الأول أو النصف الثاني؟ نقول: من النصف الثاني.إذا قالت: أنا أعرف أن العادة تأتيني في العشر الأواخر لكن ما أحدد، نقول: من أول العشر الأواخر وهكذا.الحالة الثانية: أن تعلم الموضع لكن تنسى العدد, تقول: أعرف أن الحيض يأتيني من اليوم الخامس، لكن نسيت العدد، نسيت هل هو خمسة أو ستة .. إلخ؟ما دامت تعلم الموضع نقول: اجلسي من اليوم الخامس، بالنسبة للعدد ترجع إلى من يشابهها من نسائها، فتنظر إلى من يشابهها من نسائها في السن والخلقة .. إلخ، وتنظر كم تتحيض وتحيض مثلها. القسم الثالث: عكس القسم الثاني وهو أن تعرف العدد وتنسى الموضع، فإذا كانت تعرف العدد وتنسى الموضع نقول: اجلسي من أول الشهر، كم عدد حيضتك؟ قالت: سبعة، اجلسي من أول الشهر سبعة، إلا إذا قالت: أنا أعرف أن موضعه في النصف الثاني، فنقول: اجلسي من أول النصف الثاني، قالت: أنا أعرف في العشر الأواخر، نقول: اجلسي من أول العشر الأواخر، هذه أحوال الاستحاضة.

    حيض الحامل

    قال المؤلف رحمه الله: [والحامل لا تحيض إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيوم أو يومين أو ثلاثة فيكون دم نفاس] هل تحيض الحامل أو لا تحيض الحامل؟جمهور أهل العلم على أن الحامل لا تحيض، وعلى هذا لو كان عندنا امرأة حامل، ثم بعد ذلك رأت الدم، فنقول: هذا ليس حيضاً، على رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله, وعلى هذا يجب عليها أن تصوم وأن تصلي .. إلخ، ويجوز لزوجها أن يعاشرها. ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في سبايا أوطاس: ( لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة )، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وجود الحيض دليلاً على براءة الرحم، ولو كان يجتمع معه لن يكون وجوده علماً على عدمه. فنقول: حديث أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل -غير حامل- حتى تحيض حيضة ) دليل على أن الحامل لا تحيض؛ لأنه إما حمل أو حيض، وقال الإمام أحمد رحمه الله: إنما تعرف النساء الحبل بانقطاع الدم. والرأي الثاني: ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله وغيره أن الحامل تحيض، وأن المرأة الحامل إذا رأت الدم بصفات دم الحيض نحكم بأنه حيض؛ لقول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، وهذا يشمل ما إذا كانت حاملاً أو غير حامل، وأيضاً ما تقدم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )، وهذا يشمل ما إذا كانت حاملاً أو غير حامل. والأقرب في ذلك هو الرأي الأول، هذا القول هو ما يقرره الأطباء، فالأطباء اليوم يقررون ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأن الحامل لا يمكن أن تحيض، وأن ما تراه الحامل من دم فإنه لا يكون حيضاً، وهذا أيضاً هو الذي يشهد له الواقع والتجربة.يعني: المرأة الآن إذا كانت حاملاً ويأتيها شيء من الدم، إذا سئلت عن صفات هذا الدم تجد أنه لا يوافق الدم الطبيعي، تجد أنه مختلف، إما قطرات أو نزغات أو نحو ذلك، وهذا القول هو الصواب. وعلى هذا نقول: الصواب في هذا المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأن المرأة الحامل إذا رأت دماً فإنها لا تعتبر حيضاً بل يجب عليها أن تصوم، ويجب عليها أن تصلي، ويصح صومها .. إلخ، وتأخذ أحكام الطاهرات, ولا تأخذ أحكام الحائضات. قال: (إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيوم أو يومين أو ثلاثة فيكون دم نفاس). وهذا سنتعرض إليه إن شاء الله في باب النفاس.
    مسائل متعلقة بالحيض

    علامة الطهر

    بقي علينا قبل أن ننتهي من باب الحيض مسألتان أو ثلاث مسائل: المسألة الأولى: علامة الطهر عند النساء، ما هي علامة الطهر عند النساء؟ نقول: علامة الطهر عند النساء علامتان: العلامة الأولى: الجفاف؛ جفاف المحل، بحيث إذا احتشت شيئاً فإنها لا ترى شيئاً. العلامة الثانية: القصة البيضاء؛ والقصة البيضاء هي ماء أبيض يقذفه الرحم بعد نهاية دم الحيض، يعني: بعد طهر المرأة من عادتها ترى القصة البيضاء.

    زيادة الحيض ونقصانه وتقدمه وتأخره

    المسألة الثانية: الطارئ على دم الحيض، هناك طوارئ تطرأ على دم الحيض، من هذه الطوارئ الزيادة أو النقص، أو التقدم أو التأخر. يعني مثلاً: المرأة عادتها خمسة أيام فيزيد عنها الدم باليوم السادس، أو النقص عادتها ستة أيام فينقص عنها الدم خمسة أيام، أو التقدم تكون عادتها في آخر الشهر فترى الدم في أول الشهر، أو التأخر تكون عادتها في أول الشهر فيتأخر عنها إلى آخر الشهر. في هذه الصور الأربع كلها نقول: هو حيض، يأخذ أحكام الحيض، ما دام أنه بصفته نقول بأنه حيض، يعني: لو تقدم عليها الحيض أو تأخر أو زاد أو نقص، فإذا نقص نقول: هو طهر يجب عليها أن تعتزل، إذا زاد نقول: هو حيض، إذا تقدم أو تأخر الدم نقول: هذه الطوارئ التي تطرأ عليها لا تؤثر، بل تأخذ المرأة أحكام الحائضات، ولا حاجة إلى أن يتكرر أو لا يتكرر كما ذهب إليه بعض أهل العلم رحمهم الله. والدليل على ذلك ما تقدم أن أشرنا إليه من قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فرتب الله عز وجل الحكم على وجود الأذى، متى وجد هذا الأذى فإنه يتعلق به الحكم. وأيضاً تقدم معنا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ) وهذا في الصحيحين.
    الصفرة والكدرة
    المسألة الأخيرة ما يتعلق بالصفرة والكدرة.الصفرة هي: عبارة عن ماء أصفر يخرج من النساء، والكدرة: عبارة عن ماء ممزوج بحمرة. فما حكم الصفرة والكدرة؟ نقول: الصفرة والكدرة لها ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن تكون الصفرة والكدرة قبل نزول العادة، يعني: قبل أن تنزل على المرأة العادة ترى هذه الصفرة أو ترى هذه الكدرة نقول: الصواب أنه لا عبرة بها، فيجب على المرأة أن تصلي ويصح منها الصيام .. إلخ، ولا تترك العبادات، بل نقول: هذه الصفرة والكدرة لا حكم لها على الصحيح، حتى لو كانت مع المرأة أو جاء دم الحيض .. إلخ، فنقول: تنتظر حتى ينزل عليها الدم المعروف عند النساء. ودليل ذلك حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً )، وهذا يشمل ما إذا طهرت المرأة إلى أن ينزل عليها دم الحيض. الحالة الثانية: من أحوال الصفرة والكدرة أن يكون ذلك بعد الطهر، أيضاً لا عبرة بهذه الصفرة والكدرة، مثلاً: امرأة طهرت من حيضتها، إما بانقطاع الدم والجفاف أو بالقصة البيضاء، ثم بعد ذلك رأت صفرة أو كدرة فإنه في هذه الحالة تأخذ أحكام الطاهرات، ولا تجلس في هذه الصفرة والكدرة. الحالة الثالثة: أن تكون هذه الصفرة والكدرة متصلة بالحيض، إذا كانت متصلة بالدم، ليست بعد الطهر، وليست قبل العادة، قبل الدم، وإنما هي متصلة بالدم، فنقول: حكمها حكم الحيض ما دامت المرأة في عادتها الطبيعية، فمثلاً: عندنا امرأة رأت الدم اليوم الأول والثاني والثالث، ثم بعد ذلك رأت صفرة أو كدرة في الرابع والخامس والسادس .. إلخ، فنقول: هذه الصفرة والكدرة حكمها حكم الحيض؛ لأنه ما دامت هذه الصفرة والكدرة في المدة الطبيعية للحيض نحتسبها. أيضاً مثال آخر: امرأة رأت الدم خمسة أيام، رأت صفرة لمدة يومين، نقول: هذا حيض؛ لأنه في العادة الطبيعية للمرأة.مثال ثالث: امرأة رأت الدم ستة أيام أو سبعة أيام، ثم بعد ذلك رأت صفرة أو كدرة، نقول: لا تنظر إليها، فيجب عليها أن تغتسل وأن تصلي. أو مثلاً: بعض النساء قد ترى الدم خمسة أيام، ثم بعد ذلك تجلس معها الصفرة خمسة أيام .. إلخ، تجلس وتطول معها الصفرة، نقول: إذا تجاوزت العادة الطبيعية للمرأة ستة أيام أو سبعة فإنها تغتسل.هذا هو الصواب في هذه المسألة, وحينئذٍ نقول الخلاصة في الصفرة والكدرة أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون ذلك قبل نزول الحيض هذه لا عبرة بها. القسم الثاني: أن يكون ذلك بعد الطهر فهذه لا عبرة بها.القسم الثالث: أن تكون متصلة بالحيض -يعني: بالدم- فهذه فيها التفصيل الذي سبق.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الطهارة [9]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    الدم الخارج بسبب الولادة له حالات، بعضها يكون نفاساً، وبعضها ليس كذلك، والنفاس كالحيض إلا أنهما يفترقان في مسائل؛ ككون الحيض يحصل به البلوغ بخلاف النفاس، وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً ولا حد لأقله.
    النفاس

    تعريف النفاس

    قال المؤلف رحمه الله: [باب النفاس: وهو الدم الخارج بسبب الولادة].تقدم لنا في الدرس السابق شيء من أحكام الحيض، وذكرنا ما يتعلق بأقله وأكثره، وأيضاً ما يتعلق بالسن الذي يمكن فيه الحيض بالنسبة للمرأة، وأيضاً تكلمنا عن الطهر بين الحيضتين، وما هو أقله؟ وهل لأكثره حد أو لا؟وأيضاً تكلمنا عن أحكام المبتدأة، وتكلمنا أيضاً عن أحكام الاستحاضة .. إلخ، وتوقفنا على باب النفاس. النفاس لغة: مأخوذ من التنفس وهو التشقق والانصداع، أو مأخوذ من التنفس وهو مأخوذ الهواء من الرئة بعد دخوله إليها.وأما في الاصطلاح: فكما عرفه المؤلف رحمه الله بقوله: (وهو الدم الخارج بسبب الولادة).فنقول: النفاس هو الدم الخارج بسبب الولادة.

    حالات الدم الخارج بسبب الولادة

    اعلم أن هذا الدم الخارج من المرأة بسبب الولادة له ثلاث حالات: يعني: متى نعتبره نفاساً؟ ومتى لا نعتبره نفاساً؟نقول: بأن هذا الدم الخارج من المرأة بسبب الولادة له ثلاث حالات:الحالة الأولى: الدم الخارج بعد الولادة، هذا نفاس بالإجماع، بإجماع العلماء رحمهم الله أنه يأخذ أحكام النفاس. الحالة الثانية: الدم الخارج أثناء الولادة، يعني: والمرأة تلد، هل هذا الدم نعتبره نفاساً أو لا نعتبره نفاساً .. إلخ؟ أيضاً هذا نقول: هو نفاس على الصحيح.الحالة الثالثة: الدم الخارج قبل الولادة، يعني: قبل أن تلد المرأة خرج منها دم، فهل يعتبر هذا الدم نفاساً بحيث إنه يأخذ أحكام النفاس من كونها لا تجب عليها الصلاة، ولا يصح منها الصوم .. إلخ أحكام الحيض؛ لأن النفاس له أحكام الحيض كما سيأتينا إلا في بعض الفروق؟ فهل نعتبر هذا الدم الخارج قبل أن تلد المرأة نفاساً أو لا نعتبره نفاساً؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله. الرأي الأول: أنه نفاس مطلقاً مع وجود الأمارة، يعني: إذا وجدت أمارات الولادة من الطلق ونحو ذلك فإنه نفاس مطلقاً، ولا يحدد بزمن، فإذا كان مع المرأة طلق قبل يوم أو يومين أو ثلاثة، ثم رأت هذا الدم وبدأ هذا الدم يخرج معها، فنقول: هو نفاس، وهذا اختيار الشيخ السعدي رحمه الله. الرأي الثاني: أنه يكون نفاساً إذا وجدت الأمارة يعني الطلق، وأيضاً كان الزمن يسيراً كيومين ويوم ونحو ذلك، وهذا هو المشهور من المذهب، يعني: إذا كان الزمن يسيراً يقيدونه بيومين أو يوم ونحو ذلك ووجدت الأمارة العلامة، فقالوا بأنه حينئذٍ يكون نفاساً.الرأي الثالث: أنه ليس نفاساً مطلقاً، مادامت قبل الولادة قالوا: ليس نفاساً مطلقاً. والصواب في هذه المسألة: هو الرأي الأول؛ لأن هذا الدم خارج بسبب الولادة، فنقول: إذا وجدت أمارة الولادة مع المرأة من الطلق فإنه يكون نفاساً، وهذا القول هو أصوب الأقوال وأرجحها. أما بالنسبة للماء الذي يخرج من المرأة قبل الولادة فهذا لا تأخذ المرأة حكم النفساء، فيجب على المرأة أن تصلي، وهذا الماء طاهر، لكن يجب على المرأة أن تصلي, وأيضاً يجب عليها أن تصوم إذا قدرت على الصيام ونحو ذلك، لا تأخذ أحكام النفساء بالنسبة لهذه المياه. وهذه المياه التي تخرج من المرأة من مخرج الرحم طاهرة، ولا تأخذ حكم النفاس، إنما تأخذ حكم النفاس بخروج الدم, وكان معه علامة الولادة -الطلق- فحينئذ يكون نفاساً.

    مواضع الاتفاق والافتراق بين الحيض والنفاس

    قال المؤلف رحمه الله: [وحكمه حكم الحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط به].يقول المؤلف رحمه الله: وحكمه حكم الحيض فيما يحل للحائض، ما يحل للحائض أن تعمله كما سبق لنا، وأيضاً مما يحل مثلاً الاستمتاع بالمرأة الحائض, النفساء كالحيض تماماً، ويحرم وطء المرأة الحائض في الفرج أيضاً يحرم وطء النفساء في الفرج، أيضاً المرأة الحائض يجب عليها الغسل، كذلك أيضاً النفساء يجب عليها أن تغتسل إذا طهرت، وتسقط عنها الصلاة كالحائض. وتقدم لنا أن الحائض ليس لها أن تدخل المسجد وأن تمكث في المسجد، كذلك أيضاً النفساء، فالمسائل التي تقدمت في الحيض كذلك النفساء تأخذ أحكام الحائض. ويدل لذلك حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها لما حاضت قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعلك نفست )، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم الحيض نفاساً؛ فدل على أن هذا الدم كدم الحيض، إلا أن هناك فروقاً بين دم الحيض ودم النفاس. الفرق الأول: أن دم الحيض يحصل به البلوغ بخلاف دم النفاس، فإن دم النفاس ليس علامة من علامات البلوغ، وتقدم لنا دليل أن الحيض علامة من علامات البلوغ كما في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )، فالمراد بقوله حائض يعني: البالغ، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم على البالغ نفس الحائض مما يدل على أن الحيض يحصل به البلوغ. الفرق الثاني من الفروق بين دم الحيض والنفاس: أن دم الحيض يكون به الاعتداد، بخلاف دم النفاس فإن دم النفاس لا عبرة له في العدة. فالمرأة مثلاً إذا طلقت وهي من ذوات الأقراء فإن عدتها ثلاثة قروء؛ كما قال الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَا تُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، أما دم النفاس فإنه لا عبرة به بالنسبة للعدة، فلو أن النفساء طلقت، وخرج منها الدم لمدة عشرين يوماً مثلاً، فنقول: هذا الدم لا عبرة به، بل إذا طهرت ثم جاءها الحيض ثلاث مرات فإنها تخرج من عدتها، هذا الفرق الثاني.الفرق الثالث: الطلاق؛ تقدم لنا أن طلاق الحائض محرم ولا يجوز، وهو طلاق بدعي؛ ( لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما طلق ابن عمر رضي الله تعالى عنهما زوجته تغيظ في ذلك، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يأمر ابن عمر أن يراجع زوجته ). أما بالنسبة للنفساء فإن طلاقها طلاق سنة، فلو أن الإنسان طلق زوجته وهي نفساء فإن هذا الطلاق طلاق سنة، وليس طلاق بدعة، ويقع به الطلاق؛ لأن المرأة تستقبل به العدة، بخلاف الحائض إذا طلقت في أثناء الحيض فإنها لا تستقبل بها عدة. كذلك أيضاً الفرق الرابع: أن المرأة إذا طهرت قبل تمام العدة في الحيض فإنه لا يكره لزوجها أن يطأها، فلو كانت عدة المرأة مثلاً ستة أيام، ثم طهرت لخمسة أيام فإنه لا يكره لزوجها أن يطأها. أما بالنسبة للنفاس فإن المشهور من مذهب الحنابلة أنه يكره لزوجها أن يطأها، فعدة النفاس كما سيأتينا إن شاء الله أربعون يوماً، لو أن المرأة طهرت لشهر مثلاً، فإنه يكره لزوجها أن يطأها قبل أن تتم أربعون يوماً؛ لورود ذلك عن عثمان بن أبي العاص فإنه قال لزوجته لما طهرت قبل تمام الأربعين: لا تقربيني. والصواب: أنه لا يكره، وما ورد عن عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه هذه كراهة نفسية، إذا أراد الإنسان أن يترك ذلك لكونه يأنف منه فنقول: بأن هذا لا بأس به، وليس حكما شرعياً، فلو أن الإنسان وطئ زوجته قبل تمام العدة نقول: لا بأس به؛ لقول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].الفرق الخامس: أن المرأة إذا انقطع عنها الدم في أثناء العادة ثم عاد فهو دم حيض، وأما النفساء إذا انقطع عنها الدم أثناء عدة النفاس ثم عاد الدم مرة أخرى فإن العلماء يقولون بأنه دم مشكوك فيه. والصواب: أنه ليس هناك دم مشكوك فيه، بل نقول كما قال المؤلف رحمه الله: إذا عاد في مدة الأربعين أنه نفاس، ونقول: الصواب أنه ليس هناك دم مشكوك فيه.

    أكثر مدة النفاس

    قال المؤلف رحمه الله: [وأكثره أربعون يوماً ولا حد لأقله].بالنسبة لأكثر النفاس اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله، أما بالنسبة لأقله فلا حد لأقله؛ لأنه قد يوجد امرأة تلد ولا يخرج منها دم، وإذا ولدت امرأة ولم يخرج منها دم فإنها لا تكون نفساء، فيجب عليها الصيام والصلاة وسائر أحكام الطاهرات، وإنما قال العلماء رحمهم الله: خروج هذا الولد ينقض الوضوء فقط، وعلى كلام العلماء رحمهم الله تتوضأ وتصلي وتصوم .. إلخ وتفعل كأحكام الطاهرات، ولا يجب عليها الغسل إذا ولدت ولم تر دماً. بالنسبة لأقله نقول: لا حد لأقله؛ لأنه قد يوجد امرأة تلد ولا يوجد معها دم، أما بالنسبة لأكثره فذكر المؤلف رحمه الله أكثره فقال: (أكثره أربعون يوماً)، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو قول أبي حنيفة . والرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله أن حده ستون يوماً. وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضاً: أنه لا حد لأكثره، فلو أن امرأة رأت الدم أكثر من أربعين أو ستين أو سبعين وانقطع فهو نفاس والأقرب من هذه الأقوال ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وأن أكثر مدة النفاس أربعون يوماً. ويدل لذلك حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نفاسها أربعين يوماً ). أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي والحاكم وغيرهم، والحديث هذا -إن شاء الله- إسناده حسن، وله شواهد تعضده وتؤيده.وأيضاً: مما يدل لذلك ويعضد ذلك أن هذا هو قول الأطباء، الأطباء في الوقت الحاضر يقولون بأن النفاس السوي ما بلغ ستة أسابيع، وأنت إذا ضربت ستة في سبعة فإنه يساوي اثنين وأربعين يوماً. فما وردت به السنة يوافق ما ذكره الأطباء رحمهم الله، فإن الأطباء قالوا: عندما تلد المرأة يخرج دماً، ثم بعد ذلك ينقلب إلى كونه صفرة، ثم بعد ذلك ينقطع إلى تمام ستة أسابيع. فهذا القول الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى، هو الذي يوافق ما ذكره الأطباء في هذا الوقت. وعلى هذا نقول بأن المرأة تجلس أربعين يوماً، فإذا تم لها أربعون يوماً ولم ينقطع الدم فإنه يجب عليها أن تغتسل وأن تصلي وأن تصوم .. إلخ, وإذا كان هذا الخارج مستمراً مع هذا الدم فإنها تأخذ أحكام المستحاضات، تتلجم وتأخذ أحكام المستحاضات السابقة، والمستحاضة تأخذ أحكام الطاهرات كما تقدم لنا إلا في بعض المسائل.

    طهر النفساء قبل الأربعين

    قال المؤلف رحمه الله: [ومتى رأت الطهر اغتسلت وهي طاهرة].متى رأت المرأة الطهر، يعني: انقطع عنها الدم، وانقطع عنها الصفرة والكدرة، ليس معها شيء، فنقول: يجب عليها أن تغتسل وأن تصوم وأن تصلي .. إلخ، فإذا نفست المرأة ثم طهرت ولم يكن معها لا دم ولا صفرة ولا كدرة، فنقول: يجب عليها أن تغتسل، وأن تأخذ أحكام الطاهرات. قال المؤلف رحمه الله: [وإن عاد في مدة الأربعين فهو نفاس].يعني: إذا عاد عنها الدم في مدة الأربعين فهو نفاس، وإن عاد الدم بعد الأربعين فهذا يظهر أنه حيض، وأنه هو عادتها. بالنسبة للحائض إذا انقطع عنها الدم في أثناء العادة هل يجب عليها أن تغتسل أو لا يجب عليها أن تغتسل؛ لأن الحيض مع المرأة لا يستمر خروجه، بل تارة يخرج وتارة يقف؟ فنقول: هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والصواب في هذه المسألة ما ذكره ابن قدامة صاحب المغني قال: إذا كان الانقطاع ليوم فأكثر فيجب عليها أن تصلي وأن تغتسل .. إلخ، أما إذا كان الانقطاع لأقل من يوم مثلاً انقطع عليها ساعتين .. ثلاث ساعات.. خمس ساعات، فنقول: هذا الانقطاع وهذا الطهر لا عبرة به, وإنما يكون هذا الحكم حكم الحيض.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [1]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (10)

    لقد عظم الإسلام شأن الصلاة فجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام، ولهذا كان القول الراجح هو كفر تارك الصلاة مطلقاً، والأذان من شعائر الإسلام، وهو أفضل من الإقامة والصحيح أنه فرض كفاية.
    مقدمات

    تعريف الصلاة وبيان فرضيتها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب الصلاة: روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) ].قال المؤلف رحمه الله: (كتاب الصلاة).مناسبة هذا الكتاب لما تقدم من أحكام الطهارة مناسبة ظاهرة، فإن المؤلف رحمه الله تكلم عن أحكام الطهارة كما سبق لنا، وبعد أن تكلم عن أحكام الطهارة شرع في أحكام الصلاة؛ وذلك لأن الطهارة فيها التخلية، والصلاة فيها التحلية والوقوف بين يدي الله عز وجل، والتخلية تكون قبل التحلية، فالإنسان يتخلى من الحدث، وأيضاً يتنظف، ثم يتحلى بعد ذلك بالوقوف بين يدي الله عز وجل؛ ولأنها مفتاح الصلاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ).الصلاة في اللغة: الدعاء؛ ومنه قول الله عز وجل: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103] أي: ادع لهم.وأما في الاصطلاح: فهو التعبد لله عز وجل بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم.والصلا فرضيتها معلوم من الدين بالضرورة، فالأدلة عليها ظاهرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، فمن الكتاب قول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] .وأما السنة فحديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام لـمعاذ : ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.. ) إلى آخر الحديث.والإجماع قائم على ذلك.قال: (روى عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له).هذا الحديث أخرجه أهل السنن، وإسناده صحيح.

    على من تجب الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم، عاقل، بالغ إلا الحائض والنفساء].هذا الوجوب بالإجماع، وتقدم الدليل على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.قال: (مسلم)، قوله: مسلم هذا يخرج الكافر، فالكافر يتوجه إليه خطابان:الخطاب الأول: خطاب وجوب الأداء.والخطاب الثاني: خطاب وجوب التكليف. أما بالنسبة لوجوب الأداء فلا يجب عليه أن يؤدي الصلاة، يعني لا نأمر الكافر أن يؤدي الصلاة؛ لأنه فاقد للأصل وهو التوحيد، والله عز وجل قال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] ، ما تنفع، فإذا كانت هذه الصلاة لا تنفع لم يكن هناك فائدة من أمره بأدائها، والله عز وجل يقول: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54] ، فالنفقات مع أن نفعها متعد ليس نفعاً محضاً لم تقبل من الكافر؛ لأنه كفر بالله وبرسوله، فكذلك أيضاً الصلاة، فنقول: بالنسبة لوجوب الأداء لا يجب عليه أن يؤدي لما ذكرنا من الدليل.وأما بالنسبة لوجوب التكليف فنقول: بأنه مكلف بها، وواجبة عليه، ويحاسب عليها يوم القيامة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:42-45] .فمن أسباب دخولهم النار قال: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:43].قال: (عاقل).بالنسبة للمجنون لا تجب عليه الصلاة؛ لحديث ( رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم- المجنون حتى يفيق ).قال: (بالغ).فغير البالغ لا تجب عليه الصلاة لما تقدم من حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( رفع القلم عن ثلاثة، ذكر منهم: المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ ) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والدارمي وغيرهم، وهو حديث صحيح ثابت.فغير البالغ لا تجب عليه الصلاة، لكن يؤمر بها لسبع سنوات، ويضرب عليها لعشر، يجب على وليه أن يأمره بها لسبع، وأن يضربه على ذلك ضرب تأديب لعشر سنوات تأديباً له وتمريناً له على هذه الطاعة، ودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ).قال: (إلا الحائض والنفساء).الحائض والنفساء لا تجب عليهن الصلاة كما تقدم لنا، ويدل لذلك ما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة )، وهذا في البخاري .وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم ). وقول النبي عليه الصلاة والسلام للمستحاضة: ( إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة ).فالحائض والنفساء لا تجب عليهما الصلاة، إلا أننا استثنينا حالتين تجب فيهما الصلاة، ما هما هاتان الحالتان؟إذا أدركت من آخر الوقت ركعة واحدة.الحالة الثانية: إذا أدركت من أول الوقت قدر ركعة، بحيث كانت طاهرة قدر ركعة فأكثر ثم بعد ذلك حاضت فإنه يجب عليها أن تؤدي هذه الصلاة إذا طهرت.كذلك أيضاً: إذا طهرت قبل خروج الوقت بقدر ركعة فإنه يجب عليها أن تقضي هذه الصلاة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة : ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، وسبق أن أشرنا إلى هذه المسألة.

    حكم تارك الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن جحد وجوبها لجهله عرف ذلك، وإن جحدها عناداً كفر].تارك الصلاة لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يتركها جحداً لوجوبها بحيث يقول: الصلاة ليست واجبة، يقول: لا أصلي؛ لأن الصلاة ليست واجبة، فهذا يكفر بإجماع المسلمين؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، فإن القرآن دل على وجوبها، والسنة دلت على وجوبها، وإجماع المسلمين دل على وجوبها، إلا إذا كان هذا الشخص جاهلاً لكونه حديث عهد بإسلام، أو لكونه ناشئاً ببادية بعيدة عن بلاد المسلمين فهذا يعرف بالوجوب، فإن أقر به وإلا حكم بكفره.فنقول: الحالة الأولى: أن يتركها جحداً لوجوبها، إذا تركها جحداً لوجوبها فإنه يكفر، إلا إذا كان جاهلاً لكونه حديث عهد بإسلام، أو لكونه ناشئاً ببادية بعيدة عن بلاد المسلمين فيعرف.الحالة الثانية: أن يترك الصلاة تهاوناً وكسلاً، لا يصلي مع الناس تهاوناً وكسلاً فهذا هل يكفر أو لا يكفر؟هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يكفر، والمشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي أنه لا يكفر. فعندنا رأيان إذا تركها تهاوناً وكسلاً يعني يقر بوجوبها لكن تهاوناً وكسلاً لا يصلي، هل نحكم بكفره أو لا نحكم بكفره.هذا موضع خلاف، أشرنا أن الإمام أحمد رحمه الله يحكم بكفره، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة حتى ذكر ابن القيم رحمه الله أن الحكم بكفر تارك الصلاة دل عليه القرآن من عشرة أوجه، وأطال ابن القيم رحمه الله في هذه المسألة في كتابه كتاب الصلاة.من الأدلة الدالة على كفره قول الله عز وجل: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] ، فدل ذلك على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة أنهم ليسوا إخواناً لنا في الدين، ولا تنتفي الإخوة في الدين إلا بانتفاء الإسلام ووجود الكفر. وأيضاً: من الأدلة على كفره حديث جابر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة ).قال: (الشرك أو الكفر) أتى بـ(ال) التي تفيد الاستغراق يشمل الكفر الأكبر والكفر الأصغر.وأيضاً: حديث بريدة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ).وأيضاً: ورود ذلك عن الصحابة، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر آثاراً كثيرة عن الصحابة في كفره، وكذلك أيضاً اللالكائي وغيرهما من أهل العلم ذكروا آثار الصحابة. وقال عبد الله بن شقيق : ما أجمع أصحاب محمد على شيء تركه كفر من الأعمال إلا الصلاة.وورد نحو هذا عن جابر رضي الله تعالى عنه.أما الذين قالوا: بأنه لا يكفر كما قلنا: هو مذهب أبي حنيفة وأيضاً مالك والشافعي ، فاستدلوا على ذلك بأدلة، من أدلتهم:أحاديث الرجاء، أي: الأحاديث التي ورد فيها الترغيب الكثير والثواب العظيم، ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة )، وهذا جاء في صحيح مسلم ونحو ذلك من هذه الأحاديث ( من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة )، وهذا يشمل كل من قال: لا إله إلا الله سواء كان يصلي أو كان لا يصلي.وأيضاً: استدلوا بحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يبقى صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، وليسرى على كتاب الله عز وجل حتى لا يبقى منه آية، فيبقى الشيخ الكبير والمرأة العجوز يقولان: لا إله إلا الله، أدركنا آباءنا يقولونها فنحن نقولها. فقال صلة بن زفر لـحذيفة : ما تنفعهم لا إله إلا الله؟ قال: تنجيهم من النار ).الشاهد هنا قوله: ( تنجيهم من النار )، هذا الحديث أخرجه ابن ماجه وإسناده صحيح. وكذلك أيضاً: استدلوا بحديث عبادة بن الصامت الذي أورده المؤلف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له).فقوله: ( إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ) هذا يدل على عدم الكفر؛ لأنه قال: ( إن شاء غفر له )، والكافر لا يغفر له.والأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وأن تارك الصلاة يكفر لصراحة الأدلة على ذلك. وأما ما استدل به الجمهور على عدم كفره فنقول: بالنسبة لأحاديث الرجاء الإنسان لا ينظر إلى النصوص بعين أعور، وإنما ينظر إلى النصوص بعينين سليمتين، يعني ينظر إلى الأدلة التي جاءت بالترغيب والثواب العظيم، وأيضاً ينظر لأدلة الوعيد، فإن النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً قال: ( من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة )، لا إله إلا الله ما تكفي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خالصاً من قلبه )، إذا كان الإنسان مخلصاً في قول: لا إله إلا الله لا بد أن يعمل، ما يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، وإلا فالمنافق يقول: لا إله إلا الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خالصاً من قلبه )، ولا يقول الإنسان: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه إلا إذا عمل بشرائع الإسلام خصوصاً الصلاة. ولهذا قال الزهري : لا إله إلا الله مفتاح الجنة، لكن من جاء بمفتاح له أسنان فتح له، وإلا لم يفتح له، فما يكفي أن يقول الإنسان: لا إله إلا الله، بل لا بد من العمل، ولا يكون الإنسان مخلصاً في هذه الكلمة إلا إذا عمل وخصوصاً الصلاة التي ورد النص في كفر تاركها.وأما بالنسبة لحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه يقول: أدركنا آباءنا.. إلى آخره فهؤلاء معذورون بالجهل، هؤلاء أدركوا آباءهم على هذه الكلمة فيقولون هذه الكلمة، هذا مبلغ علمهم فيعذرون بذلك. وأما بالنسبة لحديث عبادة الذي أورده المؤلف في الحديث: ( من حافظ عليهن بركوعهن وخشوعهن وسجودهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة, ومن لم يحافظ عليهن ) يعني: بهذه الأشياء بالركوع والخشوع.. إلى آخره فلا يعني ذلك ترك الصلاة، في الحديث ( فمن حافظ عليهن بركوعهن وخشوعهن.. ) إلى آخر ما جاء في الحديث، ومن لم يحافظ عليهن يعني: بهذه الأشياء لم يكن له عهد عند الله.فالأقرب في هذه المسألة أنه يكفر تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً، لكن هل يكفر بمجرد ترك صلاة أو صلاتين، أو نقول: لا بد أن يترك الصلاة بالكلية فإذا كان يصلي ويخلي لا نحكم بكفره؟ هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة وغيره. فنقول: نحكم بكفره إذا ترك الصلاة بالكلية، أما إذا كان يصلي وقتاً ويترك وقتاً فهذا لا يظهر أنه يحكم بكفره؛ لأنه يعتبر مصلياً، لا نحكم بكفره إلا إذا ترك الصلاة بالكلية، فإذا كان لا يصلي بالكلية مثلاً على أقل شيء يمر عليه أسبوع؛ لأن الأسبوع هذا في أيام الدنيا ولم يصل لله عز وجل فنقول: هذا هو الذي يحكم بكفره، أما إذا كان يصلي هذا اليوم ويترك اليوم الثاني فهذا لا يظهر أنه يحكم بكفره.واعلم أن جمهور أهل العلم رحمهم الله قالوا: بأن تارك الصلاة يقتل، جمهور العلماء إلا أبا حنيفة رحمه الله، يعني حتى الذين قالوا: بأنه لا يكفر قالوا: بأنه يقتل مثل المالكية والشافعية يقولون: بأن تارك الصلاة لا يكفر، ومع ذلك يقولون بأنه يقتل.ودليل ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة )، إلا عند أبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يرى قتله, وإنما يرى أنه يحبس حتى يصلي.

    حكم تأخير الصلاة عن وقت وجوبها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها إلا لناو جمعها، أو مشتغل بشرطها].لا يحل تأخير الصلاة عن وقتها، فتأخير الصلاة عن وقتها محرم ولا يجوز، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103] أي: مفروضاً في الأوقات، قال عمر رضي الله تعالى عنه: إن للصلاة وقتاً اشترطه الله لها لا تصلح إلا به، وقال الله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5] . قال ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص : لم يتركوها بالكلية -تركها بالكلية كفر- وإنما أخروها عن مواقيتها، فتوعدهم الله عز وجل بالويل. فتأخير الصلاة عن وقتها محرم ولا يجوز، لا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها، وأيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي قتادة : ( أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ) رواه مسلم .فسماه النبي صلى الله عليه وسلم مفرطاً، فتأخير الصلاة عن وقتها محرم ولا يجوز، وفعل الصلاة خارج الوقت مخل بشرط هو أعظم شروط الصلاة، العلماء كـشيخ الإسلام وغيره يذكرون أن شرط الوقت أعظم من شرط الطهارة، وأعظم من شرط ستر العورة، يعني كون الإنسان يصلي الفجر بعد الشمس هذا مثل الذي يصلي بلا طهارة بل أعظم، لو أن إنساناً صلى وهو لم يرفع الحدث نقول: صلاته غير صحيحة، كذلك أيضاً لو صلى خارج الوقت نقول: صلاته غير صحيحة، أو صلى وهو لم يستقبل القبلة، أو صلى ولم يتطهر من الخبث أو يستر عورته، فعل الصلاة في وقتها أعظم من هذه الشروط كلها، فعلى المسلم أن يتنبه لهذا، وأن يجاهد نفسه على إحداث هذه الصلاة في وقتها، وفعلها خارج الوقت لا يصح، عمل ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلنا يعلم لو أن أحداً صام في غير وقت الصيام، أو حج في غير وقت الحج فإن صيامه وحجه ما يصح، فكذلك أيضاً بالنسبة للصلاة.قال: (إلا لناو جمعها، أو مشتغل بشرطها).استثنى المؤلف رحمه الله تأخير الصلاة عن وقتها في حالتين:

    الحالة الأولى:

    إذا كان ينوي الجمع، مثل المسافر، أو المريض، أو نحو ذلك ممن يرخص له في الجمع، فإذا نوى أن يؤخر الظهر إلى العصر، أو المغرب إلى العشاء يقول المؤلف رحمه الله: هذا لا بأس.(أو مشتغل بشرطها).هذا قيده العلماء رحمهم الله قالوا: مشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً، مثال ذلك إنسان عنده ثوبه الذي يستر به عورته، انشق الثوب أو حصل فيه فتق أو خرق أو نحو ذلك، هنا الآن يحتاج إلى دقائق لكي يخيط هذا الثوب، هنا الآن يحصل شرطاً من شروط الصلاة وهو ستر العورة. عندنا أمران: إما أن يصلي الصلاة في وقتها، أو يشتغل بخياطة الثوب، أو بإخراج الماء مثلاً حتى يحصل شرط الصلاة، نقول هنا: لا بأس أنك تشتغل ما دام أن هذه الخياطة لن تستغرق وقتاً طويلاً، دقائق اشتغل بهذه الخياطة وخيط الثوب ولو خرج وقت الصلاة، مادام هذا الشرط تحصله قريباً، أو مثل الماء تحصله قريباً ما في بأس حتى لو خرجت الصلاة عن وقتها. فالصواب في هذه المسألة: أنه يجب على الإنسان أن يصلي الصلاة في وقتها على حسب حاله، ولا يجوز له أن يؤخرها، فلو أن ثوبه انشق عليه أو نحو ذلك فنقول: يجب عليك أن تصلي الصلاة في وقتها، ولا يجوز لك أن تؤخرها عن وقتها.

    استتابة تارك الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن تركها تهاوناً بها استتيب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل].تقدم لنا أن تارك الصلاة عند جمهور أهل العلم رحمهم الله يقتل؛ ودليلهم على ذلك أدلة كثيرة منها حديث ابن عمر : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة )، وهذا في الصحيحين.وأيضاً أبو بكر رضي الله تعالى عنه ومعه الصحابة قاتلوا تاركي الصلاة، إلا عند أبي حنيفة رحمه الله فإنه قال: يحبس، وذكرنا هل يكفر أو لا يكفر؟ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، لكن قال المؤلف رحمه الله: لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام؛ ويدل لذلك ما ورد عن عمر أنه بلغه أن رجلاً ارتد فقتل، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: هلا استتبتموه ثلاثاً وأطعمتموه كل يوم رغيفاً، لعله يتوب فيتوب الله عليه.وهذا الأثر الوارد عن عمر رضي الله تعالى عنه ضعيف.والرأي الثاني: أنه لا حاجة إلى أن نستتيبه ثلاثة أيام؛ لحديث ابن عباس في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من بدل دينه فاقتلوه )، فقال النبي عليه الصلاة والسلام في المرتد: ( من بدل دينه فاقتلوه )، ولم يقيد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بثلاثة أيام. وأيضاً في البخاري أن معاذاً أتى أبا موسى في اليمن فإذا رجل مقيد فسأل عن ذلك فأخبر أنه ارتد عن دينه، فقال معاذ : لا أنزل حتى يقتل فقتل.قلنا: هل يستتاب أو لا يستتاب؟ذكرنا في ذلك رأيين:الرأي الأول: أنه يستتاب ثلاثاً لورود ذلك عن عمر ، لكن هذا الأثر ضعيف.والرأي الثاني: أنه لا يستتاب، وذكرنا دليل ذلك.والأقرب في مثل هذا بالنسبة لاستتابة المرتد كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم، فالحاكم إن رأى أن يستتيبه استتاب، وإن رأى ألا يستتيبه فإنه لا يستتيبه، يعني إذا قامت القرائن على قربه من الخير ورجوعه فيستتيبه، وإن قامت القرائن على خلاف ذلك فإنه لا يستتيبه.
    الأذان والإقامة

    تعريف الأذان والإقامة

    قال المؤلف رحمه الله: [باب الأذان والإقامة].الأذان في اللغة: الإعلام؛ ومن ذلك قول الله عز وجل: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:3] أي: إعلام.وأما في الاصطلاح: فهو التعبد لله عز وجل بالإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.وأما الإقامة في اللغة: فهي مصدر أقام أي: جعل الشيء مستقيماً. وأما في الاصطلاح: فهي التعبد لله عز وجل بالإعلام بالقيام إلى الصلاة بألفاظ مخصوصة.

    حكم الأذان والإقامة

    قال المؤلف رحمه الله: [وهما مشروعان].الأذان والإقامة دل عليهما القرآن والسنة وإجماع المسلمين.أما القرآن ففي قول الله عز وجل: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا [المائدة:58].والسنة ستأتينا أحاديث في الباب وهي كثيرة جداً.والإجماع قائم على مشروعية الأذان والإقامة، لكن قال المؤلف رحمه الله: (وهما مشروعان) لم يبين المؤلف رحمه الله هل هما سنة أو فرض؟ فالعلماء لهما في ذلك رأيان بالنسبة للأذان والإقامة هل هما فرض أو سنة.فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنهما فرض كفاية، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة وأيضاً الشافعي أنهما سنة. فعندنا رأيان:الرأي الأول: أنهما فرض كفاية.والرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة والشافعي : أنهما سنة.والأقرب في ذلك ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وأنهما فرض كفاية، يعني النبي عليه الصلاة والسلام أمر بهما كما في حديث مالك بن الحويرث في صحيح البخاري وغيره: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم )، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن ) هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أحدكم ) هذا يدل على أن هذا الأمر كفائي، وأنه ليس عينياً، يعني إذا قام به من يكفي سقط الأمر عن الباقين، لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: (أذنوا كلكم )، وإنما قال: ( فليؤذن لكم أحدكم )، إذا قام بهذا الأمر شخص فإن ذلك كاف، ففي حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه دليل على أنه فرض، ودليل أيضاً على أن هذا الفرض على سبيل الكفاية.

    شروط من يجب عليهم الأذان والإقامة

    قال المؤلف رحمه الله: [للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء].قلنا: الأذان والإقامة فرض على الكفاية، فلا يجب على كل أحد يؤذن، وإنما يؤذن شخص ويكفي، يقيم شخص ويكفي عن البقية، هذا الفرض يشترط له شروط، يعني على من يجب هذا الأذان والإقامة؟ فنقول: شروط من يجب عليهم الأذان والإقامة: الشرط الأول: أن يكونوا رجالاً، والمراد بالرجال هنا البالغون، فإذا كانوا بالغين وجب عليهم، وأيضاً يراد بهم أن يكونوا اثنين فأكثر كما سيأتينا إن شاء الله هذا الشرط الأول.الشرط الثاني: أن يكونوا مقيمين، فإن كانوا مسافرين لم يجب عليهم الأذان ولا الإقامة وإنما يكون مستحباً، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.والرأي الثاني: أن الأذان والإقامة يجب على المسافرين كما يجب على المقيمين، وهذا القول هو الصواب، ويدل لذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـمالك بن الحويرث ومن معه وهم مسافرون: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم )، وهم مسافرون، فالصواب في ذلك: أنه يجب على المسافرين كما يجب على المقيمين.الشرط الثالث: أن تكون هذه الصلوات مؤداة، فإن كانت مقضيةً فإنه لا يجب لها الأذان ولا الإقامة، فالشرط الثالث: أن تكون مؤداة، وأيضاً هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله. والصواب في هذا أيضاً: أن الأذان والإقامة كل منهما يجب للصلوات المؤداة، ويجب أيضاً للصلوات المقضيات؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث : ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم ) يشمل حضور الصلاة في الوقت، ويشمل حضور الصلاة بعد خروج الوقت وهي المقضية، يشمل الأمرين.الشرط الرابع: أن يكونوا جماعة، يعني لكي يجب الأذان والإقامة لا بد أن يكونوا جماعة، والمراد بالجماعة أن يكونوا اثنين فأكثر، هذا هو المراد بالجماعة، أما إن كان واحداً يعني كان مسافراً واحداً، أو كان مثلاً في بادية أو مثلاً في مزرعة أو نحو ذلك فالأذان والإقامة له سنة وليس واجباً، لا يجب عليه أن يؤذن، ولا يجب عليه أن يقيم، لكن يستحب له أن يؤذن، ويستحب له أن يقيم، لكن إذا كانوا جماعة، والمراد بالجماعة اثنان فأكثر؛ لأنهما هما اللذان تنعقد بهما الجماعة.الشرط الخامس: أن يكونوا أحراراً، فإن كانوا أرقاء لم يجب عليهم الأذان والإقامة. والصواب في ذلك: أنه لا فرق بين الأحرار والأرقاء، وعندنا قاعدة: أن العبادات البدنية المحضة الأصل يتساوى الأحرار والأرقاء فيها، فقولنا: البدنية يخرج المالية، فالعبادات المالية لا تجب على الرقيق؛ لأنه لا يملك، بل هو مال، المحضة يخرج المركبة من المال والبدن، فهذه أيضاً لا تجب على الرقيق، فعندنا الأصل في العبادات البدنية المحضة أنه لا فرق فيها بين الأرقاء والأحرار. فمثلاً: الأذان والإقامة لا فرق بين الأرقاء والأحرار، وأيضاً صلاة الجمعة وصلاة الجماعة، الصلاة الوضوء الغسل.. إلى آخره، هذه كلها عبادات بدنية محضة، وهذه القاعدة تريح كثيراً؛ لأن العلماء كثيراً ما يفرقون بين الأحرار والأرقاء.الشرط السادس: أن يكون الأذان والإقامة للصلوات الخمس دون غيرها، فمثلاً صلاة الاستسقاء وصلاة العيدين ليس لهما أذان ولا إقامة، كذلك صلاة الكسوف ليس لها أذان ولا إقامة، وإنما لها نداء فقط؛ لأن السنة إنما وردت بالنسبة للأذان والإقامة للصلوات الخمس سواء كانت هذه الصلوات مؤداة أو كانت مقضية كما أسلفنا، والجمعة تدخل في الصلوات الخمس.

    المفاضلة بين الأذان والإقامة

    واختلف أهل العلم رحمهم الله أيهما أفضل الأذان أو الإمامة؟ هل الأفضل للإنسان أن يكون مؤذناً أو الأفضل أن يكون إماماً؟للعلماء في ذلك رأيان، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الأذان أفضل من الإمامة؛ لأن الأذان ورد فيه أحاديث كثيرة تدل على فضل الأذان من ذلك حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة )، وهذا في صحيح البخاري .وأيضاً ما ثبت في الصحيح من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه في مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة )، هذا يدل على فضل الأذان. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإمامة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان إماماً، وكذلك أيضاً بالنسبة لخلفائه الراشدين كانوا أئمةً ولم يكونوا مؤذنين. وأيضاً قالوا: بأن الشارع علق بالإمامة أوصافاً شرعية مما يدل على فضلها، ففي حديث أبي مسعود البدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً ) فعلق الشارع بالإمامة أوصافاً شرعية مما يدل على علو رتبتها. والأقرب في ذلك هو الرأي الأول وأن الأذان أفضل من الإمامة، وكون النبي عليه السلام علق بالإمامة أوصافاً شرعية نقول: هذا يدل على فضل الإمامة، وأن الإمامة لها فضل ولها مزية، وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مؤذناً، وأيضاً الخلفاء لم يكونوا مؤذنين؛ لأنهم شغلوا بأشياء أهم من الأذان والإقامة؛ لأن الأذان والإقامة يحتاجان إلى مجاهدة ومراقبة إلى آخره، فهم شغلوا بأشياء أعظم من مسألة الأذان بما يتعلق بتسيير أمور المسلمين، والنظر في أحوالهم، وهذه أعظم من مسألة الأذان، ولهذا ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: لولا الخلافة لأذنت.فنقول: الصواب في ذلك من حيث الجملة: أن الأذان أفضل من الإمامة، إلا أنه قد يكون هناك شخص قد يقال له بالنسبة لك الإمامة أفضل من الأذان؛ لأنه قد يكون طالب علم، أو يكون قارئاً، أو نحو ذلك، فهو يختلف، لكن من حيث الجملة الأذان أفضل من الإمامة، لكن قد يكون في بعض الناس يختلف الحال فيكون الأذان أو الإمامة في حقه أفضل.قال رحمه الله: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها للرجال دون النساء).الأذان والإقامة لا يشرعان لصلاة العيد، ولا يشرع لصلاة الاستسقاء، ولا لصلاة الكسوف، ولا لصلاة الجنازة إلى آخره، وإنما الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس؛ لأنهما إنما وردا للصلوات الخمس دون غيرها من الصلوات، الكسوف يشرع لها النداء، أما ما عدا ذلك فإنه لا يشرع لها أذان ولا إقامة.

    حكم الأذان والإقامة للنساء

    قال المؤلف رحمه الله: (للرجال دون النساء). أما النساء فلا يجب عليهن أذان ولا إقامة، إذا صلت النساء جماعة، لو أن النساء صلين جماعةً فهل يؤذن ويقمن أو نقول: بأنهن لا يؤذن ولا يقمن؟ فلو أن نساءً اجتمعن وصلين جماعةً هل نقول: يشرع لكن أن تؤذن وأن تقمن أو نقول: لا يشرع؟ هذه المسألة اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله، فقال بعض العلماء: يكره للنساء أن يؤذن وأن يقمن، هذا مكروه.وقال بعض العلماء: يباح ذلك، يباح لهن أن يؤذن وأن يقمن.وقال بعض العلماء: يستحب لهن ذلك، أما الوجوب لا يجب؛ لأنهن ليستا من أهل الجمعة ولا الجماعة.والصواب في هذه المسألة: أننا نفرق بين الأذان وبين الإقامة، فنقول: بالنسبة للأذان لا يشرع لهن أن يؤذن، وأما بالنسبة للإقامة فنقول بأنه يشرع لهن أن يقمن الصلاة لاجتماعهن؛ لأن الإقامة هي إعلام للحاضرين بالقيام إلى الصلاة، ويدخل في ذلك النساء، أما بالنسبة للأذان فهو إعلام بدخول وقت الصلاة، وهذا لا يكون بالنسبة للمرأة.وعلى هذا نقول: إذا اجتمع النساء وصلين جماعةً فإن الإقامة مشروعة لهن، وأما بالنسبة للأذان فإنه ليس مشروعاً لهن، أما لو صلت امرأة لوحدها فنقول: لا يشرع لها أن تؤذن ولا أن تقيم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [2]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (11)
    صفة الأذان معروفة في السنة، وله عدة صفات جاءت في النصوص الصحيحة، والزيادة فيه بدعة، ويستحب للمؤذن أن يكون متطهراً، مستقبل القبلة، وأن يلتفت عند الحيعلتين، وأن يثوب في أذن الصبح، ويسن متابعة المؤذن
    تابع الأذان والإقامة

    تلخيص لما سبق من أحكام الأذان والإقامة

    تقدم لنا شيء من أحكام الأذان، وذكرنا من ذلك تعريف الأذان في اللغة والاصطلاح, وكذلك أيضاً تعريف الإقامة، وتقدم لنا أيضاً حكم الأذان والإقامة، وذكرنا أن حكمهما أنهما فرض كفاية، وأن بعض الأئمة ذهب إلى أنهما سنة.. إلى آخره.قال المؤلف رحمه الله: (وهما مشروعان للصلوات الخمس).أفاد المؤلف رحمه الله أن الأذان والإقامة كل منهما مشروعان للصلوات الخمس، وكذلك أيضاً لصلاة الجمعة، ما عدا هذا لا يشرع لها أذان ولا إقامة، فصلاة العيد لا أذان لها ولا إقامة، صلاة الاستسقاء لا أذان لها ولا إقامة، صلاة الكسوف والخسوف لها نداء ينادى لها فقط، وصلاة الجنازة لا أذان لها ولا إقامة.. إلى آخره.قال المؤلف رحمه الله: (دون غيرها).ودليل ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما كان يؤذن للصلوات الخمس والجمعة فقط دون بقية الصلوات، فلم يرد أن الأذان شرع لغير الصلوات الخمس والجمعة.قال رحمه الله: (للرجال دون النساء). الأذان والإقامة كل منهما فرض كفاية كما سبق لنا، لكن هذه الفرضية لها شروط: فالشرط الأول: قال المؤلف رحمه الله: (للرجال)، فيجب الأذان والإقامة للرجال دون النساء؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم )، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. وكذلك أيضاً يدل على أن الأذان إنما هو للجماعة، والنساء لسن من أهل الجمعة والجماعة، فلا تجب عليهن الجماعة، وكذلك أيضاً لا تجب عليهن الجمعة. فالشرط الأول لوجوب الأذان والإقامة أن يكونوا رجالاً، فإن كن نساءً فلا يجب عليهن الأذان والإقامة. واختلف أهل العلم رحمهم الله في الأذان والإقامة بالنسبة للنساء على أقوال، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الأذان والإقامة للنساء كل منهما مباح. وذهب بعض أهل العلم إلى أن كلاً منهما مستحب. وذهب آخرون وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن الأذان والإقامة لهن مكروهة.والرأي الرابع والأخير: أن الإقامة تشرع، إذا اجتمع النساء فإن الإقامة تكون مشروعةً لهن، أما بالنسبة للأذان فإنه ليس مشروعاً لهن، وعلى هذا إذا اجتمع النساء وصلين جماعةً فإنه يشرع لهن أن يقمن، وأما بالنسبة للأذان فإنه لا يشرع لهن أن يؤذن، كما لو اجتمعن في مدرسة أو في مكان ثم أردن أن يصلين جماعة فإنهن يقمن الصلاة؛ لأن الإقامة إعلام للحاضرين بالإقامة إلى الصلاة، وأما بالنسبة للأذان فهو إعلام للغائبين، والنساء يكن حاضرات، ولا حاجة إلى إعلام من كان غائباً؛ لأنهن يفترض فيهن أن يكن مجتمعات، هذا هو الشرط الأول. الشرط الثاني: أن يكونوا جماعة، فلو كان واحداً فإنه لا يجب عليه الأذان ولا الإقامة، والمراد بالجماعة هنا أن يكونوا اثنين فأكثر، فإذا كانوا اثنين فأكثر فإنه يجب عليهما أن يؤذنا وأن يقيما، كما لو خرجا في سفر، أو خرجا في نزهة فإنه يجب عليهما أن يؤذنا ويقيما. ويدل لذلك حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم ).الشرط الثالث: أن يكونوا مقيمين، فلو كانوا مسافرين لا يجب عليهم الأذان ولا الإقامة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله. والصواب في ذلك: أنه لا فرق بين المقيم وبين المسافر، وأن الأذان والإقامة يجب على المقيمين ويجب على المسافرين، ويدل لذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـمالك بن الحويرث : ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم )، ومالك ومن معه كانوا مسافرين، فالصواب في هذه المسألة: أن الأذان يجب على المسافرين كما يجب على المقيمين.وأيضاً: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك الأذان والإقامة في حال السفر، هذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالصواب أن الإقامة ليست شرطاً.الشرط الرابع: أن تكون الصلاة مؤداةً، فلو كانت الصلاة مقضيةً فلا يجب لها أذان ولا إقامة، وهذا أيضاً هو المشهور من مذهب الإمام أحمد .والصواب أيضاً: أن الأذان والإقامة يجب على جماعة الرجال سواء كانت الصلاة مؤداةً أو كانت مقضيةً، ويدل لذلك حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم )، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا حضرت الصلاة ) يشمل حضور الصلاة في الوقت، ويشمل أيضاً حضور الصلاة خارج الوقت، فحضور الصلاة في الوقت هذا إذا كانت الصلاة مؤداةً، وحضور الصلاة خارج الوقت إذا كانت الصلاة مقضيةً.الشرط الخامس: أن يكونوا جماعةً، والمراد بالجماعة كما سلف أن يكونوا اثنين فأكثر، أما إن كان واحداً فإنه يستحب له أن يؤذن، ولا يجب عليه أن يؤذن.الشرط السادس: أن يكونوا أحراراً، فلو كانوا أرقاء لم يجب عليهم الأذان والإقامة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.والصواب في هذه المسألة أيضاً: أنه لا فرق بين الأحرار والأرقاء لعموم الأدلة، وسبق أن أشرنا إلى قاعدة وهذه القاعدة: أن الأصل في العبادات البدنية المحضة أنه يتساوى فيها الأحرار والأرقاء إلا بدليل. فالصواب: أن الأذان والإقامة كل منهما يجب على الأرقاء كما يجب على الأحرار، وكذلك أيضاً جماعة الصلاة تجب على الأرقاء كما تجب على الأحرار، والجمعة أيضاً، وهذه قاعدة.والشرط الأخير: أن يكون الأذان والإقامة للصلوات الخمس والجمعة، أما ما عدا ذلك فلا يشرع لها أذان ولا إقامة.

    ألفاظ الأذان والإقامة

    قال المؤلف رحمه الله: [والأذان خمس عشرة جملة لا ترجيع فيها، والإقامة إحدى عشرة كلمة].تقدم لنا شروط وجوب الأذان والإقامة، الآن شرع المؤلف رحمه الله في بيان شروط الصحة في الأذان والإقامة:فالشرط الأول من شروط صحة الأذان: أن يأتي بجمل الأذان خمس عشرة جملة، وقول المؤلف رحمه الله: (والأذان خمس عشرة جملة) هذا هو أذان بلال ، وهذا اختيار الإمام أحمد رحمه الله، فإن الإمام أحمد رحمه الله اختار أذان وإقامة بلال كما هو المعمول به الآن، الأذان خمس عشرة جملة، والإقامة إحدى عشرة جملة، فيكبر أربع تكبيرات، ثم يتشهد الشهادتين، ثم يتشهد بالرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم شهادتين، ثم حي على الصلاة مرتين، ثم حي على الفلاح مرتين، ثم يكبر مرتين، ثم يقول: لا إله إلا الله مرةً واحدة. والإقامة معروفة إحدى عشرة جملة، هذا هو أذان بلال ، وهذه أيضاً إقامة بلال ، الإمام أحمد رحمه الله اختار ذلك، وإنما اختار الإمام أحمد أذان بلال وإقامة بلال ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤذن له بلال هكذا في المدينة، في المدينة كان يؤذن له بلال فاختار أذان بلال .الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة ، أبو حنيفة رحمه الله في الأذان اختار أذان بلال ، وفي الإقامة اختار إقامة أبي محذورة ، في الأذان اختار أذان بلال وهو خمس عشرة جملة، وأما في الإقامة فإنه اختار إقامة أبي محذورة ، وإقامة أبي محذورة كأذان بلال إلا أن تضيف على ذلك قد قامت الصلاة مرتين، كم تكون جمل الإقامة؟ سبع عشرة، يعني إقامة أبي محذورة سبع عشرة جملة، هذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله.الرأي الثالث: مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، مذهب الشافعية ذهبوا إلى أذان أبي محذورة ، الشافعي اختار بالنسبة للأذان أذان أبي محذورة ، وأما الإقامة فإنه اختار إقامة بلال . وكيفية أذان أبي محذورة كأذان بلال إلا أن فيه الترجيع، يعني يرجع الشهادتين، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (لا ترجيع فيها).وكيفية الترجيع أن المؤذن يأتي بالشهادتين أولاً بصوت منخفض بحيث يسمع من حوله، ثم يرجع بعد ذلك ويرفع بهما صوته، فإذا أذن: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، يأتي بالشهادتين بصوت منخفض بحيث يسمع من حوله: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يعود مرةً أخرى: أشهد أن لا إله إلا الله يرفع صوته، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، هذا يسمى الترجيع.الإمام أحمد رحمه الله لا يأخذ بالترجيع؛ لأنه اختار أذان بلال ، والشافعي رحمه الله اختار أذان أبي محذورة .وأما الإمام مالك رحمه الله فهو اختار أذان أبي محذورة بتثنية التكبير في أوله، وعلى هذا يكون عنده سبع عشرة جملة، فاختار أذان أبي محذورة بتثنية التكبير في أوله، يعني بدلاً من أن يأتي بأربع تكبيرات يأتي بتكبيرتين، وأيضاً بالنسبة للإقامة اختار الإمام مالك رحمه الله إفراد قد قامت الصلاة، يعني أخذ إقامة بلال إلا أنه يفرد قد قامت الصلاة، وعلى هذا تكون جمل الإقامة عنده عشر. والملخص في هذه المسألة أن نقول: السنة للمؤذن تارةً يؤذن بأذان بلال ويقيم بإقامة بلال ، وتارةً يؤذن بأذان أبي محذورة ويقيم بإقامة أبي محذورة ، فيجمع بين السنة الواردة كلها، كل السنة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام يجمع بينها، تارةً يؤذن بأذان بلال وبإقامة بلال ، وتارةً يؤذن بأذان أبي محذورة وإقامة أبي محذورة ، فتارةً يؤذن بأذان بلال المعروف عندنا، الأذان خمس عشرة جملة، والإقامة إحدى عشرة جملة، وتارةً يؤذن بأذان أبي محذورة كأذان بلال إلا أن فيه الترجيع، يعني يرجع الشهادتين، فيذكر الشهادتين بصوت منخفض ثم بعد ذلك يعود فيرفع صوته بالشهادتين، فتكون عنده الجمل تسع عشرة جملة، هذا بالنسبة للأذان.وأما بالنسبة للإقامة فكأذان بلال ويضيف على ذلك قد قامت الصلاة مرتين، يقيم بإقامة أبي محذورة ، هذا هو السنة، السنة أن الإنسان تارةً يفعل أذان بلال وإقامة بلال ، وتارةً يفعل أذان أبي محذورة وإقامة أبي محذورة ، فيطبق السنة كلها. وقد تقدم أن أشرنا إلى قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهي أن الصفات التي وردت على وجوه متنوعة أنه يشرع للإنسان أن يأتي بهذه الصفة تارة وبتلك الصفة تارةً أخرى؛ لأنه إذا عمل هذا كله يكون عمل بكل السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.المهم يشترط لصحة الأذان أن يأتي بالجمل كاملة، والجمل على المذهب خمس عشرة جملة.قال المؤلف رحمه الله: (لا ترجيع فيها).الترجيع سبق أن عرفناه أن يأتي بالشهادتين بصوت منخفض، ثم يرجع ويأتي بهما بصوت عال مرةً أخرى، يقول: لا ترجيع فيها، وذكرنا أن الصواب أنه يرجع في بعض الأحيان، بعض الأحيان يؤذن بأذان أبي محذورة فيعمل بكل السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.قال: (والإقامة إحدى عشرة كلمةً). وهذه إقامة بلال ، وذكرنا أن إقامة أبي محذورة سبع عشرة، وذكرنا أيضاً أن السنة أن المؤذن تارةً يأتي بأذان بلال وإقامة بلال ، وتارةً يأتي بأذان أبي محذورة وإقامة أبي محذورة .هذا شرط من شروط صحة الأذان والإقامة. وسنرجع لبقية الشروط حين يذكرها المؤلف.

    شروط المؤذن وما يستحب فيه

    قال المؤلف رحمه الله: [وينبغي أن يكون المؤذن أميناً صيتاً عالماً بالأوقات]. ويستحب أن يؤذن قائماً متطهراً ذكر المؤلف رحمه الله سنناً وآداباً للمؤذن، وهذه السنن تنقسم إلى قسمين: منها سنن واجبة، ومنها سنن مستحبة.فنقول: الشروط التي يجب أن تتوافر في المؤذن هي:الشرط الأول: أن يكون مسلماً، فيشترط في المؤذن أن يكون مسلماً.الشرط الثاني: أن يكون مميزاً، يعني إن كان صغيراً لم يبلغ يشترط فيه أن يكون مميزاً.الشرط الثالث: أن يكون عدلاً؛ وعلى هذا لو كان فاسقاً فإنه لا يرتب مؤذناً، لكن لو أن الفاسق أذن في أمر عارض فنقول: بأن أذانه صحيح، لكن الفاسق هذا لا يرتب ويولى في المناصب الدينية سواء كانت إمامة أو أذان أو خطابة أو غير ذلك؛ لأن المناصب الدينية هذه لا بد أن يكون المرتب فيها أهلاً، فهذه ثلاثة شروط. الشرط الرابع: أن يكون عاقلاً، فالمجنون لا يصلح أن يكون مؤذناً. الشرط الخامس: أن يكون ذكراً، فالمرأة لا يصلح أن تكون مؤذنةً.الشرط السادس: أن يكون أميناً، يكون أميناً على الأوقات، ويكون أيضاً أمين على عورات الناس، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] .الشرط السابع: أن يكون عارفاً بأحكام الأذان والإقامة، يعني: يجب أن يكون عارفاً بحكمه، وهذا داخل في القوة؛ فإن الله عز وجل قال: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] ، فيدخل في القوة المعرفة بأحكام الأذان والإقامة.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله في قوله: (وينبغي أن يكون المؤذن أميناً) أن صفة الأمانة سنة وليست واجبة. والصواب: أن الأمانة شرط واجب لا بد أن يتوافر في المؤذن، فإن كان غير أمين على الوقت فلا يجوز أن يولى، أو كان غير أمين على عورات الناس فلا يجوز أن يولى؛ ودليل ذلك كما أسلفنا قول الله عز وجل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] .قال: (صيتاً).هذه الصفة صفة مستحبة، فكلما كان المؤذن أكثر صوتاً فإنه أولى؛ لأن ذلك أبلغ في الإعلام، وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعبد الله بن زيد لما رأى الرؤيا في الأذان: ( ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وإسناده صحيح.قال: (عالماً بالأوقات).وهذه أيضاً صفة مستحبة، يعني يستحب للإمام أن يعرف الأوقات، أن يعرف الزوال، ويعرف الغروب، ويعرف الشروق، وسواء كانت معرفته بالوقت إما بنفسه أو بغيره، إما بنفسه يعني بنفسه يستطيع أن يعرف الزوال والشروق والغروب.. إلى آخره، أو بغيره بحيث إن هناك أحداً يبين له أن الوقت قد دخل. ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا وشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت )، فكونه رجلاً أعمى هذا ما يعرف الوقت بنفسه، لكن يعرفه بغيره، والآن معرفة الأوقات سهلة؛ لأن الناس الآن ما أصبحوا يعتمدون على العلامات الأفقية: الزوال ومغيب الشفق وطلوع الفجر ومصير غروب الشمس والشفق، ما أصبح الناس يعتمدون هذه الأشياء، وإنما أصبح الناس الآن يعتمدون على الحساب في معرفة أوقات الصلوات على هذه التقاويم، وينظرون إلى الآلات إلى الساعات.

    ما يستحب في الأذان

    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب أن يؤذن قائماً].ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام لـبلال : ( قم فأذن )، وهذا في الصحيحين.وأيضاً: إذا أذان المؤذن وهو قائم فإن ذلك أبلغ في الإعلام؛ لأن المقصود في الأذان إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، فإذا كان الإنسان قائماً فإن هذا أبلغ في الإعلان.وعلى هذا لو أذن وهو جالس ما حكم الأذان؟ صحيح؛ لأن هذه الصفة ليست واجبة وإنما هي مستحبة.قال رحمه الله: (متطهراً).ودليل ذلك: حديث المهاجر بن قنفذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر )، وأيضاً في حديث أبي الجهيم بن الصمة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سلم عليه لم يرد النبي عليه الصلاة والسلام السلام حتى أتى الجدار فتيمم على الجدار، ثم رد السلام، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام الحدث، ثم بعد أن رفع النبي عليه الصلاة والسلام الحدث سلم عليه )، فهذا يدل على أنه يستحب للإنسان أن يذكر الله على طهر، والأذان لا شك أنه من ذكر الله عز وجل، وهذه أيضاً صفة مستحبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة : ( كان يذكر الله على كل أحيانه )، فقولها: ( يذكر الله على كل أحيانه ) يدخل في ذلك الذكر وهو على طهارة، والذكر وهو على غير طهارة، فلو أذن المؤذن وهو غير متطهر فإن أذانه صحيح، لكن الأفضل والكمال أن يؤذن وهو متطهر، وحتى لو كان جنباً وأذن فإن أذانه صحيح لكن قال العلماء رحمهم الله: يكره أذان الجنب.قال: [على موضع عال].ويدل لذلك أيضاً ما ثبت في أبي داود : ( أن بلالاً كان يؤذن على سطح امرأة من بني النجار، وكان أعلى بيت قرب المسجد )، فيستحب أن يكون أذان الإنسان على علو، والآن هذه المسألة ذهبت غالباً؛ لأن المؤذنين الآن يؤذنون عن طريق هذه الآلات، وهذه الآلات ترفع الأذان بحيث يسمعها الناس من كل ناحية، لكن كلما كان صوتها أقوى كان أولى؛ لأن المقصود هو إبلاغ الناس بدخول وقت الصلاة.قال: [مستقبل القبلة].يستحب للمؤذن أن يستقبل القبلة، وقد ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله أن استقبال القبلة مستحب بالإجماع، يعني بإجماع المسلمين أنه يستحب للمؤذن أن يؤذن وهو مستقبل القبلة.وأيضاً يدل لذلك قصة عبد الله بن زيد : ( لما رأى الملك في المنام الذي علمه الأذان قال: فقام فاستقبل )، ويدل هذا على مشروعية استقبال القبلة، فنقول: السنة للمؤذن أن يستقبل القبلة، وذكرنا في ذلك دليلين: أما الدليل الأول: فحديث عبد الله بن زيد وفيه ( لما رأى الملك يؤذن قال: قام فاستقبل )، لما علمه الأذان قال: ( قل: الله أكبر ).. إلى آخره.والدليل الثاني: الإجماع، فإن الإجماع منعقد على أن السنة للمؤذن أن يستقبل القبلة.وهذه كلها صفات مستحبة إلا أننا ذكرنا أن الأمانة صفة واجبة، وأيضاً كونه يعلم بالأوقات صفة مستحبة؛ لأننا ذكرنا أنه يكون أميناً على الوقت، وإذا كان أميناً فلا بد أن يكون عالماً بالوقت، لكن كونه يعلم بنفسه هذه صفة مستحبة سواء علم بنفسه أو علم بغيره، والسنة والأفضل أن يكون عالماً بنفسه، لكن لو كان عالماً بغيره فإن هذا جائز ولا بأس به، وذكرنا الدليل على ذلك حديث عبد الله بن أم مكتوم : ( وأنه كان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت ). قال رحمه الله: [فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً].هذه أيضاً من الصفات المسنونة في الأذان، إذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه: ( أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم وأذن بلال ، قال: فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً يقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح )، وهذا الحديث في الصحيح.الشاهد قوله: ( فجعلت أتتبع فاه يميناً وشمالاً يقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح ).فالسنة للمؤذن أن يلتفت في الحيعلتين في حي على الصلاة، وفي حي على الفلاح، وقد ذكر العلماء رحمهم الله لكيفية الالتفات ثلاث صفات: الصفة الأولى: أن يلتفت يميناً بحي على الصلاة، ويلتفت شمالاً بحي على الفلاح، فبحي على الصلاة يلتفت يميناً, حي على الصلاة حي على الصلاة، وحي على الفلاح حي على الفلاح شمالاً، هذه الصفة الأولى.الصفة الثانية: أن يلتفت يميناً بحي على الصلاة، ثم يلتفت شمالاً بحي على الصلاة، وأيضاً حي على الفلاح يلتفت الأولى يميناً والثانية شمالاً فيقول: حي على الفلاح ويلتفت يميناً، ثمحي على الفلاح ويلتفت شمالاً، ثم هذه الصفة الثانية.الصفة الثالثة: أن يلتفت بحي على الصلاة الأولى ولا يعود، ثم يكمل الثانية، يعني يقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، ثم يعود ويقول: حي على الفلاح، حي على الفلاح، هذه الصفة الثالثة. فهذه ثلاث صفات لقول أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه: ( فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح )، فهذه ثلاث صفات.والآن المؤذن يؤذن عن طريق الآلات فهل يشرع له أن يلتفت أو لا يشرع له أن يلتفت؟ هل نقول للمؤذن: يشرع لك الالتفات أو نقول: لا يشرع لك الالتفات؟ نقول: فيه تفصيل، فإذا كان التفاته هذا سيؤدي إلى خفض الصوت فإنه لا يلتفت، وإن كان التفاته لا يؤدي إلى خفض الصوت فنقول: الأصل بقاء المشروعية، يعني هذه الآلات إذا كان التفات الإنسان عنها سيؤدي إلى خفض الصوت لكونها مثلاً في مكان واحد فلا يلتفت، وإذا كان التفاته لا يؤدي إلى خفض الصوت فنقول: الأصل بقاء المشروعية.قال المؤلف رحمه الله: [ولا يزيل قدميه].معنى ذلك أن تكون قدماه تجاه القبلة، وإنما ينحرف فقط برأسه أما بالنسبة لقدميه فإنها تكون تجاه القبلة.قال المؤلف رحمه الله: [ويجعل إصبعيه في أذنيه].جعل الإصبعين في الأذنين هذا دل له حديث أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم، وجعل الإصبعين في الأذنين سنة إن ثبت الحديث؛ لأن كثيراً من أهل العلم يضعف الحديث الوارد في ذلك، وبعض أهل العلم يحسنه، أخرجه الإمام أحمد والترمذي والحاكم ، وصححه الحاكم ، وكثير من أهل العلم يضعفون ذلك. وعلى هذا: إذا لم يثبت الحديث فنقول: بأنه لا يشرع أن يضع إصبعيه في أذنيه, وإن ثبت الحديث كما صححه الحاكم وحسنه بعض أهل العلم فنقول: بأنه يشرع، وقد ذكر العلماء -بناءً على ثبوت الحديث- لكيفية وضع الإصبعين في الأذنين ثلاث صفات: الصفة الأولى: أن يضع يديه على أذنيه.والصفة الثانية: أن يضم أصابعه إلى راحتيه، ويضع يديه على أذنيه.والصفة الثالثة: أن يدخل السبابتين في أذنيه وفي صماخ أذنيه ويؤذن.فهذه ثلاث صفات ذكرها أهل العلم رحمهم الله، وهذا إذا ثبت الحديث، فإن لم يثبت الحديث فإنه لا يشرع أن يضع إصبعيه في أذنيه.قال المؤلف رحمه الله: [ويترسل في الأذان، ويحدر الإقامة].ودليل ذلك ما رواه أبو داود من حديث جابر أن المؤلف رحمه الله النبي عليه الصلاة والسلام قال لـبلال : ( إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر ).ففي هذا الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بلالاً أن يترسل في الأذان، وأن يحدر الإقامة، لكن هذا الحديث حديث جابر أخرجه الترمذي والبيهقي والحاكم وهو ضعيف لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام.لكن عندنا دليل آخر غير هذا الدليل يدل على أن المشروع في الأذان الترسل وعدم الإسراع، والدليل على أن الأذان يشرع فيه رفع الصوت ما تقدم لنا من قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن زيد : ( ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً )، يشرع رفع الصوت، وإذا أراد أن يرفع الصوت هل سيترسل أو يسرع؟ يترسل، وأيضاً الأذان إعلام للغائبين، فإذا كان كذلك يشرع فيه أن يتمهل. بالنسبة للإقامة إعلام الحاضرين، ولا يشرع فيها رفع الصوت كما يشرع في الأذان، وإذا كان كذلك فإنه يحدرها أي: يسرع فيها.

    التثويب في أذان الفجر

    قال: [ويقول في أذان الصبح بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم].هذا أيضاً سنة، يستحب في أذان الصبح أن يقول: الصلاة خير من النوم، ودليل ذلك حديث أبي محذورة أنه قال: ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الأذان، إلى أن ذكر حي على الفلاح قال: فإذا كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم مرتين )، وهذا الحديث أخرجه النسائي وغيره، وهذا يسمى عند العلماء رحمهم الله بالتثويب، التثويب يطلقه العلماء رحمهم الله على ثلاثة أشياء: الشيء الأول: الإقامة، فالإقامة يسميها العلماء رحمهم الله تثويباً، الإقامة تسمى تثويباً. والثاني: قول: الصلاة خير من النوم، أيضاً هذا يسمى تثويباً عند العلماء، يعني في أذان الفجر تقول: الصلاة خير من النوم، هذا أيضاً يسمى تثويباً، وهذان القسمان مشروعان.أيضاً من أقسام التثويب: أن المؤذن إذا انتهى من الأذان يرجع مرةً أخرى ويقول: حي على الصلاة حي على الفلاح.. إلى آخره، وهذا كان موجوداً في السابق، أما الآن ليس موجوداً، وهذا أيضاً يسمى تثويباً لكنه بدعة، هذا بدعة، فأصبح عندنا التثويب المشروع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يراد به الإقامة.والقسم الثاني: أن المراد به أن يقول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين.واختلف أهل العلم رحمهم الله في التثويب -يعني في قول: الصلاة خير من النوم- هل يقال في الأذان الأول أو يقال في الأذان الثاني؟ فأكثر أهل العلم رحمهم الله على أنه يقال في الأذان الثاني، يعني أن التثويب بقول: الصلاة خير من النوم يقال في الأذان الثاني، هذا ما عليه أكثر أهل العلم، واستدلوا على ذلك بحديث نعيم بن النحام ، وأيضاً حديث أنس .والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله, وأنه يقال في الأذان الأول، واستدل الحنفية على ذلك بحديث ابن عمر : ( كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم ). فعندنا رأيان في هذه المسألة هل التثويب يعني قول: الصلاة خير من النوم يقال في الأذان الأول أو في الأذان الثاني؟أكثر أهل العلم على أنه يكون في الأذان الثاني، وقلنا: بأن دليلهم على ذلك حديث نعيم وحديث أنس. والرأي الثاني: أنه يقال في الأذان الأول، ودليلهم على ذلك ما في البيهقي من حديث ابن عمر قال: ( كان يقال في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم ).والصواب في هذه المسألة ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، وأن التثويب بقول الصلاة خير من النوم إنما يكون في الأذان الثاني.وأما ما ورد في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم ) أن المراد بالأذان الأول هنا هو الأذان الثاني، لكن سمي بالأذان الأول نظراً للإقامة، فإن الإقامة تسمى أذاناً؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( بين كل أذانين صلاة ).

    شروط الأذان

    الأذان يشترط له شروط: الشرط الأول: أن يأتي بالجمل الشرعية، وقد سبق أن بينا هذه الجمل، وأنها في أذان بلال خمس عشرة وإحدى عشرة، خمس عشرة للأذان وإحدى عشرة للإقامة، وفي أذان أبي محذورة تسع عشرة وسبع عشرة، هذا الشرط الأول.الشرط الثاني: أن يكون الأذان بعد الوقت، وعلى هذا لو أذن قبل الوقت فإنه لا يصح أذانه، وتقدم لنا الدليل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت )، فكونه لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت دليل على أنه إنما يؤذن بعد الوقت.اعلم أن الأذان ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون عاماً، فهذا يكون في أول الوقت؛ لأن تأخيره عن أول الوقت يلبس على الناس وعلى أهل البيوت من النساء والمرضى وعلى من أراد الصيام.. إلى آخره، ولهذا كان مؤذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنون في أول الوقت، تقدم ( أن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه كان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت ) يعني: دخلت في الصباح.والقسم الثاني: أن يكون الأذان خاصاً، بمعنى: أن يكون الأذان لجماعة خاصة ليس عاماً، كما لو خرج أناس في نزهة، أو خرجوا في سفر، أو مثلاً كانوا في محل المهم أنه خاص بهم، فهذا الأذان يكون تابعاً للصلاة، فإذا شرع تأخير الصلاة فإنه يشرع تأخير الأذان، وسيأتينا إن شاء الله في الدرس القادم أنه يشرع تأخير الصلاة في حالتين: الحالة الأولى: الظهر في شدة الحر يشرع تأخيرها حتى يبرد الوقت.والحالة الثانية: العشاء الآخرة يشرع تأخيرها.فإذا شرع لهم أن يؤخروا الصلاة أيضاً نقول: أخروا الأذان تبعاً للصلاة؛ ويدل لذلك حديث أبي ذر : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه المؤذن فقال: أبرد. فجاءه فقال: أبرد. فجاءه فقال: أبرد ). أمره بالإبراد، قال: ( حتى رأينا فيء التلول ) وعلى هذا يكون الأذان ينقسم إلى هذين القسمين.الشرط الثالث: الترتيب، فلا بد أن يأتي بجمل الأذان مرتبة كما ورد في السنة، وقد سبق أن أشرنا إلى قاعدة: أن كل عبادة مركبة من أجزاء فإنه لا بد فيها من أمرين:الأمر الأول: الترتيب بين هذه الأجزاء.والأمر الثاني: الموالاة، وإلا لم تكن كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد من الترتيب يعني يبدأ بالتكبيرات، ثم بالشهادتين، ثم بالشهادة للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة، ثم بالحيعلتين.. إلى آخره، وأيضاً لا بد من الموالاة، فلا يفصل بين التكبيرات بفاصل طويل عرفاً من كلام أو سكوت، أو بفاصل محرم من كلام أو فعل ونحو ذلك، هذا هو الشرط الرابع الموالاة.الشرط الخامس: أن يكون كل من الأذان والإقامة من واحد، وعلى هذا لو أذن شخص وكمله آخر فلا يصح، وكذلك أيضاً الإقامة لو أقام شخص وكمله آخر أو شرع في الإقامة ثم كمله آخر فإن هذا لا يصح.الشرط السادس: النية؛ لأن الإنسان قد يذكر هذه الألفاظ يقصد بها الأذان أو الإقامة, وقد يذكرها لا لقصد الأذان والإقامة.الشرط الأخير: ألا يلحن في الأذان، واللحن في الأذان ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون اللحن يحيل المعنى، فهذا لا يصح أبداً، يعني إذا كان لحناً يحيل المعنى فإنه لا يصح الأذان، لو قال مثلاً: آلله أكبر، أو قال: الله أكبار، ونحو ذلك من الألفاظ. القسم الثاني: ألا يكون اللحن يحيل المعنى وفي هذه الحالة يصح الأذان لكن مع الكراهة.

    حكم الأذان الأول للفجر

    حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) هذا فيه دليل على مشروعية ما يسمى بالأذان الأول. لكن اختلف أهل العلم رحمهم الله في الأذان الأول هذا، هل هو مشروع في رمضان خاصة، أو أنه مشروع طول العام؟على رأيين: فقال بعض أهل العلم بأنه مشروع في رمضان خاصة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ).والرأي الثاني: أنه مشروع طول العام، وهذا القول هو الأقرب؛ لأن الصيام هذا ليس خاصاً في رمضان، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في بيان الحكمة: ( إن بلالاً يؤذن بليل، ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم )، وهذا في كل العام، النائم الذي لم يوتر يوقظه أذان بلال لكي يوتر، والقائم الذي يصلي يرجعه أذان بلال عن صلاته لكي يتسحر إن أراد الصيام، هذه هي الحكمة. فالصواب في ذلك أن نقول: إن الأذان الأول مشروع طول العام؛ لأن الحكمة التي من أجلها أو العلة التي من أجلها شرع الأذان في رمضان هي موجودة أيضاً في سائر العام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم )، وهذا متحقق في كل العام.

    وقت الأذان الأول للفجر

    اختلف أهل العلم رحمهم الله في تحديد وقت الأذان الأول للفجر، والصواب في ذلك أن يكون بين الأذان الأول وبين طلوع الفجر ما تتحقق به الحكمة التي من أجلها شرع هذا الأذان وهو مقدار ما يتسحر الصائم، ويوتر النائم، فيكون بينهما مثلاً ما يقارب نصف ساعة أو قريب من هذا، أما كونه يؤذن قبل ذلك بساعتين أو ثلاث ساعات أو ساعة أو ساعة ونصف هذا كله خلاف السنة، وكله أيضاً لا تتحقق به الحكمة من المشروعية، تجد أن بعض المؤذنين يؤذن قبل طلوع الفجر بساعتين، أو قبل طلوع الفجر بساعة ونصف، هنا ما تحققت الحكمة التي من أجلها شرع هذا الأذان، هذا الأذان شرع لحكمة ( ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم )، فيكون في وقت تتحقق فيه هذه الحكمة. وعلى هذا إذا أذن قبل طلوع الفجر بنصف ساعة مثلاً بثلثي ساعة هنا تتحقق الحكمة، أما كونه يؤذن قبل الفجر بساعتين أو بساعة ونصف ونحو ذلك نقول هنا: لا تتحقق الحكمة التي من أجلها شرع هذا الأذان.

    فضل إجابة المؤذن وحكمها

    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما قال لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول )].يستحب للإنسان أن يجيب المؤذن، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيمن أجاب المؤذن مخلصاً من قلبه: ( دخل الجنة )، فإجابة المؤذن هذه سبب من أسباب دخول الجنة، ففيها فضل عظيم، فينبغي للإنسان أن يحرص على ذلك.واختلف أهل العلم رحمهم الله في إجابة المؤذن هل هي على سبيل الوجوب، أو على سبيل السنية؟على رأيين: أكثر أهل العلم وهم الجمهور رحمهم الله: أن إجابة المؤذن سنة وليست واجبة.وعند أبي حنيفة ومذهب الظاهرية أن إجابة المؤذن واجبة. ولكل منهما دليل: أما الذين قالوا: بأنها واجبة فاستدلوا بظاهر الأمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد قال: ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول أو كما يقول )، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وهذا الحديث في الصحيحين.وعند جمهور أهل العلم: أن إجابة المؤذن ليست واجبةً لما في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إن لم يسمع أذاناً أغار، وإن سمع أذاناً أمسك، وإنه سمع مرةً مؤذناً يؤذن فقال: الله أكبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على الفطرة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: خرج من النار ).فهنا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أجاب هذا المؤذن، وإنما لما قال: ( الله أكبر، قال: على الفطرة )، ولما قال: ( لا إله إلا الله، قال: خرج من النار ).وأيضاً يدل لعدم الوجوب حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم )، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم إجابة الأذان، ولم يأمر بها. فالصواب في ذلك أن إجابة الأذان سنة، لكن لا ينبغي للإنسان أن يتركها، وينبغي للمسلم إذا سمع الأذان أن يعرض عن الحاجة التي معه حتى يفرغ المؤذن؛ لأن أذانه كما ثبت في صحيح مسلم سبب لدخول الجنة، النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمر قال: ( إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر.. ) إلى آخره، ثم قال عليه الصلاة والسلام في نهاية الحديث: ( دخل الجنة ).

    أحكام سماع الأذان

    فينبغي للمسلم أن يحافظ على هذه السنية؛ لأنه من أسباب دخول الجنة.إذا سمع بعض الأذان ولم يسمع البعض الآخر فنقول: يجيب ما سمع، فمثلاً لو كان الإنسان نائماً ثم استيقظ والمؤذن يؤذن فنقول: يجيب ما سمع لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول )، وكذلك أيضاً لو كان يسير في مركوبه ثم بعد ذلك أتى على مؤذن يؤذن فنقول: بأنه يجيب ما سمع، أما ما لم يسمع فإنه فاته.كذلك أيضاً: إذا أجاب المؤذن ثم سمع مؤذناً آخر هل يجيبه أو لا يجيبه؟قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يجيب مؤذناً ثانياً وثالثاً.. إلى آخره؛ لأن هذا ذكر، فعلى هذا إذا سمع مؤذناً ثم سمع مؤذناً ثانياً يجيب الثاني ويجيب الثالث.. إلى آخره؛ لأن هذا ذكر ومن أسباب دخول الجنة. إذا صلى الإنسان ثم بعد ذلك سمع مؤذناً مثلاً لو كان الإنسان يباح له أو يشرع له الجمع فجمع مثلاً الظهر والعصر جمع تقديم، ثم سمع الأذان لصلاة العصر، هو الآن لن يصلي الآن، هل يجيب أو لا يجيب؟ نقول: عموم الحديث يدل على أنه يجيب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول ).أيضاً مسألة أخرى: إذا سمع النداء عن طريق المذياع هل يجيبه أو لا يجيبه؟نقول: هذا فيه تفصيل: إن كان ينقل حياً مباشرةً فإنه يجيبه، وأما إن كان هذا الأذان الذي أذيع في هذا المذياع إنما هو تسجيل فإنه لا يجيبه.أيضاً: إذا سمع النداء وهو في الصلاة هل يجيب أو لا يجيب؟نقول: لا يجيب، خلافاً لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: يجيب المؤذن حتى ولو كان في الصلاة.والصواب: أنه لا يجيب المؤذن حال الصلاة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن في الصلاة لشغلاً )، ولا شك أن الإنسان إذا كان يصلي فإنه مشغول بصلاته بالتكبير في الصلاة والتسبيح والذكر.. إلى آخره، فنقول: بأنه لا يشرع له أن يجيب المؤذن في الصلاة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن في الصلاة لشغلاً ).وكذلك أيضاً: لو سمع المؤذن وهو في بيت الخلاء يقضي حاجته فإنه لا يجيب حتى يخرج من بيت الخلاء.أما لو سمعه وهو يتوضأ خارج بيت الخلاء فإنه يجيب لعموم الحديث.بالنسبة لكيفية الإجابة بينها حديث عمر في صحيح مسلم تقول مثل المؤذن تماماً إلا في الحيعلة، يعني إذا قال المؤذن: الله أكبر، تقول: الله أكبر، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله تقول: أشهد أن لا إله إلا الله. في الحيعلة إذا قال: حي على الصلاة تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.في التثويب في أذان الفجر إذا قال: الصلاة خير من النوم ماذا تقول؟ اختلف أهل العلم رحمهم الله في ذلك على رأيين: الرأي الأول: أنك تقول: الصلاة خير من النوم كما يقول المؤذن؛ لعموم حديث أبي سعيد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم قال: ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول )، وعلى هذا إذا قال في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم تقول: الصلاة خير من النوم، وهذا القول هو الصواب، خلافاً لما ذكره بعض أهل العلم من أنه إذا قال: الصلاة خير من النوم تقول: صدقت وبررت، وبالحق نطقت.. إلى آخره، هذا ليس عليه دليل. فالصواب في هذه المسألة: أن المؤذن إذا قال: الصلاة خير من النوم فإنك تقول مثله تماماً: الصلاة خير من النوم.بقينا في الإقامة إذا أقام المقيم هل تجيب المقيم أو لا تجيب المقيم؟ ورد حديث في سنن أبي داود في إجابة المقيم، وهذا الحديث ضعيف، لو ثبت لكان فاصلاً في النزاع بين أهل العلم رحمهم الله، لكن هذا الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا نقول: الأمر واسع؛ لأن بعض أهل العلم قال: يسن أن يجاب المقيم؛ لأن الإقامة نداء، وتقدم لنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( بين كل أذانين صلاة )، فدل ذلك على أن الإقامة أذان، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ).وبعض أهل العلم قال: بأنه لا يجيب؛ لأن المقصود بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا سمعتم النداء ) النداء المعهود الذي هو الأذان، والحديث الوارد في ذلك كما تقدم لنا ضعيف، الحديث في أبي داود الذي هو نص في إجابة المقيم. وعلى هذا نقول: الأمر في ذلك واسع، فلو أن أحداً أجاب المقيم فلا بأس ما ينكر عليه، ولو أنه ترك الإجابة على أن المراد بقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد وحديث عبد الله بن عمرو : ( إذا سمعتم النداء ) المراد به الأذان المعروف، وأن الإقامة لا يجاب المقيم فيها، نقول: الأمر في ذلك واسع.
    الأسئلة

    حكم الأذان بأذان أبي محذورة عند من لا يعرفونه

    السؤال: إذا أذن المؤذن بأذان أبي محذورة ألا يخشى أن يلبس على العامة؛ لأن المعروف أذان بلال ؟ الجواب: صحيح قد يكون هناك تلبيس في أول الأمر، لكن إذا بين الإنسان للناس أن هذا سنة، وأنه وارد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه يشرع للإنسان أن يعمل بالسنة كلها، فإن هذا المحذور يزول، والناس قد يشكل عليهم في أول الأمر، لكن إذا اعتادوا على الشيء وألفوه فإنه لا يشكل عليهم، فإذا أظهرت هذه السنة كان هذا أحسن، كوننا نطبق كل ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام هذا أحسن؛ لأنه من حفظ العلم؛ ولما في ذلك من العمل بالسنة كلها؛ ولما في ذلك أيضاً من حضور القلب.. إلى آخره.

    حكم قول: حي على خير العمل في الأذان وحكم الأذان الأول للجمعة

    السؤال: هل ورد من جمل الأذان حي على خير العمل؟ وهل الأذان الأول للجمعة سنة أم لا؟الجواب: حي على خير العمل لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما بالنسبة للأذان الأول لصلاة الجمعة فنقول: بأنه سنة، وعثمان رضي الله تعالى عنه لما كثر الناس سن هذا الأذان، وعثمان رضي الله تعالى عنه له سنة متبعة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ ).وأيضاً يدل على مشروعية الأذان الأول للجمعة ما تقدم لنا من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم )، فالأذان الأول في الليل شرع لحاجة، كذلك أيضاً الأذان الأول للجمعة شرع لحاجة لكي يتأهب الناس للصلاة، للغسل، والسواك، والطيب، ولبس أحسن الثياب.. إلى آخره.
    حكم قول: إنك لا تخلف الميعاد وقول: أقامها الله وأدامها
    السؤال: هل قول: إنك لا تخلف الميعاد سنة أم بدعة؟ وما حكم قول: أقامها الله وأدامها؟ الجواب: قول: إنك لا تخلف الميعاد عندما يجيب المؤذن هل هي ثابتة أو ليست ثابتة؟هذه وردت في سنن البيهقي لكنها شاذة، لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا إذا كانت غير ثابتة فإن الإنسان لا يأتي بها.وأيضاً ما حكم قول: أقامها الله وأدامها؟ هذا أشرنا إليه في الحديث أن إجابة المقيم ورد فيه أحاديث في أبي داود : ( أنه لما قال: الله أكبر، قال: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ثم لما قال: قد قامت الصلاة قال: أقامها الله وأدامها )، وهذا الحديث غير ثابت ضعيف لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا لا يشرع للإنسان إذا سمع المقيم يقول: قد قامت الصلاة أن يقول: أقامها الله وأدامها؛ لأن الوارد في ذلك ضعيف، مع أن الوارد في ذلك هو إجابة كل جمل الإقامة، وليس إجابة جملة قد قامت الصلاة فقط، بل إجابة كل جمل الإقامة.
    حكم الأذان على الراحلة
    السؤال: هل يشرع الأذان على الراحلة؟الجواب: لا بأس؛ لأن السنة أن يكون الأذان على علو سواء كان على الراحلة أو غيرها.
    وقت السنن الرواتب إذا أخر الأذان
    السؤال: متى يصلي المسلم السنن الرواتب إذا كان الأذان خاصاً وكانت صلاة الظهر على سبيل المثال؟ الجواب: يصلي السنن الرواتب بعد دخول الوقت، يعني ليس بشرط أن يكون بعد الأذان إذا كان الأذان خاصاً وليس أذاناً عاماً، فإنه إذا زالت الشمس ودخل الوقت وكانت السنة قبلية فإنه يصلي السنن الرواتب، ولا يتقيد ذلك بالأذان؛ لأن وقت هذه السنن الرواتب وقت الفريضة، فإذا كانت هذه السنن الرواتب وقتها وقت الفريضة، فإذا كانت قبليةً فوقتها من دخول الوقت إلى إقامة الصلاة، وإن كانت السنة بعدية فوقتها من بعد الفراغ من الصلاة إلى خروج الوقت.
    حكم الوضوء من أكل كبد الإبل
    السؤال: هل يتوضأ من كبد الإبل إلى آخره؟ الجواب: سبق لنا أن تكلمنا على هذه المسألة، وهل بقية أجزاء الإبل من الكبد والقلب والكلية والمصران إلى آخره يتوضأ منها أو لا يتوضأ منها؟وذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله في ذلك، وأن مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه لا يتوضأ من هذه الأشياء، والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله واختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله أنه يشرع الوضوء من هذه الأشياء، وقلنا: بأن هذا هو الأقرب والأحوط أن الإنسان إذا أكل هذه الأشياء أنه يشرع أن يتوضأ منها.
    نسيان قول: الصلاة خير من النوم في أذان الفجر أو جملة من الأذان
    السؤال: إذا نسيت قول: الصلاة خير من النوم في أذن صلاة الفجر هل أعيد الأذان أم لا؟ وإذا نقصت مثلاً حي على الصلاة هل أعيد أو لا؟الجواب: إذا نسيت قول: الصلاة خير من النوم فالأذان صحيح ولا بأس به؛ لأننا ذكرنا أن التثويب يعني قول: الصلاة خير من النوم في صلاة الفجر سنة وليس واجباً، فهذا التثويب سنة، فإذا نقص هذه السنة فإنه لا شيء عليه، وأما إذا نقص حي على الصلاة فقد نقص جملة من جمل الأذان، وذكرنا أن من شروط صحة الأذان أن يأتي بالجمل المشروعة كلها، وعلى هذا إذا نقصت حي على الصلاة فإن كان الفصل ما طال تأتي بها وبما بعدها، وإن طال الفصل فإنك تعيد.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [3]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (12)

    للصلاة جملة شروط يجب توفرها لصحتها، منها: الطهارة من الحدث ودخول الوقت، فلكل صلاة وقت محدد له أول وآخر، وعلى المسلم معرفة أوقات الصلوات، ومن الشروط ستر العورة سواء للرجل أو للمرأة.

    ما يشرع بعد إجابة المؤذن

    تقدم لنا في الدرس السابق شيء من مباحث الأذان والإقامة، وذكرنا تعريف كل منهما, وحكم كل منهما، وشروط الوجوب، وكذلك أيضاً شروط الصحة، وذكرنا أن الأذان والإقامة ورد لكل منهما كيفيتان:الكيفية الأولى: أذان بلال , وهو خمس عشرة جملة، وإقامة بلال , وهي إحدى عشرة جملة.والكيفية الثانية: أذان أبي محذورة , وهو تسع عشرة جملة، وإقامته, وهي سبع عشرة جملة.وأيضاً ذكرنا الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المؤذن والمقيم, وتكلمنا أيضاً فيما يتعلق بالتثويب، فذكرنا أن العلماء رحمهم الله يطلقون التثويب على ثلاثة معان، وأيضاً تكلمنا عن حكم إجابة المؤذن، وذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله: هل إجابة المؤذن على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب ذكرنا في ذلك رأيين.وانتهى بنا الكلام إلى أن الراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله: أن إجابة المؤذن مستحبة وليست واجبة.وذكرنا أيضاً بعض أحكام إجابة المؤذن.بقينا في مسألة أخيرة قبل أن ننتهي من باب الأذان والإقامة ونشرع في باب شروط الصلاة، وهذه المسألة هي: الأذكار الواردة بعد إجابة المؤذن، فتقدم لنا حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، ثم قال: الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، إلى أن قال النبي عليه الصلاة والسلام: مخلصاً من قلبه دخل الجنة ). فلا شك أن هذا فضل عظيم وأجر كبير أن الإنسان يصبر نفسه لإجابة المؤذن؛ لأن إجابة المؤذن هذا من أسباب دخول الجنة، وإذا ذكر الذكر الوارد بعد ذلك فإنه من أسباب نيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فإذا أجبت المؤذن كما تقدم يشرع للإنسان أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، كما ورد ذلك في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما, فتقول: اللهم صل على محمد، ثم بعد الصلاة عليه الصلاة والسلام تقول: ( اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الفضيلة والوسيلة، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته )، هذان ذكران.وورد أيضاً في صحيح مسلم : ( رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً ونبياً ).واختلف أهل العلم رحمهم الله في محل هذا الذكر، فقال بعض أهل العلم: محله بعد الشهادتين، يعني: إذا أجبت المؤذن فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، ثم قلت: أشهد أن محمداً رسول الله مرتين تقول: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً ونبياً.وبعض أهل العلم جعله في آخر الأذان، وظاهر ما في صحيح مسلم أنه عند إجابة المؤذن بالشهادتين، فإذا تشهد الإنسان الشهادتين يقول: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً ونبياً.هذا بالنسبة لما يتعلق بأذكار الأذان.وأما قول: إنك لا تخلف الميعاد في آخر الأذان أو في آخر هذا الذكر فهذا أشرنا إليه في الدرس السابق، وأن هذه اللفظة في البيهقي وغيره، وأنها لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.وأيضاً قول: الدرجة العالية الرفيعة يزيدها بعض الناس, أيضاً هذه مدرجة, ولا تثبت أيضاً في الحديث.فالإنسان يذكر ما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة، وقول: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً ونبياً.

    شروط الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب شروط الصلاة ].الشروط جمع شرط، والشرط في اللغة: العلامة، ومن ذلك: الشرط، سموا بذلك لأن لهم علامة تميزهم عن غيرهم, وهي لباسهم.فالشرط في اللغة: العلامة، ومن ذلك قول الله عز وجل: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18] أي: علاماتها.وأما في الاصطلاح فهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فيلزم من عدم شرط الصلاة عدم الصحة، ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فيلزم من عدم الشرط عدم الصحة، فإذا لم يتوضأ الإنسان فإن صحة الصلاة تكون معدومة، ما يلزم من عدمه العدم، إذا لم يدخل الوقت تكون الصحة معدومة.ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، يعني: لا يلزم من وجود الشرط أن توجد الصحة، فقد يوجد شرط الصلاة لكن لا توجد الصحة, إما لتخلف شرط آخر، أو لوجود مانع، فقد يتوضأ الإنسان لكن لا تصح صلاته لكونه صلى قبل الوقت، تخلف الآن شرط، أو لوجود مانع, فقد يتوضأ ويصلي في الوقت ويستر عورته.. إلى آخره، يأتي بشروط الصلاة لكن لا تصح صلاته؛ لوجود مانع, مثلاً أن يحدث في صلاته، أو يأتي بما يبطل صلاته.. إلى آخره. ‏

    الشرط الأول: الطهارة من الحدث

    قال المؤلف رحمه الله: [ وهي ستة: أحدها: الطهارة من الحدث؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ ) ].المؤلف رحمه الله ذكر أنها ستة، وبعض أهل العلم جعلها تسعة, فالعلماء يختلفون في تعداد هذه الشروط؛ بناء على ما يظهر لهم من الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.فيقول المؤلف رحمه الله: (أحدها: الطهارة من الحدث).الطهارة من الحدث هذا شرط من شروط صحة الصلاة، فلا تصح الصلاة حتى يرفع المصلي حدثه.وتقدم لنا ما يتعلق بالطهارة من الحدث في كتاب الطهارة، فقد سبق لنا ما يتعلق بالحدث الأصغر، ونواقض الطهارة، والحدث الأكبر، وموجبات الغسل، وما ينوب عن الماء.. إلى آخره، هذا تقدم الكلام عليه.المهم أنه يشترط لصحة الصلاة أن يرفع الحدث، ودليل ذلك: حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ ) وهذا في الصحيحين.

    الشرط الثاني: دخول الوقت

    قال المؤلف رحمه الله: [الشرط الثاني: الوقت]. هذا الشرط الثاني من شروط صحة الصلاة: الوقت، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103].وقوله سبحانه وتعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]. فقال الله عز وجل: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78]. دلوك الشمس: زوال الشمس, وذلك في نصف النهار، إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78] غسق الليل: شدة ظلمته, وذلك عند انتصافه، فما بين نصف النهار إلى نصف الليل أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم بعد ذلك صلاة الفجر منفردة عن بقية الصلوات، ولهذا أفردها الله عز وجل بالذكر فقال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، فما بين نصف الليل إلى صلاة الفجر هذا ليس وقتاً لشيء من صلوات الفرائض، وما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار ليس وقتاً لأداء شيء من الفرائض.وأما بالنسبة للدليل من السنة على هذا الشرط فالأدلة كثيرة كما سيأتينا إن شاء الله في حديث عبد الله بن عمرو .. حديث بريدة .. حديث أبي موسى .. حديث إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم, روى ذلك الحديث ابن عباس وجابر وغيرهم، وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة ، فالأحاديث كثيرة جداً في المواقيت كما سيأتي بيانها إن شاء الله.

    وقت الظهر

    قال المؤلف رحمه الله: [ ووقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال].هذا وقت صلاة الظهر، وقت صلاة الظهر يبدأ من بعد زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، ذلك أن الشمس إذا خرجت من المشرق يكون لكل شاخص -يعني: لكل شيء مرتفع- ظل من جهة المغرب، ولا تزال الشمس تسير من المشرق إلى المغرب، ولا يزال هذا الظل ينقص، فإذا تناهى نقصانه تضع في ذلك علامة، ثم بعد ذلك إذا زاد أدنى زيادة تعرف أن الشمس قد زالت.فإذا زالت الشمس دخل وقت الظهر وخرج وقت النهي، ويستمر وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، يعني: الشيء الشاخص هذا لا بد أن يصير ظله مثل طوله، فإذا كان هذا الشاخص طوله متر يكون طول الظل متراً, لكن ما نحسب فيء الزوال, الفيء: الظل الذي زالت عليه الشمس، ذلك أن الشمس إذا زالت يعني: تحركت إلى جهة المغرب يكون لكل شاخص فيء, تحته ظل يسير، تضع علامة على هذا الظل اليسير, ثم تحسب من هذه العلامة إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، فإذا فرضنا أن هذا الشاخص طوله متر أو طوله متران فأنت تحسب من هذه العلامة متر، وأما فيء الزوال فهذا لا يحسب، فإذا كان هذا الظل طوله متراً فاعلم أن وقت الظهر الآن قد خرج ودخل وقت العصر، ولا فاصل بينهما كما سيأتي إن شاء الله.فنفهم أن وقت صلاة الظهر يبدأ من حين زوال الشمس، وبينا أن الشمس إذا كانت تسير من المشرق إلى المغرب فإن كل شاخص يعني: كل شيء مرتفع يكون له ظل من جهة المغرب، ولا يزال هذا الظل يقصر حتى أن الشمس تنتقل إلى جهة المغرب، فإذا انتقلت إلى جهة المغرب وزاد هذا الظل أدنى زيادة، يعني: إذا زالت الشمس إلى جهة المغرب يكون لكل شاخص ظل يسير تحته, هذا يسمى فيء الزوال، تضع عليه علامة، فإذا كان الظل ظل هذا الشاخص المرتفع طوله طول هذا الشاخص المرتفع من حين العلامة ما تحسب الزوال فاعلم أن الشمس قد زالت, وأن وقت الظهر قد دخل، ويستمر وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال.ويدل على أن وقت الظهر يبدأ بزوال الشمس كما تقدم قول الله عز وجل: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78]، ودلوك الشمس هو زوالها.وأيضاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر ).وأيضاً يدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم وفي إمامة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه صلى به الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس.قال: (من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله). وهذا دليله كما تقدم لنا حديث عبد الله بن عمرو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( وقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر ) أخرجه مسلم .وقوله: (إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال) هذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله.عند أبي حنيفة رحمه الله أن وقت الظهر يستمر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، مثلاً إذا فرضنا أن هذا الشاخص طوله متر فعند أبي حنيفة ما يخرج وقت الظهر حتى يكون طول الظل مترين، أما عند أكثر أهل العلم فإنه يخرج إذا صار طوله متراً واحداً.عند أبي حنيفة لا يخرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، والصواب في ذلك: ما دل له حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه, فإنه صريح ( وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر ).

    وقت العصر

    قال المؤلف رحمه الله: [ ووقت العصر - وهي الوسطى- من آخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس ].بدء وقت العصر من خروج وقت الظهر، هذا هو الصواب، وهو الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله، ولا فاصل بين وقت الظهر ووقت العصر، وليس أيضاً بينهما وقت مشترك.فالصواب: أنه إذا خرج وقت الظهر دخل وقت العصر، وقلنا: بأن وقت الظهر يخرج إذا صار ظل كل شيء مثله, سوى فيء الزوال، فإذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.ويدل لذلك ما ذكرناه من حديث عبد الله بن عمرو فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر ).وقال المؤلف رحمه الله: (وهي الوسطى) يعني: أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى التي ذكرها الله عز وجل في قوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238].الصلاة الوسطى هذه اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله كثيراً, ما المراد بالصلاة الوسطى؟ وذكر المؤلف رحمه الله أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهذا القول هو أصوب الأقوال، وإذا طالع الإنسان ورجع إلى كتب المفسرين يرى الخلاف الكثير في تحديد الصلاة الوسطى، أكثر من عشرين قولاً في هذه المسألة، لكن الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله: أن الصلاة الوسطى التي قال الله عز وجل فيها: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] أنها صلاة العصر. ودليل ذلك: حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً )، وهذا في الصحيحين.قال: (من آخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس). هذا ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله أن وقت العصر يمتد إلى اصفرار الشمس، وهذا دليله: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ).المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن وقت العصر يعني: وقت الاختيار يخرج إذا صار ظل كل شيء مثليه، وهذه المسألة من غرائب العلم، فإن أبا حنيفة كما تقدم يقول: العصر ما يدخل إلا إذا كان ظل كل شيء مثليه، وعند الحنابلة خرج وقت العصر!لا شك أن هذا فرق شاسع بين القولين، فالحنفية يرون أنه الآن دخل وقت العصر، والحنابلة يقولون: خرج وقت العصر!واستدلوا على أن وقت العصر يخرج إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال: بإمامة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإن جبريل أم النبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني, أتاه فصلى به العصر في اليوم الثاني لما صار ظل كل شيء مثليه في المرة الثانية، فقالوا: هذا دليل على أن وقت العصر ينتهي إذا صار ظل كل شيء مثليه.والأقرب في ذلك: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله, وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وبه قال الشافعي ، وأن وقت العصر يستمر إلى أن تصفر الشمس؛ لأن حديث عبد الله بن عمرو صريح في ذلك، ( ووقت العصر ما لم تصفر الشمس )، وحديث عبد الله بن عمرو أرجح من حديث جابر وابن عباس وغيرهما في إمامة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام أرجح لعدة أمور:الأمر الأول: حديث عبد الله بن عمرو قول، وحديث إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم فعل، والقول مقدم على الفعل.الأمر الثاني: أن حديث عبد الله بن عمرو كان متأخراً على حديث إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن حديث عبد الله بن عمرو في المدينة، وأما حديث إمامة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام كان بمكة قبل الهجرة.الأمر الثالث مما يرجح حديث عبد الله بن عمرو : أن حديث عبد الله بن عمرو أصح من حديث إمامة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإن حديث عبد الله في صحيح مسلم , بخلاف حديث إمامة جبريل الوارد الذي رواه ابن عباس وجابر وغيرهما ليس في مسلم , وإنما هو في السنن.فنرجح حديث عبد الله بن عمرو على حديث جابر وابن عباس في إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم.قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يذهب وقت الاختيار, ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس ].اعلم أن العصر هي الصلاة الوحيدة التي لها وقتان، هذا هو الصواب الذي يؤخذ من الأدلة، لها وقتان: وقت اختيار، ووقت ضرورة، أما بقية الصلوات فالصواب أنه ليس لها إلا وقت واحد فقط وقت الاختيار، أما صلاة العصر فلها وقتان: وقت اختيار ووقت ضرورة، والدليل على أن لها وقت ضرورة: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة )، وهذا الحديث في الصحيحين.وعلى هذا نقول: نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ) في حديث عبد الله وقوله عليه الصلاة والسلام: ( من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة ) في حديث أبي هريرة : نجمع بينهما أن حديث عبد الله محمول على الاختيار، وحديث أبي هريرة محمول على وقت الضرورة، هذا هو الصواب في هذه المسألة.وحينئذ نقول: الأصل أن الإنسان لا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقت الاختيار إلا في حال الضرورة، مثل لو صلى يخاف على نفسه، أو يخاف على ماله، أو يخاف على أهله، فهذا لا بأس أن يؤخر حتى لو اصفرت الشمس، أو مثلاً أصابه جرح أو أصابه كسر أو نحو ذلك فاشتغل بتضميده حتى اصفرت عليه الشمس, نقول: هذا لا بأس به.وأيضاً يترتب على ذلك أن المرأة إذا طهرت من حيضها قبل غروب الشمس فإنها تكون قد أدركت صلاة العصر, إذا طهرت قبل غروب الشمس بركعة نقول: بأنها أدركت صلاة العصر، أو مثلاً أسلم الكافر قبل غروب الشمس بركعة أدرك صلاة العصر, يجب عليه أن يصليها، أو طهرت النفساء، أو عقل المجنون، أو بلغ الصبي في هذا الوقت قبل غروب الشمس بمقدار ركعة فإنه تجب عليهم الصلاة.

    وقت المغرب

    قال المؤلف رحمه الله: [ ووقت المغرب إلى أن يغيب الشفق الأحمر ].وقت المغرب يبدأ بغروب الشمس بالإجماع، بإجماع المسلمين أن وقت المغرب يبدأ بغروب الشمس، ويدل لذلك: حديث جابر وحديث ابن عباس في إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أتاه في المرة الأولى وأيضاً في المرة الثانية في صلاة المغرب لما غربت الشمس، وأيضاً يدل لذلك: حديث بريدة وحديث أبي موسى .المهم الإجماع منعقد على أن وقت المغرب يبدأ بغروب الشمس.قال: (إلى أن يغيب الشفق الأحمر).وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله, أن وقت المغرب يستمر إلى أن يغيب الشفق الأحمر، ودليل ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمرو : ( ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ).وأيضاً في حديث بريدة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يبين المواقيت للسائل أقام المغرب في اليوم الثاني عند مغيب الشفق )، فدل على أن آخر وقت المغرب هو مغيب الشفق الأحمر، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.وعند الشافعي أن وقت المغرب مضيق جداً، فهو يكون بقدر الأذان والإقامة والصلاة والسنة والطهارة وستر العورة، يعني: إذا مضى بعد غروب الشمس قدر هذه الأشياء خرج وقت المغرب، بقدر الأذان والإقامة والصلاة والسنة والطهارة وستر العورة، فإذا مضى قدر هذه الأشياء فإن وقت المغرب ينتهي، فعنده مضيق. فإذا قدرت أن هذه الأشياء تستغرق مثلاً ثلاثين دقيقة أو تستغرق خمساً وعشرين دقيقة ينتهي الوقت عند الشافعي رحمه الله بمضي قدر وقت هذه الأشياء.ودليله على ذلك: أن جبريل عليه السلام أم النبي عليه الصلاة والسلام بالمغرب في اليوم الأول وفي اليوم الثاني عند مغيب الشمس، فدل ذلك على أن وقت المغرب مضيق.لكن الصواب في ذلك: ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله, وأن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق الأحمر، وأما إمامة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الأول وفي اليوم الثاني عند مغيب الشمس فهذا نأخذ منه أن السنة تعجيل صلاة المغرب، السنة للإنسان أن يعجل صلاة المغرب، ونجمع بينه وبين الأدلة الدالة على أن صلاة المغرب يمتد وقتها إلى مغيب الشفق كما في حديث بريدة وغيره من الأحاديث، نجمع بينهما أن هذا الحديث حديث إمامة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام إنما يدل على أن السنة أن تعجل في أول وقتها، وحديث بريدة وغيره دليل على أن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق.ومما يؤيد أنه يمتد إلى مغيب الشفق أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ بسورة الأعراف في صلاة المغرب، ولا شك أنه إذا قرأ الإنسان بسورة الأعراف في صلاة المغرب أنه سيطيل أكثر مما ذكره الشافعي ، فالصواب أنه يمتد إلى مغيب الشفق الأحمر.وهنا قال المؤلف رحمه الله: (الأحمر), وهذا خلاف لـأبي حنيفة ؛ لأن أبا حنيفة يقول: يمتد إلى مغيب الشفق الأبيض، والصواب: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لورود ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما, وهو قول الأئمة أئمة أهل اللغة وأئمة التفسير أن المراد بالشفق الشفق الأحمر؛ ولأنه كما ذكر بعض أئمة اللغة الشفق الأبيض قد ينتصف الليل وهو لم يغب.فالصواب أن المراد بالشفق هو: الشفق الأحمر، وذلك أن الشمس إذا غربت يبقى في الأفق حمرة، فلا يزال وقت المغرب باقياً حتى تغيب هذه الحمرة.

    وقت العشاء

    قال المؤلف رحمه الله: [ ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل، ثم يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر ]. وقت العشاء من ذلك, يعني: من مغيب الشفق، إذا غاب الشفق دخل وقت العشاء، ويستمر على ذلك -يقول المؤلف رحمه الله- إلى نصف الليل.وأما بالنسبة لكون وقت العشاء يبدأ من مغيب الشفق فهذا دل له حديث بريدة وحديث أبي موسى وغيرهما ( أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق )، ويستمر إلى نصف الليل كما ذكر المؤلف رحمه الله، ودليل ذلك: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ووقت العشاء إلى نصف الليل ).لكن قال المؤلف رحمه الله: ثم يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني، فأفاد المؤلف رحمه الله أن العشاء له وقتان: وقت اختيار إلى نصف الليل، ووقت ضرورة إلى طلوع الفجر.وهذا الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله هو مذهب أبي حنيفة ، مذهب أبي حنيفة : أن العشاء لها وقتان: وقت اختيار إلى نصف الليل، ووقت ضرورة إلى طلوع الفجر.مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن العشاء لها وقتان: وقت اختيار إلى ثلث الليل، ووقت ضرورة إلى طلوع الفجر. والدليل على أنه إلى ثلث الليل: حديث بريدة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل ) يعني: صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق، وصلى العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل، والنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين المواقيت, يعني: أراد أن يبين أول الوقت وآخر الوقت.وكذلك أيضاً إمامة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس ، فإنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل.فهذان قولان:القول الأول: وقت الاختيار إلى نصف الليل، ووقت الضرورة إلى طلوع الفجر.والقول الثاني: وقت الاختيار إلى ثلث الليل، ووقت الضرورة إلى طلوع الفجر.وعند ابن حزم رحمه الله أن العشاء لها وقت واحد فقط، وأنه إلى نصف الليل، وهذا القول هو الصواب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: ( ووقت العشاء إلى نصف الليل )، وهذا صريح في التحديد.وأما بالنسبة لما ورد في حديث عائشة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أعتم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد ) كما في صحيح مسلم ، فالمراد بإعتام النبي عليه الصلاة والسلام أنه أخر العشاء حتى ذهب كثير من الوقت، هذا هو الصواب، وليس المراد أكثر الوقت، بل الصواب أن النبي عليه الصلاة والسلام أعتم حتى ذهب كثير من الوقت يعني إلى قرب نصف الليل ثم خرج وصلى، يدل على ذلك الرواية الأخرى في صحيح مسلم . فالصواب في هذه المسألة: أن وقت العشاء لا يمتد إلى طلوع الفجر، وإنما هو إلى نصف الليل، ولم يرد دليل صريح يدل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، وأن هناك وقت ضرورة للعشاء، بل حديث عبد الله بن عمرو صريح أن وقت العشاء إلى نصف الليل.وأما ما روي عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في المرأة إذا طهرت قبل الفجر فإنها تصلي المغرب والعشاء كما روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وغيرهما كـعبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم فهذه الآثار لا تثبت عنهم، هذه الآثار في إثباتها نظر.وعلى هذا لو أن المرأة طهرت قبل طلوع الفجر فإنه لا يلزمها لا صلاة المغرب ولا صلاة العشاء، لكن لو طهرت قبل نصف الليل فنقول: يجب عليها أن تصلي صلاة العشاء خاصة فقط دون صلاة المغرب؛ لأن صلاة المغرب جاءها الوقت وهي حائض، وكذلك أيضاً لو أسلم الكافر، أو بلغ الصبي، أو عقل المجنون قبل نصف الليل فإنه يجب عليهم أن يصلوا العشاء؛ لأنهم أدركوا وقتها، أما إذا كان بعد نصف الليل فإنه لا يجب عليهم أن يصلوا العشاء.

    وقت الفجر

    قال المؤلف رحمه الله: [ ووقت الفجر إلى طلوع الشمس، ومن كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها ].صلاة الفجر يبدأ وقتها بطلوع الفجر الثاني، وهذا بالإجماع.وأما بالنسبة لنهاية وقتها فإنه ينتهي بطلوع الشمس، ويدل لذلك حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ووقت الصبح ما لم تطلع الشمس )، وهذا في مسلم .وأيضاً في حديث بريدة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً فأقام الصلاة في اليوم الأول للفجر حين طلع الفجر، ثم أمره في اليوم الثاني فأقام الصلاة حين أسفر جداً ) يعني: قبل طلوع الشمس.ويدل أيضاً على أن صلاة الفجر يمتد وقتها إلى ما قبل طلوع الشمس: قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة ).فصلاة الفجر ليس لها إلا وقت واحد من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ودليل ذلك كما أسلفنا: حديث عبد الله بن عمرو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ووقت الصبح ما لم تطلع الشمس )، وهذا يدل على أن لها وقتاً واحداً فقط، خلافاً لما ذهب إليه الإمام مالك أن الفجر لها وقتان: وقت اختيار إلى الأسفار, ووقت ضرورة إلى طلوع الشمس، وهذا ليس بصواب، بل الحديث ظاهر أنها ليس لها إلا وقت واحد, ( وقت الصبح ما لم تطلع الشمس )، فالصواب: أنه ليس لها إلا وقت واحد, كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    إدراك جزء يسير من وقت الصلاة

    قال: [ ومن كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها ].المؤلف رحمه الله هنا قيد إدراك الوقت بالتكبير، فعلى هذا لو أن الإنسان كبر للصلاة لصلاة العصر أو صلاة الفجر أو غير ذلك من الصلوات قبل خروج وقتها فإنه يكون أدركها, وصلى الصلاة في وقتها، والصواب: أن الوقت لا يدرك إلا بإدراك ركعة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ).وهنا قاعدة دل لها هذا الحديث حديث أبي هريرة : سائر الإدراكات تتعلق بإدراك ركعة، وهذا يدخل تحته مسائل كثيرة، أذكر من هذه المسائل:المسألة الأولى: أول الوقت: أول الوقت لا يدرك إلا بإدراك ركعة، وعلى هذا إذا دخل الوقت ثم حاضت المرأة أو نفست أو جنت ونحو ذلك، إذا طرأ العذر بعد دخول الوقت فنقول: إن كان أدرك ركعة من أول الوقت يكون قد أدرك الوقت, فيجب عليه أن يقضي هذه الصلاة إذا زال العذر، فمثلاً عندنا امرأة طاهرة ثم حاضت بعد أن أدركت ركعة فأكثر من الوقت، فنقول: يجب عليها إذا طهرت أن تقضي هذه الصلاة, أو نفست يعني: ولدت فنقول: يجب عليها إذا طهرت من نفاسها أن تقضي هذه الصلاة، أو جن نقول: يجب عليه إذا عقل أن يقضي هذه الصلاة, إلى آخره.فأول الوقت يدرك بركعة، خلافاً لما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أن أول الوقت يدرك بتكبيرة، فالصواب: أنه يدرك بركعة, ودليل ذلك حديث أبي هريرة .المسألة الثانية: آخر الوقت: آخر الوقت يدرك بركعة، وعلى هذا لو أن المرأة طهرت يعني: زال العذر قبل خروج الوقت بقدر ركعة فأكثر فتجب عليها الصلاة، فلو أن المرأة طهرت قبل خروج الوقت بمقدار ركعة فأكثر طهرت من حيضها أو طهرت من نفاسها قبل خروج الوقت بمقدار ركعة فأكثر نقول: يجب عليها أن تقضي هذه الصلاة التي أدركت وقتها، أو أن الكافر أسلم قبل خروج الوقت بقدر ركعة نقول: يجب أن يصلي هذه الصلاة؛ لأنه أدرك وقتها، أو الصبي بلغ ولم يكن صلى نقول: يجب عليه أن يصلي إذا كان بلوغه قبل خروج الوقت بمقدار ركعة فأكثر، هاتان مسألتان.المسألة الثالثة: إدراك الجماعة: إدراك الجماعة إنما يكون بإدراك ركعة، فإذا أدرك مع الإمام ركعة من الصلاة يكون قد أدرك الجماعة، وينال أجر الجماعة، أما إن أدرك أقل من ركعة فقد فاته فضل الجماعة.المسألة الرابعة: إدراك الجمعة: والجمعة إنما تدرك بإدراك ركعة، فإذا أدرك ركعة من الجمعة أضاف إليها أخرى، وإن لم يدرك ركعة فإنه يصلي ظهراً.المسألة الخامسة: إذا أقيمت الصلاة والإنسان في نافلة هل يقطع هذه النافلة أو لا يقطعها؟ نقول: إن صلى ركعة أتمها خفيفة؛ لأنه أدرك هذه الصلاة، إن صلى ركعة أتمها خفيفة، وإن صلى أقل من ركعة فإنه يقطعها.المسألة السادسة: صلاة المسافر خلف المقيم: إن أدرك المسافر من صلاته ركعة صلى صلاة مقيم، وإن أدرك أقل من ركعة صلى صلاة مسافر، مثال ذلك هذا مسافر يصلي الظهر خلف من يصلي الظهر وهو مقيم، المسافر إذا صلى خلف المقيم كما في حديث ابن عباس يجب عليه أن يصلي أربعاً، لكن متى يجب أن يصلي أربعاً؟نقول: إن أدرك من صلاته ركعة يجب عليه أن يصلي أربعاً، فإن أدرك أقل من ركعة صلى ركعتين؛ لأنه لم يدرك صلاته, وهكذا.

    فضل الصلاة في أول الوقت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصلاة في أول الوقت أفضل].لما بين المؤلف رحمه الله وقت الاختيار شرع الآن في بيان وقت الاستحباب، ما هو المستحب لفعل الصلاة؟ فأفاد المؤلف رحمه الله أن السنة أن تفعل الصلاة في أول وقتها، إلا ما ورد استثناءه، ويدل لذلك حديث أبي برزة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الهجير وهي التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس -يعني: تزول الشمس- ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى أهله في أقصى المدينة والشمس مرتفعة حية ) يعني: لا تزال حرارتها باقية، هذا حديث أبي برزة رضي الله تعالى عنه.وأيضاً في حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الفجر بغلس ).فهذه الأحاديث تدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الصلاة في أول وقتها.ومثل ذلك أيضاً حديث أنس : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي -يعني: القرى التي حول المدينة- فيأتيهم والشمس مرتفعة ) وهذا في الصحيحين.فهذه الأدلة تدل على ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.وبم يدرك أول الوقت؟ نقول: بأن أول الوقت يدرك بالاشتغال بأسباب الصلاة، فإذا شرع الإنسان بالاشتغال بأسباب الصلاة في أول الوقت فقد أدرك أول الوقت، يعني: إذا دخل الوقت ثم شرع في الطهارة وفي ستر العورة وفي إحضار الماء ونحو ذلك فقد أدرك أول الوقت.قال المؤلف رحمه الله: [ إلا في العشاء الآخرة، وفي شدة الحر في الظهر ].في العشاء الآخرة السنة أن تؤخر الصلاة، ويدل لذلك حديث أبي برزة في الصحيحين قال: ( وكان يستحب أن يؤخر العشاء ).وأيضاً: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أخر العشاء إلى نصف الليل أو ثلثه, ثم خرج فقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ).فنقول: بالنسبة للعشاء الآخرة السنة أن تؤخر، كلما أخرت هذا هو أفضل، لو أخرت إلى آخر الوقت فعلت الصلاة في آخر الوقت فهذا هو الأفضل، وحديث أبي برزة ظاهر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستحب أن يؤخر من العشاء. لكن حديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر )، نقول: إن الإمام يراعي أحوال المأمومين، فإذا رأى أن المأمومين اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر, كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يراعي، لكن لو كان الإنسان منفرداً مثل المرأة الآن في بيتها ليست مربوطة بجماعة أو إنسان في مزرعة أو في بادية أو جماعة في سفر أو جماعة في نزهة فما هو السنة في حقهم؟ السنة في حقهم أن يؤخروا الصلاة إلى نصف الليل؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة : ( أعتم بالعشاء حتى ذهب عامة الليل ).وأيضاً ( النبي عليه الصلاة والسلام أخر العشاء إلى نصف الليل أو ثلثه وخرج وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ).فإذا كان الإنسان ليس مرتبطاً بجماعة فالسنة أن يؤخر العشاء إلى نصف الليل بحيث يصليها قبل انتصاف الليل؛ لأن انتصاف الليل يخرج به وقت العشاء، لكن إذا كان مرتبطاً بالجماعة فإنه يصلي مع الناس, والإمام يراعي أحوال المأمومين, إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر.قال المؤلف رحمه الله: (وفي شدة الحر).أيضاً في شدة الحر السنة أن تؤخر الصلاة؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أبردوا بالظهر في شدة الحر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم )، فيشرع للإنسان أن يبرد.وقول المؤلف رحمه الله: (وفي شدة الحر في الظهر) ظاهر كلامه أنه يشمل من يصلي جماعة ومن لا يصلي جماعة، وهذا القول هو الصواب, أن شدة الحر يشرع الإبراد بها إلى قرب العصر، إذا اشتد الحر يشرع أن تؤخر إلى أن يقرب وقت العصر، فإذا فرضنا أن العصر يؤذن له أو يدخل وقته في الساعة الثالثة والنصف فإنه يشرع أن يبرد بها إلى الثالثة أو الثالثة وعشر دقائق، يبرد بها إلى الثالثة أو الثالثة وعشر دقائق، هذا هو السنة، ويدل لذلك حديث أبي ذر : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أبرد، فجاءه المؤذن فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أبرد، ثم جاءه فقال: أبرد، قال: حتى رأينا فيء التلول, أو حتى ساوى الظل التل )، وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام أخرها إلى قرب العصر، فهذا هو السنة بالنسبة للإبراد، لكن الناس اليوم قد يشق عليهم الإبراد، فيصلون الصلاة في أول وقتها، لكن لو كان الإنسان ليس مرتبطاً بجماعة مثل المرأة في بيتها أو كان الإنسان مثلاً في سفر أو كانوا في نزهة أو نحو ذلك فالسنة له أن يبرد, أن يؤخر الصلاة في شدة الحر إلى قرب العصر.وقول المؤلف رحمه الله: (الظهر) يخرج الجمعة، فإن الجمعة لا يسن لها الإبراد، ويدل لذلك حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجمع إذا زالت الشمس )، ونحوه أيضاً حديث أنس : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس ).فنقول: الجمعة لا يشرع فيها الإبراد، ويدل لذلك ما ذكرناه من حديث كعب بن عجرة , وأيضاً حديث أنس رضي الله تعالى عنهما، وأيضاً الإبراد شرع للتخفيف والتسهيل على الناس، لو قيل: بأنه يبرد في صلاة الجمعة لكان في ذلك مشقة على الناس؛ لأن الناس مأمورون في صلاة الجمعة أن يبادروا إلى الصلاة، وأن يأتوا الصلاة مبكرين من حين طلوع الشمس, كما سيأتينا إن شاء الله، فإذا قلنا: بأنه يشرع لهم أن يبردوا بالصلاة كان في ذلك مشقة عظيمة عليهم.وما ذكره المؤلف رحمه الله أنه يسن تعجيل الصلاة في أول وقتها هذا هو الصواب، إلا هاتين الصلاتين, يعني: العشاء والظهر في شدة الحر, ما ذكره هذا هو الصواب.الحنفية رحمهم الله عندهم بدل التعجيل تأخير، فيقولون: يستحب تأخير الفجر، ويستحب تأخير العصر، العصر عندهم يستحب تأخيرها، وكذلك أيضاً الفجر عندهم يستحب تأخيرها، لكن ما ذكروه هذا فيه نظر.قلنا: السنة هو التعجيل، وأشرنا إلى أن أبا حنيفة رحمه الله يرى التأخير في العصر، وكذلك أيضاً يرى التأخير في الفجر، وقد ورد في حديث محمود بن لبيد ورافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر )، وهذا مما يستدل به الحنفية على مشروعية تأخير صلاة الفجر، لكن هذا أجاب عنه العلماء رحمهم الله بأجوبة، ومن أحسن هذه الأجوبة ما ذكره الطحاوي رحمه الله: أن المراد بالإسفار في الفجر هو: إطالة القراءة، يعني: أن يدخل الإنسان الفجر بغلس -كما هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام- ثم يطيل القراءة إلى أن يحصل الإسفار.وأيضاً المغرب مما يدل على سنية تعجيلها ما سبق أن أشرنا إليه من حديث إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن جبريل ( صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام المغرب في اليوم الأول والثاني حين غربت الشمس ).ويدل لذلك أيضاً حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه: ( أنهم كانوا يصلون المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخرجون ينتضلون -يعني: يرمون بالسهام- فيرون مواقع نبلهم من الإسفار )، فهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام عجل في صلاة المغرب.

    الشرط الثالث: ستر العورة

    قال المؤلف رحمه الله: [ الشرط الثالث: ستر العورة ].هذا الشرط الثالث من شروط صحة الصلاة, وهو ستر العورة، والعورة هي: كل ما يسوء الإنسان إخراجه، ويقبح النظر إليه.ودليل ستر العورة: قول الله عز وجل: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، فالله عز جل أمر بمطلق الزينة، والزينة زينتان: زينة واجبة, وهي ستر ما يجب ستره، وزينة مستحبة وهي أعلى من ذلك، فالله عز وجل لم يأمر بمجرد ستر العورة, وإنما أمر بأخذ الزينة، يعني: أن الإنسان يأخذ للصلاة زينته الواجبة والمستحبة.ويدل لذلك أيضاً من السنة: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ) أخرجه أبو داود وغيره, وهو صحيح, وتقدم لنا.وقوله عليه الصلاة والسلام: ( حائض ) أي: بالغ، لا يقبل الله صلاة البالغ إلا بخمار تضعه على رأسها.والإجماع قائم على أنه لا بد للإنسان أن يستر عورته في الصلاة.

    شروط ساتر العورة

    قال المؤلف رحمه الله: [ بما لا يصف البشرة ]. اشترط المؤلف رحمه الله لهذا الساتر ألا يصف البشرة، فإن كان يصف البشرة من ابيضاض أو احمرار أو اسوداد فإنه لا يصح الستر به، بل لا بد أن يكون الساتر لا يصف البشرة؛ لأنه إذا وصف البشرة لا يعتبر ساتراً.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله في قوله: بما لا يصف البشرة أنه إذا كان يحكي الهيئة أنه يعتبر ساتراً في الصلاة، يعني: إذا كان يحكي هيئة العورة، مثلاً يحكي هيئة العجز، ويحكي هيئة الفخذين، كما لو لبس الإنسان لباساً ضيقاً, لا يصف البشرة لكنه يحكي هيئة العورة, يعني: حجم العورة، يحجم العورة، فصلاته صحيحة؛ لأن المؤلف لم يشترط إلا أن يكون ساتراً لبشرة العورة، أما إذا كان يحكي حجم العورة وهيئتها فإن هذا يعتبر ساتراً, وتصح معه الصلاة، لكن العلماء رحمهم الله كرهوا ذلك. ويظهر من حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، وذكر منهما نساء كاسيات عاريات ) أن المرأة إذا لبست ثوباً ضيقاً يحكي عن مقاطع جسمها من العجيزة والفخذين والثديين وغير ذلك أن هذا محرم ولا يجوز، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن من صفات الكاسية لعارية: أن تلبس ثوباً تكتسي به لكنه شفاف يصف البشرة، أو أنها تلبس ثوباً تكتسي به لكنه قصير، أو تلبس ثوباً تكتسي به لكنه ضيق يحكي الهيئة.إذاً: الخلاصة في ذلك: أنه يشترط للساتر ألا يصف البشرة، يعني: لون الجلد، أما بالنسبة للهيئة إذا كان يصف الهيئة فإن الصلاة معه صحيحة، لكن هذا ينهى عنه, كما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( صنفان من أهل النار ).

    حدود العورة

    قال المؤلف رحمه الله: [وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة].نقول: أقسام الناس في العورة في الصلاة ثلاثة أقسام: القسم الأول: من عورته مغلظة في باب الصلاة: وهي عورة الأنثى البالغة، الأنثى البالغة سواء كانت حرة أو أمة على الصواب, نقول: هذه عورتها عورة مغلظة في باب الصلاة، فيجب عليها أن تستتر، يعني: يجب عليها أن تستر كل بدنها، وأيضاً يجب عليها أن تستر رأسها؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يقبل الله صلاة حائض ) يعني: بالغ ( إلا بخمار ). فلا بد أن تستر كل البدن، ولا بد أيضاً أن تستر الرأس, أن تختمر.لكن بقينا في الكفين والقدمين، هل يجب عليها أن تسترهما أو لا يجب عليها أن تسترهما؟الرأي الأول: ما ذكره المؤلف رحمه الله من أنه يجب عليها أن تستر قدميها وكفيها.والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الأنثى البالغة لا يجب عليها أن تستر الكفين والقدمين، ويدل لذلك حديث أسماء رضي الله تعالى عنها أنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: ( يا رسول الله! إحدانا يصيب ثوبها دم الحيض أتصلي فيه؟ )، فهي سألت عن الصلاة في الثوب الذي يصيبه شيء من دم الحيض، فأرشدها النبي عليه الصلاة والسلام إلى تطهيره، ورخص لها أن تصلي فيه، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن ثياب نساء الصحابة إذا كن في البيوت من جهة أسفل إلى الكعب، ومن جهة الكم إلى الرسغ، يعني: بدا كفاها، وبدا أيضاً قدماها، فرخص لها النبي عليه الصلاة والسلام أن تصلي في هذا الثوب، وأوجب عليها أن تستر الرأس في قوله عليه الصلاة والسلام: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ).وأما حديث أم سلمة الذي استدل به المؤلف رحمه الله أنها قالت: ( يا رسول الله! تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ فقال: نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها ) هذا موقوف على أم سلمة رضي الله تعالى عنها، والدرع هو: القميص.فتلخص لنا: القسم الأول وهي العورة المغلظة وهي عورة الأنثى البالغة, فنقول: هذه عورة كلها، الوجه ليس عورة, هذا محل اتفاق، لكن بالنسبة للقدمين والكفين هل يجب عليها أن تسترهما في الصلاة أو لا يجب عليها أن تسترهما في الصلاة ذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله وخلافهم في هذه المسألة.القسم الثاني: الأنثى التي لم تبلغ: ويدخل في هذا المراهقة، ويدخل في هذا المميزة, فنقول هنا: تصلي في الثوب، تستر بدنها، ويباح لها أن تكشف رأسها، يعني: إذا صلت في ثوبها سترت بدنها بالثوب وأبدت الكفين والقدمين والرأس فإن صلاتها صحيحة، ولا يجب عليها أن تستر الرأس؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )، فيفهم من ذلك أن غير الحائض غير البالغ إذا صلت بغير خمار أن صلاتها صحيحة، فالبنت إذا صلت وهي لم تستر الرأس وصلت في ثوبها ولم يبد منها إلا الرأس والوجه والكفان والقدمان فنقول: بأن صلاتها صحيحة.هذا القسم الثاني, الأنثى التي لم تبلغ, فهذه تستتر إلا ما يتعلق بالرأس والوجه والكفين والقدمين, هذه لا يجب عليها أن تسترهما، ودليل ذلك ما أشرت إليه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.القسم الثالث: عورة الذكر: هذا عورته ما بين السرة إلى الركبة، فيجب عليه في باب الصلاة أن يستر ما بين سرته وركبته، هذا هو القسم الثالث، ودليل ذلك: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ما بين السرة والركبة عورة ).وأيضاً حديث جرهد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( غط فخذك )، وغير ذلك من الأحاديث كحديث أبي أيوب وغير ذلك، فهذه كلها تدل على أن الإنسان إذا كان ذكراً لا بد أن يستر ما بين سرته وركبته.أما بالنسبة لستر أحد المنكبين فهذا الصواب أنه لا يجب على الذكر أن يستر ما بين أحد المنكبين أو أحد عاتقيه, كما هو قول الحنابلة رحمهم الله.فأصبحت الناس في أقسام العورة في باب الصلاة ينقسمون إلى هذه الأقسام الثلاثة.
    الأسئلة

    إقامة الصلاة لمن لم يؤذن لها

    السؤال: هل يشترط أن يكون المقيم بالصلاة هو نفس المؤذن؟الجواب: هذا ليس بشرط، لكن هذا هو السنة، السنة أن من أذن فهو يقيم، وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( من أذن فهو يقيم )، ولكن هذا الحديث ضعيف، لكن يدل على هذا أن بلالاً رضي الله تعالى عنه كان يتولى الأذان للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضاً كان يتولى الإقامة، فالمؤذن في عهده عليه الصلاة والسلام كان يتولى الأذان ويتولى أيضاً الإقامة.

    إجراء عملية أطفال الأنابيب

    السؤال: هذه امرأة مر عليها حوالى سبع سنوات متزوجة ولم ترزق بأولاد، وقد طلب منها زوجها إجراء عملية أطفال الأنابيب, وهي متوقفة خوفاً أن يكون ذلك غير جائز في الشرع؟الجواب: بالنسبة لما يتعلق بأطفال الأنابيب مجمع الفقه الإسلامي بحث هذه المسألة, وقسموا ما يتعلق بأطفال الأنابيب إلى سبعة أقسام، يعني: ذكروا لعمليات أطفال الأنابيب سبعة أقسام، وبعض هذه الأقسام حكموا عليها بالتحريم, وأنها لا تجوز، وبعض هذه الأقسام اختلفوا فيها، وأكثر المجتمعين في قرار هذا المجمع أجازوا بعض هذه الأقسام، فالسائل عليه أن يستفصل عن الطريقة التي يعمل بها هذا الطفل، ويحكم عليه بحسب ما ذكره أهل العلم رحمهم الله من الأقسام التي وجدت واستجدت.

    قضاء صلاة المغرب لمن طهرت قبل نصف الليل

    السؤال: إذا طهرت المرأة قبل نصف الليل فهل يلزمها صلاة المغرب؟الجواب: لا تلزمها صلاة المغرب، فالصواب: أن المرأة إذا طهرت في وقت صلاة أنها لا تلزمها إلا الصلاة التي طهرت في وقتها، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وأما الصلاة التي تجمع إليها لا تلزمها، ويدل لذلك: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ).وأيضاً قول عائشة : ( كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة )، فهنا لا تؤمر المرأة بقضاء الصلاة، فقد مر هذا الوقت. يعني: وقت الظهر مثلاً أو وقت المغرب مثلاً وهذه المرأة حائض، فإذا كانت حائضاً فإنها تؤمر بقضاء الصوم, ولا تؤمر بقضاء الصلاة.

    حكم من صلى بالناس محدثاً وتذكّر حدثه واستمر في الصلاة

    السؤال: إمام صلى بالجماعة وتذكر في الركعة الثانية أنه غير طاهر وواصل الصلاة, فماذا عليه؟ وما على الجماعة؟الجواب: إذا تذكر الإمام أنه غير طاهر فهو يجب عليه أن ينفصل من الصلاة؛ لأنه ما يجوز له أن يستمر في الصلاة وهو غير طاهر سواء كان إماماً أو غير إمام، وأما بالنسبة لصلاته فصلاته ظاهر أنها باطلة؛ لما تقدم لنا من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ).أما بالنسبة لصلاة المأمومين فصلاتهم صحيحة؛ لحديث أبي هريرة في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم )، فهذا الإمام كونه أخطأ فهذا لنا وعليه، ويأثم في كونه استمر في هذه الصلاة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [4]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (13)

    من شروط الصلاة سترة العروة، وقد أمر الله عباده بأخذ زينتهم عند كل مسجد، ولا يجوز للرجال لبس الذهب والحرير إلا في حالات استثنائية، كما يشترط للصلاة طهارة البدن والمكان والثياب، واستقبال القبلة إلا عند الخوف أو في النافلة عند السفر على الراحلة.
    تابع شروط صحة الصلاة

    تابع الشرط الثالث: ستر العورة

    تقدم لنا الشرط الثالث أو بعض أحكام الشرط الثالث وهو: ستر العورة، وذكرنا دليل ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، فمن القرآن قول الله عز وجل: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31].وأما السنة فكثير, فمن ذلك: حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة حائض ) يعني: بالغ ( إلا بخمار ) أخرجه أبو داود وغيره.والإجماع قائم على ذلك كما حكاه ابن عبد البر وغيره.وذكرنا أيضاً أن المؤلف رحمه الله اشترط للساتر ألا يصف البشرة، فإذا كان يصف لون البشرة من سواد أو بياض أو احمرار فإنه لا يصح الستر به، وأيضاً نبهنا على أن كلام المؤلف رحمه الله يفيد أنه إذا كان لا يصف لون العورة، لا يصف لون الجلد، وإنما يصف حجم العورة، يبين هيئة العورة أن الصلاة صحيحة، كما لو أنه لبس ثوباً ضيقاً، أو صلى في سروال ضيق يبين هيئة العورة, فيؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن الصلاة صحيحة؛ لأنه قال: بما لا يصف البشرة, فقط اقتصر على البشرة دون بيان الهيئة، فإذا كان يبين هيئة العورة دون البشرة دون لون الجلد فإن الصلاة صحيحة، لكن لا شك أن الإنسان ينهى عن أن يلبس ثوباً يبين هيئة العورة؛ لأن الإنسان مأمور بستر العورة رجلاً كان أو امرأة, مأمور بحفظها، فالله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:5-6]. ويدخل في حفظ العورة حفظها من الزنا ومن اللواط ومما حرم الله عز وجل، وأيضاً حفظها سترها عن كل من لا يحل له النظر إليها. وأيضاً في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك ).ويدخل في حفظ العورة سترها، ستر اللون وستر الهيئة، هذا كله داخل في حفظ العورة، فمسألة الحفظ شيء ومسألة صحة الصلاة حكم آخر.ثم بعد ذلك تكلمنا عن أقسام العورة, وذكرنا أن العورة في باب الصلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:عورة مغلظة، وعورة مخففة، وعورة متوسطة، وبينا حكم كل قسم من هذه الأقسام، وأيضاً دليل كل قسم من هذه الأقسام.

    الصلاة في الثوب المغصوب والدار المغصوبة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصح صلاته ].يؤخذ من هذه الجملة التي ذكرها المؤلف رحمه الله أنه يشترط للساتر أن يكون مباحاً، فكما أنه يشترط للساتر أن يكون صفيقاً لا يصف البشرة، كذلك أيضاً يشترط للساتر أن يكون مباحاً. وعلى هذا إذا ستر نفسه بثوب مغصوب أو ثوب مسروق أو منتهب أو مختلس المهم ستر نفسه بثوب محرم فيقول المؤلف رحمه الله: بأن صلاته لا تصح، والعلة في ذلك: أنه استعمل هذا المحرم في شرط العبادة، ويقولون: العلة في ذلك أنه استعمل هذا المحرم في شرط العبادة، فكما لو صلى في ثوب نجس، وسيأتينا إن شاء الله أن من شروط صحة الصلاة: الطهارة من الخبث في الثوب وفي البدن وفي البقعة التي يصلى عليها، فلا يصح أن يصلي الإنسان في ثوب محرم قياساً على عدم صحة الصلاة في الثوب النجس، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهذا دليله.والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله وهو قول أكثر أهل العلم: أن الصلاة صحيحة، فإذا صلى في ثوب محرم كثوب مغصوب أو مسروق أو منتهب أو غير ذلك الصلاة صحيحة؛ لأن الصلاة هنا استكملت شروطها وأركانها وواجباتها، وكونه يستعمل شيئاً محرماً لا يلزم منه أن تكون الصلاة باطلة، بل نقول: إن الصلاة صحيحة؛ لأنها استكملت الشروط والأركان والواجبات، وكونه استتر بشيء محرم لا يلزم من ذلك أن تبطل الصلاة، وعندنا قاعدة: أن الشارع إذا نهى عن شيء فإن النهي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، يعني: الحنابلة رحمهم الله يبنون ذلك على قاعدة, وهي: أن النهي يقتضي الفساد، وأوسع المذاهب في هذه القاعدة هو مذهب الحنابلة رحمهم الله، فيقولون: بأن النهي إذا عاد إلى ذات العبادة أو المعاملة أو عاد إلى شرط العبادة أو المعاملة فإن ذلك يقتضي الفساد، الشارع لا شك أنه نهى عن الغصب، ونهى عن السرقة، ونهى عن الانتهاب والاختلاس إلى آخره، فيقولون: بأن النهي إذا عاد إلى ذات العبادة أو المعاملة أو عاد إلى شرط العبادة أو المعاملة فإن ذلك يقتضي الفساد.والصواب في هذه المسألة - مسألة النهي هل يقتضي الفساد أو لا يقتضي الفساد؟ الصواب في هذه المسألة أن نقول: بأن النهي ينقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: أن يعود إلى ذات العبادة أو المعاملة، فنقول هنا: النهي يقتضي الفساد، مثاله في العبادة كما سيأتينا: أن الشارع نهى عن الصلاة في أعطان الإبل، فنقول هنا: النهي يقتضي الفساد؛ لأنه يعود إلى ذات العبادة، فإذا صلى أحد في أعطان الإبل أو صلى في المقبرة أو صلى في الحمام فنقول: بأن عبادته أو نقول: بأن صلاته غير صحيحة، لماذا؟ لأن النهي هنا يعود إلى ذات العبادة.مثله أيضاً في المعاملة: الشارع نهى عن بيع الخمر، هنا النهي يعود إلى ذات المعاملة، فإذا باع أحد خمراً أو نهى عن بيع الأصنام نهى عن بيع الميتة... إلى آخره فنقول هنا: النهي يعود إلى ذات المعاملة، فإذا عقد هذا العقد نقول: بأن العقد فاسد، هذا القسم الأول: أن يكون النهي عائداً إلى ذات العبادة وذات المعاملة, فنقول: بأن النهي يقتضي الفساد.القسم الثاني: أن يكون النهي عائداً على أمر خارج عن العبادة وخارج عن المعاملة, فهذا النهي لا يقتضي الفساد، مثال ذلك: نهى الشارع عن لبس الحرير، صلى رجل وعليه عمامة حرير فنقول: بأن صلاته صحيحة ويأثم؛ لأن النهي هنا لا يعود إلى ذات العبادة ولا يعود إلى شرطها؛ لأن ستر الرأس هذا ليس واجباً في الصلاة، ليس من شروط صحة الصلاة.مثاله في المعاملة: تلقي الركبان، أو بيع الحاضر للبادي، أو مثلاً تصرية ضروع بهيمة الأنعام، إذا تلقى الركبان هذا نهي خارج عن المعاملة، الشارع نهى أن تتلقى شخصاً أتى بحمولة بسلع لكي يبيعها في البلد، لكن إذا تلقيته واشتريت منه فإنه بالخيار, العقد صحيح، لكن يثبت الخيار لهذا البائع، هذا نهي عائد على أمر خارج عن المعاملة.القسم الثالث موضع الخلاف: إذا عاد على شرط المعاملة أو شرط العبادة, هل يقتضي الفساد أو لا يقتضي الفساد؟المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن النهي يقتضي الفساد؛ ولهذا قال لك هنا: إذا صلى في ثوب محرم فإن صلاته باطلة، أيضاً تقدم لنا في كتاب الطهارة لو توضأ بماء مغصوب فإن وضوءه غير صحيح، تيمم بتراب مسروق أو منتهب يقولون: بأن هذه الأشياء تبطل عليه, ما دام أنه يعود إلى شرط العبادة أو يعود إلى شرط المعاملة، شرط المعاملة مثل جهالة الثمن، مثل جهالة المثمن... إلى آخره, فإن ذلك يبطل عليه العبادة، ويبطل عليه المعاملة.والصوا في مسألة الشرط أنه لا يبطل العبادة, ولا يبطل المعاملة على الإطلاق، بل نقول: إن في هذا تفصيلاً, وهو: أن النهي إذا كان ملاحظاً في الشرط فإنه يقتضي الفساد، أما إذا كان النهي غير ملاحظ في الشرط فإنه لا يقتضي الفساد، وهنا النهي ليس ملاحظاً في الشرط، الشارع ما قال: لا تصلوا في ثوب مغصوب، أو لا تصلوا في ثوب مسروق، أو في ثوب منتهب, إلى آخره، فالصواب في مثل هذا أن نقول: بأن الصلاة صحيحة لكنه يأثم، وكذلك أيضاً نقول مثله في الوضوء، مثله في التيمم وفي الغسل, إذا توضأ بماء مغصوب أو ماء مسروق إلى آخره نقول: بأن الوضوء والغسل والتيمم صحيح, لكنه يأثم لكونه استعمل المحرم.فالصواب في هذه المسألة: أن صلاته صحيحة؛ لأن النهي هنا ليس ملاحظاً في الشرط شرط العبادة أو شرط المعاملة.قال: (أو دار مغصوبة). وكذلك أيضاً إذا صلى في دار مغصوبة نقول: بأن صلاته غير صحيحة. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.والرأي الثاني: أن الصلاة صحيحة، وهذا القول هو الصواب كما قلنا في الصلاة في الثوب المغصوب، فالصواب: أنه إذا صلى في دار مغصوبة أو دار مسروقة أو منتهبة فنقول: بأن صلاته صحيحة, لكنه يأثم لكونه استعمل المغصوب.والحناب ة كما تقدم يبنونه على القاعدة التي سلف أن ذكرنا أقسامها.

    لبس الذهب للرجال وللنساء

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولبس الذهب والحرير مباح للنساء دون الرجال إلا عند الحاجة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير: ( هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم ) ].لبس الذهب والحرير يقول المؤلف رحمه الله: مباح للنساء, وهذا بالإجماع، فالإجماع قائم على أن المرأة لها أن تلبس الذهب، ولها أن تلبس الحرير.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن المرأة لها أن تلبس الذهب سواء كان الذهب محلقاً أو غير محلق، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله، وقد حكي الإجماع على ذلك، والسنة شاهدة على أن المرأة يباح لها أن تلبس الذهب سواء كان محلقاً أو غير محلق، ويدل لذلك أيضاً ما أورده المؤلف من حديث أبي موسى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم )، وهذا الحديث أخرجه الترمذي ، وكذلك أيضاً النسائي والإمام أحمد والبيهقي وغيرهم، وإسناده ثابت.فنقول: بالنسبة للمرأة يباح لها أن تلبس الذهب، ويباح لها أن تلبس الحرير.لكن قيد العلماء رحمهم الله لبس الذهب بالنسبة للمرأة بما جرت العادة بلبسه، ما اعتاد الناس أن يلبسوه، أما إذا كان لبسه على وجه خارج عن العادة فإنه وإن كان في الأصل مباحاً إلا أن ذلك يخرجه إلى أمر آخر منهي عنه، وهو أن يكون لباس شهرة، أو يكون فيه إسراف وتبذير, وغير ذلك.المهم نفهم أن الأصل أن لبس الذهب للمرأة مباح، وقلنا: بأن العلماء قيدوا هذه الإباحة بقولهم: ما جرت العادة بلبسه، فما خرج عن العادة إذا تضمن ذلك محذوراً شرعياً فإنه يكون منهياً عنه، قد يكون لباس شهرة, يعني: تلبسه المرأة على وجه لم يكن يلبس عادة, فيكون في ذلك شهرة، فتدخل في النهي أو في ما جاء في الوعيد في لباس الشهرة، أو يكون في ذلك إسراف وتبذير، وكذلك أيضاً بالنسبة للحرير.قال المؤلف رحمه الله: (دون الرجال إلا عند الحاجة).الرجل لا يجوز له أن يلبس الذهب، ولا يجوز له أن يلبس الحرير، إلا أنه يستثنى من ذلك مواضع.استثنى المؤلف رحمه الله قال: إلا عند الحاجة، فيجوز للرجل أن يلبس الذهب عند الحاجة، والدليل على أنه لا يجوز له أن يلبس الذهب: ما تقدم من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه، وله شاهد أيضاً من حديث علي رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ذهباً وحريراً, فوضع أحدهما في يمينه والآخر في شماله, فقال: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم )، فالذهب يحرم على الرجل إلا في مواضع: الموضع الأول: عند الضرورة، فإذا اضطر إلى الذهب فإنه لا بأس بذلك، ويدل لذلك ما جاء في حديث عرفجة بن أسعد رضي الله تعالى عنه ( أنه قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من ورق من فضة، فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب )، هذا الموضع الأول.الموضع الثاني فيما يتعلق باللبس: أجاز شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اليسير من الذهب إذا كان تابعاً وإنه لا بأس به، واليسير هذا ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: أن يكون مستقلاً ليس تابعاً لأمر مباح، فإن هذا محرم ولا يجوز.القسم الثاني: أن يكون هذا اليسير تابعاً لأمر مباح، فإن هذا جائز على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. مثلاً: إذا اتخذ الإنسان أزارير من ذهب نقول: هذه الأزارير تابعة لشيء مباح، إذا كانت متصلة بالثوب فنقول: بأن هذا جائز, ولا بأس به، لكن إذا كانت منفصلة فنقول: بأن هذا محرم ولا يجوز.ومثل ذلك أيضاً ما يسأل عنه بعض الناس من أنه قد يوجد في بعض مشالح الرجال بعض الخيوط من الذهب، فهذه الخيوط من الذهب نقول: بأنها يسير تابع، فإذا كان يسيراً تابعاً فإن هذا جائز ولا بأس به, على ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله.مثال آخر: لو أن الإنسان لبس ساعة وفيها شيء من الذهب أو في آلاتها شيء يسير من الذهب فعلى كلام شيخ الإسلام هذا جائز ولا بأس به، لكن لو أن الإنسان لبس خاتماً من ذهب نقول: بأن هذا محرم ولا يجوز؛ لأن المستقل حتى ولو كان يسيراً محرم ولا يجوز، ولهذا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً في إصبعه خاتماً من ذهب فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام وألقاه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في إصبعه، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم قيل لهذا الرجل: خذ خاتمك فانتفع به، قال: لا آخذه وقد ألقاه النبي صلى الله عليه وسلم ).المهم نفهم أن الشيء المستقل حتى ولو كان يسيراً فإنه لا يجوز.وعلى هذا أيضاً لو أن رجلاً اتخذ لكمه ما يسمى بالكبك فهذا الكبك ما دام أنه مستقل فلا يجوز له أن يتخذه؛ لأن اليسير إذا كان غير تابع فهو محرم ولا يجوز؛ لعموم حديث أبي موسى : ( هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها )، وقوله: ( حرام على ذكور أمتي ) يشمل القليل ويشمل الكثير.وقد ورد في مسند الإمام أحمد رحمه الله ما يدل أيضاً على تحريم اليسير إذا كان مستقلاً.وأما بالنسبة لليسير التابع فقلنا: إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يختار بأن هذا جائز، والجمهور على أن ذلك لا يجوز.ودليل شيخ الإسلام : ما ثبت في صحيح البخاري من حديث المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه: ( أن أباه مخرمة قال له: يا بني! هيا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد جاءته أقبية، قال: فذهبنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنا، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام عليه قباء من ديباج مزرر بالذهب )، فهنا قال: ( مزرر بالذهب ) يفهم منه أنه إذا كان الذهب يسيراً تابعاً فإن هذا جائز ولا بأس به. فاستثنينا بالنسبة للرجال من الذهب ما دعت إليه الضرورة؛ لحديث عرفجة رضي الله تعالى عنه.واستثنينا أيضاً على قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اليسر التابع، وهذا فيما يتعلق باللباس.أما ما يتعلق بالآنية فهذا سبق وأن تكلمنا على ذلك, يعني: حكم استعمال آنية الذهب والفضة، وحكم اتخاذ آنية الذهب والفضة، وذكرنا فيما تقدم في باب الآنية أن استعمال آنية الذهب والفضة ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: في الأكل والشرب.والقسم الثاني: في غير الأكل والشرب.وأيضاً تكلمنا عن حكم الاتخاذ، فلا نخبط بين ما يتعلق بمسألة اللباس وبين ما يتعلق بمسألة الآنية، فلكل حكم مستقل، هذا بالنسبة للذهب.ولم يتعرض المؤلف رحمه الله للفضة بالنسبة للرجال والنساء، فنقول: أما بالنسبة للنساء فالفضة جائزة لهن بالإجماع.وأما بالنسبة للرجال فاختلف أهل العلم رحمهم الله في مسألة اللباس, ليس في مسألة الآنية, وإنما في مسألة اللباس, هل لبس الفضة جائز للرجال؟ مثلاً لو أن إنساناً أراد أن يلبس عباءة عليها أعلام من الفضة، يعني: يلبس مشلح عليه زر من الفضة هل هذا جائز أو ليس بجائز؟ أو أراد أن يلبس ساعة من فضة، أو يلبس مرآة على إطارها فضة, هل هذا جائز أو ليس جائزاً؟جمهور أهل العلم يقولون: الفضة كالذهب محرمة على الرجال.وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الفضة مباحة، الأصل فيها الإباحة، ولم يرد دليل يدل على تحريم لبس الفضة للرجال.وقد ورد في مسند الإمام أحمد رحمه الله: ( وأما الفضة فالعبوا بها لعباً )، وهذا الحديث وإن كان في إسناده شيء إلا أنه في الصحيحين من حديث أنس وغيره: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من فضة )، هذا فيما يتعلق بالذهب.

    حكم لبس الحرير للرجال والنساء

    قال المؤلف رحمه الله: ( والحرير ).الحرير بالنسبة للنساء جائز بالإجماع، ودليل ذلك: ما أورده المؤلف رحمه الله من حديث أبي موسى ، وما ذكرناه من حديث علي رضي الله تعالى عنهما.وأما بالنسبة للذكر فإن الحرير محرم عليه؛ لما أوردنا من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حرم لبس الذهب والحرير على ذكور أمتي وأحل لإناثها )، وما تقدم من حديث علي رضي الله تعالى عنه إلا أنه أيضاً الذكر يباح له الحرير في مواضع:الموضع الأول: عند الحاجة فلا بأس، فإذا احتاج الذكر إلى لبس الحرير لمرض كحكة يعني: وجد فيه حكة يحتاج معها إلى لبس الحرير؛ لأن الحرير لباس بارد، أو كان فيه جرب أو فيه قمل أو نحو ذلك فإنه لا بأس أن يلبسه، ويدل لذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه: ( أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرخص لهما في قميص الحرير، قال: فرأيته عليهما )، وهذا في الصحيحين.فنقول: إذا دعت الحاجة إلى ذلك لمرض أو قمل أو حكة ونحو ذلك فإن هذا جائز ولا بأس به.الموضع الثاني: أيضاً ما ورد في صحيح مسلم من حديث عمر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير، إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة ). وهذا في صحيح مسلم ، وعلى هذا لا بأس أن الرجل يلبس ثوباً فيه أعلام من الحرير، لكن بشرط ألا تتجاوز هذه الأعلام أربعة أصابع، يعني: لا بأس أنك تلبس ثوباً معلماً فيه مشجر من الحرير، علم فيه حرير، ويكون بجانبه علم من غير الحرير، علم مثلاً من القطن أو من الصوف أو غير ذلك أو من الكتان، يعني: تلبس ثوباً فيه علم من الحرير، والعلماء يقولون: العبرة بالعرض أربعة أصابع، أما الطول فلا حد له، لو كان الثوب من أوله إلى آخره كله حرير، لكن العرض ما يتجاوز أربعة أصابع، أيضاً العلم الذي يكون بجانبه من الصوف أو الكتان أو غير ذلك أيضاً ما يكون مساوياً للحرير يكون أكثر من الحرير، فإذا كان علم الحرير ثلاثة أصابع يكون علم الصوف أربعة أصابع، إذا كان علم الحرير إصبعين يكون علم الصوف ثلاثة أو أربعة, إلى آخره.فإذا كان الثوب معلماً فإنه جائز ولا بأس به، والمقصود: بأربعة أصابع الذي رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم إصبعين أو ثلاثة أو أربعة في الموضع الواحد، أما لو كان الثوب فيه مثلاً عشرون إصبعاً أو فيه ثلاثون إصبعاً فإن هذا جائز، المهم في الموضع الواحد لا يتجاوز العلم أربعة أصابع.وأيضاً نشترط شرطاً آخر هو الأحوط والصواب: أن ما يكون بجانبه من العلم الآخر يكون من الصوف لا يكون مساوياً له، بعض أهل العلم قال: بأنه لا بأس أن يكون مساوياً, لكن الأقرب أنه لا يكون مساوياً، يكون خمسة أصابع، علم الحرير أربعة الصوف خمسة، علم الحرير ثلاثة الصوف أربعة، وهكذا.فإذا كان في الثوب عشرة أعلام فإنه لا بأس، هذا علم حرير، وهذا علم صوف، هذا علم حرير وهذا علم صوف، علم حرير وعلم صوف نقول: هذا لا بأس به، هذا جائز، لكن في الموضع نشترط أن يكون الموضع الواحد لا يتجاوز أربعة أصابع.وشرط آخر: أن ما بجانبه من الصوف أو القطن أو الكتان يكون أكثر منه.وأيضاً نتنبه إلى أن العبرة بالعرض، أما الطول فحتى لو كان طوله متراً أو مترين إلى آخره فإن هذا لا بأس به، نقول: هذا جائز ولا بأس به.أيضاً قلنا: أنه لو كانت الأعلام كثيرة بحيث تكون الأصابع تساوي عشرين إصبعاً أو ثلاثين إصبعاً فإن هذا جائز ولا بأس به.وتكلم أكثر العلماء رحمهم الله على صور ذلك، فمن ذلك: سجف الفراء, يعني: الذي يوضع على أطراف الفروة، أو يوضع على أطراف المشلح، أو يوضع على أطراف الكوت، نقول: هذا لا بأس به, لكن بشرط أن يكون أربعة أصابع فأقل، فإذا كان مثلاً أطراف المشلح أو أطراف الفروة أربعة أصابع من الحرير الخالص فإن هذا لا بأس به.أيضاً لبنة الجيب، يعني: الفتحة التي يدخل من عندها الرأس، لو كان هذه اللبنة وضع عليها الإنسان حريراً فإن هذا جائز ولا بأس به، لكن بشرط أن يكون أربعة أصابع فأقل.أيضاً الرقاع، لو أن الإنسان رقع ثوبه أو مشلحه وغير ذلك أيضاً نقول: لا بأس أن يكون ذلك أربعة أصابع فأقل، وعلى هذا فقس.الموضع الثالث الذي رخص فيه العلماء رحمهم الله في الحرير: إذا كان حشواً فلا بأس به، فإذا حشى الفروة أو حشيت الكوت من الحرير فإن هذا لا بأس به.وكذلك أيضاً رخص العلماء رحمهم الله في كيس المصحف، كيس المصحف أيضاً أجاز العلماء رحمهم الله أن يكون من الحرير.وكذلك أيضاً الأزارير لا بأس به؛ لأن هذا لا يأخذ أربعة أصابع، إنما يكون أقل من أربعة أصابع.وكذلك أيضاً لباس الكعبة، أجاز العلماء رحمهم الله أن يكون ذلك من الحرير.قال المؤلف رحمه الله: (لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير: ( هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم ).

    ستر العاتق في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك ].المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يجب على الرجل إذا صلى في الفرض أن يستر عورته, وهي ما بين السرة والركبة كما تقدم لنا، وأيضاً يجب عليه أن يستر أحد عاتقيه، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: بعضه على عاتقه أجزأه ذلك.ودليلهم حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ).وعند جمهور أهل العلم: أن ستر أحد العاتقين ليس شرطاً، فلو صلى الإنسان ولم يستر أحد عاتقيه فإن هذا جائز ولا بأس به.ويدل لذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه لما سئل: ( أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: إن كان ضيقاً فاتزر به، وإن كان واسعاً فالتحف به )، فإذا كان ضيقاً جعله إزاراً، وإذا جعله إزاراً فإنه سيستر نصف بدنه فقط دون النصف العلوي.وهذا القول هو الصواب، فنقول: الصواب في هذا: أنه لا يشترط أن يستر أحد عاتقيه, كما هو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    حكم من لم يجد ما يستر جميع عورته

    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها، فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين، فإن لم يكفهما جميعاً ستر أحدهما، فإن عدم الستر بكل حال صلى جالساً ].ذكر المؤلف هنا حالات:الحالة الأولى: إذا وجد المصلي بعض السترة فيبدأ أولاً بستر العورة، وهي ما بين السرة والركبة.الحالة الثانية: إذا كان ذلك لا يكفي لكل العورة، فمثلاً: إذا فرضنا أن المصلي رجل يجب عليه أن يستر ما بين السرة والركبة، وجد ما يتمكن به من ستر ما بين السرة والركبة نقول: لم يستر الفرجين: القبل والدبر.الحالة الثالثة: لا يكفي إلا أحد الفرجين ستر أحدهما.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن هذا المصلي بالخيار, إن شاء ستر القبل، وإن شاء ستر الدبر، والأولى هو ستر الدبر؛ لأن عورة الدبر أفحش.والوجه الثاني في المذهب: أن الأولى ستر القبل؛ لأن القبل يستقبل به القبلة.لكن الأقرب هو الرأي الأول وأنه يستر الدبر؛ لأن عورة الدبر أفحش وأغلظ من عورة القبل.وعلى هذا نقول: المراتب ثلاثة، إذا وجد بعض السترة نقول: يستر العورة, إذا لم يتمكن ينتقل إلى الحالة الثانية, يستر الفرجين، إذا لم يتمكن ستر أحد الفرجين، وأيهما أولى هل هو القبل أو الدبر؟قلنا: الأقرب في ذلك أن الأولى هو الدبر, فعليه أن يستر الدبر.قال المؤلف رحمه الله: [ فإن عدم الستر بكل حال صلى جالساً, يومئ بالركوع والسجود، وإن صلى قائماً جاز ].إذا كان الإنسان عارياً كإنسان سلبه اللصوص وأخذوا ثيابه ثم حضرته الصلاة فإنه يصلي على حسب حاله، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، وهذا يدل على عظم شأن الوقت، بل يصلي الإنسان على حسب حاله؛ لأنه الآن مخاطب بالصلاة، والله عز وجل يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، ويقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فإذا كان مخاطباً فإنه يصلي، وحينئذ نقول: هذا العاري له حالتان: حالة جواز، وحالة أفضلية، الأفضل أن تصلي وأنت جالس، تومئ بالركوع والسجود، تومئ راكعاً وتومئ ساجداً، وتجعل سجودك أخفض من ركوعك، هذه الحالة الأولى.الحالة الثانية: حالة الجواز، وهي أن يصلي قائماً تماماً، يقوم ويركع ويسجد.. إلى آخره، نقول: بأنه جائز ولا بأس به.

    من لم يجد إلا ثوباً نجساً أو مكاناً نجساً

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً أو مكاناً نجساً صلى فيهما, ولا إعادة عليه ].إذا لم يجد الإنسان إلا ثوباً نجساً أو مكاناً نجساً فإنه يصلي فيه ولا إعادة عليه، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله ظاهر؛ لأن الله عز وجل يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )، وهذا الشخص لم يجد إلا هذا الثوب أو هذا المكان.ولا إعادة عليه، هذا هو الأصل، الأصل أن الإنسان إذا فعل المأمور حسب ما أمر فإنه لا يطالب به مرة أخرى، هذا الأصل, هذه القاعدة أن الإنسان إذا فعل المأمور حسب الأمر أنه لا يطالب به مرة أخرى.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا وجد ثوباً للغير يعني: أنه وجد ثوباً يملكه لكنه نجس نقول: يصلي فيه. لكن لو وجد ثوباً لزيد أو عمرو هل يصلي فيه أو لا يصلي فيه؟هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله، فقال بعض أهل العلم: يصلي فيه ويعيد، يعني: لو وجد ثوباً مغصوباً أو مسروقاً قال: يصلي فيه ويعيد.وقال بعض أهل العلم: يصلي عارياً, ولا إعادة عليه، ولا يستعمل حق الغير.والأقرب في هذه المسألة أن يقال: إن مثل هذا يختلف، فإذا كان المالك عادة يأذن باستعمال هذا الثوب فنقول: بأنه يصلي فيه, ولا إعادة عليه، وإذا كان لا يأذن بذلك فإنه يصلي عارياً, ولا إعادة عليه.

    الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة

    قال المؤلف رحمه الله: [ الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته ].هذا الشرط الرابع من شروط صحة الصلاة، والمؤلف رحمه الله جعله من الشروط، وبعض العلماء لا يجعله شرطاً؛ لأنه يسقط بالنسيان والسهو والجهل, فإذا نسي الإنسان ولم يعلم أو جهل أو نسي فإنه يسقط عليه.قال: (في بدنه).وهذا بدنه دليله سائر أدلة الاستنجاء والاستجمار, فسائر أدلة الاستنجاء والاستجمار التي سبقت لنا هذه كلها تدل على وجوب طهارة البدن حال الصلاة، كحديث سلمان وحديث أبي هريرة وحديث أبي قتادة , وغير ذلك من الأحاديث.وكذلك أيضاً من الأدلة على إزالة النجاسة على البدن: حديث ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فإنه كان لا يستبرئ من بوله )، هذا بالنسبة للبدن.قال: (وثوبه). ودليله حديث أسماء رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الحيض يصيب الثوب: ( حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء، ثم صلي فيه ).وأيضاً يدل لذلك قول الله عز وجل: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] على أحد التفاسير.قال: (وموضع صلاته). موضع صلاته هذا يدل له حديث أنس رضي الله تعالى عنه في بول الأعرابي, ( لما بال في طائفة من المسجد فزجره الناس, فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أكمل بوله، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه ) فهذا يدل على وجوب طهارة موضع الصلاة. قال: [ إلا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه ].تقدم لنا ما هو ضابط النجاسة التي يعفى عنها، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن النجاسة التي يعفى عنها هي نجاسة الدم اليسير في غير المطعوم، فإذا كان دماً ويسيراً وكان ذلك في غير مطعوم وفي غير مائع فإنه يعفى عن هذه النجاسة بهذه القيود الأربعة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.وتقدم لنا أن الصواب في هذا أنه يعفى عن يسير النجاسة مطلقاً، وذكرنا الدليل على ذلك، سائر أحاديث الاستجمار, يقول شيخ الإسلام : بأن سائر أحاديث الاستجمار تدل على أن يسير النجاسة يعفى عنه؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا استجمر سيبقى شيء من أثر النجاسة، وهذه النجاسة معفو عنها، فدل ذلك على أن يسير النجاسة يعفى عنه.

    من صلى وعليه نجاسة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها أو علم بها ثم نسيها فصلاته صحيحة، وإن علم بها في الصلاة أزالها, وبنى على صلاته ].لا بد أن نفرق بين مسألة إزالة الخبث ورفع الحدث، فإزالة الخبث من باب التروك والمحظورات، وأما رفع الحدث فهذا من باب الأوامر، فرفع الحدث من باب الأوامر، وأما إزالة الخبث فهو من باب النواهي والتروك والمحظورات.وذكر ا قاعدة فيما سبق, أن ما يتعلق بالتروك والمحظورات والنواهي يشترط فيها ثلاثة شروط؛ لكي تترتب عليها آثارها, وهذه الشروط هي:الشرط الأول: الذكر.والشرط الثاني: الاختيار.والشرط الثالث: العلم.وعلى هذا لو أن الإنسان صلى وفي ثوبه نجاسة ونسي أن يزيلها، هو علم بالنجاسة لكن نسي أن يزيل هذه النجاسة, فنقول: إن صلاته صحيحة؛ لأن إزالة الخبث من باب المحظورات أو من باب التروك.وكذلك أيضاً لو أن إنساناً صلى وبعد أن انتهى من صلاته علم أن في ثوبه أو في بدنه أو في بقعته نجاسة فنقول: إن صلاته صحيحة.ولو أن إنساناً صلى مكرهاً على حمل النجاسة فنقول: بأن صلاته صحيحة.فعلى هذا إذا صلى الإنسان ثم بعد ذلك تذكر أن في ثوبه نجاسة أو في بدنه أو في بقعته نقول: بأن صلاته صحيحة, ولا شيء عليه.قال: (وإن علم بها في الصلاة أزالها, وبنى على صلاته).إذا علم أن في ثوبه نجاسة فنقول: بأنه يزيلها ويبني على صلاته، ويدل لذلك: حديث أبي سعيد وحديث جابر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بنعليه, ثم خلعهما في الصلاة، فخلع الصحابة رضي الله تعالى عنهم نعالهم، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن خلعهم نعالهم فقالوا: خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل أخبرني أن بهما أذى, فخلعتهما ).إذاً: إذا علم المصلي أن في سترته التي ستر بها نجاسة فإنه يزيلها؛ لما تقدم من حديث أبي سعيد وجابر رضي الله تعالى عنهما، فإن كان لا يتمكن من إزالتها لكونه لا يبقى عليه شيء يستتر به فإنه يستأنف الصلاة، يطهر ثيابه, ويستأنف الصلاة من أولها.

    المواضع التي لا تصح الصلاة فيها

    قال المؤلف رحمه الله: [ والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة, والحمام، والحش، وأعطان الإبل، وقارعة الطريق ].الأصل أن الأرض كلها مسجد؛ لحديث جابر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )، فالأرض كلها مسجد، هذا هو الأصل, كما في الصحيحين، وعلى هذا لا نستثني من هذا الأصل إلا ما دل له الدليل.وقد استثنى المؤلف رحمه الله فقال: (إلا المقبرة). المقبرة لا تصح الصلاة فيها، والمقبرة هي: مدفن الموتى، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن المقبرة لا تصح الصلاة فيها سواء دفن فيها واحد أو أكثر من واحد. هذا هو الصواب.وأما قول بعض العلماء رحمهم الله: لا يضر قبر ولا قبران فهذا فيه نظر.فالصواب: أن المقبرة ما دام أن الدفن وجد فيها أن الصلاة لا تصح، ويدل لذلك حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام )، وهذا إسناده جيد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.وأيضاً ما ثبت في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )، فدل ذلك على أن المقابر لا تتخذ مساجد.وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلوا في بيوتكم، لا تجعلوها مقابر )، فدل ذلك على أن المقابر لا يصلى فيها.والعلة في النهي عن الصلاة في المقبرة: سد ذرائع الشرك؛ لئلا يؤدي ذلك إلى تعظيم أهل القبور، وصرف شيء من أنواع العبادة لهم.وأما قول بعض العلماء: بأن العلة هي خشية النجاسة؛ وذلك بسبب تولد النجاسة من الأموات أو من لحوم الأموات فهذا فيه نظر، فالصواب في ذلك: أن العلة كما لعن النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، العلة هي: سد ذرائع الشرك؛ لئلا يؤدي ذلك إلى تعظيم أصحاب القبور.قال: (والحمام).الحمام هو: مكان المغتسل، مكان المغتسل هذا لا تصح الصلاة فيه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد : ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ).قال: (والحش).الحش: مكان قضاء الحاجة، والحش أيضاً لا تصح الصلاة فيه، إذا كان الحمام وهو مكان المغتسل لا تصح الصلاة فيه فالحش من باب أولى.والعلة في النهي عن الصلاة في الحمام والحش: أن هذه الأشياء هي موارد الشياطين وأماكنهم.وأيضاً علة أخرى, وهي: أيضاً أنها مظنة النجاسة, خصوصاً الحش، الحش هو مظنة النجاسة. والنجس هل يصح الصلاة فيه؟ تقدم لنا أنه يشترط طهارة الموضع الذي يصلى فيه.قال: (وأعطان الإبل).أيضاً أعطان الإبل لا تصح الصلاة فيها؛ لحديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه ( أن رجلاً قال: يا رسول الله! أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا ). فدل ذلك على أن أعطان الإبل لا تصح الصلاة فيها.واختلف العلماء رحمهم الله في تفسير أعطان الإبل على رأيين:الرأي الأول: أن المراد بأعطان الإبل هي: المواضع التي تقيم فيها وتأوي إليها، هذا هو المراد، فإذا كان هناك صير وأحواش تقيم وتأوي إليها هذه الإبل فإنه لا تصح الصلاة فيها.والرأي الثاني: أن المراد بأعطان الإبل المواضع التي تردها بعد أن ترد الماء.والصواب في ذلك: أنه شامل للأمرين، يشمل هذا وأيضاً يشمل هذا.قال: (وقارعة الطريق).أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: لا تصح الصلاة في قارعة الطريق، ودليل ذلك: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في أبي داود وغيره: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في سبعة مواطن، وذكر منها: قارعة الطريق )، لكن هذا الحديث لا يثبت، وحينئذ نقول: الصلاة في قارعة الطريق صحيحة، لكن ليس للإنسان أن يصلي في قارعة الطريق؛ لأن الطريق هذا ليس ملكاً خاصاً, وإنما هو ملك عام لعموم الناس، فكونه يتحجر عليهم ويصلي فيه هذا منع لهم من الاستطراق، لكن لو صلى نقول: بأن صلاته صحيحة، ولا يلزم من كونه يحرم عليه ذلك أن تكون صلاته باطلة, هذا ليس بلازم.وقوله: قارعة الطريق يعني: ما تقرعه الأقدام بالمشي عليه، هذا المراد به، وعلى هذا ما كان عن جوانب الطريق يمين الطريق ويسار الطريق يعني: جوانب الطريق هذا تصح الصلاة فيه.فأصبحت الأماكن التي لا تصح الصلاة فيها: المقبرة، والحمام، والحش، وأعطان الإبل.أيضاً بقي أمر خامس, وهو المحل النجس، المحل الذي فيه نجاسة نقول: لا تصح الصلاة فيه.

    الشرط الخامس: استقبال القبلة

    قال المؤلف رحمه الله: [ الشرط الخامس: استقبال القبلة, إلا في النافلة على الراحلة للمسافر، فإنه يصلي حيث ما كان وجهه ]. هذا الشرط الخامس من شروط صحة الصلاة, استقبال القبلة، وقد دل على ذلك القرآن والسنة واتفاق الأئمة.أما القرآن: فقول الله عز وجل: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144] يعني: جهة الكعبة.وأما السنة: فحديث المسيء صلاته؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال له كما في حديث أبي هريرة : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ).والاتفاق قائم على ذلك.قال المؤلف رحمه الله: (استقبال القبلة).هذا الأصل، الأصل في الصلاة وجوب الاستقبال، وأن استقبال القبلة شرط، إلا أنه يستثنى من ذلك مواضع:الموضع الأول: في صلاة النافلة في السفر، فإنه لا يشترط الاستقبال، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يشترط له الاستقبال سواء كان راكباً أو راجلاً، يعني: سواء كان يمشي على رجليه أو كان راكباً على سيارته أو في الطائرة أو في القاطرة, المهم إذا كان في السفر وكان أيضاً في صلاة النافلة فإنه لا يشترط له الاستقبال، وقلنا: سواء كان راكباً أو راجلاً، ويدل لذلك: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه, يومئ برأسه )، وهذا في الصحيحين، وأيضاً مثله حديث أنس رضي الله تعالى عنه، فنقول: بأنه يسقط الاستقبال في هذه الحالة.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يشترط الاستقبال حتى في تكبيرة الإحرام، يعني: حتى في تكبيرة الإحرام ليس شرطاً أن تتجه تجاه القبلة وتكبر للإحرام, هذا ليس شرطاً، وهذا هو الصواب، وهو الذي ذهب إليه ابن القيم رحمه الله، وعلى هذا يحمل حديث أنس في سنن أبي داود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الصلاة استقبل بوجهه، ثم كبر ) هذا على سبيل الاستحباب؛ لأن الذين وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما لم يذكروا ذلك، وعلى هذا نقول: بأن هذا على سبيل الاستحباب، وهذا القول هو الصواب. قال المؤلف رحمه الله: [ والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره فيصلي كيفما أمكنه ].الموضع الثاني: إذا كان الإنسان عاجزاً عن الاستقبال يتضرر في الاستقبال فنقول: في هذه الحالة يسقط عنه استقبال القبلة؛ لقول الله عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، قال ابن عمر رضي الله عنهما: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي مستقبل القبلة وغير مستقبلها ).فالحالة الثانية: إذا عجز عن الاستقبال لكونه خائفاً أو غيره فيصلي كيفما أمكنه، فمثلاً لو أن إنساناً لحقه عدو أو سبع أو نار أو في حال قتال العدو فإنه يسقط عنه الاستقبال في هذه الحالة؛ لقول الله عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، يصلي وهو هارب من العدو أو هارب من السبع أو النار حيث ما كان وجهه، ولا يلزمه استقبال القبلة، يسقط عنه استقبال القبلة.ذكر المؤلف رحمه الله موضعين، وبقي عليه ثالث، وهو:الموضع الثالث: إذا كان يلحقه مشقة ظاهرة في الاستقبال, فنقول: في هذه الحالة يسقط عنه الاستقبال، ومن باب أولى إذا كان يتضرر, فإنه في هذه الحالة يسقط عنه الاستقبال. مثلاً: لو كان الإنسان مريضاً ممتداً على السرير وعليه الأجهزة، فكونه يستقبل القبلة حال الصلاة فيه مشقة عليه، فنقول: في هذه الحالة يسقط عنه استقبال القبلة؛ لعموم قول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ).فأصبح عندنا يسقط الاستقبال في ثلاثة مواضع:الموضع الأولى: في النافلة في السفر, سواء كان الإنسان راكباً أو كان راجلاً فإنه يصلي على سيارته أو في طائرته أو قاطرته حيثما كان وجهه، ولا يشترط الاستقبال.الموض الثاني: إذا كان عاجزاً عن الاستقبال إما لخوف ونحو ذلك, فإنه يسقط عنه الاستقبال؛ لقول الله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239].الموضع الثالث: في حال المشقة الظاهرة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [5]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (14)

    إذا خفيت القبلة على المصلي فالصواب أن له الاجتهاد مطلقاً سواء كان في الحضر أو السفر، وتشترط النية للصلاة، ويستحب إتيان الصلاة بسكينة ووقار، فإذا جاء وقد أقيمت الصلاة فلا يصلي السنة أو تحية المسجد، فإذا كبّر الإمام فيستحب له أن يرفع صوته ويسرّ غيره.
    تابع شروط الصلاة
    تابع الشرط الخامس: استقبال القبلة

    تقدم الكلام على أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، وذكرنا أن الاستقبال يسقط في مواضع:الموضع الأول: في النافلة في السفر سواء كان الإنسان راكباً أو راجلاً, فإنه يسقط الاستقبال.الموض الثاني: في حال الضرورة، فإذا كان الإنسان مضطراً إلى ترك الاستقبال فلا بأس، كما لو كان هارباً من سبع أو هارباً من نار أو من عدو أو في حال القتال فإنه يصلي حيث كان وجهه؛ لقول الله عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، قال ابن عمر : مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.الموض الثالث: في حال المشقة الظاهرة فلا بأس، فإذا كان الإنسان لا يتمكن من الاستقبال إلا بمشقة ظاهرة فإن الاستقبال يسقط عنه؛ لقول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].وأيضاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ).وأيضاً لقول الله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] .وقوله: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].فإذا كان هناك مشقة ظاهرة فإنه يسقط عنه الاستقبال.قال المؤلف رحمه الله: [ ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبل الكعبة ].يعني: ما عدا ما تقدم استثناؤه ممن يسقط عنه الاستقبال شرعاً لا تصح صلاته إلا مع الاستقبال؛ لما تقدم من الدليل على ذلك في قول الله عز وجل: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144].ولحديث أبي هريرة السابق في المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ).وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: (لا تصح صلاته إلا مستقبل القبلة) أنه سواء صلى إلى غير القبلة عالماً أو جاهلاً أو ناسياً، فلو صلى إلى غير القبلة عالماً فالأمر في ذلك ظاهر، وكذلك أيضاً لو نسي وصلى إلى غير قبلة، أو جهل وصلى إلى غير قبلة، فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا تصح صلاته؛ لقوله: ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبل القبلة؛ لأن الاستقبال شرط من شروط صحة الصلاة, لا يعذر فيه بالجهل والنسيان ما دام أنه يمكنه أن يستدرك.

    استقبال عين الكعبة

    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن كان قريباً منها لزمته الصلاة إلى عينها ].يعني: إذا كان قريباً من الكعبة، وحّد العلماء رحمهم الله القرب بأن يكون في المسجد، فإذا كان في المسجد الحرام فإنه لا بد أن يصيب عين الكعبة، يعني: أن يكون بدنه إلى عين الكعبة، فلو صلى إلى الجهة فإن صلاته لا تصح، يعني: لو كان الآن جالساً في المسجد واستقبل الكعبة ثم انحرف عنها وصلى إلى الجهة فإنها لا تصح، وذكر العلماء رحمهم الله حد القرب بأن يكون في المسجد، وحينئذ لا بد أن يصيب عين الكعبة، فلو انحرف يميناً أو يساراً فإن صلاته لا تصح، يعني: لا يكتفى بالجهة.وكذلك أيضاً لو أنه خرج شيء من بدنه عن عين الكعبة لا تصح صلاته، فلا بد أن يكون جسمه إلى عين الكعبة، فلو أنه انحرف عنها يميناً أو انحرف عنها شمالاً أو خرج شيء من بدنه عن الكعبة فإنها لا تصح صلاته.قال: (فإن كان قريباً منها لزمته الصلاة إلى عينها)؛ لقول الله عز وجل: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144].وأيضاً ما تقدم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ).والنبي عليه الصلاة والسلام صلى داخل الكعبة ثم خرج وقال: ( هذه القبلة )، أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى الكعبة.قال: [ وإن كان بعيداً فإلى جهتها ].يعني: إذا كان غير قريب بأن لم يكن داخل المسجد فإنه يصلي إلى الجهة، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة )، يقوله النبي عليه الصلاة والسلام لأهل المدينة؛ لأن أهل المدينة قبلتهم إلى جهة الجنوب، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ), كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أخرجه الترمذي وغيره، وصححه الترمذي .وعلى هذا لا يضر التيامن اليسير، العلماء يقولون: لا يضر التيامن اليسير, ولا التياسر اليسير، فعندنا الآن القبلة في هذا البلد إلى جهة الغرب، هنا الشمال وهنا الجنوب، ما بين الشمال والجنوب هذا كله قبلة، إذا صليت هكذا فصلاتك صحيحة، وإذا انحرفت يميناً فما دمت في الجهة فصلاتك صحيحة، أيضاً لو تياسرت فصلاتك صحيحة، يعني: إذا صليت إلى ما بين الركنين بين الركن الشمالي الغربي والركن الجنوبي الغربي كان هذا كله قبلة، لكن الآن إذا انحرفت إلى الركن الشمالي نقول: خرجت عن مساماة الجهة، أو انحرفت إلى الركن الجنوبي نقول: انحرفت عن مساماة الجهة، ما دمت في الجهة فصلاتك صحيحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) يعني: كل جهة الجنوب هذه قبلة لأهل المدينة، في مثل هذا البلد نقول: كل جهة الغرب قبلة لهذا البلد، فعندنا الآن كل هذه الجهة والحمد لله قبلة، ولا يضر التيامن والتياسر, ما دمت أنك ما جعلت بدنك إلى الجهة الشمالية أو إلى الجهة الجنوبية، فهذا كله يكون لك قبلة.ودليل ذلك كما أوردنا: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ).وقوله: (وإن كان بعيداً إلى جهتها) هذا يشمل حتى من كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعض أهل العلم قال: بأن مسجد النبي عليه الصلاة والسلام لا بد فيه من إصابة عين الكعبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي في مسجده، وكان ينزل عليه الوحي، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام منحرفاً عن عين الكعبة يميناً أو يساراً لجاء الوحي بتنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، لكن الظاهر في ذلك ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله, من أن الذي يلزمه العين هو من كان قريباً من الكعبة فقط بأن يكون في المسجد، ما عدا ذلك فالجهة؛ لأن بعض أهل العلم كما قلنا استثنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا بد فيه من العين.وأيضاً بعض أهل العلم استثنى من كان ناشئاً في مكة, قال: لا بد من العين، والصواب في ذلك: أن من كان ناشئاً في مكة أو كان ناشئاً في المدينة أو صلى في المسجد أنه تكفي في ذلك الجهة، ولا يشترط إصابة العين، نشترط إصابة العين على من كان قريباً منها بحيث يتمكن, وذلك مثل من كان في داخل المسجد يتمكن أن ينظر إلى عين الكعبة ويصيب عين الكعبة.

    الاجتهاد في القبلة في الحضر والسفر

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن خفيت القبلة في الحضر سأل, واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة، وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى, ولا إعادة ].بالنسبة لما يستدل به على القبلة، ذكر المؤلف رحمه الله ما يستدل به على القبلة: أولاً المحاريب الإسلامية هذه يستدل بها على القبلة، فإذا دخلت بلداً ورأيت محراب مسجده إلى هذه الجهة فهذا تستدل به على جهة القبلة؛ لأن كون المسلمين يضعونه إلى هذه الجهة إنما وضعوه عن علم. هذا الأمر الأول.الأمر الثاني: الخبر، خبر الثقة، فإذا أخبرك ثقة بأن جهة القبلة إلى كذا وكذا فإنك تأخذ بخبره، ويدل لذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث الرسل ويبعث الدعاة يبعثهم وحداناً، ومع ذلك يؤخذ خبرهم، كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في بعث معاذ إلى اليمن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمعاذ : ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ), إلى آخر الحديث.وأيضاً أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس فجاءهم رجل فأخبرهم أن القبلة حولت من بيت المقدس إلى الكعبة, فتحولوا وهم في الصلاة.فنقول: خبر الثقة، ما دام أنه ثقة يوثق بقوله، وهل تشترط عدالته أو لا تشترط عدالته.هذه تكلم عليها العلماء رحمهم الله، والصواب: أن ذلك ليس شرطاً، المهم أننا نثق بقوله؛ لقول الله عز وجل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، فإذا كان صادقاً عرف عليه الصدق أو ظننت فيه الصدق ولم يعرف بالتساهل والكذب فإنه يقبل خبره، وسواء ذكراً أو أنثى، حراً أو رقيقاً, إلى آخره.الأمر الثالث: العلامات الأفقية والعلامات الأرضية، يعني: مما يستدل على القبلة العلامات الأفقية والعلامات الأرضية، فيستدل بالشمس والقمر، وأيضاً بالنجوم، وأيضاً العلماء يطيلون في مثل هذه المسائل، فالعلامات الأفقية كما ذكرنا الشمس والقمر والنجوم هذه يستدل بها وبمنازلها على القبلة، وكذلك أيضاً ذكر العلماء رحمهم الله أنه يستدل أيضاً على القبلة بالعلامات الأرضية, مثل الجبال الكبيرة ووجوهها ومصاب الأنهار الكبيرة, وأيضاً الرياح, هذه تكلم عليها العلماء رحمهم الله، وتكلموا على كيفية الاستفادة بهذه الأشياء بمعرفة جهة القبلة.الأمر الرابع مما يستدل به على القبلة: الآلات، فالآلات الآن تضبط لك جهة القبلة، فهذا أيضاً مما يستدل به على جهة القبلة.فعندنا أربعة أشياء:الشيء الأول: المحاريب الإسلامية.والشي الثاني: خبر الثقة.والشيء الثالث: العلامات الأفقية لمن يستطيع ويعرف أن ينظر فيها، وأيضاً العلامات الأرضية.والشيء الرابع: الآلات الآن توجد الآلات الحديثة تستطيع أن تضبط لك جهة القبلة.قال: (فإن أخطأ فعليه الإعادة).يعني: إذا أخطأ القبلة فعليه الإعادة، يعني: لو أن إنساناً صلى بلا اجتهاد وليس من أهل اجتهاد وصلى إلى غير جهة القبلة في الحضر فإنه يلزمه الإعادة. لكن إذا اجتهد في الحضر هذا سيأتينا إن شاء الله بيان حكمه.قال: (وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى, ولا إعادة عليه).إذا خفيت القبلة في السفر اجتهد، والمجتهد في كل باب بحسبه، فالمجتهد في باب القبلة هو: الذي يعلم أدلة القبلة, وكيفية الاستدلال بهذه الأدلة على القبلة.المؤلف رحمه الله قال: (وإن خفيت في السفر اجتهد) أي لا يجتهد إلا من كان عالماً بأدلة القبلة، وكيف يستدل بهذه الأدلة على القبلة، وعلى هذا إذا اجتهد الإنسان وأخطأ فإنه لا إعادة عليه، ولهذا قال: وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى, ولا إعادة عليه.ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه لا اجتهاد في الحضر، يعني: لو أن إنساناً سكن في بيت جديد وهو يعرف العلامات الأفقية، يعرف القطب ويعرف الشمس ويعرف القمر.. إلى آخره وقال: أجتهد أصعد إلى السطح وأنظر في العلامات الأفقية وأحاذي القبلة وأصلي.. هل الحضر مكان للاجتهاد أو ليس مكاناً للاجتهاد؟ يفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن الحضر ليس مكاناً للاجتهاد، يعني: ليس لأحد أن ينظر في العلامات الأفقية في الحضر ويجتهد ويحاذي القبلة ويصلي؛ لأن بإمكانه أن يعلم القبلة بلا اجتهاد، بإمكانه أن ينظر إلى المحاريب أو يسأل, فهناك دليل أقوى من الاجتهاد، الاجتهاد قد يعتريه الخطأ، لكن كونه ينظر إلى المحاريب هذا لا يعتريه الخطأ، وكونه يسأل هذا أيضاً أقوى.والرأي الثاني: أنه لا بأس أن يجتهد حتى في الحضر، وهذا القول هو الصواب، فإذا كان الإنسان يعرف أدلة القبلة وكيف يستفيد منها واجتهد ونظر في أدلة القبلة فإن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله, وحينئذ إذا صلى فلا إعادة عليه حتى لو اجتهد في الحضر، لكن بشرط أن يكون من أهل الاجتهاد، والذي هو من أهل الاجتهاد هو الذي يعلم أدلة القبلة, وكيف يستدل بها على القبلة.المؤلف رحمه الله قال: إن خفيت في السفر اجتهد إذا كان من أهل الاجتهاد، إذا لم يكن من أهل الاجتهاد كيف يفعل وهو مسافر؟فنقول: هذا لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يكون بعيداً عن المساجد وعن الناس، فهذا يتحرى ويصلي ولا شيء عليه، مثل ما لو كان بعيداً عن الماء هذا يتيمم ويصلي ولا شيء عليه، فإذا كان بعيداً نقول: يتحرى ويصلي ولا شيء عليه.الحالة الثانية: أن يكون قريباً عرفاً من الناس ومن المساجد فهذا لا بد أن يقصد المساجد، وأن ينظر إلى المحاريب, أو يقصد الناس ويسأل.وحد البعد والقرب بالعرف، مثل كيلو وكيلوين هذا قريب عرفاً، يذهب ويقصد، لا يتحرى ويصلي، نقول: إن كان من أهل الاجتهاد يجتهد، لكن ليس من أهل الاجتهاد ما دام أنه قريب عرفاً فلا بد أن يقصد المساجد، وأن يسأل, أما إن كان بعيداً عرفاً مثل عشرة، كيلو عشرين كيلو.. إلى آخره فهذا يتحرى ويصلي, ولا إعادة عليه.

    تقليد أحد المجتهدين في القبلة للآخر

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما صاحبه ].إذا اختلف مجتهدان فخلافهما لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يكون خلافهما جهة، فيقول أحدهما: القبلة إلى هذه الجهة إلى جهة الشمال، والآخر يقول: القبلة إلى جهة الجنوب, هنا الآن اختلفا جهة, فقال المؤلف رحمه الله: بأنه لا يتبع أحدهما الآخر.والرأي الثاني في المسألة: أنه إذا ظن صواب اجتهاد الآخر فلا بأس أن يتبعه، وهذا القول هو الصواب، إذا ظن أنه قد أصاب في اجتهاده فنقول: لا بأس أن يتبعه، هذا الأمر الأول, وهو ما إذا كان الخلاف جهة.الأمر الثاني: إذا اختلفا تيامناً أو تياسراً، بمعنى: أنهما يتفقان في الجهة كل منهم يقول: الجهة هذه، لكن قال أحدهما: نتيامن, نأخذ إلى جهة اليمين، وقال الآخر: نأخذ إلى جهة الشمال، فهنا يتبع أحدهما الآخر؛ لأننا ذكرنا أن ما بين الجهتين كله قبلة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ).فتلخص عندنا أن اختلاف المجتهدين ينقسم إلى هذين القسمين.

    تقليد الأعمى والعامي لأحد المجتهدين إذا اختلفا في القبلة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه ].المراد بالعامي الذي لا يعرف أدلة القبلة، ولا يعرف كيفية الاستدلال بهذه الأدلة على القبلة، ولو كان من أعلم الناس، لو كان من أحفظ الناس لكتاب الله، وأحفظ الناس لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه في هذا الباب جاهل يكون عامياً، فمن يتبع منهما؟ وكذلك أيضاً الأعمى إذا اختلف المجتهدون.أما إن كان اختلافهما انحرافاً. فكما تقدم لنا أن أحدهما يتبع الآخر، وإذا كان أحدهما يتبع الآخر فالأعمى والعامي له أن يتبع كلاً منهما؛ لأن الانحراف يميناً ويساراً لا يضر.أما إذا اختلفا جهةً هذا يقول: إلى جهة الجنوب وهذا إلى جهة الشمال فيقول المؤلف رحمه الله: يتبع أوثقهما في علمه وتقواه، فإن تساويا فإنه يتخير.

    الشرط السادس: النية للصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ الشرط السادس: النية للصلاة بعينها، ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها ]. هذا الشرط السادس, وهو الشرط الأخير من شروط صحة الصلاة: النية.والنية في اللغة: العزم، وأما في الاصطلاح: فهو عزم القلب على فعل العبادة.ويدل على اشتراط النية حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى )، ولأن الإنسان يصلي ركعتين -مثلاً- يقصد بهما السنة الراتبة، وقد يقصد الفريضة, وقد يقصد بها تطوعاً مطلقاً.. إلى آخره، فلا بد من النية التي تعين هذه العبادة, هل هي السنة أو الفريضة، ولا بد من النية التي تميز بين العبادات.وقال: (بعينها) يعني: لا بد أن يعين الصلاة بنيته، فإذا أردت أن تصلي المغرب لا بد أن تنوي أنها صلاة المغرب، وإذا أردت أن تصلي العشاء لا بد أن تنوي أنها صلاة العشاء.. وهكذا، فإن لم تعين لا تصح الصلاة، يعني: نية التعيين هذه لا بد منها.والصواب: أن هذا ليس شرطاً، وأن الإنسان إذا نوى أن يصلي الصلاة الذي حضر وقتها فإن هذه النية كافية، ولا يشترط نية التعيين، وإلا وقع الناس في حرج؛ لأن الإنسان يؤذن عليه المؤذن ثم يخرج إلى الصلاة ويغيب عن ذهنه أنه سيصلي صلاة المغرب, لكنه في ذهنه أنه سيصلي هذه الصلاة التي حضر وقتها وأذن لها، لكن يغيب عن ذهنه أنها المغرب أو أنها العشاء مثلاً.أما المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: لا بد أن يعين, يعني: لا بد من نية التعيين، مع أنهم قالوا رحمهم الله: لا يشترط أن ينوي نية الأداء، ولا يشترط أن ينوي نية القضاء. يعني: إذا كانت الصلاة تفعل في وقتها فهي أداء, فلا يشترط أن ينوي نية الأداء. وإذا كانت تفعل بعد وقتها فلا يشترط أن ينوي نية القضاء. وإذا كانت الصلاة تفعل في وقتها للمرة الثانية فهي إعادة, لا يشترط أن ينوي الإعادة.وإذا كانت الصلاة تفعل أيضاً لا يشترط أن ينوي نية الفريضة، ولا يشترط أن ينوي نية النافلة. إذاً: نية القضاء والأداء والإعادة والفريضة والنفل هذا كله ليس شرطاً، لكن نية التعيين هذا لا بد منه كما ذكر المؤلف رحمه الله، وقلنا: الصواب في ذلك: أنه يكفي أن ينوي الإنسان الصلاة التي حضر وقتها، ولا يشترط أن يعينها.قال: (ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها).النية لها وقتان: وقت جواز، ووقت استحباب.وقت الجواز أن تتقدم الصلاة بالزمن اليسير، يعني: إذا تقدمت النية الصلاة فإن كان الزمن كثيراً فإنه لا يصح، وإن كان الزمن قليلاً فإن هذا صحيح ولا بأس به، يعني: إذا تقدمت الصلاة بالزمن اليسير فجائز، وإن كان بالزمن الكثير فلا يكفي، هذا وقت الجواز.أما بالنسبة لوقت الاستحباب فقالوا: بأن تكون النية مقارنة للتكبير، مع أن بعض أهل العلم قال: إن هذا فيه شيء من العسر.هناك أحكام بقيت للنية, ما يتعلق بقطع النية والانتقال في الصلاة من صلاة إلى صلاة أخرى، وأيضاً نية الإمام، ونية الإتمام.. إلى آخره، هذه الأحكام إن شاء الله سيأتينا بإذن الله بيانها.
    آداب المشي إلى الصلاة

    المشي بسكينة ووقار

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب آداب المشي إلى الصلاة: يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار ].يستحب للإنسان أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار.قال المؤلف: سكينة ووقار، واختلف أهل العلم رحمهم الله: هل هذا من باب الترادف أو أن هذا ليس من باب الترادف؟ يعني: السكينة هل هي مرادفة في المعنى للوقار أو ليس كذلك؟في ذلك رأيان للعلماء رحمهم الله:فالرأي الأول: قالوا: بأنه من باب المترادف، وأن السكينة بمعنى الوقار.والرأي الثاني: قالوا: بأن بينهما فرقاً، وأن السكينة المراد بها التأني في الحركات، واجتناب العبث, وأما الوقار فإنه يكون في الهيئة، كغض الطرف وخفض الصوت وعدم الالتفات، وهذا استظهره النووي رحمه الله.فيستحب للمسلم إذا مشى إلى الصلاة أن يكون عليه سكينة ووقار، السكينة أن يكون متأنياً في حركاته, وألا يعبث، وأيضاً يكون عليه وقار بحيث إنه يغض طرفه ولا يلتفت، وهذا أيضاً من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا مشى لا يلتفت، وأيضاً يخفض صوته, إلى آخره، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة والوقار ).

    مقاربة الخطا

    قال المؤلف: [ ويقارب بين خطاه ]. أيضاً هذه سنة أخرى، السنة الأولى: أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار.والسنة الثانية: أن يقارب بين خطاه، ودليل ذلك: حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( أقيمت الصلاة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا معه، فقارب في الخطا, وقال: تدري لم فعلت هذا؟ لتكثر خطاي في طلب الصلاة )، وهذا الحديث أخرجه الطبراني وغيره، وهو غير ثابت, لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد هذا عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه موقوفاً عليه.وعلى هذا إذا لم يثبت في ذلك سنة فالقاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره: أن ما وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فتركه هو السنة، يعني: كل شيء وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فتركه هو السنة، ولا شك أن هذا السبب كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قارب بين الخطا أو أنه أمر بذلك, كما أنه أمر أن يخرج الإنسان إلى الصلاة متطهراً، وأمر بالمبادرة، وأمر بالخروج بسكينة ووقار, ولم يأمر بالمقاربة بين الخطا، وعلى هذا نقول: بأن هذا ليس سنة.

    عدم تشبيك الأصابع

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يشبك أصابعه ]. ويدل لذلك حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه، أو فلا يشبكن يديه؛ فإنما هو في صلاة )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي والإمام أحمد رحمهم الله، وصححه الحاكم والذهبي وغيرهم.وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن التشبيك بين الأصابع له ثلاث حالات:الحالة الأولى: أن يكون من حين خروج الإنسان إلى الصلاة إلى إقامة الصلاة، فقالوا: بأن هذا منهي عنه، لما سلف في حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه.الحالة الثانية: أن يكون التشبيك في أثناء الصلاة, وهذا أيضاً أشد، وهذا سيأتينا إن شاء الله في مكروهات الصلاة، والعلماء رحمهم الله يعدونه في مكروهات الصلاة.الحالة الثالثة: بعد الفراغ من الصلاة ولو كان الإنسان في المسجد فلا بأس أن يشبك بين أصابعه، ويدل لذلك حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين لما سلم النبي صلى الله عليه وسلم.. إلى آخره, فإن النبي عليه الصلاة والسلام شبك بين أصابعه.

    الدعاء بالمأثور

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويقول: باسم الله، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78], الآيات, إلى قوله: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89] ]. هذا الذكر أو قراءة هذه الآيات ليست ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا إذا كانت غير ثابتة فلا يفعلها الإنسان، لكن التسمية يسمي، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن التسمية يؤتى بها في ابتداء كل فعل مهم، وقد ثبتت هذه التسمية في حديث أنس رضي الله تعالى عنه.أيضاً ما ذكره المؤلف من الحديث الآخر حديث أبي سعيد : ( اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ).. إلى آخره، أخرجه ابن ماجه وغيره، وهو ضعيف, لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.وعلى هذا نستبدل هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف رحمه الله بما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فعندنا حديث ابن عباس في مسلم ، وعندنا حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وأيضاً حديث أنس رضي الله تعالى عنه في سنن أبي داود والترمذي .وحديث ابن عباس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وأعطني نوراً ). هذا في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ينبغي للإنسان أن يحفظه.أيضاً حديث أم سلمة قالت: ( ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أجهل أو يجهل علي ).أيضاً حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته قال: باسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا قال ذلك يقال له: هديت ووقيت وكفيت، وتنحى عنه الشيطان ).فهذه الأذكار ينبغي للإنسان أن يحفظها، أما ما أورده المؤلف رحمه الله فغير ظاهر.

    عدم السعي إذا أقيمت الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ فإذا سمع الإقامة لم يسع إليها؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا ) ].الظاهر أن هذا الحديث في الصحيحين، إذا سمع الإقامة، ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله: إذا سمع الإقامة، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة ) أن الإقامة تسمع من الخارج، والعلماء رحمهم الله كما تقدم لنا في باب الأذان يقولون: يستحب للمؤذن أن يقيم في المكان الذي أذن فيه، وعلى هذا لو أذن في المنارة قالوا: يستحب أن يقيم في المنارة، ويؤخذ من هذا عمل بعض المؤذنين اليوم أنه يقيم في مكبر الصوت، بحيث إن الإقامة تنتشر، فيؤخذ من كلام العلماء رحمهم الله أن هذا لا بأس به، وهذا العمل له أصل في كلام العلماء رحمهم الله, في قولهم: أنه يستحب للمؤذن أن يقيم في المكان الذي أذن فيه، وأيضاً قولهم: إذا سمع الإقامة لم يسع إليها.وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ) يعني: الإنسان لا يكون علم بالإقامة وهو خارج الصلاة إلا إذا كان يسمعها.

    ترك صلاة التطوع إذا أقيمت الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ].إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وهذا دليله حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ). وهذا أخرجه مسلم في صحيحه. ويؤخذ من هذا أنه جميع الصلوات وأنه لا يستثنى شيء، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله أنها إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وعلى هذا إذا أقيمت الصلاة وأحرم الإنسان بنافلة بعد إقامة الصلاة فإن صلاته هذه لا تنعقد.وخالف في ذلك الحنفية، فاستثنوا ركعتي الفجر، فقالوا: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر، فللإنسان إذا جاء والإمام قد قام لصلاة الفجر أن يصلي ركعتي الفجر ما دام أنه سيدرك التشهد الأخير مع الإمام، هذا هو المشهور من مذهب الحنفية، ولذلك تلحظ بعض العمال الذين يأخذون بمذهب الحنفية أنه يأتي والناس يصلون الفجر ويشرع في صلاة السنة الراتبة، وهذا القول فيه نظر، وما في سنن البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر ) هذه الزيادة غير ثابتة، فالصواب في ذلك أنه ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة )، لكن إذا أقيمت الصلاة والإنسان يصلي الراتبة أو يصلي تحية المسجد فهل يستمر في صلاته أو يقطع الصلاة.هذه المسألة موضع خلاف، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يتمها خفيفة, إلا إذا خشي أن تفوته الجماعة فإذا خشي أن تفوته الجماعة فإنه يقطعها، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.وقال بعض أهل العلم: بأنه يقطع هذه الصلاة؛ للحديث.والرأي الثالث وهو الأقرب في هذه المسألة: أنه إن صلى ركعة فإنه يضيف إليها ركعة أخرى، وإن لم يصل ركعة بأن أقيمت الصلاة قبل أن يصلي ركعة فإنه يقطعها. ويدل لهذا أنه إذا صلى ركعة لا يقطعها بل يضيف إليها ركعة أخرى خفيفة أنه أدرك هذه الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، أما إذا لم يصل ركعة فإنه لم يدرك هذه الصلاة، وحينئذ يقطعها لهذا الحديث.

    تقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإذا أتى المسجد قدم رجله اليمنى في الدخول ].إذا دخل المسجد فإنه يقدم رجله اليمنى، وقد تقدم القاعدة في ذلك، وأن اليد اليمنى والرجل اليمنى تقدم في الطيبات أو ما كان في باب التكريم، واليسرى على خلاف في ذلك.وذكرنا أن هذه المسألة لها ثلاثة أقسام: ما كان من باب التكريم، وما كان من باب الاستخباث، وما تردد، فتقدم اليمنى في موضع التكريم وإذا تردد الإنسان، أما إذا كان في باب الاستخباث كالتمخط وغير ذلك فإنه تقدم اليد اليسرى والرجل اليسرى.

    دعاء دخول المسجد

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك ]. هذا يدل له حديث أبي حميد أو أبي أسيد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ).وحديث فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمها أن تقول إذا دخلت المسجد: اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وإذا خرجت أيضاً أن تقول: افتح لي أبواب فضلك ), هذا لا يثبت، لكن الثابت في هذا حديث أبي أسيد أو أبي حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ).
    صفة الصلاة

    تكبيرة الإحرام

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب صفة الصلاة:إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر ].صفة الصلاة يعني: الهيئة والكيفية التي تكون عليها الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام بين الصلاة في قوله وفعله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبين الصلاة للناس ويقول: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ).يقول: (إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر). ومتى يقوم الإنسان إلى الصلاة؟هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه يقوم إلى الصلاة عند قول المقيم: قد قامت الصلاة، فإذا قال المقيم: قد قامت الصلاة فإنه يستحب أن يقام إلى الصلاة. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.قال أبو حنيفة رحمه الله: يقوم إلى الصلاة إذا قال المقيم: حي على الفلاح، إذا قال المقيم: حي على الفلاح فإنه يقوم إلى الصلاة.عمر بن عبد العزيز وطائفة من السلف كـالزهري وسالم بن عبد الله وغيرهم قالوا: بأنه يقوم إلى الصلاة إذا بدأ المقيم بالإقامة, إذا بدأ المقيم بالإقامة فإنه يقوم.عند الإمام مالك رحمه الله: أنه لا توقيت في ذلك، وهذا القول هو الصواب, أنه ليس هناك سنة محددة للقيام إلى الصلاة، هذا القول هو الصواب، ولم يرد إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوموا حتى تروني )، هذا الذي ورد، ما عدا ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول: إن الإنسان سواء قام في أول الإقامة أو في وسط الإقامة أو في نهاية الإقامة إلى آخره، لكن ينتظر حتى يأتي الإمام، فإذا جاء الإمام فإنه يقوم سواء قام في أول الإقامة، أو في وسط الإقامة، أو في نهاية الإقامة؛ لأن الذي ورد هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تقوموا حتى تروني )، ما عدا ذلك لم يثبت فيه سنة، والإنسان يستحب أن يكون متهيئاً للصلاة، لكن تحديده عند: حي على الفلاح أو بدء الإقامة إلى آخره كما قال الإمام مالك رحمه الله: لا توقيت فيها، وعلى هذا نقول: ينتظر المأموم حتى يرى الإمام، فإذا رأى الإمام فإنه يقوم، سواء قام في أول الإقامة أو في وسطها أو في آخرها.قال: (وإذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر).والقيام كما سيأتينا في الأركان ركن من أركان الصلاة، وأيضاً قوله: الله أكبر، تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة.وقوله: (الله أكبر) لا يجزئ إلا هذا اللفظ، فلو قال: الله الأجل، أو الله الأعظم، أو الله أعظم.. إلى آخره فإنه لا يكفي؛ لأن هذا خلاف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله, خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله.

    جهر الإمام بالتكبيرات وإسرار غيره بها

    قال المؤلف رحمه الله: [ يجهر بها الإمام وبسائر التكبير؛ ليسمع من خلفه ].يعني: يجهر بالتكبير؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الهدي أن إخفاء التكبير إنما هو من صنيع أمراء بني أمية؛ لأن أمراء بني أمية تصرفوا في الصلاة، فنشأ من نشأ على هذا التصرف، يعني: خالفوا في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فنشأ من نشأ على ذلك، من هذه المخالفة أنهم كانوا لا يجهرون بالتكبير، يعني: تكبير الانتقال يركع ويرفع ما يجهر، ولهذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يبينون للناس سنة النبي عليه الصلاة والسلام كـأبي هريرة وغيره, يجهرون بالتكبير ويبينون السنة, مخالفة لما ورد عن أمراء بني أمية رحمهم الله.وكذلك أيضاً من تصرفهم في الصلاة عدم الطمأنينة في القيام والاعتدال بعد الرفع من الركوع، بعد الرفع من الركوع كانوا لا يطمئنون، وكذلك أيضاً في الجلسة بين السجدتين كانوا لا يطمئنون، وقد ذكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم حتى يقول القائل: قد أوهم, قد نسي ). ما معنى: حتى يقول: قد أوهم قد نسي؟ هذا بالنسبة لما كان عليه الناس في زمن بني أمية؛ لأن الإمام كان إذا قام يهوي بسرعة، فإذا قام وطبق السنة كان قيامه قريباً من ركوعه ماذا يقول القائل؟ يقول القائل: إنه نسي أو وهم، وإذا جلس في الجلسة بين السجدتين وكان جلوسه قريباً من السجود يقول القائل في هذه الحالة: إنه قد وهم، هذا بناء على ما كان عليه الناس في زمن أمراء بني أمية رحمهم الله، فيجهر كما ذكر المؤلف رحمه الله.قال: [ ويخفيه غيره ].يعني: بالنسبة للمأموم وبالنسبة للمنفرد، فالإمام يجهر بحيث يسمع المأمومين، المنفرد يخفيه، المأموم يخفيه، لكن هل يشترط أن يسمع نفسه أو أن هذا ليس شرطاً؟هل يشترط بالنسبة للمأموم في التكبيرات وفي الأذكار الواجبة أن يسمع نفسه أو أن نقول: بأن هذا ليس شرطاً؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يشترط أن يسمع نفسه، يعني: يجهر به بحيث يسمع التكبير.وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن هذا ليس شرطاً، بل يكفي أن يمر الذكر على لسانه، إذا حرك لسانه بالتكبير أو حركه بالتسبيح أو بقول: رب اغفر لي فإن هذا كاف ولا بأس به، ولا يشترط أن يجهر به بحيث يسمع نفسه.وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الصواب، فنقول: يكفي أن يمر هذا الذكر على لسانه، فإذا أمره على لسانه فإن هذا كاف ولا بأس به.

    رفع اليدين عند ابتداء التكبير

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويرفع يديه عند ابتداء التكبير ].والأيدي ترفع في أربعة مواضع دلت لها السنة الصحيحة، والموضع الخامس هذا موضع خلاف كما سيأتينا إن شاء الله، أيضاً الموضع الرابع محل خلاف, لكن السنة الصحيحة دلت عليه، فعندنا بالنسبة لرفع الأيدي ذكر العلماء رحمهم الله أربعة مواضع ترفع فيها الأيدي في الصلاة.قال: (يرفع يديه عند ابتداء التكبير).يعني: إذا أراد أن يكبر، وهذا هو الموضع الأول الذي ترفع فيه الأيدي في الصلاة، ويدل لذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: وكان لا يفعل ذلك في السجود )، وهذا الحديث في الصحيحين.وقال المؤلف رحمه الله: عند ابتداء التكبير, يعني: يكون الرفع عند ابتداء التكبير، وهذا ورد له صفات, يعني: عندنا حد الرفع، وعندنا زمن الرفع متى يرفع؟ وقال المؤلف رحمه الله: إنه عند ابتداء التكبير، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه يرفع مع ابتداء التكبير، وينهي الرفع مع نهاية التكبير، يبدأ بالرفع مع ابتداء التكبير، وينهيه مع نهاية التكبير، ودليل ذلك: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في صحيح البخاري قال: ( فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه ) قال: ( فرفع يديه حين يكبر )، هذه الصفة هي التي مشى عليها الحنابلة رحمهم الله.الصفة الثانية: أنه يكبر ثم يرفع يديه، يعني: يقول: الله أكبر ثم يرفع يديه، وهذه الصفة رواها مالك بن الحويرث ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى كبر ثم رفع يديه )، وهذا أيضاً في الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى كبر ثم رفع يديه ).الصفة الثالثة: يرفع يديه أولاً ثم بعد ذلك يكبر، وهذا دليله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر ).أصبح عندنا ثلاث صفات في زمن الرفع:الصفة الأولى: أن يكون الرفع مع التكبير إلى أن ينتهي، يعني: يضع مع انتهاء التكبير.الصفة الثانية: يقول: الله أكبر ثم يرفع.الصفة الثالثة: يرفع ثم يقول: الله أكبر.والقاعدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره: أن الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجوه متنوعة أنها تفعل كلها، هذا هو السنة، السنة أنك تفعلها كلها، فتارة تكبر ثم ترفع، وتارة ترفع ثم تكبر، وتارة ترفع مع التكبير، فتفعل السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها، هذا هو الأفضل، وهذا فيه فوائد، إذا فعلت هذه السنة كلها أولاً: تحفظ العلم.ثانياً: تطبق السنة كلها.وثالثاً: أنه أدعى إلى حضور القلب والخشوع في الصلاة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )




    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [6]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (15)

    يستحب دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام، وله صيغ متعددة، كما تستحب الاستعاذة بأية صيغة مشروعة، ثم الفاتحة وقد وقع الخلاف في حكمها، ثم يقرأ سورة تختلف طولاً وتوسطاً وقصراً بحسب الصلوات.
    تابع صفة الصلاة

    مواضع رفع اليدين

    رفع الأيدي في الصلاة له أربعة مواضع: الموضع الأول: عند تكبيرة الإحرام.والموضع الثاني: عند الركوع.والموضع الثالث: عند الرفع من الركوع.والموضع الرابع: عند القيام من التشهد.وهناك موضع خامس ذهب إليه بعض السلف وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله وهو أنه يرفع إذا أراد السجود، وإذا رفع من السجود إلى آخره، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى هذه الموضع.المهم الموضع الأول: عند تكبيرة الإحرام، وهذا الرفع مشروع؛ ودليله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السجود ).قال المؤلف رحمه الله: (عند ابتداء التكبير).بين المؤلف رحمه الله زمن الرفع.. متى يرفع.فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يرفع مع التكبير، وينتهي الرفع مع نهاية التكبير، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ ودليل ذلك حديث ابن عمر فقد جاء فيه: ( فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه ) وهذا في صحيح البخاري .وما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله هذا هو أحد السنن الواردة في زمن الرفع. والسنة الثانية: أنه يرفع قبل التكبير، يعني يرفع يديه، وبعد أن ينتهي من الرفع يقول: الله أكبر، هذه هي السنة الثانية؛ وهذا دليله أيضاً حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر )، فهذه هي السنة الثانية أنه يرفع ثم بعد ما ينتهي من الرفع يقول: الله أكبر.السنة الثالثة عكس هذه السنة: يكبر يقول: الله أكبر ثم بعد ذلك يرفع يديه؛ وهذا دليله حديث مالك بن الحويرث في صحيح البخاري ( أنه كبر ثم رفع يديه )، لما ذكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مالك رضي الله تعالى عنه كبر ثم رفع يديه، فأصبح زمن الرفع له ثلاث سنن: السنة الأولى: أن يرفع مع ابتداء التكبير، وينهيه مع انتهاء التكبير.والسنة الثانية: أن يكبر ثم يرفع.والسنة الثالثة: أن يرفع ثم يكبر.والصواب في هذا كما سلف لنا أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يستحب فعلها جميعاً، فتارةً تكبر تقول: الله أكبر ثم ترفع يديك، وتارةً ترفع يديك ثم تقول: الله أكبر، وتارةً ترفع مع التكبير وتنهي الرفع مع نهاية التكبير، تفعل هذا كله، وبهذا تكون أتيت على كل السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.وفيه من الفوائد: حفظ العلم، وأيضاً من فوائد ذلك: تطبيق السنة كلها، ومن فوائد ذلك: أن العبادة بدلاً من أن تكون مجرد عادة فإنها تكون عبادة حية؛ لأن الإنسان إذا تأمل نفسه وأنه سيطبق هذه السنة في هذا الرفع وفي الصلاة الأخرى سيطبق السنة الأخرى فإن عبادته تكون حيةً، ويكون هذا أدعى إلى الخشوع وحضور القلب، والإقبال على الله عز وجل.

    صفة رفع اليدين عند التكبير

    قال المؤلف رحمه الله: [إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه].وهاتان أيضاً سنتان، يعني أن حد الرفع، ورد فيه سنتان: السنة الأولى كما قال المؤلف رحمه الله: إلى حذو منكبيه؛ وهذا دليله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه )، فأنت ترفع حتى تكونا حذو منكبيك، هذه الصفة الأولى ( أن النبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه )، هذه الصفة الأولى دل لها حديث ابن عمر .الصفة الثانية: قال المؤلف رحمه الله: [أو إلى فروع أذنيه]. وهذا قال به أبو حنيفة رحمه الله؛ ودليل ذلك حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه )، وهذا أيضاً في مسلم ، فأنت تارة ترفع إلى حذو الأذنين، وتارةً ترفع إلى حذو المنكبين، تارة إلى حذو الأذنين، وتارة إلى حذو المنكبين، وتفعل السنة كلها، تارةً تفعل هذه السنة، وتارةً تفعل هذه السنة.وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الإنسان بالخيار، لكن الصواب أنه يفعل هذه تارة وهذه تارةً أخرى، فتارةً ترفع إلى حذو المنكبين، وتارةً ترفع إلى أن تحاذي الأذنين.

    وضع اليد اليمنى على اليسرى حال القيام

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجعلهما تحت سرته].لم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى كيف يضع يديه، وهذا ورد فيه ثلاث سنن: السنة الأولى: القبض؛ وذلك أن تقبض اليد اليسرى من عند الكوع باليد اليمنى، وهذه دل لها حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائماً قبض بيمينه على شماله ).السنة الثانية: أن تضع اليد اليمنى على الذراع اليسرى، وهذا أيضاً دليله حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري قال: ( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة ).السنة الثالثة: أن يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى؛ وهذا دليله حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه في مسند الإمام أحمد وفي سنن أبي داود والنسائي .فأصبح عندنا ثلاث سنن: تضع اليد اليمنى على الكف اليسرى، تقبض، تضع اليد اليمنى على الذراع اليسرى. وهذا كما سلف يستحب للإنسان أن يصلي بهذا تارة، وأن يصلي بهذا تارةً أخرى يفعل السنة كلها.قال: (ويجعلهما تحت السرة).بعد أن تضع أو تقبض يقول المؤلف رحمه الله: تجعل ذلك تحت سرتك؛ ودليل ذلك حديث علي : ( من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة )، وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وإسناد هذا الحديث ضعيف، وأمثل من هذا الحديث وأصح منه حديث وائل بن حجر رحمه الله قال: ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره )، ولهذا ذهب الإمام مالك رحمه الله والشافعي خلاف ما ذهب إليه المؤلف، مذهب مالك والشافعي : أنك تجعل اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر؛ لحديث وائل رضي الله تعالى عنه فإنه قال: ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره ). ويدل لذلك أيضاً ما تقدم من حديث سهل بن سعد قال: ( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى )، فإذا وضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى هل سيكون ذلك تحت سرته أو لا بد من أن يرفع يديه؟ قطعاً لا بد أن يرفع يديه، ما يتمكن أنه يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى ويكون ذلك تحت السرة، هذا غير ممكن، بل إذا وضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى فإن ذلك سيكون على صدره. فيكون عندنا دليلان:الدليل الأول: حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري وهذا بالمفهوم.والدلي الثاني: حديث وائل بن حجر رحمه الله في صحيح ابن خزيمة وسنن البيهقي . ولهذا ذهب مالك والشافعي كما أسلفت إلى أن السنة أن يضعهما على صدره، وهذا هو الصواب، ولو ثبت حديث علي نقول: يفعل هذا تارة وهذا تارة، لكن حديث علي لم يثبت، وعلى هذا نقول: يضعهما على صدره.وظاهر ذلك أن الأمر في ذلك واسع، سواء كان مبتدأ الصدر أو وسط الصدر أو رفع عن الوسط، الظاهر أن الأمر في ذلك واسع.

    موضع نظر المصلي

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجعل بصره إلى موضع سجوده].وهذا قال به جمهور أهل العلم، يعني إذا كان في الصلاة فإنه ينظر إلى موضع سجوده؛ ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في مستدرك الحاكم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وصلى، ولم يتجاوز بصره موضع السجود )؛ ولأن الإنسان إذا جعل بصره إلى موضع سجوده كان ذلك أدعى إلى أن يخشع في صلاته، ويطمئن فيها، ويجتنب ما يلهيه ويصرفه عن صلاته.وعند الإمام مالك رحمه الله أنه ينظر إلى جهة القبلة، الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: ينظر إلى جهة القبلة، ويستدل بما ثبت في الصحيح من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف، ( فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما صلى صلاة الكسوف عرضت عليه الجنة والنار في قبلته، وتأخر خشية أن يصيبه شيء من لهب النار، وتقدم لكي يأخذ شيئاً من ثمار الجنة )، فكون النبي عليه الصلاة والسلام تعرض عليه الجنة والنار في قبلته، دليل على أنه لم يكن بصره إلى موضع سجوده. والأظهر والأقرب -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم وأنه ينظر إلى موضع سجوده، وأما نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى جهة قبلته في صلاة الكسوف فهذا حالة خاصة، حالة خاصة نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الموضع لما عرض عليه من عذاب النار ونعيم الجنة.يستثنى من ذلك إذا كان الإنسان في التشهد، سواء كان في التشهد الأول أو في التشهد الثاني فإنه يرمي ببصره إلى سبابته، وسيأتينا إن شاء الله في صفة الجلوس في التشهد الأول وفي التشهد الثاني أنه يقبض ويرفع السبابة ويحركها عند الدعاء، إذا جلس في التشهد فإنه يرمي ببصره إلى سبابته, كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأصبح ينظر المصلي إلى موضع سجوده إلا في حالة التشهد فإنه يرمي ببصره إلى السبابة.

    دعاء الاستفتاح

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك].وهذا يسمى الاستفتاح، واعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام وردت عنه استفتاحات كثيرة، منها ما أورده المؤلف رحمه الله: ( سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك ).. إلى آخره، وهذا أخرجه مسلم موقوفاً على عمر ، وفي صحيح مسلم : أن عمر كان يجهر بهذه الكلمات: سبحانك اللهم وبحمدك.. وورد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً وغيره.وهناك استفتاحات كثيرة، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له رسالة في ذلك، ما هي الاستفتاحات؟حدي ث أبي هريرة في الصحيحين: ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ). وكذلك أيضاً من الاستفتاحات حديث عائشة : ( اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل فاطر السموات والأرض.. ) إلى آخره.ومن الاستفتاحات حديث علي في مسلم : ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي.. ) إلى آخره.ومن الاستفتاحات أيضاً حديث ابن عباس في الصحيحين.ومن الاستفتاحات أيضاً حديث ابن عمر : ( الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ) إلى آخره. فينبغي للمسلم وخصوصاً طالب العلم أن يحفظ جملةً من هذه الاستفتاحات ويأتي بها في الصلاة، وكما أسلفنا أن الإنسان ينبغي له أن يحفظ كل السنة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام التي وردت على وجوه متنوعة، يأتي بهذا الوجه تارة، وبهذا الوجه تارةً أخرى. ومن هذه الاستفتاحات ما يكون في صلاة الليل كحديث عائشة وحديث علي وحديث ابن عباس لكن القاعدة أن ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا لدليل، فينبغي لنا أن نحفظ هذه الاستفتاحات، وهذه لعلنا إن شاء الله نصورها وأيضاً نصور الأذكار الواردة الأخرى مثل الركوع ورد فيها أذكار واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والسجود أيضاً ورد فيه أذكار واردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، والرفع من الركوع والجلوس إلى آخره فمثل هذه الأشياء لعلنا إن شاء الله نقوم بتفصيلها وتوزيعها على الإخوة لكي يعنوا بشرحها وتطبيقها في الصلاة؛ لأن الصلاة تتكرر عليهم في اليوم والليلة أكثر من خمس مرات، الإنسان قد لا يستطيع أن يطبق في الفرض لكن يطبق في النفل، وأيضاً كثير من السنن يتمكن الإنسان أن يطبقها، فعلى طالب العلم أن يكون متميزاً. وقول المؤلف رحمه الله: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك..) إلى آخره، هذا ما عليه جمهور أهل العلم، جمهور العلم على استحباب الاستفتاح خلافاً للإمام مالك رحمه الله، الإمام مالك رحمه الله لا يرى شرعية الاستفتاح، وهذا فيه نظر، والإمام مالك رحمه الله يستدل بحديث أنس أنه قال: ( صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يبدءون بـ (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الفاتحة:2] )، فقوله: ( كانوا يبدءون بـ (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الفاتحة:2] ) المراد بهذا فيما يتعلق بالجهر، في الجهر لا يجهرون بالاستفتاح، ولا يجهرون بالبسملة، ولا يجهرون بالاستعاذة، وإنما يجهرون بالحمد لله مباشرةً.

    الاستعاذة قبل القراءة

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم].السنة أن يستعيذ، وكما سلف أن الإمام مالك رحمه الله لا يرى الاستعاذة، يقول: الاستعاذة لا تسن في الفرض، وإنما تسن في النفل فقط. وأحمد والشافعي يقولان: بأنها سنة، مالك يقول: بأنها ليست سنةً في الفرض، وإنما هي سنة في النفل. وعند أبي حنيفة وابن حزم أنها واجبة. والصواب في ذلك: أنها سنة في الفرض وفي النفل.أما كيفية الاستعاذة فسواء قال الإنسان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، هذا كله جائز؛ لأن الاستعاذة هذه ليست للصلاة وإنما هي للقراءة، ولهذا قال الله عز وجل: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98] ، تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو تقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو تقول كما ورد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.

    البسملة

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم].يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، البسملة كلام المؤلف رحمه الله على أنها سنة، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة والإمام أحمد ، وعند مالك رحمه الله يكره للإنسان أن يبسمل، ويقابل ذلك قول الشافعي رحمه الله: تجب البسملة، فـالشافعي يعتبرها آية من الفاتحة، وأنها واجبة لا بد للإنسان أن يأتي بها، ومالك يقول: تكره البسملة، وأحمد وأبو حنيفة يقولان: بأنها مستحبة، وهذا هو الصواب، الصواب: أنها مستحبة، وتقدم الإجابة على دليل مالك ، وأن حديث أنس : ( صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، كانوا يبدءون بـ (الحمد لله رب العالمين) )، المقصود بذلك الجهر، فكانوا لا يجهرون بهذه الأشياء، لا يجهرون بالبسملة، ولا بالاستعاذة، ولا بالاستفتاح، الاستفتاح وارد، والاستعاذة عند قراءة القرآن واردة، بل الاستعاذة واردة أيضاً حتى في الصلاة، والبسملة أيضاً واردة. فالصواب: أن البسملة سنة وليست واجبة كما قال الشافعي ، وليست أيضاً مكروهة كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى. ويدل على أنها ليست من الفاتحة ما ثبت في الحديث القدسي من حديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ربه أنه قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الفاتحة:2]، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: (( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ))[الفاتحة:3]، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ))[الفاتحة:4]، قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ))[الفاتحة:5]، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل )، فلم يقل: بسم الله الرحمن الرحيم.

    خلاف العلماء في الجهر والإسرار بالبسملة

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يجهر بشيء من ذلك؛ لقول أنس : ( صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم )].يعني الجهر بالبسملة هل هو مشروع أو ليس مشروعاً؟المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله عدم شرعيته، وأنك تسر به، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم؛ ودليل ذلك ما ذكره المؤلف حديث أنس : ( صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ).الرأي الثاني: رأي الشافعي : أنه يستحب الجهر بالبسملة.والجهر بالبسملة قد ألفت فيه مؤلفات، يعني هل يستحب أو يشرع الجهر بالبسملة أو لا يشرع؟ ألف فيه مؤلفات، فـالدارقطني له مؤلف، وابن خزيمة له مؤلف، وابن حبان .. إلى آخره، ألفت فيها مؤلفات مستقلة. والصواب في ذلك أن يقال: يعمل بالسنة الواردة كلها، فهدي النبي صلى الله عليه وسلم الغالب أنه كان لا يجهر بالبسملة، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام الغالب أنه كان لا يجهر بالبسملة، كما ذكر أنس رضي الله تعالى قال: ( صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ).وثبت الجهر بالبسملة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وعلى هذا نقول: الغالب على الإنسان أنه لا يجهر بالبسملة، وفي بعض الأحيان يجهر بالبسملة، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: خصوصاً إذا كان ذلك لمصلحة، يعني يجهر بها إذا كان هناك مصلحة كتأليف مثلاً يصلي خلفه أناس يرون الجهر بالبسملة، فما دام أنه ثبت في السنة ويترتب أيضاً عليه مصلحة فنقول: بأنه يجهر بها في بعض الأحيان، فيعمل بالسنة الواردة كلها. فنقول في الجهر: الغالب على الإنسان ألا يجهر بذلك، وفي بعض الأحيان يجهر، وبهذا نعمل بالسنة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام كلها.

    قراءة الفاتحة

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاة لمن يقرأ بها إلا المأموم، فإن قراءة الإمام له قراءة].بالنسبة للفاتحة هي ركن من أركان الصلاة، وسيأتي كلام المؤلف رحمه الله عليها عندما يعدد أركان الصلاة، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك. ويدل لقراءة الفاتحة حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، وهذا في الصحيحين. وسيأتينا إن شاء الله كلام أهل العلم رحمهم الله: هل هي ركن في كل ركعة، أو أنها ركن في بعض الركعات كما هو خلاف بين الحنفية وجمهور أهل العلم؟ والصواب في ذلك كما سيأتينا إن شاء الله: أنها ركن في كل ركعة، ففي كل ركعة يجب على الإنسان أن يقرأ الفاتحة، وسيأتينا بيان ذلك، لكن بقينا فيما يتعلق بالمأموم؛ لأن المصلي لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون إماماً، وإما أن يكون منفرداً، وإما أن يكون مأموماً. فإن كان إماماً فيجب عليه أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة، وإن كان منفرداً فيجب عليه أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة، وإن كان مأموماً وهذا سيأتينا إن شاء الله بيانه وبيان دليله عندما يتكلم المؤلف رحمه الله على أركان الصلاة. فإن كان مأموماً قال المؤلف رحمه الله: (ولا صلاة لمن لم يقرأ بها إلا المأموم، فإن قراءة الإمام له قراءة). يعني: أن المأموم لا يجب عليه أن يقرأ الفاتحة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وسواء كان ذلك في الصلاة الجهرية أو كان ذلك في الصلاة السرية، فمثلاً في صلاة المغرب لو وقفت خلف الإمام ولم تقرأ لا في الركعة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، وكذلك أيضاً في صلاة العصر أتيت وكبرت ولم تقرأ لا في الركعة الأولى ولا في الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة فإن الإمام يتحمل ذلك عنك، قراءة الإمام لك قراءة.فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن قراءة الإمام قراءة للمأموم سواء كان ذلك في الصلاة الجهرية أو كان ذلك في الصلاة السرية، وسواء كانت الصلاة فريضةً، أو كانت الصلاة نافلةً.. مطلقاً، يعني إذا أتيت لا يجب عليك أن تقرأ، لكن قالوا: يستحب لك أن تقرأ في إسرار الإمام وسكتاته، في إسراره في الصلاة السرية، يعني: في الصلاة السرية التي يسر فيها بالقراءة مثل العصر والظهر، ويستحب لك أن تقرأ في سكتاته في الصلاة الجهرية, إذا سكت لسعال أو عطاس أو تنفس أو غير ذلك، هذا تقرير المذهب عند الحنابلة رحمهم الله.والرأي الثاني يقابل هذا: أنه يجب على المأموم أن يقرأ في كل ركعة في الصلاة السرية وفي الصلاة الجهرية، في الفرض وفي النفل، يعني أن الإمام لا يتحملها عنه، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، وهو أشد المذاهب في هذه المسألة.الرأي الثالث في هذه المسألة: أن الإمام يتحمل عنك في الصلاة الجهرية، يعني في الركعات التي يجهر فيها الإمام، يتحمل عنك الإمام، مثلاً عندنا المغرب الركعات منها ما هو جهري، ومنها ما هو سري يسر به الإمام، فالإمام يتحمل عنك الفاتحة في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية، لكن في الركعة الثالثة الإمام لا يتحمل عنك لا بد أن تقرأ، وهذا قول الإمام مالك رحمه الله تعالى، وأيضاً ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.ومسألة القراءة خلف الإمام أيضاً مسألة طويلة جداً، والبخاري رحمه الله له كتاب مستقل في ذلك اسمه: (جزء القراءة خلف الإمام)، والبيهقي رحمه الله أيضاً له كتاب مستقل في ذلك اسمه (جزء القراءة خلف الإمام)، والبنوري من علماء الحنفية أيضاً له كتاب مستقل في ذلك، فالمسألة طويلة، لكن نذكر لكل مذهب دليلاً. أما الذين قالوا بأنه يتحملها عنه الإمام فاستدلوا بقول الله عز وجل: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] ذكر الإمام أحمد رحمه الله الإجماع على أن هذه الآية نزلت في الصلاة، فإذا كنت مأموراً بالإنصات للإمام فإن كونك تقرأ خلف الإمام هذا يخالف الإنصات يخالف ما أمرت به. وأيضاً: استدلوا بقول الله عز وجل لموسى وهارون: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس:89]، والذي دعا موسى، وهارون أمن على دعاء موسى, قال: آمين، موسى دعا وهارون قال: آمين، ومع ذلك قال الله عز وجل: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس:89]، فجعل كلاً من موسى وهارون داعيين، وإنما الذي دعا فقط هو موسى عليه السلام، فكذلك أيضاً الإمام يقرأ والمأموم يؤمن على قراءته، فتكون قراءة الإمام قراءة له، كما أن دعاء موسى كان دعاءً لهارون عليه السلام، مع أن هارون عليه السلام لم يدع. وكذلك أيضاً استدلوا بحديث أنس : ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )، وهذا الحديث على كثرة طرقه معلول، الحديث هذا له طرق كثيرة، فقد ورد من حديث أنس وحديث ابن عمر وحديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد ، وقيل: بأنه يصح مرسلاً، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قوى هذا الحديث: ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ).وكذلك أيضاً استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم فلما انتهى قال لأصحابه: لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ فقالوا: نعم. فقال: أما إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه الإمام )، وهذا أخرجه الترمذي وابن ماجه ، وحسنه الترمذي وحسنه ابن القيم . أما الذين أوجبوا القراءة فيها في كل ركعة فاستدلوا بحديث عبادة في الصحيحين: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ). وكذلك أيضاً استدلوا بحديث أبي هريرة : ( من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج خداج خداج )، والخداج هو الشيء الناقص، وهذا في مسلم .واستدلوا أيضاً بحديث عبادة في سنن أبي داود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة الفجر، فقال: لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم. فقال: أما إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ لا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها )، فقوله عليه الصلاة والسلام في صلاة الفجر: ( لا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ) هذا صريح في أن الفاتحة مستثناة من النهي عن القراءة خلف الإمام.وهذا الحديث أجاب عنه أهل العلم رحمهم الله بأجوبة، فقيل: إنه ضعيف؛ لأن في إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس، لكن أجيب عن ذلك بأن محمد بن إسحاق صرح بالتحديث.وأجيب عنه بأنه منسوخ.أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مال إلى أنه لا يثبت مرفوعاً للنبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هذا حصل لـعبادة بن الصامت ، هذا من كلام عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه.والأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم فيما يجهر به، أما ما يسر فإنه يجب عليه أن يقرأ، هذا أقرب شيء في هذه المسألة.قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وفيما لا يجهر فيه].وهذا تفريع على ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أنه يستحب أن الإمام يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم، فيستحب للمأموم أن يقرأ في سكتات الإمام في الجهرية، وفيما لا يجهر فيه مثل الظهر العصر، ومثل الركعتين الأخريين لصلاة العشاء يستحب له أن يجهر.

    السنة في القراءة بعد الفاتحة في الفرائض

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يقرأ بسورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي سائر الصلوات من أوساطه].يقرأ بسورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وقراءة هذه السورة سنة، وسيأتينا إن شاء الله دليل قراءة هذه السورة في الأدلة التي سنذكرها الآن.قال: (بسورة تكون في الصبح من طوال المفصل).المفصل اختلف أهل العلم رحمهم الله من أين يبدأ، فقيل: بأنه يبدأ بـ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] ، وقيل: بأنه يبدأ بسورة الفتح، وقيل: بأنه يبدأ بسورة الحجرات، وقيل: بأنه يبدأ بسورة محمد، وأقرب الأقوال: أنه يبدأ بسورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] ، فطوال المفصل يبدأ من سورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] إلى سورة النبأ، ومن النبأ إلى سورة وَالضُّحَى [الضحى:1] هذا أواسط المفصل، ومن سورة وَالضُّحَى [الضحى:1] إلى آخر القرآن هذا قصار المفصل.يقول المؤلف رحمه الله: (تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره).ويدل لذلك حديث سليمان بن يسار قال: ( كان فلان يصلي بنا، فكان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي العشاء من أوساطه، فقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما صليت صلاةً أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الصلاة )، وهذا ثابت أخرجه أبو داود وغيره وإسناده ثابت، فهنا قال: يقرأ في الصبح من طوال المفصل، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً ( كان يقرأ بالستين إلى المائة في صلاة الصبح )، ( وقرأ النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الصبح بسورة وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ [الطور:1-2] ).وأيضاً كان يقرأ بالواقعة ونحوها من السور، والذي نحو الواقعة من السور الذاريات والطور والنجم والرحمن.. إلى آخره. وأيضاً: قرأ النبي عليه الصلاة والسلام بسورة الروم، وقرأ بسورة يس، و( قرأ عليه الصلاة والسلام بسورة المؤمنون، فأدركته سعلة فركع لما بلغ ذكر موسى وهارون ).وقرأ عليه الصلاة والسلام بالصافات.فالسنة للإنسان المصلي أن يقرأ في الفجر من طوال المفصل، وهذا هو الهدي الغالب للنبي عليه الصلاة والسلام، ويدل لذلك القرآن، الله عز وجل قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] ، فمن منتصف النهار إلى منتصف الليل أربع صلوات، ثم فصل الفجر وسماها قرآناً، قال العلماء رحمهم الله: لأنه يشرع أن تطال فيه القراءة، وفي حديث رافع بن خديج وحديث محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أسفروا بالصبح، فإنه أعظم للأجر )، قال الطحاوي رحمه الله: أن المراد بذلك يطيل القراءة يعني: أن يدخل فيها بغلس ويطيل فيها بالقراءة حتى يسفر. فنقول: يستحب للمصلي وخصوصاً الإمام أن يأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتكون قراءته في صلاة الفجر من طوال المفصل، وكما سمعتم النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالطور، وقرأ بالواقعة ونحوها من السور: يس والصافات والروم والمؤمنون، وكان يقرأ ما بين الستين إلى المائة إلى آخره، وهذا هو الهدي الغالب على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحياناً النبي عليه الصلاة والسلام قصر عن ذلك، ففي صحيح مسلم : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ في الفجر بسورة التكوير )، وأيضاً قرأ النبي عليه الصلاة والسلام بالزلزلة كررها في الركعتين. فنقول: هدي الإنسان الغالب أن يقرأ بطوال المفصل، وفي بعض الأحيان لو لم يقرأ بطوال المفصل وخصوصاً إذا كان هناك داع فإن هذا لا بأس به، فيكون عمل بالسنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها.قال المؤلف: (وفي المغرب من قصاره).وتقدم في حديث سليمان بن يسار أنه قال: ( كان فلان يصلي بنا، فكان يطيل الركعتين الأوليين من صلاة الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في الفجر بطوال المفصل، والمغرب بقصاره ).وأيضاً حديث رافع بن خديج في الصحيحين قال: ( كنا نصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام المغرب، ثم نخرج ننتظل -أي: نرمي بالسهام- فنرى مواقع النبل ) نرى مواقع السهام من الإسفار، فهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام بادر بصلاة المغرب وأيضاً قصر فيها القراءة، حيث إن الصحابة صلوا مع النبي عليه الصلاة والسلام المغرب وخرجوا يضربون بالسهام ويرون مواقع نبلهم من الإسفار، هذا يدل على قصر القراءة في صلاة المغرب.قال المؤلف رحمه الله: (وفي المغرب من قصاره).ذكرنا الدليل على ذلك، وأنه يستحب أن يقرأ في المغرب بقصار المفصل، وهذا أيضاً هو الهدي الغالب، الهدي الغالب على سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو القراءة بقصار المفصل، وفي بعض الأحيان يطيل، فإنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: ( قرأ بسورة وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ [الطور:1-2] في صلاة المغرب )، ( وسورة المرسلات )، أيضاً، وأيضاً سورة الأعراف كما في صحيح البخاري ، والمرسلات في مسلم ، والطور في مسلم ، وأيضاً قرأ بسورة محمد كما في صحيح ابن خزيمة رحمه الله، وأيضاً في الطبراني قرأ بسورة الأنفال.فنقول: السنة أن يقرأ بقصار المفصل، وفي بعض الأحيان يطيل، طبق السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي بعض الأحيان يقرأ الطور، وأحياناً يقرأ المرسلات.. إلى آخره.قال: (وفي سائر الصلوات من أوساطه).في سائر الصلوات يشمل الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أما الظهر فيقرأ بأواسط المفصل، ويدل لذلك حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في الفجر بـ(ق) )، هذا في مسلم ، وأيضاً ورد عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر بـ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1]، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1] ونحوها من السور )، وهذا في سنن أبي داود وهو ثابت. فقوله: ( يقرأ بـ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1]، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1] ونحوها من السور ) يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الظهر بأواسط المفصل، فالظهر تقرأ بأواسط المفصل لما ذكرنا من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، وتقرأ أحياناً بطوال المفصل، فأحياناً الظهر تقرأ بأواسط المفصل، وأحياناً تقرأ بطوال المفصل؛ لما ثبت من حديث أبي سعيد في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر في كل ركعة قدر ثلاثين آية )، هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أطال، وأيضاً تقدم حديث سليمان بن يسار وفيه: ( كان فلان يطيل الركعتين الأوليين من صلاة الظهر، ويخفف العصر )، فدل على أن هناك فرقاً بين الظهر وبين العصر. وعلى هذا نقول: الظهر فيه سنتان: السنة الأولى: أن تقرأ من أواسط المفصل كما في حديث جابر بن سمرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بـ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1]، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1] ونحوها من السور ) في الظهر والعصر.السنة الثانية: أن تطيل كما في حديث أبي سعيد : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر في كل ركعة قدر ثلاثين آية )، فأصبح صلاة الظهر تارةً وتارة. أما العصر فالسنة أن يقرأ فيها من أواسط المفصل كما في حديث جابر بن سمرة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الظهر والعصر بـ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1]، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1]، ونحوها من السور )، ولما تقدم من حديث سليمان بن يسار قال: ( كان فلان -إلى آخره- قال: ويخفف العصر ).أيضاً العشاء تقرأ من أواسط المفصل؛ ويدل لما تقدم حديث سليمان بن يسار وفيه: ( والفجر بطواله، والمغرب بقصاره، والعشاء بأواسطه )، وأيضاً أرشد النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً لما أطال أرشده أن يقرأ بـ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، و اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، هكذا أرشده.فالخلاصة بالنسبة لما يقرأ فيه وما لا يقرأ: أن العصر يقرأ فيه أواسط المفصل، والعشاء أواسط المفصل، والظهر تارةً وتارة، تارةً تقرأ بأواسط المفصل، وتارةً تقرأ بطوال المفصل، تعمل بالسنة كلها، والمغرب الغالب قصار المفصل وأحياناً يطيل، هاتان الصلاتان اللتان في طرفي النهار هذه تطيل وأحياناً تقصر، وهذه تقصر وأحياناً تطيل، يعني الغالب في صلاة الفجر يكون من طوال المفصل، وأحياناً تقصر، والغالب في صلاة المغرب يكون من قصار المفصل وأحياناً تطيل، كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، والظهر التي في وسط النهار تارةً وتارة، وأما بالنسبة للعصر والعشاء فهذه من أواسط المفصل، هذا ملخص لما سلف.

    الصلوات الجهرية والسرية

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح، والأولين من المغرب والعشاء، ويسر فيما عدا ذلك].يسر فيما عدا ذلك، يجهر في الفجر والمغرب والعشاء، وهذا بالإجماع، وهذه هي السنة، السنة أن يجهر، وهذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ونقل الخلف عن السلف.وأما الظهر والعصر فالسنة أن يسر فيهما، هذا هو السنة، وهذا أيضاً بالإجماع؛ ويدل لذلك أيضاً حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم الكتاب أو بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية أحياناً )، فقوله: ( ويسمعنا الآية أحياناً ) هذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسر في الظهر ويسمع الآية في بعض الأحيان.واستدل العلماء رحمهم الله بهذا الحديث حديث أبي قتادة في الصحيحين على أن الجهر في موضع الجهر سنة، وأن الإسرار في موضع الإسرار سنة، بمعنى: أنه لو أسر في صلاة العشاء فقد ترك السنة، ولو جهر في صلاة الظهر فقد ترك السنة وهي الإسرار، وأخذوا هذا من حديث أبي قتادة ؛ لأن صلاة الظهر يسر بها ومع ذلك جهر، مع ذلك هذا خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا ينقله إلى البدعة، يعني لو أن الإنسان داوم عليه أو أكثر منه أسر في صلاة العشاء أو المغرب أو جهر في صلاة الظهر أو العصر نقول: هذا ينقله إلى البدعة.

    صفة التكبير في الانتقال بين الأركان

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول].يكبر وموضع التكبير في الانتقال بين الأركان هو بين الركنين، فلا يكون في ركن القيام ولا يكون في ركن الركوع بل يجعله بين الركنين؛ لأن التكبير هذا ذكر في حال الانتقال. ولهذا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة : ( يكبر حين يركع ) حين الركوع يكبر، فدل ذلك على أن هذا التكبير إنما يكون في حال الانتقال، ولهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه لو ابتدأ التكبير في حال القيام أو أنهاه في حال السجود وفي حال الركوع أن صلاته لا تصح؛ لأن كل فعل من أفعال الصلاة له ذكره الخاص، فالركوع له ذكره خاص، والقيام له ذكره الخاص، والانتقال بين الركنين أيضاً له ذكره الخاص، فالمسلم يتنبه أن يكون إذا هوى للركوع بدأ التكبير وأنهاه قبل أن يأتي راكعاً، وإذا هوى للسجود يبدأ بالتكبير وينهيه قبل أن يسجد أو يأتي السجود.قال: (يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول). هذا هو الموضع الثاني الذي ترفع فيه الأيدي، وسبق الموضع الأول وهو عند تكبيرة الإحرام؛ ويدل لذلك ما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وأيضاً ورد من حديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ويفعل ذلك في صلاته كلها ).فقوله: ( حين يركع.. ) إلى آخره يدل لما سبق أن ذكرنا أن وقت التكبير إنما يكون بين الركنين في حال الانتقال.

    الركوع

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يضع يديه على ركبتيه، ويفرج أصابعه، ويمد ظهره ويجعل رأسه حياله].شرع المؤلف رحمه الله في بيان الركوع، الركوع له كيفيتان: كيفية مجزئة، وكيفية مستحبة. الكيفية المجزئة اختلف العلماء رحمهم الله في ضابطها، ما هو ضابط الكيفية المجزئة في الركوع؟ ذكر العلماء قولين: القول الأول: أن تصل يداه ركبتيه إذا كان وسط الخلقة، إذا كان الشخص وسط الخلقة وانحنى بحيث تصل يداه ركبتيه فهذا هو الركوع المجزئ، ولا عبرة لغير وسط الخلقة، فإن بعض الناس قد تكون يداه طويلتين بحيث تصل يداه إلى ركبتيه وهو لا يزال في حد القيام أو قريباً من القيام، وبعض الناس تكون يداه قصيرتين بحيث إنه ينحني ويهوي إلى أن يتعدى حد الركوع المعتدل، فالعبرة بوسط الخلقة، إذا كان الإنسان وسط الخلقة ووصلت يداه إلى ركبتيه هذا الركوع المجزئ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.والرأي الثاني: أن ضابط الركوع المجزئ أن يكون إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل، بحيث إنك إذا رأيت هذا الشخص تقول: هذا راكع وليس قائماً، وهذا اختيار المجد من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله، وهذا القول هو الأقرب، فإذا كان الإنسان إذا انحنى يكون أقرب إلى الركوع منه إلى القيام بحيث نقول: هذا الرجل راكع ما نقول: بأنه قائم، يكون ركوعه هنا مجزئاً، وأما إن كان إلى القيام المعتدل أقرب فإنه لا يكون راكعاً ولا يكون مجزئاً، هذا بالنسبة للركوع المجزئ. وأما بالنسبة للركوع الكامل المستحب فهذا ذكر المؤلف رحمه الله سنته، فتكون اليدان على الركبتين مفرجتي الأصابع كالقابض لهما، وينحي عضديه عن جنبيه، ويجعل رأسه حيال ظهره، فلا يرفع رأسه، ولا يصوبه ولا يخفضه، ويهصر ظهره، وهذا كله ورد في السنة، ويأتينا إن شاء الله ذكر الدليل عليه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,768

    افتراضي رد: شرح عمدة الفقه - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    شرح عمدة الفقه
    - كتاب الصلاة [7]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (16)


    من أعظم أركان الصلاة الركوع، فهو هيئة خضوع، وعلى المسلم أن يعظم فيه ربه، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وللركوع والسجود هيئة إجزاء وهيئة كمال، ويختص كل ركن منهما بذكر معين.
    تابع صفة الصلاة

    كيفية الركوع

    قال المؤلف رحمه الله: ( ثم يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول ).هذا هو الموضع الثاني الذي ترفع فيه الأيدي، وتقدم لنا الموضع الأول الذي ترفع فيه الأيدي, وهو عند تكبيرة الإحرام، وهذا هو الموضع الثاني الذي ترفع فيه الأيدي، ودليل ذلك: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر رفع يديه، وإذا كبر للركوع أيضاً رفع يديه ).وقال المؤلف رحمه الله: ويرفع يديه كرفعه الأول, يعني: عند تكبيرة الإحرام، وتقدم لنا صفة الرفع عند تكبيرة الإحرام، وأنه ورد له صفتان:الصفة الأولى: أن يرفع حذو المنكبين.والصفة الثانية: أن يرفع حتى تكون يداه حذو أذنيه.وأيضاً ذكرنا وقت الرفع, هل يرفع مع التكبير أو قبل التكبير أو بعد التكبير, وذكرنا أن هذا ورد فيه ثلاث صفات عن النبي صلى الله عليه وسلم.قال المؤلف رحمه الله: (ثم يضع يديه على ركبتيه ويفرج أصابعه).أشرنا فيما سبق أن الركوع له كيفيتان, كيفية مجزئة، وكيفية مستحبة.أما الكيفية المجزئة فاختلف أهل العلم رحمهم الله في ضابطها على رأيين:فالرأي الأول: أن تصل يداه إلى ركبتيه إذا كان وسط الخلقة، فإذا كان وسط الخلقة ووصلت يداه إلى ركبتيه فإن هذا الركوع ركوع مجزئ، وقيد العلماء رحمهم الله ذلك بما إذا كان وسط الخلقة، فإن كان ليس وسطاً في الخلقة فلا عبرة، وإنما ينحني بحيث تصل يداه إلى ركبتيه لو كان وسط الخلقة، فإن كان غير وسط الخلقة قلنا: هذا لا يعتبر، قد يوجد من الناس من تكون يداه طويلتين بحيث إن يديه تصل إلى ركبتيه وإن لم ينحن الانحناء المجزئ، وآخرون تكون يداه قصيرتين بحيث إنه ينحني انحناء شديداً، وقد يكون حصل الانحناء المجزئ، فالعبرة بما كان وسط الخلقة، فإن كان ليس وسط الخلقة فينحني بقدر ما تصل يداه ركبتيه لو كان وسط الخلقة، هذا هو الرأي الأول, وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.الرأي الثاني في هذه المسألة: أن يكون إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل، وهذا ما ذهب إليه المجد رحمه الله جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، هذه بالنسبة للكيفية الأولى, وهي الكيفية المجزئة للركوع.الكيفية الثانية هي الكيفية المستحبة للركوع، وذكرها المؤلف رحمه الله فقال: (ثم يضع يديه على ركبتيه ويفرج أصابعه)، فنقول: بالنسبة لليدين يضعهما على ركبتيه، وتكون أصابعه مفرجة، وهذا كما ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع فرج أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه، فنقول: بالنسبة للكفين تكون على الركبتين كالقابض لهما، وتكون أصابعها مفرجة.قال المؤلف رحمه الله: (ويمد ظهره).وهذا دليله حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره ). فقوله: ( ثم هصر ظهره ) هذا دليل لما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: ويمد ظهره, يجعل ظهره متساوياً.كذلك أيضاً قال: (ويجعل رأسه حياله), يعني: يجعل رأسه حيال ظهره، فلا يشخص رأسه، أي لا يرفعه، ولا ينزله، وإنما يكون رأسه حيال ظهره، ودليل ذلك: حديث أبي حميد وفيه: ( ولم يصوب رأسه ولم يقنع ) يعني: لم يخفض رأسه ولم يرفع رأسه، بل يكون رأسه حيال ظهره.فذكر المؤلف رحمه الله صفة الكفين، وذكر صفة الظهر، فبالنسبة لصفة الكفين يعتمد بكفيه على الركبتين ويجعلهما على ركبتيه كالقابض لهما ويكون مفرجاً لأصابعه، وأما بالنسبة لظهره فيهصره كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، بحيث إنه يمده، وأما بالنسبة لرأسه فيجعل رأسه حيال ظهره، لا يخفضه ولا يرفعه.كذلك أيضاً بالنسبة لعضديه يجافي عضديه عن جنبيه، ودليل ذلك: حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه ). وهذا الحديث أخرجه أبو داود والدارمي وغيرهما.وهذا إذا كان إماماً أو كان منفرداً، فإن كان مأموماً فقد يصعب عليه أن يجافي عضديه عن جنبيه، فنقول: لا تفعل؛ لئلا تؤذي غيرك من أجل تحصيل سنة.فأصبح بالنسبة للكفين لها صفة، بالنسبة للظهر له صفة، بالنسبة للرأس له صفة، بالنسبة للعضدين له صفة، وما لم يرد له صفة في السنة فالأصل أن أعضاء الإنسان تكون على مقتضى الطبيعة، هذا الأصل.نقول: الأصل أن أعضاء الإنسان في الصلاة في أثناء السجود أو الجلوس أو القيام أن تكون على مقتضى الطبيعة، إلا إذا ورد في السنة بتحديد موضع هذا العضو، وعلى هذا بالنسبة للركبتين أو القدمين.. إلى آخره فإنها تكون على مقتضى الطبيعة.

    الذكر في الركوع

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً ].يقول: سبحان ربي العظيم لحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه ( لما نزل قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم ). وهذا الحديث أخرجه أبو داود وكذلك أيضاً ابن ماجه والإمام أحمد والحاكم وغيرهم، وهذا الحديث في إسناده ضعف، لكن نستدل على تسبيح الركوع بحديث حذيفة ، حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركع جعل يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم ).وقال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثلاثاً) لورود ذلك في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن مسعود في الترمذي : ( إذا سجد أحدكم فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً, وذلك أدناه )، فإذا كان يقال في السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فكذلك أيضاً في الركوع يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وهذا حديث ابن مسعود في الترمذي أيضاً في إسناده ضعف.لكن يستدل على الثلاث بأن هدي النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سلم سلم ثلاثاً, والعلماء رحمهم الله يقولون: بأن أدنى الكمال ثلاث.واعلم أن قدر التسبيح في الركوع أو السجود نقول: المصلي لا يخلو من ثلاث حالات:الحالة الأولى: أن يكون إماماً.والحالة الثانية: أن يكون مأموماً.والحالة الثالثة: أن يكون منفرداً.أما إن كان إماماً فإنه يسبح إلى عشر تسبيحات؛ لحديث أنس أنه قال: ( ما صليت صلاة أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، فحزروا تسبيحاته في الركوع وفي السجود فوجوده يسبح عشر تسبيحات ).فنقول: الإمام المشروع له أن يسبح عشر تسبيحات، فيقول: سبحان ربي الأعلى.. إلى عشر، ويقول: سبحان ربي العظيم.. إلى عشر، وله أن يقول: سبحان ربي العظيم، ومقدار التسع الباقية يذكر فيها أذكاراً أخرى واردة، فمثلاً لو قال: ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح )، أو قال: ( اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت ) .. إلى آخره من الأذكار الواردة في الركوع، المهم القدر الذي يكون للإمام قدر عشر تسبيحات, سواء استغرق هذا الزمن بهذه التسبيحات، جعل هذا القدر كله بقول: سبحان ربي العظيم، أو أنه أتى بتسبيحة الركوع سبحان ربي العظيم، وأتى بشيء آخر من الأذكار والأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا بالنسبة للإمام.وأما بالنسبة للمأموم فأمره ظاهر، فإنه يكون تبعاً للإمام، فإنه يسبح ويذكر الله عز وجل بما ورد، ويعظم الله عز وجل في ركوعه إلى أن يرفع الإمام، فإذا رفع الإمام فإنه يرفع بعده، وليس له حد، فقد يطيل الإمام ويتجاوز السنة، ويصل إلى مقدار عشرين تسبيحة, نقول: المأموم يسبح، فيسبح إلى عشرين؛ لأن صلاته مرتبطة بصلاة الإمام، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا ).. إلى آخره، هذا بالنسبة للمأموم.وأما بالنسبة للمنفرد فهذا يصلي كيف شاء، فإذا أراد أن يطيل أطال، وإذا أراد أن يقصر قصر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطل ما شاء )، المصلي إذا كان منفرداً فهو أمير نفسه.واعلم أيضاً أن السنة أن تكون أفعال الصلاة متساوية، الركوع والرفع من الركوع والسجود والجلسة بين السجدتين، ما خلا القيام والتشهد، كما ورد استثناؤهما، ما عدا ذلك هذه الأربعة الأركان السنة أن تكون متساوية، كما في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: ( رمقت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت ركوعه فرفعه من الركوع فسجوده فجلسته بين السجدتين قريباً من السواء )، فالسنة أن تكون هذه الأشياء متساوية.وورد استثناء التشهد الأخير والقيام, هذان مستثنيان، فهذه الأشياء الأربعة السنة أن تكون متساوية، وعلى هذا السنة أن يسبح الإمام إلى عشر تسبيحات، هذا هو السنة أن يطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يصلي لنفسه، وإنما يصلي لغيره من الناس، والعلماء رحمهم الله يقولون: إذا اختار الإنسان لنفسه فإن خياره خيار تشهي، وإذا اختار لغيره فإن خياره خيار مصلحة.قال المؤلف رحمه الله: ( ثم يقول: سبحان ربي العظيم ). وهذا يأتينا إن شاء الله في الواجبات، فهل قول: سبحان ربي العظيم واجب في الصلاة أو ليس واجباً هذا يأتي بيانه بإذن الله.

    الرفع من الركوع
    </