شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,273

    افتراضي شرح كتاب التوحيد للشيخ خالد بن علي المشيقح


    شرح كتاب التوحيد [1]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

    من أهم الكتب التي ألفها الشيخ محمد بن عبد الوهاب كتاب التوحيد، وهو يتحدث فيه عن الشيء الذي من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، ألا وهو التوحيد. والتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية؛ وهو إفراد الله بالخلق والملك والتدبير، وتوحيد الألوهية؛ وهو إفراد
    أهمية كتاب التوحيد
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب التوحيد:وقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ].هذا الكتاب الذي بين أيدينا كتاب التوحيد كتاب مبارك, مؤلفه معروف, وهو الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن مشرف التميمي, المولود سنة: 1115 للهجرة في بلد العيينة, والمتوفي عام 1206 للهجرة في الدرعية. والشيخ رحمه الله تعالى غني عن التعريف, نشأ في بيت علم, فأبوه كان قاضياً, وجده كان مفتياً, وله مؤلفات كثيرة, ومؤلفاته طرح الله عز وجل فيها البركة, فمن عهده إلى يومنا هذا والناس يعكفون عليها ويحفظونها ويتدارسونها ويدرسونها لتلامذتهم.ومن هذه المؤلفات المهمة: هذا الكتاب الذي بين أيدينا, وهو كتاب التوحيد, فهو كتاب مهم جداً, وهو من أجمع الكتب فيما يتعلق بتوحيد الألوهية, فمؤلفه رحمه الله تعالى عني بتوحيد العبادة؛ لأن توحيد العبادة هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل, وأنزلت به الكتب, ووقع فيه الصدام بين أهل الحق وأهل الباطل, فإن توحيد الربوبية يقر به المشركون: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:26]. لكن توحيد الألوهية هو الذي خالف فيه المشركون, وأشركوا مع الله عز وجل غيره؛ ولهذا جاء القرآن به كثيراً, وجاء في تقريره والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته.. إلى آخره.فالمؤلف رحمه الله تعالى كتابه هذا يدور على توحيد العبادة, وتوحيد العبادة -توحيد الألوهية- هو أهم أقسام التوحيد. وكما ذكرنا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، وأنزلت فيه الكتب، ودعا إليه الرسل في دعواتهم.ومعرفة توحيد العبادة مهم جداً, وسيأتينا أن المؤلف رحمه الله تعالى سيذكر من الأبواب ما يتعلق بالخوف من الشرك.على كل حال هذا الكتاب يدور على التوحيد وما يناقض أصل التوحيد أو كماله، وسنجمل إن شاء الله ما يتعلق بالنصوص التي يوردها المؤلف رحمه الله, وسنعني إن شاء الله بذكر التقسيمات؛ لأنه سيعقد باباً لكل عبادة من العبادات, فالخوف والنذر والمحبة والتوكل ... إلى آخره هذه كلها عقد لها المؤلف رحمه الله تعالى أبواباً, وسنذكر أقسام كل باب من هذه الأبواب, وما يكون منها شركاً وما لا يكون شركاً؛ لكي يكون أدعى إلى الفهم.
    سبب ابتداء الكتاب بالبسملة وخلوّه من المقدمة

    والمؤلف رحمه الله تعالى ابتدأ كتابه بالبسملة؛ اقتداء بكتاب الله عز وجل، واقتداء بسنة نبينه محمد صلى الله عليه وسلم, وتقدم لنا بالأمس شرح البسملة فلا حاجة إلى الإعادة مرة أخرى.وقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب التوحيد ]. لم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى مقدمة لكتابه هذا, وأجاب العلماء رحمهم الله على ذلك بجوابين, الجواب الأول: ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله أنه ذكر مقدمة, فقال بأن الشيخ كتب بخط يده: الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد.وقيل بأن ترجمة المؤلف تغني عن المقدمة, فهو ترجم بكتاب التوحيد؛ مما يدل على ما سيكتب عنه, وأنه سيكتب عن التوحيد.
    تعريف التوحيد

    قال رحمه الله: [كتاب]. كما تقدم لنا أن الكتاب: مصدر كتب, وهو بمعنى الجمع؛ لأن الكتاب يجمع الحروف والكلمات.والتوح د: مصدر (وحده), أي: جعله واحداً، وهو في اللغة يطلق على معان, منها: الانفراد.وأما في الاصطلاح فهو: إفراد الله عز وجل بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. والمؤلف رحمه الله تعالى سيدور مؤلفه على القسم الأول من أقسام التوحيد, وإن كان سيذكر شيئاً عن الأسماء والصفات, لكنه سيدور مؤلفه رحمه الله تعالى في غالب أبوابه على توحيد العبادة؛ لأن هذا التوحيد هو الذي ضل فيه أكثر الخلق, وهو الذي أرسلت فيه الرسل وأنزلت فيه الكتب.والتوحيد أو إفراد الله عز وجل -كما تقدم لنا- في تعريف التوحيد: بأنه إفراد الله عز وجل بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. نأخذ من هذا أن التوحيد ينقسم ثلاثة أقسام.
    أقسام التوحيد

    القسم الأول: توحيد الألوهية, وهو: إفراد الله عز وجل بالعبادة، فهذا التوحيد باعتبار إضافته إلى الله عز وجل يسمى بتوحيد الألوهية, وباعتبار إضافته إلى العباد يسمى بتوحيد العبادة. وعلى كل حال توحيد الألوهية هو: إفراد الله عز وجل بالعبادة.والقسم الثاني: توحيد الربوبية, توحيد الربوبية هو: إفراد الله عز وجل بالملك والخلق والتدبير, وبقية معاني الربوبية ترجع إلى هذه المعاني الثلاثة. فإفراد الله عز وجل بالخلق: بأن يعتقد المسلم بأنه لا خالق إلا الله, وإن كان المخلوق يخلق إلا أن خلق المخلوق خلق إضافي ومحصور.فالمخلوق يخلق, كما قال الله عز وجل: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14]. ويقال لهم -أي: يقال للمصورين- كما في الحديث: ( يقال للمصورين: أحيوا ما خلقتم ). فهذا دليل على أن المخلوق يخلق, لكن خلق المخلوق إضافي محصور, وأيضاً هو مقيد بالشرع, فهو وإن خلق هذه العلبة لا يخلق هذه الطاولة, وإن خلق هذه الطاولة لا يخلق هذه السيارة ... ونحو ذلك, فخلقه محصور إضافي, وأيضاً مقيد بالشرع, ليس له أن يخلق كل شيء.إفراد الله بالملك: بأن يعتقد بأنه لا مالك إلا الله عز وجل, وأنه لا يملك الخلق إلا الله عز وجل, والمخلوق وإن كان يملك إلا أن ملكه محصور إضافي، وأيضاً هو مقيد بالشرع. فهو وإن ملك هذا الكتاب لا يملك هذه السيارة, وإن ملك هذا القلم لا يملك هذا الكتاب... ونحو ذلك, وأيضاً مقيد بالشرع, ليس له أن يملك ما نهى الشارع عن ملكه.التدبير هو: أن يعتقد أنه لا مدبر للخلق إلا الله عز وجل, والمخلوق يدبر لكن تدبير المخلوق تدبير إضافي محصور، وأيضاً هو مقيد بالشرع.
    معنى قول الله سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)

    قال رحمه الله تعالى: (وقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]). الخلق هو: إبداع الشيء من غير أصل. والجن: هم عالم غيبي مستتر عنا, منحهم الله سبحانه وتعالى قوة ونفوذاً. والإنس: هم بنو آدم. إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. يعني: يتذللون لله عز وجل بالعبادة. والعبادة تفسر بتفسيرين:التفسي الأول: باعتبار المتعبد, وهو التذلل لله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه محبة وتعظيماً.والتفس ر الثاني: باعتبار المتعبد به, فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة, فالعبادة باعتبار المتعبد به: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.وقوله: إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] كما تقدم, يعني: إلا لكي يتذللوا لله عز وجل بالعبادة. ففي هذا بيان الحكمة من خلق الجن والإنس, وأن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله عز وجل. وفي هذا دليل على وجوب توحيد الألوهية، وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة- وأن الله سبحانه وتعالى ما خلق الخلق من جن أو إنس إلا لعبادته سبحانه وتعالى.
    يتبع
    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,273

    افتراضي


    شرح كتاب التوحيد [2]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )

    إن أول واجب على العباد هو التوحيد، وجميع نصوص الكتاب والسنة تدل على ذلك، فما خلق الله الجن والإنس إلا ليوحدوه بالعبادة، وهي أول دعوة الأنبياء (عبادة الله واجتناب الطاغوت)، وهو قضاء الله على عباده وأمره لهم، وكما أن التوحيد هو أول واجب أمر به العباد فالشرك
    أول واجب على العباد

    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله, رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].وقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]... الآية.وقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]... الآية.وقوله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151]... الآيات.قال ابن مسعود رضي الله عنه: من أرد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]... إلى قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153]... الآية.تقدم لنا تعريف التوحيد في اللغة والاصطلاح, وذكرنا أن تعريفه في اللغة: أنه مصدر وحد يوحد توحيداً, وهو في اللغة يطلق على معان, منها: الانفراد، أو إفراد الشيء.وأما في الاصطلاح فهو إفراد الله عز وجل بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.وذكرنا فيما تقدم أن التوحيد ينقسم ثلاثة أقسام:
    القسم الأول:
    توحيد الألوهية, وهو: إفراد الله عز وجل بالعبادة، وعليه يدور هذا الكتاب.
    والقسم الثاني:
    توحيد الربوبية, وهو إفراد الله عز وجل بالملك والخلق والتدبير.
    والقسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات, وهو: إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل... إلى آخره.


    وتقدمت لنا الآية الأولى, قول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. ومناسبة هذه الآية أنها دالة على وجوب التوحيد, والتوحيد هو أول واجب؛ ويدل لذلك حديث ابن عباس في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن, فقال له: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله , وأن محمداً رسول الله ). هذا هو أول واجب.وحديث ابن عمر في الصحيحين: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله ).وكما ذكر المؤلف من الآيات.ويقول الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:23]. هكذا دعوة الرسل.فأول واجب هو التوحيد, يجب على الإنسان أن يوحد الله عز وجل دون القصد إلى النظر كما يقول أهل البدعة.
    معنى قوله تعالى: (ولقد بعثنا في أكل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)

    قال رحمه الله: (وقوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]). بَعَثْنَا [النحل:36] بمعنى: أرسلنا.وقال: فِي كُلِّ أُمَّةٍ [النحل:36]. المقصود بالأمة هنا: الطائفة من الناس.والأمة ترد على معان, منها: الزمن, كما قال الله عز وجل: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45]. يعني: بعد زمن.المعنى الثاني: الطائفة من الناس, كما هنا: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36].المعنى الثالث: الإمام, إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120]. يعني: كان إماماً.قال: فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36]. الرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ [النحل:36]. يعني: إفراد الله عز وجل بالعبادة, وسبق أن عرفنا العبادة باعتبارين. وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. الطاغوت: مشتق من الطغيان, وهو مجاوزة الحد, وهو كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.قوله: ما تجاوز به العبد حده من معبود.يعني: وهو راض, فإذا عبد من دون الله عز وجل وهو راض فهو طاغوت.(أو متبوع) المتبوع: إذا اتبع على ضلاله فهو من الطواغيت, والمطاع أيضاً إذا أطيع على ضلاله فهو من الطواغيت.فهذه الآية دلت على أمرين:الأمر الأول: وجوب التوحيد؛ لأن الله عز وجل إنما بعث الرسل بتوحيد الألوهية.الأمر الثاني: فيه تفسير التوحيد, وأن التوحيد هو: إفراد الله عز وجل بالعبادة. أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. هذا هو التوحيد.
    تفسير قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ..)

    قال رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] ]. قَضَى [الإسراء:23] بمعنى: أمر ووصى.وقضاء الله عز وجل ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: قضاء شرعي ديني, كما هو هنا.والقسم الثاني: قضاء كوني قدري.والمراد هنا بقضاء الله عز وجل: هو القضاء الشرعي الديني, فإن الله سبحانه وتعالى قضى يعني: أمر ووصى. وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [الإسراء:23]. تقدم تعريف العبادة. إِلا إِيَّاهُ [الإسراء:23]. هنا الحصر. يعني: تعبدون الله عز وجل ولا تعبدون غيره. وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23]. يعني: قضى سبحانه وتعالى بالإحسان إلى الوالدين، والإحسان إلى الوالدين هو برهما والقيام بحقهما, يعني: برهما قولاً وفعلاً والقيام بحقهما.مناسبة هذه الآية لما ترجم به المؤلف رحمه الله مناسبتان:المناس ة الأولى: أنها دالة على وجوب التوحيد, ووجه الدلالة الأمر, والأمر يقتضي الوجوب.والمناسب الثانية: أن فيها تفسير التوحيد, وأن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة, كما قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [الإسراء:23]. حصر العبادة لله سبحانه وتعالى, إِلا إِيَّاهُ [الإسراء:23]. دون ما سواه سبحانه وتعالى.
    تعريف الشرك وأنواعه

    قال رحمه الله: (وقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]). تقدم تعريف العبادة.والشرك في اللغة: النصيب. وأما في الاصطلاح فقسمه العلماء رحمهم الله إلى أقسام باعتبارات, لكن الخلاصة في ذلك: أن الشرك ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: شرك أكبر.والقسم الثاني: شرك أصغر.الشرك الأكبر: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. هذا الشرك الأكبر.ويدل لذلك: قول الله عز وجل: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1], يعني: يسوون به غيره، وقال الله عز وجل عن الكفار يوم القيامة: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:98-99]. فتسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، سواء كان من خصائص الألوهية كصرف عبادة لغير الله، فساويته بالله سبحانه وتعالى -نقول بأن هذا شرك أكبر.أو بشيء من خصائص الربوبية من خصائص الملك، الخلق، التدبير, أو غير ذلك- صرفتها لغير الله عز وجل فنقول بأن هذا شرك أكبر.أو من خصائص الأسماء والصفات, فهناك أسماء اختص الله عز وجل بها, وهناك أسماء مشتركة, وهناك صفات اختص الله عز وجل بها, وهناك صفات مشتركة, فمثلاً: من الأسماء التي اختص الله عز وجل بها اسم: الله، الرحمن... إلى آخره, فإذا صرفتها لغير الله عز وجل فأنت سويت غير الله بالله.فتعريف الشرك الأكبر كما تقدم: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله, سواء كان ذلك من خصائص الربوبية, أو كان من خصائص الألوهية, أو كان من خصائص الأسماء والصفات.وأما الشرك الأصغر: هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله في ضابط الشرك الأصغر, كما أن الشرك الأكبر موضع خلاف, لكن ما ذكرنا هو الأقرب, لكن الشرك الأصغر موضع خلاف, والأقرب في ذلك أن الشرك الأصغر: هو ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر وجاء في النص تسميته شركاً.كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر من الأقوال والأفعال والاعتقادات وجاء تسميته في النص شركاً نقول بأنه هو الشرك الأصغر.
    مناسبة آية: واعبدوا الله .. للترجمة

    قال رحمه الله: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]).قوله: شَيْئًا [النساء:36]. هذه نكرة في سياق النهي, فتفيد العموم, وأن الشرك محرم سواء كان قليلاً أو كثيراً.والمناسب في هذا مناسبتان كما تقدم, حيث إن الآية دلت على أمرين:الأمر الأول: وجوب التوحيد؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر به, وأيضاً تحريم الشرك.والمناسبة الثانية: تفسير التوحيد, وأن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة دون ما سواه؛ ولهذا أمر الله بعبادته، ونهى عن الإشراك به.
    تفسير قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ...)

    قال رحمه الله وتعالى: (وقوله: قُلْ تَعَالَوْا [الأنعام:151] ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.تَعَالَوْا بمعنى: هلموا وأقبلوا. أَتْلُ . يعني: أخبركم. مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]. يعني: ما منعه عليكم.والمحرم عند الأصوليين: هو خطاب الشارع المتعلق على المكلفين بطلب الكف على وجه اللزوم. مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151]. في هذه الآية فيه تحريم الشرك, ومقابل ذلك وجوب التوحيد, فإذا كان الشرك محرماً دل ذلك على أن التوحيد واجب.
    معنى قول ابن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ...)

    قال رحمه الله: (قال ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ً [الأنعام:151]).الوصية هي: الأمر بالشيء المؤكد.وقوله: (خاتمه): الخاتم: هي حلقه. ذات فص من غيرها.وقوله: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه. يعني: توقيعه, توقيع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الخاتم يستخدم للتوقيع، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أوصى, وما خلفه النبي صلى الله عليه وسلم فإنه صدقة، لكن مراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أوصى بشيء فإنه سيوصي بما جاء في كتاب الله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151].. إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً [الأنعام:153].وهذه الآية: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]. دليل على وجوب التوحيد؛ لأن الله سبحانه وتعالى حرم الشرك, فما دام أنه سبحانه وتعالى حرم الشرك, دل ذلك على وجوب التوحيد.والشرك تقدم أن ذكرنا تعريفه, وأن الشرك شركان: شرك أصغر وشرك أكبر... إلى آخره. وسيأتينا إن شاء الله في باب الخوف من الشرك الفرق بين الشرك الأكبر وكذلك الشرك الأصغر فيما يتعلق بالأحكام الدنيوية والأخروية.والله أعلم.وصلى وسلم على سيدنا محمد.
    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,273

    افتراضي

    شرح كتاب التوحيد [3]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    أعظم الحقوق على العباد وأعظم العهود هو عبادة الله وحده لا شريك له، فإذا وفى العباد بهذا الحق كان حقاً على الله عز وجل أن لا يدخلهم النار، وهذا هو معنى التوحيد.ومن حقق التوحيد حاز الفضل العظيم، والشرف الكبير في الدنيا والآخرة، فأهل التوحيد لهم الأمن والهد
    شرح حديث معاذ في وجوب التوحيد وبيان معناه
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله, رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ( كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد, وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً, وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً. قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا ). أخرجاه في الصحيحين ].تقدمنا بعض الآيات التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان معنى التوحيد وحكمه وأنه واجب.قال: (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ( كنت رديف النبي صلي الله عليه وسلم ). الرديف: هو الذي تحمله خلفك على الدابة.قال: ( أتدري )؟ يعني: هل تعرف؟( كنت رديف النبي على الحمار, فقال: يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد )؟ حق الله يعني: ما يستحقه ويجعله متحتماً على العباد.( قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ). تقدم لنا تعريف العبادة وتعريف الشرك.قال: ( وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً ). حق العباد على الله يعني: ما كتبه الله عز وجل حقاً على نفسه للعباد تفضلاً وإحساناً, وإلا فإن العباد لا يستحقون على الله عز وجل شيئاً إلا من باب تفضله وإحسانه عليهم.قال: ( قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس )؟ البشارة: هي الإخبار بما يسر.( قال: لا تبشرهم فيتكلوا ). يتكلوا يعني: يعتمدوا على هذه البشارة فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة.وهذا الحديث فيه بيان وجوب التوحيد, وفيه أيضاً بيان معنى التوحيد.فبيان وجوب التوحيد قوله: ( حق الله على العباد ) والحق يدل على الوجوب.وكذلك فيه معنى التوحيد, فإنه قال: ( يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ) وهذا -قوله: ( يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً )- هو معنى التوحيد: إفراد الله عز وجل بالعبادة.
    فضل التوحيد وما يكفر به من الذنوب

    قال رحمه الله تعالى: [باب].الباب في اللغة: هو المدخل إلى الشيء.وأما في الاصطلاح: فهو اسم لجملة من العلم يشتمل على فصول ومباحث غالباً.قال: [فضل التوحيد].فضل التوحيد يعني: الثواب العظيم المرتب على التوحيد.قال: (وما يكفر من الذنوب). التكفير في اللغة: الستر والتغطية.وأما في الاصطلاح: فهو محو الذنب حتى يكون بمنزلة العدم.وقوله: [من الذنوب].هذه بيانية وليست تبعيضية, فالذنوب جميعها تكفر بالتوحيد.
    تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ...) ومناسبتها للترجمة
    قال رحمه الله: [وقول الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا [الأنعام:82]]. الَّذِينَ آمَنُوا [الأنعام:82]: اعتقدوا بقلوبهم، وصدقوا بألسنتهم، وعملوا بجوارحهم, إذ إن الإيمان عند أهل السنة: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ [الأنعام:82]. يعني: ولم يخلطوا إيمانهم. بِظُلْمٍ [الأنعام:82]. المراد بالظلم هنا الشرك كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم. أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]. الأمن: هو طمأنينة القلب وزوال الخوف. وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82], يعني: موفقون للسير على صراط الله المستقيم.هذه الآية تدل على فضل التوحيد, وأن الموحد له الأمن والهداية، له الأمن في الدنيا وفي الآخرة، وله أيضاً الهداية في الدنيا وفي الآخرة.أما الأمن في الدنيا فهو ما يكون من طمأنينة القلب وزوال الخوف؛ ولهذا من أعظم أركان الإيمان الإيمان بالقضاء والقدر، والذي يؤمن بقضاء الله وقدره مهما تصيبه من المصائب فإنه يأمن ويهدأ قلبه, والله عز وجل يقول: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11]. وفي قراءة: (ومن يؤمن بالله يهدأ قلبه).ولا شك أن الإنسان إذا كان موحداً مهما أصابته من المصائب فإنه آمن؛ لأنه يؤمن بقضاء الله وقدره, أن هذه المصائب يحصل فيها الشيء العظيم من تكفير الذنوب ورفع الدرجات, فهي وإن كانت مصيبة في ظاهرها إلا أنها منحة من الله عز وجل؛ فتحصل له السعادة.ولهذا ذكر العلماء رحمة الله عليهم من أسباب السعادة التوحيد, ومن أسباب السعادة الإيمان بقضاء الله وقدره, وهو داخل في التوحيد.وأما الأمن في الآخرة فهذا ظاهر, يحصل له الأمن من عذاب الله عز وجل, ويحصل له الأمن من كربات يوم القيامة حتى يصل إلى منزله في الجنة. وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] أيضاً تحصل له الهداية في الدنيا وفي الآخرة, في الدنيا يكون على نور وعلى بينة, يعرف حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم, ويسير على الصراط المستقيم؛ امتثالاً للأمر واجتناباً للنهي , وأما الهداية في الآخرة فإنه يهتدي إلى الصراط المستقيم حتى يهتدي إلى منزله في الجنة.وكذلك من فضائل التوحيد في هذه الآية: أنه يسلم من الشرك؛ لأن الشرك ظلم, فيسلم من ظلم نفسه.
    شرح حديث عبادة بن الصامت في بيان فضل التوحيد

    قال رحمه الله تعالى: [وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من شهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ..)].الشهادة هي: الإقرار والاعتراف المنافي للشك. فأنت تشهد أن لا إله إلاّ الله. يعني: كأنك تقول: أعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله, كأنني أشاهد هذا بعيني؛ ولهذا جاء التعبير بقوله: (أشهد) دون أن يقول: (أقر وأعترف, يعني: أعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله عز وجل, كأنني أشهد هذا بعيني، وهذا هو تمام الاعتقاد وتمام اليقين.
    معنى شهادتي التوحيد

    قال رحمه الله: ( أن لا إله إلاّ الله ). هذه الكلمة العظيمة معناها: لا معبود بحق إلا الله عز وجل. فلا هذه نافية للجنس, وإله: اسمها, وخبرها محذوف تقديره حق, والله: لفظ الجلالة بدل من الخبر المحذوف.وقوله: (وحده): حال مؤكد للإثبات, و(لا شريك له): تأكيد للنفي. (وحده لا شريك له) وحده: تأكيد للإثبات, ولا شريك له: تأكيد للنفي؛ لأن هذه الكلمة العظيمة اشتملت على ركنين: الركن الأول: الإثبات, أي: والركن الثاني: النفي, إثبات العبادة لله عز وجل, ونفيها عما سواه, فقولك: (وحده): هذا تأكيد للإثبات, وقولك: (لا شريك له) هذا تأكيد للنفي.قال: ( وأن محمداً عبده ورسوله ).يعني: أشهد، يعني: أقر وأعترف إقراراً ينافي الشك أن محمد بن عبد الله رسول من الله سبحانه وتعالى, وأنه عبد من عبيد الله. يعني: أنه رسول وعبد, عبد لا يعبد, ورسول لا يكذب.وقوله: (عبد الله) في هذا رد على من غلا في النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزله فوق منزلته, فصرف له شيئاً من خصائص الألوهية، كما يفعله الصوفية وعامة الخرافية الذين ينزلون النبي صلى الله عليه وسلم فوق منزلته, وسيأتينا إن شاء الله شيء من ذلك في باب المحبة.(ورسوله): رد على من جفا في حق النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر عموم رسالته، وقال: بأن رسالته خاصة بالعرب, أو أنكر أصل رسالته بالكلية.فقوله: عبده ورسوله رد على هاتين الطائفتين.
    معنى قوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله)

    قال رحمه الله: ( وأن عيسى عبد الله ورسوله ).عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. يعني: أشهد أن عيسى بن مريم عبد الله ورسوله.وأيضاً قوله: (عبد الله): هذا رد على النصارى الذين غلوا في عيسى عليه الصلاة والسلام, فمنهم من جعله الإله, ومنهم من جعله ابن الإله, ومنهم من جعله ثالث ثلاثة... إلى آخره.وقوله: (ورسوله) رد على من جفا في حق عيسى عليه الصلاة والسلام, وهم اليهود الذين جفوا في حق عيسى عليه الصلاة والسلام, فرموه بأنه ابن زانية, وهموا بقتله, وهو مكتوب عليهم أنهم قتلوه شرعاً وديناً, لكنهم لم يقتلوه كوناً وقدراً, فالله عز وجل نجاه منهم, لكنه مكتوب عليهم عند الله عز وجل أنهم قتلوه شرعاً وديناً.قال: ( وكلمته ألقاها إلى مريم, وروح منه ). كلمته يعني: أن عيسى عليه الصلاة والسلام خلق بكلمة (كن).( وكلمته ألقاها إلى مريم ). يعني: أرسل الله عز وجل بها جبريل إلى مريم , فنفخ جبريل في درع مريم بروح، نفخ فيها من روحه المخلوقة.( وكلمته ألقاها إلى مريم ). يعني: أن جبريل أرسله الله عز وجل إلى مريم فنفخ في درعها -فتحة الجيب- كلمة كن, وهذا النفخ من روح جبريل المخلوقة بإذن الله عز وجل.وقوله: ( وروح منه ). يعني: أن عيسى عليه الصلاة والسلام روح من أرواح الله المخلوقة.وقوله: ( منه ) هذه اللفظة هي التي ضل بها النصارى, فالنصارى اعتقدوا أن عيسى عليه الصلاة والسلام في قوله: ( منه ) بأنها تبعيضية, فاعتقدوا أن عيسى عليه الصلاة والسلام فيه شيء من الله سبحانه وتعالى, فضل فيها النصارى.والصواب: أن (من) هذه ليست تبعيضية, وإنما هي ابتدائية, بمعنى: أن هذه الروح مبتدأة من الله إيجاداً وخلقاً, ونظير ذلك قول الله عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13]. فقوله: منه هنا هذه ابتدائية بيانية, يعني: أن هذه السموات والأرض إيجاداً وخلقاً مبتدأة من الله سبحانه وتعالى.قال: [( والجنة حق, والنار حق )]. الجنة هي: الدار التي أعدها الله لأوليائه في الآخرة, وهي مخلوقة موجودة الآن. والنار هي: الدار التي أعدها الله عز وجل لأعدائه في الآخرة، وهي مخلوقة موجودة الآن.
    معنى قوله: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)

    قال رحمه الله: ( أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ).قوله: ( أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ). هذا يحتمل معنيين:المعنى الأول: أن الله عز وجل أدخله الجنة وإن كان مقصراً وله ذنوب؛ لأن الموحد إذا مات على توحيده فإن مصيره إلى الجنة حتى وإن عذب. فالمعنى الأول: ( أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ). يعني: أن مصير الموحد هو الجنة حتى وإن كان عنده شيء من الذنوب.المعنى الثاني: أن قوله: ( أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ). يعني: أنه يدخل الجنة على حسب عمله، وكما أن النار دركات فإن الجنة درجات, كلما سابق المسلم إلى الأعمال الصالحة كلما ظفر بالدرجات العالية في الجنة: وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21].هذا الحديث دل على فضيلة التوحيد, وأن من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الله سبحانه وتعالى سيدخله الجنة حتى وإن عذب، إذا كان له شيء من الذنوب وحصل له شيء من العذاب فإن مصيره إلى الجنة، فهذا فيه بيان فضل التوحيد, وأن الموحد مصيره إلى الجنة.والله أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
    يتبــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــع

    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,273

    افتراضي

    شرح كتاب التوحيد [4]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    كلمة التوحيد هي الكلمة التي تنجي صاحبها يوم القيامة، فصاحبها في أمان من الخلود في النار، وهي أثقل شيء في الميزان، بل لو أن السموات السبع وعامرهن غير الله جل جلاله والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن كلمة التوحيد، ولو أن صاحبها يأتي يوم

    تابع فضل التوحيد وما يكفر به من الذنوب

    بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما في حديث عتبان : ( فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ).وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال موسى: يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ). رواه ابن حبان والحاكم وصححه.و للترمذي -وحسنه- عن أنس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة )].تقدم لنا حديث عبادة بن الصامت في فضل التوحيد وما ترجم له المؤلف من فضل التوحيد.ثم قال: (ولهما). أي: البخاري ومسلم في صحيحيهما, (في حديث عتبان ), يعني: عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه, مات في خلافة معاوية رضي الله تعالى عنه.(فإن الله حرم). يعني: منع (على النار من قال: لا اله إلا الله). النار: هي الدار التي أعدها الله لأعدائه في الآخرة.(من قال: لا إله إلا الله) تقدم.(يبتغي). يعني: يقصد (بذلك وجه الله). يعني: قال هذه الكلمة العظيمة مخلصاً لله عز وجل, لا يقصد رياء ولا سمعة ولا عرضاً من أعراض الدنيا الفانية.وجه الاستشهاد من هذا الحديث: أن هذا الحديث فيه فضل التوحيد, فإن من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه فإن الله عز وجل حرم عليه دخول النار.

    أقسام منع دخول النار بالنسبة للموحدين

    ودخول النار بالنسبة للموحدين ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: عدم دخولها بالكلية: يعني: من الموحدين من لا يدخل النار بالكلية -أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم ممن لا يدخلها-. فالقسم الأول: منع كلي من النار, وذلك بأن يموت على التوحيد ولا يموت على شيء من الكبائر.القسم الثاني: منع من دخول النار مقيد وليس منعاً كلياً, بأن يدخل النار ثم بعد ذلك يخرج منها, كما لو مات على شيء من كبائر الذنوب والمعاصي أو البدع أو الشرك الأصغر ونحو ذلك, فهذا تحت مشيئة الله وإرادته، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له, مع أنه سيأتينا أن الشرك الأصغر من العلماء من يرى أنه لا بد أن يعذب بالنار إذا مات عليه قبل أن يتوب.فأصبح منع دخول النار بالنسبة للموحدين ينقسم إلى قسمين:منع كلي: وذلك إذا مات ولم يكن على شيء من كبائر الذنوب أو البدع أو الشرك.ومنع جزئي: إذا كان عنده شيء من الشرك الأصغر أو البدع أو كبائر ذنوب, هذا تحت المشيئة إن شاء الله عز وجل أن يغفر له، وإن شاء أن يعذبه بقدر جنايته.

    ذكر بعض فوائد الحديث

    وأيضاً في هذا الحديث قوله: ( فإن الله حرم على النار من قال ) أنه لا بد من النطق باللسان, وأنه لا يكفي اعتقاد الجنان, وهذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة, قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان.وفي هذا أيضاً أن هذه الكلمة العظيمة -لا إله إلا الله- لا تنفع قائلها إلا إذا قالها مخلصاً لله عز وجل, أما إذا قالها غير مخلص فإنها لا تنفعه.وفي هذا أيضاً إثبات صفة الوجه لله عز وجل.

    شرح حديث موسى: (يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به .. )

    قال رحمه الله: (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال موسى عليه السلام: يا رب! علمني شيئا أذكرك وأدعوك به ). أذكرك يعني: أثني عليك وأحمدك به. وأدعوك يعني: أتوسل به إذا دعوتك.( قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري ), يعني: قوله: ( وعامرهن غيري ). يعني: من فيهن من العمار غير الله.( والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة ). يعني: وضعت هذه السماوات السبع وكذلك أيضاً ما فيهن من العمار إلا الله عز وجل, السماوات السبع وعمارهن إلا الله, والأرضين أيضًا السبع وما فيهن من العمار في كفة, ولا إله إلا الله في كفة قال: ( مالت بهن لا إله إلا الله ). رجحت بهن لا إله إلا الله، وهذا يدل على عظم هذه الكلمة العظيمة.ولا شك أن هذه الكلمة العظيمة هي كلمة التوحيد, وهي أوجب الواجبات, وهي التي من أجلها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب, وقام الصراع بين الحق والباطل.وهذا الحديث صححه الحاكم وغيره، وفيه ضعف.وجه الاستشهاد من هذا الحديث لما ترجم به المؤلف من فضل التوحيد: فضل هذه الكلمة العظيمة, وأن الله سبحانه وتعالى أرشد موسى لكي يذكره ويدعوه بهذه الكلمة العظيمة, فهو يثني على الله بهذه الكلمة العظيمة, وأيضاً يتوسل إلى الله عز وجل في دعائه بهذه الكلمة العظيمة.وفي هذا فضل التوحيد, ففيه دلالة لما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى, وأن هذه الكلمة العظيمة - يعني: التوحيد- ترجح بالسماوات ومن فيهن من العمار إلا الله, وترجح أيضاً بالأرضين وما فيهن أيضاً من العمار, وكذلك أيضاً من فضل التوحيد أن الله سبحانه وتعالى أرشد موسى إليه.

    شرح حديث: لو أتيتني بقراب الأرض خطايا

    قال رحمه الله: (و للترمذي -وحسنه- عن أنس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض ). قراب الأرض: ملؤها أو ما يقارب ملأها.( خطايا ). جمع خطيئة, وهي الذنب.( ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ). المغفرة في اللغة: الستر. وأما في الاصطلاح: فهي تجاوز الله عز وجل عن الخطايا والذنوب.في هذا الحديث فضل التوحيد, وهو مناسب لما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى, فإن الإنسان إذا جاء ولقي الله عز وجل وهو لا يشرك بالله عز وجل شيئاً فإنه يعطيه ما يقارب ملء الأرض مغفرة، مع أنه أتى بما يقارب ملء الأرض من الذنوب, ومع ذلك ما دام أنه لم يشرك بالله عز وجل آتاه الله ما يقارب ملء الأرض من المغفرة, وفي هذا فضل التوحيد, وهو ما ترجم به المؤلف رحمه الله تعالى.

    تحقيق التوحيد

    قال رحمه الله: [باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب].تحقيق التوحيد: هو تخليصه وتصفيته من الشرك والبدع. وتحقيق التوحيد يكون بثلاثة أمور:الأمر الأول مما يحصل به تحقيق التوحيد: أن لا يأتي بما ينافي التوحيد من أصله, وهو الشرك الأكبر.الأمر الثاني: أن لا يأتي بما ينافي كمال التوحيد, وهو الشرك الأصغر.الأمر الثالث: أن لا يأتي بما ينقص التوحيد, وهو البدع والإصرار على الذنوب, وكون الإنسان يذنب ويتوب إلى الله عز وجل هذا يغفر له بسبب توحيده, لكن كونه يصر على الذنب هذا مما ينقص عليه التوحيد.فحينئذ يحصل تحقيق التوحيد بهذه الأمور الثلاثة:الأمر الأول: أن لا يأتي بما ينافي التوحيد من أصله.الأمر الثاني: أن لا يأتي بما ينافي كمال التوحيد.الأمر الثالث: أن لا يأتي بما ينقص التوحيد.

    تفسير قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة..)

    قال رحمه الله: [وقول الله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120] ]. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120]. تقدم لنا أن الأمة تأتي على أوجه, تأتي بمعنى: الطائفة, وتأتي بمعنى: الإمام, وتأتي بمعنى: الزمن. والمراد هنا: الإمام, فإبراهيم عليه الصلاة والسلام كان أمة يعني: كان قدوة وإماماً في التوحيد والخير. قَانِتًا [النحل:120], القنوت: هو الدوام على الطاعة. قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [النحل:120]. الحنيف في اللغة: هو المائل المقبل على الله عز وجل المائل عن غيره. وقيل: إن المراد بالحنيف هنا: المائل عن الشرك. وقيل: بأنه المقبل على الله عز وجل المائل عن غيره.ويظهر أن هذا من قبيل الترادف. وَلَمْ يَكُ [النحل:120], يعني: أصلها يكن, وحذفت النون تخفيفاً. وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]. يعني: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يك من المشركين، لا بقلبه ولا بلسانه, ولا ببدنه.في قوله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]. في هذا الأمر بتحقيق التوحيد؛ لأن إبراهيم كان إماماً في التوحيد عليه الصلاة والسلام, فإبراهيم كان إماماً في تحقيق التوحيد. والمفسرون يذكرون قاعدة وهي: أن الله عز وجل إذا أثنى على عبد في القران بخير فإنه يطلب منا أمران:الأمر الأول: محبته.والأمر الثاني: الإقتداء به في هذا الأمر الذي استحق به الثناء من الله عز وجل.كما أن الله سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبد في القرآن بشر فإنه يطلب منا أمران:الأمر الأول: بغضه.والأمر الثاني: التجافي عن هذا العمل الذي استحق به الثناء بالشر من الله عز وجل.وهنا أثنى الله سبحانه وتعالى على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه كان أمة حنيفاً مائلاً عن الشرك, وهذا هو تحقيق التوحيد, وحينئذ يطلب منا أمران:الأمر الأول: أن نحب إبراهيم عليه الصلاة والسلام.الأمر الثاني: أن نقتدي بإبراهيم عليه الصلاة والسلام في تحقيق التوحيد في هذا الأمر الذي استحق به الثناء من الله عز وجل. وحينئذ مناسبة هذه الآية لما ترجم به المؤلف أن فيها الحث على تحقيق التوحيد.

    تفسير قوله تعالى: (والذين هم بربهم لا يشركون)

    قال: ( وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]). لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59] يعني: لا يعبدون معه غيره.وفي هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى ذكر من صفات المؤمنين أنهم لا يشركون بالله عز وجل, وهذا يشمل عدم الشرك الأصغر والأكبر, وهذا هو تحقيق التوحيد, إذا لم نشرك بالله لا شركاً أصغر ولا شركاً أكبر... إلى آخره فقد حققنا التوحيد.وتقدم لنا أن تحقيق التوحيد: أن لا يأتي بما ينافي أصل التوحيد أو ينافي كمال التوحيد أو بما ينقص التوحيد.وفي هذه الآية الثناء على المؤمنين بأنهم لا يشركون بالله، وكما تقدم في القاعدة: أن الله سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبد في القرآن بخير فإنه يطلب منا أمران, وحينئذ نتصف بصفات هؤلاء المؤمنين الذين هم لا يشركون بالله عز وجل شيئاً.والله أعلم.
    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,273

    افتراضي

    شرح كتاب التوحيد [4]
    - للشيخ : ( خالد بن علي المشيقح )


    من حقق التوحيد فإنه لا يدخل الجنة فقط بل يدخلها بغير حساب، وهذا من أعظم فضائل التوحيد. وتحقيق التوحيد يكون بعدم الإتيان بما ينقض أصله أو كماله، والبعد عما يخدشه، ومن عباد الله من يحققون الغاية القصوى من ذلك؛ فلا يطلبون الرقية مع أنها مباحة، ولا يكتوون، ول

    شرح حديث: (عرضت عليَّ الأمم ..)

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي . قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: ( لا رقية إلا من عين أو حمة ). قال: لقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عرضت علي الأمم، فرأيت النبي معه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً. وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة )].بوب المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب].وتقدم لنا أن تحقيق التوحيد يكون بثلاثة أمور: الأمر الأول: أن لا يأتي ما ينافي التوحيد من أصله، وهو الشرك الأكبر.والأمر الثاني: أن لا يأتي بما ينافي كمال التوحيد، وهو الشرك الأصغر.والأمر الثالث: أن لا يأتي بما ينقص التوحيد ويخدشه، وهو سائر البدع والذنوب والمعاصي.وذكرنا أن المراد بذلك: أن يصر عليها، أما إذا فعل شيء من ذلك وتاب فإن الله عز وجل يتوب عليه.وذكر المؤلف رحمه الله آيتين، ثم ذكر حديث سعيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأيضاً حديث الشعبي عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، قال: (عن حصين بن عبد الرحمن ) حصين بن عبد الرحمن تابعي جليل، توفي رحمه الله سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة.(قال: كنت عند سعيد بن جبير ) سعيد بن جبير أيضاً تابعي جليل، وهو من أجل تلامذة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وتوفي رحمه الله سنة خمس وتسعين للهجرة.(فقال: أيكم رأى الكوكب)؟ المقصود بالكوكب: النجم، وليس المراد هنا سقوط النجم؛ لأن النجم هذا كوكب عظيم، لكن المقصود: خروج شيء من الشهب التي ترمى بها الشياطين من النجم، يعني خروج شيء من الشهب، فقوله: (الكوكب). ليس المقصود بذلك سقوط النجم، وإنما المقصود: خروج شيء من الشهب التي ترمى بها الشياطين.قال: (انقض) يعني: سقط. قال: (البارحة). البارحة: هي أقرب ليلة مضت، يقال قبل الزوال. يعني: قبل الزوال تقول: رأيت البارحة، وبعد الزوال تقول: رأيت الليلة.(فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة ولكني لدغت). قوله: (فقلت: أنا). ثم استدرك رحمه الله ذلك. قال: (ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة). فالذي قال: أنا هو حصين بن عبد الرحمن رحمه الله، وهذا هروباً من الرياء، لكي لا يحمد بما لا يفعل، فقال: أنا الذي رأيته، ولما قال: (أنا الذي رأيته) يحتمل أنه كان في صلاة، فلكي لا يحمد بما لا يفعل بين أنه لا يصلي، وإنما الذي حمله على أنه كان مستيقظاً أنه لدغ، وهذا من ورع السلف رحمهم الله.(فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أك في صلاة ولكني لدغت). أي: لدغته ذوات إحدى السموم.(قال: فما صنعت؟) قال له سعيد بن جبير : لما لدغت ما صنعت؟ قال: (ارتقيت) يعني: طلبت من يرقيني ويقرأ علي، وفي صحيح مسلم : استرقيت. يعني: طلبت من يرقيني. قال: (فما حملك على ذلك؟) يقول سعيد : ما الذي حملك على أن ترتقي؟ (قلت: حديث حدثناه الشعبي ). الشعبي اسمه عامر بن شراحيل ، توفي رحمه الله سنة ثلاث ومائة للهجرة، وهو تابعي جليل.(حديث حدثناه الشعبي قال: (وما حدثكم؟) يقول سعيد : ما حدثكم؟ (قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: ( لا رقية ) أي: لا قراءة. ( إلا من عين أو حمة ) قوله: ( من عين ) يعني: إصابة العائن غيره بعينه.( أو حمة ) الحمة هي ذوات السموم، يعني: لدغة إحدى ذوات السموم.(قال) يعني: قال سعيد بن جبير : (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع). يعني: من فعل ما بلغه من العلم أحسن؛ لأنه على نور وعلى طريق، لكن سعيد أراد أن يبين له الأكمل من فعل حصين .قال: (ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( عرضت علي الأمم ) الذي عرضها الله عز وجل، والأمم: جمع أمة، وهي الطائفة من الناس، والمراد: أمم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.( فرأيت النبي ومعه الرهط ) دون العشرة، يعني: هذا النبي الذي أرسله الله عز وجل بالآيات البينات لا يتبعه إلا أقل من عشرة.( والنبي ومعه الرجل والرجلان ) يعني: النبي معه الرجل أو الرجلان، يعني لا يأتي إلا ومعه رجل أو رجلان فقط.( والنبي وليس معه أحد ) لكن بعث حجةً على قومه، لا يتبعه أحد.( إذ رفع لي سواد عظيم ) أي: أشخاص كثيرون، من كثرتهم كأنهم سواد.( فظننت أنهم أمتي ) لكثرتهم.( فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم ) يعني: أشخاص كثيرون، من كثرتهم كأنهم سواد.( فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) يعني: لا يحاسبون ولا يعذبون في قبورهم ولا يوم القيامة.( ثم نهض -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- فدخل منزله، فخاض الناس -اختلف الناس- في أولئك: ) من هم هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وعددهم سبعون ألفاً؟( فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ). قال بعض الصحابة: لعلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، وهذا يدل على فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم.( وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً ). ولدوا في الإسلام، يعني: لم يولدوا في زمن الشرك، وإنما ولدوا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فاستمروا على الإسلام؛ لأن من ولد في زمن الشرك يكون مشركاً على دين أبويه، لكن إذا ولد بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكون مسلماً على دين أبويه.( فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء ) يعني: ذكروا غير هذا.( فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ) يعني: لا يطلبون من يرقيهم، ( ولا يكتوون ) يعني: لا يتعالجون بالكي. ( ولا يتطيرون ). التطير: هو التشاؤم، وأما في الاصطلاح: فهو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، وسيأتينا باب مستقل سيعقده المؤلف رحمه الله.( وعلى ربهم يتوكلون ). التوكل في اللغة: الاعتماد، وأما في الاصطلاح: فهو الاعتماد على الله عز وجل في جلب النفع ودفع الضر مع فعل الأسباب، وسيأتي أن المؤلف رحمه الله تعالى سيعقد باباً مستقلاً للتوكل.( فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم ).عكاشة سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله عز وجل له أن يجعله من هؤلاء السبعين ألفاً، وفي هذا فضيلة عكاشة ، حيث إنه من الذين يتوكلون على الله عز وجل، وأنهم من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.قال: ( أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة ).هذا الرجل لم يدع له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعض العلماء: إنه كان من المنافقين، وقال بعض العلماء: ليس من المنافقين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الرجل لا تتوفر فيه صفات هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.وفي هذا الحديث فضيلة تحقيق التوحيد؛ لأن هؤلاء الذين لا يسترقون -يعني: لا يطلبون من أحد أن يرقيهم-، ولا يكتوون -لا يتعالجون بالكي- ولا يتطيرون -لا يتشاءمون-، ويتوكلون على الله عز وجل -يعتمدون على الله عز وجل بجلب النفع، ودفع الضر، مع فعل الأسباب- قد حققوا التوحيد، ومن حقق التوحيد وكان بهذه المنزلة فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ففي هذا فضيلة تحقيق التوحيد، وأن من اتصف بهذه الصفات فإنه يكون محققاً للتوحيد، وإنه حينئذ يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    ذكر كلام العلماء في حكم الرقية والكي والتطير

    هذا الحديث اشتمل على فوائد كثيرة، لكن مما يعنينا فيما يتعلق بالتوحيد أن طلب الرقية مما ينافي التوكل، يعني: كون الإنسان يطلب من غيره أن يرقيه هذا مما ينافي التوكل، وفرق بين طلب الرقية وبين أن يرقيك شخص بلا طلب، فإذا رقاك شخص بلا طلب فإن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، ومع ذلك رقاه جبريل ورقته عائشة رضي الله تعالى عنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه، ويجمع يديه وينفث بالمعوذات وسورة الإخلاص، ويمسح ما استطاع من بدنه.فنقول: ما يتعلق بطلب الرقية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يسترقون ). هذا اختلف فيه العلماء رحمهم الله كثيراً، لكن أحسن شيء ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن قوله: ( لا يسترقون ). معنى: أنهم لا يطلبون الرقية من غيرهم، وأن طلب الرقية منافٍ للكمال، لكن لو رقاك شخص بلا طلب فإن هذا جائز ولا بأس به. وكذلك قال أيضاً: ( ولا يكتوون ) المعالجة بالكي، وهذا أيضاً مكروه، وهو مما ينافي التوكل.أيضاً مما ينافي التوكل التشاؤم، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالتشاؤم، وأن الإنسان إذا رأى ما يكره أو سمع ما يكره فإنه لا يخلو من أقسام: القسم الأول: إذا سمع ما يكره، خرج لعمل من الأعمال، لسفر، ورأى صاحب عاهة، أو رأى حادثاً، أو سمع كلمةً غير طيبة، فتشاءم ورجع، هذا شرك أصغر، وإن اعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله عز وجل فهو شرك أكبر، هذا القسم الأول.القسم الثاني: أن يمضي وفي قلبه شيء من القلق، هذا ليس شركاً، لكن فيه نقص في التوحيد، والكمال أن لا يكون هناك شيء من القلق.القسم الثالث: أن يمضي وليس في قلبه شيء من القلق، فقلبه مستريح، لم يلتفت إلى شيء من هذه الأشياء، فهذا هو التوحيد، وهذا هو الكمال؛ لأن كون الإنسان يعلق قلبه بمثل هذه الأشياء علق قلبه بأمر لا حقيقة له.وقوله: ( يتوكلون ) هذا سيأتينا إن شاء الله فيه باب مستقل، وسنذكر فيه أقسام التوكل.الشرك الأكبر والشرك الأصغر سيأتينا إن شاء الله.
    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •