شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 25

الموضوع: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح


    شرح كتاب التوحيد [1]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

    من أهم الكتب التي ألفها الشيخ محمد بن عبد الوهاب كتاب التوحيد، وهو يتحدث فيه عن الشيء الذي من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، ألا وهو التوحيد. والتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية؛ وهو إفراد الله بالخلق والملك والتدبير، وتوحيد الألوهية؛ وهو إفراد
    أهمية كتاب التوحيد
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب التوحيد:وقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ].هذا الكتاب الذي بين أيدينا كتاب التوحيد كتاب مبارك, مؤلفه معروف, وهو الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن مشرف التميمي, المولود سنة: 1115 للهجرة في بلد العيينة, والمتوفي عام 1206 للهجرة في الدرعية. والشيخ رحمه الله تعالى غني عن التعريف, نشأ في بيت علم, فأبوه كان قاضياً, وجده كان مفتياً, وله مؤلفات كثيرة, ومؤلفاته طرح الله عز وجل فيها البركة, فمن عهده إلى يومنا هذا والناس يعكفون عليها ويحفظونها ويتدارسونها ويدرسونها لتلامذتهم.ومن هذه المؤلفات المهمة: هذا الكتاب الذي بين أيدينا, وهو كتاب التوحيد, فهو كتاب مهم جداً, وهو من أجمع الكتب فيما يتعلق بتوحيد الألوهية, فمؤلفه رحمه الله تعالى عني بتوحيد العبادة؛ لأن توحيد العبادة هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل, وأنزلت به الكتب, ووقع فيه الصدام بين أهل الحق وأهل الباطل, فإن توحيد الربوبية يقر به المشركون: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:26]. لكن توحيد الألوهية هو الذي خالف فيه المشركون, وأشركوا مع الله عز وجل غيره؛ ولهذا جاء القرآن به كثيراً, وجاء في تقريره والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته.. إلى آخره.فالمؤلف رحمه الله تعالى كتابه هذا يدور على توحيد العبادة, وتوحيد العبادة -توحيد الألوهية- هو أهم أقسام التوحيد. وكما ذكرنا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، وأنزلت فيه الكتب، ودعا إليه الرسل في دعواتهم.ومعرفة توحيد العبادة مهم جداً, وسيأتينا أن المؤلف رحمه الله تعالى سيذكر من الأبواب ما يتعلق بالخوف من الشرك.على كل حال هذا الكتاب يدور على التوحيد وما يناقض أصل التوحيد أو كماله، وسنجمل إن شاء الله ما يتعلق بالنصوص التي يوردها المؤلف رحمه الله, وسنعني إن شاء الله بذكر التقسيمات؛ لأنه سيعقد باباً لكل عبادة من العبادات, فالخوف والنذر والمحبة والتوكل ... إلى آخره هذه كلها عقد لها المؤلف رحمه الله تعالى أبواباً, وسنذكر أقسام كل باب من هذه الأبواب, وما يكون منها شركاً وما لا يكون شركاً؛ لكي يكون أدعى إلى الفهم.
    سبب ابتداء الكتاب بالبسملة وخلوّه من المقدمة

    والمؤلف رحمه الله تعالى ابتدأ كتابه بالبسملة؛ اقتداء بكتاب الله عز وجل، واقتداء بسنة نبينه محمد صلى الله عليه وسلم, وتقدم لنا بالأمس شرح البسملة فلا حاجة إلى الإعادة مرة أخرى.وقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب التوحيد ]. لم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى مقدمة لكتابه هذا, وأجاب العلماء رحمهم الله على ذلك بجوابين, الجواب الأول: ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله أنه ذكر مقدمة, فقال بأن الشيخ كتب بخط يده: الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد.وقيل بأن ترجمة المؤلف تغني عن المقدمة, فهو ترجم بكتاب التوحيد؛ مما يدل على ما سيكتب عنه, وأنه سيكتب عن التوحيد.
    تعريف التوحيد

    قال رحمه الله: [كتاب]. كما تقدم لنا أن الكتاب: مصدر كتب, وهو بمعنى الجمع؛ لأن الكتاب يجمع الحروف والكلمات.والتوح د: مصدر (وحده), أي: جعله واحداً، وهو في اللغة يطلق على معان, منها: الانفراد.وأما في الاصطلاح فهو: إفراد الله عز وجل بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. والمؤلف رحمه الله تعالى سيدور مؤلفه على القسم الأول من أقسام التوحيد, وإن كان سيذكر شيئاً عن الأسماء والصفات, لكنه سيدور مؤلفه رحمه الله تعالى في غالب أبوابه على توحيد العبادة؛ لأن هذا التوحيد هو الذي ضل فيه أكثر الخلق, وهو الذي أرسلت فيه الرسل وأنزلت فيه الكتب.والتوحيد أو إفراد الله عز وجل -كما تقدم لنا- في تعريف التوحيد: بأنه إفراد الله عز وجل بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. نأخذ من هذا أن التوحيد ينقسم ثلاثة أقسام.
    أقسام التوحيد

    القسم الأول: توحيد الألوهية, وهو: إفراد الله عز وجل بالعبادة، فهذا التوحيد باعتبار إضافته إلى الله عز وجل يسمى بتوحيد الألوهية, وباعتبار إضافته إلى العباد يسمى بتوحيد العبادة. وعلى كل حال توحيد الألوهية هو: إفراد الله عز وجل بالعبادة.والقسم الثاني: توحيد الربوبية, توحيد الربوبية هو: إفراد الله عز وجل بالملك والخلق والتدبير, وبقية معاني الربوبية ترجع إلى هذه المعاني الثلاثة. فإفراد الله عز وجل بالخلق: بأن يعتقد المسلم بأنه لا خالق إلا الله, وإن كان المخلوق يخلق إلا أن خلق المخلوق خلق إضافي ومحصور.فالمخلوق يخلق, كما قال الله عز وجل: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14]. ويقال لهم -أي: يقال للمصورين- كما في الحديث: ( يقال للمصورين: أحيوا ما خلقتم ). فهذا دليل على أن المخلوق يخلق, لكن خلق المخلوق إضافي محصور, وأيضاً هو مقيد بالشرع, فهو وإن خلق هذه العلبة لا يخلق هذه الطاولة, وإن خلق هذه الطاولة لا يخلق هذه السيارة ... ونحو ذلك, فخلقه محصور إضافي, وأيضاً مقيد بالشرع, ليس له أن يخلق كل شيء.إفراد الله بالملك: بأن يعتقد بأنه لا مالك إلا الله عز وجل, وأنه لا يملك الخلق إلا الله عز وجل, والمخلوق وإن كان يملك إلا أن ملكه محصور إضافي، وأيضاً هو مقيد بالشرع. فهو وإن ملك هذا الكتاب لا يملك هذه السيارة, وإن ملك هذا القلم لا يملك هذا الكتاب... ونحو ذلك, وأيضاً مقيد بالشرع, ليس له أن يملك ما نهى الشارع عن ملكه.التدبير هو: أن يعتقد أنه لا مدبر للخلق إلا الله عز وجل, والمخلوق يدبر لكن تدبير المخلوق تدبير إضافي محصور، وأيضاً هو مقيد بالشرع.
    معنى قول الله سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)

    قال رحمه الله تعالى: (وقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]). الخلق هو: إبداع الشيء من غير أصل. والجن: هم عالم غيبي مستتر عنا, منحهم الله سبحانه وتعالى قوة ونفوذاً. والإنس: هم بنو آدم. إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. يعني: يتذللون لله عز وجل بالعبادة. والعبادة تفسر بتفسيرين:التفسي الأول: باعتبار المتعبد, وهو التذلل لله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه محبة وتعظيماً.والتفس ر الثاني: باعتبار المتعبد به, فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة, فالعبادة باعتبار المتعبد به: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.وقوله: إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] كما تقدم, يعني: إلا لكي يتذللوا لله عز وجل بالعبادة. ففي هذا بيان الحكمة من خلق الجن والإنس, وأن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله عز وجل. وفي هذا دليل على وجوب توحيد الألوهية، وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة- وأن الله سبحانه وتعالى ما خلق الخلق من جن أو إنس إلا لعبادته سبحانه وتعالى.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي


    شرح كتاب التوحيد [2]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

    إن أول واجب على العباد هو التوحيد، وجميع نصوص الكتاب والسنة تدل على ذلك، فما خلق الله الجن والإنس إلا ليوحدوه بالعبادة، وهي أول دعوة الأنبياء (عبادة الله واجتناب الطاغوت)، وهو قضاء الله على عباده وأمره لهم، وكما أن التوحيد هو أول واجب أمر به العباد فالشرك
    أول واجب على العباد

    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله, رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].وقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]... الآية.وقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]... الآية.وقوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151]... الآيات.قال ابن مسعود رضي الله عنه: من أرد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]... إلى قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153]... الآية.تقدم لنا تعريف التوحيد في اللغة والاصطلاح, وذكرنا أن تعريفه في اللغة: أنه مصدر وحد يوحد توحيداً, وهو في اللغة يطلق على معان, منها: الانفراد، أو إفراد الشيء.وأما في الاصطلاح فهو إفراد الله عز وجل بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.وذكرنا فيما تقدم أن التوحيد ينقسم ثلاثة أقسام:
    القسم الأول:
    توحيد الألوهية, وهو: إفراد الله عز وجل بالعبادة، وعليه يدور هذا الكتاب.
    والقسم الثاني:
    توحيد الربوبية, وهو إفراد الله عز وجل بالملك والخلق والتدبير.
    والقسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات, وهو: إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل... إلى آخره.


    وتقدمت لنا الآية الأولى, قول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. ومناسبة هذه الآية أنها دالة على وجوب التوحيد, والتوحيد هو أول واجب؛ ويدل لذلك حديث ابن عباس في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن, فقال له: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله , وأن محمداً رسول الله ). هذا هو أول واجب.وحديث ابن عمر في الصحيحين: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله ).وكما ذكر المؤلف من الآيات.ويقول الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:23]. هكذا دعوة الرسل.فأول واجب هو التوحيد, يجب على الإنسان أن يوحد الله عز وجل دون القصد إلى النظر كما يقول أهل البدعة.
    معنى قوله تعالى: (ولقد بعثنا في أكل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)

    قال رحمه الله: (وقوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]). بَعَثْنَا [النحل:36] بمعنى: أرسلنا.وقال: فِي كُلِّ أُمَّةٍ [النحل:36]. المقصود بالأمة هنا: الطائفة من الناس.والأمة ترد على معان, منها: الزمن, كما قال الله عز وجل: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45]. يعني: بعد زمن.المعنى الثاني: الطائفة من الناس, كما هنا: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36].المعنى الثالث: الإمام, إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120]. يعني: كان إماماً.قال: فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36]. الرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ [النحل:36]. يعني: إفراد الله عز وجل بالعبادة, وسبق أن عرفنا العبادة باعتبارين. وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. الطاغوت: مشتق من الطغيان, وهو مجاوزة الحد, وهو كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.قوله: ما تجاوز به العبد حده من معبود.يعني: وهو راض, فإذا عبد من دون الله عز وجل وهو راض فهو طاغوت.(أو متبوع) المتبوع: إذا اتبع على ضلاله فهو من الطواغيت, والمطاع أيضاً إذا أطيع على ضلاله فهو من الطواغيت.فهذه الآية دلت على أمرين:الأمر الأول: وجوب التوحيد؛ لأن الله عز وجل إنما بعث الرسل بتوحيد الألوهية.الأمر الثاني: فيه تفسير التوحيد, وأن التوحيد هو: إفراد الله عز وجل بالعبادة. أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. هذا هو التوحيد.
    تفسير قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ..)

    قال رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] ]. قَضَى [الإسراء:23] بمعنى: أمر ووصى.وقضاء الله عز وجل ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: قضاء شرعي ديني, كما هو هنا.والقسم الثاني: قضاء كوني قدري.والمراد هنا بقضاء الله عز وجل: هو القضاء الشرعي الديني, فإن الله سبحانه وتعالى قضى يعني: أمر ووصى. وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [الإسراء:23]. تقدم تعريف العبادة. إِلا إِيَّاهُ [الإسراء:23]. هنا الحصر. يعني: تعبدون الله عز وجل ولا تعبدون غيره. وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23]. يعني: قضى سبحانه وتعالى بالإحسان إلى الوالدين، والإحسان إلى الوالدين هو برهما والقيام بحقهما, يعني: برهما قولاً وفعلاً والقيام بحقهما.مناسبة هذه الآية لما ترجم به المؤلف رحمه الله مناسبتان:المناس ة الأولى: أنها دالة على وجوب التوحيد, ووجه الدلالة الأمر, والأمر يقتضي الوجوب.والمناسب الثانية: أن فيها تفسير التوحيد, وأن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة, كما قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [الإسراء:23]. حصر العبادة لله سبحانه وتعالى, إِلا إِيَّاهُ [الإسراء:23]. دون ما سواه سبحانه وتعالى.
    تعريف الشرك وأنواعه

    قال رحمه الله: (وقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]). تقدم تعريف العبادة.والشرك في اللغة: النصيب. وأما في الاصطلاح فقسمه العلماء رحمهم الله إلى أقسام باعتبارات, لكن الخلاصة في ذلك: أن الشرك ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: شرك أكبر.والقسم الثاني: شرك أصغر.الشرك الأكبر: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. هذا الشرك الأكبر.ويدل لذلك: قول الله عز وجل: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1], يعني: يسوون به غيره، وقال الله عز وجل عن الكفار يوم القيامة: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:98-99]. فتسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، سواء كان من خصائص الألوهية كصرف عبادة لغير الله، فساويته بالله سبحانه وتعالى -نقول بأن هذا شرك أكبر.أو بشيء من خصائص الربوبية من خصائص الملك، الخلق، التدبير, أو غير ذلك- صرفتها لغير الله عز وجل فنقول بأن هذا شرك أكبر.أو من خصائص الأسماء والصفات, فهناك أسماء اختص الله عز وجل بها, وهناك أسماء مشتركة, وهناك صفات اختص الله عز وجل بها, وهناك صفات مشتركة, فمثلاً: من الأسماء التي اختص الله عز وجل بها اسم: الله، الرحمن... إلى آخره, فإذا صرفتها لغير الله عز وجل فأنت سويت غير الله بالله.فتعريف الشرك الأكبر كما تقدم: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله, سواء كان ذلك من خصائص الربوبية, أو كان من خصائص الألوهية, أو كان من خصائص الأسماء والصفات.وأما الشرك الأصغر: هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله في ضابط الشرك الأصغر, كما أن الشرك الأكبر موضع خلاف, لكن ما ذكرنا هو الأقرب, لكن الشرك الأصغر موضع خلاف, والأقرب في ذلك أن الشرك الأصغر: هو ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر وجاء في النص تسميته شركاً.كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر من الأقوال والأفعال والاعتقادات وجاء تسميته في النص شركاً نقول بأنه هو الشرك الأصغر.
    مناسبة آية: واعبدوا الله .. للترجمة

    قال رحمه الله: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]).قوله: شَيْئًا [النساء:36]. هذه نكرة في سياق النهي, فتفيد العموم, وأن الشرك محرم سواء كان قليلاً أو كثيراً.والمناسب في هذا مناسبتان كما تقدم, حيث إن الآية دلت على أمرين:الأمر الأول: وجوب التوحيد؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر به, وأيضاً تحريم الشرك.والمناسبة الثانية: تفسير التوحيد, وأن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة دون ما سواه؛ ولهذا أمر الله بعبادته، ونهى عن الإشراك به.
    تفسير قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ...)

    قال رحمه الله وتعالى: (وقوله: قُلْ تَعَالَوْا [الأنعام:151] ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.تَعَالَوْا بمعنى: هلموا وأقبلوا. أَتْلُ . يعني: أخبركم. مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]. يعني: ما منعه عليكم.والمحرم عند الأصوليين: هو خطاب الشارع المتعلق على المكلفين بطلب الكف على وجه اللزوم. مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151]. في هذه الآية فيه تحريم الشرك, ومقابل ذلك وجوب التوحيد, فإذا كان الشرك محرماً دل ذلك على أن التوحيد واجب.
    معنى قول ابن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ...)

    قال رحمه الله: (قال ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ً [الأنعام:151]).الوصية هي: الأمر بالشيء المؤكد.وقوله: (خاتمه): الخاتم: هي حلقه. ذات فص من غيرها.وقوله: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه. يعني: توقيعه, توقيع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الخاتم يستخدم للتوقيع، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أوصى, وما خلفه النبي صلى الله عليه وسلم فإنه صدقة، لكن مراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أوصى بشيء فإنه سيوصي بما جاء في كتاب الله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151].. إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً [الأنعام:153].وهذه الآية: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]. دليل على وجوب التوحيد؛ لأن الله سبحانه وتعالى حرم الشرك, فما دام أنه سبحانه وتعالى حرم الشرك, دل ذلك على وجوب التوحيد.والشرك تقدم أن ذكرنا تعريفه, وأن الشرك شركان: شرك أصغر وشرك أكبر... إلى آخره. وسيأتينا إن شاء الله في باب الخوف من الشرك الفرق بين الشرك الأكبر وكذلك الشرك الأصغر فيما يتعلق بالأحكام الدنيوية والأخروية.والله أعلم.وصلى وسلم على سيدنا محمد.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي

    شرح كتاب التوحيد [3]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    أعظم الحقوق على العباد وأعظم العهود هو عبادة الله وحده لا شريك له، فإذا وفى العباد بهذا الحق كان حقاً على الله عز وجل أن لا يدخلهم النار، وهذا هو معنى التوحيد.ومن حقق التوحيد حاز الفضل العظيم، والشرف الكبير في الدنيا والآخرة، فأهل التوحيد لهم الأمن والهد
    شرح حديث معاذ في وجوب التوحيد وبيان معناه
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله, رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ( كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد, وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً, وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً. قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا ). أخرجاه في الصحيحين ].تقدمنا بعض الآيات التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان معنى التوحيد وحكمه وأنه واجب.قال: (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ( كنت رديف النبي صلي الله عليه وسلم ). الرديف: هو الذي تحمله خلفك على الدابة.قال: ( أتدري )؟ يعني: هل تعرف؟( كنت رديف النبي على الحمار, فقال: يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد )؟ حق الله يعني: ما يستحقه ويجعله متحتماً على العباد.( قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ). تقدم لنا تعريف العبادة وتعريف الشرك.قال: ( وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً ). حق العباد على الله يعني: ما كتبه الله عز وجل حقاً على نفسه للعباد تفضلاً وإحساناً, وإلا فإن العباد لا يستحقون على الله عز وجل شيئاً إلا من باب تفضله وإحسانه عليهم.قال: ( قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس )؟ البشارة: هي الإخبار بما يسر.( قال: لا تبشرهم فيتكلوا ). يتكلوا يعني: يعتمدوا على هذه البشارة فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة.وهذا الحديث فيه بيان وجوب التوحيد, وفيه أيضاً بيان معنى التوحيد.فبيان وجوب التوحيد قوله: ( حق الله على العباد ) والحق يدل على الوجوب.وكذلك فيه معنى التوحيد, فإنه قال: ( يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ) وهذا -قوله: ( يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً )- هو معنى التوحيد: إفراد الله عز وجل بالعبادة.
    فضل التوحيد وما يكفر به من الذنوب

    قال رحمه الله تعالى: [باب].الباب في اللغة: هو المدخل إلى الشيء.وأما في الاصطلاح: فهو اسم لجملة من العلم يشتمل على فصول ومباحث غالباً.قال: [فضل التوحيد].فضل التوحيد يعني: الثواب العظيم المرتب على التوحيد.قال: (وما يكفر من الذنوب). التكفير في اللغة: الستر والتغطية.وأما في الاصطلاح: فهو محو الذنب حتى يكون بمنزلة العدم.وقوله: [من الذنوب].هذه بيانية وليست تبعيضية, فالذنوب جميعها تكفر بالتوحيد.
    تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ...) ومناسبتها للترجمة
    قال رحمه الله: [وقول الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا [الأنعام:82]]. الَّذِينَ آمَنُوا [الأنعام:82]: اعتقدوا بقلوبهم، وصدقوا بألسنتهم، وعملوا بجوارحهم, إذ إن الإيمان عند أهل السنة: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ [الأنعام:82]. يعني: ولم يخلطوا إيمانهم. بِظُلْمٍ [الأنعام:82]. المراد بالظلم هنا الشرك كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم. أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]. الأمن: هو طمأنينة القلب وزوال الخوف. وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82], يعني: موفقون للسير على صراط الله المستقيم.هذه الآية تدل على فضل التوحيد, وأن الموحد له الأمن والهداية، له الأمن في الدنيا وفي الآخرة، وله أيضاً الهداية في الدنيا وفي الآخرة.أما الأمن في الدنيا فهو ما يكون من طمأنينة القلب وزوال الخوف؛ ولهذا من أعظم أركان الإيمان الإيمان بالقضاء والقدر، والذي يؤمن بقضاء الله وقدره مهما تصيبه من المصائب فإنه يأمن ويهدأ قلبه, والله عز وجل يقول: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11]. وفي قراءة: (ومن يؤمن بالله يهدأ قلبه).ولا شك أن الإنسان إذا كان موحداً مهما أصابته من المصائب فإنه آمن؛ لأنه يؤمن بقضاء الله وقدره, أن هذه المصائب يحصل فيها الشيء العظيم من تكفير الذنوب ورفع الدرجات, فهي وإن كانت مصيبة في ظاهرها إلا أنها منحة من الله عز وجل؛ فتحصل له السعادة.ولهذا ذكر العلماء رحمة الله عليهم من أسباب السعادة التوحيد, ومن أسباب السعادة الإيمان بقضاء الله وقدره, وهو داخل في التوحيد.وأما الأمن في الآخرة فهذا ظاهر, يحصل له الأمن من عذاب الله عز وجل, ويحصل له الأمن من كربات يوم القيامة حتى يصل إلى منزله في الجنة. وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] أيضاً تحصل له الهداية في الدنيا وفي الآخرة, في الدنيا يكون على نور وعلى بينة, يعرف حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم, ويسير على الصراط المستقيم؛ امتثالاً للأمر واجتناباً للنهي , وأما الهداية في الآخرة فإنه يهتدي إلى الصراط المستقيم حتى يهتدي إلى منزله في الجنة.وكذلك من فضائل التوحيد في هذه الآية: أنه يسلم من الشرك؛ لأن الشرك ظلم, فيسلم من ظلم نفسه.
    شرح حديث عبادة بن الصامت في بيان فضل التوحيد

    قال رحمه الله تعالى: [وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من شهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ..)].الشهادة هي: الإقرار والاعتراف المنافي للشك. فأنت تشهد أن لا إله إلاّ الله. يعني: كأنك تقول: أعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله, كأنني أشاهد هذا بعيني؛ ولهذا جاء التعبير بقوله: (أشهد) دون أن يقول: (أقر وأعترف, يعني: أعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله عز وجل, كأنني أشهد هذا بعيني، وهذا هو تمام الاعتقاد وتمام اليقين.
    معنى شهادتي التوحيد

    قال رحمه الله: ( أن لا إله إلاّ الله ). هذه الكلمة العظيمة معناها: لا معبود بحق إلا الله عز وجل. فلا هذه نافية للجنس, وإله: اسمها, وخبرها محذوف تقديره حق, والله: لفظ الجلالة بدل من الخبر المحذوف.وقوله: (وحده): حال مؤكد للإثبات, و(لا شريك له): تأكيد للنفي. (وحده لا شريك له) وحده: تأكيد للإثبات, ولا شريك له: تأكيد للنفي؛ لأن هذه الكلمة العظيمة اشتملت على ركنين: الركن الأول: الإثبات, أي: والركن الثاني: النفي, إثبات العبادة لله عز وجل, ونفيها عما سواه, فقولك: (وحده): هذا تأكيد للإثبات, وقولك: (لا شريك له) هذا تأكيد للنفي.قال: ( وأن محمداً عبده ورسوله ).يعني: أشهد، يعني: أقر وأعترف إقراراً ينافي الشك أن محمد بن عبد الله رسول من الله سبحانه وتعالى, وأنه عبد من عبيد الله. يعني: أنه رسول وعبد, عبد لا يعبد, ورسول لا يكذب.وقوله: (عبد الله) في هذا رد على من غلا في النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزله فوق منزلته, فصرف له شيئاً من خصائص الألوهية، كما يفعله الصوفية وعامة الخرافية الذين ينزلون النبي صلى الله عليه وسلم فوق منزلته, وسيأتينا إن شاء الله شيء من ذلك في باب المحبة.(ورسوله): رد على من جفا في حق النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر عموم رسالته، وقال: بأن رسالته خاصة بالعرب, أو أنكر أصل رسالته بالكلية.فقوله: عبده ورسوله رد على هاتين الطائفتين.
    معنى قوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله)

    قال رحمه الله: ( وأن عيسى عبد الله ورسوله ).عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. يعني: أشهد أن عيسى بن مريم عبد الله ورسوله.وأيضاً قوله: (عبد الله): هذا رد على النصارى الذين غلوا في عيسى عليه الصلاة والسلام, فمنهم من جعله الإله, ومنهم من جعله ابن الإله, ومنهم من جعله ثالث ثلاثة... إلى آخره.وقوله: (ورسوله) رد على من جفا في حق عيسى عليه الصلاة والسلام, وهم اليهود الذين جفوا في حق عيسى عليه الصلاة والسلام, فرموه بأنه ابن زانية, وهموا بقتله, وهو مكتوب عليهم أنهم قتلوه شرعاً وديناً, لكنهم لم يقتلوه كوناً وقدراً, فالله عز وجل نجاه منهم, لكنه مكتوب عليهم عند الله عز وجل أنهم قتلوه شرعاً وديناً.قال: ( وكلمته ألقاها إلى مريم, وروح منه ). كلمته يعني: أن عيسى عليه الصلاة والسلام خلق بكلمة (كن).( وكلمته ألقاها إلى مريم ). يعني: أرسل الله عز وجل بها جبريل إلى مريم , فنفخ جبريل في درع مريم بروح، نفخ فيها من روحه المخلوقة.( وكلمته ألقاها إلى مريم ). يعني: أن جبريل أرسله الله عز وجل إلى مريم فنفخ في درعها -فتحة الجيب- كلمة كن, وهذا النفخ من روح جبريل المخلوقة بإذن الله عز وجل.وقوله: ( وروح منه ). يعني: أن عيسى عليه الصلاة والسلام روح من أرواح الله المخلوقة.وقوله: ( منه ) هذه اللفظة هي التي ضل بها النصارى, فالنصارى اعتقدوا أن عيسى عليه الصلاة والسلام في قوله: ( منه ) بأنها تبعيضية, فاعتقدوا أن عيسى عليه الصلاة والسلام فيه شيء من الله سبحانه وتعالى, فضل فيها النصارى.والصواب: أن (من) هذه ليست تبعيضية, وإنما هي ابتدائية, بمعنى: أن هذه الروح مبتدأة من الله إيجاداً وخلقاً, ونظير ذلك قول الله عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13]. فقوله: منه هنا هذه ابتدائية بيانية, يعني: أن هذه السموات والأرض إيجاداً وخلقاً مبتدأة من الله سبحانه وتعالى.قال: [( والجنة حق, والنار حق )]. الجنة هي: الدار التي أعدها الله لأوليائه في الآخرة, وهي مخلوقة موجودة الآن. والنار هي: الدار التي أعدها الله عز وجل لأعدائه في الآخرة، وهي مخلوقة موجودة الآن.
    معنى قوله: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)

    قال رحمه الله: ( أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ).قوله: ( أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ). هذا يحتمل معنيين:المعنى الأول: أن الله عز وجل أدخله الجنة وإن كان مقصراً وله ذنوب؛ لأن الموحد إذا مات على توحيده فإن مصيره إلى الجنة حتى وإن عذب. فالمعنى الأول: ( أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ). يعني: أن مصير الموحد هو الجنة حتى وإن كان عنده شيء من الذنوب.المعنى الثاني: أن قوله: ( أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ). يعني: أنه يدخل الجنة على حسب عمله، وكما أن النار دركات فإن الجنة درجات, كلما سابق المسلم إلى الأعمال الصالحة كلما ظفر بالدرجات العالية في الجنة: وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21].هذا الحديث دل على فضيلة التوحيد, وأن من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الله سبحانه وتعالى سيدخله الجنة حتى وإن عذب، إذا كان له شيء من الذنوب وحصل له شيء من العذاب فإن مصيره إلى الجنة، فهذا فيه بيان فضل التوحيد, وأن الموحد مصيره إلى الجنة.والله أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
    يتبــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي

    شرح كتاب التوحيد [4]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    كلمة التوحيد هي الكلمة التي تنجي صاحبها يوم القيامة، فصاحبها في أمان من الخلود في النار، وهي أثقل شيء في الميزان، بل لو أن السموات السبع وعامرهن غير الله جل جلاله والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن كلمة التوحيد، ولو أن صاحبها يأتي يوم

    تابع فضل التوحيد وما يكفر به من الذنوب

    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما في حديث عتبان : ( فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ).وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال موسى: يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ). رواه ابن حبان والحاكم وصححه.و للترمذي -وحسنه- عن أنس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة )].تقدم لنا حديث عبادة بن الصامت في فضل التوحيد وما ترجم له المؤلف من فضل التوحيد.ثم قال: (ولهما). أي: البخاري ومسلم في صحيحيهما, (في حديث عتبان ), يعني: عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه, مات في خلافة معاوية رضي الله تعالى عنه.(فإن الله حرم). يعني: منع (على النار من قال: لا اله إلا الله). النار: هي الدار التي أعدها الله لأعدائه في الآخرة.(من قال: لا إله إلا الله) تقدم.(يبتغي). يعني: يقصد (بذلك وجه الله). يعني: قال هذه الكلمة العظيمة مخلصاً لله عز وجل, لا يقصد رياء ولا سمعة ولا عرضاً من أعراض الدنيا الفانية.وجه الاستشهاد من هذا الحديث: أن هذا الحديث فيه فضل التوحيد, فإن من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه فإن الله عز وجل حرم عليه دخول النار.

    أقسام منع دخول النار بالنسبة للموحدين

    ودخول النار بالنسبة للموحدين ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: عدم دخولها بالكلية: يعني: من الموحدين من لا يدخل النار بالكلية -أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن لا يدخلها-. فالقسم الأول: منع كلي من النار, وذلك بأن يموت على التوحيد ولا يموت على شيء من الكبائر.القسم الثاني: منع من دخول النار مقيد وليس منعاً كلياً, بأن يدخل النار ثم بعد ذلك يخرج منها, كما لو مات على شيء من كبائر الذنوب والمعاصي أو البدع أو الشرك الأصغر ونحو ذلك, فهذا تحت مشيئة الله وإرادته، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له, مع أنه سيأتينا أن الشرك الأصغر من العلماء من يرى أنه لا بد أن يعذب بالنار إذا مات عليه قبل أن يتوب.فأصبح منع دخول النار بالنسبة للموحدين ينقسم إلى قسمين:منع كلي: وذلك إذا مات ولم يكن على شيء من كبائر الذنوب أو البدع أو الشرك.ومنع جزئي: إذا كان عنده شيء من الشرك الأصغر أو البدع أو كبائر ذنوب, هذا تحت المشيئة إن شاء الله عز وجل أن يغفر له، وإن شاء أن يعذبه بقدر جنايته.

    ذكر بعض فوائد الحديث

    وأيضاً في هذا الحديث قوله: ( فإن الله حرم على النار من قال ) أنه لا بد من النطق باللسان, وأنه لا يكفي اعتقاد الجنان, وهذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة, قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان.وفي هذا أيضاً أن هذه الكلمة العظيمة -لا إله إلا الله- لا تنفع قائلها إلا إذا قالها مخلصاً لله عز وجل, أما إذا قالها غير مخلص فإنها لا تنفعه.وفي هذا أيضاً إثبات صفة الوجه لله عز وجل.

    شرح حديث موسى: (يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به .. )

    قال رحمه الله: (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال موسى عليه السلام: يا رب! علمني شيئا أذكرك وأدعوك به ). أذكرك يعني: أثني عليك وأحمدك به. وأدعوك يعني: أتوسل به إذا دعوتك.( قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري ), يعني: قوله: ( وعامرهن غيري ). يعني: من فيهن من العمار غير الله.( والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة ). يعني: وضعت هذه السماوات السبع وكذلك أيضاً ما فيهن من العمار إلا الله عز وجل, السماوات السبع وعمارهن إلا الله, والأرضين أيضًا السبع وما فيهن من العمار في كفة, ولا إله إلا الله في كفة قال: ( مالت بهن لا إله إلا الله ). رجحت بهن لا إله إلا الله، وهذا يدل على عظم هذه الكلمة العظيمة.ولا شك أن هذه الكلمة العظيمة هي كلمة التوحيد, وهي أوجب الواجبات, وهي التي من أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب, وقام الصراع بين الحق والباطل.وهذا الحديث صححه الحاكم وغيره، وفيه ضعف.وجه الاستشهاد من هذا الحديث لما ترجم به المؤلف من فضل التوحيد: فضل هذه الكلمة العظيمة, وأن الله سبحانه وتعالى أرشد موسى لكي يذكره ويدعوه بهذه الكلمة العظيمة, فهو يثني على الله بهذه الكلمة العظيمة, وأيضاً يتوسل إلى الله عز وجل في دعائه بهذه الكلمة العظيمة.وفي هذا فضل التوحيد, ففيه دلالة لما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى, وأن هذه الكلمة العظيمة - يعني: التوحيد- ترجح بالسماوات ومن فيهن من العمار إلا الله, وترجح أيضاً بالأرضين وما فيهن أيضاً من العمار, وكذلك أيضاً من فضل التوحيد أن الله سبحانه وتعالى أرشد موسى إليه.

    شرح حديث: لو أتيتني بقراب الأرض خطايا

    قال رحمه الله: (و للترمذي -وحسنه- عن أنس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض ). قراب الأرض: ملؤها أو ما يقارب ملأها.( خطايا ). جمع خطيئة, وهي الذنب.( ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ). المغفرة في اللغة: الستر. وأما في الاصطلاح: فهي تجاوز الله عز وجل عن الخطايا والذنوب.في هذا الحديث فضل التوحيد, وهو مناسب لما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى, فإن الإنسان إذا جاء ولقي الله عز وجل وهو لا يشرك بالله عز وجل شيئاً فإنه يعطيه ما يقارب ملء الأرض مغفرة، مع أنه أتى بما يقارب ملء الأرض من الذنوب, ومع ذلك ما دام أنه لم يشرك بالله عز وجل آتاه الله ما يقارب ملء الأرض من المغفرة, وفي هذا فضل التوحيد, وهو ما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى.

    تحقيق التوحيد

    قال رحمه الله: [باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب].تحقيق التوحيد: هو تخليصه وتصفيته من الشرك والبدع. وتحقيق التوحيد يكون بثلاثة أمور:الأمر الأول مما يحصل به تحقيق التوحيد: أن لا يأتي بما ينافي التوحيد من أصله, وهو الشرك الأكبر.الأمر الثاني: أن لا يأتي بما ينافي كمال التوحيد, وهو الشرك الأصغر.الأمر الثالث: أن لا يأتي بما ينقص التوحيد, وهو البدع والإصرار على الذنوب, وكون الإنسان يذنب ويتوب إلى الله عز وجل هذا يغفر له بسبب توحيده, لكن كونه يصر على الذنب هذا مما ينقص عليه التوحيد.فحينئذ يحصل تحقيق التوحيد بهذه الأمور الثلاثة:الأمر الأول: أن لا يأتي بما ينافي التوحيد من أصله.الأمر الثاني: أن لا يأتي بما ينافي كمال التوحيد.الأمر الثالث: أن لا يأتي بما ينقص التوحيد.

    تفسير قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة..)

    قال رحمه الله: [وقول الله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120] ]. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120]. تقدم لنا أن الأمة تأتي على أوجه, تأتي بمعنى: الطائفة, وتأتي بمعنى: الإمام, وتأتي بمعنى: الزمن. والمراد هنا: الإمام, فإبراهيم عليه الصلاة والسلام كان أمة يعني: كان قدوة وإماماً في التوحيد والخير. قَانِتًا [النحل:120], القنوت: هو الدوام على الطاعة. قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [النحل:120]. الحنيف في اللغة: هو المائل المقبل على الله عز وجل المائل عن غيره. وقيل: إن المراد بالحنيف هنا: المائل عن الشرك. وقيل: بأنه المقبل على الله عز وجل المائل عن غيره.ويظهر أن هذا من قبيل الترادف. وَلَمْ يَكُ [النحل:120], يعني: أصلها يكن, وحذفت النون تخفيفاً. وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]. يعني: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يك من المشركين، لا بقلبه ولا بلسانه, ولا ببدنه.في قوله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]. في هذا الأمر بتحقيق التوحيد؛ لأن إبراهيم كان إماماً في التوحيد عليه الصلاة والسلام, فإبراهيم كان إماماً في تحقيق التوحيد. والمفسرون يذكرون قاعدة وهي: أن الله عز وجل إذا أثنى على عبد في القران بخير فإنه يطلب منا أمران:الأمر الأول: محبته.والأمر الثاني: الإقتداء به في هذا الأمر الذي استحق به الثناء من الله عز وجل.كما أن الله سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبد في القرآن بشر فإنه يطلب منا أمران:الأمر الأول: بغضه.والأمر الثاني: التجافي عن هذا العمل الذي استحق به الثناء بالشر من الله عز وجل.وهنا أثنى الله سبحانه وتعالى على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه كان أمة حنيفاً مائلاً عن الشرك, وهذا هو تحقيق التوحيد, وحينئذ يطلب منا أمران:الأمر الأول: أن نحب إبراهيم عليه الصلاة والسلام.الأمر الثاني: أن نقتدي بإبراهيم عليه الصلاة والسلام في تحقيق التوحيد في هذا الأمر الذي استحق به الثناء من الله عز وجل. وحينئذ مناسبة هذه الآية لما ترجم به المؤلف أن فيها الحث على تحقيق التوحيد.

    تفسير قوله تعالى: (والذين هم بربهم لا يشركون)

    قال: ( وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]). لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59] يعني: لا يعبدون معه غيره.وفي هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى ذكر من صفات المؤمنين أنهم لا يشركون بالله عز وجل, وهذا يشمل عدم الشرك الأصغر والأكبر, وهذا هو تحقيق التوحيد, إذا لم نشرك بالله لا شركاً أصغر ولا شركاً أكبر... إلى آخره فقد حققنا التوحيد.وتقدم لنا أن تحقيق التوحيد: أن لا يأتي بما ينافي أصل التوحيد أو ينافي كمال التوحيد أو بما ينقص التوحيد.وفي هذه الآية الثناء على المؤمنين بأنهم لا يشركون بالله، وكما تقدم في القاعدة: أن الله سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبد في القرآن بخير فإنه يطلب منا أمران, وحينئذ نتصف بصفات هؤلاء المؤمنين الذين هم لا يشركون بالله عز وجل شيئاً.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي

    شرح كتاب التوحيد [4]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    من حقق التوحيد فإنه لا يدخل الجنة فقط بل يدخلها بغير حساب، وهذا من أعظم فضائل التوحيد. وتحقيق التوحيد يكون بعدم الإتيان بما ينقض أصله أو كماله، والبعد عما يخدشه، ومن عباد الله من يحققون الغاية القصوى من ذلك؛ فلا يطلبون الرقية مع أنها مباحة، ولا يكتوون، ول

    شرح حديث: (عرضت عليَّ الأمم ..)

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي . قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: ( لا رقية إلا من عين أو حمة ). قال: لقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عرضت علي الأمم، فرأيت النبي معه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً. وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة )].بوب المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب].وتقدم لنا أن تحقيق التوحيد يكون بثلاثة أمور: الأمر الأول: أن لا يأتي ما ينافي التوحيد من أصله، وهو الشرك الأكبر.والأمر الثاني: أن لا يأتي بما ينافي كمال التوحيد، وهو الشرك الأصغر.والأمر الثالث: أن لا يأتي بما ينقص التوحيد ويخدشه، وهو سائر البدع والذنوب والمعاصي.وذكرنا أن المراد بذلك: أن يصر عليها، أما إذا فعل شيء من ذلك وتاب فإن الله عز وجل يتوب عليه.وذكر المؤلف رحمه الله آيتين، ثم ذكر حديث سعيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأيضاً حديث الشعبي عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، قال: (عن حصين بن عبد الرحمن ) حصين بن عبد الرحمن تابعي جليل، توفي رحمه الله سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة.(قال: كنت عند سعيد بن جبير ) سعيد بن جبير أيضاً تابعي جليل، وهو من أجل تلامذة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وتوفي رحمه الله سنة خمس وتسعين للهجرة.(فقال: أيكم رأى الكوكب)؟ المقصود بالكوكب: النجم، وليس المراد هنا سقوط النجم؛ لأن النجم هذا كوكب عظيم، لكن المقصود: خروج شيء من الشهب التي ترمى بها الشياطين من النجم، يعني خروج شيء من الشهب، فقوله: (الكوكب). ليس المقصود بذلك سقوط النجم، وإنما المقصود: خروج شيء من الشهب التي ترمى بها الشياطين.قال: (انقض) يعني: سقط. قال: (البارحة). البارحة: هي أقرب ليلة مضت، يقال قبل الزوال. يعني: قبل الزوال تقول: رأيت البارحة، وبعد الزوال تقول: رأيت الليلة.(فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة ولكني لدغت). قوله: (فقلت: أنا). ثم استدرك رحمه الله ذلك. قال: (ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة). فالذي قال: أنا هو حصين بن عبد الرحمن رحمه الله، وهذا هروباً من الرياء، لكي لا يحمد بما لا يفعل، فقال: أنا الذي رأيته، ولما قال: (أنا الذي رأيته) يحتمل أنه كان في صلاة، فلكي لا يحمد بما لا يفعل بين أنه لا يصلي، وإنما الذي حمله على أنه كان مستيقظاً أنه لدغ، وهذا من ورع السلف رحمهم الله.(فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة ولكني لدغت). أي: لدغته ذوات إحدى السموم.(قال: فما صنعت؟) قال له سعيد بن جبير : لما لدغت ما صنعت؟ قال: (ارتقيت) يعني: طلبت من يرقيني ويقرأ علي، وفي صحيح مسلم : استرقيت. يعني: طلبت من يرقيني. قال: (فما حملك على ذلك؟) يقول سعيد : ما الذي حملك على أن ترتقي؟ (قلت: حديث حدثناه الشعبي ). الشعبي اسمه عامر بن شراحيل ، توفي رحمه الله سنة ثلاث ومائة للهجرة، وهو تابعي جليل.(حديث حدثناه الشعبي قال: (وما حدثكم؟) يقول سعيد : ما حدثكم؟ (قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: ( لا رقية ) أي: لا قراءة. ( إلا من عين أو حمة ) قوله: ( من عين ) يعني: إصابة العائن غيره بعينه.( أو حمة ) الحمة هي ذوات السموم، يعني: لدغة إحدى ذوات السموم.(قال) يعني: قال سعيد بن جبير : (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع). يعني: من فعل ما بلغه من العلم أحسن؛ لأنه على نور وعلى طريق، لكن سعيد أراد أن يبين له الأكمل من فعل حصين .قال: (ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عرضت علي الأمم ) الذي عرضها الله عز وجل، والأمم: جمع أمة، وهي الطائفة من الناس، والمراد: أمم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.( فرأيت النبي ومعه الرهط ) دون العشرة، يعني: هذا النبي الذي أرسله الله عز وجل بالآيات البينات لا يتبعه إلا أقل من عشرة.( والنبي ومعه الرجل والرجلان ) يعني: النبي معه الرجل أو الرجلان، يعني لا يأتي إلا ومعه رجل أو رجلان فقط.( والنبي وليس معه أحد ) لكن بعث حجةً على قومه، لا يتبعه أحد.( إذ رفع لي سواد عظيم ) أي: أشخاص كثيرون، من كثرتهم كأنهم سواد.( فظننت أنهم أمتي ) لكثرتهم.( فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم ) يعني: أشخاص كثيرون، من كثرتهم كأنهم سواد.( فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) يعني: لا يحاسبون ولا يعذبون في قبورهم ولا يوم القيامة.( ثم نهض -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- فدخل منزله، فخاض الناس -اختلف الناس- في أولئك: ) من هم هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وعددهم سبعون ألفاً؟( فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ). قال بعض الصحابة: لعلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، وهذا يدل على فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم.( وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً ). ولدوا في الإسلام، يعني: لم يولدوا في زمن الشرك، وإنما ولدوا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فاستمروا على الإسلام؛ لأن من ولد في زمن الشرك يكون مشركاً على دين أبويه، لكن إذا ولد بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكون مسلماً على دين أبويه.( فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء ) يعني: ذكروا غير هذا.( فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ) يعني: لا يطلبون من يرقيهم، ( ولا يكتوون ) يعني: لا يتعالجون بالكي. ( ولا يتطيرون ). التطير: هو التشاؤم، وأما في الاصطلاح: فهو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، وسيأتينا باب مستقل سيعقده المؤلف رحمه الله.( وعلى ربهم يتوكلون ). التوكل في اللغة: الاعتماد، وأما في الاصطلاح: فهو الاعتماد على الله عز وجل في جلب النفع ودفع الضر مع فعل الأسباب، وسيأتي أن المؤلف رحمه الله تعالى سيعقد باباً مستقلاً للتوكل.( فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم ).عكاشة سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله عز وجل له أن يجعله من هؤلاء السبعين ألفاً، وفي هذا فضيلة عكاشة ، حيث إنه من الذين يتوكلون على الله عز وجل، وأنهم من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.قال: ( أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة ).هذا الرجل لم يدع له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعض العلماء: إنه كان من المنافقين، وقال بعض العلماء: ليس من المنافقين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الرجل لا تتوفر فيه صفات هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.وفي هذا الحديث فضيلة تحقيق التوحيد؛ لأن هؤلاء الذين لا يسترقون -يعني: لا يطلبون من أحد أن يرقيهم-، ولا يكتوون -لا يتعالجون بالكي- ولا يتطيرون -لا يتشاءمون-، ويتوكلون على الله عز وجل -يعتمدون على الله عز وجل بجلب النفع، ودفع الضر، مع فعل الأسباب- قد حققوا التوحيد، ومن حقق التوحيد وكان بهذه المنزلة فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ففي هذا فضيلة تحقيق التوحيد، وأن من اتصف بهذه الصفات فإنه يكون محققاً للتوحيد، وإنه حينئذ يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    ذكر كلام العلماء في حكم الرقية والكي والتطير

