مقدمات في العلوم الشرعية للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي
النتائج 1 إلى 4 من 4
1اعجابات
  • 1 Post By ابو وليد البحيرى

الموضوع: مقدمات في العلوم الشرعية للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,273

    افتراضي مقدمات في العلوم الشرعية للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

    مقدمات في العلوم الشرعية [1]
    - للشيخ : ( محمد الحسن الددو الشنقيطي )

    لقد أعلى الله منزلة العلم ومنزلة أهله وشرفهم، وأخبر أنهم وحدهم هم الذين يخشونه حق خشيته وأنهم وحدهم المؤهلون للتلقي عنه وفهم كلامه، وطلبه عبادة من أفضل العبادات، ويشترط للوصول للعلم سبعة شروط: التغرب، والتواضع، والورع، والجوع، وإدراك أهمية العلم، ومعصية الهوى، والعمل به.
    فضل العلم والعلماء
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.أما بعد:فإن الله سبحانه وتعالى هو العليم الخبير، والعلم كله من عنده فهو أعلم، وقد أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للناس ليعلموهم ما هم بحاجة إليه مما يصلح دينهم ودنياهم، فأنزل عليهم الكتب المتضمنة لما يحتاجه الناس من العلم، وهذا الذي أنزل إلى الناس لا يساوي إلا شيئاً يسيراً من علمه سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال في خطابه للناس: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85].فعلى كثرة ما أنزل من العلم وتشعبه واستكثار الناس له وتوسعهم فيه لا ينقص شيئاً من علم الله سبحانه وتعالى ولا يساوي أي شيء منه.وهذا العلم الذي أنزله لم ينزله ليكون ميدان مجاراة ومنافسة بين الناس، ولا ليكون كذلك مما يتزين به المتزينون ويفتخر به المفتخرون، ولم ينزله كذلك ليكون ملهاة للأوقات ومشغلة للنفوس، وإنما أنزله ليعمل به، فكل علم لا يترتب عليه عمل فالأصل أنه لا نفع فيه، ولا ينبغي أن يشتغل به العاقل؛ لأن العمر قصير، ووقت الإنسان أثمن من أن يضيعه فيما لا يصحبه عمل؛ لأن الذي يوزن يوم القيامة هو الأعمال لا العلوم، فالميزان يوم القيامة إنما توضع فيه الأعمال سواءً كانت صالحة أم سيئة وتوزن بمقاييس الذر، وإذا رأى الناس ذلك فإن ذلك اليوم الذي توزن فيه الأعمال يجعل الولدان شيباً، عندما يروون وزن الأعمال بمقاييس الذر فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8].وقد أعلى الله سبحانه وتعالى منزلة هذا الإنسان فجعله مدعاة للرفع في الدنيا والآخرة؛ ولذلك فإن منزلة أهل العلم عند الله سبحانه وتعالى عالية، فقد أشهدهم على أعظم شهادة بعد أن شهد بها وأشهد بها ملائكته وقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18].وأخبر أنهم وحدهم هم الذين يخشونه حق خشيته فقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وحكم لصالحهم على من سواهم في قوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9].وأخبر أنهم وحدهم هم المؤهلون للتلقي عنه وفهم كلامه، فقال تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43].وأخبر أنه يرفعهم درجات في الدنيا والآخرة فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].وقد نوه الرسول صلى الله عليه وسلم بمكانتهم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( العلماء ورثة الأنبياء )، وصح عنه أنه قال: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، وصح عنه من حديث عثمان في صحيح البخاري أنه قال: ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ).وكذلك ضرب المثل للمتعلم المعلم وللمتعلم الذي لا يستطيع أن يعلم وللمعرض بما أخرجه البخاري من حديث أبي موسى: ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضاً ).وبين صلى الله عليه وسلم أن هذا العلم لا ينال إلا بالتعلم فيما أخرج عنه البخاري تعليقاً ووصله ابن أبي عاصم في كتاب السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم ).وقد بين صلى الله عليه وسلم أن الله يختار لهذا العلم أقواماً من كل أهل زمان فهم شهوده الذين يشهدون على أهل زمانهم، وهم عدوله الذين يحملون وحيه، ولم يكن الله ليجعل وحيه بدار هوان، فهذا الوحي هو خيرة ما في هذه الأرض، ولم يكن الله ليختار عليه أمناء أهل تفريط لا يصلحون لهذا المستوى، بل يختار من الناس خيرهم لهذا الوحي الذي هو خير من في الأرض. ومن اختاره الله لأن يكون من أمنائه على وحيه فقد شرفه تشريفاً عظيماً؛ ولذلك ذكر البخاري عن بعض السلف أنهم كانوا يقولون: (ما ينبغي لمن معه شيئاً من هذا العلم أن يضيع نفسه)، والمقصود بتضييع نفسه أمور متعددة منها: أن لا يعمل بعلمه؛ لأن ذلك الضياع في الدنيا والآخرة.ومنها: أن يتذلل للآخرين، وأن يكون خادماً لهم فيسلبه لذلك مكانته وعلمه.ومنها: أن يعتزل الناس ويدع تعليم العلم الذي اؤتمن عليه، فهذا تضييع لنفسه وما عنده من العلم.وأمانة الله سبحانه وتعالى قد أخذ العهد والميثاق على من أتمنه عليها أن يبلغ ما أؤتمن عليه، وذلك الوعيد الشديد في حق من لم يفعل وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187]، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن من كتم علماً ألجم يوم القيامة بلجام من نار ).وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغه، فقد صح عنه في الصحيحين أنه قال: ( بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج )، وصح عنه صلى الله عليه وسلم كذلك أنه قال: ( ليبلغ الشاهد منكم الغائب ورب مبلغ أوعى من سامع )، وصح عنه صلى الله عليه وسلم فيما أخرج أصحاب السنن من حديث ابن مسعود وذكر السيوطي وغيره من المتواترات أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ).ومن استطاع أن يلتحق بهذا الركب وأن يسلك هذا الطريق فلم يفعل ذلك فهو أخسر الناس صفقة؛ لأنه مكن له في خير ما في الأرض فاشتغل بما دونه، وقد قال الله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُو نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61]، فخير ما في الأرض هو هذا الوحي المنزل من عند الله، ومن استطاع أن يكون من أهله وأن يكون من أمناء الله عليه ففرط في ذلك فقد خسر الصفقة؛ ولذلك فهو يغني عن ما سواه ولا يغني عنه ما سواه، فمن اشتغل بجمع العلم وخدمته فإن الله تكفل له بما يكفيه في الدنيا، وقد جاء في الحديث: ( إن لله تكفل لطالب العلم برزقه ).وهو كذلك عبادة لله، هو عبادة لله حتى لو لم يعمل به الإنسان إذا نوى العمل به وحفظه على الناس؛ ولذلك سئل أبو عبد الله مالك بن أنس عن المقرب للقتل الذي لم يبق من عمره إلا ساعة في أي عبادة يصرفها؟ قال: علم يتعلمه، قيل: يا أبا عبد الله! إنه لا يعمل به، قال: تعلمه أفضل من العمل به.وقال الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمه الله: (طلب العلم أفضل من صلاة النافلة) فكان يرى أن اشتغال المشتغلين بالعلم خير من اشتغال القائمين الذين يقومون الليل كله.ولهذا قال السيوطي رحمه الله في الكوكب الساطع:والعلم خير من صلاة النافلةفقد غدا الله برزق كافلهوقد أخرج البيهقي في السنن، وأبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد، والحافظ البغدادي في شرف أصحاب الحديث من أحد عشر طريقاً وذكر عن الإمام أحمد تصحيحه من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ).لكن هذا العلم الذي ذكرنا مزيته وشرفه ليس كل من اشتغل به أو أحرز بعضه ينال هذه المنزلة أو هذا الشرف، بل لابد لذلك من منهجية ومن طريقة تكون متزنة يوازن فيها الإنسان بين العلم والعمل، ويوازن فيها كذلك بين أنواع العلوم ومقاصدها ووسائلها، ويوازن فيها كذلك بين النتائج التي يتوخاها، والجهد الذي يبذله، فالتوازن مطلوب شرعاً في كل الأمور والاعتدال مطلوب فيها، والغلو في العلم بأن يكون الإنسان لا بغية له ولا هم إلا الاشتغال بتتبع شوارد العلم ونوادره هذا يجعل الإنسان غير متزن ولا بد أن يصاب بغلو والذي يصاب بالغلو فقد اتبع خطوة من خطوات الشيطان، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21].وكذلك من أعرض عن هذا العلم أو رأى غيره أفضل منه كالذي يشتغل بالدعوة عن العلم ويهمل العلم بالكلية، أو يشتغل بجمع المال عن العلم، ويكتفي منه بأقل القليل، فهذا أيضاً لديه تفريط والتفريط أيضاً من خطوات الشيطان وهو ضد الإفراط السابق.وكذلك من اشتغل بعلم واحد من العلوم وركز اهتمامه كله بذلك العلم فسيصاب بإفراط فيه والتفريط فيما سواه، وسيفقد التوازن؛ لأن العلم كله من عند الله وبعضه يكمل بعضاً ويتممه؛ ولهذا فإن جناية المناهج في زماننا هذا على العلم هي بالتخصصات التي جعلت الإنسان يدرس جزئية واحدة يتعمق فيها ويهمل ما سواها فيكون بليداً في الأمور الأخرى التي هي من شروط الإنتاج لذلك الشكل الذي يشتغل به، فإذا لم يأت بالشرط لا يمكن أن يأتي بالمشروط.وكذلك فإن من ما يحذر منه في هذا الباب أن كثيراً من الناس لا يأخذ في العلم الأدوات والشروط فيريد أن يكون عالماً وأن يقفز المسافات، ويسلك لذلك سبلاً غير موصلة إليه.
    شروط طلب العلم
    فالعلم يشترط للوصول إليه كما لدى أهل العلم سبعة شروط:
    الشرط الأول: التغرب
    الشرط الأول: التغرب له، والمقصود بذلك أن يغترب الإنسان للعلم، وأن لا يكون مشغولاً بتدبير أمور الأهل والمعاش، فالذي هو بين أهله سيشغل بقضاياه وسيجد لنفسه مكانة وسؤددا يمنعه من التلقي؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب كما أخرج عنه البخاري في الصحيح: (تعلموا قبل أن تسودوا)، فالذي هو سيد في مكانه لا يستطيع أن يتواضع للعلم، ولذلك لابد أن ينفرد الإنسان عن أهله حتى ينال هذا العلم.وأصل ذلك أن الله سبحانه وتعالى قص علينا قصة موسى في طلبه للعلم حين ذهب إلى الخضر، فذكر أنه ما نال هذا العلم حتى قال: حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [الكهف:60]، فخرج من رئاسته لبني إسرائيل وقيادته لهم لجمع هذا العلم.وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فلم ينل هذا العلم حتى حبب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار حراء فيتحنث فيه وهو تعبد الليالي ذوات العدد، ويرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق فجاءه الملك وهو بغار حراء.والغربة تحقيقها في زماننا هذا يمكن أن تكون بالغربة الحقيقة ويمكن أن تكون بالغربة الشعورية، فالغربة الحقيقة هي أن يجد الإنسان وقتاً يختزله ويسرقه عن أهله وعمله ينفرد فيه فيخرج من مكانه كخرجتنا هذه، فهذا أولاً من ناحية التعبدية فيه خروج إلى الله سبحانه وتعالى، وترك لما خولنا وراء ظهورنا وتذكرة بذلك في الخروج إليه في الموت عندنا ينادي مناديه وبما هو أعظم من ذلك بالحشر والعرض عليه سبحانه وتعالى.وكذلك تصحيح النية في المنزل وما يمر به الإنسان من الحصى أو الرمل وذرات الأكسجين كلها تكتب في ميزانه حسناته إذا أخلص النية لله في ذلك.وكذلك دعاء الملائكة له: ( فإن الملائكة تبسط أجنحتها لطالب العلم رضاءً بما يصنع )، ( وأن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر ).وكذلك في هذا أن الإنسان يتذكر بهذا أنه قد اجتزأ جزءاً من وقته لأفضل عمل يقربه من الله سبحانه ويدنيه إليه فيرجع منصرفاً بزيادة إيمان وصقل قلب وزهادة في الدنيا وتخلص منها، وقد عرف قدر الدنيا التي هو فيها وعرف أنها لا تساوي عند الله شيئاً وأن أفضل ما فيها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم هو هذا العلم حيث قال: ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وإلا عالماً أو متعلماً ).فيعرف أن الشيء الملعون الذي لا خير فيه هو هذه الدنيا التي يتنافس الناس عليها، وأن الذي شرفه الله وفضله هو الوحي الذي أنزله والعلم الذي جاء من عنده فيجتزئ من وقته جزءاً لذلك، وقد قال أحد الحكماء:الأهل والجهل ساكناً في بلدفاصبر عن الأهل أو فاصبر على الثانيوتعرفون تاريخ هذه الأمة في الغربة، وكيف كانت الرحلة في طلب العلم من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا فقد كانوا يفدون إليه كحديث مالك بن الحويرث والشببة الذين معه، وكانوا بعد ذلك يفد بعضهم إلى بعض كحديث عبد الله بن أنيس الذي سافر شهراً من أجل حديث واحد، وأنس بن مالك الذي سافر شهراً من أجل حديث واحد، وجابر بن عبد الله الذي سافر شهراً من أجل حديث واحد، وغير هؤلاء من الصحابة الذين سافروا من أجل حديث واحد.كذلك فإن من بعدهم من التابعين اشتهرت فيهم الرحلة لطلب العلم وأكثروا منها، وكذلك اتباعهم من بعدهم والقرون المزكاة كلها ملأ بذلك، فهذا أحمد بن حنبل رحمة الله عليه يقول: (ما بقيت من الدنيا حاضرة اشتهر فيها الحديث إلا دخلتها)، كل حاضرة من حواضر الدنيا اشتهر أن فيها حديث، ناس يشتغلون بالحديث دخلها.وهذا البخاري يذهب من نيسابور متجهاً إلى اليمن للرواية عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني مع أن كل حديث عبد الرزاق قد وصل إلى البخاري بنزول فذهب يقصده فلما وصل مكة قيل له: مات عبد الرزاق، فكر راجعاً إلى البصرة فلما وصلها قيل: إن عبد الرزاق حي باليمن، فرجع حتى وصل مكة فأتاه من نعى له عبد الرزاق.وكذلك فإن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين سافرا من بغداد إلى صنعاء على أرجلهما لا يركبان شيئاً، على أرجلهما مشياً في طلب العلم، وعدد كبير من أهل العلم كذلك فعلوا، فهذا سحنون يخرج من القيروان إلى المدينة على رجليه لطلب العلم فيجلس بمصر ثلاث سنين يروي فيها عن ابن القاسم ما رواه عن مالك خلال عشرين سنة، فعندما أتى ابن القاسم قال له: أنا فقير لا أملك شيئاً وأهل بلدي بحاجة إليَّ ووقتي ضيق، وقد افترض الله عليَّ الحج وأنا قاصد الحج حج هذا البيت، فأريد أن تعطيني جزءاً من وقتك أختص به عن طلاب العلم، فأريد أن آخذ ما أخذته خلال عشرين سنة في أقل من ذلك، فخصص له وقتاً، فأكمل الرواية عنه في ثلاث سنين.وكذلك عدد ممن بعدهم من الذين بذلوا الجهد العجيب في جمع هذا الحديث ومن مشاهرهم مثلاً: أبو زرعة الرازي وبعده الإمام الدارقطني وبعده الحافظ أبو نعيم، فهؤلاء من الذين بذلوا الجهد في سبيل جمع الحديث، وأحرزوا منه مالم يحرزه أحد بالعصور المشهورة.واشتهر بعد هؤلاء الخطيب البغدادي وأبو عمر بن عبد البر، فهذا حافظ المشرق والآخر حافظ المغرب، وتوفيا في سنة واحدة، وقد جمعا بطول الرحلة من العلم الشيء الكثير، فهذا أبو عمر يجلس ثلاثين سنة في تأليف التمهيد وحده، يقول فيه:سمير فؤادي مذ ثلاثين حجةوكاشف همي والمنفس عن كربيجمعت لهم فيه كلام نبيهمومع ذلك نجد أن كثيراً من الناس اليوم يزعجون ويضجرون من أجل أوقات يسيرة يمكثها أحدهم في طلب العلم كجلسة واحدة في الأسبوع أو نحو ذلك، ويظنون الوقت طويلاً ومضى عليه سنوات، هل أنفقت هذه السنوات في طلب العلم، ما أنفقت، لقد كانت جلسة واحدة في الأسبوع تتقطع، بينما أعمار أولئك السالفين كانت هكذا كتاب واحد خلال ثلاثين سنة.وعندما أتى الأوزاعي وزملائه إلى مالك بن أنس وقد حفظ الموطأ يريدون سماعه منه سمعوه خلال أربعين يوماً فقال: قلما تفقهون فيه، كتاب ألفته في أربعين سنة تأخذونه في أربعين يوماً! وهو يخاطب الإمام الأوزاعي الذي مات قبله مات قبل مالك، فعد من الطبقة السابقة عليه لموته قبله، لكنه روى عنه الموطأ.أما العزلة الثانية وهي: عزلة الشعور، فهي: أن يحاول الإنسان وهو في منزله وفي بيته أن يقتطع جزءاً من الوقت للعلم ويجعله من أولوياته ويحاول أن يخصص له أشرف أوقاته وخيرها مثلما يفعل ذلك في العبادة وفي ورد المحاسبة، فهذه ثلاثة أمور وهي تغذية الروح التي لا يستغني عنها أحد في حياته:الأولى: ساعة الخلوة التي يتعبد فيها لله سبحانه وتعالى ولا يطلع عليه إلا علام الغيوب يحاول فيها أن يعبد الله والناس نيام بما تيسر حتى لو كانت دقائق معدودة يتذكر أنه في هذه الدقائق يشارك جبريل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش في عبادة الله، وأنه بذلك ينفرد بربه ولا يطلع عليه سواه، وهذه يقطع بها الإنسان مراحل إيمانيه عجيبة إنما يحس بالصمت من حوله يحيط به من كل جانب، ويعلم أن الله مطلع على سريرة قلبه، وأنه يتعبد له الآن ويعبده بما يعبده به عباده الصالحون وينفرد له ويخلص له، فهذا مقام عال.الثانية: ساعة المحاسبة التي يحاسب فيها الإنسان نفسه على ما مضى من وقته فيحاسب نفسه في كل أربع وعشرين ساعة يجعلها عمراً كاملاً فرأس المال ما آتاه الله من النعم من الإيمان والعلم والقوة، قوة الجوارح وقوة العقل والمعافاة في الأهل والسرب وغير ذلك، وما خطط لأن يعمله خلال أربعاً وعشرين ساعة، فيحاسب نفسه على ذلك، وينظر ما فرط فيه من جنب الله وما اقترفه وما استعان بنعمة الله فيه على معصيته فيبادر بتوبة منه ويستحيي من الله حين استعمل نعمته في معصيته.وما أداه من الطاعات فليعلم أنه بفضل الله ورحمته وتوفيقه ومنه وتشريفه شرفه به وخصه به من بين من سواه فيحمد الله عليه ويشكره ويتذكر نعمته ولا ينسيه ولا يغفله عن ذكرها أي شيء؛ لأن نعمة الله لابد أن تذكر، وكثيراً من الناس يتناسون نعمة التوفيق للعبادة فقد قال الله عنه تعالى في حال من ارتضاه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]، فليتذكر الإنسان هذه النعمة وليشكرها وليحاسب نفسه على وقته وعلى خطته اليومية التي أعدها، فلينظر ما قصر فيه ولينظر سبب ذلك.وقد كان كثيراً من السلف لشدة مراقبتهم لأنفسهم يعرفون وجه الخطأ من أين دخل عليهم الخطأ، يقول أحدهم: إن اللقمة الواحدة يصدأ لها قلبي وأمكث زماناً وأنا أعالجه، اللقمة الواحدة مما لا يتحقق حله يصدأ لها القلب ويتسخ ويجد أوهاماً وظنوناً وشكوكاً وكثير من الاشتغالات في صلاته وغير ذلك، فيشتغل زماناً بعلاجها، لكنهم صفت خواطرهم وصحت نفوسهم فعرفوا تشخيص الأمراض، ونحن كثرت علينا الأمراض والأعراض حتى تكاثرت الضباع على خراش فما يدري خراش ما يصيد لم نعد ندري من أين أتينا ولا من أين وقع الخلل في تربيتنا وحياتنا.الثالثة: ساعة العلم، وهي التي نريد، وينبغي أن يختار لها الإنسان الوقت الذي يجد فيه صفاءً في الذهن وراحة في البال وراحة في البدن وعدم نعاس وعدم انشغال وأفضل ذلك ما كان من آخر الليل أو أول النهار في الصباح وهو الوقت المبارك الذي بورك لهذه الأمة فيه ( اللهم بارك لأمتي في بكورها )، يحاول الإنسان أن يستغل ربع ساعة يومياً أو نحو ذلك فيما يزيده علماً، وإذا استطاع أن يجعل لنفسه برنامجاً من خلال تجاربه ومن خلال استشارة إخوانه وتجاربهم أو أن تتعاون مجموعة منهم على ذلك فهذا أفضل، وما استطاع غير هذه الساعة أن ينفقه وأن يأخذه من وقته لطلب العلم فهو خير له وأفضل.
    الشرط الثاني: التواضع
    الشرط الثاني: التواضع، فالعلم بضاعة غالية ومن أحرز بضاعة غالية وعرف حاجة الناس إليها وأيضاً تذكر الثمن أنفقه للحصول عليها، تذكر السهر الذي كان يسهره، والتعب الذي كان يتعبه من أجل الحصول عليها، والمشاق والمخاطر التي تجشمها من أجل الوصل إليها لا يمكن أن يسلمها إلا لمن يتواضع لها؛ فلذلك يحتاج طالب العلم إلى التواضع غاية حتى ينال مراده، وأصل ذلك قصة موسى مع الخضر فإنه قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف:66]، قال: (هل أتبعك) ولم يقل: سأتبعك، (على أن تعلمني) فجعل نفسه طالباً يعلم، (مما علمت) أي: بعض ما علمته، هو لم يرد أن يأخذ كل ما لديه وهذا غاية التواضع.والإنسا محتاج إلى هذا التواضع دائماً، ( ومن تواضع لله رفعه )، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ( إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد )، والتواضع دليل على شرف النفس بخلاف التكبر فهو دليل على القرب من إبليس فإن أصل الكبر منه هو الذي قال: ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )، وكلما تواضع الإنسان كلما ابتعد عن طريق إبليس.
    الشرط الثالث: الورع
    الشرط الثالث: الورع، والإنسان محتاج إلى المبالغة فيه حتى يحرز العلم؛ لأن العلم نور نفور، فهو نور ينفر من الظلمة، والظلمة شرها ظلمة المعصية؛ فلذلك لا يمكن أن يستقر في قلب الفجرة من كان كافراً لا يبالي لا يمكن أن ينال نور العلم، قد يجري بعض العلم على لسانه لكن لا يتجاوز ترقوته كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوارج: ( فهم يقرأون القرآن لا يجاوز نحورهم ).فلهذا يحتاج إلى الزيادة في الورع حتى يحرز هذا العلم، والورع مطلوب على كل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما: ( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )، وقوله: ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله )، تنبيه على أن صلاح القلب وفساده إنما هو بقدر ما فيه من الورع فإذا ازداد الورع ازداد صلاح القلب وإذا نقص نقص صلاح القلب وزاد فساده.ويروى عن الشافعي رحمه الله أنه قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظيفأرشدني إلى ترك المعاصيوأخبرني بأن العلم نورونور الله لا يهدى لعاصيوأصل هذا أن من نقص ورعه اتبع هواه، ومن اتبع هواه قاده ذلك إلى خلاف العلم؛ لأن العلم جمعه شاق ومقتض لمخالفة الهوى؛ لأنه يقتضي من الإنسان السهر والتعب والنصب وكثيراً من المشقة والانعزال عن الشهوات فهو مخالف للهوى، وما كان مخالفاً للهوى فإنما يصبر عليه من كان ذا ورع؛ لأن من نقص ورعه لابد أن يكون من أتباع الشهوات.وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته يحض على الورع في المآكل والمشارب وغيرها، فقد صح في الصحيحين: ( أنه حين رأى الحسن بن علي وهو طفل أخذ تمرة من تمر الصدقة أمسك بفيه وجعل يقول: كخ كخ حتى رماها، فقال: إننا أهل البيت لا تحل لنا الصدقة )، تمرة وحدة استخرجها منه، وفي حديث أنس في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إني لأمر بالتمرة فأريد أن آكلها فأخشى أن تكون من تمر الصدقة فأتركها )، التمرة الواحدة يتورع عنها سيد البشر صلى الله عليه وسلم.وكذلك فيهما عن أبي بكر رضي الله عنه أن عبداً له أتاه بطعام على جوع فأكل منه أبو بكر فقال له العبد: أتدري من أين لي هذا؟ قال: لا. قال: كنت تكهنت لقوم في الجاهلية فرأوني فأهدوا إليَّ هذا الطعام، فأدخل أبو بكر أصبعه فما زال يقيء حتى قاء كل ما في بطنه تورعاً من ذلك.والورع كذلك يشمل كف الجوارح ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلاً، فمحاولة تأديب الجوارح حتى تكف عن ما حرم الله عليها داخل في الورع: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30].
    الشرط الرابع: الجوع
    الشرط الرابع: الجوع، فإن الإنسان إذا شبع دعاه ذلك إلى الميل إلى الدنيا والازدياد منها، وقديماً يقوم الحكماء: البطنة تذهب الفطنة، البطنة وهي: امتلاء البطن تذهب الفطنة فتنقص القريحة والذكاء، قال الشافعي: ما رأيت سميناً عاقلاً إلا محمد بن الحسن الشيباني.وأصل ذلك من القرآن قول الله تعالى في قصة موسى: قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً [الكهف:62]، فلم ينل هذا العلم حتى لقي من سفره نصباً وجوعاً، قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا [الكهف:62].وتعلمون أن أحفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لحديثه هو أبو هريرة رضي الله عنه، وذلك أنه كان من أشدهم فقراً وحاجة وكان يصرع من الجوع فيمر عليه الشخص في طريق المسجد فيطأ عنقه يظنه مجنوناً وما يصرع إلا من الجوع، فلم يشغله شيء عن حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحفظ الأمة له وهيأه الله لذلك.ويروى عن الشافعي رحمه الله أنه كان عندما أتت به أمه إلى مكة يقصد حلقات المسجد الحرام فيكتب عن المحدثين في المسجد كـسفيان بن عيينة وغيرهم، فكان يجمع حديثهم ويكتب عنهم حتى امتلأ عليه بيته من الرقاع التي كتب فيها فأغلق عليه بابه ولم يخرج حتى حفظ كل ما في البيت فخرج وهو في أشد مراتب الجوع لكنه خرج وقد حفظ كل ما في البيت فاستغنى بعد ذلك عن حمله.والجوع في الواقع معين على الحفظ، فالفقراء أحفظ ممن سواهم والأغنياء أقل الناس حفظاً، والحفظ وسيلة من وسائل العلم مهمة لابد منها؛ ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى تعهد لرسوله صلى الله عليه وسلم بحفظ القرآن له: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:16-19]. وكذلك فقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على الحفظ عنه وحض عمر بن الخطاب عن الحفظ فيما يتناقله الناس وقد قال الشافعي رحمه الله: الأدب أن تكتب أحسن ما سمعت، وأن تحفظ أحسن ما كتبت، وأن تحدث بأحسن ما حفظت، فجعله ثلاث مراتب: أولاً: أن تكتب أحسن ما سمعت.ثانياً: أن تحفظ أحسن ما كتبت.ثالثاً: أن تحدث بأحسن ما حفظت.فكل مرتبة يختار لها من التي فوقها، وقد قال رحمه الله: علمي معي حيثما يممت يتبعنيقلبي وعاء له لا جوف صندوقإن كنت في البيت كان العلم فيه معيأو كنت في السوق كان العلم في السوقويقول أبو محمد علي بن حزم الظاهري رحمه الله: فإن يحرقوا القرطاس لا يحرق الذيتضمنه القرطاس بل هو في صدرييسير معي حيث استقلت ركائبيويمكث إن أمكث ويدفن في قبريوقد كان العلماء يقولون: ليس بعلم ما حوى القمطرما العلم إلا ما حواه الصدر فالرفوف العريضة التي فيها الكثير من الكتب الملونة ليست بعلم إنما العلم ما حواه الصدر فقط؛ فلهذا يحتاج الإنسان إلى أدوات الحفظ وتقوية ذلك في ذهنه ليزيده هذا بصيرة ومهارة وجمعاً لشتات العلم وأطرافه ولا يتم ذلك إلا بالجوع في مرحلة الحفظ.والمقصود بذلك الاقتصاد في الأمر فلا يقصد به تعذيب النفس وتجويعها ولا التقلل من المطاعم بحيث يكون ذلك ضرراً على الإنسان ونقصاً لقوته أو وسيلة لمرضه، بل المقصود أن يقتصد الإنسان في ذلك وأن لا يجعل هذا أكبر همه وأن لا ينفق خيرة وقته على تحصيل طعامه ونحو ذلك، فلابد أن يكون خير الوقت هو ما ينفقه لجمع العلم.
    الشرط الخامس: إدراك أهمية العلم
    الشرط الخامس: إدراك أهمية العلم، وهو أن تهون على الإنسان نفسه في سبيل جمع العلم، فمن لم يدرك أهميه الشيء لا يمكن أن يشتغل به؛ لأن من جهل شيئاً عاداه؛ ولذلك تجدون أن كثيراً من الناس إذا ذاقوا طعم العلم انهمكوا فيه وأعجبهم حتى يعتبرهم كثيراً ممن سواهم ممن لم يذق طعم العلم أصحاب هوس قد أغرقوا في أمر كان ينبغي أن يتوسطوا فيه وأن لا يزيدوا، والواقع أنهم فقط ذاقوا هذا الطعم والآخرون لم يذوقوه، أو أنهم رأوا هذه البارقة ومن سواهم لم يراها، هذا الفرق؛ ولهذا فإن موسى عليه السلام هانت عليه نفسه في سبيل هذا العلم حتى ركب البحر في السفينة المخروقة في عرض البحر.وقديماً يقول أحد العلماء: قالت مسائل سحنون لقارئهالن تدرك العلم حتى تلعق الصبرالا يدرك العلم بطال ولا كسلولا ملول ولا من يألف البشرامسائل سحنون هي المدونة، وقد كان الناس يحفظونها مثلما يحفظون الفاتحة.قالت مسائل سحنون لقارئهالن تدرك العلم حتى تلعق الصبراأي: حتى تلعق المر شديد المرارة.لا يدرك العلم بطال ولا كسلولا ملول ولا من يألف البشرولكن مع ذلك فالصبر على التعب اليسير يؤدي بالإنسان بعد هذا إلى وصول المقامات التي لم يكن ليصلها من دون هذا كما قال الحكيم:ما أبيض وجه باكتساب كريمةحتى يسوده شحوب المطلبفإذا رأيت من أبيض وجهه بأي كريمة فأعلم أن ذلك قد سبقه تعب ونصب.
    الشرط السادس: معصية الهوى
    الشرط السادس: معصية الهوى، فالذي يتبع نفسه هواها لابد أن يصاب بالتمني والظنون والذي لا يتبع الهوى إذا مالت نفسه إلى أي أمر حاسبها عليه واتهمها فيه هذا الذي يستطيع جمع العلم؛ ولذلك فإن أبا عاصم النبيل عندما كان يسمع الحديث من شعبة جاءت الفيلة بأرض الكوفة بسواد العراق فخرج طلاب الحديث ينظرون إلى الفيلة، فقال شعبة لـأبي عاصم: ما لك لا تخرج إلى الفيلة؟ قال: ما جئت لأرى الفيلة إنما جئت لأكتب الحديث، فلقبه النبيل من أجل ذلك، واشتهر بأنه أبو عاصم النبيل.ويذكر السيوطي رحمه الله: أنه كانت له طاقة مطلة على النيل وكان الناس إذا سال النيل يأتون إليه من أراض قاصية لمشاهدة سيله، فمكث ستة عشر سنة لم يفتح الطاقة حتى يرى النيل كل سنة يسيل لاشتغاله بالعلم ستة عشر سنة؛ فلذلك لابد أن يحاول الإنسان عدم اتباع الهوى حتى في الأمور الجائزة لينال في مقابل ذلك علماً.
    الشرط السابع: العمل به
    الشرط السابع: العمل به، فإن العلم كما قال ابن عيينة ينادي بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.فمن لم يعمل بما علم كان حجة عليه ومن عمل بما علم رزقه الله علم مالم يعلمه، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً [الأنفال:29]، والفرقان هو: ما يميز الإنسان به بين الحق والباطل، وهو علم لدني من عند الله؛ ولهذا أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي جحيفة السوائي رضي الله عنه قال: ( قلنا لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم شيء تقرؤونه غير كتاب الله؟ فقال: والذي فطر النسمة وبرأ الحبة ما عندنا شيء نقرأه غير كتاب الله وما في هذه الصحيفة أو فهماً يرزقه الله رجلاً من عباده، فأخرج صحيفة من قراب سيفه فإذا فيها: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، والمدينة حرم ما بين عير إلى كذا من أحدث فيها حدثاً أو أوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، ومن تولى غير أبيه أو انتسب إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ) إلى آخر ما في الصحيفة، ومحل الاستشهاد من الحديث قول علي: ( أو فهماً يرزقه الله رجلاً من عباده )، فهذا الفهم هم العلم اللدني وهو الطرف الثاني من العلم، فالعلم ينقسم إلى قسمين إلى: علم بالجِد، وعلم بالجَد.فالعلم الذي بالجِد، أي: الذي ينال بالاجتهاد والبذل.وعلم بالجَد، أي: بالسعد يسعد الله به من شاء من عباده وهو نتيجة للأول، نتيجة للعمل.والأنوار الربانية والنفحات التي ينالها العباد كثيراً ما تسد مسداً عظيماً في مجال العلم وقد قال الله تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء:78-79]، فهذا التفهيم نفحة ربانية ونور إلهي قذفه الله في قلب سليمان ففهم به حكم الله.وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (اللهم إني أعوذ بك من معضلة لا أبو الحسنين لها ) وأبو الحسنين هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد كان يحل المعضلات.ومن قرأ سيرته رضي الله عنه عرف أن ما لديه من العلم كثير منه ليس من العلوم المكتسبة التي يصل إليها البشر بالجد والاجتهاد والطلب بل لابد أن يكون علماً لدنياً ربانياً ناشئاً عن العمل بما تعلم وعن زيادة الإيمان والتقوى والورع، فإنه رضي الله عنه كان على المنبر ذات يوم فقام رجل فقال: (هالك عن زوجة وأبوين وابنتين، فقال علي وقد كان في خطبة عينية قال: صار ثمنها تسعاً، وبداية خطبته: الحمد لله الذي يجزئ كل نفس بما تسعى وإليه المآب والرجعى، فسأل السائل عن هذا فقال: صار ثمنها تسعاً)، وعرفت من ذلك الوقت بالفريضة المنبرية، وبين فيها عول أربعة وعشرين إلى سبعة وعشرين، فالأربعة والعشرين هي الأصل الثالث من الأصول التي تعول وعولته واحدة فإنه يعول إلى سبع وعشرين فقط ولا يعول إلى ما سواها، ولم يعرف ذلك قبل هذا الموقف، لم يعرف ذلك في الإسلام قبل هذا الموقف، فجاء بهذه البديهة وبهذه السرعة فقال: صار ثمنها تسعاً.هذه الشروط السبعة نظمها أحد العلماء في بيت واحد فقال: له تغرب وتواضع واترعوجع وهن وأعص هواك واتبعأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمين.
    يتبــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــــع





    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,273

    افتراضي

    مقدمات في العلوم الشرعية [2]
    - للشيخ : ( محمد الحسن الددو الشنقيطي )


    ينبغي على الشخص أن يطور معلوماته حتى يستطيع أداءها كما يجب، ومن وسائل ذلك: نية أن يُعَلِّم ما تعلم، وأن يكون عالماً بأن الذي سيعلمه لابد أن يكون أقل مما تعلمه، ولا يؤدي إلى طلابه إلا جزء مما عنده وألا يتجاسر على شرح الموسوعات الكبيرة، وأن يعرف أن العلوم مترابطة متداخلة، وأن يتدرب على التدريس وأن يشتغل به لأنه ينسى، وأن يرتب العلوم حسب الأهمية، فالعلوم أنواع منها أصلية ومنها وسائل ومنها ما يدرك بالمطالعة ومنها لابد فيه من التلقي.
    أنواع العلوم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.أما بعد:فإن العلم دروبه كثيره ومن أعظمها: علم الخبرة؛ لأن العلم ينقسم إلى قسمين:علم تلقي.وعلم خبرة.فعلم التلقي معناه: ما يتلقاه الإنسان من غيره وهذا أنواع منه ما يستمعه فيتلقاه عن طريق الإذن، ومنه ما يتلق عن طريق الكتابة، ومنه ما يتلق عن طريق النظر والملاحظة فقط، فكل ذلك من علم التلقي.أما علم الخبرة وهو: علم الدربة فهو: ما يكتسبه الإنسان من التجارب ويستطيع به إيصال علمه إلى غيره، يستطيع به التعبير عما في صدره إلى غيره، فكم من شخص يحتوي صدره على كثير من العلوم لكنه عاجز عن التعبير عنها وكم من شخص هو ببغاء عرف العلم تلقيناً فيعيده كما أخذه: هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا [يوسف:65] وهذان الصنفان قاصران.والصنف الثالث أولى: وهو الذي يطور ويزيد ويحسن، وقد رأى رجل ثلاث حمامات ابتلعت إحداهن جوهرة فأخرجتها كما هي، وابتلعتها الأخرى فأخرجتها أكبر مما كانت، وابتلعتها الأخرى فأخرجتها أصغر مما كانت، فسأل محمد بن سيرين رحمه الله عن تفسير رؤياه، فقال: تجلس في مجلسي وفي مجلس قتادة وفي مجلس الحسن، وهؤلاء أئمة التابعين في البصرة إذ ذاك؟ فقال: نعم. فقال: الحمامة التي ابتلعت الجوهرة فأخرجتها أكبر مما كانت الحسن البصري، فإنه حفظ الحديث ويزيد فيه بذكائه وفطنته وفهمه، يزيده علماً.والتي أخرجتها كما هي. قتادة فقط حفظ الحديث ورواه كما هو دون زيادة ونقص.والتي أخرجتها أصغر مما كانت أنا. يقصد نفسه محمد بن سيرين، فقد حفظت الحديث لكني أتورع أن آتي بكله خشية أن أزيد فيه ما ليس منه.وعموماً فالذي يطور معلوماته ويستطيع أداءها كما يناسب لاشك أنه أولى وأكثر أجراً؛ لأنه يكتب له أجور من عمل بما علمه وأجور من وصل إليه شيء من علمه إلى قيام الساعة دون أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.وهذا هو الوجه الذي فضل منه السلف على الخلف، أن أجورهم لم تنقطع ولم تزل تزداد بحسب القرون، قال شيخي رحمه الله: وكل أجر حاصل للشهداأو غيرهم كالعلماء والزهداحصل للنبي مثله علىأجور ما كان النبي فعلامع مزيد عدد ليس يحدوليس يحصي عده إلا الأحدإذ كل مهتد وعامل إلىيوم الجزاء شيخه قد حصلاله من الأجر كأجر العاملومثل ذا من ناقص وكاملوشيخ شيخه له مثلاهوأربع لثالث تلاهوهكذا تضعيف كل مرتبة إلى رسول الله عالي المرتبةومن هنا يعلم تفضيل السلفوسبقهم في فضلهم على الخلففلذلك على الإنسان الذي يريد أن يتعلم أن يزيد مع ذلك نية أخرى وهي: أن يُعَلِّم ما تعلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ).
    وسائل تطوير التعلم

    ولا يتم ذلك إلا بعدة أمور وعدة وسائل أهمها:أولاً: نية ذلك في البداية، فالذي يدرس ليتعلم ويتفهم فقط سيتخفف من كثير من الأمور ولن يعتني بالدربة والخبرة؛ لأنه إنما يريد الفهم فقط في الأمر ويتجاوز ذلك.أما الذي يريد أن يتعلم ليعلم فيحرص على الهيئات والشروط والطرق وطرق أداء المعلومات، وطرق تطويرها، والجمع بينها وبين غيرها، وما يعرض لها من إشكالات، وإجابة تلك الإشكالات، ويطبق ذلك على واقع الناس ويأتي بالحلول لما يفكرون فيه ولما يعرض لهم من مشكلات ويستبطن نفوس الحاضرين والسامعين حتى يعرف من استوعب منهم الدرس ممن لم يستوعبه، وبهذا يستطيع أن يعيش معهم، أن يعيش مع الدرس وفي ظلاله.إذاً نية التعليم المصاحبة لنية التعلم أمر هام في هذا المجال.ثانياً: بعد هذا أن يكون الإنسان عالماً أن الذي سيعلمه لابد أن يكون أقل مما تعلمه، لا يؤدي إلى طلابه إلا جزء مما عنده؛ لأنه إذا نزح كل ما لديه لم يبق فيه شيء أصبح علبة فارغة، وبسبب ذلك سيختار مما لديه أسهله وألينه وأحكمه وهو الذي يقدمه ويحتفظ هو بمدد يمكن أن يطوره ويزيده؛ ولذلك يقول أهل العلم: العلم بحر وأوعيته كآنيته، آنية الماء يغترف بها ولا يمكن أن يكون إناء يغترف البحر كله؛ فلهذا يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم أكثر مما يعلم، الذي يريد أن يشرح كتاباً معيناً لابد أن يكون مطلعاً على كتاب أوسع منه في الفن الذي هو فيه فإذا لم تكن درست كتاباً أوسع من هذا فلن تستطيع تدريس هذا الكتاب، ومن هنا تسمعون كثيراً من البلهاء البلداء يتجاسرون على الموسوعات الكبرى والكتب العظيمة يريدون شرحها وهي آخر ما ألف في الفن مثلاً وكأنهم درسوا ما هو أوسع منها، والواقع خلاف ذلك.فتجد أحدهم يتجاسر مثلاً على شرح كتاب سيبويه كأنه درس أوسع منه في علم النحو، أو يتجاسر على تدريس الموافقات للشاطبي كأنه درس كثيراً من كتب الأصول حتى وصل إلى هذه الزبدة النادرة، وهكذا، ولن يصل إلى هذا المستوى إلا نوادر الناس الذين جمعوا بين المعقول والمنقول وأخذوا بالـدربة وجمعوا كثيراً من الفنون والعلوم؛ ولذلك رحم الله من عرف قدره وجلس دونه، والعرب يقولون: (أطرق كرى إن النعام في القرى)، فعلى الإنسان أن لا يتزبب قبل أن يتحصرم، يحاول أولاً أن يأتي بالقليل قبل الكثير؛ لذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79]، قال: كونوا علماء حكماء، وفي رواية: (الربانيون) هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، يحاول أن يأتي بالصغار قبل الكبار، ومن أجل هذا فمناهج أهل العلم في العلوم كلها أنهم جعلوا كتباً متدرجة، لاحظوا أن مؤلفاً واحداً يؤلف عدة كتب متفاوتة الأحجام متفاوتة المادة يقصد بذلك تفاوت درجات الطلب.فهذا ابن قدامة في الفقه الحنبلي وهو أبو هذ المذهب وجامعه الأكبر ألف مثلاً العمدة للصغار وفوقها المقنع وفوق ذلك الكافي وفوق ذلك المغني وكل كتاب ألف لمستوى من طلاب العلم، ومثل ذلك ابن هشام الأنصاري ألف في النحو قطر الندى للمبتدئين ثم فوقه شذور الذهب، ثم فوق ذلك إعراب الجمل وما يلحق بها، ثم فوق ذلك أوضح المسالك ثم فوق ذلك مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، فكل هذا بالتدريج، يتدرج فيه طالب العلم لئلا يأخذ العلم جزافاً غير مقصر.فكثير من الناس لا يدرك هذه التجزئة فيهجم على أكبر ما وجد من الكتب ويرى أن الكتب الصغيرة لا فائدة فيها وأنها ضياع وقت فيتعداها.ثالثاً: من وسائل الإنسان لهذا أن يعرف أن العلوم مترابطة متداخلة فالعلم كله بمثابة أجزاء البدن، فالدم الذي يضخ في المخ هو الدم الذي يضخ في الجسم نفس الدم دورة واحدة، ولذلك لابد أن يدرك الإنسان أسرار العلوم وترابطها، وليعلم الإنسان أنه لا يمكن أن يكون ماهراً بعلم من العلوم إلا إذا كان ملماً بالعلوم المكملة له.رابعاً: أن يعلم الذي يريد أن يكون مدرساً أن التدريس كما ذكرنا خبرة تحتاج إلى تدريب فليبدأ أولاً بالتدريس خالياً، يتصور أن عنده إنساناً يدرسه، يمتحن نفسه بذلك ويعرف هل هو قادر على الشرح أو لا، وهل هو قد استوعب الكتاب أو لم يستوعبه، أو استوعب الدرس الفلاني أو لم يستوعبه، فيدرس خالياً كما كان الأعمش رحمه الله يربط تيساً عنده فيدرسه فيقول: أفهمت. وقد اشتهر تيس الأعمش بذلك.وقد اشتهر هذا عن الإمام الدباس من أئمة الحنفية كان يغلق عليه مسجده فيراجع القواعد الفقهية وحده فجاء طالب وقد كان الدباس رحمه الله أعمى لا يبصر، فجاء رجل فعرف أنه إذا أغلق عليه الباب ردد شيئاً فأراد أن يسمعه فاختفى في زاوية من المسجد فسمعه يراجع القواعد الفقهية فذكر منها أربعاً وثلاثين قاعدة ثم جاءت سعلة فسعل فسكت الشيخ وقام إليه وضربه بعصاه وأخرجه من المسجد، لكنه قد سرق هذه القواعد فخرج بها.ثم بعد هذا يحاول التطبيق على أهله كالزوجة أو الأولاد، فقد طبق في نفسه وحينئذٍ يستطيع أن يطبق على الآدميين الذين ليس بينه وبينهم كلفة؛ لأن العلم يحتاج إلى تدريب ووقع، فهو بمثابة ما قال زياد بن أبيه: (إن ظهر المنبر كظهر الفرس يحتاج إلى أدب)، فالفرس أول ما يركب لا يمكن أن يركبه إلا الأقوياء، ولا يستطيع تأديبه وترويضه إلا من كان من المهرة فكذلك ظهر المنبر الذي يقف عليه ويكلم الناس لابد أن يكون مستعداً لذلك؛ ولهذا فإن الإنسان في بداية تدريسه أو بداية خطبته سيرتعد ويرتجف وينقطع شريط المعلومات من ذاكرته في كثير من الأحيان، بل قد روي عن القباع رحمه الله وهو من خطباء قريش المشاهير أنه وقف على المنبر خطيباً، فلما دخل الخطبة صاح في الناس يريد ماءً فيقول: اسقوني اسقوني، لهول هذا الموقف حين رأى العيون تنظر إليه.وقد اشتهر عدد من الخطباء الذين ارتج عليهم في بداية الأمر، فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما وقف على المنبر في أول خطبة يوجهها للناس تذكر أنه يقف في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسد للأمه مسده، فحمد الله وأثنى عليه ثم لم يستطع أن يأتي بكلمة، فسكت طويلاً والناس ينظرون إليه ثم استعبر، أي: بكى، وقال: (أنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال، ولئن بقيت لتأتينكم الخطب على وجهها وسيجعل الله بعد عسر يسرى، واستغفر ونزل) فكانت أبلغ خطبة.وكذلك فإن معاوية رضي الله عنه وقد كان حليماً حكيماً كان إذا أراد أن يخطب في أمر مهم يجلس ولا يقف على المنبر لهول الوقوف، وهو أول من خطب جالساً، من أولياته رضي الله عنه.ثم على الإنسان أن يعلم كذلك أن التعليم ينسى فمن لم يشتغل به كان كالرماية، فالرماية يتعب الإنسان في تعلمها فإذا أغفلها زماناً انتقصت مهارته بها، ومثل ذلك السباحة يتعلمها الإنسان فإذا أغفلها نسيها، والتعليم كذلك وقد جاء الوعيد الشديد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تعلم الرماية فأهملها ونسيها.فكذلك هذا العلم بمثابة الرماية إذا تعلمت التدريس فقد أصبح دربة لديك فحاول أن لا تنقطع عنه لوجه من الوجوه؛ ولهذا فإن كثيراً من أهل العلم كانوا إذا سجنوا حاولوا أن يدرسوا من وراء السجن، فهذا السرخسي سجن في بئر فكان الطلاب يجتمعون حتى يصل إليهم صوته فأملى عليهم كتابه المبسوط بطوله من قعر بئر إملاءً.كذلك عليه في بداية تدريسه أن يعلم أن الطالب هو محور العملية، وأن لا يثقل ذهنه بما لا يفهمه وبما لا يصل إليه، وليعلم أن الأمر سيأتي بالتدريس فلا يحاول أن تكون نهايته هو هي بداية الطالب، بل يتذكر بدايته هو ويحاول أن يسير الطالب على ذلك الطريق، كثير من الناس يحال أن يأتيك بالزبدة والنهاية نهاية ما وصل إليه فيجعلها بدايتك أنت وهذا أمر لا تصل إليه إلا بعناء ومشقة؛ ولذلك فإن في الأثر: (حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله، وما أنت بمحدث قوماً بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم)، فلذلك على الإنسان أن يحاول أن يتدرج بطلابه وأن لا يقفز بهم قفزات كما يفعله كثيراً من الناس فيؤدي ذلك إلى انفصام في شخصياتهم وتعالم من لديهم، يتعالمون ويظنون أنهم قد وصلوا إلى أعلى المستويات وهم ما زالوا في بداية الطريق فيكون قد شارك الشيطان في غرور هؤلاء وإفساد حياتهم.كذلك عليه أن يرتب العلوم حسب الأهمية، وللناس أن تتفاوت نظراتهم في ترتيب العلوم فمنهم من يرى البداءة بالوسائل قبل المقاصد؛ لأن الوسائل هي ظروف المقاصد، فمن لم يعرف اللغة والنحو والصرف لا يمكن أن يتفهم كثيراً من آيات القرآن ولا أن يستوعب طرق الاستنباط، ومن لم يعرف أصول الفقه لا يمكن أن يستوعب المسائل الفقهية وطرق استنباطها، وهكذا.ومنهم من يرى أن المهم هو ما يقبل الناس عليه في زمانه ويدخل في حياتهم؛ ولذلك فإن من العلوم ما هو مهم في كل زمان لا تتراجع أهميته في أي زمان ولا في أي مكان مثل الفقه فهذا العلم دائماً الناس بحاجة إليه مهما تغيرت الحضارات والظروف وجاءت الصيحات وتعالت في رفضه فالناس بحاجة إليه دائماً.ومثل ذلك تفهم كتاب الله فالإنسان من المفروض أن يسمعه وأن يقرأه فإذا أشكل عليه شيء أو لم يفهمه فهو محتاج حينئذٍ إلى أن يسأل وإذا سأل ينبغي أن يجد جواباً وإذا لم يجد فيحصل الإثم على العموم؛ لأن إجابة السائل في كتاب الله فرض كفاية لابد أن يكون في أهل كل بلدة من يجيب السائل فيها.لكن مع هذا لا يمكن أن نجبر الناس على ترتيب معين للعلوم، ونحن نعلم أنها تنقسم إلى هذين القسمين:إلى مقاصد وهي: العلوم الأصلية التي يتعبد الله بتعلمها.وإلى وسائل تتممها وتكون وسيلة إلى إكمالها وذريعة لتحقيقها.وكان كثير من أهل العلم يحول الجمع بين الطرفين فينظم وقته لذلك ولكن هذا الجمع إنما هو للمتفردين للعلم الذين ليس لهم شغل سواه؛ ولهذا تجدون طلاب الكليات الذين يدرسون في الجلسة الواحدة مواد متنوعة وأموراً مختلفة لا يتقنون هذا ولا هذا فيصبحون عالة على من سواهم؛ ولذلك ينبغي للشخص إذا كان يدرس أن يختار علماً معيناً يحاول أن يفرد هذا الوقت له ثم ينوع بعد ذلك يدرس علماً آخر وعلماً آخر ويجعلها بالتسلسل لأنها متكاملة فيما بينها بعضها يكمل بعضاً، وقد قال السيوطي: (ما ناورت ذا علم إلا غلبني ولا ناورت ذا علوم إلا غلبته).فالذي يشتغل بعلم معين سيكون واضحاً أمامه مطلعاً على تفاصيله أكثر من غيره، والذي يشتغل بعلوم شتى في وقت واحد سيتشتت قلبه وجهده بين هذه العلوم المتنوعة إلا إذا كان منفرداً لهذا أو كان يجعل درساً في علم معين في الصباح مثلاً ودرساً في علم آخر في المساء.
    كيفية تلقي العلم

    وليعلم الإنسان كذلك أن العلوم منها ما لابد فيه من التلقي والسماع، ومنها ما يمكن أن يؤخذ بالمطالعة بعد إعداد العدة لها، فيكون الإنسان قد وصل إلى مستوى علمي يصلح به للمطالعة، وليس كل الناس يصلح للمطالعة، ولذلك يقول أبو حيان رحمه الله: يظن الغمر أن الكتب تهديأخا فهم لإدراك العلوموما يدري الجهول بأن فيهاغوامض حيرت عقل الفهيمإذا رمت العلوم بغير شيخظللت عن الصراط المستقيموتلتبس الأمور عليك حتىتكون أضل من توما الحكيمفالعلوم التي تحتاج إلى التلقي من الناس والسماع منها مثلاً: علم الأداء والقراءات، فلابد أن تتلقى من أفواه الرجال، ومثل ذلك الحديث لابد فيه من إسناد، ومثل ذلك العلوم المعقدة التي تحتاج إلى شرح كعلم النحو والصرف والعروض وأصول الفقه وغير ذلك هذه لابد أن تشرح.والعلوم التي يمكن أن تتلقى من بطون الكتب كالتاريخ والأدب فهذه يمكن أن تتلقى من بطون الكتب مطالعة، القصص التاريخية في الغالب تكون أحداثها متسلسلة ونتائجها مبينة في كتبها وكذلك كتب الأدب التي تعنى بالتعبير عن الأفكار وتسلسلها وبيان أوجه المروءات وما اشتهر من الأجوبة المسكتة أو من الأفعال الجميلة والتعبير عن ذلك فهذا سائر مع الفطرة؛ ولذلك يستطيع الإنسان أن يطالعه ويكتفي فيه بالمطالعة.ومن الأجدى والأحسن أن يرجع فيه كذلك مع المطالعة إلى المذاكرة، والمذاكرة هي أن يسمع غيره ويسمعه منه في هذا المجال حتى تزداد معارفه وتتفتح فيه هذه الأمور التي تؤخذ عن طريق المطالعة.أما ما يتلقى بطريقة التلقي عن المشايخ فيحتاج فيه الإنسان إلى الانتخاب، أي: الرجوع إلى شيخ قد مهر ودرس علوماً متعددة ليختار للإنسان ما يناسبه، فقد كان من سنة أهل الحديث قضية الانتخاب في الرواية ومثلها كذلك الانتخاب في المادية العلمية التي يدرسها الإنسان على حسب مستواه، ثم بعد هذا المهارات الخاصة بكل علم من هذه العلوم، فكل علم من هذه العلوم يحتاج إلى مهارات مرتبطة به لأدائه، ولنبدأ بها بالتدريج.
    القول بأن تنوع العلوم لم يكن لدى الصحابة


    السؤال: كثير من الناس اليوم يعترضون على تنويع العلوم فيقولون: إن الصحابة رضوان الله عليهم وكذلك من بعدهم من التابعين وأتباعهم لم يكن لديهم ما لدينا نحن اليوم من أنواع العلوم كالنحو والصرف والأصول والبيان وغير ذلك من العلوم فيدعون إلى الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة فقط ونبذ ما سواه؟الجواب: أن العلم إنما هو اختراع وهو وليد الحاجة ونحن اليوم ظروفنا كلها وحياتنا تختلف عن حياة الصحابة ولا يمكن أن تعود في دنياك وأمورك إلى ما كان عليه الصحابة فتعيش في مثل ما عاشوا فيه تماماً، ولو كان يمكن ذلك فلا تدرس إلا ما درسوه، لو عدت إلى المدينة كما كانت، وعادت ملابسك ومراكبك ومسكنك وكل ما لديك مثلما كان لديهم فنعم، أدرس ما كانوا يدرسونه، وإلا فلم تكن حاجتهم داعية إلى مثل هذا؛ لأنك في زمان الصفقات فيه بالملايين ولم يكن الصحابة يعرفون هذا، وفي زمان الاتصالات تجمع مشارق الأرض ومغاربها ولم يكن الصحابة يعرفون هذا، وفي زمان تتأثر فيه الأسعار بالسياسة وبالإشاعة فقط مجرد إشاعة يرتفع بها سعر الأسهم وينخفض ولم يكن هذا في زمان الصحابة، وفي زمان تتطور فيه وسائل عيش الناس تطوراً مذهلاً يومياً ولم يكن الصحابة يعرفون هذا.وهؤلاء ما هم إلا أمثال الأعراب الذين عندما نشأ علم النحو في الأمصار الإسلامية جاءوا من بواديهم فرأوا اشتغال الناس بهذه العلوم الجديدة فاستغربوا ذلك فصار هذا الخصام لديهم حتى إن أحدهم يقول:ماذا لقيت من المستغربين ومنقياس نحوهم هذا الّذي ابتدعواإن قلت قافيةً بكراً يكون لهامعنىً يخالف ما قاسوا وما صنعواقالوا لحنت فهذا الحرف منخفضٌوذاك نصبٌ وهذا ليس يرتفعوحرّشوا بين عبد الله فاجتهدواوبين زيدٍ وطال الضّرب والوجعفقلت واحدةً فيها جوابهموكثرة القول بالإيجاز تنقطعما كلّ قولي مشروحٌ لكم فخذواما تعرفون وما لم تعرفوا فدعواحتّى أعود إلى القوم الّذين غذوابما غذيت به والقول يتّسعإنّي ربيت بأرض لا يشبُّ بهانار المجوس ولا تبنى بها البيعولا يطا القرد والخنزير تربتهالكن بها الرّيم والرّئبال والضّبعوهؤلاء مقولتهم هذه تقتضي أيضاً أن يرجع الناس إلى القتال بالسيوف بدل الدبابات والصواريخ والطائرات، وأن يرجعوا كذلك إلى ركوب الخيل والحمر الأهلية بدل السيارات والطائرات، وكذلك أن يتركوا صحيح البخاري وصحيح مسلم، بل أن يتركوا المصاحف؛ لأن الصحابة في الصدر الأول لم تكن لديهم فيؤدي هذا إلى هدم الجيل من أساسه والتخلص من كل تكاليفه وما وصل الناس إليه، فمن قال هذا نظير من يقول: إن كتابة الحديث بدعة، وأن هذه الكتب كلها ينبغي أن تحرق؛ لأنها من المثلات، وأن كل ما استكتب بغير كتاب الله ينبغي أن يحرق فيحرق هؤلاء الموطأ والصحيحين وغير ذلك من كتب الحديث.ولا شك أن هذا من الضلال المبين والانحراف البين الواضح ومنه ما قال القذافي قال: بأن الأمة تركها النبي صلى الله عليه وسلم على قلب رجل واحد فجاء أهل السياسة ففرقوها، ويقصد بأهل السياسة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، ثم جاء بعد ذلك المتفقهون فزادوا الطين بلة، ويقصد بهم أصحاب المذاهب، فيقول: بدل أن كان الدين واحداً أصبح الدين أربعة أديان: مالكي، وشافعي، وحنفي، وحنبلي، وهو لم يفهم شيئاً في الأمر أصلاً، فأراد هدم الدين وعلى بلاهته وبلادته فأصبحت حيلته مفضوحة لدى كل الناس.وما هؤلاء إلا قذافيون آخرون فهم يدندنون حول هذا، ولو عادوا إلى أنفسهم ورجعوا إلى رشدهم لعرفوا أن دعوتهم تقتضي ترك المصحف وترك صحيح البخاري وترك صحيح مسلم وأن يرجعوا إلى تقلد السيوف وركوب الخيل، وأن يفتحوا البلاد فتحاً جديداً من جديد ليعودوا فيهاجروا إلى المدينة ثم منها يفتحون مكة مرة أخرى، ثم يعيدون حياة الصحابة كما كانت كاملة بجميع نواحيها.والواقع أن كل هذه العلوم هي من الكتاب والسنة، لكن إنما جاء الكتاب ليكون دستوراً للمسلمين في كل زمان ومكان وأصلاً تشريعياً لديهم، ولم ينزل للصحابة وحدهم ولا يمكن أن يقتصر على فهم الصحابة فقط لو كان كذلك لكان القرآن مثل غيره من الكتب تنتهي مزيته، القرآن لم ينزل للصحابة فقط، ولا يمكن أن يقتصر في تفسيره على تفاسير الصحابة، لو أردت أنت اليوم أن تقصر القرآن على ما ورد تفسيره فقط عن الصحابة وجمعت الآثار ستكون نبذة قليلة يسيره، واقتصرت على هذا وقلت: هذا معنى القرآن ولا نفسره زيادة على هذا، هل هذا صواب؟ هذا غاية في الخطأ والدجل، ومثل ذلك العلوم الأخرى فما هي إلا تشعبات في علم الحديث ومن علوم القرآن المختلفة وهذه التشعبات تزداد كلما ازداد الناس حضارة وكلما تنوعت موارد حياتهم ولا يمكن أن يقتصر معنى القرآن على ما فهمه جيل معين؛ ولهذا كل عصر من العصور مطالبون بأن يفسروا القرآن تفسيراً جديداً يتلاءم مع واقعهم، والناس اليوم إذا جاء مفسر جديد وأبدع قام عليه هجوم من قبل هؤلاء المتخلفين سيقولون: لا هجرة بعد الفتح وقد كثرت التفاسير ويكفينا تفسير ابن جرير وتفسير فلان وتفسير ابن كثير وانتهينا، كأن القرآن قد حصرت معانيه بفهم جيل معين أو أجيال محددة.الواقع أن كل عصر من العصور يفهمون من القرآن حظهم ويدخر لهم منه ما يسد حاجتهم ويبين أحكامهم التي تتجدد، والوقائع التي تتجدد لا حصر لها كل يوم يتجدد من الوقائع مالم يخطر للصحابة على بال حتى في حياة الصحابة أول ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام أبو بكر بالأمر حصل للصحابة كثير من الأمور التي اجتهدوا فيها بما لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم: أولاً: الخلافة لم تكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن تخطر لهم ببال. بعدها ميراث الجدة ليس مذكوراً في الكتاب ولم يجدوه، ولم يجده أبو بكر فيما رواه من السنة فاحتاج إلى أن يسأل الناس عنه. ثم في خلافة عمر حصل له أمثال هذا ميراث الجد مع الإخوة حين بلي بها عمر في أسرته، مات أحد أولاده واسمه عبد الرحمن فترك ثلاثة أولاد فمات أحدهم، فأراد عمر أن يرثه دون أخويه، فقيل له: إن الثلاثة يرثون دون أخويه، قال: كيف أكون له أباً ولا يكون لي أبناً أليس إذا مت ورثني دون إخوتي؟ قالوا: بلى. فرفع القضية إلى المهاجرين والأنصار فجعلوه كأحدهم، وهذه القضية اشتهرت، فقال فيها علي بن أبي طالب: (من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في مسألة الجد والإخوة)، يريد أنها ليست نصية.ومثل ذلك فإن عمر حصلت في زمانه مشكلة إرث القاتل خطأً، من قتل خطأً أو شبه عمد فهل يرث قتيله أو من ديته؟ أول ما وقعت في زمان عمر في رجل من مدلج رمى ولده بسيف فأعطب ساقه ومات، فابتلي بها عمر فاجتهد فيها هذا الاجتهاد.ومثل ذلك المسألة العمرية المشهورة في التركة التي استوعب فيها أصحاب الفروض المال دون الإخوة الأشقاء، وكان من أصحاب الفروض إخوة لأمه، فحين تكررت وحصلت مرة أخرى؛ جاء الإخوة الأشقاء فقالوا لـعمر: أرأيت لو كان أبونا حماراً أو حجراً ملقى في اليم أليست الأم تجمعنا؟ فجعلهم مثل الإخوة لأم، فجاء الأولون يخاصمون، فقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي.ومثل ذلك هل ترث المرأة من دية زوجها؟ وقد أشكلت هذه المسألة على عمر حتى نادى مناديه في الحج أشهد بالله من لديه علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميراث امرأة من دية زوجها أن يأتيني، فأتاه الضحاك بن سفيان فقال: ( كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها ).ولم تزل القضايا تتجدد من ذلك الوقت إلى زماننا هذا، ولو رجعنا فقط إلى ما كان عند الصحابة من العلوم لأهملنا هذه الوقائع كلها وأدى ذلك إلى التقوقع في الدين، وأن تكون أحكام الله محصورة في مسائل محدودة لا تتعداها أصلاً؛ ولذلك لام الناس أهل الظاهر فيما يتعلق بالعقود والمعاملات، فإن أهل الظاهر تحجروا في هذا الباب فحصروا الربا في الأصناف الستة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت: ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد سواءً بسواء فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد )، فقالوا: لا ربا إلا في الأصناف الستة، فخالفهم عموم المسلمين وأقاموا عليهم دعوى عريضة؛ لأنهم حصروا الإسلام في زاوية ضيقة ومعاش الناس قد يخلوا من هذه الأصناف الستة بالكلية.ومثل انحصار الزكاة في الأموال التي كانت تؤخذ منها الزكاة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي تعطيلها اليوم، فأملاك الناس أصبحت هذه العملات التي يتعاملون بها، فلو قلنا: لا زكاة إلا في الحبوب والثمار وبهيمة الأنعام والذهب والفضة فقط؛ لأنها التي تؤخذ منها الزكاة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لاقتضى ذلك منع الزكاة بالكلية؛ لأن أكثر الأغنياء اليوم لا يملك من النعم ما تجب فيه الزكاة ولا يملك ذهباً ولا فضة، ولا يملك حرثاً ولا زراعة وإنما يملك المليارات من الدولارات والجنيهات فلو تحجرت ووقفت عند هذا الحد لمنعت الزكاة، وعطلت مصالح الإسلام كلها، فالأمر إذاً واضح لا مرية فيه.وهذه المسألة تدخل أيضاً حتى في باب الدعوة فقد لقيت بعض الفقهاء فاعترضوا على هذه الدعوة وقالوا: أرأيتم هذا الذي تعلمونه وتدعون الناس إليه وتجمعونهم عليه من أين لكم هو فقد أدركنا آبائنا وكانوا أهل علم وصلاح وورع وهم قطعاً أفضل منا ومنكم فلم يكونوا يفعلون هذا الذي تفعلونه.هذا السؤال كثيراً ما يطرحونه على بعض الناس فمن لم يكن حكيماً بدأ بمسبة آبائهم وتسفيه أحلامهم وأنهم لم يقوموا بالواجب فكان هذا مدعاة لحصول الشحناء والبغضاء دون نتيجة.فأجبتهم بأن آبائنا رحمهم الله لم تكن نعمة الله عليهم كنعمته علينا؛ ولذلك هل يستطيع أحد منكم أن يعيش اليوم على ما كان يعيش عليه جده قبل مائة سنة أو خمسين سنة؟ قالوا: لا. هل يستطيع أن يلبس ما كان يلبسه ويسكن ما كان يسكنه، ويعيش بما كان يعيش به ويركب بما كان يركب؟ قالوا: لا. قلت: إذاً لا ترضون ما كانوا فيه من الدنيا وترضون به في الدين، أليس هذا من التطفيف البين، وقد قال مالك في الموطأ: يقال لكل شيء وفاء وتطفيف، قالوا: بلى. قلت: مثالكم ومثال آبائكم هنا من أخذ ملابس طفل صغير فأراد أن يلبسها وهو رجل كبير ضخم الجثة وقال: هذه يلبسها هذا الشخص وهو شخص مثلي ليس لدي عضو زائد على أعضائه لكن أحجامكما متباينة؟الجواب الثاني: أنكم لقيتم ورأيتم من أنواع المحدثات والبدع والمشكلات مالم يره آبائكم فقد كانوا بمنأى وسلامة من ذلك.وسألتهم: هل كان آبائكم يتوقعون أن تعيش الأمة كلها بالربا؟ قالوا: لا. هل رأيتم أنتم ذلك؟ قالوا: نعم. هل كان آبائكم يتوقعون أن يعيش ابن المسلمين بين أبويه المسلمين فيبلغ عشرين سنة فإذا هو ملحد لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ويرى ما يراه ماركس وغيره من الملحدين؟ قالوا: لا. هل حصل ذلك في حياتكم أنتم؟ قالوا: نعم، نشهد بالله لقد حصل. ولم أزل بهم بالتدريج حتى أقروا بالواقع الذي هم فيه وبمخالفتهم لما كان عليه آباؤهم. فقلت إذاً: ألا تذكرون أن مالكاً رحمه الله قال: (تحدث للناس أقضية على حسب ما أحدثوا من الفجور)؟ قالوا: بلى قال هذا، قلت: وقد حدث الفجور فأحدثوا له أقضية ولا يمكن أن يسده إلا ما نحن فيه، توافقون عليه؟ فقالوا: نعم نوافقكم الآن. فقلت: هذا الذي أنتم فيه أيضاً له مثالاً آخر فمثالكم ومثال آبائكم في هذه المسألة كمثال قوم فوق جبل وقوم في مجرى السيل فأقبل السيل بهديره، فكان الذين في مجراه يخاطبهم الناس فيقولون: سدوا سداً لئلا يقتلع السيل بنيانكم، فيقولون: لا. الذين فوق الجبل نراهم لا يقومون بهذا العمل ولا يبنون سداً ونحن لن نفعل إلا ما فعلوا، فيقال: أولئك بمنأى عن السيل ولن يصل إليهم وأنتم في مجراه المباشر، فكذلك أنتم وآباؤكم، آبائكم كانوا في منأى عن هذه المحدثات وأنتم في مجراها فلا يمكن أن تقيسوا عليهم، فقنعوا بهذا ورضوا به.فكذلك يقال لهؤلاء في مجالات العلوم كلها.
    طرق استحضار المعلومات

    بالنسبة لاستحضار المعلومات في الوقت المناسب إنما يكون بأمرين:الأمر الأول: أن يعيها الإنسان تماماً وأن يستوعبها فالذي يسمع المعلومة ويظن أنها قد لصقت بشغاف قلبه هذا مغرور فالمعلومات لا تثبت إلا بكثرة المراجعة والمذاكرة، وقصد استذكارها في غير وقت الحاجة ليستذكرها في وقت الحاجة فأنت أحوج ما تكون لتذكر كلمة الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله فإذا كان الإنسان في النزع كثيراً ما تخونه هذه المعلومة ولا يتذكرها إلا من رحم الله ووفقه وثبته، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27]، لكن من أكثر ذكر الله وأكثر ذلك في أوقات الصحة والفراغ سيتذكره في وقت الشدة، فإذاً لابد من الإكثار من تذكر المعلومات.الأمر الثاني: لابد من التدريب على استحضار المعلومات ويكون ذلك بمذاكرة طلاب العلم، ومراجعة الإنسان لمعلوماته وتحصيل الترابط بينها لتنشيط الذهن حتى يستحضر أي شيء أودعه ويعرف مكانه مثل الذي يضع كثيراً من الأغراض في بيته إذا كانت أموره مرتبة فإذا جاء يريد غرضاً من هذه الأغراض لن يذهب إلى غرفة ليس فيها بل سيذهب إلى الغرفة التي وضعه فيها ويعرف مكانه منها، وكذلك إذا كنت أنت تأتي بالكتب تشتريها وتضعها على الرفوف ولا تطالع فيها ولا تدرسها فلن تهتدي إلى الكتاب في الوقت المناسب، لكن إذا كان هذا الكتاب دائماً بين يديك وتقرأه وتعرف موضوعه فهو ولو لم تره حاضر في ذهنك مرتسم فيه في مكانه.ومثل ذلك المعلومات إذا ثبتت واستطاع الإنسان أن يعرف طريقة استحضارها يتذكرها كما لو رآها مرسومة أمامه فإذا أردت أن تقدم أي معلومة كأنك تراها وتقرأها بالصفحة والجزء بالكتاب، تستحضرها تمام الاستحضار؛ ولهذا قال البدوي رحمه الله في نظم عمود النسب: وإن عرفت النسب الخطيراوسيرة تكن بهم خبيراحتى كأنهم بعين النقسفي الصك قد لاحوا لعين الحسيقول: (إذا عرفت النسب الخطيرا): العظيم الشأن، نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.(وسيرة)، أي: سيرهم، (تكن بهم خبيراً)، تكون خبيراً بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.(حتى كأنهم بعين النقس)، وهو المداد (في الصك)، وهو الورقة.(قد لاحوا لعين الحس)، كأنك عرفتهم بألوانهم وذواتهم.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,273

    افتراضي


    مقدمات في العلوم الشرعية [3]
    - للشيخ : ( محمد الحسن الددو الشنقيطي )

    يحتاج محفظ القرآن الكريم إلى مهارات عديدة، حتى يتجنب كثيراً من الأخطاء التي وقع فيها غيره من محفظي القرآن السابقين، ومن تلك المهارات: أن تكون شخصيته محترمة، وأن يجعل للطلاب وقتاً للراحة، وأن يقبل منهم الاعتذار في بعض الأحيان، وأن لا يشق عليهم بالإكثار من المحفوظ، وأن يختار المقاطع القليلة، وأن يشجعهم ويؤدبهم، وأن يكون حسن الصوت؛ لأن العواطف يشدها الصوت الجميل الحسن، وأن يتقن المقاطع التي فيها اشتباه، وأن ينبههم على وقار القرآن، ويحاول الاستعانة بوسائل تعليمية، وأن يهتم بطلابه على حد سواء، ولا يحل له تفضيل بعضهم على بعض.
    مهارات معلم القرآن للصغار
    بسم الله الرحمن الرحيمنبدأ إذاً بما بدأ الله به، نبدأ بكتاب الله سبحانه وتعالى، وكتاب الله يتعلق به كثير من العلوم الإسلامية من أهمها: علم حفظه وأدائه، ثم علم تفسيره، ثم علوم القرآن، ثم بعد ذلك علم القراءات، ويضاف إليها علم الرسم الضبط.ولنبدأ بحفظ القرآن: لا شك أن الذي يحفظ القرآن يحتاج إلى مهارات عديدة لذلك وهذه المهارات التجربة الإسلامية فيها كفيلة بأن يتجنب الإنسان كثيراً من الأخطاء التي وقع فيها كثير من محفظي القرآن السابقين.فالذين يشرفون على حلقات تحفيظ القرآن أو يباشرون تدريس الصبيان وتحفيظهم لهم رصيد كبير من تجارب العالم الإسلامي في هذا الباب وهذه التجارب كثير منها أصبحت محل هزئ وسخرية لدى الناس، فقد ألف كثير من المؤلفين فيما يتعلق بطرائف محفظ القرآن، فيذكرون أن رجلاً رأى في النوم أنه يمضغ الحصى، فأتى ابن سيرين فسأله عن ذلك، فقال: تكون معلماً للصبيان، فيجد بذلك شدة وعنتاً وتعباً؛ لأنه يحتاج إلى مهارة تجعله يتنازل عن عقله حتى يجعل عقله على مستوى عقول الصبيان هذا الذي يتصوره كثير من الناس.وقد ذكر ابن الجوزي في المغفلين أنه رأى مدرس قرآن يكتب لصبي: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً وأكيدُ كيداً، فقال: ما هذا؟ مالك تدخل له السورة في السورة؟ قال: إن أباه يدخل الشهر في الشهر، فأردت أن أدخل له السورة في السورة). ‏
    معرفة مهمته
    وكذلك فإن تصرفات الصبيان غير منضبطة، والذي يدرسهم القرآن لابد أن يعرف مهمته أولاً، هل مهمته أن يجعل من الصبيان شيوخاً أصحاب وقار على كبر سن، أو يريد أن يحفظهم، وأن يعلمهم الأدب بالتدريج.فإذا أراد أن يجعلهم أهل وقار وسكينة فسيصل إلى مستوى من العنت يقرب من الجنون؛ لأنه سيراقب حركاتهم وسكناتهم وتشق عليه غاية المشقة فهم في نشاط أجسامهم وحداثة أسنانهم وسفاهة أحلامهم بمثابة الفرخ الذي يطير.ومن هنا على الإنسان أن لا ينزعج من حركاتهم وكثرة تصرفاتهم، وأن ينظر إليهم على أن مهمته ليست ضبط حركاتهم وسكناتهم وإنما هي توصيل المعلومة لديهم وتحبيب هذه المادة إليهم.
    أن يكون صاحب شخصية محترمة

    ومن هنا يبحث عن وسائل التحبيب أولاً ليمتلك بها نفوسهم، ومن أهم وسائل التحبيب: شخصيته هو، أن تكون شخصيته محترمة لدى هؤلاء الصغار بأن لا يروا فيه نزقاً ولا خسة ولا طيشاً؛ لأنهم إذا لمسوا ذلك من مدرسهم فسيحتقرونه وبالتالي يحتقرون المادة من ورائه.فالذي يعاقبهم على كل حركة وكل سكون سيكرهونه، والذي يجاريهم فيها أيضاً سيحتقرونه، فلابد أن يكون الإنسان وقوراً في نفسه، محترماً، وأن تكون ألفاظه مهذبة.ومع الأسف فإن كثيراً من مدرسي القرآن يكتسب منهم الصبيان الكلمات النابية، ويتعلمون منهم سوء الأدب في الكلام؛ ولذلك فقد كان الخلفاء يختارون المدرسين الأكفاء لأولادهم؛ ولذلك جمع بعضهم أدب المؤدب وألف فيه كثير من الناس، تجدون في كتاب المستطرف مثلاً: ما يتعلق بأدب المؤدب، كذلك في مؤدب أولاد هارون الرشيد فقد اختار لهم مؤدباً ظريفاً لقناً، فاستطاع أن يجعل من نفسه قدوة لدى هؤلاء الصغار.خرج في الحج مع الرشيد بأولاده وهو مؤدبهم فأتوا المدينة، ومن عادة هذا المؤدب أن يجعل نفسه كأنه عالم بكل شيء في نظر الأولاد فإذا سألوه عن أي شيء وجدوا لديه الجواب الشافي في ذلك، فإذا أتى أيَّ مدينة أو أية محلة ذهب ليتطلع إليها ويعرف أمورها ثم بعد ذلك يأخذهم في جولة ويعلمهم هذه الأمور كأنه كان يعلمها من قبل.ولكنه مع هذا أدبهم على أن لا يبادئهم بعلم قبل أن يسألوه عنه ليروا فيه إقبالاً على الشيء وجذبه لهم، فأتوا المدينة فتعرف على دورها، فخرج معه الأمين والمأمون في رحلة في المدينة، فكان إذا مر ببيت أو حصن سألوه فأجباهم، قال هذا حصن كذا أو هذا بيت فلان، وتعرفون من فلان، فيتكلمون عما حصل في هذا الحصن وما لديهم من المعلومات عنهم ويتممها لهم ويصحح لهم أخطاءهم في هذا، حتى مروا ببيت فقال: هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص: يا بيت عاتكة الذي أتعزلحذر العدى وبه الفؤاد موكلفانتبه المأمون لهذا الأمر، وعرف أنها بادرة جديدة؛ لأن المؤدب لم يكن يبادءهم بأمر، ولماذا يختار هذا البيت الذي هو مطلع قصيدة غزلية ليعلمهم به بيتاً من البيوت ليس له خاصة، وعاتكة لا يعرفونها ولا يعرفون من هي؟!فرجع إلى أصحابه فسألهم عن هذه القصيدة من شعر الأحوص فوجدها فإذا آخر بيت فيها:وأراك تفعل ما تقول وبعضهممذق الحديث يقول ما لا يفعلفعرف أن هذا البيت هو بيت القصيد، فأتى والده فقال: هل وعدت المؤدب بعدة لم تنجزها؟ قال: نعم، فهل أخبر بما يدل على ذلك؟ قال: لا، ولكننا خرجنا معه وكان لا يحدثنا إلا إذا سألناه، فمررنا ببيت فقال: هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص: يا بيت عاتكة الذي أتعزلحذر العدى وبه الفؤاد موكلفلم أعرف وجه إنشاده للبيت، فرجعت إلى القصيدة فوجدت فيها قوله: وأراك تفعل ما تقول وبعضهممذق الحديث يقول مالا يفعلفأعجب هارون بذلك، فأنجز العدة للمعلم وضاعفها، وأعجب بولده كذلك حين فهم هذا الفهم.ونظير هذا ما حصل لـأبي العلاء المعري في مجلس أحد الأمراء، فقد كان أبو العلاء معجباً بـأبي الطيب المتنبي إعجاباً شديداً، كان يتعصب له، وكان أمراء ذلك الزمان يمقتونه؛ لأنه يتعالى عليهم ويتكبر، فتكلم الأمير في المتنبي وعابه وذمه، فوصل الكلام في الحلقة إلى المعري فسألوه عن رأيه في أبي الطيب فقال: لم يكن له من الشعر إلا قوله: لكِ يا منازل في القلوب منازلأقفرتِ أنتِ وهن منكِ أواهللكفته هذه القصيدة، ففكر الأمير لحظة فإذا القصيدة ليست من عيون شعر المتنبي، فعرف أنه يقصد بيتاً فيها، فأمرها على ذهنه فوجد فيها:وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كاملفأمر به فجر برجله حتى أخرج من المجلس، فلم يشعر الحاضرون بذلك ولم ينتبهوا له، وإنما انتبه له الأمير لحدة ذهنه.ولذلك فينبغي أن لا يختار لتدريس الأولاد إلا من كان ذا ذهن ونباهة، فالتحفيظ إذاً يختار له أهل الذهن والنباهة ومن كان خلوقاً مرناً؛ لأنه الذي يستطيع التأثير عليهم بهذا الوجه.
    معرفة طبيعة الطلاب وقدراتهم
    أن يعلم الذي يدرس الأولاد أنهم ليسوا حجارة ولا حديداً ولا يستطيع تكييفهم وفق هواه وبالتالي لابد أن يجعل لهم وقتاً للراحة وأن يقبل منهم الاعتذار في بعض الأحيان، وإن كان يجد معهم فلا يقبل العذر أيضاً في أحياناً أخرى، وأن يجعل لهم وسيلة للترفيه تحبب إليهم الدراسة أياً كانت هذه الوسيلة، وأن لا يكثر من ذلك أيضاً حتى يكونوا غير جادين ويتربوا تربية غير جادة.
    عدم الإكثار من المحفوظ

    كذلك فيما يتعلق بالحفظ: أن لا يشق عليهم بالإكثار منه فلابد أن يختار المقاطع القليلة، وليحاول كذلك أن ينبههم على بعض الاستنباطات منها أو شرح الكلمات الغريبة أو ذكر أسباب النزول والقصص أو ما يحبب إليهم حفظ ذلك من المسابقات والمنافسات ونحوها.
    التشجيع والتأديب

    التشجيع والتأديب، فالتشجيع بإعطاء الجوائز والتقبيل والدعاء والتنويه بالحافظ أمام زملائه وتقديمه عليهم، والتأديب يكون على قدر الجِرم والجُرم، يشمل أمرين: يكون على قدر الجِرم وقدر الجُرم، فالقوي الشديد المتين تأديبه ليس مثل تأديب النحيف الضعيف؛ لأن جرمهما مختلف، وكذلك الجُرم الذي يعبث بالمصحف ويلعب به هذا ذو جرم عظيم، والذي أخطأ في كلمة وتتعتع فيها هذا جرمه دون ذلك.ومن هنا قال أهل العلم: ينبغي أن لا يزيد على ثلاث ضربات أو ثلاث غطات للتعليم في كل درس؛ لأن جبريل عليه السلام إنما غطى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ولم يتعد ذلك؛ ولهذا قال شيخي رحمه الله: يؤخذ بالتثليث غط أحمدعند ابتداء وحيه بادي بدأأن لا يزيد الضرب للصبيانعلى ثلاثة لدى الزرقاني ذكرها الزرقاني في شرح الموطأ.
    أن يكون حسن الصوت

    كذلك فيما يتعلق بالتحفيظ ينبغي للمحفظ أن يكون حسن الصوت؛ لأن العواطف يشدها الصوت الجميل الحسن، فإذا قرأ أمامهم فإنهم سيتنافسون على محاكاة صوته، ويستعديهم ذلك إلى اتقان مهارات التجويد، فالذي صوته مزعج بذاته لا يصلح لهذه المهنة، وهو منفر لمن يتعلم من الصبيان.
    اتقانه للمقاطع المتشابهة

    ينبغي لمن يشتغل بتحفيظ القرآن أن يتقن المقاطع التي فيها اشتباه، فيعرف مواضعها وينبه الطلاب على ذلك؛ لأن القرآن فيه كلمات متشابهات يكثر فيها الخطأ، وألفية السخاوي رحمه الله جمعت كثيراً من هذه المواطن.
    تنبيه الطلاب على وقار القرآن

    من المهارات المهمة فيما يتعلق بتحفيظ القرآن: أن ينبه الطلبة على وقار القرآن في كل درس وعلى الإخلاص فيه لله، وأن يرى خاشعاً، وإذا سمع قارئاً منهم يقرأ يتأدب هو بأدب السامع للقرآن حتى يروا منه ذلك الأدب ويروا فيه ذلك الخشوع فيحاولوا محاكاته في ذلك.
    عدم الإكثار من الطلاب

    وأيضاً ينبغي أن لا يكثر من الطلاب فكل شخص له مقدرة محددة كيف يكون المحفظ الواحد يحفظ سبعين طالباً أو خمسين طالباً هذا لا يمكن، لا بد أن يختار مجموعة يسيرة يستطيع التأثير عليهم، ويستطيع ملاحظتهم، ويستطيع أن يسمع من كل واحد منهم درسه.
    مراجعة المحفوظ وربطه بالسابق

    وأيضاً: أن يعلم المحفظ أن كثيراً من الناس قد يحفظ بالمرة الواحدة حفظاً سريعاً وما حفظ سريعاً ينسى سريعاً فلا يغتر بذلك، فالذي يحفظ بالمرة الواحدة أو المرات القليلة أرجعه وحاول أن تثبته على كثرة القراءة ومراجعة النص حتى يرسخ لديه؛ لأن ما حفظ بسرعة ينسى بسرعة.وكذلك عليه أن يجعل الرجوع إلى المتن وعدات بين فلا يجعل المتن مظلاً، فإذا حفظ درسه في الصباح يحاول أن تعيده إليه في المساء، وأن تعيده إليه في صباح اليوم اللاحق أو مسائه وقت الحلقة الأخرى ولا تتعجل؛ لأن ذلك التعجل مضر به.وأيضاً محاولة ربط كل درس بالذي قبله لئن لا يبقى الدرس منقطعا ًفي ذهن الطالب، فإذا وصل نهاية الدرس كان عقبة لديه كؤود لا يدري ماذا وراءها فلابد من المهارات المتقنة، وهذا داخل فيما ذكرناه من قبل من اختيار المقطع المناسب.والناس في هذا قرائح متفاوتة فمنهم من يستطيع أن يحفظ في الحلقة الواحدة ثمناً، أي ثمن الحزب ومنهم من يستطيع ثمنين ومنهم من يستطيع أقل من ذلك وهكذا.والمقطع المناسب الأنسب لأكثر الناس هو عشر آيات من الآيات القصار أو المتوسطة؛ لحديث عبد الرحمن السلمي أخبرنا الذين كانوا يعلموننا القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما كنا نقرأ عشر آيات ونتجاوزها حتى نتعلم ما فيها من العلم وحتى نعمل بها، قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل ).
    الاستعانة بالوسائل التعليمية

    كذلك عليه أن يحاول الاستعانة بوسائل تعليمية أخرى إما بسبورة أو بألواح يكتب فيها أو بأشرطة يستمع إليها أو نحو ذلك فهذه المحفزات تعينه وترسخ الحفظ في أذهان الطلاب.
    التشجيع بالرواية والإجازة

    وكذلك التشجيع بالرواية والسماع والإجازة، فالذي يرجى فيه أن يحفظ القرآن يقول له: إن شاء الله تحاول أن تكمل خلال شهرين أو ثلاثة أشهر أو هذه السنة حفظ القرآن كاملاً، ويكتب لك في الإسناد تروي عني كتاب الله وهكذا، يشجعهم بمثل هذا، هذا مما يزيدهم إتقاناً.
    المنافسة بين الطلاب

    ثم بعد هذا يحاول أن ينافس بين الطلاب، أن يعقد بينهم المنافسة دائماً، فكثيراً من الطلاب إذا شعروا بأنهم مهملون وبأنهم في آخر القائمة وفي آخر الركب رضوا بذلك ولم يتقدم شيئاً يذكر، وكثير من الأساتذة لا يعتني بهؤلاء المخلفين ويراهم مثل المتردية والنطيحة وما أكل السبع ومن هنا لا يهتم بهم.والواقع أن المعلم يجب عليه الاهتمام بطلابه على حد السوء ولا يحل له تفضيل بعضهم على بعض فلذلك يحاول تشجيع أولئك وليعرف نقاط الضعف التي لديهم هل هي نقاط راجعة إلى البيت فهؤلاء أعانهم آباؤهم وأمهاتهم على الحفظ والآخرون لم يعنهم أحد وحينئذٍ عليه هو أن يسد لهم هذه الثغرة، أو هي أمور فطرية راجعة إلى ملكاتهم وحينئذٍ يحاول تحريك الملكات بما يستطيع، أو هي أمور راجعة إلى أحوال نفسية بالتعاملات والأزمات والمشكلات النفسية التي تحصل للطلاب، فالطالب قد يشق عليه حفظ سورة معينة فينغلق ذهنه دونها، وحينئذٍ تستطيع أن تتجاوز به تلك السورة إلى سورة أخرى سهلة، فإذا حفظها بسهولة ويسر أعانه ذلك عند الرجوع للسورة الأخرى فيتقنها.وطرق الناس في هذا متباينة بحسب أوقاتهم وأزمنتهم، والناس في زماننا هذا شغل أولادهم بالدراسة في المدارس فلم يعد الوقت الصافي المختار جاهزاً لتحفيظ القرآن، وحينئذٍ أصبح تحفيظه مهمة مقسوماً بين أهل البيت وبين صاحب الحلقة ومعلم القرآن، هذا عن تحفيظ الصغار.
    مهارات تحفيظ الكبار

    أما عن تحفيظ الكبار فهو مهمة لا تقل شأناً عن سابقتها، وعلى الإنسان فيها أن يبعث الأمل في نفوس الكبار؛ لأن كثيراً منهم تنغلق مجال الأمل لديه فلا يستطيع الحفظ ويظن أنه لم يعد من أهل القرآن ولا يمكن أن يكون من حفظته في المستقبل ويتوقف شأنه عند هذا الحد، وهذا غلط في التصور؛ لأن القرآن منحة ربانية يهبها الله لمن شاء من عباده لمن جد وبذل جهداً وأخلص لله، وبالتالي فالرجاء مطلوب شرعاً والقنوط مذموم، وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ [الحجر:56]. ‏
    بعث الأمل في نفوسهم

    ومن هنا ما من أحد قد حكر عليه القرآن وحجر عليه لا يستطيع أن يحفظه، بل قد قال الله تعالى: وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء:20]، فيحاول بعث الأمل في نفوسهم، وتشجيعهم على تنظيم أوقاتهم؛ لأن الذي يحول بين الكبار وبين حفظ القرآن في الغالب راجع إلى الوقت.
    الأخذ بالقليل

    ثم محاولة أن لا يأخذه جزافاً أن يكون كابحاً في وجوههم يمنعهم من أخذ الكثير، يقول للكبير أنت مشغول بعملك ووظيفتك وعيالك وأهلك فلا تأخذ صفحة كاملة، بل نصف الصفحة فقط في الأسبوع، وإذا حفظتها فقد نجحت في الامتحان ولا يحاول المشقة عليهم وإزعاجهم.
    تذكيرهم بالإخلاص والتدبر
    وكذلك محاولة تنبيههم أيضاً إلى ما نبه عليه الصغار من الإخلاص لله ومن التفهم في القرآن والتدبر فيه وربط المعلومات السابقة باللاحقة، وإصلاح ما كان لديهم من الأخطاء في النطق أيضاً، الكبار إصلاح نطقهم وتجويدهم لمخارج الحروف وصفاتها أصعب بكثير من إصلاح ذلك عند الصغار، حتى النغمات الصوتية فالصغار يستطيعون محاكاتها والكبار يشق عليهم ذلك بل لا يستطيعونه أصلاً.
    أن يكون رحيماً
    ومن هنا يحتاج المعلم للكبار أن يوجد من نفسه رحمة لديهم، فيحاولوا أن يجدوا فيه قرآناً يمشي يتخلق لهم بأخلاق القرآن ويحببه إليهم، يشجعهم على تعليمه، يتصل بهم في بيوتهم، يذكرهم بالدرس الذي لديهم.
    التشجيع بالإجازة

    وكذلك يحاول تشجيع من تقدم في القرآن بذكر الإجازة والإسناد وبذكر الفضل الكبير الوارد في ذلك وببيان منزلة الذين يحفظون القرآن ويعلمونه.
    استخدام الوسائل التعليمية

    وبمحاولة إهداء بعض ما يعينهم على ذلك من الأشرطة أو من الكتب التي فيها تفسير المفردات أو من المصاحف أو نحو هذا من الأمور التي تعين وتشجع هؤلاء الكبار على الازدياد من حفظ كتاب الله.
    الربط بين الحفظ والمراجعة

    كذلك على معلم القرآن سواءً اشتغل بتعليم الكبار أو بتعليم الصغار أن يوازن بين أمرين: بين حفظ المستجد، وتثبيت ما كان قد وجد، فلديه مستجد قد حفظه الطالب الآن، وشيء كان يحفظه فإما أن تستجد وتحفظ شيئاً جديداً وتنسى ما مضى وإما أن تحافظ على الماضي فيقل حفظك للجديد، عليه أن يوازن بين الأمرين، كثيراً من الناس يشغل الطلاب بحفظ شيء جديد وينسى ما كانوا قد حفظوه فيذهب ويكونوا كالعلب المخروقة يصب فيها ولا تمتلئ كلما صب فيها خرج من مكان آخر، وهذا النوع خطأ في التعليم بل عليه أن يعلم أن حفظ الموجود أولى من طلب المفقود، ومن هنا فلابد من تخصيص وقت لابأس به لمراجعة الماضي، وأن لا يعمد الأستاذ في مثل هذا إلى القياس؛ لأن هذا الطالب مثلاً حفظه جيد معناه أن زملاءه كذلك أو حفظه لهذه السورة جيد معناه أن حفظه للتي تليها كذلك هذا لا ينفع، ومن هنا فالامتحانات التي تأتي في المدارس لا تكون محيطة بسماع المقرر وإنما يختار منه أماكن مثلاً خلط عشواء تارة يصيب فيها الطالب فتارة يحفظه ويجيده فيأخذ العلامة كاملة وتكون ما سوى ذلك المكان غير مفهوم لديه، وتارة يصيب أيضاً آيات لديه فيها بعض التعثرات فتنتقص درجاته والواقع أنه متقن لما سواها، فلابد من العدل في مثل هذا وأن لا يقيس الإنسان في هذا الباب بل لابد من سماع الجميع.
    عدم الضجر من التعليم

    ومن هنا فعلى الذي يدرس القرآن أن لا يضجر بتعليم الناس، فقد كتب عمر في كتابه إلى أبي موسى: (وإياك والضجر) فإذا ضجر الإنسان بتعليم الكبار فإن ذلك مدعاة لتركهم لهذا بالكلية، يجلس إليك من يريد كتاب الله ويريد مائدة الله في الأرض ويريد أن تكون أنت وسيلته لهذا الشيء، فإذا وجدت منه خطأً يتردد على لسانه وصعب عليك انتزاعه منه قابلته بالشدة والقسوة فيكون ذلك رادعاً له عن تعلم القرآن أصلاً، فما الذي حمله على أن يذل نفسه؟ سيترك هذا. لكن إذا كنت في كل مرة تبتسم في وجهه وتقول: ( الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق ممن يؤتى أجره مرتين ) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتحاول معه الرجوع إلى تلك الكلمة بوقت وتسمعه إياها من قرأتك أنت عدة مرات، تسمعه إياها في الشريط، تنبهه على مخارج الحروف وصفاتها، تكثر من سؤاله عن الكلمة التي يغلط فيها دائماً كي ينتبه لها، هذا مما يعينه على الحفظ والاستمرار فيه.هذه بعض مهارات للذين يشتغلون بتحفيظ القرآن.
    الأسئلة

    سور القرآن بين السهولة والصعوبة

    السؤال: لو كان الواحد مثلاً يحفظ نصف الصفحة في الأسبوع وصفحات المصحف ستمائة صفحة يعني أنه لن يحفظ القرآن إلا في فترة طويلة؟الجواب: هذا في البداية وهو امتحان لجده وطلبه فإذا استطاع ذلك ونجح فيه بالإمكان أن يزيد وسيجد نفسه داعية للزيادة من الحفظ، وسيجد أماكن من القرآن مختلفة عن غيرها فالقرآن لم ينزل على سورة واحدة؛ ولذلك فثاني حديث في صحيح البخاري يقول فيه البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن حارث بن هاشم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول )، قالت عائشة: (ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً)، فهذا يدلنا على أن القرآن ليس على مستوىً واحد حتى من ناحية الوقع وقع ألفاظه.فالذي يشتغل بالرقى أو التدبر البلاغي في القرآن يعرف التفاوت الواضح في أساليبه وهذا من أنواع إعجازه، وبذلك إذا قرأت على من تلبس به الجن مثلاً فإن وقع القرآن عليه مختلف، يعني: في الآيات التي هي أشد وقعاً من غيرها، وكذلك إذا أتيت سليم الذوق في البلاغة فإنه يتأثر ببعض المواقع تأثراً بالغاً بالرهبة والشدة ويتأثر ببعضها تأثراً بالغاً بالانشراح والانبساط وهكذا.فلذلك لابد أن تعلم أن بعض الآيات يمكن أن تحفظها في مدة أقل مما تحفظ فيه غيرها وبعض السور كذلك.أعرف رجلاً طبيباً أتاه شخص يشتكي من السمنة فسأله فقال: هل تحفظ سورة يونس؟ قال: لا. قال: اجتهد أن تحفظ سورة يونس خلال هذا الأسبوع فقط وائت بي وسأعمل لك دواءً حينئذٍ إن شاء الله، فاجتهد خلال أسبوع لحفظ السورة، فأتاه ولم يحفظها، فقال: إذاً أعطيك أسبوعاً آخر مهلة أخرى لعلك تحفظها فيه، فأعطاه أسبوعاً آخر فجاء وقد انتقص وزنه بخمسة وعشرين كيلو خلال الأسبوعين، لاشتغاله بحفظ هذه السورة.
    تعليم الرجال للنساء كتاب الله سبحانه وتعالى

    السؤال: ما حكم تعليم الرجال للنساء كتاب الله سبحانه وتعالى؟الجواب: إذا كان الأداء ليس بصوت مطرب ولا بتغن فيجوز للمرأة، يعني: بدون خلوة ومن غير فتنة، من غير ما يدعو إلى الفتنة، وإن كانت المرأة تتغنى بالقرآن كما هو مندوب لها في خلوتها وفي نفسها، فحينئذٍ لا يحل للمدرس أن يسمع منها الصوت المطرب.يسمع منها القراءة العادية التي ليس فيها تغن ليعرف هل هي تصلح للقراءة وتتقنها أو لا، لكن ما يسمع منها الصوت الذي فيه تغن بالقرآن، لكن يأمرها أن تتغنى به في خاصة نفسها إذا بقيت مع محارمها أو مع نفسها لكن لا تتغنى به أمامه هو.
    تلقي النساء للعلم عن الرجال والعكس

    السؤال: عن طريق تلقي النساء للقرآن والعلم عن الرجال مثلاً أو تلقي الرجال كذلك عن النساء؛ لأن كل ذلك وارد في تاريخنا الإسلامي وأيضاً يدعو إليه شرعنا؟الجواب: أن أمهات المؤمنين كن يعلمن الناس القرآن فكن يقرأن والناس يسمعون وكان القارئ يقرأ وهن يستمعن فيصلحن أيضاً، وقد أمرهن الله بذلك في قوله: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، وهذا مقتضٍ لأن يعلمن ما يتلى في بيوتهن من القرآن والسنة، ومثل ذلك من بعدهم. وقد كان النساء يحضرن مجالس العلم مثلما يحضرن الصلاة فينعزلن في ناحية لا يختلطن فيها مع الرجال ويسمعن مثلما يسمع الرجال ويسألن مثلما يسألون فيكن في ناحية من المسجد أو المنزل ولا يخالطن الرجال، وكذلك إذا كانت المرأة شيخة للرجال فتجعلهم في زاوية وتحدثهم ولا تختلط بهم ولا تخلو بأجنبي وحده.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,273

    افتراضي



    مقدمات في العلوم الشرعية [4]
    - للشيخ : ( محمد الحسن الددو الشنقيطي )


    تفسير القرآن الكريم أشرف العلوم الشرعية وأهمها وأوسعها لتناوله مختلف مجالات العلم، والذي يريد أن يعد درساً في التفسير له حالتان: الأولى: درساً علمياً، فيطبعه طابع النقل، وهذه الحالة لها مدارسها المشهورة: مدرسة الأثر التي تعتني بما ورد عن السلف في تفسير آيات كتاب الله، ومدرسة الرأي وهي لا تعتمد على مجرد النقل بل فيها الاستنباط من النص وذكر معانيه اللغوية وغيرها، والمدرسة التخصصية وهي التي تعتني بتفسير آيات مخصوصة كآيات الأحكام مثلاً أو آيات السلوك أو نحو ذلك, والحالة الثانية: ما يتعلق باختيار موضوعات من كتاب الله تعالى والاستنباط منها، وهذا الوجه ينبغي فيه جمع النظائر والعناية بها وغيرها.

    طريقة تدريس التفسير


    بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.أما بعد:فسنحاول إلقاء الظلال على طريقة تدريس التفسير.إن هذه المادة من أشرف العلوم الشرعية وأهمها وأوسعها لتناولها لمختلف مجالات العلم، فيدخل فيها العقائد والعبادات والمعاملات وعلوم المقاصد وعلوم الوسائل، وتدخل فيها اللغات، وتدخل فيها بالعموم علوم الرواية وعلوم الدراية، وعلوم ما يتعلق باختلاف القراءات وما ورد من الآثار في التفسير وأسباب النزول، وعلوم الدراية على أوجه الاستنباط من كتاب الله سبحانه وتعالى وما يتضمنه من الغرائب والعجائب التي لا حصر لها ولا نهاية، فهو مائدة الله في الأرض لا يشبع منه العلماء ولا تنتهي عجائبه كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.

    طريقة الدرس العلمي

    والذي يريد أن يعد درساً في التفسير له حينئذٍ حالتان:الحالة الأولى: أن يريد درساً علمياً، معناه: يطبعه طابع النقل، وهذا لابد أن يرجع إلى كثير من المراجع في التفسير، ويفضل حينئذٍ التنويع في مشارب المراجع التي يرجع إليها؛ لأن للتفسير مدارس متنوعة من أشهرها:

    مدرسة الأثر

    المدرسة الأولى: مدرسة الأثر وهي: المدرسة التي تعتني بما ورد عن السلف في تفسير آيات كتاب الله، فيجمع ذلك سواءً كان أحاديث مرفوعة أو آثاراً موقوفاً على الصحابة أو على التابعين أو من دونهم فيجمع ذلك سواءً تعلق باستنباط حكم أو بتفسير كلمة أو ذكر مجلس أو نحو ذلك.ومن أشهر الكتب المؤلفة في هذه المدرسة كتاب أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وهو سيد هذه المدرسة ومقدمها، وكتابه من الكتب النافعة في شتى أوجه التفسير فإذا ذكر آية من كتاب الله أو مقطعاً من مقاطعه يقول: القول في تأويل قول الله تعالى كذا، ثم يبدأ بما جاء في المقطع الذي أورده من اختلاف القراءات وما يترتب على ذلك من اختلاف في الفهم، ثم يبدأ بتفسير المفردات وشواهده اللغوية وأقوال أهل اللغة فيها، ثم بعد ذلك يختم بما يستنبط منها ويعتني بالعقائد والفقه ويذكر أقوال أهل العلم وأدلتهم ويناقش ويختار هو رأياً في كل مسألة.إلا أن ابن جرير رحمه الله تعالى لا يمكن الاعتماد عليه في كل ذلك لأقدميته، والقرآن ليس منزلاً لعصر واحد من العصور ولا يمكن أن يقصر فهمه على طبقة من الطبقات أو وقت من الأوقات بل هو منزل لهذه الأمة بكاملها ولابد أن يدخر فيه لكل عصر ما لا يعطاه العصر الآخر؛ ولهذا فلا يستغنى عن تفسير في كل عصر من العصور، ما من عصر من العصور تعيشها هذه الأمة إلا احتاجت فيه إلى أن يكتب فيه تفسير مختص بذلك الوقت ملبٍ لاحتياجات الناس ومتتبع لما تجدد من مقاصد وأمور في العصر الذي هم فيه.وعموماً فتفسير ابن جرير كتب في وقت لم تكن القراءات فيه مشتهرة؛ ولهذا ربما حكم على قراءة بالشذوذ وهي متواترة وهذا من الملحوظات الواردة على ابن جرير رحمه الله فلم تكن القراءات في زمانه قد دونت وانتشرت؛ فلذلك يحكم على بعضها بالشذوذ مع تواترها.وأيضاً فهو مجتهد مطلق لا يتبع قواعد مذهب من المذاهب المشهورة؛ ولهذا ربما أتى بقول شاذ يخالف فيه جمهور أهل السنة، كقوله في تفسير قول الله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، حين أتى بالقراءتين قراءة: (وأرجلكم) وقراءة: (وأرجكم) كان الصواب: أن القراءتين كالآيتين فأنا أقول بالخيار إن شئت فاغسلهما وإن شئت فامسحهما، فخير في الاثنين بين الغسل والمسح فهذا قول شاذ مخالف لما عليه أهل السنة؛ فلهذا لا يمكن الاعتماد عليه أحياناً.ومن الكتب كذلك التي تعتني بالآثار وهي داخلة في كتب هذه المدرسة تفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وهو معاصر لـابن جرير الطبري فقد توفي ابن جرير سنة ثلاثمائة وعشر وتوفي عبد الرحمن سنة ثلاثمائة وسبع وعشرين، ومثل ذلك تفسير الإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي وهو من هذه الطبقة وفي هذا العصر وقد توفي سنة ثلاثمائة وثلاث، وكذلك تفاسير أهل الحديث المروية في كتبهم وكتاب التفسير في كتب الحديث كلها في هذه الطبقة.ومن الذين يعتنون بالآثار من بعد هذه الطبقة الإمام ابن كثير فقد جمع كثيراً من الآثار في كتابه وينقلها عن الكتب المعتمدة ويذكر في بعض الأحيان أسانيد تلك الكتب ويحكم في بعضها عن الآثار تصحيحاً وتضعيفاً لكنه ربما نقل بعض الإسرائيليات المشوشة مثل أن الشجرة كانت تأكل منها الملائكة ونحو هذا، فلا يخلو تفسيره من بعض هذه من الهفوات القليلة ومع ذلك فقد وضع عليه القبول وتداوله الناس في الروايات.وكذلك تفسير الإمام البغوي رحمه الله فهو أيضاً من هذه المدرسة التي تعتني بالآثار.وقد جاء الجلال السيوطي رحمه الله فجمع انتاج هذه المدرسة بكامله في كتابه الذي سماه الدر المنثور في التفسير بالمأثور، فجمع ما يرويه هؤلاء وسلك في ذلك طريقة المحدثين فإن اختلفت أسانيد هؤلاء وألفاظهم لم يبال بذلك بل يجمع النسبة إليهم فيقول: أخرج ابن منده وابن جرير والبغوي وفلان وفلان كذا ويأتي بلفظ أحدهم فيختار أتم الألفاظ وأكملها كما يفعل البيهقي وغيره من أئمة أهل الحديث؛ ولهذا قال العراقي رحمه الله في الألفية:والأصل يعني البيهقي ومن عزاوليت إذ زاد الحميدي ميزافإنما يقصدون بذلك إخراج الأصل أنهم أخرجوا أصل الحديث لا أخرجوا هذا اللفظ بذاته.ومع هذا فلا يخلو الكتاب من كثير من الأحاديث والآثار الواهية والضعيفة بل وكثير من الموضوعات؛ لأن صاحبه لم يشترط فيه الصحة وإنما اشترط فيه الجمع وقد وفى بجمعه فقد جمع فأوعى وأتى على عدد كبير من تفاسير السلف المعتنين بالآثار فجمع ما فيها في هذا الكتاب.وجاء بعده الإمام الشوكاني رحمه الله فلخص كلام السيوطي في فتح القدير وزاد عليه بعض مختاره من تفسير القرطبي؛ ولذلك سمى كتابه فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير.

    مدرسة الرأي


    المدرسة الثانية: مدرسة الرأي، والمقصود بالرأي: أن لا يعتمد المفسر في تفسير آيات كتاب الله على مجرد النقل عن من سبقه بل يُعمل ذهنه في الاستنباط من النص وذكر معانيه اللغوية وما يمكن أن يستنبط من الأحكام من جمع هذا النص بغيره من النصوص، فهذه المدرسة هي التي انتشرت وكثر المؤلفون فيها.ومن مشاهير الكتب المؤلفة فيها كتاب ابن عطية المسمى بالمحرر الوجيز، وتفسير القرطبي أبي عبد الله المسمى بالجامع لأحكام القرآن، وقد تميز القرطبي بعنايته بنقل المذاهب الفقهية وذكر أدلتها والمقارنة بينها، والعناية بالأحاديث والشواهد اللغوية بتخريجها وذكر من هي له؛ ولهذا كان ديوانا ًمن دواوين العلم المهمة ومرجعاً من مراجع الإفتاء في كل العصور التي جاءت بعده.ومن كتب تفسير الرأي المهمة تفسير ابن الجوزي الذي سماه زاد المسير، وهو ينقل فيه بعض الآثار القليلة ولكن كثيراً مما يعتمد عليه في التفسير معلوماته هو ورأيه ولذلك هو مصنف في مدرسة الرأي، وهو ملخص جيد لخصه لولده يريد أن يغريه به عن شراء عدد كبير من كتب التفسير لكنه مع ذلك قد لا يشفي عليلاً في كثير من المسائل التي يتعرض لها لاختصاره.وكذلك تفسير الإمام الماوردي المسمى بالنكت والعيون، وهو مختصر ملخص إلا أن طريقة الماوردي رحمه الله هي طريقة منهجية فهو متقن لتنظيم المعلومات وترتيبها؛ ولذلك فمن أراد بحثاً في المسائل الفقهية فلينظر إلى تقسيمات الماوردي فإنها ستعينه على تصور المسألة وتتبع شعبها وما يتعلق بها، ومع هذا فهو مختصر كذلك لا يطيل النفس في بعض المواطن التي يحتاج فيها إلى توسع.وكذلك كتاب البحر المحيط لـأبي حيان الأندلسي، وهو كتاب حافل بما يتعلق بلغة القرآن سواءً كان ذلك متعلقاً بالنحو أو بالصرف أو بالبلاغة أو بغريب اللغة فعنايته بلغة القرآن بارزة جداً وكذلك بتوجيه القراءات وإعرابها، ولكنه لا يتوسع كثيراً في الأحكام وأسباب النزول ونحو ذلك.وكذلك من الكتب المهمة في هذا الباب تفسير الإمام الفخر الرازي المسمى بالتفسير الكبير أو بمفاتيح الغيب، وقد أطال فيه النفس كثيراً حتى إنه جعل تفسير الفاتحة في جزء كامل، وهذا التفسير قد ملأه بالعلوم العقلية للمنطق والفلسفة والجدل وغير ذلك، فهو مدرسة مخصوصة بما يتعلق بفهم القرآن واستيعابه على الطريقة العقلية، ولكن مشكلته أنه في كثير من الأحيان يورد كثيراً من المصطلحات غير المشهورة فلا يعرفها إلا المتخصصون في تلك العلوم العقلية، وكذلك يلام بأنه يورد في بعض الأحيان شبهاً فيرد عليها رداً أضعف منها، يقرر الشبهة ويوضحها ثم يرد عليها رداً أضعف من الشبهة، ولذلك يحتاج القارئ فيه إلى مهارة بعلم الكلام وعلم المنطق وعلم الفلسفة وإلى إتقان رد الشبهات كذلك.والغريب أن المؤلف رحمه الله استمر على هذه الطريقة حتى بلغ أواخر سورة الأنبياء فتوفي رحمه الله عند تفسيره لقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُم ْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:101-103]، فهذا المقطع هو آخر مقطع فسره من القرآن وتوفي، فانتدب أحد تلامذته لإكمال الكتاب فأكمله على طريقة المؤلف ولا يستطيع الماهر أن يفصل بين كلام الفخر الرازي وكلام تلميذه لمهارته بأسلوب الشيخ وإتقانه له.وكذلك من الكتب المهمة في هذه المدرسة كتاب الزمخشري الذي سماه بالكشاف، وقد سلك فيه أسلوباً رصيناً قوياً في تفهيم معاني القرآن ودلالاته، وأغرق في علم البلاغة وأوجه الإعجاز اللفظي، ولكنه مع ذلك يلمح فيه بإشارات خفية إلى مذهب المعتزلة فيستر فيه مذهب المعتزلة في الأماكن التي تخفى وتدق، وقد اعتمد عليه عدد من المفسرين الذين جاءوا بعده، فمن الذين اعتمدوا اعتماداً كلياً البيضاوي، وأبو السعود، فكلاهما اعتمدا عليه وأخذوا طريقته، ومن طريقته أنه يختم تفسير كل سورة بما ورد في فضلها، وقد أتى بحديث طويل وضعه أحد الوضاعين في فضائل السور، وتبعه على ذلك البيضاوي وأبو السعود، وهذا خطأ فادح، لكن عذر هؤلاء أنهم لم يكونوا يعلمون أن هذا الحديث موضوع، وإنما رأوا عبارته فاستحسنوها واستهوتهم؛ فلذلك أوردوه في تفاسيرهم، وقد أثنى المؤلف على هذا الكتاب ثناءً عطراً، فقد قال فيه: (الكتب كالداء والكشاف كالشافي). إن التصانيف في الدنيا ذوو عددوليس فيها لعمري مثل كشافيوقد أثنى عليه أمير مكة الذي ساكنه فيها، ولهذا قال مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس: (زمخشر كسفرجل بلدة بنواحي خوارزم، اجتاز بها أعرابي فسأل عن اسمها واسم كبيرها، فقيل زمخشر والرداد، فقال: لا خير في شر ورد) وتركها، منها جار الله محمود بن عمر وفيه يقول أمير مكة علي بن عيسى بن وهاس الحسني: جميع قرى الدنيا سوى القرية التيتبوأها داراً فداء زمخشرا وأحر بأن تزهى زمخشر بامرئإذا عد في أسد الشرى زمخ الشراوكذلك الذين استفادوا منه واتبعوه كـالبيضاوي الذي ألف كتابه فأتقن صنعته وترتيب المعلومات فيه على جودة سبك ودقة في العبارة، وذكر لكثير من النكت البديعة، ومن غرائب ما حصل له فيه أنه حين ألفه وهو بأرض الروم التي تسمى اليوم بتركيا ذهب به يريد إهدائه إلى أحد الملوك، فنزل على رجل من الزهاد من الصوفية فبات عنده فسأله: أين تقصد أيها الشيخ؟ فقال: ألفت كتاباً نادراً في التفسير أريد أن أهديه لهذا الملك لعله يعينني على أمور دنياي، فسكت الرجل، ثم بعد وقت سأله فقال: ماذا قلت في تفسير قول الله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]؟ ففهم البيضاوي إشارة الصوفي، فقطع رحلته ورجع إلى بيته فما وصل البيت حتى أتته معونة الملك، وكانت أضعاف ما كان يتوقعه، لكنه مع هذا يتأول كثيراً في آيات الصفات على مذهبه. وأيضا فإن اتباعه للزمخشري في التفسير أوقعه كما ذكرنا في جلب بعض الأحاديث الموضوعة، ومثل ذلك أبو السعود، إلا أنه قد أتقن جانب إعراب القرآن وبرز فيه، فإعراب مفردات القرآن وجمله من أحسن ما يميز تفسير أبي السعود على اختصاره وبراعته في الإبداع، ومثله أيضا تفسير الإمام النسفي، فهو تفسير ملخص مختصر، حاو لكثير من أوجه الاستنباط في القرآن، ومن قرأه فتحت أمامه أبواب فهم الآية حين يرى ألفاظها وما يتعلق بها مربوطاً بآيات أخرى وبأوجه أخرى من أوجه الاستنباط، وقد وقع في الإشكال السابق في تأويل بعض آيات الصفات ونحو ذلك.ومن الكتب المختصرة النافعة في هذا الباب تفسير ابن جزي المسمى بـ(التسهيل) وقد خلا من كثير من العيوب السابقة، فخلا من الإسرائيليات، وكذلك يندر فيه تأويل الصفات، وخلا كذلك من الأحاديث الموضوعة، وأتى بعبارة مختصرة دقيقة، ومؤلفه مشهور بدقة العبارة والاختصار، فهو مؤلف القوانين الفقهية في المذاهب الأربعة، ومؤلف التقريب في أصول الفقه، وكتبه مختصرة، جيدة السبك، وقد توفي شهيداً رحمه الله نسأل الله أن يتقبله في قتال الروم بالأندلس؛ ولذلك فكتابه من الكتب التي ينبغي أن تقرر في البدايات على صغار الطلبة، وللدروس المسجدية ونحو ذلك، وكتابه سهل يسهل تدبره والتذاكر فيه، ومعلوماته منضبطة، فإذا أراد الإنسان أن يتقيد بشرح كتاب واحد في التفسير كما سنذكره في طرائق التفسير فبالإمكان أن يخصص هذا الكتاب لذلك.وكذلك من الكتب المختصرة في هذا الباب تفسير الجلالين، الجلال المحلي والجلال السيوطي، وهذا الكتاب بدأه الجلال المحلي رحمه الله فافتتحه بتفسير سورة الكهف حتى أكمل القرآن، وفسر سورة الفاتحة، ووافاه الأجل المحتوم عندما أكمل تفسير الفاتحة، وقد أتقن سبكه فيدرج الكلمات في أثناء مواقعها ليتبين لك بها الإعراب وأوجه القراءات دون أن يفصلها عن القرآن، ولهذا كان بعض علمائنا يحفظه مع القرآن حفظا كما هو، يحفظ كلماته مع القرآن كما هي، له كلمات قليلة مختصرة، وأسلوبه رصين جداً، ومن العجيب دقته في التعبير ونباهة صاحبه وذكاؤه في تقدير المضمرات وتقدير الأفعال التي ينصب بها ونحو ذلك، فيقدرها بدقة بالغة، وقد أكمله الجلال السيوطي رحمه الله فافتتح تفسيره من بداية سورة البقرة حتى وصل سورة الكهف، وقد وضع القبول على هذا الكتاب فانتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وكثرت الحواشي عليه، وأهمها على الإطلاق حاشية الشيخ سليمان الجمل الشافعي، المسماة بالفتوحات الإلهية.وهذا الكتاب تميز بجمعه لما يتعلق بإعراب القرآن، فقد أتقنه إتقانا عجيباً، وقد رجع للذين سبقوه في الإعراب فحصر أقوالهم ونقحها، فجمع ما ذكره أبو حيان في تفسيره وما ذكره أبو السعود في تفسيره، وما ذكره كذلك السمين الحلبي في إعرابه للقرآن، وما ذكره العكبري في إملاء ما من به الرحمن من إعراب القرآن، فجمع كل ما في هذه المراجع، فكان مغنياً عن كتب إعراب القرآن.كذلك من الكتب النافعة في هذا الباب كتب المتأخرين ومن أهمها: كتاب روح المعاني للألوسي رحمه الله فقد سلك فيه طريقة بديعة في التفسير، فيذكر الآثار الواردة في التفسير، ثم يذكر أوجه الاستنباط على طريقة الرأي، ثم يورد بعد ذلك ما يسميه بالتفسير الإشاري أي ما يمكن أن يفهم من الآية أو ترمز إليه بوجه من الوجوه، حتى لو كان ذلك بأعداد الحروف أو نحو هذا، وكتابه سلس العبارة، سهل الفهم، إلا أن التفسير الإشاري فيه مزالق حين يجزم الإنسان بأن هذا من تفسير القرآن أو من معنى الآية أو نحو ذلك، ومثله كتاب شيخه روح البيان فهو كذلك جامع لكثير من هذه الأوجه.وكذلك من الكتب النافعة في الرأي من كتب المتأخرين كتاب جمال الدين القاسمي، وقد حاول المؤلف كذلك التعبير فيه بلغة عصرية وأن يكون دقيقاً في تنظيم معلوماته وترتيبها، وهو مشهور بذلك فكتبه مشهورة بدقة الاختيار والنقل، فكتابه قواعد التحديث هو أهم كتب المتأخرين في مصطلح الحديث بلا منازع، وإتقانه لتلخيص التفسير جيد إلا أنه قد وقع في بعض ما وقع فيه من سبقه من الأخطاء في تأويل بعض الآيات ونحو ذلك.وكذلك من الكتب النافعة من كتب المتأخرين كتاب الإمام محمد الطاهر بن عاشور، فهو كتاب حافل، وبالأخص فيما يتعلق بإعجاز القرآن سواءً كان ذلك من ناحية التشريع، أو من ناحية علم الاجتماع، أو من ناحية البلاغة والتركيب، والمؤلف ضليع في هذه الفنون كلها فقد كان مفتي تونس في زمانه يلقب بشيخ الإسلام، وقد مهر في الحديث والتفسير وعلوم اللغة وعلم الاجتماع والفلسفة، واطلع على ثقافات الأمم الأخرى؛ فلذلك كان كتابه من أهم هذه الكتب على الإطلاق، وكتابه اسمه (التحرير والتنوير).وكذلك من كتب المتأخرين المهمة في هذا الباب تفسير السعدي رحمه الله فقد لخص فيه ما ذكره القرطبي، بالإضافة إلى كثير من فوائد ابن القيم في كتبه الكثيرة، وأتى بذلك على طريقة القرطبي، فـالقرطبي رحمه الله يقول: قول الله تعالى، ويأتي بآية ويقول: فيه كذا وكذا مسألة، مثلاً يقول: فيه مائة وسبع مسائل، أو سبعون مسألة، أو خمس وثلاثون مسألة، ويأتي بتلك المسائل مرتبة، وهذه الطريقة هي في الأصل لـابن العربي وابن الفرس في كتابيهما (أحكام القرآن) وسلكها القرطبي ثم تبعه عليها السعدي، وعدد من المتأثرين بـالقرطبي رحمه الله، وكتابه ملخص جيد كذلك إلا أن أسلوبه ليس أسلوباً معاصراً، بل الذي يقرأ فيه يستشعر أنه يقرأ في لغة عصور قد مضت من السالفين، لكنه مع هذا ملخص جيد خال من كثير من العيوب السابقة.وكذلك من الكتب أضواء البيان للشيخ محمد الأمين رحمه الله ولم يقصد به أن يكون تفسيراً متكاملاً للقرآن، وإنما قصد به أن يلم بالآيات التي يفسر بعضها بعضاً، فأصل الكتاب كله تفسير لآية واحدة من كتاب الله وهي قول الله تعالى: اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ [الزمر:23]؛ ففكرة الكتاب كلها تفسير لهذه الآية وحدها، أراد أن يفسر هذه الآية فجنح إلى أن يذكر كل موضع من القرآن يفسر موضعاً آخر أو له به تعلق، ولذلك لم يستوعب كل آيات القرآن، وما كان منها واضح الدلالة تجاوزه، وقد استطرد الشيخ في مواطن من الكتاب، ففي سورة الأعراف استطرد في علم أصول الفقه وإثبات القياس وما يتعلق بذلك، وفي تفسير سورة الحج استطرد في أحكام الحج وما يتعلق به، والترجيح بين المذاهب، حتى كان تفسير آيات الحج من كتابه منسكاً واسعاً، بل هو من أكبر المناسك التي عرفت في زماننا هذا، وأوسعها على الإطلاق، والشيخ كذلك متأثر بأسلوب القرطبي، وإن كان الشيخ يتعرض لكثير من المسائل العصرية، كالقوانين الوضعية والحكم بغير ما أنزل الله، وكالعلاقات مع الدول الكافرة، العلاقات الدبلوماسية، وكالقوانين التي توقع عليها الدول الإسلامية من باب الإكراه، كقوانين الأمم المتحدة وغير ذلك، وتعرض كذلك لكثير مما يعرض للمسلمين في زماننا هذا من الأوضاع الحرجة كتقاسم الدول، فالأصل أن يكون خليفة المسلمين واحداً، وألا يكونوا دولاً، الأصل أن يكونوا دولة واحدة، ويترتب على ذلك أحكام، تعرض الشيخ لبعض هذه المسائل وأجاد فيها، وقد بحث في كثير من الأمور بحثاً علمياً دقيقاً، ومع هذا فإن كثيراً من الناس قد لا يستفيدون من بحثه، لأن أسلوب الشيخ أسلوب علمي، والذي يريد أن يفهمه لابد أن يكون متنوع المعلومات، فالشيخ يبحث في دقائق التفسير، وفي علم أصول الفقه، وفي علم الفقه، وفي علم الجدل، وفي غير ذلك من أنواع العلوم.كذلك من الكتب النافعة في هذا الباب كتاب (في ظلال القرآن) لـسيد قطب رحمه الله وهذا الكتاب كذلك لم يرد مؤلفه أن يجعله تفسيراً كاملاً للقرآن وإنما أراد أن يبين الوجهة الفكرية والثقافة الإسلامية البارزة من خلال القرآن لينشأ عليها الجيل وليتربى عليها، ولهذا فقد أبدع في المقدمات التي يضعها للسور، فكل سورة يضع لها مقدمة يذكر فيها الموضوع الذي ركزت عليه السورة، والمواضيع الجانبية التي تناولتها والعلاقة بين هذه المواضيع، فيجعل السورة وحدة متكاملة بين يديك، ولهذا فإن كثيراً من أهل العلم قال: إذا أردت درساً في التفسير فابدأ من مقدمة الظلال، المقدمة التي يضعها في السورة، ثم راجع ما شئت من كتب التفسير بعد ذلك في تفسير الآيات، ومع هذا فإن المؤلف رحمه الله قد ألف أكثره في السجن، ولما خرج راجعه إلى سورة الحديد، وقتل عند بلوغه في المراجعة قول الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20]، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21].وكذلك من الكتب النافعة في هذا الباب تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمة الله عليه، وهذا الكتاب يبدو فيه تنوع المعارف والاجتهادات لدى الرجل فقد بدأه في البداية على طريقته الأولى التي كان عليها أيام كان مع شيخه محمد عبده وبذلك يظهر في الأجزاء الأولى من الكتاب عقلانية الرجل وفلسفته، بل إنه كثيراً ما يُأول كثيراً من الأمور الغيبية ويحملها على أمور معنوية فقط، ثم رجع عن هذا المذهب بالكلية، واعتنى بدراسة الحديث وتخريجه والحكم عليه، وكان صاحب مدرسة بارزة في هذا الباب، تأثر بها عدد كبير من الناس كالشيخ أحمد شاكر رحمة الله عليه وكالإمام حسن البنا رحمة الله عليه فقد تأثر بـمحمد رشيد رضا في هذه المدرسة، مدرسة الرجوع إلى الحديث، وهذه المدرسة هي التي اشتهرت فيما بعد بمدرسة التخريج، وأثرت في الشام وفي مصر ثم انتشرت في البلدان الأخرى، والشيخ هو منشئ هذه المدرسة رحمة الله عليه، وقد بلغ في التفسير قول الله تعالى في سورة يوسف: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]، فكتب تفسير هذه الآية بعد صلاة العصر، وتوقف ومات في حادث سير في صبيحة اليوم الذي يليه، رحمة الله عليه، ومع هذا فهذا القدر الذي كتبه في التفسير فيه كثير من الأبحاث المعاصرة، والرد على شبهات المستشرقين والعلمانيين، والمدارس المختلفة، وتعرض لكثير من النوازل والمستجدات التي حصلت في زمانه، فهو مرجع في هذا الباب، وعنايته بما يتجدد من الأمور واضحة، وأسلوبه كذلك أسلوب عصري سلس، فإذا راجع الإنسان كتب هذه المدرسة تبين بجلاء أن الفكرة التي تدور على ألسنة كثير من الناس بذم مدرسة الرأي، وتمجيد مدرسة الأثر في التفسير فكرة غير صحيحة، فليس المقصود بمدرسة الأثر أنها المدرسة التي لا تأتي بشيء من الرأي وإنما تأتي فقط بالأحاديث، بل أكثر ما ينقله الذين ذكرناهم من مدرسة الأثر كله آراء عن بعض الصحابة أو بعض التابعين، والمرفوع من ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيء يسير جداً لا يمثل إلا واحداً في المائة أو أقل، وما عدا ذلك كله آراء لكنها آراء مروية عن بعض الصحابة أو التابعين أو من دونهم، فإذاً ما هي إلا رأي، لكنه رأي لأولئك السلف السابقين، وكذلك مدرسة الرأي ليست كما يتصورها كثير من الناس أنها من الرأي المذموم، والقول على الله بغير علم، أو القول في كتابه بما يخالف ما قال به رسوله صلى الله عليه وسلم كما يتوهمه كثير من الناس، بل المقصود أن المؤلف فيها لا ينطلق من قناعات من سبقه، بل ينطلق من قناعاته هو، فيؤلف على أساس فهمه وما توصل إليه وعلى أساس اختياره في التفسير.

    مدرسة التخصص


    المدرسة الثالثة: المدرسة التخصصية في تفسير كتاب الله، وهي التي تعتني بتفسير آيات مخصوصة كآيات الأحكام مثلاً أو آيات السلوك أو نحو ذلك، وهذه المدرسة من مشاهير المؤلفين فيها البيهقي رحمه الله فقد جمع أحكام القرآن للشافعي، وهو كتاب مطبوع، جمع فيه الآيات التي نزع بها الشافعي واستدل بها وبين أوجه استدلاله بها، ثم بعده الإمام الجصاص الحنفي، فقد ألف كتابه (أحكام القرآن) وأورد فيه كثيراً من المسائل الفقهية التي مرجعها الاستنباط من آيات الأحكام من كتاب الله، وكثيراً ما ينتصر للمذهب الحنفي عندما يبين مأخذه من القرآن، ومع ذلك فهو متحرر إلى حد كبير، بل إنه يخالف الحنفية في بعض المسائل مخالفة صريحة، كمسألة الخروج على الحكام ونحوها من المسائل التي تعرض لها؛ فإنه كان يرى أن لا إجماع في المسألة وأن ركون المتأخرين إلى عدم الخروج على حكام الجور إنما هو من باب الذلة والمسكنة والاستضعاف وأن الأدلة تدل على خلافه، وأطال النفس في هذا الباب وذكر أن هدي الصحابة خير من هدي الفقهاء، وقد خرج الصحابة والتابعون وذكر كثيراً من السلف الذين خرجوا في الحكم بغير ما أنزل الله.وكذلك ابن الفرس المالكي الأندلسي، فقد ألف أحكام القرآن على هذه الطريقة، ولكن كتابه لم يطبع حسب علمي إلى الآن وهو موجود مخطوط، وكذلك ابن العربي أبو بكر القاضي، فقد ألف كتابه أحكام القرآن، وحاول فيه حصر الاستنباط، من كتاب الله دون التحيز لمذهب محدد، لكنه كان سليط اللسان، شديداً على خصومه، فكثيراً ما يتهكم بالأئمة، فيقول مثلاً قال: الشافعي وهو عند أصحابه سحبان وائل، ويقول: قال مالك: ولم يبلغنا فيها شيء، قلت: فماذا؟ فيتهكم بالأئمة، وذلك لسلاطة لسانه وقوة أسلوبه، وكثيراً ما يأتي بمسألة ينقل فيها كلام من سبقه من العلماء ثم يقول: بالله الذي لا إله إلا هو لقد زلت أقدام العلماء في هذه المسألة، ومع ذلك فالرجل مؤتىً له في تلخيص العلم، عندما بلغ تفسير قول الله تعالى: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] قال: البيوع التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وخمسون بيعاً وحصرها بالترتيب، وهذه دقة نادرة، حيث يحصر كل الأحاديث الواردة في الباب ويلخصها لك في نصف صفحة، ومع ذلك فمن المؤسف أن الكتاب لم يطبع حتى الآن طبعة صحيحة، فالطبعات الموجودة المنتشرة لا تمثل شيئاً من الكتاب، بل كثيراً ما يقول: قول الله تعالى كذا فيه خمس مسائل أصولية، وثلاث فقهية، وأربع مسائل عقدية، فإذا رجعت أنت إلى المسائل وجدت أربعا فقهية، وثلاثاً أصولية، واثنتين عقديتين وهكذا، فلا تجد المسائل منضبطة مع العد الذي ذكره، وهذا يبين لك أنه حصل فيه سقط كثير، وحذف منه كثير من المباحث المهمة، وكان ابن العربي رحمه الله في المجال السياسي توفيقياً، يسعى للتوفيق بين طوائف الأمة المختلفة، ولهذا كان يرد التهم التي يوجهها المؤرخون في أيام دولة بني العباس إلى بني أمية، وكان يرى أن كثيراً منها لا يصح من ناحية الإسناد وهو كذلك منكر من ناحية العقل، ولهذا ألف كتابه (العواصم من القواصم) بدأ فيه أولا بالصحابة رضوان الله عليهم وكل التهم السياسية الموجهة إليهم، وكل ما يثار بينهم، إما أن ينفيه ويقول لا يصح هذا ويدرسه من ناحية الإسناد ويحكم عليه بالضعف أو الوضع، وإما أن يثبته ثم يجد له مخرجاً شرعياً، ووجهاً واضحاً من أوجه الاجتهاد، ثم بعد ذلك عدل إلى خلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس، فرأى أن التاريخ الإسلامي مشوه وأن كل دولة يكتب مؤرخوها على حسب هوى ملوكها، وعموماً فكتابه هذا من الكتب التي لا يستغنى عنها في مجال تفسير آيات الأحكام.ومن أهم الكتب المختصة في آيات الأحكام كتاب السيوطي (الإكليل في استنباطات التنزيل) وهو كتاب صغير الحجم كثير العلم غزير الفائدة، أوراقه قليلة، حيث جمع فيه ما يستنبط من هذه الآيات التي هي آيات الأحكام خمسمائة آية أورد ما يستنبط منها دون أن يرجح في ذلك مذهباً من المذاهب بأسلوب مختصر دقيق؛ ولهذا فإن بعض أهل العلم يمتحنون طلابهم في الاستنباط من هذا الكتاب، عندما يذكر مثلاً الكثير من المسائل المستنبطة من الآية الواحدة يقال: بين وجه الاستنباط في هذه المسألة؟ وهكذا على طريقة الامتحان.ومن الكتب (دقائق التفسير) المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهي دقائق في بعض آيات القرآن، ولم تكن تفسيراً كاملاً، ومثل ذلك الكتاب المنسوب إليه المطبوع تحت عنوان التفسير الكبير لـابن تيمية، فليس هو تفسيراً مقصوداً لكل القرآن وإنما هو دقائق استنباط الشيخ من الآيات، ومثل ذلك الكتاب المطبوع تحت عنوان (التفسير القيم لـابن القيم) إنما هو من باب كلامه في آيات مختلفة بأوجه الاستنباط العجيبة، فـابن القيم رحمه الله كثيراً ما يستنبط من آية واحدة كثيراً من الفوائد، وظهر ذلك في كثير من كتبه ولهذا فكتابه (مدارج السالكين بين مقامي إياك نعبد وإياك نستعين) مع أنه تلخيص لكتاب الهروي، لكنه جعله تفسيراً فقط لمنازل إياك نعبد وإياك نستعين.فهذه المدارس الثلاث إذا كان الإنسان يريد أن يكون مفسراً لا بد أن يختار من كتبها ما يناسبه من المراجع فيرجع إليه في الموضوع الذي سيحضر فيه درساً وإذا استطاع الرجوع إلى هذه الكتب كلها فبها ونعمت، والكتب التي سميناها هي مختارات فقط ولا تمثل كتب التفسير كلها ولا أغلبها بل هي مختارات، وقد كان بعض أهل العلم إذا أراد أن يفسر رجع إلى ثلاثين مفسراً، فيجمع الأقوال في ذهنه، ومن رجع إليها استطاع أن يثبت المعلومات لديه، وأن يكون ما سيقدمه في الدرس بعض ما لديه فقط كما بينا في القواعد السابقة. وهذا النوع إذا أراد فيه الإنسان درسا متسلسلاً فإما أن يلتزم كتابا معيناً يقرأ عليه ويشرحه بما قرأ في الكتب الأخرى، وينبغي له حينئذ أن يعلم أن القرآن لم تنته معانيه عند الحد الذي بلغه أهل التفسير به، بل لابد أن يبحث هو عن أوجه الاستنباط الجديدة، وعما يتعلق بواقعه، وأن يجتهد في ذلك، ولعلنا نذكر أمثلة إن شاء الله تعالى حيث نختار بعض الآيات مما كان هو مقرراً ونتناولها من أوجه متعددة، نذكر منها ما يتصل بواقعنا وما نعيشه.أما إذا كان الإنسان لا يتقيد بكتاب واحد بل يفسر من تلقاء نفسه فهذا مستوىً عال راق يحتاج فيه الإنسان إلى صفاء ذهن وجودة حفظ، وإتقان لتسلسل المعلومات، ولذلك لا ينبغي أن يقدم عليه إلا من هو أهل لذلك، كما قال أبو العلاء المعري:أرى العنقاء تكبر أن تصادافعاند من تطيق له عنادافالذي ينطلق في التفسير من خلفيته العلمية دون الارتباط بكتاب معين لابد أن يكون أعد لذلك العدة، هذا هو الوجه الأول فيما يتعلق بتحضير درس في التفسير.

    طريقة الدرس الموضوعي


    الحالة الثانية: ما يتعلق باختيار موضوعات من كتاب الله تعالى والاستنباط منها، وهذا الوجه ينبغي فيه جمع النظائر والعناية بها، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا لمن درس علوم القرآن، فالدارس لعلوم القرآن يعرف النظائر في القرآن وأوجه التقابل فيها والتقارب، فإن أهل علوم القرآن لم يتركوا وجهاً مما يتعلق بالقرآن إلا وألفوا فيه وخدموه، كل شيء في القرآن معدود، حروف القرآن معدودة، نقاط القرآن معدودة، والمصحف ما فيه من النقاط معدود، مليون وخمسة وعشرون ألفاً وثلاثون نقطة، هي ما في القرآن من النقاط، ومثل ذلك ما فيه من الفواصل، وما فيه مما يتعلق بالمواضيع المحددة مثلاً ما يتعلق بالبعث بعد الموت جاء فيه سبع مائة وسبعة وستون آية في القرآن، في إثبات البعث بعد الموت فقط، وهكذا، فالذي يريد هذا النوع من التفسير عليه أن يرجع إلى كتب علوم القرآن حتى يعرف النظائر والأشباه، وإذا انطلق من هذه الخلفية استطاع حينئذ أن يحصل هذه المعلومات في ذهنه، ويستطيع تفسير بعض القرآن ببعض، وحينئذ لن يركز على معاني الألفاظ وأوجه القراءات ونحو ذلك كما يركز عليه المفسر في الطريقة الأولى وإنما يركز على المعاني التي يريد إبرازها، كالذي يريد إبراز معنى التضحية في سبيل الله مثلاً في القرآن فيختار لذلك الآيات التي ورد فيها هذا مثل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:38-41]، وقوله تعالى: هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ [الصف:10-13]، فيجمع المقدم للدرس هذه الآيات، ويستنبط منها ويجعل لها محوراً تدور عليه مثل محور الترغيب ومحور الترهيب مثلاً، أو أنواع الحوافز التي أتى الله بها في كتابه للحفز على التضحية والبذل في سبيله.ثم محور آخر وهو أنواع البذل المطلوبة، البذل من البدن، البذل من الوقت، البذل من الجاه، البذل من المال، البذل من العلم.. إلى آخره، ويستنبطها من مجموع هذه الآيات، وحينئذ لا يبالي بدلالات الألفاظ، ولا بأوجه القراءات، ولا بما يتعلق بذلك مما يعتني به المفسر في الطريقة الأولى، وهذه الطرية تشبه ما نسميه اليوم بالمحاضرات العامة، وإن كانت هي وجهاً من أوجه دروس التفسير، وهو تقريباً ما يسمى بالتفسير الموضوعي، أو تشبه التفسير الموضوعي إلا أن التفسير الموضوعي فيه مع ذلك تعرض للجوانب السابقة.وعموماً سواءً اخترت الطريقة الأولى أو الطريقة الثانية عليك أن تحاول الإبداع وألا تكون من المتحجرين الذين يتقيدون باجترار آراء من سبقهم، وأن تحاول أن تأتي بجديد، وأن تتعرض لنفحات الله فأنت تريد خدمة كتابه العظيم، والله سبحانه وتعالى خص كثيراً من الذين خدموا كتابه بكثير من الفتوحات التي لم ينلها من قبلهم، فلتتعرض لذلك بإنابة وإخلاص وخشوع واحترام لما تقرأه وتفسره من كتاب الله سبحانه وتعالى فلعل الله يفتح لك بما لم يفتح به على من سبقك، ولتتذكر أن الفهم في كتاب الله تعالى كما ذكرنا من قبل نعمة ينعم الله بها على من شاء من عباده، ولا تختص بإنسان ولا بزمان، لهذا قال أحد العلماء:وقسمة الحظوظ فيها يدخلفهم المسائل التي تنعقلفيحرم الذكي من فهم الجليإن لم يكن من حظه في الأزلالقضية حظوظ مقسومة، ولهذا فاستنباط علي رضي الله عنه لأقل مدة الحمل من الجمع بين قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15]، وقوله تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان:14] وجه دقيق جداً اختصه الله به، فإن قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15]، جعلت مدة الرضاع ومدة الحمل محصورة في ثلاثين شهراً، وقوله تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان:14] جعلت الرضاع في سنتين، فبقي من ثلاثين شهراً ستة أشهر هي أقل الحمل، ومثل ذلك استنباط مالك رحمه الله جواز إصباح الصائم جنباً من قول الله تعالى: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] قال: لم يترك الله وقتاً للاغتسال، قال: (فالآن باشروهن) ولم يحد ذلك إلا بقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، فلم يترك وقتاً للاغتسال فدل هذا على جواز إصباح الإنسان جنباً، وهذا استيعاب عجيب وفهم دقيق في هذه الآيات.كذلك إذا أراد الإنسان أن يفسر عليه أن يراعي مستويات الحضور الذين يحضرون عنده، فلا ينبغي للذي يشتغل بالتفسير العام على الطريقة الأولى من الطريقتين اللتين ذكرنا أن يجعل ذلك درساً عاماً يحضره عوام الناس وبلداؤهم وجهالهم لأنه بذلك سيفتنهم، فيسمعهم كثيراً مما يحدث لديهم شبهات لا يستطيعون ردها، إنما يحسن بالعوام الطريقة الثانية، التي هي طريقة محاضرة عامة يورد فيها الإنسان شواهد متعددة من القرآن على معنىً من المعاني، أو قاعدة من القواعد الشرعية المسلمة، ويستنبط لذلك أوجهاً تطبيقية من واقعه الذي هو فيه يسهل على العوام إدراكها، أما ما يتعلق بجمع النصوص التي ظاهرها التعارض، وكذلك الجمع بين أوجه القراءات ونحو هذا فهذا من الدقائق التي لا يدركها العوام ولا ينبغي تحديثهم بها، ( وما أنت بمحدث قوما حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم )، وقال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟).هذا أهم شيء فيما يتعلق بتحضير درس في التفسير، وإذا أراد الإنسان تطبيق ذلك كأن يكلف بدرس منهجي لمجموعة محددة عليه أن ينظر إلى مدى استيعابها وإلى مدى الوقت الذي يريد أن يقدم فيه الدرس، فإن كان الدرس مفتوح الوقت متسع الوقت فحينئذ بالإمكان أن يرجع إلى مراجع كثيرة وأن يكثر النقول والاستشهادات وأن يستطرد في المجالات العلمية المفيدة، وإذا كان الوقت محدوداً غير قابل للتمديد فحينئذ عليه أن يقتصر على الأهم، وأن يستوعب هو ما يمكن أن يعرض من الأسئلة فإذا سئل عن شيء كان الجواب حاضراً في ذهنه لأنه قد توسع في الدراسة وقرأ أكثر مما كتب.وفي الترتيب على الذي يفسر الآية أن يبدأ أولا بضبط ألفاظها سواء كان ذلك على مقتضى قراءة واحدة أو قراءات، وبعد ذلك يبين دلالات مفرداتها، ثم يبين إعرابها، ثم يبين معناها جملة، ثم يبين بعد هذا ما يتعلق بها من الآثار، سواءً كان ذلك في أسباب النزول أو مكان النزول المكي والمدني أو نحو ذلك، ثم يورد في الأخير ما يستنبط منها من الأحكام، وتنزيلها على واقع الناس الذي يعيشونه، وينبغي للذي يكتب في التفسير أو يقدم فيه درساً أن يتقيد بآداب التفسير، فكثير من المصطلحات يمكن أن تطلق في غير تفسير القرآن، فمثلاً إذا أردت إعراب بيت من الشعر بالإمكان أن تقول: (من) هنا زائدة أو (لا) زائدة، أو نحو هذا وإذا أردت التفسير فينبغي أن تتحرز من مثل هذه الألفاظ الاصطلاحية التي فيها نقص أدب مع القرآن، ولهذا يقول المفسرون: (من) صلة أو (لا) صلة، لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد:1]، يقولون (لا) صلة ثم استأنف بقوله: (أقسم بهذا البلد) أو هي نفي لمحذوف وهكذا، ومثل ذلك تقدير المحذوف فعلى الإنسان أن لا يجزم بلفظ واحد في الجملة، إنما يبين المعنى كقول الله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ [ق:1] فأين المقسم عليه؟ المقسم عليه محذوف لا محالة لكن ما هو؟ يمكن أن تقول: (لتبعثن) أو هو إثبات البعث لأن كل ما جاء بعده يصب في هذا السياق والسورة جاءت لذلك، ولهذا قال بعده مباشرة: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:2-4]؛ فهذا كله لإثبات البعث بعد الموت فعلم أن المحذوف هنا هو إثبات البعث، لكن لا ينبغي أن تجزم بلفظ واحد تقول المقسم عليه هو إثبات البعث عموماً فيمكن أن يقدر ذلك بقوله: ( لتبعثن) لأن هذا اللفظ جاء في آية أخرى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ [التغابن:7].كذلك على الإنسان الذي يكتب في هذا الزمان في تفسير القرآن أن ينظم ذلك بطريقة منهجية، وألا يستهويه كلام السابقين، فكثير من الناس إذا درس في مدرسة تأثر بأسلوب تلك المدرسة، وينبغي للإنسان ألا يكون إمعة حتى في اتباع أهل العلم في تعبيراتهم وفي ألفاظهم، بل عليه أن يكون ذا أسلوب يتميز هو به وأن يكون ذلك الأسلوب واضحاً يفهمه الناس وألا يكون من المتقعرين، فقد ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقعرين المتفيهقين في الكلام، والله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِين َ [ص:86]، يأمره بأن يقول ذلك عن نفسه، فقد ذم التكلف عموماً، وعلى هذا فعلى الإنسان إذا كتب لأهل زمان أن يكتب بما يتناسب مع واقعه.ومن الذين سلكوا هذا المنهج الترتيبي من المعاصرين المراغي رحمه الله؛ فإنه بتفسيره أتى به على طريقة مدرسية منهجية فيذكر المقطع ثم يذكر بعده تفسير المفردات وأسباب النزول ثم يذكر المعنى الإجمالي وما يستنبط من الآيات، وكذلك سلك بعضه الصابوني، إلا أن الصابوني أراد تلخيص كتب سابقة فلذلك عباراته ليست عبارات معاصرة إنما هي عبارات منقولة عن من سبق ولذلك كتبه تلخيصات لكلام السابقين ويحذف كثيراً مما لا يتناسب مع هذا الوقت أو مما فيه إسهاب أو تطويل ويلخص زبدة المقصود من التفسير الذي يريد تلخيصه. أما تفسير الشيخ سعيد حوى رحمه الله المسمى بـ(الأساس في التفسير) فلا شك أن أسلوب الشيخ فيه متميز بين لكنه ركز على جهة التأثير الروحي في القرآن والتربية فيه؛ وبهذا فيمكن أن لا يعد تفسيراً كاملاً من كل الأوجه وإنما يركز على أمثال القرآن ومواعظه ورقائقه ونحو هذا.


    الأسئلة

    الاستنباطات في القرآن

    السؤال: [هل يشترط للاستنباطات الاطلاع على كتب السابقين؟]الجواب: بالنسبة للاستنباطات لا يشترط فيها أن يكون الإنسان قد اطلع عليها من غيره بل هذا لا يسمى استنباطاً إنما الاستنباط هو ما أعمل الإنسان فيه ذهنه حتى يستخرجه من دلالة القرآن، ويجوز للإنسان أن يفعل ذلك وليس هذا من القول على الله بغير علم بل قد أمر الله بتدبر القرآن بقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وفي قوله: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]، وقال تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] وحض على التدبر في كتابه ولا يمكن أن يتعارض هذا مع قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، ولا مع قوله: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]؛ لأن الاستنباط إعمال الذهن في تدبر آيات القرآن وما تدل عليه، وقد ذكرنا أن دلالاتها لا يمكن أن تكون محصورة على زمان وإلا لانتهى الإعجاز منها. أما ما لا يعلمه الإنسان فالقول فيه على الله بغير علم من أعظم الذنوب وأشدها والوعيد الوارد فيه شديد جداً كتحرج أبي بكر رضي الله عنه من تفسير (الأب) في قوله: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:31]؛ لأنها ليست من لغته ولم يكن يعرف معناها فلذلك ما لا يعرف الإنسان معناه لا يحل له أن يتجاسر عليه ولا أن يتجرأ عليه.
    كتاب في ظلال القرآن


    السؤال: [الأخطاء في كتاب في ظلال القرآن]الجواب: بالنسبة لكتاب في ظلال القرآن مثل غيره من كتب التفسير كما ذكرنا، لا تسلم من خطأ، والذي لا خطأ فيه هو القرآن فقط أما ما سواه من الكتب فلابد أن يكون فيه أخطاء ولذلك فإن البويطي رحمه الله قال: (ناولني الشافعي كتابه فقال: خذ هذا الكتاب على خطأ كثير فيه قلت: يا أبا عبد الله أصلحه لنا قال: كيف وقد قال الله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82] أبى الله العصمة إلا لكتابه) فكتاب الله وحده هو المعصوم أما ما سواه من الكتب فلابد أن تبقى فيها أخطاء لقول الله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، ومع هذا يكفي الكتاب أن يكون نفعه أكثر من ضرره وأن يكون صوابه أكثر من خطأه؛ فهذا كاف ولذلك يقول الحكماء: إذا كنت في كل الأمور معاتباصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلهاكفى المرء نبلا أن تعد معايبهويقول النابغة: ولست بمستبق أخاً لا تلمهعلى شعث أي الرجال المهذبوبالنسبة لأخطاء الكتاب قليلة جداً إذا ما قورنت بما فيه من النفع وأوجه الاستنباط الواضحة والصواب الكثير، وأكثرها تبع فيه سيد رحمه الله بعض السابقين له من المفسرين وكثير منها قد رجع عنه وأصلحه كما ذكرنا فقد أصلح الكتاب إلى سورة الحديد، أما ما بعد سورة الحديد فقد بقي فيه بعض الأخطاء لأنه لم يصلحها هو توفي قبل إصلاحها ولم يصلحها أحد، لم ينبر لها أحد على أن يصلحها على الطريقة التي فعل هو؛ ولذلك ما بعد سورة الحديد فيه بعض الأحيان تأويل بعض الصفات أو نحو ذلك من الألفاظ الموهمة التي ينقلها عن غيره من المفسرين.بالنسب للذين وقعوا في مخاطرات في مجال الإعجاز إنما هم الذين جزموا بمعان غير معروفة في لغة العرب وجزموا بدلالة الآية عليها ومن هؤلاء رفاعة الطهطاوي في تفسيره "الجواهر" ومثل ذلك الغماري في "إعجاز القرآن" فقد ذكرا كثيراً من الأمور جزماً بأنها هي دلالة القرآن، القرآن يدل عليها وهي من النظريات العلمية التي في زماننا هذا بالإمكان أن يشكك فيها أصلاً، وجزما أنها المقصود بالآيات وهذا خطر وخطأ، لكن طريقة الشيخ عبد المجيد الزنداني مخالفة لهذه فلا يجزم أولاً بالطريقة العلمية وإنما يقول: إن هذه الآية أو الحديث يلمح إلى كذا أو يمكن أن يفهم منه كذا وقد جربنا ذلك فنجح وبالإمكان أن تلاحظوا التجربة ويظهر التجربة للناس أو يذكر المراجع العلمية المثبتة له، ويذكر أن أصل الفكرة أنه قرأ هذه الآية أو هذه السورة في وقت من الأوقات فلفت انتباهه الموضوع الفلاني فيها.

    تفسير ابن العربي

    السؤال: [الكلام على تفسير ابن العربي]الجواب: الكتاب الكبير لـابن العربي الأسلوب الذي فيه قطعاً أسلوب ابن العربي، لكن كتب ابن العربي كلها المشهور منها لا يمثلها، مثلاً كتابه "عارضة الأحوذي في شرح صحيح الترمذي " مبتورة كذلك وحذف منها كثير من الأبواب بكاملها وكثير من المسائل ومثل ذلك أحكام القرآن، و ابن العربي من طريقته أن يؤلف كتاباً كبيراً ثم يختصر منه مثل ما فعل في شروح الموطأ فقد ألف كتاباً كبيراً شرح الموطأ وسماه " المدارك في تفسير موطأ الإمام مالك " ثم لخصه بكتابه "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس" وطريقته هكذا مثل طريقة الأندلسيين كلهم، الباجي أيضاً كتابه الكبير في شرح الموطأ وسماه " الانتهاء" واختصره بـ"المنتقى".

    المجاز في القرآن

    السؤال: عن القول بثبوت المجاز في القرآن، وهذا من المسائل التي تعرض أمام المفسر ويكثر الخوض فيها؟ الجواب: أن المسائل الاصطلاحية، والألفاظ الاصطلاحية كلها يستفصل فيها فيبحث أولاً عن دلالتها لأنه لا مشاحة في الاصطلاح فإذا عرفت المعنى فاحكم عليه هل هذا المعنى صحيح أو غير صحيح، أما اللفظ فلا مشاحة فيه لأنه اصطلاح وتسمية لك الحق أن تسميها؛ ولهذا فإن أهل البلاغة يقسمون دلالة اللفظ إلى قسمين: حقيقة ومجاز؛ فالحقيقة هي اللفظ المستعمل في ما وضع له أولاً أي: في المعنى المتبادر عند إطلاقه والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا أي: في المعنى الذي لا يتبادر عند إطلاق اللفظ، ولا يكون ذلك في المفردات وإنما يكون في التركيب؛ فالمفردات كلها حقيقة والتركيب هو الذي تعرف به هل اللفظ حقيقة أو مجاز عند التركيب، ولا شك أن العرب تستعمل أساليب متنوعة في التعبير عن المعاني، هذه الأساليب سواء سميناها مجازاً أو لم نسمها مجازاً لا مشاحة في مثل هذا؛ ولهذا فالذين ينفون المجاز في القرآن يقولون.. إذا وصلوا إلى مجاز من مجازاته يقولون: هذا أسلوب من أساليب العربية، نحن ما ادعينا أن المجاز أسلوب من أساليب الإنجليزية! المجاز ما هو إلا أسلوب من أساليب العربية، وخلافنا إذاً خلاف في الاصطلاح فقط وسبب التشدد في منعه -حتى قال ابن القيم: هو أحد الطواغيت الأربعة- راجع فقط إلى أن كثيراً من المتأولين الذين يؤولون صفات الله سبحانه وتعالى يعتمدون في ذلك على حمل هذا على المجاز، ولكن ذلك لا يستقيم حتى مع قاعدة المجاز لأن المجاز يشترط له أمران:أولاً: القرينة التي تدل على عدم إرادة الحقيقة، ثانياً: العلاقة بين المعنيين، لابد أن تكون بين المعنيين المعنى الأصلي والمعنى الذي نقل إليه اللفظ علاقة، وهذه العلائق خمسة وعشرون علاقة معروفة في البلاغة وفي الأصول كذلك، ولابد كذلك من قرينة تدل على عدم إرادة المعنى الأصلي. وكذلك فالذين يعترضون على إطلاق المجاز منهم من أبعد النجعة كشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: المجاز كذب لأنه ضد الحقيقة، فالحقيقة هي الحق وضدها مجاز ولا يمكن أن يكون الكذب في القرآن، والجواب عن هذا: أن الحق يطلق على ضد الكذب ويطلق على ما يستحقه الإنسان ويطلق على الثبوت، فتقول: لي حق على فلان، الحق الذي لك على فلان هل هو ثابت أو غير ثابت؟ لو كان الحق هنا ضد الكذب لما قلت: هل الحق ثابت أو غير ثابت؟ فالحق بمعنى المستحق الذي يمكن استحقاقه، وتقول: حق عليهم القول معناه: وقع وليس معنى ذلك: صدق عليهم القول؛ لأن القول كان صدقاً، كلام الله صدق على كل حال، حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [غافر:6] معنى (حقت كلمات ربك)؟ أي: وقعت وليس معناه أنها كانت كاذبة فتحققت معاذ الله! وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا [النساء:87]؛ فإذاً هذا مصادرة لأنه لا يقصد بالحقيقة لدى أهل البلاغة الصدق حتى يكون ضدها الكذب وإنما يقصد بها ما تقرر عليه وضع اللفظ أي: ما وقع عليه اللفظ وليس المقصود كذلك ما توهمه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين ذكر أن البحث في الحقيقة والمجاز مقتض من الإنسان أن يحضر وضع اللغة أصلاً حتى يعرف لأي معنى وضع اللفظ؛ فيقول: هل حضرتم وضع المعاني حتى عرفتم أن الأسد في الأصل يطلق على الحيوان المفترس لا على الرجل الشجاع؟ الجواب عن هذا أنه لا يقصد بذلك الوضع التاريخي وإنما يقصد به الأسبقية في الذهن فقط، أول ما يتبادر إلى ذهنك وأنت من أهل اللغة إذا سمعت كلمة (أسد) ما هو؟ الذي يتبادر إلى ذهنك هو الحقيقة والذي يدل عليه هذا اللفظ دون أن يتبادر إلى ذهنك فهو المجاز، وحينئذ كان الاعتراض في غير موضعه، وعلى هذا فلا مانع أبداً من إثبات المجاز في القرآن كما تثبت فيه الحقيقة ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله حين سأل عن قول الله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] قال: هذا من مجاز اللغة، حيث جمع العين فقال (بأعيننا) ولا يقتضي ذلك إثبات الأعين لله سبحانه وتعالى بصيغة الجمع. ولا يمكن أن تقول مثلاً: لا يدخل المجاز في آيات الأسماء والصفات؛ لأن هذا مصادرة أيضاً غير صحيح بل يدخل المجاز في آيات الأسماء والصفات لكنه يدخل على وجه لا يقتضي تأويلها على غير المراد مثل قول تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، هذه آية من آيات الصفات وقطعاً فيها مجاز وهو قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ [الشورى:11]؛ لأنه أتى بأداتي تشبيه الكاف و (مثل) ولا يمكن أن يكون المعنى: (ليس مثل مثله شيء) هذا لا يمكن أن يحمله عليه عاقل، بل هو مجاز والمقصود بذلك (ليس مثله شيء) هذا النوع يسمى المجاز بالزيادة. وكذلك فيما ذكرنا في: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]؛ فأثبت لنفسه عيناً في هذه الآية، وفي هذه الآية جاء الجمع وقد حمله الإمام أحمد وغيره على أن الجمع مجاز؛ لأنه لا يحسن أن يضاف المفرد إلى الضمير الذي يدل على الجمع وهو (نا) فلو قال: (تجري بعيننا) أو (بعينينا) لكان هذا مستبشعاً في اللفظ فلذلك حسن في اللفظ أن يقال: (بأعيننا)، مثل قوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]، ومثل قولك: قطعت رؤوس الكبشين، على القاعدة المعروفة في اللغة.
    الكلام على تفسير الشوكاني


    بالنسبة للشوكاني رحمه الله تفسيره يمكن أن يكون جامعاً بين مدرستين كما سماه هو؛ ولهذا فإنه يذكر الرأي أولاً ثم يذكر الآثار في آخر تفسيره للمقطع الذي يفسره؛ وبذلك فهو من الكتب النافعة لو قرر تدريسها، ولكنه يحتاج إلى أن يحكم الإنسان على الآثار التي يوردها لأن الشوكاني يعتمد فيها على السيوطي اعتماداً مطلقاً ولا يحكم على شيء منها، وإنما ينقل كلام السيوطي كما هو، وكذلك في الرأي يعتمد على القرطبي اعتماداً كاملاً في تفسير المفردات والاستنباط وبعض المسائل الفقهية التي تعرض لها مع أنه لم يكثر كثيراً من المسائل الفقهية وكذلك في أوجه القراءات مع أن القرطبي توسع في نسبة القراءات إلى ذويها والشوكاني لم يفعل ذلك رحمه الله، بل اعتمد قراءة نافع فتفسيره كتب معه القرآن بطريق الأصفهاني عن ورش عن نافع وقد كانت طريق الأصفهاني مقروءً بها في اليمن ذلك الوقت وقد اندرست اليوم فنحن نقرأ بـورش ولا نعرف طريق الأصفهاني إنما نقرأ بطريق أبي يعقوب الأزرق عن ورش وبينهما فروق كثيرة جداً، ولذلك إذا قرأ الإنسان المصحف المكتوب مع تفسير الشوكاني وبالأخص الطبعات القديمة قبل أن يغيره الطابعون ربما استشكل بعض الكلمات أو كتابتها لأنها على رواية ورش بطريق الأصفهاني.

    العناية بطبعات التفاسير

    بالنسبة للعناية بالطبعات في كتب التفسير من الأمور المهمة جداً لأن كثيراً من كتب التفسير قد مسخت بالطباعة التي طبعت بها؛ فالبتر والتحريف وتغيير الكلمات كثير جداً؛ ولهذا فعلى الإنسان أن يختار الطبعات وإن استطاع أن يقارن بين طبعتين فأكثر فهذا أجود؛ ولذلك فإن أهل الحديث منعوا أن يقرأ الإنسان في كتاب لم يقابل على أصول خطية موثوق بها وحرموا ذلك في الحديث، ونظيره في التفسير، والنووي رحمه الله قال: على أصل واحد قال العراقي: قال النووي: أصل فقط، قال: إذا كان لديه أصل موثوق فيه بلاغات وسماعات فيمكن أن يقابل عليها، على أصل واحد، فيكفيه ذلك لكن ابن الصلاح وغيره رأوا أنه لابد من عدة أصول، ومن هنا فالطبعات لهذه الكتب لابد من الاختيار فيها، بالنسبة لـابن جرير الطبري خير طبعاته الطبعة التي خدمها الشيخ أحمد شاكر رحمة الله عليه قد خدمها من الناحية الحديثية مع أنه لم يتعب نفسه كثيراً فيما يتعلق بالقراءات واللغة مع أنه هو لا بأس به في اللغة ومع ذلك فلم يكمل الكتاب رحمة الله عليه، وفي الطبعات الأخرى كثير من الأخطاء هذا لابد من مقارنة الطبعات. وكذلك تفسير ابن كثير فإن له حوالي أربع عشرة طبعة في المكتبات اليوم، وأكثرها لا تخلو من أخطاء ومن أضعف هذه الطبعات طبعة دار الكتب العلمية وطبعة دار الشعب في مصر ففيهما كثير من التحريف والسقط وغير ذلك، والذي يريد الرجوع إلى تفسير من هذه التفاسير لابد أن يتوثق من مقارنة بين الطبعات. وأما تفسير ابن أبي حاتم وتفسير البغوي وتفسير النسائي فهذه قد حققت في رسائل علمية؛ فعلى الأقل حكم على أحاديثها ومع هذا لا تخلو من أخطاء طباعية ويبدو أن الخطأ الطباعي سمة المطبوعات في زماننا هذا، إذا قرأ الإنسان الصفحة قل ما يجد صفحة خالية من الأخطاء. وكذلك تفسير القرطبي خير نسخه النسخة التي حققها إبراهيم أطفيش ورفقاؤه هي الطبعة القديمة وهي أحسن الطبعات وأدقها. وبالنسبة لتفسير ابن عطية قد طبع طبعتين، الطبعة مشتركة بين قطر والمغرب والطبعة الجديدة التي في خمس مجلدات والطبعة القديمة خير من الجديدة، وكذلك تفسير أبي حيان طبع ثلاث طبعات ومن أحسنها التي هي في ثمان مجلدات خرج بعض أبياتها وشواهدها، وكذلك تفسير الرازي طبع طبعتين كلتاهما فيها أخطاء وينبغي الاعتماد على النسخة القديمة فيه وقد بينا من قبل أن الطبعة الأولى من الظلال فيها أخطاء فادحة وأن المؤلف أصلحها إلى سورة الحديد فالطبعات التي طبعتها دار الشروق أحسن من الطبعات القديمة، طبعة دار الشروق هي أحسن طبعاته، وهكذا في بقية التفاسير لابد أن يعتني الإنسان باختيار النسخ وإن استطاع مراجعتها على مخطوطات أو على الأقل مقابلة عدة أصول مطبوعة فسيتبين له كثير من الأخطاء الفادحة التي فيها.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.





    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو حاتم ابن عاشور
    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •