« من صنوف الابتلاء»



يصعب على كثير من طلبة العلم تصور وقوع بعض الأخطاء الظاهرة من بعض علمائنا الكبار، وصدور بعض المواقف المستنكرة من بعضهم، ويضيق فكرهم عن تقبل مثل هذا الأمر، لاسيما إذا كان العالم كبيرًا معظما، والخطأ بينًا ظاهرًا، أو غريبًا مُستنكرا، ولا يعلمون أن للهِ عظيم الحكمة فيما يقع فيه هؤلاء الصالحون، والعلماء المعظمون، ومن جميل الآثار التي وقفت عليها في مثل هذا الأمر ما قاله عمار بن ياسر رضي الله عنه عندما بلغه خبر خروج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من المدينة النبوية إلى بلاد البصرة في العراق، وذلك في موقعة الجمل، هذا الأمر الذي قد لا تتقبله كثير من العقول ولا تتصور وقوع مثل أم المؤمنين عائشة في مثله، ويتخذه البعض سبيلاً للنيل منها والحط من مكانتها وقدرها، فلما شعر عمار بهذا وخشي من مغبته قال تلك الكلمة العظيمة التي يبين فيها خطأ مثل هذا التصور، وحكمة الله في وقوع مثل هذا الأمر.


أخرج البخاري في صحيحه (7100) عن عبد الله بن زياد الأسدي، قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، بعث عليٌ عمار بن ياسر وحسن بن علي، فقدما علينا الكوفة، فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه، فسمعت عمارا، يقول:
«إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم، ليعلم إياه تطيعون أم هي؟!».


فانظر إلى هذا الكلام ما أعظم معانيه مع قلة ألفاظه، حيث أخبر عمار هنا بالواقع وهو خروج عائشة رضي الله عنها للبصرة، ثم بين أن وقوع مثل هذا الأمر لا يقدح في رتبتها شيئا، ثم بين حكمة الله في وقوع مثل هذا الأمر من مثلها.


ففي هذا الأثر فوائد عدة منها:


- أن العالم مهما عظمت منزلته، فقد يقع منه الخطأ والزلل.


- أن اجتهاد العالم الذي لم يوفق فيه للصواب لا ينقص من مكانته ولا قدره.


- أن المفضول قد يرد على الفاضل، ولا يعد هذا طعنًا منه فيه، أو تنقصا لمنزلته.


- عدم جواز متابعه العالم في زلته والتعصب له في قوله أو فعله إذا تبين خطؤه.


- أن خطأ العالم القدوة قد يكون ابتلاء من الله عز وجل لغيره، هل يدفعه تعظيمه ومحبته لشيخه على متابعته على خطأه وإن خالف الحق أم أنه يتبع الحق وإن خالف شيخه؟
وهذا مأخوذ من قول عمار: "ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم، ليعلم إياه تطيعون أم هي؟! "


- أن أهل السنة قد يختلفون وقد يصل خلافهم للقتال! ولا يجوز التعصب لطرف والطعن في الآخر، بل يحفظ لكل مكانه ويكون للمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر واحد.

-وجوب العدل والإنصاف مع الموافق والمخالف قال ابن هبيرة: «في هذا الحديث: إن عمارًا كان صادق اللهجة وكان لا تستخفه الخصومة إلى تنقيص خصمه فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب». فتح الباري (13/59) قال ابن حجر: «وكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحرّيه قول الحق». الفتح (13/ 58)


-وأخيرا: ما أشبه من أشعل الفتنة بين صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم، بمن يشعلها اليوم بين مشايخ السنة وعلماءها، خيب الله مسعاهم.


والله تعالى أعلم.


أبو عبد العزيز هيثم الحمري
الاثنين ١٩/ ٥/ ١٤٣٩هـ الموافق ٥/ ٢/ ٢٠١٨م