    هذا الحديث اشتمل على فوائد كثيرة، لكن مما يعنينا فيما يتعلق بالتوحيد أن طلب الرقية مما ينافي التوكل، يعني: كون الإنسان يطلب من غيره أن يرقيه هذا مما ينافي التوكل، وفرق بين طلب الرقية وبين أن يرقيك شخص بلا طلب، فإذا رقاك شخص بلا طلب فإن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، ومع ذلك رقاه جبريل ورقته عائشة رضي الله تعالى عنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه، ويجمع يديه وينفث بالمعوذات وسورة الإخلاص، ويمسح ما استطاع من بدنه.فنقول: ما يتعلق بطلب الرقية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يسترقون ). هذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله كثيراً، لكن أحسن شيء ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن قوله: ( لا يسترقون ). معنى: أنهم لا يطلبون الرقية من غيرهم، وأن طلب الرقية منافٍ للكمال، لكن لو رقاك شخص بلا طلب فإن هذا جائز ولا بأس به. وكذلك قال أيضاً: ( ولا يكتوون ) المعالجة بالكي، وهذا أيضاً مكروه، وهو مما ينافي التوكل.أيضاً مما ينافي التوكل التشاؤم، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالتشاؤم، وأن الإنسان إذا رأى ما يكره أو سمع ما يكره فإنه لا يخلو من أقسام: القسم الأول: إذا سمع ما يكره، خرج لعمل من الأعمال، لسفر، ورأى صاحب عاهة، أو رأى حادثاً، أو سمع كلمةً غير طيبة، فتشاءم ورجع، هذا شرك أصغر، وإن اعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله عز وجل فهو شرك أكبر، هذا القسم الأول.القسم الثاني: أن يمضي وفي قلبه شيء من القلق، هذا ليس شركاً، لكن فيه نقص في التوحيد، والكمال أن لا يكون هناك شيء من القلق.القسم الثالث: أن يمضي وليس في قلبه شيء من القلق، فقلبه مستريح، لم يلتفت إلى شيء من هذه الأشياء، فهذا هو التوحيد، وهذا هو الكمال؛ لأن كون الإنسان يعلق قلبه بمثل هذه الأشياء علق قلبه بأمر لا حقيقة له.وقوله: ( يتوكلون ) هذا سيأتينا إن شاء الله فيه باب مستقل، وسنذكر فيه أقسام التوكل.الشرك الأكبر والشرك الأصغر سيأتينا إن شاء الله.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي

    شرح كتاب التوحيد [6]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    من صفات الموحدين أنهم يخافون من الشرك؛ لأن الله عز وجل لا يغفره، وصاحبه مباح الدم والمال، ولا يغسل ولا يكفن ولا يقبر في مقابر أهل الإسلام، وصاحبه قد باء بالخزي والخسران. والشرك نوعان: أكبر وأصغر، ولكلٍ منهما أحكام، واختلف العلماء في تعريفهما على أقوال.و

    مناسبة باب الخوف من الشرك لما قبله

    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:فقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب غفر الله له ولشيخنا ولنا وللمسلمين:[ باب الخوف من الشرك, وقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].وقال الخليل عليه السلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35]].قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الخوف من الشرك).مناسبة هذا الباب لما قبله أن المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر التوحيد وفضله وتحقيقه ناسب أن يذكر الخوف من ضده, وهو الشرك؛ لكي يحذره المؤمن.ومناسبته لما قبله ظاهرة؛ لأنه ذكر تحقيق التوحيد, ولا يكون محققاً للتوحيد حتى يجتنب الشرك؛ لأنه كما تقدم لنا أن تحقيق التوحيد يكون بثلاثة أمور, ومن هذه الأمور أن لا يأتي بما ينافي التوحيد من أصله, وهو الشرك الأكبر, أو ينافي كمال التوحيد, وهو الشرك الأصغر.

    تعريف الشرك الأكبر والأصغر

    وقول المؤلف رحمه الله: الخوف, الخوف هو ضد الأمن, وهو توقع حدوث مكروه.والشرك في اللغة: النصيب والحصة.وأما في الاصطلاح فكما أسلفنا: أن الشرك شركان: شرك أكبر، وشرك أصغر.الشرك الأكبر: اختلف العلماء رحمهم الله في تعريفه على أقوال.القول الأول: أن تجعل لله عز وجل نداً في ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته.القول الثاني: أن تجعل لله عز وجل نداً تدعوه كما تدعو الله عز وجل، وتحبه كما تحب الله، وتخافه كما تخاف الله عز وجل.والقول الثالث هو: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. وهذا القول هو الأقرب, ويدل له قول الله عز وجل: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98].وقال سبحانه وتعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1], يعني: يسوون به غيره.هذا بالنسبة للشرك الأكبر.القسم الثاني: الشرك الأصغر.والشرك الأصغر أيضاً اختلف فيه العلماء رحمهم الله, فقال بعض العلماء والسلف: هو الرياء, وهذا دليله الحديث ظاهر, وفي الحديث في مسند الإمام أحمد : ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه؟ ). فسئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: ( الرياء ). هذا تفسير النبي صلى الله عليه وسلم, فسره بالرياء. ولا شك أن هذا القول له وجهاته, لكن هذا التفسير على سبيل المثال, والنبي صلى الله عليه وسلم يحد بالمثال لبيان الشيء أو للحاجة إلى هذا الشيء فيضرب به المثال.القول الثاني في تعريف الشرك الأصغر: قالوا بأنه كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر من الأقوال والأفعال والاعتقادات.الق ل الثالث: هو كالقول الثاني إلا أنه قيد, هو: كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر وجاء في النص تسميته شركاً.فجمعوا فيه بين أمرين:الأمر الأول: أن يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر.والأمر الثاني: أن ينص على أنه شرك.وهذا تعريف اللجنة الدائمة للإفتاء.ويظهر والله أعلم أن هذا القول هو أجود ما قيل في تعريف الشرك الأصغر.

    ما يترتب على الشرك الأكبر والأصغر من أحكام

    ما يترتب على الشرك الأصغر والأكبر من أحكام:أما الشرك الأكبر فيترتب عليه أحكام:الحكم الأول: أن الشرك الأكبر لا يغفره الله كما أورد المؤلف: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]. فالشرك الأكبر لا يغفره الله. هذا الحكم الأول.الحكم الثاني: أن الأعمال لا تنفع صاحبها مع وجود الشرك الأكبر, قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].وقال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]. وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54].الحكم الثالث: أن صاحبه غير معصوم, بمعنى: أنه حلال الدم والمال.الحكم الرابع: أن صاحبه لا يحل له أن يتزوج من مسلمة. وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221]. لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].الحكم الخامس: أنه إذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يقبر في مقابر المسلمين, ولا يدعى له بالرحمة, وكذلك أيضاً لا تحل ذبيحته... إلى آخره.وأما في الآخرة فإن الله عز وجل قال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]. فالجنة محرمة عليه, ومأواه النار.هذا بالنسبة للشرك الأكبر.أما الشرك الأصغر فيخالف الشرك الأكبر فيما تقدم, فهو أولاً: يخالف الشرك الأكبر أن صاحبه معصوم, فالشرك الأصغر صاحبه معصوم, وصاحبه يحل تزويجه, وكذلك مناكحته, كذلك لو مات فإنه يغسل ويكفن ويقبر في مقابر المسلمين... إلى آخره.

    خلاف العلماء في كون هل صاحب الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة أم لا

    لكن بالنسبة للشرك الأصغر هل هو داخل تحت المشيئة أو ليس داخلاً تحت المشيئة؟ يعني: لو مات صاحبه هل نقول بأنه تحت مشيئة الله إن شاء الله عز وجل أن يعذبه وإن شاء أن يغفر له. أو نقول: بأنه ليس داخلاً تحت المشيئة؟للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:الرأي الأول -وهو قول أكثر أهل العلم-: يرون أنه تحت المشيئة, كصاحب الكبيرة إذا مات وهو لم يتب، فإنه تحت مشيئة الله عز وجل, إن شاء الله أن يغفر له، وإن شاء أن يعذبه.والرأي الثاني: أنه لا يكون داخلاً تحت المشيئة، وهذا قال به الشيخ عبد الرحمن بن حسن وصديق حسن خان وابن قاسم , يرون أنه ليس داخلاً تحت المشيئة, وأن صاحبه لابد أن يعذب, وعلى هذا يكون أشد من كبائر الذنوب.واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]. فكلمة: إن وما دخلت عليه في تأويل مصدر, والتقدير: إن الله لا يغفر إشراكاً به. والنكرة في سياق النفي تفيد العموم, فيقال بأنه يشمل الأصغر والأكبر... إلى آخره.وأيضاً قول الله عز وجل: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].والرأي الأول رأي أكثر أهل العلم, قالوا بأنه داخل تحت المشيئة ككبائر الذنوب, وأجابوا على الآيات قالوا بأنها في سياق أهل الشرك من أهل الكتاب ونحوهم.وعلى كل حال سواء قلنا بأن الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة أو نقول بأنه ليس داخلاً تحت المشيئة يجب على المسلم أن يحذر الشرك كله سواء كان أكبر أو أصغر.

    الفرق بين الكفر والشرك

    وما الفرق بين الشرك والكفر؟الكفر في اللغة: الستر والتغطية, ومنه سمي الفلاح كافراً؛ لأنه يستر الحب في الأرض, وسمي البحر أيضاً كافراً؛ لأنه يستر ما في جوفه. وأما في الاصطلاح: فالكفر عدم الإيمان, وهو التكذيب أو الاستكبار أو الاستحلال أو الإعراض أو الشك بشيء مما جاء به الشرع المطهر. هذا هو الكفر.وهل هناك فرق بين الكفر والشرك أو نقول: بأن الكفر والشرك من قبيل المترادف؟للعلما ء رحمهم الله في ذلك رأيان:الرأي الأول: أن الشرك والكفر من قبيل الترادف, فكل كفر شرك, وكل شرك كفر, ولا فرق بينهما.والرأي الثاني: أن الشرك والكفر ليس من قبيل المترادف, بل كل شرك كفر, وليس كل كفر شركاً, فيرون أن الكفر أعم من الشرك, الشرك خاص بقصد الأوثان, وصرف العبادة لها دون الله عز وجل, وأما الكفر فليس خاص بهذه الأشياء, الكفر يكون في التكذيب, كما قلنا في تعريف الكفر في التكذيب، في الاستحلال، في الإعراض، في الشك، في الاستكبار... إلى آخره. فيرون أن الكفر أعم من الشرك, وأن الشرك خاص بقصد الأوثان ونحو ذلك. وعلى هذا يكون أعم. والذي يظهر والله أعلم أن هذا القول هو الأقرب.

    تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) ووجه الشاهد منه

    قال رحمه الله تعالى: (وقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]). يعني: إن الله سبحانه وتعالى لا يعفو عن عبد مات وهو يشرك به. وتقدم لنا تعريف الشرك. وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:48] يعني: يغفر ما سوى الشرك.[ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]. لمن يشاء الله عز وجل أن يغفر له من عباده حسب فضله وحكمته. ووجه الشاهد من الآية ظاهر, فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر الشرك، وتقدم لنا أن بعض أهل العلم قال: إن هذا يشمل الشرك الأكبر والأصغر, فإذا كان الشرك لا يغفر فيجب على المسلم أن يخافه وأن يحذره.

    تفسير قوله تعالى: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ووجه الشاهد منه

    قال رحمه الله: (وقال الخليل عليه السلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35]). الخليل هو إبراهيم عليه الصلاة السلام, وسمي خليلاً لأنه بلغ أعلى درجات المحبة.(وَاجْنُب ْنِي) يعني: اجعلني في جانب وعبادة الأصنام في جانب آخر.(وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) يعني: أن نصرف لها شيئاً من العبادات. والأصنام: جمع صنم, وهو: كل ما عبد من دون الله عز وجل على شكل صورة وتمثال.والفرق بين الصنم والوثن: أن الوثن أعم من الصنم, الوثن هو: كل ما عبد من دون الله عز وجل سواء كان على شكل صورة أو لم يكن على شكل صورة، لكن الصنم هو: ما عبد من دون الله عز وجل على شكل صورة حيوان.ووجه الشاهد من هذه الآية ظاهر, فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو إمام الحنفاء الذي قال الله عز وجل: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120] خاف على نفسه الشرك, فإذا كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام خاف على نفسه الشرك وهو إمام - أمة- فغيره من باب أولى أن يخاف على نفسه الشرك. وسبق وأن ذكرنا قاعدة وهي: أن كل من أثنى الله عز وجل عليه في القرآن بخير فإنه يطلب منا أمران:الأمر الأول: محبته.والأمر الثاني: أن نقتدي به في هذا العمل الذي استحق به الثناء من الله عز وجل بالخير.وكل من أثنى الله عز وجل عليه في القرآن بشر فإنه يطلب منا أمران: أن نكرهه, وأن نتجافى عن هذا العمل الذي استحق به من الله الثناء بالشر.والله أعلم, وصلى الله وسلم.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد [7]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )



    إذا كان من لقي الله عز وجل يشرك به شيئاً دخل النار، وأخوف ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته هو الشرك الأصغر، فكيف بالأكبر؟! وإذا كان خليل الله عز وجل يدعو الله أن يجنبه الشرك وعبادة الأصنام فحري بنا أن نخاف من الشرك أن نقع فيه نحن أو يقع فيه غيرنا

    شرح حديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر...)

    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الحديث: ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه؟ فقال: الرياء ).وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار ). رواه البخاري .ولـمسلم عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من لقي الله وهو لا يشرك به شيئاً دخل الجنة, ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار ). باب الدعاء إلى شهادة أن لا اله إلا الله, وقول الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].تقدم لنا ما تعلق بالخوف من الشرك, وذكرنا تعريف الشرك, وأن الشرك شركان: شرك أكبر, وشرك أصغر, وذكرنا كلام أهل العلم في تعريف الشرك الأكبر وفي تعريف الشرك الأصغر, وما هي الأحكام المترتبة على كل منهما, وما الفرق بين الشرك والكفر... إلى آخره.وأيضاً تقدم لنا شيء من النصوص التي أوردها المؤلف رحمه الله.قال: (وفي الحديث). هذا الحديث رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده, وكذلك الطبراني والبيهقي .قال: ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ). ( أخوف ما أخاف عليكم ): يعني: أشد ما أخافه عليكم هو الشرك الأصغر.( فسئل عنه؟ فقال: الرياء ). الرياء هو: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس فيحمدونه على ذلك، وفي الحديث في الصحيحين: ( من يرائي يرائي الله به, ومن يسمع يسمع الله به ).

    الفرق بين الرياء والسمعة والعجب

    والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء في أثناء العمل, كأن يقوم فيرائي في الصلاة، في الصدقة... إلى آخره. وأما السمعة فإنها تكون بعد العمل, فبعد أن ينتهي من عمله يذهب يسمع بعمله, عملت كذا، وعملت كذا... إلى آخره.والفرق الثاني: أن الرياء من قبيل الشرك, وأما السمعة فهي من قبيل الذنب.والفرق بين الرياء والعجب: أن الرياء من باب تشريك المخلوق في حق الخالق, وأما العجب فهو من باب تشريك النفس في حق الخالق. وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالرياء, والكلام على الرياء بإذن الله.وهذا الحديث يدل على أن الشرك شركان: شرك أكبر، وشرك أصغر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ). فيدل على أن الشرك شركان.وجه الاستشهاد من الحديث ظاهر, فإن أخوف ما يخافه علينا النبي صلى الله عليه وسلم هو الشرك الأصغر, مما يدل على أنه ينبغي للمسلم أو بل يجب على المسلم أن يخاف من الشرك.

    شرح حديث: (من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار)

    قال: (وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من مات ). من هذه شرطية, ومات: فعل الشرط.( وهو يدعو ). سيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالدعاء وأقسام الدعاء, وسيعقد له المؤلف رحمه الله باباً.( يدعو لله نداً ). الند: هو المثيل والشبيه.قال: ( دخل النار ). دخل: هذا جواب الشرط, والنار: هي الدار التي أعدها الله لأعدائه في الآخرة.وفي هذا الحديث: الخوف من الشرك؛ لأن من مات على هذا الشرك فإنه يدخل النار.وهذا من الأدلة التي يستدل بها من قال: بأن الشرك الأصغر لا يدخل تحت المشيئة, وأنه لا بد أن يعذب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( دخل النار ).فمناسبة هذا الحديث لما ترجم به المؤلف فيه الخوف من الشرك, وأنه يجب على المسلم أن يخاف من الشرك, لكي يتخذ الأسباب التي تقيه منه؛ لأن عقوبة المشرك هي النار.

    شرح حديث: (من لقي الله وهو لا يشرك به شيئاً دخل الجنة)

    وقال رحمه الله تعالى: [ ولـمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من لقي الله ) ]. من: شرطية.( وهو لا يشرك به شيئاً ). شيئاً: نكرة في سياق الشرط, فتفيد العموم, لا يشرك بالله لا شركاً أصغر ولا شركاً أكبر.( دخل الجنة ). الجنة: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه في الآخرة.وقوله: (لقي) يعني: من مات.( ومن لقيه يشرك ) لقيه: كما تقدم.قوله: (دخل الجنة) هذا جواب الشرط.وقوله: (من) هذه شرطية, ولقيه: فعل الشرط.( يشرك به شيئاً ) قوله: ( شيئاً ). هذه نكرة في سياق الشرط, فتفيد العموم.( دخل النار ).ومناسبة هذا الحديث لما ترجم به المؤلف ظاهرة, فإن قوله: (شيئاً) هذا يشمل الشرك الأصغر والأكبر, وأن عقوبة هذا المشرك هي النار, فيجب الخوف من الشرك؛ لأن قوله: (شيئاً) هذه شاملة للشرك الأصغر والشرك الأكبر, فيجب على المسلم أن يحذر من الشرك.وهذا من الأدلة التي يستدل بها من قال بأن الشرك الأصغر لا يدخل تحت المشيئة.

    مناسبة باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله لما قبله

    قال رحمه الله: [باب الدعاء إلى شهادة أن لا اله إلا الله].مناسبة هذا الباب لما قبله أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في الباب السابق الخوف من الشرك, فإذا خاف المسلم الشرك مقتضى ذلك أن يخافه على غيره من الناس, وهذا يقتضي أن يدعو إليه.فهو في الباب السابق تكلم عن الخوف من الشرك, ومقتضى الخوف من الشرك: أن تخافه على غيرك, ولا يمكن ذلك إلا أن تدعو الناس إلى التوحيد؛ ولهذا بوب رحمه الله تعالى قال: (باب الدعاء إلى شهادة أن لا اله إلا الله).وقوله: الدعاء بمعنى: الدعوة, أي: دعوة الناس إلى شهادة أن لا اله إلا الله، إلى توحيد الله، إلى إفراد الله بالعبادة؛ لأنه كما سلف لنا تعريف شهادة: أن لا اله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله عز وجل.

    تفسير آية: (قل هذه سبيلي ...) والشاهد منها

    قال رحمه الله: [وقول الله تعالى: قُلْ [يوسف:108] ]. الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. هَذِهِ [يوسف:108] الإشارة إلى الدعوة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم. قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف:108] يعني: طريقي. أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] يعني: أدعو إلى توحيد الله عز وجل, وهكذا دعوة سائر الرسل عليهم الصلاة والسلام: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].قال: عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] على علم. والبصيرة تكون في طريقة الدعوة, وكذلك أيضاً تكون في المدعو, كيف حال هذا المدعو؟ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عباس - لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب, فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله ).وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أهل الكتاب ). لكي يتضح له حالهم وأمرهم؛ لأن أهل الكتاب عندهم شيء من العلم, فقد يوردون عليه شيئاً من الشبه, فلكي يتأهب لهم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب ).قال: ( وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]) يعني: طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وسبيله في هذه الحياة وكذلك سبيل أتباعه هي الدعوة إلى الله عز وجل وإلى توحيده.(وَسُبْحَ انَ اللَّهِ) تنزيه الله عز وجل, فأنت إذا سبحت الله نزهت الله عز وجل عن ثلاثة أشياء:الشيء الأول: عن مشابهة المخلوقين.والشي الثاني: عن النقص في كماله.والشيء الثالث: عن الاتصاف بصفات النقص.فتسبيح الله عز وجل يشتمل على هذه الأمور الثلاثة: عن مشابهة المخلوقين, وعن الاتصاف بصفات النقص, وعن النقص في كماله. وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] تقدم هذا.هذه الآية الشاهد منها لما ترجم به المؤلف -باب الدعاء إلى شهادة ألا اله إلا الله- فيها أن طريق النبي صلى الله عليه وسلم هو الدعاء إلى التوحيد -إلى لا اله إلا الله-, وكذلك أيضاً طريق أتباعه.والله أعلم, وصلى الله وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد [8]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    وصف الله عز وجل نبيه ومن اتبعه بأنهم يدعون إلى الله وإلى توحيده، وذكر أن الدعوة هي سبيلهم ومن انتهج نهجهم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته إلى التوحيد، وبعث أصحابه إلى أصقاع الأرض بهذه الدعوة؛ فهذا معاذ يوصيه صلى الله عليه وسلم عند بعثه إلى أهل ا
    شرح حديث: (فليكن أول ما تدعوهم إليه ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد:[عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ).وفي رواية: ( إلى أن يوحدوا الله, فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ). أخرجاه.ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: ( لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها, فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل: هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه, فأتي به، فبصق في عينيه ودعا له، فبرئ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ) ].تقدم لنا ما يتعلق بالآية.ثم قال المؤلف رحمه الله: (عن ابن عباس : أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً ). يعني: أرسل معاذاً إلى اليمن, وذلك في السنة العاشرة قبل حجة الوداع, وأرسل أيضاً بـأبي موسى إلى اليمن معلماً وداعياً.قال له: ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب ). هم اليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب.( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله ). شهادة: يجوز فيها النصب، ويجوز فيها الرفع, إما أن تكون نصباً فهي خبر لكان, أو رفعاً تكون اسماً لكان. فليكن أولُ أو أولَ... شهادة أن لا اله إلا الله.وفي رواية: ( إلى أن يوحدوا الله, فإن هم أطاعوك ). يعني: استجابوا.( فأعلمهم أن الله افترض عليه خمس صلوات في كل يوم وليله, فإن هم أطاعوك ). أي: استجابوا.( فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم, فإن هم أطاعوك ), أي: استجابوا.( فإياك وكرائم أموالهم ). إياك: كلمة تحذير, يعني: احذر كرائم أموالهم. و(كرائم) منصوب على التحذير. والكرائم: هي جمع كريمة, وهي: خيار المال.( واتق دعوة المظلوم ). يعني: اجعل بينك وبين دعوة المظلوم وقاية, وذلك بالعدل وترك الظلم.( فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ). أي: لا تحجب, بل ترفع إلى الله عز وجل, ويستجيب الله عز وجل لها.المهم هذا الحديث اشتمل على مسائل كثيرة, ويعنينا من هذه المسائل ما ترجم له المؤلف رحمه الله تعالى, وهو باب الدعاء إلى التوحيد, وشهادة أن لا اله إلا الله. وهو توحيد الألوهية. وهذا الحديث نص في ذلك, فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً إلى اليمن, وأمره أول ما يبدأ به من دعوته هو الدعوة إلى التوحيد. ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله ). وهذا هو التوحيد.وكما تقدم لنا أن التوحيد هو أول واجب، وهذا ما عليه سلف هذه الأمة؛ خلافاً لما يذكره المبتدعة من أن أول واجب هو النظر أو القصد إلى النظر... إلى آخره.

    شرح حديث: (لأعطين الراية غداً ...)

    قال رحمه الله: (ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر). سهل بن سعد الأنصاري الخزرجي , صحابي جليل, توفي سنة ثمان وثمانين للهجرة.وقوله: (لهما). يعني: البخاري ومسلم .و(يوم خيبر): غزوة خيبر، حصلت في السنة السابعة من الهجرة.(قال يوم خيبر: ( لأعطين الراية غداً ) ). الراية: هي علم الجيش الذي يرجع إليه عند القتال والكر والفر, فالراية هي: علم الجيش.( رجلاً يحب الله ورسوله, ويحبه الله ورسوله ). هذه منقبة عظيمة لـعلي رضي الله تعالى عنه.وفي هذا إثبات صفة المحبة لله عز وجل.( يفتح الله على يديه ). وهذه أيضاً آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم.( فبات الناس يدوكون ليلتهم ). يعني: يخوضون كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى.( أيهم يعطاها ). لأن هذه منقبة عظيمة, أنه يحب الله ورسوله, وأن الله يحبه, ورسوله يحبه، لا شك أن هذه منقبة، وأن الله عز وجل يفتح على يديه أيضاً، وهذه لا شك أنها منقبة عظيمة.( فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ). يعني: ذهبوا إليه مبكرين, كلهم يطمع أن يكون ممن يعطى هذه الراية؛ لكي تحصل له هذه المنقبة العظيمة.( كلهم يرجو أن يعطاها ). وفي هذا فضيلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم, وأن هممهم كانت عالية لما في الدار الآخرة، فبادروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يريد أن يأخذ هذه الراية, ويذهب للقتال، وهذه لا شك أنها همة عالية, ونظرة إلى الدار الآخرة, وتعلق القلب بالله عز وجل ونصرة دينه.قال: ( فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه ). يعني: يتألم من عينيه؛ لأن عينيه قد أصيبت بالرمد.( فأرسلوا إليه, فأتي به ). ويظهر والله أعلم أنه كان لا يكاد يبصر من الوجع؛ لأنه أتي به, ويظهر من الحديث أنه قد أتي به يقاد.( فبصق ). يعني: تفل النبي عليه الصلاة والسلام ( في عينيه ). وهذه آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم. ( ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع, فأعطاه الراية, ثم قال: انفذ على رسلك ). يعني: امض لوجهك.وقوله: ( على رسلك ), يعني: على رفقك من غير عجلة ( حتى تنزل بساحتهم ). يعني: في فناء حصونهم. والساحة: الفناء الذي يكون خارج الحصن.( وادعهم إلى الإسلام ). الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك.( وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ). فالإسلام ترتب عليه حقوق، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم... ونحو ذلك.( فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ). حمر النعم هي: الإبل التي هي أنفس الإبل. وحمر النعم هي أنفس أموال العرب.هذا الحديث تضمن مسائل كثيرة, والذي يعنينا منه هو الشاهد لما ترجم به المؤلف, وهو الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله, فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثم ادعهم إلى الإسلام ). وهذا هو الدعاء إلى لا إله إلا الله؛ لأن الإسلام كما تقدم هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك.

    علاقة باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله بما قبله

    قال رحمه الله تعالى: [ باب تفسير التوحيد, وشهادة أن لا اله إلا الله ].هذا العطف -يعني: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا اله إلا الله- من قبيل الترادف؛ لأن التوحيد هو شهادة أن لا اله إلا الله، فأراد المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الباب أن يذكر الأدلة الدالة على تفسير التوحيد، ما هو التوحيد؟ وأن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة, لكن ما هو الدليل على هذا التفسير؟والمؤلف رحمه الله لما ذكر الدعاء إلى التوحيد ذكر تفسير التوحيد, والمناسبة هنا ظاهرة, لكي يكون الداعي على بصيرة بما يدعو إليه. ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125]. فلكي يكون على بصيرة وعلم بما يدعو إليه ذكر المؤلف رحمه الله معنى التوحيد بعد أن ذكر ما يتعلق بالدعوة إليه.قال: (وقول الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ [الإسراء:57]). فالضمير في قوله: (يَدْعُونَ) يعود إلى الكفار، والكفار يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين. ( يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57] ).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد [9]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    لا يمكن أن يتم إسلام العبد حتى يفهم معنى التوحيد وحقيقة لا إله إلا الله، وإلا فكيف سيلتزم ما تتضمنه؟! وكيف سيدعو إليها؟! فيعرف أن لا إله إلا الله تعني: إفراد الله عز وجل بالعبادة، ونبذ عبادة ما سواه، والكفر بما يعبد من دونه، وطاعته وعدم اتخاذ مطاع دونه، و
    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين يدعون...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا اله إلا الله, وقول الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57]. الآية.وقال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26-28].وقوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]].قال المؤلف رحمه الله: (باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا اله إلا الله). وقال: (وقول الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ [الإسراء:57]). الضمير في قوله: يَدْعُونَ يعود إلى الكفار, والإشارة في قوله: أُوْلَئِكَ يعود إلى المدعوين, أي: الذين يدعونه الكفار من دون الله وهم الملائكة والأنبياء والصالحون. يَبْتَغُونَ [الإسراء:57]). يعني: أن هؤلاء الملائكة والأنبياء والصالحين يطلبون إلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [الإسراء:57]. والوسيلة هي: كل ما يقربهم إلى الله عز وجل. أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57], يعني: هؤلاء الصالحون والملائكة والأنبياء كلهم يطلبون الوسيلة، والطرق: أي أقرب الطرق التي تقربهم من الله عز وجل. أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57], يعني: هؤلاء الذين يدعون من دون الله عز وجل.يعني: الله عز وجل يقول: هؤلاء الذين تدعونهم أنتم أيها الكفار! من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين هم أنفسهم يطلبون الوسائل والطرق, بل يحرصون على أقرب الطرق التي توصلهم إلى الله عز وجل. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ [الإسراء:57]. كما أنهم يأخذون بالطرق التي توصلهم إلى الله عز وجل يرجون رحمة الله عز وجل, يعني: لا يرجون إلا الله عز وجل, لا يرجون أحداً سوى الله عز وجل. وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57], أي: لا يخافون أحداً إلا الله عز وجل. إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57]. يعني: يحذره المؤمنون بالله عز وجل, وهذا هو مقتضى الخوف من الله عز وجل أن تحذر عذابه.وجه الاستشهاد من هذه الآية لما ترجم له المؤلف من تفسير التوحيد وشهادة أن لا اله إلا الله: أن هؤلاء المدعوين الذين يدعونهم الكفار، ويعبدونهم من الملائكة والأنبياء والصالحين هم يخافون الله عز وجل, ويدعون الله عز وجل, يعني: يفردون الله عز وجل بالخوف, وكذلك بالدعاء وبالعبادة, فدل ذلك على أن التوحيد هو: إفراد الله عز جل بالعبادة.يعني: أنتم أيها الكفار الذين تدعون هؤلاء من الملائكة والصالحين والأنبياء هؤلاء هم أنفسهم يدعون الله عز وجل, ويلتمسون الطرق التي توصلهم إليه, وذلك إنما يكون بالعبادة, ومع ذلك يرجون رحمة الله, ولا يرجون أحداً سواه, ويخافون عذاب الله, ولا يخافون أحداً سواه, وهذا هو التوحيد.فالتوحي هو: أن تدعو الله عز وجل, وأن تفرده بالعبادة, وأيضاً لا ترجو إلا الله سبحانه وتعالى, ولا تخاف إلا الله عز وجل, وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بأقسام الدعاء وأقسام الخوف وغير ذلك.

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه...)

    قال رحمه الله: (وقوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26]). يعني: أنا بريء من جميع معبوداتكم. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27], يعني: خلقني. فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:27]). وهنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27]. ولم يقل إبراهيم عليه الصلاة والسلام: إلا الله. وكان التعبير بقوله: (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) ولم يكن التعبير بقوله: إلا الله؛ لأنه أراد أنه يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية, فكما أن الله سبحانه وتعالى هو الذي فطره وهو الذي خلقه فهو الذي يستحق العبادة, وهذا من الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. ففي هذا دليل لما ترجم له المؤلف رحمه الله وتفسير التوحيد, وأن التوحيد هو: إفراد الله عز وجل بالعبادة, والبراءة من كل ما يعبد من دون الله، لا إله إلا الله: نفي كل ما يعبد من دون الله, وإثبات العبادة لله عز وجل. هذا هو الذي جاء في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام, إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:26-27]. فكلامه فيه ركنا الشهادة: الإثبات، والنفي, إثبات العبادة لله عز وجل، ونفيها عما سواه.

    تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم..) وذكر مناسبتها للترجمة

    قال رحمه الله: (وقوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]).(اتَّخَذُوا), أي: اليهود والنصارى جعلوا (أَحْبَارَهُمْ) أي: علماءهم. و(وَرُهْبَانَهُ ْ), أي: عبادهم. (أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ), أي: جعلوهم أرباباً من دون الله. ومعنى أرباباً من دون الله يعني: سوى الله، جعلوهم مشرعين يحللون ويحرمون؛ لأن التشريع من خصائص الرب سبحانه وتعالى, فمن أطاع مخلوقاً في التحليل والتحريم لكونه يحل ويحرم دون الله سبحانه وتعالى فهنا اتخذه رباً دون الله عز وجل.قال: (وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ). يعني: اتخذوا المسيح رباً من دون الله عز وجل يعبدونه.وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [التوبة:31]. لا معبود بحق إلا الله. سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]. تقدم لنا أن التسبيح هو التنزيه, والله سبحانه ينزه عن مشابهة المخلوقين، وعن النقص في كماله، وعن صفات النقص, فالله سبحانه وتعالى ينزه عن هذه الأشياء الثلاثة.وجه الشاهد مما ترجم له المؤلف رحمه الله تعالى ظاهر, فمن معاني التوحيد: أنك لا تتخذ أحداً يشرع دون الله عز وجل تطيعه في ذلك, يحلل ويحرم دون الله عز وجل, فإنك إذا اتخذت من يحلل ويحرم دون الله عز وجل وأطعته في ذلك فقد اتخذته رباً دون الله عز وجل.فمن معاني التوحيد: أن الذي تتخذه رباً يحلل ويحرم هو الله سبحانه وتعالى.ومن شواهد هذه الآية لما ترجم له المؤلف: أن الله سبحانه وتعالى أنكر عليهم اتخاذهم عيسى عليه الصلاة والسلام رباً يعبد من دون الله عز وجل, وأن التوحيد هو: إفراد الله عز وجل بالعبادة, لا اله إلا هو: لا معبود بحق إلا الله.وأيضاً في هذا: أن هذا العمل الذي عمله أهل الكتاب من الشرك؛ ولهذا قال الله عز وجل: سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]. فاتخاذ أو إطاعة من يحلل ويحرم دون الله عز وجل هذا شرك. اتخذه رباً: عبده من دون الله، وهذا شرك, وأن التوحيد أن تتخذ الله عز وجل إلهاً ورباً في التحليل والتحريم دون ما سواه، وأن تتخذه إلهاً في العبادة دون من سواه.

    تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ...)

    قال المؤلف رحمه الله: (وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة:165]). (من): هذه تبعيضية, يعني: بعض الناس. مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة:165], يعني: غير الله, أَندَادً [البقرة:165], الند هو: المثيل والنضير. يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165], يعني: يشركونه في المحبة, وسيأتينا إن شاء الله باب مستقل للمحبة, وسنذكر إن شاء الله المحبة, وأن المحبة تنقسم إلى أقسام: المحبة الشركية التي تكون شركاً أكبر, والمحبة التي تكون شركاً أصغر, والمحبة الطبيعية, ومتى تكون المحبة شركاً أكبر, ستأتينا ذلك في صورتين, الصورة الأولى: إذا ساوى غير الله بالله في المحبة, إذا أحبه كما يحب الله عز وجل, فهذا شرك أكبر.والصورة الثانية: المحبة المقتضية للخضوع والذل... إلى آخره, فهذا أيضاً شرك أكبر, وسيأتينا إن شاء الله.سبحانك اللهم وبحمدك.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد [10]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

    ليس التوحيد مقصوراً على نطق الشهادتين دون العلم بمعناها والعمل بمقتضاها، ففاعل هذا مثله مثل من يتكلم بلغة ويرددها ولا يعرف ما ترمي إليه، بل التوحيد يتضمن إفراد الله بالعبودية والطاعة والمحبة والإنابة والتوكل ... إلخ. والكفر بكل ما يعبد من دون الله، والبعد

    تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: [وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل ) وشرح هذه الترجمة ما بعدها من أبواب.باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، وقول الله تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُو نَ [الزمر:38]].تقدم لنا بعض النصوص التي أوردها المؤلف من كتاب الله عز وجل في تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، ومن هذه النصوص قول الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا [البقرة:165]. و(من) قلنا بأنها تبعيضية، يعني: بعض الناس. يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا [البقرة:165] من دون الله أي: سوى الله، والند: هو المثيل والنظير. يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] المحبة: هي ميل القلب إلى المحبوب لسبب من الأسباب.قوله: كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] أي:كما تقدم لنا في المحبة الشركية، وسيأتينا إن شاء الله في باب المحبة، وأن المحبة تنقسم إلى أقسام، منها ما هو شرك أكبر، ومنها ما هو شرك أصغر، ومنها المحبة الطبيعية، ومنها ما هو واجب... إلى آخره، هذا سيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بأقسام المحبة. كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165] يعني: أنهم يسوونه بالله في المحبة، وهذه الصورة من صور الشرك الأكبر أن تحب غير الله كحبك لله، وأيضاً من صور المحبة الشركية: أن تحب غير الله محبة تقتضي الذل والخضوع للمحبوب، هذه صورة من صور المحبة الشركية.قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165] يعني: الذين آمنوا أشد حباً لله من المشركين لآلهتهم. وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة:165] يعني: لو يعلم الذين ظلموا. إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ [البقرة:165] يعني: وقت معاينة العذاب. أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة:165]. أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ [البقرة:165] يعني: أن القدرة والغلبة هذه كلها لله عز وجل وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة:165].وجه الشاهد من هذه الآية لما ترجم به المؤلف رحمه الله: أن المحبة نوع من أنواع العبادة، ويجب أن تصرف لله عز وجل، وعلى هذا يكون تفسير التوحيد: صرف جميع أنواع العبادة لله عز وجل؛ لأن المحبة نوع من أنواع العبادة، ويجب أن تصرف لله عز وجل، وأن صرفها لغير الله عز وجل شرك؛ لأنه صرف لنوع من أنواع العبادة لغير الله عز وجل.

    شرح حديث: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله...)

    قال رحمه الله: (وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم). في الصحيح أي: في صحيح مسلم .[أنه قال: ( من قال لا إله إلا الله )] تقدم تفسير الشهادة.قال: ( وكفر بما يعبد من دون الله ). يعني: سوى الله.( حرم ) يعني: امتنع.( ماله ودمه ). امتنع أخذ ماله وامتنع سفك دمه بناءً على التوحيد؛ لأن التوحيد يعصم صاحبه.( وحسابه على الله عز وجل ) أي: الله عز وجل هو الذي يتولى محاسبته، لنا الظاهر والله يتولى السرائر.أو يكون المعنى: نحن لنا الظاهر والله عز وجل يتولى السرائر؛ لأن أمر الدنيا على الظاهر، لكن أمر الآخرة على البواطن والسرائر، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9] هذا أمر الآخرة.أو يكون المعنى: ( وحسابه على الله ). يعني: من تلفظ بهذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد فإن الله سبحانه وتعالى يحاسبه على حسب نيته واعتقاده ويجازيه على ذلك.

    معنى قوله: ترجمة، ووجه الشاهد من الحديث

    قال رحمه الله: [وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب]. ترجمة الكتاب والباب: فاتحته، والمقصود بقوله بالترجمة تفسير التوحيد، فالمقصود: الترجمة: ما ترجم له المؤلف رحمه الله من هذا الباب: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.ووجه الشاهد يعني: ما بعدها من الأبواب: كل الأبواب هذه التي ستأتينا تفسر التوحيد، فإنه سيبين فيها المؤلف رحمه الله التوحيد وما يضاد التوحيد من الشرك.فوجه الشاهد أو وجه الاستشهاد لما ترجم به المؤلف: أن معنى لا إله إلا الله: هو الكفر بما يعبد من دون الله عز وجل؛ ولهذا قال: ( من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله ). فلا يكون محققاً لهذه الكلمة العظيمة إلا إذا كفر بما يعبد من دون الله.وسبق أن هذه الشهادة لها ركنان: الإثبات، والنفي، فلو أنه قال: أنا أثبت أن الله سبحانه وتعالى مألوه معبود لكن لا أنفي. هل يصلح هذا أو لا؟ لا يصلح، إذ لا بد أن يكفر بما يعبد من دون الله عز وجل.

    معنى قوله: (باب من الشرك لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه)

    قال رحمه الله: [باب من الشرك].قوله: (من الشرك) (من) هذه تبعيضية، يعني: بعض الشرك. [لبس الحلقة والخيط] الحلقة: كل شيء مستدير، والخيط معروف. و[نحوهما] من الحجارة والودع والتمائم الشركية وغير ذلك مما يعلق، والخرز ونحو ذلك.[لرفع البلاء]، يعني: لرفعه بعد نزوله، والبلاء: المرض ونحوه من عين ونحو ذلك.[أو دفعه] يعني: منعه قبل نزوله. (لرفعه) يعني: بعد نزوله، (أو دفعه) أي: قبل نزوله.

    تفسير قوله تعالى: (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله...)

    قال رحمه الله: (وقول الله تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُو نَ [الزمر:38]).قوله: قُلْ [الزمر:38] الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: أَفَرَأَيْتُمْ [الزمر:38]. مَا تَدْعُونَ [الزمر:38] يعني: ما تسألونه من جلب الخير أو دفع الضر، مِنْ دُونِ اللَّهِ [الزمر:38] يعني: سوى الله. يعني: هؤلاء الذين تسألونهم وتدعونهم من دون الله عز وجل وتسألونهم جلب الخير أو دفع الضر من دون الله من الآلهة والأنداد... إلى آخره. إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ [الزمر:38] الضر يشمل المرض والفقر والشدة والبلاء... إلى آخره. هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ [الزمر:38] يعني: هل هذه الآلهة التي تدعى من دون الله عز وجل ستكشف هذا الضر؟ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ [الزمر:38] من نعمة ورزق وعافية وصحة وخير ونحو ذلك. هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ [الزمر:38] يعني: هل هذه الآلهة التي تدعى من دون الله عز وجل تستطيع أن تمسك رحمة الله عز وجل أو تدفع البلاء -الضر؟ الجواب: إنها لا تستطيع، وهم يقرون بهذا. قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ [الزمر:38] يعني: الله سبحانه وتعالى كافيني. عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُو نَ [الزمر:38] فالله سبحانه وتعالى كافي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك كافي من يتوكل عليه.في هذه الآية بين الله سبحانه وتعالى أن هذه الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل لا تقوى أو لا تستطيع على دفع الضر إن أراده الله عز وجل، أو على منع الرحمة إن أرادها الله عز وجل، فإذا كان كذلك بطلت عبادتها من دون الله عز وجل.هذا في نفس هذه الآلهة، فإذا كان ذلك في نفس هذه الآلهة فكذلك هذه الحلق والخيوط لا تستطيع أن تجلب النفع أو تدفع الضر، فإذا كانت لا تستطيع أن تجلب النفع أو تدفع الضر فإنها لا تعلق، كما أن هذه الأصنام لا تستطيع أن تجلب النفع أو تدفع الضر فلا تعبد، ويلحق بها ما يتعلق بلبس الخيط أو الحلقة ونحو ذلك، فهذه أيضاً لا تجلب النفع ولا تدفع الضر، فهذه أيضاً لا تعبد من دون الله عز وجل.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد [11]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    لقد سد الإسلام كل باب يفضي إلى الشرك أو يوصل إليه، ومن ذلك أنه حرّم تعليق التمائم والحروز والقلائد لدفع العين أو السحر؛ فهذه كلها من عادات الجاهلية، وتُنبئ عن عقلية ساذجة خرافية، وقد اشتد قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، حتى إنه دعا على من تعلق تميمة

    شرح حديث: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.[عن عمران بن حصين رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً ) رواه أحمد بسند لا بأس به.وله عن عقبة بن عامر مرفوعاً: ( من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ).وفي رواية: ( من تعلق تميمة فقد أشرك ).ولـابن أبي حاتم عن حذيفة : ( أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106] )].تقدم لنا ما ترجم له المؤلف رحمه الله من قوله: (باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه)، ومناسبة هذا الباب في كتاب التوحيد: أنه يخل بأصل التوحيد أو بكماله، وأنه مما يضاد التوحيد.وتقدم معنى قول الله عز وجل: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الزمر:38]... إلى آخر الآية.ثم قال المؤلف رحمه الله: (عن عمران بن حصين : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً ) رواه أحمد بسند لا بأس به).عمران بن حصين الخزاعي صحابي جليل، توفي رضي الله تعالى عنه سنة اثنتين وخمسين بالبصرة.وقوله: ( رأى رجلاً في يده حلقة من صفر ) الصفر: نوع من أنواع المعادن، والحلقة: هي الحديدة، أي: شيء مستدير من الصفر.( فقال: ما هذه؟ ) استفهام إنكاري.( قال: من الواهنة ) الواهنة: نوع من المرض يصيب اليد. ( فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً ) اطرحها. يعني: انزعها اطرحها وهو الجذب بقوة. ( فإنها لا تزيدك إلا وهناً ) يعني: ضعفاً وخوراً.( فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً ) الفلاح: هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.في هذا الحديث: أن لبس الحلقة ونحوها لدفع المرض أو لرفعه بعد وقوعه من الشرك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـعمران بن حصين رضي الله تعالى عنه ( ما أفلحت أبداً ).وهل هذا شرك أكبر أو شرك أصغر؟ نقول: فيه تفصيل: إن اعتقد أنها تنفع وتضر من دون الله عز وجل فهو شرك أكبر؛ لأنه جعلها نداً لله عز وجل.وإن لم يعتقد ذلك، وإنما اتخذها مجرد اتخاذ، فنقول بأنه شرك أصغر. وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق باتخاذ الأسباب، وأن من اتخذ سبباً للبركة لجلب النفع أو دفع الضر ولم يثبت أنه سبب في الشرع أو الحس أو التجربة الظاهرة المباشرة فهذا شرك أصغر، وإن اعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله فهو شرك أكبر.وعلى هذا قوله: ( ما أفلحت أبداً ) نفي الفلاح هنا إن اعتقد أنها تنفع وتضر من دون الله، فهو على ظاهره ما أفلح أبداً؛ لأنه دخل في الشرك الأكبر، وإن اعتقد أنها مجرد سبب فالمقصود هنا: نفي كمال الفلاح.

    شرح حديث: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له)

    قال رحمه الله تعالى: (وله) أي: للإمام أحمد رحمه الله (عن عقبة بن عامر مرفوعاً: ( من تعلق تميمة ). من: شرطية، وتعلق: فعل الشرط. وقوله: ( تميمة ). التميمة: هي عبارة عن خرزات يعلقها العرب على الأولاد لدفع العين، والمراد هنا: ما يعلق على البدن من خرز أو من حجارة أو من خرق على البدن أو على المركوب ونحو ذلك؛ لدفع العين أو دفع الشيطان أو دفع الأمراض ونحو ذلك.. إلى آخره.قال: ( من تعلق تميمة فلا أتم الله له ). هذه يحتمل أن تكون جملة خبرية، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من تعلق هذه التميمة فإن الله لن يتمم أموره، ويحتمل أن تكون جملة إنشائية، بمعنى الدعاء عليه، وأيهما أبلغ: الجملة الخبرية أو الجملة الإنشائية؟ الخبرية أبلغ؛ لأن الأمر منتهه، وأن من تعلق هذه التميمة فإن الله سبحانه وتعالى لن يتمم له أموره، وهذا لا شك أنه عقوبة شديدة.قال: ( ومن تعلق ودعة ) من: هذه أيضاً شرطية، وتعلق: فعل الشرط.(ودعة): الودعة: هذه شيء يخرج من البحر يشبه الصدف، أيضاً يعلق على البدن لكي يتقى به العين.وقوله: ( فلا ودع الله له ) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط.قال: ( فلا ودع الله له ) يعني: لم يجعله الله عز وجل في دعة وسكون. وكما تقدم: هل هذه الجملة جملة خبرية أو جملة إنشائية؟ يحتمل أن تكون جملة خبرية، ويحتمل أن تكون جملة إنشائية، فإن قلنا بأنها جملة إنشائية فهي دعاء عليه، وإن قلنا بأنها خبرية يعني: هذا خبر من النبي صلى الله عليه وسلم أن من تعلق هذه الودعة فإن الله سبحانه وتعالى لا يدعه في سكون، وكون الإنسان لا يكون في سكون ويكون في قلق هذا لاشك أنه عقوبة شديدة.قال: (وفي رواية: ( من تعلق تميمة فقد أشرك ) هذا واضح.ووجه الشاهد لما ترجم له المؤلف رحمه الله: أن لبس الخيط والحلقة ونحوها من الشرك، وهذا الحديث صريح في ذلك، وكما تقدم: هل هذا شرك أصغر أو أنه شرك أكبر؟ قلنا بأن في هذا تفصيلاً: إن اعتقد أن هذه التميمة تنفع وتضر من دون الله عز وجل فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنها مجرد سبب وأن النفع والضر بيد الله عز وجل فهو شرك أصغر.

    شرح حديث حذيفة: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى...

    قال رحمه الله تعالى: (ولـابن أبي حاتم عن حذيفة : ( أنه رأى رجلاً ). حذيفة بن اليمان العبسي صحابي جليل، مات رضي الله تعالى عنه سنة ست وثلاثين من الهجرة.( أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى ) الحمى نوع من أنواع المرض، وإنما لبس هذا الرجل الخيط لكي يتقي به الحمى، يعني: يحتمل أنه أراد أن يتقي به الإصابة من مرض الحمى، ويحتمل أنه أراد أن يرفع الحمى، يعني: هو أصيب بالحمى ثم لبس الخيط لكي يرفع الحمى.فقطعه حذيفة رضي الله تعالى عنه، وتلا قوله: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].واضح هنا كون حذيفة رضي الله تعالى عنه تلا هذه الآية فيمن لبس هذا الخيط، دل ذلك على أن لبس مثل هذه الخيوط من الشرك، وتقدم لنا: هل هو شرك أصغر أو شرك أكبر؟المهم أن حذيفة رضي الله تعالى عنه قطعه واعتبره من الشرك.

    باب ما جاء في الرقى والتمائم

    قال رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الرقى والتمائم].مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن من الرقى ما يكون شركاً، وهذه الرقى الشركية منها ما يخل بأصل التوحيد، ومنها ما يخل بكمال التوحيد.فإن كانت هذه الرقى من الشرك الأكبر فإنها تخل بأصل التوحيد، وإن كانت من الشرك الأصغر فإنها تخل بكمال التوحيد، وسيأتي إن شاء الله.

    شرح حديث: (لا يبقين في رقبة بعير قلادة إلا قطعت)

    قال رحمه الله: [وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه]. في الصحيح أي: في صحيح البخاري ومسلم.[عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه: ( أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة )]. القلادة: هي ما يعلق في رقبة البعير.( قلادة من وتر ) الوتر: واحد أوتار القوس.( أو قلادة إلا قطعت ) (أو): هذه شك من الراوي، يعني: شك هل النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قال: قلادة إلا قطعت؟ وهل النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلادة أو قال: قلادة من وتر؟وعلى كل حال سواء كانت القلادة من وتر أو من غير وتر فاتخاذ مثل هذه القلائد نوع من الشرك.الشاهد من هذا: أن تعليق مثل هذه التمائم والأوتار على الأبدان والبعير والمراكب ونحو ذلك نقول: بأن هذا نوع من الشرك؛ ولهذا أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسولاً بقطع مثل هذه الأوتار.وتقدم لنا: هل هذا من الشرك الأصغر أو من الشرك الأكبر؟ وذكرنا: إن كان يعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله عز وجل فهو شرك أكبر، وإلا نقول بأنه من الشرك الأصغر.سبحانك اللهم وبحمدك.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد (12)
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    كل ما يفضي إلى الشرك حرَّمه الإسلام، ومن ذلك الرقى غير الشرعية والتمائم والتولة. والرقى منها ما هو شرعي إذا كان بالقرآن والأدعية النبوية وعرف معناه، ومنها ما هو شرك وهي التعاويذ الشيطانية.وتعلي التمائم والتولة من الشرك، إلا أن العلماء اختلفوا في تعليق م

    تعريف التمائم والرقى والتولة

    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى:[وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: ( من تعلق شيئاً وكل إليه ) رواه أحمد والترمذي .التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.والرقى: هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة.والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.وروى أحمد عن رويفع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا رويفع ، لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس: أن من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً بريء منه ).وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعتق رقبة. رواه وكيع .وله عن إبراهيم : كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن].تقدم لنا ما ترجم به المؤلف رحمه الله من قوله: (باب ما جاء في الرقى والتمائم)، وتقدم لنا تعريف التمائم، وقول المؤلف رحمه الله: (باب ما جاء في الرقى)، هنا أجمل المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بالحكم؛ لأن الرقى منها ما هو شرك، ومنها ما ليس بشرك كالرقى التي تكون من القرآن أو السنة الثابتة أو الأدعية المباحة.. إلى آخره.وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الرقى والتمائم والتولة شرك ).الرقى: هذا عام أريد به خاص، فليست كل الرقى شركاً، وإنما منها ما هو شرك ومنها ما ليس بشرك.والتمائم: جمع تميمة، وتقدم لنا تعريفها، والتولة عرفها المؤلف رحمه الله.قال: (التمائم: شيء يعلق على الأولاد)، تقدم الكلام عليه.قال: (والرقى، وهي التي تسمى العزائم وخص منها الدليل ما خلا من الشرك).قال: (والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته).فيقول لك المؤلف رحمه الله تعالى بأن هذه الأشياء من الشرك، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بقوله: الرقى من الشرك يعني: الرقى غير الشرعية، أما الرقى الشرعية فهي ليست من الشرك، وسيأتينا إن شاء الله الرقية بالكلمات الأعجمية وأسماء الشياطين ونحو ذلك.وقوله: (شرك) تقدم التفصيل فيه: هل هو شرك أكبر أو شرك أصغر؟ وأن هذا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: إن اعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله عز وجل فهو شرك أكبر.وإن اعتقد أن النفع والضر بيد الله عز وجل وأن هذا مجرد سبب فهو شرك أصغر. وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالأسباب والبحث فيها.الشاهد من هذا لما ترجم له المؤلف: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأن التمائم والرقى غير الشرعية والتولة من الشرك، وهذا شاهد لما ترجم له المؤلف رحمه الله: (باب ما جاء في الرقى والتمائم). وأن هذه الرقى منها ما هو شرك ومنها ما ليس بشرك، وأما التمائم والتولة فهذه شرك.أيضاً ما يعلق على الأبدان من آيات القرآن أو الأدعية المباحة أو السنة هذه مخصوصة كما سيأتينا إن شاء الله وذكر الخلاف فيها.

    شرح حديث: (من تعلق شيئاً وكل إليه)

    قال رحمه الله: (وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: ( من تعلق شيئاً وكل إليه ).عبد الله بن عكيم الجهني أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا يعرف أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم.وقوله: (من) هذه شرطية. و(تعلق) فعل الشرط.وقوله: ( وكل إليه ) جواب الشرط.فمن تعلق شيئاً يعني: التفت قلبه إلى شيء يعتقد أنه ينفع ويضر.( شيئاً وكل إليه ) يعني: وكله الله عز وجل إلى هذا الشيء الذي تعلقه من دونه سبحانه وتعالى.وفي هذا الشاهد لما ترجم له المؤلف: (باب ما جاء في الرقى والتمائم) النهي عن تعلق التمائم وكذلك الرقى غير الشرعية، وأن من تعلق مثل هذه الأشياء التي لم يأت بها الشرع على أنها سبب يجلب النفع ويدفع الضر فإنه يوكل إلى هذا الشيء، وأن الله سبحانه وتعالى يدعه من رحمته ولطفه ويخذله، ولا شك أن هذا مما يدل على النهي عن تعلق مثل هذه الأشياء، وأنه يجب التعلق بالله عز وجل في جميع الأمور وترك الأسباب غير الشرعية.

    شرح حديث (لعل الحياة ستطول بك ...)

    قال رحمه الله: (وروى الإمام أحمد عن رويفع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا رويفع ، لعل الحياة ستطول بك )(. رويفع بن ثابت بن السكن الأنصاري الخزرجي ، توفي رضي الله تعالى عنه سنة ست وخمسين للهجرة.قال: ( يا رويفع ، لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس: أن من عقد لحيته ) عقدة اللحية، كان العرب يستخدمون عقد اللحية إما تكبراً، أو أن المراد بذلك: عقدها على وجه التشبه بالنساء، إما أن يعقدها يعني: يفتلها على وجه التكبر، أو على وجه التأنث والتنعم، وفي هذا مشابهة النساء.أو أن المراد: أنه عقدها -يعني: كفها- لكي لا تسجد معه في الصلاة؛ ولهذا ورد حديث ابن عباس أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ). وفي آخر الحديث قال: ( ولا أكف شعراً ولا ثوباً ).فقوله: ( من عقد لحيته ) يعني: فتلها إما أن يكون تكبراً أو تأنثاً، أو فعل ذلك في الصلاة؛ لكي لا تسجد معه.قال: ( أو تقلد وتراً ) يعني: جعل في عنق دابته وتراً، والوتر: واحد أوتار، وهو القوس كما تقدم لنا.( أو استنجى برجيع ) يعني: بروث. ( دابة أو عظم فإن محمداً بريء منه ). قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن محمداً بريء منه ) هذا وعيد شديد، فكلام النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن محمداً بريء منه ) هل نقول بأن هذا الحديث يدل على أن هذا الفعل شرك أكبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ منه أو نقول بأنه شرك أصغر؟التفصيل: عقد اللحية تكبراً ليس من الشرك، التكبر والتأنث أو أن لا تسجد معه في الصلاة... إلى آخره ليس من الشرك، لكن تعلق الوتر إن اعتقد أن هذا المعلق يجلب النفع ويدفع الضر من دون الله عز وجل فإن هذا شرك أكبر، وحينئذٍ يكون الحديث على ظاهره، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بريء منه؛ لأنه خرج من الإسلام إلى الشرك، وإن اعتقد أن هذا المتعلق إنما هو مجرد سبب، وأن النفع والضر بيد الله عز وجل فلا نقول بأنه على ظاهره، وإنما نقول: قوله: ( فإن محمداً بريء منه ) يعني: بريء من هذا العمل، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم بريئاً من هذا العمل؛ لأن هذا ليس شركاً أكبر وإنما هو شرك أصغر.ووجه الشاهد لما ترجم له المؤلف قوله: ( وتقلد وتراً ).

    ذكر كلام بعض السلف في حكم تعليق التمائم وخلاف العلماء في ذلك

    قال رحمه الله: (وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة. رواه وكيع ). وكيع بن الجراح توفي رحمه الله سنة سبع وتسعين ومائة من الهجرة.(وله عن إبراهيم : كانوا يكرهون التمائم كلها).(إبراهيم ) المراد به: إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى، توفي سنة ست وتسعين للهجرة.(كانوا يكرهون)، يقصد أصحاب ابن مسعود .(كانوا يكرهون التمائم) وقبل ذلك قول سعيد بن جبير : (كعدل رقبة) أي: كان له مثل ثواب من أعتق رقبة.قال: (وله عن إبراهيم : التمائم كلها من القرآن وغير القرآن). المراد بذلك: أصحاب ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وأنهم كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق به.فإن كانت التمائم أو ما يعلق على البدن من القرآن والأدعية الثابتة في السنة والأدعية المباحة... إلى آخره فهذا موضع خلاف، فـابن مسعود وأصحابه يرون المنع، والرأي الثاني: الجواز، والرأي الثالث: الجواز بعد وقوع البلاء والمرض، أما قبل وقوع البلاء والمرض فإنه لا يجوز، وسيأتينا إن شاء الله.سبحانك اللهم وبحمدك.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد (13)
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    اختلف العلماء في تعليق شيء من القرآن: فمنهم من رأى المنع؛ لأنه داخل في عموم مسمى التميمة، ومنهم من رأى الجواز؛ لجواز التداوي بالقرآن، ومنهم من جوز ذلك بعد نزول البلاء لا قبله، ومع ذلك يشترط شروطاً، وهي: أن تكون من القرآن والسنة، وأن لا يعتقد أنها مؤثرة بذ

    حكم تعليق شيء من القرآن

    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما].تقدم لنا ما يتعلق بالرقى والتمائم، وتقدم لنا أن المؤلف رحمه الله قال: (وله عن إبراهيم : كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن).التمائم كما عرفها المؤلف رحمه الله تعالى بأنها شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.فالتمائم تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: تمائم ليست من القرآن أو الأدعية المباحة أو الثابتة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما حجارة أو ودع أو خرق ونحو ذلك تعلق على الأبدان أو المراكب أو في البيوت ونحو ذلك، فهذا كله من الشرك كما تقدم، وإن اعتقد أنها تنفع وتضر من دون الله فهذا شرك أكبر.القسم الثاني: التمائم التي من القرآن أو من السنة أو الأدعية المباحة؛ فهذه اختلف فيها العلماء رحمهم الله على ثلاثة آراء:الرأي الأول: ما أشار إليه المؤلف قال: (وله عن إبراهيم: كانوا يكرهون التمائم كلها). الرأي الأول رأي ابن مسعود وأصحابه، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى النهي عن هذه التمائم. واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من تعلق تميمة فقد أشرك ). وأيضاً هو وارد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.فقوله: ( من تعلق تميمة فقد أشرك )، و( من تعلق شيئاً فقد وكل إليه ) ... إلى آخره؛ هذا يشمل كل المعلق.والرأي الثاني: أن هذه التمائم جائزة ولا بأس بها، وهذا قال به سعيد بن المسيب وعطاء وغيرهما، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57]، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، والاستشفاء بالقرآن لم يرد على صفة معينة، فكيفما استشفى بالقرآن جاز.الرأي الثالث: أن هذه التمائم جائزة بشرط: أن يكون ذلك بعد حصول البلاء -يعني: حصول المرض- فإذا كان بعد حصول المرض فإن هذا جائز ولا بأس به، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ؛ لوروده عن عائشة رضي الله تعالى عنها.وهذا يظهر -والله أعلم- أنه أقرب الأقوال، وعلى هذا نقول: تعليق مثل هذه التمائم جائز ولا بأس به إذا كان ذلك بعد نزول البلاء من مرض ونحو ذلك.

    شروط جواز تعليق شيء من القرآن

    وهذه التمائم يشترط لها شروط:الشرط الأول -كما تقدم-: يشترط أن يكون ذلك بعد نزول البلاء.والشرط الثاني: أن يكون المعلق من القرآن أو السنة النبوية، يعني: من الأدعية الثابتة في القرآن أو من السنة النبوية أو الأدعية المباحة وغير ذلك.والشرط الثالث: أن لا يعتقد أنها مؤثرة بنفسها. وإنما يعتقد أنها سبب، وأن الذي بيده الضر والنفع هو الله عز وجل، فلا يعتقد أنها مؤثرة بنفسها.والشرط الرابع: أن لا يؤدي ذلك إلى إهانتها، ما دام أنها من القرآن أو من الأدعية المباحة والثابتة في السنة لا يؤدي ذلك إلى إهانتها.

    باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما

    ثم قال المؤلف رحمه الله: [باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما].مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة، فإن التبرك بالأحجار والأشجار ونحوها نوع من الشرك، وهذا الشرك إما أن يكون أكبر ينافي أصل التوحيد، وإما أن يكون أصغر ينافي كمال التوحيد، وأيضاً: هذا من اتخاذ الأسباب التي لم يرد في الشرع أنها سبب، وكذلك التجربة الحسية الظاهرة لم تثبت أنه سبب لجلب النفع ودفع الضر، وعلى هذا نقول.

    تعريف السبب وأقسام الناس في الأسباب

    أولاً: تعريف السبب.السبب في اللغة يطلق على معان، ومنه: الحبل، ومن ذلك قول الله عز وجل: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج:15].أما في الاصطلاح: فهو كل ما يتوصل به إلى غيره، وقد يكون شرعياً وقد يكون غير شرعي.والناس في الأسباب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: من جفا في إثبات الأسباب، فهو ينكر أثر السبب، ويقول: ما يوجد من أثر فقد وجد عند السبب لا بالسبب، فهم ينكرون آثار الأسباب، وما يوجد يقولون: هذا وجد عند السبب ولم يوجد بالسبب، وأن الفعل كله من الله عز وجل، وهذا قول الجبرية، والأشاعرة، إذ هم ينكرون أثر الأسباب.القسم الثاني: من غلا في إثبات الأسباب، وهم الصوفية وعامة الخرافيين، فالصوفية وعامة الخرافية هؤلاء غلوا في إثبات الأسباب، حتى أثبتوا ما ليس سبباً للبركة أثبتوه سبباً، ومن ذلك طلب البركة من القبور والأضرحة وصرف العبادات لها ونحو ذلك، هؤلاء غلوا في إثبات الأسباب.القسم الثالث: من توسط فأثبت السبب وليس كل الأسباب، وإنما تثبت الأسباب التي أثبتها الشرع والأسباب التي أثبتها الحس، بحيث يكون هناك بين السبب والمسبب أثر ظاهر.يعني: لا بد من الحس، يعني: ما أثبته الحس بحيث أن التجربة الظاهرة تثبت هذا الأثر في المسبب لئلا يكون موهوماً.فنقول: يثبت من الأسباب ما أثبته الشرع وكذلك ما أثبتته التجربة الظاهرة الحسية المباشرة، بحيث يكون هناك للسبب أثر في المسبب، فتثبت هذه الأسباب لكن مع اعتقاد أنها مجرد سبب، وأن الذي بيده الضر والنفع هو الله عز وجل، وهذا قول أهل السنة والجماعة، وأيضاً مع إثبات أنها سبب واتخاذها هذا لا ينافي التوكل، لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [التفات القلوب إلى الأسباب شرك في التوحيد]، فأنت تتخذ السبب ومع ذلك لا تعلق قلبك بالسبب وإنما تعلق قلبك بالله عز وجل، فلا يلتفت قلبك إلى السبب، وسيأتينا إن شاء الله في آخر الأبواب التي سيتكلم عليها المؤلف رحمه الله تعالى.ولا شك أن هذا القول هو الصواب، وهو الذي دلت له الأدلة، فإن الله سبحانه وتعالى أمر باتخاذ الأسباب: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60].وقال سبحانه وتعالى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:102].والنبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد ظاهر بين درعين، وقال: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:25] .. إلى آخره. هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك:15] ... إلى آخره.فاتخاذ الأسباب دلت له الأدلة من القرآن ومن السنة، والأدلة في ذلك كثيرة متظاهرة.الخلاصة في ذلك: أنه لا يتخذ إلا ما دل عليه الشرع، أو دلت عليه التجربة الحسية الظاهرة المباشرة، وأيضاً مع ذلك لا يعتقد أنه مؤثر بنفسه أو أنه يستقل بالضر والنفع، فإن الضر والنفع بيد الله سبحانه وتعالى، وأيضاً: التفات القلب إلى هذا السبب شرك في التوحيد كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذلك ابن القيم .

    تعريف التبرك وحكمه

    قال رحمه الله تعالى: (باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما).التبرك: طلب البركة، والبركة بمعنى: الثبوت والدوام، أيضاً: الزيادة والنماء.وقال المؤلف رحمه الله: (من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما) يعني: نحو الأشجار والأحجار، كالتبرك بالقبور والأضرحة، أو التبرك بما ورد الشرع بالتبرك به لكن على غير الوجه الوارد.فمثلاً: المساجد أماكن للبركة، لكن ما هي البركة الموجودة في المسجد؟ أن تأتيه وتصلي فيه، وتذكر الله وتقرأ القرآن ونحو ذلك، فلو أنه تمسح بأبواب المسجد أو بفرشه أو بحيطانه نقول بأن هذا نوع من الشرك.مثله أيضاً: الكعبة، البركة الموجودة في الكعبة: وَلْيَطَّوَّفُو ا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، فإذا تمسح بأستار الكعبة وبحجارتها نقول بأن هذا شرك.وقول المؤلف رحمه الله أجمل الحكم، قال: (باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما).. إلى آخره. حكم ذلك: أنه شرك أصغر؛ لأنه أثبت سبباً لم يرد لا في الشرع ولا في التجربة الظاهرة المباشرة أنه سبب، فهذا شرك أصغر، وتقدم لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من تعلق تميمة فقد أشرك ) وإنما تعلق التميمة لجلب البركة، أو لجلب النفع ودفع الضر، فدل ذلك على أنه شرك أصغر، وإن اعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله فهو شرك أكبر.سبحانك اللهم وبحمدك.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (14)

    التبرك نوعان: منه ما يكون وسيلة للشرك؛ وهو مذموم، ويشمل التبرك بأشياء لم تثبت بركتها حساً ولا شرعاً، أو التبرك بشيء ثبتت بركته ولكن بطريقة غير مشروعة.ومنه ما يكون مشروعاً إن كان على وجه شرعي، وهو التماس بركة شيء ثبت نفعه شرعاً وواقعاً، وقد يكون بالأقوال

    أنواع التبرك

    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما.وقول الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20].عن أبي واقد الليثي قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بشجرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138]، لتركبن سنن من كان قبلكم ) رواه الترمذي وصححه].قال المؤلف رحمه الله: (باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما).تقدم لنا تعريف التبرك، وأيضاً ما يتعلق بشرح الترجمة، ونقول: التبرك ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: تبرك مشروع.والقسم الثاني: تبرك مذموم.

    التبرك المشروع وأنواعه

    التبرك المشروع يتنوع إلى نوعين:النوع الأول: ما ثبت في الشرع أنه سبب للبركة من الأزمان والأمكنة والأعيان والهيئات والذوات؛ فهذا نقول: التبرك به على وجهه الشرعي تبرك مشروع.فمثلاً من الأزمنة: رمضان سبب البركة، والبركة الموجودة في رمضان: ما جاء به الشرع من الصيام والقيام والقراءة والذكر.الأمكنة: المساجد مثلاً، مكة، المدينة، عرفة... إلى آخره، والتبرك بالمساجد بالصلاة فيها وبالقراءة والذكر وحضور مجالس العلم.. إلى آخره، هذه سبب البركة.والهيئات مثل: الاجتماع على الطعام سبب البركة. والأعيان: مثل الحبة السوداء سبب البركة، زمزم سبب للبركة... إلى آخره. والذوات: ذات النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فذات النبي صلى الله عليه وسلم خاصة سبب البركة، إذ كان الصحابة يتبركون بذات النبي صلى الله عليه وسلم، يتبركون بيده، يتبركون بعرقه، يتبركون بشعره، بمخاطه... إلى آخره سبب البركة. فنقول: هذا النوع الأول.ومن النوع الأول التبرك بالأقوال مثل: الأذكار، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف، والدعوة إلى الله عز وجل... هذه سبب البركة.النوع الثاني: ما ثبت بالحس والتجربة الظاهرة المباشرة، بحيث يكون هناك أثر بين السبب والمسبب أنه سبب البركة، فنقول بأنه سبب البركة، مثل العلاج؛ إذ يتناول هذا الدواء ويحصل له به الشفاء بإذن الله عز وجل، فنقول بأن هذا سبب البركة، ما دام أن الحس والتجربة الظاهرة المباشرة دلت على ذلك وأن هناك أثراً بين السبب والمسبب، فنقول بأنه سبب البركة.

    التبرك المذموم وأنواعه

    القسم الثاني: التبرك المذموم.النوع الأول من التبرك المذموم: ما لم يرد في الشرع أو الحس والتجربة الظاهرة المباشرة أنه سبب للبركة، فنقول بأن هذا مذموم، وبدعة، وشرك، مثل: لبس الخيوط، لبس الحلق ونحو ذلك.. إلى آخره، فنقول بأن هذا شرك أصغر، وإن اعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله فهو شرك أكبر.القسم الثاني: التبرك بما ورد في الشرع أنه سبب للبركة لكن على غير الوجه الشرعي، مثل: المسجد سبب البركة، لكن البركة الموجودة في المسجد الصلاة والقراءة... إلى آخره. ولو أنه تمسح بأبواب المسجد أو بترابه ونحو ذلك فنقول بأن هذه بركة مذمومة.القبور سبب البركة، لكن ما هي البركة الموجودة في القبر؟ زيارته، والدعاء له، وتذكر الآخرة... إلى آخره. هذا سبب البركة، لكن لو أنه تبرك بالقبر على غير الوجه المشروع، كأن قصده لفعل عبادة من العبادات، أو تمسح به، أو دعاه في تفريج كربة أو تنفيس عسر أو نحو ذلك فنقول بأن هذا تبرك مذموم.أيضاً من الأمثلة على ذلك: التبرك بالصالحين، والتبرك بالصالحين إن كان بذواتهم بدعة، لكن التبرك بهم بركة معنوية، كالإفادة من سيرتهم وأخلاقهم وعلمهم وإرشادهم وتوجيههم فهذه بركة مشروعة.هذا ملخص ما يتعلق بالبركة.ومناسبة الباب: أن هذا التبرك الغير الشرعي إما أن يكون منافياً للتوحيد من أصله، وإما أن يكون منافياً لكمال التوحيد.

    تفسير قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى ..)

    قال رحمه الله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19] (أفرأيتم): بمعنى: أخبروني عن هذه الأصنام هل نفعت أو ضرت؟! واللات فيها قراءتان، فيها قراءة بالتخفيف وقراءة بالتشديد، فالقراءة بالتشديد هذا رجل يلت السويق فمات فعكفوا على قبره، أما قراءة التخفيف: فاسم صخرة بيضاء منقوش عليها بيت في الطائف.قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19] العزى: شجرة سمر جعل لها أستار بين مكة والطائف. وَمَنَاةَ [النجم:20] مناة هذه: صنم بالمشلل بين مكة والمدينة. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:20] وصفها الله عز وجل بالأخرى ذم لها، يعني: المتأخرة الوضيعة المقدار. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى [النجم:21] يعني: تجعلون ما تحبون -وهو الذكور- لكم وتجعلون لله عز وجل ما تكرهون وهي الأنثى، بحيث إنهم يقولون: إن الملائكة بنات الله عز وجل. تِلْكَ إِذًا [النجم:22] الإشارة إلى تقسيمهم بين الذكور والإناث. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم:22] يعني: قسمة جائرة. إِنْ هِيَ [النجم:23] يعني: ما، (إن) هذه نافية بمعنى: يعني: (ما هي). إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا [النجم:23] يعني: هذه الأصنام هي مجرد أسماء. سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم:23] يعني: ما أنزل الله عز وجل بعبادتها من حجة وبرهان. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [النجم:23] يعني: ما يتبعون إلا الظن، يعني: ليس لهم مستند، وإنما يتبعون الظن فقط، وهو ظنهم بآبائهم الحسنى، حيث إنهم تابعوا آباءهم. وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ [النجم:23] يعني: يتبعون أهواءهم؛ لأنهم إنما عبدوا مثل هذه الأصنام وتركوا الاستجابة للرسل، كل ذلك اتباعاً للهوى، وخوفاً على مناصبهم ورئاساتهم. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23] يعني: أرسل الله عز وجل لهم الرسل والبينات ... إلى آخره.المهم الشاهد هنا: أن الله عز وجل ذم المشركين أنهم تبركوا بهذه الأصنام؛ لأنهم إنما عبدوها طلباً للبركة، مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فهم إنما عبدوها من دون الله عز وجل طلباً للبركة، فذمهم الله عز وجل على التبرك بهذه الأصنام، وهذه الأصنام ليست من أسباب البركة، بل الله سبحانه وتعالى أبطل بركتها.

    شرح حديث: (اجعل لنا ذات أنواط ...)

    قال رحمه الله: وعن (أبي واقد الليثي الحارث بن عوف)، صحابي رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثمان وستين من الهجرة.قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ) حنين: واد يقع في شرق مكة، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً، قاتل فيه النبي صلى الله عليه وسلم هوازن.( ونحن حدثاء عهد بكفر ) يعني: نحن قريب عهدنا بالكفر.( وللمشركين سدرة ) شجرة من سدر.( يعكفون عندها ) يعني: يقيمون ويلبثون عندها.( وينوطون بها أسلحتهم ) يعلقون بها أسلحتهم.( يقال لها: ذات أنواط ) هذه السدرة يقال لها: ذات أنواط.( فمررنا بسدرة ) يعني بهذه: شجرة عظيمة من السدر.( فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ) يعني: اجعل لنا شجرة نتبرك بها كما أن لهم شجرة يتبركون بها.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138]، لتركبن سنن من كان قبلكم ).قوله: ( الله أكبر! ) يعني: إن الله أجل وأعظم، وهذه صيغة تعجب.وقوله: ( إنها السنن ) يعني: الطرق، أي: سلكتم كما سلك من كان قبلكم من الطرق المذمومة.(وكما قالت بنو إسرائيل)، إسرائيل هذا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام.( لتركبن سَنَنَ أو سُنن ) يجوز الفتح، ويجوز الضم، يعني: طرق من كان قبلكم.الشاهد من هذا: أن هؤلاء الكفار يتبركون بهذه السدرة، يعلقون أسلحتهم بهذه السدرة طلباً للبركة، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم لكونهم قريبين بالإسلام سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم سدرة يعلقون بها أسلحتهم كما للكفار.الشاهد من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطل التبرك بهذه الشجرة.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (15)


    الذبح عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أجل القربات، والعبادة إن كانت لغير الله فهي شرك أكبر، وإن كانت لله على غير ما أراده الله فهي بدعة، وإن كانت لله على مراد الله فهذا هو التوحيد.والذبح لغير الله عز وجل خطره عظيم، حتى إن رجلاً دخل النار لأنه قرب ذباباً

    الذبح لغير الله عز وجل

    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الذبح لغير الله، وقول الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].وقوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض ). رواه مسلم .وعن طارق بن شهاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، قالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله عز وجل. فضربوا عنقه فدخل الجنة ). رواه أحمد ].قال رحمه الله: (باب ما جاء في الذبح لغير الله).مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن الذبح لغير الله شرك مخل بأصل التوحيد، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بأحكام أو أقسام الذبح.

    تعريف الذبح وأقسامه

    والذبح: إراقة الدم.والذبح ينقسم إلى أقسام:القسم الأول: الذبح الذي يكون عبادة، وهل هو خاص بأشياء أو أنه ليس خاصاً؟ فبعض أهل العلم يرى أنه خاص بأشياء، وهي: ذبح الأضحية، والهدي، والنذر، والعقيقة، وبعض أهل العلم لا يرى أنه خاص بهذه الأشياء، بل كل ما كان قربة إلى الله عز وجل، فإذا ذبح ولو في غير هذه الأشياء يتقرب إلى الله عز وجل فهذا عبادة؛ لعموم قول الله عز وجل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].والذبح هذا من أجل العبادات وأفضل القربات؛ ولهذا الذبح عبادة في كل ملة، ففي كل ملة يتعبد لله عز وجل بإراقة الدم.وعلى هذا لو أن شخصاً تصدق بأضعاف قيمة الأضحية فإنه لا يدرك ما يتعلق بأجر إراقة الدم؛ لأن إراقة الدم هذه مقصود لله عز وجل. هذا القسم الأول.القسم الثاني: الذبح الذي يكون شركاً أكبر، وهو الذبح لغير الله عز وجل على وجه التقرب، كأن يذبح لقبر، لضريح، أو لمخلوق أو غير ذلك على وجه التقرب والتعظيم؛ فهذا شرك أكبر.القسم الثالث: الذبح الذي يكون بدعة، وهو أن يذبح على وجه التقرب لله عز وجل لكن على خلاف ما جاءت به السنة، إما في الزمان، أو في المكان، أو في الجنس... أو غير ذلك.فمثلاً: لو أنه ضحى بدجاجة في يوم الأضحى تقرباً لله عز وجل، فهل عمله هذا شرك أو بدعة؟ نقول بأنه بدعة، وليس شركاً؛ لأنه ضحى لله عز وجل، لكن نقول بأن هذا العمل بدعة، وكذلك لو أنه ضحى في غير وقت الأضحية، فنقول بأن عمله بدعة، وعلى هذا فقس.القسم الرابع: الذبح الذي يكون عادة أو الذبح المباح، وهو أن يذبح للأكل أو للبيع أو لإكرام شخص أو نحو ذلك؛ فهذا الذبح مباح، وهو من قبيل العادات.فتلخص لنا: أن الذبح ينقسم إلى هذه الأقسام الأربعة، وليس من صور الذبح الشرك الأصغر، وإنما يكون شركاً أكبر، أو يكون عبادة من أجل العبادات، أو يكون بدعة، أو يكون مباحاً كما تقدم.قال رحمه الله: (ما جاء في الذبح لغير الله) كالذبح للأصنام أو الأضرحة أو القبور أو الملائكة أو الجن أو غير ذلك.

    تفسير قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ...)

    قال: ( وقول الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ [الأنعام:162] ). الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الأنعام:162]. الصلاة معروفة. والنسك قيل: إن المراد به: هو الذبح، وقيل: سائر العبادات.[ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي [الأنعام:162] ]. يعني محياي: ما آتيه في حال حياتي، ومماتي يعني: ما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح. لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163]. يعني: لا ند له ولا مثيل. وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163]. يعني أمرني الله عز وجل بإخلاص هذه العبادات العظيمة. وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163]. يعني: أول من يمتثل، المسلمين المستسلمين لهذه الأوامر، وأول من يمتثل بها من هذه الأمة.المهم الشاهد هنا قوله: وَنُسُكِي [الأنعام:162]. وقوله: لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]. مما يدل على أن الذبح عبادة من أجل العبادات وأفضل القربات وأنها لا تصرف إلا لله عز وجل.

    تفسير قوله تعالى: (فصل لربك وانحر)

    قال رحمه الله: وقوله: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] ). الصلاة معروفة، صل له لا لغيره، وانحر يعني: اذبح. وهذا يدل على أن النحر خاص بالله عز وجل؛ لقوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]. فالله عز وجل أمر بأن يكون النحر له دونما سواه، وأن من صرف هذا النحر لغير الله عز وجل فقد صرف عبادة لغير الله، وأنه شرك أكبر.

    شرح حديث: (لعن الله من ذبح لغير الله)

    قال رحمه الله: ( وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات ) ). الكلمة تطلق على الجملة المفيدة، كما قال الله عز وجل: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [المؤمنون:100]. بعد قوله: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100].قال: ( ( بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله ) ). اللعن من الله: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومن المخلوق: السب والدعاء.قال: ( ( لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه ) ). نعم. أيضاً لعن الله من لعن والديه، سواء كان ذلك عن طريق المباشرة، أو كان ذلك عن طريق التسبب، عن طريق المباشرة: أن يباشر لعن والديه، أو عن طريق التسبب بأن يلعن شخصاً أو أن يلعن والد شخص فيلعن والده، يرد عليه بالمثل.قال: ( ( ولعن الله من آوى محدثاً ) ). يعني: ناصر وحمى محدثاً، والإحداث ينقسم إلى قسمين:إما إحداث في الدين أو إحداث في الدنيا.الإحداث في الدين: كأهل البدع الذين يحدثون في الدين ما ليس منه، فيؤاوي هذا المحدث ويناصره ويحميه ويؤيده... إلى آخره، فهذا مطرود من رحمة الله عز وجل.أو محدث في الدنيا: كأصحاب الجرائم، يؤيده ويناصره... إلى آخره.قال: ( ( ولعن الله من غير منار الأرض ) ). يعني: المراسيم التي تفرق بين الأملاك، فيغير هذه المراسيم بالتقديم والتأخير ونحو ذلك، فهذا محرم ولا يجوز، ويدل على أن هذه من كبائر الذنوب.والشاهد من هذا قوله: ( لعن الله من ذبح لغير الله ). فدل على أن الذبح لغير الله محرم ولا يجوز؛ لأنه صرف هذه العبادة لغير الله عز وجل.

    شرح حديث: (قرب ولو ذباباً)

    قال رحمه الله: ( وعن طارق بن شهاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ). طارق بن شهاب البجلي ، رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، فحديثه هذا مرسل، وهو صحابي مات سنة ثلاث وثمانين للهجرة.قال: ( ( دخل الجنة ) ). الجنة: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه في الآخرة.قال: ( ( رجل في ذباب ) ). في: هذه سببية، يعني: في سبب ذباب.قال: ( ( ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم ) ). الصنم كما تقدم: هو ما كان على شكل صورة، يعني: ما عبد من دون الله على شكل صورة.[ ( لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، قالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب. قالوا: قرب ولو ذباباً. فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله عز وجل. فضربوا عنقه فدخل الجنة ) ]. وهذا جاء موقوفاً على سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه.وعلى كل حال، الشاهد من هذا الحديث: أن هذا الرجل قرب الذباب وذبحه لغير الله عز وجل تقرباً فدخل النار، مما يدل على أنه وقع في الشرك الأكبر، والذي لم يقرب وضربوا عنقه هذا دخل الجنة.

    المسألة المتعلقة بحديث: (قرب ولو ذبابا ...)

    وهذا الأثر فيه مسألة، وهذه المسألة تتعلق بالإكراه، إذا أكره شخص على الكفر: هل يوافق أو أنه يصبر؟ نقول: إذا أكره على الكفر فإنه لا يخلو من ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يوافق ظاهراً وباطناً؛ فهذا لا شك أنه ردة.القسم الثاني: أن يوافق في الظاهر دون الباطن، بأن يتأول؛ فهذا جائز ولا بأس به؛ لقول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].القسم الثالث: أن يصبر ولا يوافق لا في الظاهر ولا في الباطن، أيضاً هذا جائز ولا بأس به، لكن هل الأفضل أن يصبر أو الأفضل أن يتأول؟هذا موضع خلاف: فبعض أهل العلم يرى الأفضل أن يصبر، وبعضهم قال: لا، الأفضل أن يتأول؛ لأن في بقائه على حال الحياة فيه خير؛ لأنه أطول لعمله الصالح؛ ولأنه قد يكون ذا خير ونفع فينتفع به آخرون.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (16)

    لقد سد الإسلام كل الأبواب المؤدية إلى الشرك، ومن ذلك أنه نهى عن الذبح لله في مكان يعبد فيه غير الله، فقد نهى الله عز وجل نبيه عن القيام في مسجد بني على غير أساس التقوى، وعندما سئل صلى الله عليه وسلم عن الوفاء بالنذر في مكان معين، لم يجب السائل حتى تبين من

    باب: لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله

    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.فقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله.وقول الله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:108].عن ثابت بن الضحاك قال: ( نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم ). رواه أبو داود ، وإسناده على شرطهما.باب من الشرك النذر لغير الله، وقول الله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7].وقوله تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270].وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ) ].قال رحمه الله تعالى: [ باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله ].تقدم بنا حكم الذبح، وأن الذبح ينقسم إلى أقسام:القسم الأول: الذبح التعبدي.والقسم الثاني: الذبح البدعي.والقسم الثالث: الذبح الشركي.والقسم الرابع: الذبح العادي.وذكرنا حكم كل قسم من هذه الأقسام.وهنا ذكر المؤلف رحمه الله قال: (لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله).لما ذكر الذبح لغير الله عز وجل ذكر النهي عن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، حتى ولو كان الذبح لله لا يذبح به إذا كان يذبح في هذا المكان لغير الله عز وجل؛ لأن هذا من باب منع وسائل الشرك والتشبه بأهل الشرك، فهذا الباب تابع لما قبله، فهو عندما ذكر ما يتعلق بالذبح لغير الله عز وجل وأنه ممنوع أيضاً ذكر المنع من الذبح بمكان يذبح فيه لغير الله عز وجل ولو كان الذبح لله عز وجل؛ لأنه يكون وسيلة إلى الذبح لغير الله عز وجل، فهنا لما ذكر المنع من المقاصد ذكر المنع من الوسائل والتشبه بأهل الشرك، فهذا الباب تابع لما قبله.

    تفسير قوله تعالى: (لا تقم فيه أبداً...)

    قال رحمه الله: (وقول الله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:108]). لا: هذه نافية.و لا تَقُمْ فِيهِ [التوبة:108]. الضمير يعود إلى مسجد الضرار. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى [التوبة:108]. أسس: يعني: بني على التقوى، والمقصود من هذا المسجد الذي أسس على التقوى: هو مسجد قباء.على التقوى يعني: على طاعة الله ورسوله.[ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108] ]. يعني: أن تصلي فيه؛ لأن هذا المسجد الذي بناه المنافقون إنما بنوه مضارة لمسجد قباء.قال: [ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين َ [التوبة:108] ]. يعني: الذين يتطهرون من الأنجاس الحسية والمعنوية، الحسية كالطهارة من الخبث، والمعنوية كالطهارة من الشرك والغل والحسد والبدع ونحو ذلك.المهم الشاهد من هذا: منع الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله عز وجل قياساً على منع الصلاة في مسجد بني للمعصية والمضارة، فكما أن المسجد الذي بني للمضارة والمعصية تمنع الصلاة فيه فكذلك يمنع من الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله عز وجل.

    شرح حديث: (نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة..) وذكر الشاهد منه

    قال رحمه الله: (عن ثابت بن الضحاك قال: ( نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ) ).النذر في اللغة: الإيجاب. وأما في الاصطلاح: فهو إيجاب مكلف على نفسه طاعة غير واجبة.وقوله: ( ببوانة ). بوانة هذه: هضبة من وراء ينبع، قريباً من البحر الأحمر.( فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ ).لماذا هذا الرجل نذر أن يذبح هذه الإبل في هذا الموضع؟ فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: ( هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ ). والوثن: هو كل ما عبد من دون الله عز وجل، وتقدم لنا أنه إذا كان على شكل صورة فهو صنم.قال: ( قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ). العيد: هو اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد. فالسؤال الأول: هل كان فيها وثن؟ سؤال عن الشرك، والسؤال الثاني: (وهل كان فيها عيد من أعيادهم)؟ سؤال عن وسيلة الشرك وسبب الشرك.قال: ( قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم ). لا وفاء لنذر في معصية الله.وقد جاء فيه حديث عائشة في صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ). لكن إذا نذر معصية فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه لا يجوز له أن يوفي بالنذر؛ لأنه نذر معصية، لكن تجب عليه كفارة اليمين، وعند جمهور أهل العلم أنه لا تجب عليه كفارة.قال: ( ولا فيما لا يملك ابن آدم ). يعني: أيضاً ما لا يملكه ابن آدم ديناً أو قدراً ليس له أن ينذره، فلا يملك أن ينذر الصدقة بمال غيره، هذا لا يملكه شرعاً وديناً، ولا يملك أن ينذر أن يقلب الحجر ذهباً، هذا لا يملكه قدراً؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ( ولا فيما لا يملك ابن آدم ).قال: (رواه أبو داود ، وإسناده على شرطهما). يعني: على شرط البخاري ومسلم .الشاهد من هذا الحديث: المنع من الذبح لله عز وجل في المكان الذي فيه وثن من أوثان الجاهلية أو فيه عيد من أعيادهم؛ لأن هذا المكان إذا كان فيه وثن يعبد من دون الله عز وجل فالأصل أنه يذبح له، ففيه المنع من الذبح لله عز وجل في هذا المكان الذي فيه وثن تصرف له أنواع العبادة، ومن هذه العبادات الذبح.

    النذر لغير الله تعالى

    قال رحمه الله: (باب من الشرك النذر لغير الله، وقول الله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، وقوله: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270]).النذر عبادة من أجل العبادات، وأفضل القربات، وصرفها لغير الله عز وجل شرك، فهي تنافي التوحيد من أصله، وتقدم لنا تعريف النذر.وقوله: (من الشرك) من: هذه بيانية، يعني: أنها مبينة أن النذر لغير الله عز وجل من الشرك، فلو نذر لقبر أو ضريح أو صنم أو جن أو إنس ونحو ذلك... إلى آخره فقد صرف عبادة لغير الله عز وجل، فلو قال: للقبر الفلاني أن أذبح كذا وكذا، أو للضريح الفلاني أن أذبح كذا وكذا، أو للملك الفلاني أن أذبح، أو للجني... أو نحو ذلك؛ فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وعلى هذا قوله: (من الشرك) هذه بيانية، والشرك هنا المراد به: الشرك الأكبر، والنذر... إلى آخره تقدم.قال: وقول الله تعالى يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]. يعني: يتممون ما أوجبوا على أنفسهم من الطاعات. هنا أثنى الله عز وجل بكونهم يوفون بالنذر من ما يدل على أنه عبادة؛ لأن الله عز وجل أثنى عليهم، فكون الله عز وجل أثنى عليهم هذا يدل على أنه عبادة، وإذا كان عبادة فإنه لا يجوز أن يصرف إلا لله عز وجل.

    تفسير قوله تعالى: (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر ...)

    قال رحمه الله: قوله: وَمَا أَنفَقْتُمْ [البقرة:270]. (ما) هذه شرطية. و(أنفقتم). فعل الشرط.قال: مِنْ نَفَقَةٍ [البقرة:270]. النفقة: هو بذل المال، وأيضاً النفقة تطلق على الدراهم، ويشمل الصدقات.قال: أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ [البقرة:270]. يشمل كل نذر. فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270]. أي: فيجازيكم عليه، ففيه معنى الوعد.وقوله: أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ [البقرة:270]. يعني: سواء كان هذا النذر مقبولاً أو كان غير مقبول، سواء كان مشروعاً أو كان غير مشروع؛ لأن (ما) هذه من صيغ العموم، فيدخل في ذلك.وقوله سبحانه وتعالى: يَعْلَمُهُ [البقرة:270]. التذييل بالعلم يفيد المجازاة، لا شك أن الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء، لكن كون الله عز وجل يذيل بالعلم هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يعد بالمجازاة، فإن كان النذر مشروعاً فسيجازي عليه بالثواب، وإن كان غير مشروع فسيجازي عليه بالعقاب.والنذر لغير الله عز وجل للمخلوق... إلى آخره داخل في قول الله عز وجل: أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ [البقرة:270]. فإن الله سبحانه وتعالى سيعاقب من ينذر هذا النذر الشركي.وأيضاً: هذه الآية أيضاً تدل من وجه آخر على أن النذر عبادة؛ لأن الله سبحانه وتعالى سيجازي عليها بالثواب إذا كانت شرعية، وهذا يدل على أنها عبادة، وإذا كانت عبادة فإن صرفها لغير الله عز وجل شرك.
    نذر المعصية
    قال رحمه الله: (وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال). في الصحيح: أي: صحيح البخاري . وعائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق ، توفيت رضي الله تعالى عنها سنة سبع وخمسين للهجرة.( من نذر ). من: هذه شرطية، ونذر: فعل الشرط.( أن يطيع الله فليطعه ). الفاء واقعة في جواب الشرط. ( ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ). يعني: من نذر فعل طاعة فإنه يجب عليه أن يوفي بهذه الطاعة، ومن نذر فعل معصية فإنه لا يجوز له أن يوفي بهذه المعصية.ويفيد هذا الحديث أن من النذر ما يكون طاعة وما يكون معصية، فكونه يكون طاعة هذا يدل على أنه عبادة، وإذا كان عبادة فإن صرفه لغير الله عز وجل شرك مخرج من الملة.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح


    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (17)

    الاستعاذة والاستغاثة والدعاء من العبادات؛ ولهذا لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، وفعل ذلك شرك أكبر مخرج من الملة في العموم إلا أن فيها شيئاً من التفصيل، فمن دعا أو استغاث أو استعاذ بميت، أو حي غير قادر ولا شاهد، أو رغبة أو رهبة فهذا شرك أكبر؛ لأنه ما دعاه إ

    الاستعاذة بغير الله تعالى

    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب من الشرك الاستعاذة بغير الله، وقوله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6].وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك ). رواه مسلم .باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ].قال رحمه الله: [ باب من الشرك الاستعاذة بغير الله ].مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن فيه بيان نوع من أنواع الشرك، وهو الاستعاذة بغير الله عز وجل، إذ إن الاستعاذة عبادة من أجل العبادات؛ فيجب صرفها لله عز وجل.والاستعاذة في اللغة: الالتجاء والاعتصام، والمراد بها: الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه.والاستعاذة تنقسم إلى أقسام، سيأتينا إن شاء الله بيان أقسام دعاء غير الله عز وجل، وما يقال في أقسام دعاء غير الله عز وجل يقال في الاستعاذة بغير الله عز وجل.

    تفسير قوله تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس...)

    قال رحمه الله: (وقوله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ [الجن:6]). من الإنس: صفة لرجال؛ لأن ما بعد النكرة صفات. يَعُوذُونَ [الجن:6]. يعني: يلجؤون. بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ [الجن:6] الجن: عالم غيبي مستترون عنا، وهم مأمورون ومنهيون، مسلمهم يدخل الجنة وكافرهم يدخل النار، وهم مكلفون بتكاليف تليق بهم، وهم أجساد وليسوا صفات وأعراضاً.وقال: بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6]. يعني: خوفاً أو إثماً، رهقاً يعني: خوفاً أو إثماً.وجه الدلالة من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى حكم عن مؤمني الجن أنهم لما تبين لهم دين الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ذكروا أشياء من الشرك، ومن هذا الشرك ما ذكروه: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ [الجن:6]. وهذا في الجاهلية. يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6]. خوفاً أو إثماً، فدل ذلك على أن الاستعاذة بغير الله عز وجل من الشرك.ويدل على أنهم ذكروا أشياء من الشرك أنهم قالوا: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:2] لما ذكروا أن هؤلاء الرجال من الإنس في الجاهلية يعوذون بهؤلاء الجن قالوا: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:2]، مما يدل على أن الاستعاذة بغير الله عز وجل شرك.

    شرح حديث: (من نزل منزلاً فقال ...)

    قال رحمه الله: (وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من نزل منزلاً) ).(من): هذه شرطية، و(نزل منزلاً) يعني: أي منزل في الحضر أو في السفر في داخل البنيان أو خارج البنيان.فقال: (أعوذ بكلمات الله التامات) كلمات الله المراد بها: القرآن.(التامات). يعني: التي لم يلحقها نقص بأي وجه من الوجوه. (من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله).ومناسبة هذا الحديث للباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وجه إلى الاستعاذة المشروعة، وهي الاستعاذة بالله عز وجل؛ لأن القرآن صفة من صفات الله، فالاستعاذة به استعاذة بالله عز وجل، ويقابل ذلك: الاستعاذة الشركية، دل ذلك على أن الاستعاذة بغير الله عز وجل شرك.وأيضاً من وجه آخر يدل على أن الاستعاذة عبادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرعها وأمر بها، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.

    الاستغاثة بغير الله

    قال رحمه الله: (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره).مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الدعاء عبادة، وأن الاستغاثة عبادة، وأن صرفها لغير الله عز وجل شرك مخرج من الملة.والاستغاث : طلب الغوث، وهو إزالة الشدة. والفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من مكروب، أما الدعاء فإنه يكون من مكروب وغيره، فالدعاء أعم من الاستغاثة.قال: [ أن يستغيث بغير الله أو أن يدعو غيره ].الدعاء ينقسم إلى أقسام؛ لأن هذه الأقسام تأتي في الاستعاذة، وتأتي كذلك في الاستغاثة، يعني: ما يقال في الدعاء يقال في الاستعاذة، وكذلك يقال في الاستغاثة.القسم الأول: أن يدعو الأموات في تفريج الكربات وإزالة الشدة، فنقول بأن هذا شرك مخرج من الملة، حتى لو دعا ميتاً في أمر يسير نقول: كان شركاً أكبر لأن الذي يقدر على فعل الشيء دون مباشرة السبب هو الله عز وجل، فإذا دعا هذا المخلوق ولو دعاه في أمر يسير اعتقد أنه يستطيع أن يفعل الشيء دون مباشرة السبب، فجعله مساوياً لله عز وجل في هذه الخصيصة، والذي يستطيع ويقدر على فعل الشيء دون مباشرة السبب هو الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى هو الذي يقول للشيء: كن فيكون، فإذا اعتقد أنه يجيب فقد أشرك؛ لأنه أصبح الآن جثة هامدة لا يستطيع أن يباشر، فكيف تدعوه وهو لا يستطيع أن يباشر؟ فإذا فعلت ذلك ساويته بالله عز وجل في ما هو من خصائصه، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل الشيء دون أن يباشر السبب، أما المخلوق فلا بد أن يباشر السبب. هذا القسم الأول.القسم الثاني: أن يدعو الله عز وجل، وهذا من أجل العبادات وأفضل القربات، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].القسم الثالث: أن يدعو المخلوق لأمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، كما لو سأل المخلوق أن يجري السحاب، وأن ينزل المطر، وأن يدخله الجنة، وأن يعيذه من النار... ونحو ذلك، فنقول بأن هذا شرك أكبر مخرج من الملة.القسم الرابع: أن يدعو المخلوق برغبة ورهبة لا تكون إلا لله عز وجل؛ فنقول: بأن هذا شرك أكبر؛ لأن هذا نوع من الذل، والذل عبادة، ولهذا سيأتينا إن شاء الله في أقسام المحبة أن من أقسام المحبة: العشق، والعشق كما ذكر ابن القيم وغيره نوع من أنواع العبادة؛ لأن فيه الذل للمحبوب، وهذا لا يكون إلا لله عز وجل.القسم الخامس: دعاء الغائبين، كأن يقول: يا فلان، يا حسين ، يا علي ونحو ذلك... إلى آخره؛ فهذا حكمه شرك أكبر؛ لأن اتساع السمع لسماع البعيد من خصائص الله، فكونه يدعوه يعتقد أنه يسمعه وأن سمعه يتسع لهذا، فيكون صرف خصيصة من خصائص الخالق للمخلوق.القسم السادس: أن يدعو المخلوق في ما يقدر عليه، فنقول بأن هذا جائز ولا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( وإذا دعاك فأجبه ). فإذا كان المخلوق يقدر عليه فإن هذا جائز ولا بأس به.هذه الأقسام التي ذكرنا في الدعاء تأتي في الاستعاذة وتأتي أيضاً في الاستغاثة.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (18)

    الاستغاثة: طلب الغوث لإزالة شدة، والدعاء: سؤال الله عز وجل؛ وهما عبادتان لا يجوز صرفهما لغير الله عز وجل، وقد دل على ذلك الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة.إلا أن الدعاء منه ما يكون توحيداً، وهو دعاؤه سبحانه، ومنه ما يكون شركاً، وهو دعاء ميت أو حي غير قادر،

    تابع الاستغاثة بغير الله
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره، وقول الله تعالى: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [يونس:106-107].وقوله: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ [العنكبوت:17]... الآية.وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف:5]... الآيتان.وقوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62].وروى الطبراني بإسناده: ( أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ) ].تقدم لنا ما يتعلق بالاستعاذة بغير الله عز وجل.قال: (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره).(من). هذه تبعيضية. وقوله: (أن يستغيث بالله). الاستغاثة: هو طلب الغوث، والغوث: هو إزالة الشدة.قال: (أو يدعو غيره). الدعاء: هو سؤال الله عز وجل. والفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من مكروب، وأما الدعاء فإنه يكون من مكروب وغيره، وعلى هذا يكون الدعاء أعم من الاستغاثة، قال: (أو يدعو غيره). من صنم وضريح وقبر وغير ذلك.ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة؛ فإن هذا الباب اشتمل على بيان بعض أنواع الشرك، وهو صرف عبادة الدعاء لغير الله عز وجل، أو صرف عبادة الاستغاثة إلى غير الله عز وجل، وهذا نوع من الشرك.وسبق أن ذكرنا أن الدعاء ينقسم إلى أقسام:القسم الأول: أن يدعو الله سبحانه وتعالى وحده، وهذا حكمه أنه أجل العبادات وأفضل القربات كما ذكر المؤلف رحمه الله الأدلة على ذلك.القسم الثاني: أن يدعو الأموات من الأضرحة والقبور، وهذا حكمه أنه شرك أكبر، وذكرنا العلة في ذلك، وهي أن كونه يدعو هذا القبر هذا يدل على أنه اعتقد أنه يتمكن من الفعل دون أن يباشر السبب، وهذا من خصائص الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل هو الذي يتمكن دون أن يباشر.القسم الثالث: أن يدعو غير الله عز وجل في ما لا يقدر عليه إلا الله؛ فهذا شرك أكبر.القسم الرابع: أن يدعو غير الله بذل ورهبة ورغبة لا تكون إلا لله عز وجل؛ فهذا أيضاً شرك أكبر.القسم الخامس: أن يدعو الغائب؛ فهذا أيضاً شرك أكبر؛ لأن اتساع السمع لسماع البعيد هذا من خصائص الله عز وجل.القسم السادس: أن يدعو غير الله في ما يقدر عليه؛ فهذا جائز ولا بأس به.ومثل هذه الأقسام كما ذكرناها في الاستعاذة نذكرها أيضاً في الدعاء، كذلك تذكر في الاستغاثة كما هي في الاستعاذة والدعاء.

    تفسير قوله تعالى: (ولا تدعُ من دون الله ...)
    قال رحمه الله: (وقول الله تعالى: وَلا تَدْعُ [يونس:106]). لا: هذه ناهية. مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس:106]. يعني: سوى الله، غير الله. مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [يونس:106]. يعني: لا يجلب لك نفعاً من مال أو صحة أو نحو ذلك، لا يجلب لك نفعاً لا دينياً ولا دنيوياً ولا بدنياً ولا مالياً إن عبدته من دون الله عز وجل. وَلا يَضُرُّكَ [يونس:106]. يعني: لا يصيبك أيضاً بالضرر إن تركت عبادته، إن عبدته لا ينفعك، وإن تركت عبادته أيضاً لا ينفعك. فَإِنْ فَعَلْتَ [يونس:106]. إن: هذه شرطية، وفعلت: فعل الشرط. فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]. أي: في هذه الحالة تكون من الظالمين، من المشركين الذي ظلم نفسه بالشرك، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].ومناسبة هذه الآية لما ترجم له المؤلف رحمه الله من قوله: باب من الشرك.. إلى آخره: أن فيها النهي عن دعاء غير الله عز وجل، وأن دعاء غير الله عز وجل شرك ينافي التوحيد.قال رحمه الله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ [يونس:107]. يصبك. وَإِنْ [يونس:107]. هذه شرطية.قال: يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ [يونس:107]. يعني: يصبك بضر، والضر: ما يضر الإنسان من فقر ومرض ونحو ذلك.قال: بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ [يونس:107]. الفاء هذه واقعة في جواب الشرط. فَلا كَاشِفَ لَهُ [يونس:107] يعني: لا رافع له إِلَّا هُوَ [يونس:107] إلا الله عز وجل. قال: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107]. لا دافع لفضله سبحانه وتعالى.قال: يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:107].مناسبة الآية للباب: فيه أن المستحق لأن يدعى هو الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي إذا أرادك بضر أو أصابك بضر فلا يكشفه إلا هو، وإذا أرادك بخير فلا يقدر أحد على دفعه، فإذا كان كذلك فإنه هو الذي يفرد بالدعاء، فدل ذلك على أن الدعاء من خصائصه؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الذي إذا مسك بضر لا يكشفه إلا هو، وإن أرادك بخير لا يقدر أحد من العباد على دفعه، فإذا كان كذلك فيجب أن يفرد بالدعاء، وأن دعاء غيره صرف لهذه الخصيصة التي اختص الله عز وجل بها، وهذا شرك، بل إن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية حصر أن الذي يكشف الضر هو سبحانه، قال: إِلَّا هُوَ [يونس:107]. لا يكشف الضر إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يستطيع العباد أن يردوا ما أراده الله سبحانه وتعالى بعبده من خير.

    تفسير قوله تعالى: (فابتغوا عند الله الرزق ...)
    قال رحمه الله تعالى: وقوله: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت:17]. (ابتغوا): اطلبوا. وقوله: عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت:17]. الرزق: العطاء.وقوله: وَاعْبُدُوهُ [العنكبوت:17]. يعني: أفردوه بالعبادة. وَاشْكُرُوا لَهُ [العنكبوت:17]. الشكر: هو الاعتراف بالمنعم، والشكر يكون بثلاثة أمور: بالقلب وباللسان وبالجوارح.فأما القلب فيعترف العبد ويوقن أنها من الله سبحانه وتعالى، وأما اللسان فإنه يشكر الله عز وجل على هذه النعم، وأما الجوارح فإنه يسخر جوارحه في طاعة الله عز وجل.قال: وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت:17]. يوم القيامة تردون إلى الله عز وجل فيجازي كل عامل بعمله.وفي هذه الآية وجوب إفراد الله عز وجل بالعبادة، قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ [العنكبوت:17]. فيه وجوب إفراد الله عز وجل بالعبادة، والدعاء من العبادات، هذا من وجه.ومن وجه آخر أيضاً في هذه الآية: وجوب إفراد الله عز وجل بالدعاء؛ لقوله: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت:17]. يعني: اسألوا الله عز وجل دون غيره، وإذا كان كذلك فصرف هذه العبادة لغير الله عز وجل شرك، ففيه: إفراد الله عز وجل بالعبادة، والدعاء من العبادات.وفيه أيضاً: إفراد الله بالدعاء في قوله: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت:17]. وإذا كان كذلك فصرف هذه العبادة لغير الله عز وجل شرك.

    تفسير قوله تعالى: (ومن أضل ممن يدعوا...) ومناسبته للترجمة
    قال رحمه الله: (وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف:5]). (من أضل): يعني لا أحد أشد ضلالاً، والضلال: هو مخالفة الطريق المستقيم. مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأحقاف:5] يعني: يسأل غير الله عز وجل. مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ [الأحقاف:5] يعني: لا يقدر على إجابة سؤاله. إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:5] يعني هذه مصيبتان: المصيبة الأولى: أنه لا يقدر على إجابة سؤاله. والمصيبة الثانية أيضاً: أنه غافل عن عبادته ولا يسمع دعاءه.وهذه مصيبة ثالثة: قال الله عز وجل: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ [الأحقاف:6]. يعني: جمعوا يوم القيامة [ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً [الأحقاف:6]. يعني: هؤلاء المدعوون يكونون أعداءً للداعين. وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:6]. أي: كانوا جاحدين لعبادتهم.وفي هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى جعل الدعاء عبادة، قال: وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:6]. والعبادة يجب صرفها لله عز وجل، وصرفها لغير الله عز وجل شرك أكبر: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو [الأحقاف:5]. ثم قال: وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:6]. فسمى الله عز وجل الدعاء عبادة، وإذا كان كذلك فيجب إفراد الله عز وجل به، وصرفه لغير الله عز وجل شرك أكبر مخرج من الملة.

    تفسير قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر ...) ومناسبته للترجمة
    قال رحمه الله: (وقوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62]). أم: هذه منقطعة، وهي بمعنى: بل. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ [النمل:62]. المضطر: الذي وقع في الضرر، والمكروه، يعني: مسه الضر. إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]. يزيل السوء، والسوء: هو ما يسوء الإنسان. وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ [النمل:62]. الإضافة بمعنى: في، يعني: خلفاء في الأرض يخلف كل قرن القرن الذي قبله. فقوله: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ [النمل:62]. يذهب هذا القرن ويخلفه قرن بعده خلفاء.قال: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62]. يعني: لا إله مع الله سبحانه وتعالى. قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62]. أي: تتذكرون تذكراً قليلاً في عظمة الله عز وجل ونعمه عليكم، وبهذا تقعون في الشرك.في هذه الآية بين الله عز وجل أن الذي يجيب المضطرين ويكشف ما وقع بهم من ضرر هو الله عز وجل؛ فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.وقوله سبحانه وتعالى: أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:62]. يعني: ليس هناك إله مع الله سبحانه وتعالى يفعل هذه الأشياء، وإنما الذي يختص بإجابة الداعين وكشف ضرر المضطرين هو الله سبحانه وتعالى، وإذا كان كذلك فإنه يجب أن يفرد بالعبادة سبحانه وتعالى، وأن صرف هذه العبادة من الدعاء والاستغاثة لغير الله عز وجل شرك.

    شرح حديث: (إنه لا يستغاث بي...)
    قال رحمه الله: (وروى الطبراني بإسناده: ( أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق ). الطبراني اسمه سليمان بن أحمد الطبراني رحمه الله، وله كتب كثيرة، من علماء الحديث، وله معجم خاص في مشائخه، بلغ مشائخه ما يقربون من ألف شيخ، وله المعاجم الثلاثة: المعجم الكبير، والمعجم الصغير، والمعجم الأوسط.قال: ( أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق ). وهذا المنافق هو عبد الله بن أبي ابن سلول .( يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم ). يعني: نطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكف عنا أذى هذا المنافق. ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ). يعني: اللجوء في كشف الضرر.يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز وجل ). وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف لكن معناه صحيح، وهذا من تأدب النبي صلى الله عليه وسلم مع الله سبحانه وتعالى، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقدر على أن يغيثهم، فقد تقدم لنا في أقسام الاستغاثة: أن الاستغاثة بالمخلوق في ما يقدر عليه جائز ولا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم يقدر على أن يغيثهم من هذا المنافق، والذي يكون شركاً هو أن يستغاث بالمخلوق في ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل.ومناسبة هذا الحديث لما ترجم له المؤلف رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما يستغاث بالله ). فحصر النبي صلى الله عليه وسلم الاستغاثة بالله عز وجل، فدل ذلك على أنها عبادة، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يفرد بالاستغاثة دونما سواه.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (19)

    إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء، وإذا كان المدعوون لا يسمعون داعيهم، ولا يملكون ضراً ولا نفعاً لأنفسهم فضلاً عن غيرهم، بل يوم القيامة يكفرون بشرك من دعاهم، وإذا كانوا لا يخلقون شيئاً بل هم مخلوقون مربوبون لله عز وجل، وإذا كان الأنبياء

    تفسير قوله تعالى: (أيشركون ما لا يخلق ...)
    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب قول الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ [الأعراف:191-192].وقوله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13].وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: ( شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟! فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128] ).وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلاناً وفلاناً بعدما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128] ) .وفي رواية: ( يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام ، فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128] ).وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]. فقال: يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب ، لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنكِ من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد ، سليني من مالي ما شئتِ لا أغني عنكِ من الله شيئاً ) ].قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب قول الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ [الأعراف:191-192]).مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في هذا الباب الأدلة الدالة على بطلان الشرك وبيان حال المدعوين من دون الله عز وجل، وفي المقابل في هذا إثبات للتوحيد وتقرير له.ومناسبة هذا الباب لما قبله: أن المؤلف رحمه الله تعالى في ما قبله من الأبواب ذكر أشياء من العبادة: الدعاء، والاستغاثة، والاستعاذة، وأن هذه العبادات صرفها لغير الله عز وجل شرك، ثم بعد ذلك ذكر في هذا الباب بطلان الشرك وبين حال المدعوين من دون الله، أنهم إما أن يكونوا أصناماً لا تسمع ولا تبصر، وإما أن يكونوا مخلوقين هم مشغولون بعبادة الله عز وجل، أو أنهم لا يسمعونهم ولا يبصرونهم.. إلى آخره.قال رحمه الله تعالى: (وقول الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الأعراف:191]). الهمزة هنا: للاستفهام، والاستفهام هنا: استفهام إنكار وتوبيخ على من يساوي غير الله بالله في العبادة. مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الأعراف:191] و(شَيْئًا). هذه نكرة في سياق النفي وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الأعراف:191]. فهم لا يخلقون شيئاً، ومع ذلك أيضاً هم مخلوقون، فإذا كان كذلك دل على أنهم لا يستحقون العبادة، وأن الذي يستحق العبادة هو الخالق، وفي هذا استدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، فإذا كان الله عز وجل هو الخالق فهو المستحق للعبادة، وإذا كانوا هم مخلوقين فهم لا يستحقون العبادة.أيضاً قال: وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا [الأعراف:192]. يعني: هؤلاء المعبودون من دون الله عز وجل لا يستطيعون نصر عابديهم. والنصر: هو العون والمساعدة عند حصول الشدة والكربة، فهم لا يعينون عابديهم ولا يساعدونهم عند حصول شدتهم وكربتهم أو وقوع ظلم عليهم من أحد. وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ [الأعراف:192]. أيضاً لا يقدرون على أن يدفعوا عن أنفسهم لو أصابهم أحد بضر، إذا كان كذلك فهم لا يستحقون العبادة، وهذا كما تقدم أنه من باب الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وفي هذا إبطال لعبادة هؤلاء، وفي المقابل: فيه إثبات التوحيد. وهنا الأدلة ظاهرة على إبطال الشرك وتقرير التوحيد.

    تفسير قوله تعالى: (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير...)
    قال رحمه الله: (وقول الله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ [فاطر:13]). الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [فاطر:13]. يعني: من دون الله، سوى الله. مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13] القطمير: هي اللفافة التي تكون على نواة التمر. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [فاطر:14]؛ لأنهم -هؤلاء المدعوين- إما أن يكونوا حجارة لا يسمعون، وإما أن يكونوا أمواتاً لا يسمعون، وإما أن يكونوا بعيدين عنكم، وإما أن يكونوا مشغولين بعبادة الله عز وجل لما خلقوا له. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ [فاطر:14]. يعني: حتى ولو سمعوا فإنهم لا يقدرون على إجابة طلبكم وما سألتم. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14]. يعني: ينكرون هذا الشرك ويتبرؤون منه يوم القيامة وهو اليوم الآخر، وسمي بيوم القيامة لأن الناس يقومون فيه من قبورهم، وقيل: لأن العدل يقام فيه. وقيل: لأن الناس يقومون على أقدامهم، لا أحد يجلس في ذلك اليوم، ففي ذلك اليوم الشديد يكفرون بشرككم، ويتبرؤون منه، ويتبرؤون ممن أشرك بهم مع الله عز وجل وهم في أحوج ما يكونون إلى شفاعتهم.قال: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]. ينبئك: يعني: يخبرك بعواقب الأمور ومآلها. مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]. يعني: عالم بها وهو الله عز وجل.هنا في هذه الآية دلت على بطلان الشرك، وأن الذين يدعون من دون الله -سواء يسألونهم أو يصرفون لهم شيئاً من أنواع العبادة- ما يملكون من قطمير، وإذا كانوا كذلك -لا يملكون شيئاً- ففي هذا إبطال عبادتهم من دون الله عز وجل، إذ ما الفائدة من العبادة؟ وأيضاً: إبطال العبادة أنهم لا يسمعوا الدعاء، وأنهم لو سمعوا ما استجابوا لهم، وأيضاً ويوم القيامة يكفرون بشركهم، هذه ثلاثة براهين على إبطال عبادة هؤلاء المعبودين من دون الله عز وجل، وفيه إبطال الشرك وتقرير التوحيد.

    شرح حديث: (شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته ...)
    قال رحمه الله تعالى: (وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: ( شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ) ). الشجة: هي الجرح في الرأس والوجه خاصة، وفي غير الوجه والرأس لا يقال: شجة وإنما يقال: جرح.(يوم أحد) أحد: جبل معروف في شمال المدينة.( وكسرت رباعيته ). الرباعية: هي السن التي تكون بعد الثنية، الثنايا ثم بعد ذلك الرباعيات.( فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟! ). الفلاح: هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.( فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128] ). يعني: سبب نزول هذه الآية هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف يفلح قوم؟) فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128].في هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله إبطال عبادة من دون الله عز وجل؛ لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق وأعظمهم جاهاً عند الله عز وجل وأكرم الخلق عند الله ليس له من الأمر شيء فغيره من باب أولى من بقية الأنبياء والرسل والمخلوقين، فكيف يصرف لهم شيء من أنواع العبادة؟ فغيره من باب أولى أنه لا يصرف له شيء من أنواع العبادة.

    شرح حديث ابن عمر: (أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع ...)
    قال رحمه الله: (وفيه) -يعني: في صحيح البخاري- عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلاناً وفلاناً). اللهم بمعنى: يا الله! واللعن من الله: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله.( بعدما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128] ).وفي رواية: ( يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام ).وقوله: ( سمع الله لمن حمده ). يعني: استجاب الله عز وجل لمن حمده وتقبله، وحمد الله عز وجل: هو وصف الله عز وجل بصفات الكمال محبة وتعظيماً.مناسبة الحديث للباب ظاهر، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق وأعظمهم جاهاً -كما تقدم- يقول الله عز وجل له: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128]. فهذا يدل على بطلان عبادة من سوى الله عز وجل، وفي هذا بطلان عبادة الأولياء والأنبياء وغيرهم؛ لأنهم لا يملكون شيئاً، وإذا كانوا لا يملكون شيئاً فصرف شيء من العبادة لهم من دون الله عز وجل جهل، والتعلق بهؤلاء الأولياء والأضرحة والقبور لقضاء الحاجات وتفريج الكربات هذا كله باطل؛ لأنهم لا يملكون شيئاً، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك شيئاً فغيره من هؤلاء من باب أولى، فهؤلاء أصبحوا الآن جثثاً هامدة، حتى ولو كانوا أحياء لا يملكون شيئاً.

    شرح حديث: (يا معشر قريش، لا أغني عنكم من الله شيئاً...)
    قال: (وفيه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]. فقال: يا معشر قريش! ).فيه يعني: في صحيح البخاري ، والعشيرة عشيرة الرجل: هم بنو أبيه الأدنون أو قبيلته.( فقال: يا معشر قريش ). وقريش هذا اختلف فيه النسابون، فقيل: إنه النضر بن كنانة ، وقيل بأنه فهر بن مالك .( يا معشر قريش أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم لا أغني ) المعشر: جماعة.( اشتروا أنفسكم ) يعني: خلصوا أنفسكم من عذاب الله عز وجل وذلك بالتوحيد وعدم الشرك.( لا أغني عنكم من الله شيئاً ). يعني: لا أدفع عنكم شيئاً من عذاب الله عز وجل.( يا عباس بن عبد المطلب ، لا أغني عنك من الله شيئاً ). لا أدفع عنك شيئاً من عذاب الله.( يا صفية! عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنكِ من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد ، سليني من مالي ما شئتِ لا أغني عنكِ من الله شيئاً ).قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( سليني من مالي ما شئتِ ). يعني: هذا الذي أقدر عليه، أما غيره فإني لا أقدر عليه.ووجه الشاهد من هذا الحديث: إذا كان هذا في حال النبي صلى الله عليه وسلم مع أقرب الناس إليه فاطمة وهي أقرب الناس إليه، وصفية وهي عمته، والعباس وهو عمه أقرب الناس إليه؛ إذا كان لا يملك لهم شيئاً من الله سبحانه وتعالى ففي هذا بطلان عبادة من سوى الله عز وجل؛ لأنه إذا كان هذا في حال النبي صلى الله عليه وسلم مع أقرب الناس إليه وهو أعظم الناس جاهاً عند الله وهو أكرمهم عند الله لا يملك شيئاً فغيره من باب أولى أنه لا يملك شيئاً، وإذا كان كذلك فإنه لا يستحق أن يصرف له شيء من أنواع العبادة، فدل ذلك على ما ترجم له أو ما ذكره المؤلف رحمه الله من إبطال الشرك وتقرير التوحيد.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,383

    افتراضي رد: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

    شرح كتاب التوحيد
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )
    (20)

    الملائكة خلق من خلق الله جل جلاله، وهم خلق عظيم يمتلكون من القوة ما لا يمتلكه غيرهم من سائر المخلوقات، ومع ذلك فهم مربوبون مقهورون خاضعون ذليلون لله عز وجل، حتى إنه إذا أراد الله أن يوحي بالأمر، وتكلم ضربت الملائكة بأجنحتها خضوعاً لقوله وخروا له سجداً، فإ
    تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فزع عن قلوبهم ..)
    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23].في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء ).وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال: رعدة شديدة خوفاً من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا أو خروا سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثلما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل ) ].قال رحمه الله تعالى: (باب قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]).مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن فيه بيان حال الملائكة عليهم السلام الذين هم من أقوى من عبد من دون الله عز وجل، فإذا كان هذا حالهم خوفاً من الله وخشية ورهبة فكيف يدعون مع الله عز وجل؟ ففي هذا رد على جميع المشركين الذين يدعون مع الله عز وجل من هو أقل من الملائكة، كالذين يدعون الأضرحة والأولياء والغائبين... إلى آخره وهم أقل من الملائكة، إذا كان هذا هو حال الملائكة في خوفهم وخشيتهم ورهبتهم لله سبحانه وتعالى، وهم أقوى من عبد من دون الله عز وجل فكيف يدعون مع الله وهم يخافون الله ويخشونه ويرهبونه؟ ففي هذا رد على من عبد دون الله عز وجل ممن هو أقل من الملائكة.قال رحمه الله: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ:23]. يعني: أزيل الفزع عن قلوب الملائكة عليهم السلام من الغشية التي تصيبهم عند سماعهم كلام الله عز وجل بالوحي المنزل على جبريل أو بالوحي إلى جبريل. قَالُوا [سبأ:23]. أي: قال بعضهم لبعض. مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ [سبأ:23]. أي: قالوا: قال الله القول الحق. وَهُوَ الْعَلِيُّ [سبأ:23]. الله عز وجل له علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، وعلو الله عز وجل قسمان: علو الصفات، بمعنى: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال التي لا تسبق بعدم ولا يلحقها نقص بأي وجه من الوجوه، وكذلك موصوف بعلو الذات.وهو الْكَبِيرُ [سبأ:23]، أي: الذي لا أكبر ولا أعظم منه سبحانه وتعالى.الشاهد من هذه الآية على ما أراده المؤلف رحمه الله من هذا الباب: أن فيه الرد على جميع المشركين الذين يعبدون مع الله عز وجل غيره، فإذا كان هذا هو حال الملائكة عليهم السلام وكيف يحصل لهم عند سماعهم الوحي، لما يصيبهم من الغشية عند سماعهم كلام الله بالوحي إلى جبريل عليه السلام ما أصابهم من الخوف والفزع والخشية، فغيرهم من باب أولى ممن لا يدانيهم في القوة ولا يساويهم في الصفات.وفي هذا الرد على من يعبد من دون الله عز وجل من لا يساوي الملائكة في الصفات ولا في القوة، فهذا من باب أولى بطلان عبادته من دون الله عز وجل، إذا بطلت عبادة الملائكة لما يلحقهم من الخوف والفزع والغشية فغيرهم من باب أولى.

    شرح حديث: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة...)
    قال رحمه الله تعالى: (وفي الصحيح) أي: في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قضى الله الأمر ). يعني: تكلم الله بالأمر.( في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً ) من الخضوع، وروي بضم أوله وسكون ثانية: (خُضْعاناً) أي: خاضعين. ( لقوله كأنه سلسلة على صفوان ) (لقوله) يعني: لقول الله عز وجل. (كأنه) أي: الصوت المسموع (صفوان) الصفوان: هو الحجر الأملس.( ينفذهم ذلك ). أي: يخلص هذا القول ويمضي في الملائكة. ( ويبلغ منهم كل مبلغ، حتى إذا فزع عن قلوبهم ). يعني: أزيل الفزع والغشية عن قلوب الملائكة، أزيلت هذه الغشية التي أصابتهم بعد سماعهم لكلام الله عز وجل لما أوحى إلى جبريل.( قالوا ) يعني: قال بعضهم لبعض: ( ماذا قال ربكم؟ ). استبشاراً. ( قالوا: الحق ). قال الله القول الحق، وقول الله الحق: الصدق في الأخبار، والعدل في الأوامر.( وهو العلي الكبير ). تقدم علو الله عز وجل، له علو الذات، علو القهر، علو القدر. ( الكبير ) الذي لا أعظم ولا أكبر منه سبحانه وتعالى.قال: ( فيسمعها ) يعني: هذه الكلمة التي أوحى الله بها إلى جبريل عليه السلام.( مسترق السمع ) يعني: المختطف لكلام الملائكة من الشياطين.( وصفه سفيان ) سفيان بن عيينة رحمه الله من كبار الأئمة، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة للهجرة، إمام ثقة من أهل الحديث.وقوله: ( وصفه سفيان ) يعني: وصف ركوب الشياطين بعضهم فوق بعض حتى يصلوا إلى حيث يسمعون تحدث الملائكة بالأمر الذي يقضيه الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى أعطى هؤلاء الشياطين هذه القوة على أن يصلوا إلى أن يستمعوا إلى الملائكة وهم يتحدثون بالكلمة التي أوحى الله عز وجل بها إلى جبريل عليه السلام.قال: ( وصفه سفيان بكفه فحرفها ) يعني: أمالها. ( وبدد بين أصابعه ) يعني: فرقها، حرفها: أمالها، وبدد بين أصابعه: فرقها.قال: ( فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ). الشياطين يتراكبون ثم يلقيها إلى من تحته. قال: ( حتى يلقيها على لسان الساحر ) الساحر الذي يتعاطى السحر، وسيأتينا باب مستقل في السحر ومباحث السحر، والسحر: هو عبارة عن قراءات ورقى وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى التأثير على بدن المسحور وعقله وإرادته. وهل السحر كفر أو ليس كفراً؟ينقسم إلى قسمين، كما جاء عن الشافعي رحمه الله أنه يقال لنا: صف لنا سحرك. فما كان بواسطة الشياطين فهذا كفر، وما كان عن طريق الأدوية والعقاقير فهذا كبيرة من كبائر الذنوب.وعلى كل حال -كما سيأتينا إن شاء الله- عقوبة الساحر القتل في كل حال؛ لعظيم فساده؛ ولأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، سيأتينا ما يتعلق بإتيان السحرة وأقسامهم ومتى يكون شركاً أكبر ومتى يكون كفراً أصغر.. إلى آخره.قال: ( على لسان الساحر أو الكاهن ) الكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار.( فربما أدركه الشهاب ) يعني: أدرك المستمع الشهاب، والشهاب: هو الذي يرمى به قبل إلقائها، والشهاب هذا ليس الكوكب، الكوكب شيء عظيم، والشهاب جزء من الكوكب، وإلا فإن الشهاب يعني: النجم، وهذا شيء عظيم.قال: ( قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه ) ألقاها لمن بعده قبل أن يدركه الشهاب. قال: ( فيكذب معها مائة كذبة ) هذا ليس على سبيل الحصر، وإنما هو على سبيل التمثيل، يعني: أنه يكذب معها كذبات كثيرة.قال: ( فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ ) يعني: الكاهن الآن يكذب هذه الكذبات ويصدق الكاهن بكلمة واحدة، بسبب كلمة واحدة يصدق، وكلمات كثيرة مع أنه كذب فيها لا يكذب، وهذا يدل على ضعف الإيمان.قال: ( قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة ) يعني: يصدق الساحر أو الكاهن بتلك الكلمة ( التي سمعت من السماء ).وجه الشاهد من هذا الحديث كما تقدم في الآية، فإن الله سبحانه وتعالى ذكر حال الملائكة حينما يسمعون كلام الله عز وجل حينما يوحي إلى جبريل بالأمر من عنده سبحانه وتعالى فتصيبهم الغشية، فإذا كان هذا في حال الملائكة وغيرهم لا يدانيهم ولا يساويهم في الصفات ولا في القوة، ففي هذا إبطال عبادة الملائكة لما يصيبهم من الفزع والخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى، وإبطال من دونه من باب أولى، يعني: إبطال عبادة من دونهم من باب أولى، كالقبور والأضرحة ونحو ذلك.وهذا الاستراق كان قبل البعثة، أما بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يتمكن الشياطين من استراق الوحي، وإنما هذا كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد البعثة انقطع ذلك؛ لئلا يختلط الوحي بكذب الدجلة السحرة والكهنة.
    شرح حديث: (إذا أراد الله أن يوحي بالأمر...)
    قال رحمه الله: وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. النواس بن سمعان صحابي جليل. رضي الله تعالى عنه.قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر ). الوحي: هو كلام الله عز وجل المنزل على نبي من أنبيائه.( بالأمر ) يعني: واحد الأمور، الأمر واحد الأمور.قال: ( تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة ) يعني: أصاب السماوات رجفة، يعني: ارتجفت واضطربت.قال: ( أو قال: رعدة شديدة خوفاً من الله ) أو: هذه للشك، شك من الراوي: هل قال النبي صلى الله عليه وسلم رجفة أو قال: رعدة شديدة خوفاً من الله عز وجل.قال: ( فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا ) يعني: أصابهم الغشي. قال: ( أو خروا سجداً خوفاً من الله ) رعدة شديدة خوفاً من الله عز وجل.( فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا أو خروا سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد ) يعني: بما أراده الله عز وجل.قال: ( ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها ) ملائكة هذه السماء. ( ماذا قال ربنا يا جبريل؟! فيقول جبريل: قال الحق ) قول الحق، تقدم. قال: ( وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثلما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل ). أمره الله عز وجل من السماء والأرض.الشاهد من هذا الحديث: أن هذا الحديث فيه عظمة الله عز وجل، وما يحصل في السماوات عندما يتكلم الله عز وجل بالوحي من الرجفة والاضطراب، وكذلك ما يحصل لأهل السماء من الغشي والخرور سجداً لله عز جل تعظيماً لله عز وجل وخوفاً منه، فإذا كان هذا حال الملائكة رضي الله تعالى عنهم دلت على بطلان عبادتهم من دون الله عز وجل، وعلى بطلان عبادة من دونهم من لا يساويهم في الصفات والقوة.وأيضاً: أن المنفرد بالعبادة هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه هو الذي يستحق أن يخاف منه هذا الخوف العظيم، وأن يخشى هذه الخشية، إذا كان كذلك فدل ذلك على أنه هو المستحق أن يفرد بالعبادة دون من سواه.والله أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •