تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 4
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 61 إلى 76 من 76

الموضوع: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (54)
    الحلقة (61)




    تفسير سورة البقرة (25)


    أمر الله بني إسرائيل بأن يدخلوا قرية ويدعوا الله بأن يحطّ عنهم خطاياهم، فبدّلوا كلام الله، فأنزل الله عليهم عذاباً من عنده، وأمر الله نبيه أن يذكّر اليهود بما أنعم عليهم من رزق وخير، لا تعب فيه ولا نصب، جاءهم بعد لأواء وشدة، ولجوء إلى موسى كي يدعو ربه، حينها أمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت عيون الماء صافية نقية.

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة:58-60].

    لمحة تاريخية عن اليهود الذين جاءوا إلى المدينة

    ما زال السياق الكريم مع بني إسرائيل، أي: اليهود الذين عايشوا النبي صلى الله عليه وسلم بضع سنوات في هذه المدينة، وهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وهم يمثلون العالم اليهودي.ونزوحهم إلى هذه الديار -كما علمتم زادني الله وإياكم علماً- سببه اضطهاد الروم لهم؛ لأنهم في نظرهم قتلة إلههم، وثاني سبب: تباشير التوراة والإنجيل ببعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وأنه يخرج من جبال فاران، وهي جبال مكة، وأن مهاجره بلد ذات نخيل وسبخة، وهي يثرب، فجاءوا ينتظرون طلوع الشمس المحمدية ليدخلوا في الإسلام، ويستردوا مجدهم وقوتهم ومملكتهم، فلما رأوا أن الريح غير ملائمة، وأن الإسلام إذا دخلوا فيه أنساهم أجدادهم وآباءهم، من ثَمَّ تغيرت قلوبهم، وناصبوا العداء للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين.وتم الذي أراده الله، فبنو قينقاع فعلوا فعلة قبيحة فأجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم أول فئة منهم.وبنو النضير أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهم في حكم من قتل، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا أن أجلوهم إلى الشام.وبنو قريظة لما انظموا إلى الأحزاب، الذين جاءوا لإبادة الإسلام وأهله، وانهزم الأحزاب بأمر الله، وعادوا إلى ديارهم خائبين، حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة، فاستسلموا وخضعوا، فقتل رجالهم، وكانوا نحواً من سبعين رجلاً، وسبى ذراريهم ونساءهم بحكم الله .. بقضاء الله من فوق سبع سماوات.

    كتابة التيه على بني إسرائيل أربعين سنة لخذلانهم نبيهم موسى عليه السلام

    هؤلاء اليهود المعبر عنهم في القرآن ببني إسرائيل، وقد طال الحديث عنهم، عندما تتأمل تعرف أن القلوب بيد الله، يهدي من يشاء، استعرض لهم حياتهم بكل ما فيها، جزئية جزئية، فلو كان الله أراد أن يسكنهم دار السلام لكانوا دخلوا في الإسلام أجمعين، ولكن قَلَّ من دخل منهم في الإسلام، أفراد قليلون، واسمع ما يقول لهم: واذكروا، أي: واذكر لهم يا رسولنا. وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ [البقرة:58]، من القائل؟ القائل: الله عز وجل. من الواسطة الذي يبلغ؟ هو يوشع بن نون فتى موسى وتلميذه وصاحبه؛ لأن بني إسرائيل لما وقفوا ذلك الموقف؛ موقف الهزيمة المرة، كما وقف المسلمون الآن مع اليهود، وقالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، ونحن نقول: الأمم المتحدة .. أمريكا لم ما تخرج اليهود؟ ونحن أسوأ حالاً من أولئك، نحن ألف مليون، وهم ستمائة ألف بنسائهم وأطفالهم، يقاتلون العمالقة، ويخرجونهم من أرض القدس، أمر صعب، إلا أنه لما كان الله معهم ينتصرون، فنحن لو كان الله معنا ولا ثلاثة أيام، والله لو يعرف اليهود أنا أقبلنا على الله، وواليناه ووالانا، لعزموا على الرحيل من تلقاء أنفسهم.فلما جبنوا وخاروا وتأخروا ضربهم الله أربعين سنة، وهم يتيهون في الأرض، في صحراء سيناء، فلما طلع النهار شدوا على الجمال والبغال والحمير يمشون يمشون، اشتد الحر نزلوا، باتوا، غداً يجدون أنفسهم في مكانهم، ولكن الله عز وجل أكرمهم؛ لأنهم أبناء وأحفاد أنبيائه ورسله، فهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.فأنزل عليهم المن والسلوى: الحلوى واللحم، والغمائم تظللهم من حر الشمس، ويروى أن ثيابهم ما بليت ولا تمزقت، وبقيت كذلك.إذاً: أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26]، هكذا: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26]، من هم الفاسقون اليوم؟ الذين خرجوا عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا تحزن عليهم.

    حال بني إسرائيل في عهد يوشع بن نون

    امتد الزمان وطالت الأيام فتوفي موسى عليه السلام، وقبله أخوه هارون، ومات جيل الهزيمة؛ فالذين كانت أعمارهم أربعين وخمسين انتهوا، ونشأت ناشئة جديدة صحراوية، لكنها ما نبتت في منابت الفسق والباطل، فقادهم يوشع بن نون ، الذي نبأه الله، وأرسله إليهم.وقد ذكرت لكم ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن يوشع لما غزا وكان يوم جمعة، وكاد يصل إلى الأسوار، والبناء للمدن كان على أسوار تعتمد عليه، فإذا الشمس تغرب، فخاف إذا غربت يقف القتال؛ لأنهم مأمورون بعدم القتال يوم السبت، فنظر إلى الشمس وقال: يا شمس! أنت مأمورة وأنا مأمور، قفِ مكانك. والله وقفت، وواصل الزحف حتى دخل البلاد.الآن وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ [البقرة:58]، على عهد يوشع أو لا؟ ادخلوا المدينة العاصمة، وهي القدس، فيها العسل، واللبن، والفواكه، والخضر، يكفي أربعين سنة وأنت مع الحلوى ولحم الطير.قد يقول القائل: ما هي الحلوى؟قلنا: هي الكمأة، لكن فيها عسل وحلوى، من الحلاوة. ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ [البقرة:58]، مما أحل الله لكم وأباح لكم. رَغَدًا [البقرة:58]، أي: عيشاً، واسعاً، طيباً، لا صعوبة فيه، ولا نكد. ورغد العيش: سعته وطيبوبته. وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة:58]، المراد بالباب المعروف الآن بباب حطة، هذا الباب أمرهم نبيهم يوشع وقائدهم عليه السلام بأن يدخلوا راكعين، ومن الجائز أن نقول: كان سقف الباب منخفضاً، فلابد وأن يطأطئ الرجل رأسه حتى يدخل، ولسنا في حاجة إلى هذا ما دام لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد الله أن يمتحنهم: ادخلوا راكعين؛ لأن السجود وضع الجبهة والأنف على الأرض، كيف يمشي الساجد؟ لا يمكنه ذلك.فالمراد من السجود هنا: الخضوع، والذلة، والانكسار بين يدي الجبار؛ شكراً له على الإنعام، والتوبة إليه من التمرد والعصيان. ادخلوا راكعين، والركوع صاحبه يمشي، والصحابي مشى من صف إلى صف بعيد وهو راكع. وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة:58]، لم ما قال: ركعاً؟ لأن لفظ السجود هو الذي يدل على المطلوب وهو الخضوع، والذلة، والانكسار أمام الجبار حيث أنعم عليهم، وفتحوا البلاد.وإليكم ما يؤكد هذا: كيف دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح ودخلت خيله، ومعه اثنا عشر ألف بطل؟والله دخل ولحيته الشريفة هكذا على قربوس السرج كأنه كتلة، خاشعاً .. خاضعاً .. شاكراً لله نعمته عليه، قربوس لحيته تضرب في قربوس السرج، وما دخل متعنتراً.وهنا من سنين ونحن نذكر جهلنا وهبوطنا وضلالنا، عندما يستقل الإقليم من أقاليمنا المستعمرة، وكلها باستثناء هذا البلد، ما إن يستولوا على الحكم حتى يقيموا حفلات العهر والباطل والغناء، ويطلبوا إخوانهم الذين يسمونهم بالعملاء للاستعمار: اذبح، قتل، دمر، والأفراح إلى عنان السماء.فنقول: هل عرفتم كيف دخل نبيكم مكة وقد أخرج منها؟!ثم لما دخل ووجد إخوانه وقد طأطئوا رءوسهم، وانحنوا في ساحة المسجد الحرام، وهو مصلت السيف، ماذا قال؟ ( ما تظنون أني فاعل بكم يا رجال قريش؟ قالوا: أخ وابن أخ. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء )، فلم ينتقم من أحد.كيف ما نذكر هذه المواقف؟!والعلة أبنائي معروفة، جهلة ما عرفنا الله، ولا الطريق إليه، ماذا ترجو منا؟ تريد أن تختبرنا؟ عند الباب، آذِ واحداً فقط ولو بنعلك، وانظر ماذا تشاهد؟إذاً: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة:58]، أي: راكعين، شكراً لله رب العالمين، إظهاراً للإذلال والطاعة لله، المنعم المتفضل. وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58]، ومعنى (حِطَّةٌ): احطط عنا خطايانا، وقد تكون هذه الكلمة بالعبرية، وجاءت في القرآن بحسب لغتهم، ولا بأس أن تكون (حِطَّةٌ) بمعنى: احطط عنا خطايانا، ولها نظير في اللغة على وزن خسة.إذاً: قولوا هذه الكلمة، تعلنون فيها عن ذنوبكم الماضية من الفسق، والضلال، والعصيان، واطلبوا من الله تعالى أن يحط عنكم خطاياكم؛ لتدخلوا طاهرين.والجزاء: قال تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [البقرة:58]، سبحان الله ما أكرم الله وما أشد حلمه! كأنهم أطفال صغار يربيهم، لا إله إلا الله، وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [البقرة:58]، خطيئاتكم، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58] أيضاً، فالذين عبدوا العجل يغفر لهم، والذين ما عبدوا العجل يزيدهم في إحسانهم .. الذين فسقوا وتمردوا يغفر لهم، والذين استقاموا وما عصوا يزيد في الإحسان إليهم، فالسعادة للجميع، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58]، نزيدهم من إنعامنا، وإكرامنا، وإفضالنا.

    تفسير قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ...)

    قال تعالى مخبراً عنهم: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة:59]، أرأيتم العلة ما هي؟ الظلم، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة:59]، ظلموا من؟الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فالذين وضعوا الشيء في غير موضعه من بينهم الذين عبدوا غير الله، وضعوا العبادة لغير الله، وهكذا كل الذين قارفوا الذنوب فهم في ذلك ظالمون لأنفسهم، متهيئون للعصيان من جديد والتمرد؛ لأن نفوسهم خبثت، وما بقي فيها نور.

    تبديل بني إسرائيل لكلام الله

    فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة:59]، بدلوا، قالوا: حنطة، بدل حطة، بعضهم قال: حنطة، حبة في شعيرة، أعوذ بالله، هذا نوع من الاستهزاء أو لا؟ولا تنسوا الآن بين المسلمين من يستهزئ ويسخر من كلام الحق، إذا كان ما هو من حزبه أو من جماعته أو من كذا، ويقول كلمات أسوأ من هذا ويسخر، ولا عجب. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة:59]، أنفسهم، فشوهوها، وقبحوها، وأصابوها بالظلمة، والنتن، والعفن من جراء الفسق، والفجور، وارتكاب كبائر الذنوب، هؤلاء بدلوا القول الذي قاله الله لهم على لسان يوشع ، ادخلوا راكعين وقولوا: احطط عنا خطايانا، قولوا: حطة، قالوا: حنطة، ودخلوا يزحفون على أستاههم وبلَّغ هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، فما دخلوا راكعين، بل دخلوا يزحفون على أستاههم وأدبارهم، ويقولون: حنطة، حبة في شعيرة.أرأيتم الجماعات التي تهبط كيف؟ لا إله إلا الله.

    عاقبة تبديل كلام الله

    قال: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا [البقرة:59]، نقمة الجبار، الله موجود أو لا؟ نعم. أين هو؟ فوق عرشه .. فوق ملكوته، يدير الملكوت كله.وهذه الفاءات لترتيب السببية على الفور: فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة:59]، أما الذين ما ظلموا لا حمى، لا نابض، ولا باردة، ولا صداع، الَّذِينَ ظَلَمُوا ، أنزلنا عليهم: رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ [البقرة:59]، (رِجْزًا): عذاب فيه وسخ، وأكثر الروايات أنه اجتاحهم وباء، وهو الطاعون، فما من واحد إلا وهو يخرأ -بلا شك- هذا رِجْز. فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [البقرة:59]، الباء سببية، ما قال: بسبب فسقهم، قال: بسبب ما كانوا يفسقون، أي: يتجدد فسقهم في كل أمر وكل نعيم، فسق متواصل؛ لا أنه فسق واحد وآخذهم به وانتهى، لا .. لا، بل بسبب ما كانوا دائمين مستمرين عليه من الفسق، كلما يؤمرون بأمر يسخرون منه ويتركونه.

    ضرورة العودة إلى القرآن والسنة

    هل في هذه الآيات عبرة للمؤمنين؟ هل تنقضي عبر هذه الآيات؟ والله ما تنقضي ما بقي إنسان يعبد الله.هل المسلمون ينتفعون بهذا؟هل يجتمعون عليه ويدرسونه في المدن والقرى بالنساء والرجال، لا والله، كيف ينتفعون إذاً؟ قولوا لي: كيف؟إذا لم يجتمع المؤمنون والمؤمنات في بيوت ربهم كل ليلة وطول العام من المغرب إلى العشاء يدرسون كتاب الله، ويعملون بهداه أنى لهم أن يعرفوا أو يهتدوا!الآن الأمم المتحضرة التي نتعشق حياتها، ونجري وراءها، إذا دقت الساعة السادسة وقف دولاب العمل، فأغلقت المصانع والمتاجر، ووقف دولاب المزارع وغيرها، وذهبوا إلى اللهو والباطل: دور السينما .. المقاصف .. الملاعب .. المسابح، ونحن أيضاً لا .. لا. نحن نحب الدنيا أكثر، لا نستطيع، إذا غابت الشمس صل ثلاث ركعات المغرب وافتح الدكان وأدر الشغل والمصنع حتى نصبح أقوياء قادرين على أن نضرب أوروبا!ماذا عسانا أن نقول؟ هبطنا إلى الحضيض.كيف نعود؟نعود إذا رجعنا إلى القرآن والنبي، لا أقل ولا أكثر، فالقرآن روح، فلا حياة بدونه، والنبي سراج منير، فلا هداية بدونه.أين نجد الله والرسول والله يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]؟الله: كتابه، والرسول: هديه وسنته.ما عندنا استعداد يا شيخ نطلب هذا، مشغولون نحن! بم؟ بما نهيئه من طعام، وشراب، ولباس، ونكاح، و.. و.. هذا هو شغلنا الشاغل، فليس عندنا وقت.إذاً: هذا شغل الهابطين، أنتم لا تريدون السماء؟ أوه! أين السماء هذه؟ لا تريدون أن تسكنوا في الملكوت الأعلى؟ لا ندري. كيف لا تدرون؟ أما سمعتم الله تعالى يقول: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].كيف تطلع إلى السماء -يا عبد الله- إذا لم تلبس ثياباً خاصة بالطلوع، وإذا لم تستعمل آلات خاصة بالطلوع؟! هل رأيتم طياراً أو من يعرجون إلى الأفق؟ هل يبقون كعادتهم أو يبدلون كل شيء؟ حتى لباسهم يغيروه، ونحن نريد الملكوت الأعلى؟ لا يا شيخ، لا تقل هكذا. لو أردنا صادقين لأقبلنا على الله وأطعناه، لكنها كلمات باللسان فقط.أعيد الآية من جديد وتأملوا: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [البقرة:58-59].إذاً: احذروا الفسق والظلم يا أيها المسلمون! فلستم بأشرف من بني إسرائيل.احذروا الفسق والظلم، وقد فعل الله ما علمتم بالظالمين وبالفاسقين من بني إسرائيل، فلا يبقى بعد اليوم ظلم ولا فسق في ديار المسلمين!

    تفسير قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر ...)

    قال تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة:60].اذكر يا رسولنا لهم، قل لهم: اذكروا يا معشر يهود! القرآن يفضح سرائركم، ويظهر خفاياكم، وأنتم لا تنكرون هذا، وهل يستطيعون إنكاره؟ لا يستطيعون.اذكروا إذ استسقى موسى لقومه، أين استسقى لهم؟ في مصر؟ لا .. لا.. النيل كاف، هذا في التيه، لما اجتازوا الديار المصرية بانفلاق البحر وخروجهم إلى أرض سيناء، عطشوا في يوم من الأيام، وكادوا يموتون من العطش. فأوحى الله تعالى إلى موسى أن: اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ [البقرة:60]، لعل هذا حجر خاص، أو هو حجر لكن بعد فترة أصبح الحجر معهوداً لهم، يحملونه معهم على البهائم إذا رحلوا، فإذا انقطع الماء وعطشوا يضربه موسى فيتفجر الماء. هذا سحر؟ السحر لا يظهر بهذا المظهر، يظهر بالعين فقط، هؤلاء يشربون، ويغتسلون، ويتوضئون الأيام والليالي. فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ [البقرة:60]، فضرب: بسم الله، فَانفَجَرَتْ مِنْهُ [البقرة:60]، والله اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [البقرة:60]، من هنا عين .. من هنا كالبزبوز كما تسمونه أو الكباس، اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [البقرة:60]، لم هذا العدد؟ لأن قبائلهم اثنتا عشرة قبيلة، وهؤلاء هم الأسباط، أولاد يعقوب عليه السلام، وإخوة يوسف كم كانوا؟ اثنا عشر رجلاً: بنيامين، ويوسف، وعشرة: يهودا ومن معه، كل ولد منهم أصبح شيخ قبيلة، وقبيلة حرب عندنا في الحجاز تفرعت إلى أفخاذ وبطون.إذاً: كل واحد أصبح أبا لقبائل متعددة.فكانوا اثنتي عشرة قبيلة، أي: سبطاً، كل عين يشرب منها سبط حتى لا يتزاحموا؛ لأنهم ما زالوا لم يتربوا في حجور الصالحين، والله ممكن يتضاربون.رأينا الحجاج قبل أن يفتح الله بهذه المياه يتقاتلون في منى، رأينا بعضهم بالسكين في يده على الكباس.إذاً: من رباهم؟ما جلسوا في حجور الصالحين، فالله عز وجل من رحمته وإحسانه بهم جعل لكل قبيلة عيناً خاصة بها، كباس مستقل، وفعل هذا بهم في البحر، فانفلق اثنتا عشرة فرقة، كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63]، لأنهم لو مشوا في فرقة واحدة يتزاحمون ويتضاربون، ويقولون الباطل.إذاً: اثنتي عشرة قنطرة أو جسراً يمشون عليه، وكذلك الماء لو كان عيناً واحدة، ولا تنس.كيف حال المسلمين اليوم، إذا تزاحموا على دكان فقط ترى العجب.ولكن ما كل المسلمين هكذا يا شيخ؟إي والله، الذين تربوا في حجور الصالحين، وأصبحوا من ذوي الأحلام والنهى، والعقول، والبصائر، حاشاهم، إنهم كالملائكة في السماء لا يظلمون، ولا يؤذون، ولا يتعرضون لأحد.والذين ما عرفوا يزني بعضهم بنساء بعض.يا شيخ! لا تقل هذا الكلام!والله العظيم، مسلم يزني بامرأة مسلم أو بنته كيف يتم هذا؟ أين قلبه؟ أين عقله؟ أين دينه؟ أين إيمانه؟يا شيخ! يدخلون أيديهم في جيوب إخوانهم وهم يطوفون بالكعبة، ويسلمون على رسول الله، ويسلبون أموالهم من الحرم، صح أو لا؟كيف يتم هذا؟ لأنهم ما ربوا في حجور الصالحين .. ما جلسوا مجالس الهدى .. ما عرفوا الله، ولا بكوا بين يديه، ولا ولا.. ماذا تريد منهم؟ النساء كالرجال على حد سواء، لا يعذر إلا من لم يبلغ الحلم، فما زال لم يبلغ نعفو عنه.

    طريق العودة إلى الله

    يا شيخ! ما الطريق إلى أن نعود؟ما دام أننا نشعر بهذا الشعور، الجواب: كتاب (المسجد وبيت المسلم).سكت العلماء .. سكت الطلبة، لا أدري ماذا أصابنا؟أسألكم بالله: كم شهراً ونحن في الكتاب؟سنة وأربعة أشهر، ما بلغنا أن طالب علم جمع أهل القرية -بوسائل الحب، والعطف، والرحمة- بنسائهم وأطفالهم، وأخذ يعلمهم الكتاب والحكمة، منذ شهر أو شهرين أو كذا، ما وقع.إذاً: كيف نعود؟ عائدون .. عائدون.جماعة إخواننا الفلسطينيين، أنشودة: عائدون، أين تعودون؟ ومتى نعود؟!إذا عجزنا عن أن نلتقي بربنا في بيته، نبكي بين يديه بنسائنا وأطفالنا، ونتمرغ في التربة بين يديه رجاء أن يرحمنا، ما استطعنا هذا فقط، ونستطيع أن نسود ونقود، وآه! خرافة هذا، ما هو معقول أبداً.لا عودة إلا من طريق: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، يعلمهم ماذا؟ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، يهذب أرواحهم، وأخلاقهم، ونفوسهم.

    تذكير بني إسرائيل برزق الله لهم

    قال: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ [البقرة:60]، كم؟ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [البقرة:60]، العين مؤنثة: اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا . قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60]، لا إله إلا الله، كل قبيلة عرفت المشرب من أين تشرب؟ لا زحام ولا ولا.. آمنت بالله.وقلنا لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ [البقرة:60]، (كُلُوا وَاشْرَبُوا) كلوا ماذا؟ الكمأة، وكلوا لحم الطير: السلوى.إذاً: وَاشْرَبُوا [البقرة:60]، هذا الماء العذب، هذا ما هو ماء الدنيا، ما هو من تحت الأرض ولا من السماء، هذا بكلمة: كن، فكان، والحجر يحمل أطنان الماء، ويحملونه معهم؛ لأنهم ما هم مقيمين في مكان واحد، كل يوم يرحلون.إذاً: الحجر يحملونه معهم.هل استطاع اليهود أن ينكروا هذا؟ لا ينكرونه، لم -إذاً- تعرضون عن الإسلام؟ بهاليل.والله بودي أن نجلس مع يهود ونتحدث معهم، وهو فيهم نوع من البهللة.أنتم تريدون السعادة أو الشقاء؟ تريدون العز والكمال، أو الهون والدون؟تريدون هذه السعادة؟ والله لا سبيل إلا أن تدخلوا في رحمة الله، كما دخل موسى وهارون من قبل.تريدون العزة والسيادة؟ ما هو بالسحر والمكر والخديعة، والله لن يتم ذلك إلا بالإسلام، احملوا راية الإسلام وقودوا البشرية.يا شيخ! لا تلم اليهود، لُم المسلمين الضائعين التائهين، ألف مليون ما عرفوا الطريق إلى الله إلا من رحم الله.قال: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ [البقرة:60]، هذا رزق الله أو لا؟ ما هو بأيديهم، فالطير ينزل عليهم يمسكونه، يذبحون ويأكلون، والكمأة تخرج من الأرض، مِنْ رِزْقِ اللَّهِ [البقرة:60]، والماء من الحجر.

    النهي عن الفساد في الأرض

    وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة:60]، والعِثي: هو شر الفساد، أقبح فساد هو العثي. وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة:60]، كيف يفسد في الأرض؟ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56]، كل من يعمل بمعصية الله ورسوله في قرية .. في شارع .. في جبل .. في البحر .. في السماء، فهو يفسد في الأرض.من المفسدون في الأرض؟الذين يستحلون ما حرم الله .. الذين يرفضون فرائض الله .. الذين يتكبرون عن عبادة الله، هم المفسدون في الأرض.بين لنا وجه ذلك يا شيخ؟اسمعوا! القمار .. الزنا .. اللواط .. شرب الخمر .. عقوق الوالدين .. ترك الصلاة .. منع الزكاة، هذه والله كالقنابل المدمرة، تفسد الأرض إفساداً كاملاً.إذاً: كل من يعمل بغير طاعة الله والرسول، قل: إنه يفسد في الأرض، يفسدها لينتهي منها الخير والبركة والرحمة، والطهر، والصفاء، والعدل، والإخاء، وتصبح البشرية كالحيوانات يأكل بعضها بعضاً.الإفساد ضد الإصلاح.فالإصلا
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (55)
    الحلقة (62)




    تفسير سورة البقرة (26)


    "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" كانت هذه إجابة موسى لقومه حين رأى جهلهم بما هو خير لهم وأفضل، لم لا؟ أليس العسل خيراً من البصل، واللحم خيراً من الفوم والقثاء؟ ومع هذا قيل لهم: أردتم الهبوط مما أنتم فيه من نعيم فافتحوا مصراً من الأمصار، وستجدون فيه مرادكم، فأعرضوا، ومنعهم جبنهم وخورهم، وزادوا الطين بلة بأن كفروا بآيات الله وقتلوا الأنبياء وعصوا، واعتدوا، فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وحلّ عليهم غضبه، فبعداً لهم، ولمن سلك مسلكهم.

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها؛ سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُو نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61].ما زال السياق الكريم في موعظة وتذكير بني إسرائيل، والنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم أرسل لهداية الخلق، وإنجاء البشرية عامة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، والقرآن الكريم نزل أيضاً لهداية الخلق، فلا تنقطع هدايته، ولا تنطفئ أنواره إلى أن يرفعه الله تعالى إليه.

    جهالة بني إسرائيل بالخير

    وها نحن منذ ليالٍ مع بني إسرائيل، ولنستمع إلى ما قال تعالى لهم: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى [البقرة:61]، اذكر لهم يا رسولنا، واذكروا أنتم يا معشر اليهود، إذ قلتم وأنتم في صحراء التيه مع نبي الله ورسوله موسى وأخيه هارون لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]، وقد عرفنا ما هذا الطعام، إنه المن والسلوى، الحلوى ولحم الطير المشوي، فهل هناك غذاء أتم من هذا؟!هكذا واجهوا نبي الله ورسوله موسى بهذا الكلام الهابط السافل.ويبدو كما أشار بعض أهل العلم إلى أن بني إسرائيل مع موسى ما كانوا يعتقدون رسالته ونبوته، وكأنهم ظنوا أنه خدعهم ومكر بهم، فأخرجهم من الديار المصرية، ولهذا دلائل أيضاً، وظواهر تظهر فيها هذه الحقيقة، أما قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] في بداية دخول سيناء؟ أما عبدوا العجل؟ صنعوه وعبدوه. إذاً: قلوبهم مريضة، فما هم بواثقين في موسى.أما قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153]؟!أما قالوا: فليسمعنا كلامه؟ هذا يقوله مؤمن موقن؟ والله لا يقوله إلا شاك، وما هو بموقن أبداً.فالآن بعد هذه الآيات العظيمة يقولون لنبي الله موسى: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]، ما هذا الأسلوب؟! لَنْ نَصْبِرَ أبداً عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ، هذا موقف محرج لموسى، ثم لو كان الطعام الواحد غير كافٍ .. غير مغذٍ .. غير نافع، هذا في ربوة الطعام وقمته، لحم الطير والحلويات، المن والسلوى. فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ [البقرة:61]، وأنتم لم لا تدعونه؟ ما هو ربكم؟! تلاحظ الأسلوب الهابط أو لا؟ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ كأنهم يقولون: نحن ما هو بربنا، أنت الذي تدعي أنه ربك ادعوه، هو الذي أمرك بإخراجنا من ديارنا، والإتيان بنا في هذه المتاهات والصحارى، ادعوه.هل يليق بنا أن نقول مثل هذا الكلام؟ لا. فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا [البقرة:61]، الباقلاء معروفة. المراد البقول مطلقاً من البصل إلى الخردل إلى كذا .. وَقِثَّائِهَا [البقرة:61]، والقثاء معروفة عندنا. وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61]، هذه هي المغذيات، الفوم: قد يكون المراد به البر، يريدون خبزاً، وقد يكون المراد به الثوم نفسه، فالفوم يطلق عليه الثوم، لكن بما أنهم يريدون أكلة غير الحلوى واللحم، ممكن يريدون الخبز .. الحنطة، وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61].فبم أجابهم موسى عليه السلام؟ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُو نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى [البقرة:61]، أي: أخس وأحط وأرخص، ولا قيمة له، ما قيمة البصل والثوم مع العسل ولحم الطير؟! أَتَسْتَبْدِلُو نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61]، أين يذهب بعقولكم؟!ثم قال لهم: بسم الله، والله هو الذي ينزل أمره ونهيه على لسان رسوله موسى، فقال لهم: اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [البقرة:61]، وبخهم بالجبن والخور والضعف والهزيمة بمثل هذا الكلام. اهْبِطُوا مِصْرًا من الأمصار، شمال، شرق، غرب، وادخلوا منتصرين فاتحين وكلوا مما طلبتم، أما وأنتم جبناء تعيشون على الضعف والهزيمة الروحية والذاتية، وتترفعون عن أكل ما هو أجود وخير وأحسن، وتطالبون بما هو أخس وأهبط.صلى الله عليك يا موسى، كيف يعاني هذا المعاناة؟! من يقوى على هذه المواقف لولا أن الله عز وجل يعضده ويقويه. اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [البقرة:61]، ما دمتم لا تريدون هذا الأكل، وتطلبون غيره، بل وتطلبون ما هو أخس من الثوم والبصل والقثاء، ادخلوا مصراً من الأمصار، اهْبِطُوا ، لم قال: اهْبِطُوا مِصْرًا ؟ لأنهم في مكان عالٍ .. في مكان مرتفع بالنسبة إلى تلك الأمصار التي فيها الشرك، والكفر، والدناءة، والخسة، والهبوط، وانقطاع الوحي والرسالات، وأنتم الآن مع رسولين كريمين، والوحي ينزل .. مع صفوة الخلق، في أعلى مكان وأقدسه، إذ العبرة بما فيه من أنوار، اهبطوا وكلوا مع البهائم كما تأكل، ولكن في نفس الوقت فيه توبيخه لهم بالجبن والضعف والهزيمة، إذ لو ما جبنوا لكان مشى بهم إلى بيت المقدس وفتحها -والله- معهم، لكن انهزموا قبل الوصول إلى الحدود، وما استطاعوا، قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].

    ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل

    وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [البقرة:61]، متى ضربت؟ في أي وقت؟ من ثم بدأتهم؛ لأنهم تمردوا .. كفروا .. فسقوا .. جبنوا، قل ما شئت، فكانت ضربة الله تعالى لهم أن أنزل عليهم الذل والمسكنة، وضربها عليهم فلا يخرجون منها، كالقبة التي تضرب على أهلها، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فهم دائماً ضعفة .. محتاجون .. فقراء .. لاصقين بالأرض، والذل لا يفارقهم، فلا يستطيعون أن يرفعوا رءوسهم بين سكان العالم، وضربت عليهم كالقبة التي تحوط بأصحابها.ومن ضرب هذا عليهم؟ الله عز وجل. وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61]، رجعوا في نهاية المطاف يحملون غضب الله وسخطه عليهم.أليسوا أبناء الأنبياء وأولاد المرسلين؟ بلى، ولكن فسقوا عن أمر الله، وخرجوا عن طاعة الله، وتمردوا، ووقفوا مواقف مع رسول الله موسى وأخيه هارون لا يقفها ذو عقل من البشر، فلما واصلوا الفسق والخروج عن الطاعة والتمرد والعصيان؛ فقد استوجبوا نقمة الله، فضرب عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61].

    علة ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل

    يقول تعالى مبيناً العلة: ذَلِكَ الذي تم وحصل، واستقر فيهم، وهو ملازمهم من الذل والمسكنة، ذلك بسبب ماذا؟ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [البقرة:61]، ما معنى: يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ؟ جحدوها، ولم يعترفوا بها، ولم يعملوا بمقتضاها.آيات الله ليست أغاني وقصائد شعرية، آيات الله تحمل الأحكام والشرائع والسنن والقوانين، فالذي بيننا يمنع الزكاة، أو يترك الصلاة، أو يستبيح ما حرم الله، ما آمن بآيات الله، فلا يكفي المرء أن يقول: آمنت بكتاب الله. والله لا يكفيه، ليست قضية لسان: آمنت بكتاب الله، وهو لم يحل ما أحل، ولم يحرم ما حرم، ولم يعترف بواجب ولا بمحرم، يفعل الواجب أو يترك المكروه، فالإيمان ما هو صوري: آمنت. وأنت تضحك وتسخر.فذلك الذي حل بهم، وكان ما أصابهم من الذل والمسكنة هو بسبب كفرهم بآيات الله.وسواء كانت المعجزات التي شاهدوها بأعينهم وهم يعيشون فيها أو كانت آيات الله في التوراة وما تحمل من شرائع وقوانين وبيان الحلال والحرام، ذلك بسبب أنهم كفروا بآيات الله أولاً. وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61]، هل بعد قتل الأنبياء من ذنب؟!وكلمة: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) هل هناك ما يستوجب قتل نبي؟ والله لا يوجد، ولكنها من باب التوعية والتفقيه والتعريف والتعليم، لو كان نبياً أو عالماً استوجب ما يقتل به لهان الأمر، لكن بغير الحق .. بغير ما يقتضي قتل النبي والعالم؛ لأنهم كانوا يقتلون الأنبياء ويقتلون العلماء، إذ قال تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:21]، فإذا قام العالم يعظ، أو يذكّر: يأمر أو ينهى يغتالونه ويقتلونه؛ لأنه شوش عليهم، أو أفسد عليهم طيب حياتهم، وهذا ليس في التيه، هذا عام إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا استعدادهم إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم؛ أما سقوه السم في خيبر ليقتلوه؟ أما تآمروا عليه هنا في بني النضير ليقتلوه؟ أما دخلوا الحرب ضده مع الأحزاب ليقتلوه؟! ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ [البقرة:61]، وكلمة (يَكْفُرُونَ) ليست كفروا، فما زالوا إلى الآن يكفرون، والمضارع يقتضي الحدوث والتجدد، فما قال: بأنهم كفروا، بل يكفرون إلى الآن، وادعهم إلى الإسلام، واعرض عليهم آيات الله يكفرون بها. وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61]، وإلى الآن لو يجدون نبياً يقتلونه، وكل من يعارضهم في ما هم عليه من الفسق، والباطل، والشر، والفساد يقتلونه حتى ولو كان من بني إسرائيل.لكن ما سبب هذا البلاء؟ ذَلِكَ تم لهم، بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61].هل تريدون أن تعرفوا؟الذي يعتاد منا ذنباً من الذنوب على سبيل المثال: شرب الكوكايين أو الأفيون أو الحشيش، ثبت بما لا مجال للشك فيه أنه يتعذر عليه تركه .. يعجز عن تركه.والذي اعتاد الأضاحيك والسخرية والباطل في مجالس خاصة تضيق نفسه، ويمل الحياة ويسأمها إذا انقطع عن ذلك المجلس، فما يستطيب الحياة.والذي ألف مجلس قمار، ولهو، وباطل إذا استمر يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام يصبح طبعاً له.والذي يعتاد الكذب ويستمرؤه ويستحليه يوماً بعد يوم، عاماً بعد عام، يصبح لا يستطيع ألا يكذب.فالذي اعتاد عادة من العادات الباطلة والسيئة هذا شأنه، والآية تعلل لعلماء النفس بما هو فوق مستواهم، كيف يجرءون على الكفر بآيات الله؟ وما بعد الكفر ذنب، كيف يجرءون على قتل الأنبياء والعلماء من إخوانهم .. من أنبيائهم .. من علمائهم، ليسوا مستعمرين لهم دخلوا عليهم بل هم من جلدتهم فكيف يجرءون على هذا؟!يقول الحكيم جل جلاله، وعظم سلطانه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61]، وكيف تمكنت هذه الحالة السوء من نفوسهم؟ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61]، العصيان، والاعتداء، ومجاوزة الحد والشرع والقانون، ذلك بسبب عصيناهم.فمن هنا حرم الله عز وجل الكلمة الباطلة، كلمة فقط لا تسقط السماء، ولا تتناثر الكواكب، ولا يغور الماء، ولا يموت الخلق، ومع هذا حرم الله كلمة فقط يقولها العبد .. حرم نظرة فقط يتعمدها العبد .. حرم أكل حبة عنب .. حرم كل ذنب لما يترتب على ذلك الذنب من أن فاعله يصبح بعد ذلك غير قادر على تركه، ولا يستطيع التخلي عنه.فالعصيان ما هو؟العصيان: أن يأمر الأمير فلا يطاع .. أن يأمر الأب لا يطاع .. أن يأمر الوالد لا يطاع.العصيان عدم الطاعة، عصى يعصي عصياناً إذا لم يستجب للأمر ولا للنهي.والمراد من العصيان وعدم الطاعة: أولاً: عصيان أمر الله ونهيه .. عصيان أمر موسى وأخيه الرسولين ونهيهما .. عصيان العلماء الرشداء كـكالب ويوشع بن نون وغيرهم من العلماء الذين كانوا بينهم صالحين، وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61]، الاعتداء: مجاوزة الحد، لا يقفون عند ما أحل الله وحرم الله، بل يتجاوزون ذلك، ولا يقفون عندما قنن لهم وشرع، يعتدون اعتداء الحيوانات على ما حرم الله ونهى الله عنه من المأكولات والمشروبات والمناكح وما إلى ذلك.

    خطاب الله لبني إسرائيل خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم

    معاشر المستمعين! نرجع لهذه الآيات، ولا نشغل أنفسنا ببني إسرائيل، فإننا نحن المأمورون بهذا والمخاطبون.بسم الله الرحمن الرحيم: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]، فالذين لا يصبرون على الخبز الحلال، واللحم الحلال، والشراب الحلال، ويريدون ما حرم الله من المطاعم والمشارب والملابس، هل صبروا؟ ما صبروا. ويطلبون هذه المحرمات ويسعون للحصول عليها باختراق أسوار الكتاب والسنة، وما الفرق بينهم وبين أولئك التائهين الذين قالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]؟ فالذي عنده قرص العيش ولا يرضى به ويحاول أن يكذب أو أن يخدع أو يغش أو يسلب ويغصب حتى يأكل اللحم أو البقلاوة، ما بينه وبين أولئك من فرق أبداً، فهو ما صبر، وطالب بغير ما أعطاه الله.والذي يسكن في خيمة .. في عش كما يقولون .. في كوخ .. يسكن في منزل ويقول: إلى متى وأنا هكذا؟ فيقدم على بنوك الربا ويستقرض الآلاف ليبني، ويعتذر يقول: أين أسكن أنا وأولادي؟! وهذه حال عامة في العالم الإسلامي، وهذا أُسأل عنه طول العام: ماذا أصنع؟ ما عندي مسكن أسكنه؟ إذاً: آخذ من البنك بالقرض، وأبني لنفسي وأولادي، هل يجوز هذا؟ هذا هو مسلك بني إسرائيل: لا أصبر على ما أعطاني ربي؛ خيمة من شعر .. كوخ من خشب وقصب، وأسكن كما يسكن الفقراء والمساكين، ولا أتعدى حدود الله وأخرج عن طاعة الله وأبني لي عمارة أو بيتاً بالمال الحرام، فقد ذبحت نفسي وأنا لا أشعر، والذي يجرؤ على مثل ذلك سوف لا يستطيع أبداً أن يقف عند حد من حدود الله، متى طالبته نفسه، وصاحت به شهوته وهواه، ويسترسل وراء هذا.يتجر بتجارة بسيطة على قدر حاله، لا يصبر، لا يحمد الله على أنه وفر قوتاً حلالاً، وهو الخبز والماء، وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شبع من خبز شعير مرة في يوم واحد حتى لقي الله، ولا يرضى بهذا، ويطلب الربا من البنوك ليوسع التجارة، توسع التجارة لماذا؟ ماذا تريد؟ أتقتل نفسك وأنت لا تشعر، ويأتي بالمال الحرام؟!وآخر يريد أن يتزوج فلا يجد ماذا يفعل؟ يدفع مائة ألف مهراً، ويعد حفلاً لكذا، ويطلب المال من المال الحرام من البنك.لعلي واهم! أنا أعجب منا نحن في ديار القدس كم مصرفاً في المدينة؟ خمسة .. ستة .. عشرة.هل بيننا يهود أو نصارى أو مشركون؟ والله لا يوجد.من هم الذين يأتون البنك ويعمرونه حتى ينمو ويزداد ويفتح آخر .. بعد آخر، كيف يتم هذا؟يتم لأننا ما شكرنا نعمة الله علينا، كاليهود لما قالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]. أو كفرنا وظلمنا وفسقنا يختلف عنهم؟ لا يختلف أبداً.الله يقول: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61]، وعصياننا واعتداؤنا لا بأس به، لأننا ماذا؟ أبناء الأنبياء نحن؟ لا أبداً، هم أبناء الأنبياء، ليس نحن.إذاً: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61]، هذا ينطبق علينا أيضاً أننا نطلب ألواناً من الطعام والشراب والملابس من الخارج؛ من ديار الكفر لنكون مثلهم، وهل يليق بنا هذا؟ لو كنا صالحين نطلب أطعمة ليست من حظنا، ولا من نصيبنا.وأشربة نستوردها، لم ما نشرب الماء الذي عندنا؟ أليس هذا عدم رضا بالنعمة التي بيننا ونطلب غيرها؟ وكيف يصل هذا الطعام والشراب؟ لا تسأل عن حمله وكيف وصل.قال لهم: بسم الله، اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [البقرة:61]، أيها الشجعان! أيها الأبطال! يا من آلمكم هذا الغذاء الطيب الطاهر، وتريدون البصل والثوم، وتريدون المعازف، والمقاصف والملاهي، والأباطيل، اهْبِطُوا مِصْرًا [البقرة:61]، اغزوا وافتحوا، فإذا ما استطاعوا، أسكتهم.

    عاقبة الاسترسال في المعاصي

    قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61] يا معاشر المؤمنين والمؤمنات! كل من يسترسل وراء المعصية، ويمشي وراءها فيحاد الله ورسوله، ويخرج عن طاعتهما فليعلم أنه سيصاب بما أصيب به مَن قبلنا.والعالم الإسلامي مصاب الآن بالذلة والمسكنة، واليهود أصبحوا أرفع منا .. أصبحوا أعز منا، وأكرم منا في العالم، أليس كذلك؟ ألف مليون مسلم أذلهم اليهود، وهذا من عجائب تدبير الله، وهنا لا تنظر إلا إلى الله، هذا الذي يرفع قوماً أذلهم، بل كتب عليهم الذلة والمسكنة، فيرفعهم ويزيل الذل والمسكنة عنهم؛ لنشاهد آيات الله في الكون.والله ما فعل الله هذا إلا من أجل تأديبنا .. من أجل تبصيرنا وفتح أعيننا، علَّنا نعود إليه، ونمد أيدينا إليه بطاعته والإيمان به.ومع هذا ما استفاق النائمون أبداً، وإنها والله لأعظم آية .. أعظم من آيات موسى، ألف مليون مسلم يذلهم الأذلاء .. يمسكنهم الممسكنون، المضروب عليهم الذلة والمسكنة، أليس هذا عجباً؟ إي والله عجب! لم يفعل الله هذا؟ لأنه ليس له من أولياء إلا نحن، فقط نحن المسلمين أولياء الله، فلما تمردنا عليه وخرجنا عن طاعته يبيدنا؟ يصيبنا بوباء ينهي وجودنا؟ ليس إلا نحن مؤمنون. فلابد وأن يؤدبنا، وهو مظهر من مظاهر التأديب الإلهي، وإلا كيف تتصور أن خمسة ملايين يهودي يذلون العالم الإسلامي ويهينونهم؟! من فعل هذا؟ الله الذي لا إله إلا هو ولا رب سواه، هل أفاق النائمون؟ هل صحا الغافلون؟ ما زلنا كما نحن، ما عرفنا الطريق.وقوله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [البقرة:61]، هذا تعليم لنا أو لا؟ الذين يكفرون بشرائع الله يعطلونها، وأحكام الله يدوسونها ويتعدونها، ينزل الله بهم نقمه، فليس العالم الإسلامي بأشرف أبداً من أبناء الأنبياء وأولاد المرسلين، والله يقول: وَفَضَّلْنَاهُم ْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية:16]، لكن لما فسقوا، وعصوا، وخرجوا عن الطاعة، وحاربوا أولياء الله من الأنبياء والعالمين بالله. انظر ماذا أنزل عليهم؟ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61].الطابع الأخير: ذَلِكَ [البقرة:61] الذي سمعتم سببه: عصيانهم واعتداؤهم. مجرد عصيان؟ إي نعم، ما أطاعوا الله ولا أطاعوا رسوله، وكانوا يعتدون على حدود الله فيتجاوزونها، وهذا أبو القاسم العليم الحكيم صلى الله عليه وسلم يقول لنا: ( اتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء )، هل عاشرهم؟ هل عاش معهم؟ كيف عرف هذا؟ إنه الوحي الإلهي.

    اتقاء الدنيا بالآخرة

    ( اتقوا الدنيا )، كيف نتقي الدنيا؟ لا نعطيها قلوبنا ووجوهنا، ونجري وراءها للإكثار منها، للتفوق فيها .. للزائد عن الطعام والشراب واللباس والسكن، فالدنيا إذا أقبلت على العبد وأقبل عليها سلبته مخه وعقله، وأصبح مادياً بحتاً، لا يتحرك إلا في مجال الدنيا.كيف نتقي الدنيا يا رسول الله؟ بماذا نتقيها؟ نتقيها بضرتها الآخرة؛ فنقبل على الآخرة، ونحول همومنا كلها إلى الدار الآخرة، فيخف ما نحن مقبلون عليه من الشهوات، والأهواء، والأطماع في الدنيا.نعم! من أقبل على الآخرة أدبر عن الدنيا وأعرض عنها، ومن أدبر عن الآخرة وأقبل على الدنيا أكلته وأخذته، فأصبح أسيراً لها وعبداً.( اتقوا الدنيا )، بم نتقيها يا رسول الله؟ نتقيها بالآخرة، فبدل أن يكون همنا منصب على الدنيا: الأكل، والشرب، والنكاح، واللذة، واللباس، والمركوب، ولا نعطي للآخرة إلا جزءاً لا قيمة له. اليوم أربعاً وعشرين ساعة لا نعطي للآخرة ولا ساعة، الذين يصلون خمس صلوات عبارة عن ساعة إلا ربعاً، أين الأربع والعشرين ساعة؟! ماذا أعطينا للآخرة؟ مع أن الآخرة خير وأبقى، وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17].

    واتقوا النساء

    ونتقي النساء، كيف نتقي النساء؟ بم نتقي النساء؟نتقي النساء بتعليمهن بما يحب الله ويكره الله، ليلزمن البيوت، يذكرن الله ويعبدنه.نتقي النساء بعدم فتح باب الخلاعة والدعارة لهن.نتقي النساء بألا نجري وراء النساء، فيسلبن قلوبنا وعقولنا، ويصبح لا هم لنا إلا النساء.وقد أصيب من قبلنا بهذه المحنة، فاليهود أهل كتاب كان سبب هلاكهم ودمارهم النساء، وها نحن نركض في نفس الطريق من إندونيسيا إلى المغرب، في نفس المسلك: الدنيا والنساء ( فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ).وقد ذكر لنا الكعب العالي، فإذا به يباع في المدينة، كانت اليهودية إذا كانت قصيرة الجسم لا تظهر طويلة في الشارع تلبس حذاء كعبه عالي، الآن نساؤنا وبناتنا يلبسن هذا، كيف تم هذا؟

    طريق النجاة

    المهم يا معاشر المستمعين والمستمعات! أن نعلم أننا غارقون، ولا منقذ لنا إلا الله، وطريق الإنقاذ الصدق في الإيمان، ثم الإقبال على الله، فنطلب رضاه بسلوك المسالك التي أمرنا أن نسلكها في كلامنا .. في نومنا .. في يقظتنا .. في لباسنا .. في طعامنا .. في شرابنا .. في تجارتنا .. في فلاحتنا، في كل مظاهر حياتنا، وما عندنا شيء تركه رسول الله ولم يبينه، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ( ما مات رسول صلى الله عليه وسلم وترك شيئاً ينفع هذا الأمة وما دلهم عليه، ولا يضرها وما بينه لهم، حتى قال: علمنا كل شيء حتى الخراءة )، كيف نجلس في المرحاض؟ نجلس جلسة خاصة علمنا ذلك، وإذا بنا نعرض إعراضاً كاملاً، ولم يبق بيننا إلا القليل الذين يحاولون أن يسلكوا مسالك الهدى وأن يسلكوا سبل الخير.وكيف الطريق؟الطريق فقط أن نعود إلى المسجد، فالمسجد ملتقى أرواح المؤمنين من الملائكة، ومن الإنس والجن، بيت الله.كيف يا شيخ؟كهذا الجلوس. اسمع يا بني! واسمعي يا أمة الله! لو كان أهل كل قرية هم الآن جالسون هذا المجلس، فلا دكان مفتوحاً، ولا عمل ولا ولا.. غابت الشمس فهم في بيت الرب، يتلقون الكتاب والحكمة، فكل مسجد في أي حي من أحياء المدن غابت الشمس وهم في بيت الله، أسألكم بالله: هل يضيعهم الله؟هل يسلط عليهم وباء أو أعداء؟هل يبقى بينهم من تسول له نفسه أن يسرق أو يفجر أو يزني أو يعهر؟هل يبقى بينهم من يكيد ويمكر، أو يحسد ويغش إخوانه المؤمنين؟والله لا يبقى؛ لأنه العلم، والعلم معرفة الله، إذ كل ما نشكوه وتشكوه البشرية -كما قدمنا وقررنا- هو الجهل بالله وبمحابه ومساخطه وبما عنده وما لديه، فمن لم يعرف الله لا يطيعه، ومن لم يعرف الله لا يحبه، ومن لم يعرف الله لا يستجيب لندائه.أولاً: معرفة الله، كيف يمكننا أن نعرف الله يا معاشر المستمعين والمستمعات؟ ما الطريق؟الطريق أن نجتمع في بيته ويتلى علينا كتابه، وتبين لنا سنة نبيه، ونطالب بفعل الأمر وترك النهي، وبالتأدب والتخلق لما يحب الله ورسوله، ولنصبر على ذلك، والعام بعد العام وإذا بنا أمة ربانية، فيصبح حكامنا ربانيين، وعلماؤنا ربانيين، ونصبح في وضعية قد نسود فيها العالم، ولا نريد السيادة، وإنما نريد أن نقود البشرية لننقذها من جهنم والخلود في عالم الشقاء.البشرية الآن في أوروبا، وأمريكا، واليابان، والصين تستغيث وتستصرخ، قد أكلها الباطل والشر والدمار، فمن ينقذها؟ ومن يمد يده إليها؟ المؤمنون، الربانيون، العالمون؛ أولياء الله.والذي يعزيني أنا بالذات أن نقول: هذا جزاؤهم، فقد مكروا بالإسلام، وغشوا الناس وخدعوهم، وورطوا العالم الإسلامي في هذا الذل والعار، وهذا الجهل، وهذه الذنوب؛ فليبقوا على كفرهم، وفسقهم، وفجورهم، وضلالهم حتى يخلدوا في عذاب النار، وإن كان هذا لا يكون لكل واحد، فالطغمة التي تحاول ضرب الإسلام مجموعة خاصة، كجمعيات التنصير، وأغلب الشعوب هابطة لا تعرف إسلاماً ولا مسلمين.
    قراءة في تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً...)

    من كتاب أيسر التفاسير

    قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا [البقرة:58-59]، يصلُّون؟ يجاهدون؟ يتواصلون؟ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [البقرة:59]، احذر يا عبد الله الفسق، احذرِ يا أمة الله الفسق! ما الفسق يا شيخ؟! الخروج عن طاعة الله؛ أن يأمرك الله بكذا فتخرج عن الأمر، أن ينهاك الله عن كذا فتتحداه وتفعله، والله لهذا هو الفسق.

    شرح الكلمات

    قال المؤلف: [ شرح الكلمات:(الْقَرْ يَةَ): مدينة القدس.(رَغَدًا): عيشاً واسعاً هنيئاً.(سُجَّدًا ): ركعاً متطامنين لله، خاضعين شكراً لله على نجاتهم من التيه.(حِطَّةٌ): فِعلة مثل ردة وحدة من ردت وحددت، أمرهم أن يقولوا حطة بمعنى: احطط عنا خطايانا، ورفع (حِطَّةٌ) على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: ادخلوا الباب سجداً حطة لذنوبنا.(نَغْفِر ْ) بمعنى: نمحو ونستر.(خَطَايَاك ُمْ): الخطايا جمع خطيئة، الذنب يقترفه العبد.(فَبَدَّلَ ): غيروا القول الذي قيل لهم، قولوه وهو حطة فقالوا: حبة في شعيرة.(رِجْزًا): وباء وطاعون.(يَفْسُقُ ونَ): يخرجون عن طاعة الله ورسوله إليهم، وهو موسى ومن بعده].

    معنى الآيات

    قال المؤلف: [ معنى الآيتين: تضمنت الآية الأولى (58) تذكير اليهود بحادثة عظيمة حدثت لأسلافهم تجلت فيها نعمة الله على بني إسرائيل وهي حال تستوجب الشكر، وذلك أنهم لما انتهت مدة التيه وكان قد مات كل من موسى وهارون، وخلفهما في بني إسرائيل فتى موسى يوشع بن نون ، وغزا بهم العمالقة وفتح الله تعالى عليهم بلاد القدس أمرهم الله تعالى أمر إكرام وإنعام فقال: ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا [البقرة:58]، واشكروا لي هذا الإنعام بأن تدخلوا باب المدينة راكعين متطامنين قائلين: دخولنا الباب سجداً حطة لذنوبنا التي اقترفناها بنكولنا عن الجهاد على عهد موسى وهارون، نثبكم بمغفرة ذنوبكم ونزيد المحسنين منكم ثواباً.كما تضمنت الآية الثانية حادثة أخرى تجلت فيها حقيقة سوء طباع اليهود وكثرة رعوناتهم وذلك بتغييرهم الفعل الذي أمروا به والقول الذي قيل لهم، فدخلوا الباب زاحفين على أستاههم قائلين: حبة في شعيرة! ومن ثم انتقم الله منهم فانزل على الظالمين منهم طاعوناً أفنى منهم خلقاً كثيراً جزاء فسقهم عن أمر الله عز وجل، وكان فيما ذكر عظة لليهود لو كانوا يتعظون ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [من هداية الآيتين: أولاً: تذكير الأبناء بأيام الآباء للعظة والاعتبار.ثانيا
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (56)
    الحلقة (63)




    تفسير سورة البقرة (27)

    ركنان أصيلان من أركان الإيمان ينبثق عنهما بقية الأركان هما: الإيمان بالله واليوم الآخر، فمن آمن بهما حق الإيمان وأتبعهما العمل الصالح استحق الأمن والفرح، هذه قاعدة عامة من لدن آدم إلى قيام الساعة، بما في ذلك اليهود، الذين كثيراً ما يراوغون، ويردّون أوامر الله، وينقضون مواثيقه، بل من عجيب أمرهم أن الله رفع فوقهم جبل الطور ليعملو بما في التوراة فخروا خاضعين، ثم ما لبثوا أن ارتدوا على أدبارهم.

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطعِ الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [البقرة:62-64] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني الكريم.معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!اذكرو
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (57)
    الحلقة (64)




    تفسير سورة البقرة (28)

    لم يكتف اليهود بالإعراض عن كلام الله وردّه، بل ظهرت فيهم صفة أخرى وهي الحيلة، وقد بين القرآن نموذجاً جلياً لهذه الصفة، وهو أنه سبحانه حرم عليهم الصيد يوم السبت، وكان يوماً تكثر فيه الأسماك، فاحتالوا بأن وضعوا الشباك يوم الجمعة لتمتلئ بالسمك يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، فكانت عقوبتهم أن مسخوا قردة، وغدوا عبرة وموعظة لغيرهم.

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله على تفسيرها وفهم معانيها؛ سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:63-66].

    عظم منزلة الإيمان بالله واليوم الآخر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!أطرح هذا السؤال: لماذا ندرس هذا الكتاب؛ والكتاب هو كتاب الله، القرآن الكريم؟لا ندرسه لأجل أن نعرف ما حدث في الكون، ولا ما أصاب أقواماً سلفت، ولكن ندرسه للاهتداء؛ لأن نهتدي إلى الطريق الموصل بنا إلى سعادتنا وكمالنا في الدنيا، وفلاحنا وفوزنا في الدار الآخرة بالنجاة من النار، ودخول الجنة؛ دار الأبرار.فها نحن مع الحقيقة التي مرت بنا من قبل وهو بيان إلهي، وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ [البقرة:62]، هذه أمم ذات أديان، ونحن على رأسهم. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهم أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس. وَالَّذِينَ هَادُوا وهم اليهود. وَالنَّصَارَى وهم الصليبيون أو المسيحيون ما شئتم قولوا. وَالصَّابِئِينَ وهم ما بين هؤلاء وهؤلاء.الكل وعد الله هو: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62].البشرية يا أبنائي كلهم عبيد الله، ليس بينهم من هو ذو قرابة من الله بنسب ولا بمصاهرة، ولا .. ولا، ما هم إلا عبيده، أبيضهم وأسودهم، فمن سلك سبيل النجاة نجا، ومن أعرض عن سبيل النجاة فغوي هلك، فلا فرق بين الأبيض والأصفر، ولا بين الغني والفقير، ولا بين الأولين والآخرين، هذا حكم الله فلنتأمله، ولنعمل على أن نحقق مبادئ النجاة: الإيمان بالله ولقائه، وهو المعبر عنه باليوم الآخر، وبكل ما يتم ويجري ويحصل في اليوم الآخر.

    تطاير الصحف في اليوم الآخر

    قد جاءت الآيات والأحاديث مفصلة مبينة لتلك الأحداث الجسام، ومن بينها معاشر المستمعين: تطاير الصحف، فمن آخذ كتابه بيمينه ومن آخذ كتابه بشماله. فالآخذون كتبهم بأيمانهم هذه علامة نجاتهم، والآخذون كتبهم بشمائلهم هذه علامة خسرانهم.وجاء هذا في موضعين من كتاب الله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19-24]، هذه.

    وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا
    [الانشقاق:10-12] لِم؟ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق:13-15]. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:25-32]، لِم ما ذنبه؟ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:33-37] أصحاب الخطايا والذنوب.

    صفات أهل الإيمان

    المطلوب منا أن نحقق إيماننا، والإيمان دعوى يدعيها المنافق فيقول: مؤمن، ويدعيها البلشفي الأحمر ويقول: مؤمن، فلابد من تحقيق الإيمان.كيف أحققه يا شيخ؟ما عندنا إلا العرض الذي عرضناه على أبصار المؤمنين والسامعات من المؤمنات، نعرضه مرة ثانية.لوحة قرآنية، اسمع: إن وجدت نفسك بين هؤلاء الذين تسمع عنهم وتراهم فاحمد الله عز وجل، وإن وجدت نفسك غير موجود أو تظهر وتختفي فآمن من الآن، وادخل في الإسلام.العرض الأول من سورة الأنفال، يقول تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2]، وهذه الصيغة صيغة قصر، أي: المؤمنون بحق وصدق، لا بالادعاء والنطق، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]، أما أن يذكر الله فيضحك الضاحكون، ويسخر الساخرون، ويلهو اللاهون، فلا إيمان. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ذكره من ذكره: وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وجلت قلوب السامعين: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] يرتفع منسوب إيمانهم من مائة وستين إلى مائة وثمانين، تعرفون مؤشرات الحرارة أو لا؟ كيف ترتفع إذا جاءت الحرارة، ولابد إذا تليت علينا آيات الله، واعظة مذكرة أو آمرة ناهية، أن يرتفع إيماننا. وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]. ومن باب التوضيح، ومن باب هداية إخواننا وطلب كمالهم وسعادتهم نذكر عيوبنا، ونزيح الستار عن بعضها؛ علَّنا نفيق من هذه السكرة. وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: لا يتوكلون على غير الله، فنقول: الذي يعمل في بنك ربوي، وتقول له: أي بني! اخرج من هذا البنك حتى يخرج كل إخوانك، ويغلق البنك بابه، ويستريح أهله، ويدخلون في رحمة الله، فتكون أنت السبب. فيقول: أسرتي ومعاشي، كيف أترك؟ فنقول: توكل على الله .. فوّض أمرك إليه .. اطّرح بين يديه: ربي! أنقذني، فإنه يتولى إنقاذك.فإن قال أحد كما قلت، وبقي في تلك الحمأة فهذا ما توكل على الله، بل توكل على الراتب الذي يتسلمه.ونقول للذي فتح استيريو لبيع أشرطة الأغاني وأفلام الخلاعة والدعارة: يا عبد الله! هذا لا يصح من مؤمن يؤمن بالله، فأنت تؤذي المؤمنين والمؤمنات، تعرضهم لفتنة نفوسهم وقلوبهم، فاتق الله، واستبدل هذه الأشرطة ببيع الكزبرة والبصل والفلفل، ولا تبع ما يؤذي المؤمنين والمؤمنات. فإن قال: كيف أعيش؟ فهل توكل على الله أو على الدكان؟ هذا ما توكل على الله.والذين يستوردون مجلات الدعارة والخلاعة، ويبيعون جرائد تحمل الكفر في كثير من صفحاتها، وتقول له: أي أخي! أنت صاحب دكان تبيع أنواع البقلاوة فيكفيك ذلك، ولا تبع هذه المجلات التي تعرف أنها تحمل راية الدعوة إلى الباطل والشر والفساد، يقول: الزبائن، إذا لم أحضر هذه الجريدة أو المجلة لا يشترون، فأنا لا أستطيع. على من توكل هذا؟ على الدكان.وآخر: يا عبد الله! احجب امرأتك، وأبقها في بيتك، لا تجعلها تشتغل مع الفحول والرجال. يقول: هكذا العيش في الحياة، ماذا نصنع؟ نقول: توكل على الله، واترك امرأتك في بيتك، تعدّه لك وتهيؤه، وتسعدك فيه؛ خيراً من أن تكون جوالة بين الرجال من أجل راتب، فإن قال: لا أستطيع، الظروف والحياة هكذا. فهل توكل على الله؟!وسلسلة آخرها: فتح صالون حلاقة يحلق للفحول وجوههم: يا عم! يا خال! هذا لا ينبغي، الرسول يأمر بكذا، وأنت تعاكسه، أنت تحلق وجوه الفحول من أجل الريال والعشرة، نعم إن أراد أن تحسن له شعره حسِّن، أما أن تحلق له وجهه وشاربه وتتركه كالمرأة فهذا إثم لا يتحمل ولا يطاق، فاتق الله، قال: لا نستطيع، عيشي على هذا الدكان.وأخيراً: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4].معاشر الأبناء والإخوان! هل نحن إن شاء الله منهم؟إلى عرض آخر من سورة التوبة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ دخل الإناث هنا، لِم؟ الأمر خطير وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] وقد علمتم زادني الله وإياكم علماً أن الولاء هنا الحب والنصرة.وعلى كل مؤمن أن يحب المؤمنين: عمشاً .. غمصاً .. عجزة .. فقرة .. متسخين، قل ما شئت، مؤمن ينبغي أن تحبه، مؤمنة تحب كل مؤمن ومؤمنة، والنصرة: إذا قال عبد الله: وا إخوانه! قل: لبيك، ومد يدك وانصره.هذا هو الولاء: وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، الصيني، والكَندي، والأوروبي، والإفريقي، والأسيوي، ليس هناك فرق؛ مؤمن صادق أحبه، وإذا استنصرك وطلب نصرتك فمد يدك وانصره، وبدون حب لا إيمان حق، مؤمن يكره عبيد الله وأولياءه كيف يكون مؤمناً؟مؤمن يبغض ويكره أولياء الله المؤمنين المتقين، والله ما هو بمؤمن، لِم؟ ما عرف الإيمان، وما استقر الإيمان في نفسه، وما فهم ما هو الإيمان. وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]، ابدأ ببيتك يا عبد الله، إن شاهدت امرأتك ترتكب منكراً انهها، تترك معروفاً واجباً مرها لتفعله، ومن امرأتك إلى ابنك، وابنتك، وأبيك، وأخيك إذا كانوا معك، ثم اخرج من البيت إلى جيرانك، الذين تلاقيهم ويلاقونك في كل ساعات النهار، ثم إلى أهل العمل معك، إن كنت في دائرة أو مزرعة، ويبقى أخيراً السوق فقط والشوارع، فإذا رأيت منكراً، وعرفت أنه مما أنكره الله ورسوله؛ لأنه يجر من البلاء والخسران على المؤمنين، قل: يا عبد الله! هذا لا ينبغي، افعل كذا، فإنه خير لك. بأدب واحترام، وإذا مررت بمنكر يغشاه أخوك فقل: أي أخي! هذا لا يجوز، فهذا أنكره الشارع، قال الله كذا، وقال الرسول كذا.هذه خطوة من خطوات الإيمان: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ . وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71].أعيد الآيات وانظر: هل نحن بينهم؟ وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71]، إن شاء الله .. رأيتمونا بينهم؟ الحمد لله. والذي ما رؤي إن شاء الله يرى.

    جزاء أهل الإيمان يوم القيامة

    أما الجزاء عند الله: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [البقرة:62]، لا في الدنيا ولا عند الموت، ولا في القبر، ولا في البرزخ، ولا في ساحة فصل القضاء بين يدي الله تعالى: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62]، لا اليوم ولا غداً، فأولياء الله لا يصيبهم الحزن أبداً، فإن مات الولد يدفنه وهو يحمد الله، فإن جاع ربط عصابة على بطنه وهو يحمد الله، فلا حزن، ولا خوف أبداً، لا في الدنيا، ولا في الآخرة.أما أهل الخوف والحزن والعياذ بالله هم أعداء الله الذين ما عاشوا في رياض لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أخذ الميثاق والوفاء به

    قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ [البقرة:63]، قلنا: ونحن أعطينا القرآن أو لا؟ أخذ علينا الميثاق أو لا؟ فهل وفينا لله، واقرءوا قول الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ [المائدة:7] متى؟ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:7]، فكل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، قد أعطى عهداً وميثاقاً أن يعبد الله وحده بما شاء وشرع أن يعبد به.فهل وفينا لله وأخذنا ما في القرآن؟الجواب معلوم يا أبنائي، ودعنا من أفراد قليلين واحد في المليون، هذه أمة ذات الألف مليون، هل حقاً أخذنا بكتاب الله، فقرأناه وتعرفنا إلى ما فيه من هدى وأحكام، وأخذنا نطبق ذلك على أنفسنا، ونستشهد بآيات ربنا، ونسبة الناجين منا نسبة قليلة، والله يقول لليهود: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ [البقرة:63]، لا تنسوا ما فيه من أمر ونهي، رجاء أن تتقوا: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:63].ثم قال لهم: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [البقرة:64] بعد ما أخذ عليهم العهد والميثاق والجبل فوق رءوسهم، يكاد يسقط عليهم، وعاهدوا وأخذوا، فما إن خرجوا من المحنة حتى أعرضوا وتولوا.وقال بعد ذلك: فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [البقرة:64] كان يبيدهم كما يبيد الأمم والشعوب، لكن منة الله ورحمته اقتضت ألا يصيبهم بوباء يفنيهم به، أو يسلط عليهم من يعدمهم.

    تفسير قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ...)

    جاءت حادثة أخرى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ [البقرة:65] أي: يوم السبت، فالأيام سبعة: أول يوم السبت، ثم الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.هذه الأيام كما علمتم أن الله عز وجل خلق في يوم الجمعة آدم، وأنزله إلى الأرض يوم الجمعة - ذكرى عظيمة هذه- وأن يوم القيامة سيكون يوم الجمعة، وقد قرأتم كيف أن الملائكة تكون على أبواب المساجد يكتبون القادمين إلى المسجد الأول فالأول، حتى إذا خرج الإمام طووا الصحف، ودخلوا يستمعون الذكر.فهذا يوم الجمعة عرضه الله تعالى على اليهود فرفضوا، وأفسد قلوبهم علماؤهم وقسسهم ورهبانهم، وعدلوا عن الجمعة إلى السبت.فلما أخذوا السبت مكابرين معاندين فرض الله تعالى عليهم ترك العمل يوم السبت، ومن آخر سورة النحل: إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ [النحل:124] لو تركوا الجمعة كانوا آمنين، ولكن اختلفوا وقالوا: السبت، بحجة أن الله ابتدأ الخلق يوم السبت، وأن الله استراح يوم السبت، وحاشاه أن يستريح.ومن سورة (ق) يقول تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38] أي: نصب أو تعب. فقال الضالون المضللون: هذا اليوم أولى بالاحتفال فيه! وترك العمل؛ لأنه يوم ابتدأ الله فيه الخلق، وختم به الخلق واستراح.فهل الذي يخلق العوالم في ستة أيام يطلب الراحة أو يتعب؟ ولكن هذا هو فساد القلوب والعقول، قالوا للرسول هذا! وردَّ الله هذه الفرية بقوله: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ق:38-39].ففرض عليهم السبت، ومنعهم من صيد السمك في يوم السبت؛ لأنه يوم المساجد والبيع والعبادة، فاحتالوا على الصيد كما جاء ذلك في سورة الأعراف، فوضعوا شراك الصيد في البحر يوم الجمعة؛ ليجتمع فيها الحوت وتمتلئ يوم السبت، وصباح الأحد يأخذونها، وقالوا: ما صدنا يوم السبت! نحن على وعدنا مع الله، الشراك وضعوها بليلة، وأخذوا الحوت في اليوم الثاني، وهذه هي الحيل التي قال لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم: ( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ).والشاهد عندنا في أهل هذه القرية -وكانت مدينة على ساحل البحر- أن أهلها ارتكبوا هذا الجرم. فلنقرأ الآية الكريمة، قال تعالى من سورة الأعراف: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ [الأعراف:163] والقرية في عرف القرآن هي المدينة الكبيرة، مأخوذة من التقري الذي هو التجمع، وليست هي القرية باصطلاح الغربيين. وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:163].فسقوا، ماذا فعلوا؟ اصطادوا، ارتكبوا جريمة، ونحن الآن عامة المسلمين: وإن زنى ما فسق! وإن كذب! وإن اغتاب، وإن سرق.ما هو الفسق؟ اصطادوا بالحيلة أيضاً، ما تحدوا الله، احتالوا، قال: فسقوا أم لا؟ وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:163] هنا وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف:164-166].إذاً: أهل المدينة انقسموا ثلاثة أقسام: قسم أنكروا وتبرءوا، وقالوا: هذه حيلة واعتداء على الشريعة بالحيل، فلقد صدتم، حيث وضعتم الشراك قبل السبت، وأخذتموها يوم الأحد، فتجمع الحوت يوم السبت، فأنتم صائدون، والله حرم العمل في هذا اليوم.وطائفة أخرى سكتوا، إما آيسون كأكثرنا، نقول: ليس هناك من يستجيب، ليس هناك من يقبل، اترك، خل الناس فيما هم فيه!وطائفة ارتكبت الجريمة.قال تعالى: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:165] وهو أنه مسخهم قردة، فأصبحوا في الصباح يخرجون من بيوتهم قردة! ثلاثة أيام وهم في أبأس الأحوال، وأسوأ الظروف، وبعد ثلاثة أيام أصابهم الله بوباء؛ فهلكوا في يومهم، ثم دفعوهم إلى البحر، وكنسوا البلاد، وطهروها من رجسهم.وهذا قد ذكره تعالى في قوله: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة:65] بعيدين عن الخير أذلاء هالكين! وأنتم تعرفون القردة والعياذ بالله، نعم كان بالأمس يبتسم ويضحك، مرتفع القامة، يأكل ويشرب، وإذا به أصبح قرداً في الشوارع ثلاثة أيام، وابن عباس يقول: هذه سنة الله في من مسخهم، لا يعيشون أكثر من ثلاثة أيام.وبعضهم يقول: اليهود الآن قردة، لا ما هم قردة، القردة ماتوا، وإنما هم إخوان القردة، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوه لبني قريظة لما طوقهم ناداهم: ( يا إخوان القردة والخنازير! ) ما قال: هم قردة هم إخوانهم.
    تفسير قوله تعالى: (فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين)
    قال تعالى: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا [البقرة:66] أي: تلك القرية وَمَا خَلْفَهَا [البقرة:66] ما بين يديها من القرى والسكان يشاهدون، تعالوا، الرجل يجد امرأته قردة! يجد أخاه وعمه قرداً، ويشاهدون ثلاثة أيام. نَكَالًا أي: لينكل من الناس من يريد أن يخرج عن أمر الله، ويفسق عن طاعته.النكال: هو الذي يجعله ينكل، ويجفل، ويتأخر، وما يقدم على المعصية؛ لما شاهد من آثارها. لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا أي: ممن يأتون بعدها من الأمم والشعوب.ثالثاً: وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:66]، لم المتقون فقط يجدون الموعظة في هذه؟ لأن قلوبهم حية، ونفوسهم طاهرة، فما إن يشاهدوا حدثاً كهذا إلا يتعظون به، فيبعدون عن ساحة الفسق والخروج عن طاعة الله ورسوله، ولا يرضون أبداً بفسق بينهم ولا فيهم، لما هم عليه من النور والبصيرة.أما الذين لا يتقون فلا يجدون عظة ولا عبرة، ما يتقون عذاب الله، ولا سخطه، ولا غضبه، منغمسون في المعاصي والجرائم، هل يجدون في هذه عظة؟ ما يجدون.المتقي حي، مؤمن، يتقي الله عز وجل، وأدنى حادثة ينتفع بها، والذين قلوبهم ميتة لا يفهمون، ولا يسمعون.

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! نقرأ هذه الآيات من الكتاب.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:63-66].

    شرح الكلمات

    قال المؤلف: [شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين]، عهد يؤكده بالحلف بالله.[الطور: جبل أو هو الجبل الذي ناجى الله تعالى موسى عليه السلام.بقوة: بجد وحزم وعزم]، خذ الكتاب بقوة أي: بجد، وحزم، وعزم، لمعرفة ما فيه، والعمل به.[توليتم: رجعتم عما التزمتم القيام به من العمل بما في التوراة.اعتدوا في السبت: تجاوزوا الحد فيه، حيث حرم عليهم الصيد فيه فصادوا.قردة: القردة جمع قرد، حيوان معروف مسخ الله تعالى المعتدين في السبت على نحوه.خاسئين: مبعدين عن الخير، ذليلين مهانين.نكالاً: عقوبة شديدة، تمنع من رآها أو علم بها من فعل ما كانت سبباً فيه.لما بين يديها وما خلفها: لما بين يدي العقوبة من الناس ولمن يأتي بعدهم] من أمثالنا.[وموعظة للمتقين: يتعظون بها، فلا يقدمون على معاصي الله عز وجل]. هذه هي الكلمات الإلهية.

    معنى الآيات

    قال: [معنى الآيات الإجمالي: يذكر الحق عز وجل اليهود بما كان لأسلافهم ] الذين مضوا قبلهم أيام داود وسليمان، [ من أحداث لعلهم يعتبرون، فيذكرهم بحادثة امتناعهم من تحمل العمل بالتوراة، وإصرارهم على ذلك حتى رفع الله تعالى فوقهم جبلاً فأصبح كالظلة فوق رءوسهم، حينئذ أذعنوا]، وقد عرفتم كيف سجدوا على خدودهم؛ لأنهم ينظرون متى يسقط الجبل! وهذه السجدة يفضلونها على سجودنا، قالوا: لأن الله أنجى بني إسرائيل بها.قال: [فأصبح كالظلة فوق رءوسهم، حينئذ أذعنوا وأعطوا العهد غير أنهم تراجعوا بعد ذلك، ولم يفوا بما التزموا به؛ فاستوجبوا الخسران لولا رحمة الله بهم] فلولا أن الله أراد أن يبيدهم لأبادهم كعاد وثمود، لكنهم أبناء الأنبياء والمرسلين.قال: [كما يذكرهم بجريمة كانت لبعض أسلافهم، وهي أنه تعالى حرم عليهم الصيد يوم السبت، فاحتالت طائفة منهم على الشرع، واصطادوا، فنكل الله تعالى بهم، فمسخهم قردة، وجعلهم عظة وعبرة للمعتبرين].وهنا نذكر حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد بسنده الجيد عن أبي هريرة رضي الله عنه إذ قال -فداه أبي وأمي، والعالم أجمع-: ( ولا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) ولو تتبع هذا الموضوع لوجدت ملايين المسلمين منغمسين في الحيل، فيستحلون محارم الله لا بالمواجهة.على سبيل المثال: السفور، لم تقول: السفور يا شيخ؟!لأن العالم الإسلامي وقع وتورط، وها هم يعملون الليل والنهار على إنهاء الحجاب عندنا، ونحن نعلم يقيناً من طريق أبي القاسم صلى الله عليه وسلم أن المرأة إذا سقط حجابها، واختلطت بالرجال عم الخبث، فلا عاصم إلا الله، وإذا كثر الخبث في إقليم نزل البلاء، ولا سعادة بعد ذلك.الخصوم عرفوا هذا، ونحن أغبياء ما عرفنا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول اسمعوا: ( اتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) كيف شربوا الخمر؟ كيف ارتكبوا الجرائم؟ كيف اشتروا الدنيا والمال؟ من أجل النساء! فكل من يدعو تحت ستار تحرير المرأة فإنما هو عامل من عوامل الدمار، تحركه أصابع الماسونية اليهودية.

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآيات: أولاً: وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق]، يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يفي بوعد أعطاه لله، وميثاق أخذه عنه الله، فيجب الوفاء بأي عهد تعطيه ليهودي، أو تعطيه لنصراني، وشعارنا: الوفاء بالعهود، من واعد .. من عاهد، سواء وثق العهد بالحلف أو لم يوثقه يجب الوفاء، فإن شاع بيننا خلف الوعد فاعلموا أننا راحلون إلى الهاوية!أيوبخ الله اليهود على نقضهم العهد ونحن لا؟ نقول: لا بأس، أيعقل هذا الكلام؟ نحن أحرى بأن نفي بالعهود؛ لأننا شاهدنا ما أصاب اليهود من خزي، وذل، وعار.وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق، سواء كان بين المؤمنين والمؤمنين، أو بين المؤمنين والكافرين.قال: [ثانيا:ً يجب أخذ أحكام الشرع بحزم، وذكرها وعدم نسيانها أو تناسيها].كيف يتم هذا يا شيخ؟! لا سبيل إلى تحقيق هذا إلا من طريق كتاب: (المسجد وبيت المسلم) .. إلا من طريق أن نعرف أننا مسلمون، وأننا غير اليهود، والنصارى، والمجوس، والمشركين، وأننا أمة ممتازة ذات شأن عظيم؛ فنترك العمل من غروب الشمس فلا دكان، ولا مقهى، ولا مصنع، ولا مزرعة، ونحمل بنينا وبناتنا ونساءنا إلى بيوت الله، ونوسع جامعنا؛ حتى يتسع لأهل الحي كلهم أو لأهل القرية أجمعين. ونجلس بين يدي الله كل ليلة طول العمر، ونحن ندرس كتاب الله، ونتعلم ما فيه، ونطبقه على أنفسنا، والله لا طريق إلا هذا.ثم يا شيخ! أنت تحملنا على ما لا يطاق! ما يطاق؟! ما يطاق الجلوس في المسجد؟! بين المغرب والعشاء ما الذي يتوقف؟! اليهود والنصارى يوقفون العمل، وينقطعون من الساعة السادسة، ونحن لم؟ أي عذر عندنا؟! هم قد يعذرون أما نحن فكيف نعيش على دين نجهله؟ على آداب وأخلاق لا نعرفها؟ على حقائق وشرائع وأحكام ما عرفنا منها شيئاً، لا قليلاً ولا كثيراً؟ كيف يصح؟!وأعود فأقول: جربوا، فاجتمعوا يا أهل القرية، على ليلة آية وأخرى حديثاً، سنة فقط وانظروا بأعينكم، وهاتوا علماء النفس وخبراء الكون، وليشاهدوا كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.إن ثبت عندهم في القرية من يزني بنسائها أو بنات إخوانه، أو يعرضهم للفتنة، أو يؤذي أخاه أو ابنه، أو يؤذي جاره، أو يشح برياله وأخوه جائع، اذبحوني! تنتهي مظاهر الفقر والخبث الذي ساد العالم الإسلامي.يتغير وضعنا بهذه الوسيلة الربانية، وسيلة الإيمان الحق، لنحقق إيماننا، ونترجمه عملاً ناصعاً، صادقاً، بيننا! أن نجتمع في القرية هكذا، النساء وراء، والأطفال دونهن، والفحول أمام الكل، والمربي أمامهم يقرأ معهم آية، ويتغنون بها جميعاً حتى تحفظ، ويقرءون حديثاً؛ فتنتهي المذهبية، والله ما يبقى من يقول: أنا مالكي .. أنا شافعي .. أنا زيدي، نحن مع الله ورسوله، قال الله وقال رسوله.تبقى حزبية ونظامية: نحن ننتمي إلى كذا؟ والله لا تبقى.تبقى وطنية: أنا من وطن كذا؟ لا وجود لها، أمة واحدة. قال الله وقال رسوله.يا علماء! احملوا هذه الرسالة وانشروها، لكنهم عجزوا وما استطاعوا، لو قام علماء المسلمين بحملة كما قمنا بها لكان المسلمون الآن كلهم في بيت الرب. كيف يكون حالهم؟ العالم يتحرك ويهتز: كيف أقبل المسلمون هذا الإقبال على بيوت الرب؟ ماذا يريدون؟!ولنترك الأمر لله.ومما هو هداية في هذه الآية الكريمة قال: [ ثالثاً: لا تتم التقوى لعبد إلا إذا أخذ أحكام الشرع بحزم وعزم]، ما هو إن شاء فعل، وإن شاء ما يفعل!قال: [رابعاً: حرمة الاحتيال لإباحة المحرم، وسوء عاقبة المحتالين المعتدين] والعياذ بالله تعالى رب العالمين. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (58)
    الحلقة (65)




    تفسير سورة البقرة (29)


    اصطفى الله عز وجل من عباده رسلاً، وجعل توقيرهم توقيراً له سبحانه؛ لأن أوامرهم ونواهيهم وحي من الله، وفي قصة قرآنية آخرى يتجلى الجهل وسوء الأدب مع عباد الله المصطفين، كان أبطال هذه القصة بني إسرائيل! حيث قتل أحدهم وجُهل القاتل فأمرهم موسى بأن يذبحوا بقرة، فيضربوا المقتول ببعضها، لتعود إليه روحه -بإذن الله- ويكشف عن مرتكب الجريمة، فما كان من هؤلاء القوم إلا أن أكثروا الأسئلة، وأطالوا المراوغة، حتى فعلوا في نهاية الأمر، وكادوا ألا يفعلوا.

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة:67-70] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    القصص القرآني من آيات النبوة المحمدية

    مثل هذا القصص يقصه رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب قط، وبعد أن تجاوز سن الأربعين، فهل يعقل أن يكون هذا من غير نبي ورسول يوحي الله إليه؟ لا يعقل أبداً، بل يستحيل!فلهذا القصص القرآني من آيات النبوة المحمدية، ولن يستطيع ذو عقل من العرب والعجم أن يرد هذه الحقيقة.وهذا الحدث الجلل مضى عليه آلاف السنين، فكيف يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفصل هذا التفصيل، وأهل الكتاب -وبخاصة اليهود وهم معنيون- يسمعون هذا بآذانهم، ويشهدون أنه الواقع الذي وقع في أمتهم؟!والله يقول لرسوله: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] وفي هذا القصص فائدة جلية وعظمى أن الله يثبت بذلك رسوله كيف وقد رفع صوته في الأرض كلها يشهد أن لا إله إلا الله، والعالم كله ضده؟ فلهذا يجد في هذا القصص ما يقوي عزيمته، ويشد ساعديه، ويقويه في دعوته.ثم هذا القصص جاء في عرض أحداث كانت لبني إسرائيل، وهذه الأحداث العظيمة كلها تشهد بانحراف اليهود وضلالهم، وبعدهم عن الحق، وتشهد أيضاً بعنادهم، ومكابرتهم، وحسدهم، وذلك من أول ما قال: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا ... وإلى الموضع الذي نحن فيه وما زال القصص مستمراً.ومن بين ذلك القصص أو تلك الأحداث هذه الحادثة العظيمة؛ إذ يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: اذكر وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ [البقرة:67] أو اذكروا أنتم يا بني إسرائيل المعاصرين للنبي في المدينة! اذكروا وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67].وهذه الآيات تضمنت قصصاً، قيل: هي عبارة عن قصتين. ولا مانع أن تكون قصتين؛ إذ الأحداث لا حد لها، ولكن كونها قصة تقدم ما ينبغي أن يتأخر، وتؤخر منها ما ينبغي أن يتقدم؛ لأن القرآن ليس كتاب قصص، بل هو كتاب هداية، وتعليم، وإصلاح، وتربية للبشرية.وما دامت الأحداث الأولى أشد قساوة على اليهود فقد بدأ بها.

    سبب أمر بني إسرائيل بذبح بقرة

    قوله تعالى هنا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] لم؟ لأن أبناء أخ وجدوا عمهم ثرياً -ذا ثروة مالية كبيرة- ولا يرثه إلا ولد له، وما زال صغيراً، فقالوا: نقتل هذا الطفل وبعد أيام أو أعوام يموت العم الكبير، وقد أسن وشاخ، ونرث هذا المال، بخلاف إذا تركنا الولد يكبر، فإذا مات والده ورث المال وحرمنا منه!وسبحان الله! هذه الحادثة وقع لها نظير في قريتي التي نشأت فيها وتربيت: كان هناك رجل صعلوك كبير عنده ابن أخ، وهو عمه، فذبحه وألقاه تحت نخلة، وجاء يصرخ في القرية ويبكي: ابن أخي ذبح! واستمر البحث من قبل السلطة الفرنسية في ذلك الوقت، فما هي إلا جولة حتى اعترف بأنه هو الذي ذبح ابن أخيه، مع أن هذا الابن كان من تلاميذنا، بل من أحسنهم، فذبحه لأجل أن يرث المال الذي عنده، وحتى لا يقاسمه النخل الذي كان بينه وبين أخيه.هذا حدث في الإسلام أم لا؟ والله في الإسلام، وكما تسمعون! فلا عجب أن يحدث هذا في بني إسرائيل، وكانوا في تلك الأيام يعيشون على الجهل والضعف العقلي؛ لأني -والله أعلم- بحثت كثيراً فما وجدت من أهل العلم من ذكر هذه الحادثة أين وقعت، وكونها وقعت في التيه؛ في صحراء سيناء لا يعقل، فلا مال ولا توارث. أليس طعامهم المن والسلوى، وتظللهم السحب والغمام؟!وهذا فيما يظهر لي وقع في مصر أيام كان بنو إسرائيل هناك، فهذه الحادثة تمت في مصر قبل خروجهم من الديار المصرية، ومن عثر على هذا من أبنائنا من أهل العلم فليبشرنا، لأني أريد أن أعرف أين وقعت هذه الأحداث؟ أما أنها وقعت في سيناء فلا! فبعد سيناء مات موسى عليه السلام، وتولى أمرهم يوشع بن نون ، ولكن القصة تمت على عهد موسى وهو بطلها.قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] لم؟ لما قتل الجماعة ابن الشيخ الكبير ليرثوه أخذوه ورموه في قرية بعيدة عن قريتهم، وجاءوا يصرخون إلى موسى: ابننا قتل، أو أبونا قتل، أو عمنا، يقولون ما شاءوا، من قتل؟ وأصبحوا يطالبون بالدية من القرية التي وجد فيها الرجل مذبوحاً أو مقتولاً.فأوحى الله تعالى إلى موسى أن يقول لهم: اذبحوا بقرة، واضربوا الميت بجزء منها، سواء بعظمها أو بلسانها أو بأي جزء اضربوه به ينطق بإذن الله! ويقول: قتلني فلان أو فلان. ولا عجب! فعيسى عليه السلام أحيا الله على يده الموتى، وهذه من معجزات الأنبياء.

    جواب بني إسرائيل لموسى بعدما أمرهم بذبح البقرة

    لكن اسمع كيف ردوا عليه؟ هو يقول لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] وكلمة بقرة نكرة تتناول هذا الجنس؛ كبيرة .. صغيرة، صفراء .. سوداء، بقرة فقط. قالوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [البقرة:67] أتهزأ بنا، وتسخر منا يا موسى؟!وهل هذه الكلمة يقولها مؤمن لرسول؟! يقولها صحابي لمحمد صلى الله عليه وسلم؟!نعم قال الصحابة بدون علم: راعنا يا رسول الله! وهذه الكلمة فيها معنى الرعونة، وهي بالعبرية كلمة سخرية واستهزاء، فاستغلها اليهود والمنافقون فكانوا يقولون: راعنا يا رسول الله! ويضحكون في قلوبهم، فأنزل الله تعالى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا [البقرة:104] استبدلوا كلمة راعنا بانظرنا .. أمهلنا حتى نسمع عنك أو نفهم وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة:104]. والذي يستهزئ بالرسول كفر، والإمام مالك يرى إعدامه، وغيره من الأئمة يرون توبته ثلاثة أيام، فالإمام مالك يقول: ساب الرسول لا يستتاب، ويجب أن يعدم، وعنده شاهد قوي في العجوز التي كان لها عبد يسب النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، فما كان منها إلا أن جاءت وقتلته، وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فسره ذلك وهنأها.والشاهد عندنا: أن سب الرسول والاستهزاء والسخرية به كفر بواح، فانظر موقف هؤلاء اليهود: قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [البقرة:67] أتسخر منا وتستهزئ وتقول: اذبحوا بقرة؟! كيف يحيا بالبقرة إذا ضربناه بلحمها؟!ولا لوم ولا عتاب، والله يقول: قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ [البقرة:67] أي: قال موسى لأولئك المستهزئين: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة:67] أتحصن بجناب الله وألوذ بحمى الله أن أصبح جاهلاً كالجاهلين.وهنا عدنا من حيث بدأنا، قبنو إسرائيل عاشوا شبه رقيق .. شبه عبيد، مستذلين مسخرين للفراعنة، فما درسوا، ولا تعلموا، ولا قرءوا دهراً طويلاً، فجاء موسى عليه السلام وأخوه هارون أيضاً لا يستطيعون أن يعلموا أمة موزعة هنا وهناك في القرى. فهذه مظاهر الجهل.وهنا نذكر قصة أبي ذر لما قال لـبلال : يا ابن السوداء! فشكاه بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) قلَّت أو كثرت، أي: ظلام الجهل، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع وجهه على الأرض وقال لـبلال : والله لتطأن على عنقي!هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.فكل الذي نشكوه في أنفسنا، وفي غيرنا، وفي العالم مرده إلى ظلمات الجهل، والذين ما تهذبوا وما تربوا في حجور الصالحين لا يسلم حالهم أبداً، ولا تطمئن إليهم النفس. كيف يستقيمون في ألفاظهم .. كلماتهم .. حركاتهم سكناتهم .. أعمالهم؟ من هذبهم؟! فلهذا احمدوا الله على ما نحن عليه! قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة:67]؛ لأن الجاهل هو الذي يسخر .. هو الذي يستهزئ .. هو الذي يقول ما ليس يعلم .. هو الذي يفعل بدون إرادة وعلمفهذا الجاهل يتخبط.فموسى يقول: كيف آمركم بشيء لم يأمرني الله تعالى به؟! ولولا علمي بأنكم إن ضربتم هذا الميت بقطعة من هذه البقرة حيي، وأجابكم، وأفصح عمن قتله ما قلت لكم.

    تفسير قوله تعالى: (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ...)

    قال تعالى حاكياً عن قوم موسى أنهم قالوا له بعد ذلك: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ [البقرة:68] وهذه عندنا أيضاً قبيحة: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ وأنتم ليس بربكم؟! هذا سوء أدب فاضح أم لا؟! ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أنا ربي وحدي .. خالقي .. رازقي .. مدبري، وأنتم: من ربكم؟ من خلقكم؟ من رزقكم؟ من دبر حياتكم؟!هذه من مظاهر الجهل. والمؤمن يستحي أن يقول مثل هذا الكلام، ورسول الله موسى بين أيديهم، وأنقذهم الله به، وشاهدوا تسع آيات تخر الجبال من هولها، وعند رؤيتها.ولهذا لا تبك يا رسول الله! لا تتمزق يا عمر من اليهود، فهذه حالهم منذ آلاف السنين وإلى اليوم، وإن درسوا في مدارس الدنيا، لكن ما زالت هذه الطباع مغروسة في غرائزهم، فلا تزول ولا تتبدل. قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ [البقرة:68] لم هذا التقعر؟ لم هذا التنطع؟! قال: بقرة، خذوها من الشارع .. أخرجوها من البستان، لفظ مطلق: بقرة! لكن لكونهم شاكين غير مؤمنين بصدق هذه القضية، وأنهم إذا ضربوا به الميت لا يحيا، فهذه عوامل الشك ظاهرة فيهم، أو يتملصون من هذه القضية لأنهم هم الذين ولغوا في الجريمة! وهم الذين قتلوا ونسبوا القتل للقبيلة الفلانية، حتى لا يفضحوا؛ لأنها فضيحة عظيمة؛ كيف يقتلون قريبهم ثم يتهمون قبيلة أخرى بالقتل؟! فمن هنا يتلوون ويتبرمون.قال: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ [البقرة:68] ما هذه البقرة؟! قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ [البقرة:68] مسنة: كبيرة، فرضت أسنانها وقطعتها وَلا بِكْرٌ [البقرة:68] ولكنها عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ [البقرة:68] وسط؛ ليست صغيرة ولا كبيرة، عوان بين الكبر والصغر، والفارض هي التي فرضت، فرض الشيء قطعه، ومنه الفرض القطع، قطعت أسنانها لكبر سنها، فلا هي فارض، ولا بكر ما أنجبت ولا ولدت. فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [البقرة:68] بينتها لكم أم لا؟ قلتم: ما هي؟ قلنا: إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [البقرة:68] ابحثوا في السوق .. في المزارع .. في محلات الأبقار، والتي تجدونها ليست مسنة ولا صغيرة خذوها واذبحوها.

    تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ...)

    ماذا قالوا؟ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا [البقرة:69] أي قيمة للون: صفراء .. بيضاء .. سوداء؟ الحكمة ليست في لون البقرة، الحكمة في أن يصدر أمر الله إلى الميت أن ينطق قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا [البقرة:69] شديدة الصفرة، يقال: أحمر قانٍ .. أخضر مدهام .. أبيض ناصع .. أصفر فاقع. تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة:69] فإذا نظر إليها المرء تعجبه وتفرحه، وتدخل السرور عليه لجمالها.وأين يجدون هذه؟!تقول الروايات: إن شيخاً كبيراً من بني إسرائيل كان عنده طفل صغير، فخاف إذا مات من يتولاه، وعنده عِجْلَة، فمر بمزرعة ذات أشجار ونباتات فرمى بالعِجْلَة هناك وقال: رب! استودعتك هذه العِجْلَة لولدي! تكبر عندك حتى تصبح بقرة، ويصبح ولدي عاقلاً ويأخذها. وتمضي الأيام ويكبر الطفل، ويصبح يقود البقرة بعد أن كانت عِجْلَة، وكانت صفراء فاقع لونها تسر الناظرين؛ فلهذا رآها القوم أعجبتهم وقالوا: هذه هي. فالولد ببركة دعوة أبيه قال: لن تذبح بقرتي على الخمسين ديناراً والألف دينار، لن أسمح إلا بملء جلدها ذهباً، فصاحوا وقاموا وقعدوا، لكن قد تعينت الآن فأين المهرب؟ فجمعوا حلي نسائهم وأموالهم وما عندهم واشتروا البقرة.قالت العلماء: وهذا فيه بركة دعوة الأب لولده، فلما دعا الأب الله عز وجل، واستغاثه، وسأله، واستودعه هذه البقرة ليعيش عليها ولده استجاب الله، وأصبح من أغنى بني إسرائيل! فجلد البقرة مملوء كاملاً بالذهب .. ميزانية دولة.

    تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا ...)

    قال تعالى حاكياً عنهم: قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [البقرة:70] ألوانها مختلفة، وكلما نقول: هذه تظهر واحدة أخرى يقولون: ها هي هذه، ويبدو والله أعلم أنهم متهربون من القضية؛ خشية أن ينطق الميت ويقول: قتلني فلان من بني فلان؛ فلهذا يتخفون من القضية ويتهربون. وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة:70] هذه الكلمة من أين جاءت؟ من الله، وما هم أهل لها. قالت العلماء: لولا أنهم قالوا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ لما وصلوا إليها، ولما وجدوها ولا عرفوها، وفي هذا بركة الاستثناء، وقد حرمه رجالنا ونساؤنا، فلو كان كل واحد منا إذا حلف يقول: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله؛ لم يحنث، ولم يتلطخ قلبه بظلمة المعصية، ولكن مع الأسف قلَّ من يقول: إن شاء الله.وعندنا حادثة بعينها ذكرها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أن سليمان عليه السلام لما كان يغزو ويفتح ويوسع الامبراطورية الإسلامية التي يحلم بها الآن اليهود متى يعيدونها؛ قال في ليلة من الليالي: ( لأطأن الليلة مائة جارية تلد كل واحدة ولداً يصبح رجلاً يقاتل في سبيل الله )، فأراد أن يكوِّن جيشاً أو فيلقاً من جماع ليلة! ونسي أن يقول: إن شاء الله. فعاقبه الله تعالى تأديباً له، فوالله ما ولدت واحدة، إلا واحدة جاءت بطفل نصفه مشلول، شبيه بالشلل النصفي الذي عرفناه في هذه الأيام؛ فوضعوه على السرير وجاء أبوه: هذا هو ولدك.قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( لو قال: إن شاء الله لولدت كل واحدة ولداً ولقاتل في سبيل الله ). وقال تعالى: وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص:34] الآية.فلما قالوا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة:70] هداهم الله، فاشتروا البقرة التي كانت عِجْلَة بمتنها ذهباً!

    تفسير قوله تعالى: (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ...)

    قال تعالى: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا [البقرة:71] قال لهم: إن ربي جل جلاله يخبركم فيقول: إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ موجودة، تأكل وتشرب، فما حرثوا عليها الأرض، ولا سنوا عليها السواني، وما ذللت بالخدمة والإرهاق، فلا ذلول تثير الأرض بالحرث، ولا تسقي الحرث أي: تسني بالسواني وتخرج الماء، وهذا ينطبق على بقرة الرجل الصالح الذي تركها في المزرعة تأكل سنين. مُسَلَّمَةٌ ما فيها عيب أبداً لا في قرن ولا في رجل، ولا شِيَةَ فِيهَا أي: لا صفة ولا علامة، فما فيها نقطة سوداء أو بيضاء أو كذا، لون واحد، حتى قرونها صفراء، وحوافرها صفر أيضاً، وما فيها علامة أخرى؛ ولهذا تاهوا في طلبها، فساقهم الله إلى بقرة هذا اليتيم. قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة:71] ذبحوها بمعنى: اشتروها بمسكها ذهباً، وذبحوها طاعة لله ولرسوله.وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ فلولا أن الله ألهمهم بكلمة إن شاء الله لما انتهوا إلى هذا، وهذا يدل على أنهم كانوا يتهربون، فهم خائفون أن يفضح أمرهم؛ لأن الذين طالبوا بقتل القاتل هم القاتلون! وما كادوا يفعلون.

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون)

    نواصل القصة ونعود الآن إلى بداية القصة، قال تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا [البقرة:72] اذكروا إذ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:72] والتدارؤ: التدافع. فهؤلاء يقولون: قتل هؤلاء، وهؤلاء يقولون: ما قتلنا. وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا هذا الشيخ الكبار الذي قتل ليورث، أو الابن الصغير هو الذي قتل حتى يورث عمه. فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ما كانوا قد عرفوا القاتل أم لا؟ عرفوه فهو منهم، وكانوا يغطون، ويسترون، ويتهمون الآخرين، وَاللَّهُ مُخْرِجٌ وقد أخرجه عما قريب.

    تفسير قوله تعالى: (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ...)

    قال تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا [البقرة:73] اضربوا هذا الميت ببعض هذه البقرة، سواء كان باللسان أو بالرجل، والكلام في هذا لا يفيد شيئاً، المهم خذوا جزءاً منها وبسم الله اضربوا، فإنه ينطق! فضربوه فإذا به يشخب دماً وينطق: قتلني فلان!آمنت بالله. أخذوا جزءاً من البقرة سواء رجلها أو يدها أو قرنها أو لسانها بسم الله! وإذا بالغلام يتدفق دماً كما ذبحوه وهو ينطق: قتلني فلان وفلان، ووضعوني في مكان فلان وفلان. فهذه آيات الله الدالة على وجوده وعلمه وقدرته وحكمته، وتحقيق نصرته لأوليائه.قال تعالى: كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى [البقرة:73] كهذا الإحياء يحيي الله الموتى، أليس هذا الرجل ميتاً؟ ميت، وبعد فترة من الزمن أحياه أم لا؟ أحياه. وهكذا في الموتى يوم القيامة! ويحيي الموتى في كل زمان ومكان متى شاء ذلك.قال: وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:73] وهنا العقل شيء، والعلم شيء آخر، فالعلم أفضل، ولكن العقل إذا كان راجحاً سليماً -حتى ولو كان صاحبه جاهلاً- يستطيع أن يميز بين الحق والباطل .. بين الخير والشر .. بين القبيح والسيئ، لكن إذا فُقِد العقل فقد كل شيء! وإذا فَقد العالم عقله أصبح كالجاهل يخبط ويخلط.فقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:73] فتعرفون موقفكم وما أنتم عليه من هذا التهرب والتفصي من الحق، وهذا البعد من الآداب.
    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    شرح الكلمات

    بسم الله الرحمن الرحيم.قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم: [ شرح الكلمات: البقرة ] ما معنى البقرة؟ قال: [ واحدة البقر، والذكر ثور، والأنثى بقرة ] والعوام إذا سبوا شخصاً بالجهالة يقولون: يا ثور! اسكت يا ثور! وللمرأة: اسكتي يا بقرة! يجوز هذا؟ والله لا يجوز، حرام، سوء أدب!وكلمة راعنا -وهي عربية بمعنى: انظرنا- ما رضيها الله لرسوله.قال: [ والذبح: قطع الودجين والمارن ]. الودجان: عرقان يكتنفان العنق، والمارن: هذا الذي يمشي فيه الماء والطعام، يجمعها ويذبحها، المارئ والمريء، فلهذا الذي يذبح شاة ولا يذبحها على هذه الطريقة لا تؤكل إلا بكراهة. وكذلك إذا قلصمها؛ فجعل هذه الحنجرة وتركها مع الرقبة، هذا كذلك تؤكل مع كراهة، فالذبح الحقيقي الشرعي أن يجمع بين الودجين والمارن، ويقطعهما قطعة واحدة.قال: [ والهزؤ: السخرية واللعب ]. أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [البقرة:67] تلعب وتسخر بنا.قال: [ الجاهل ] من هو الجاهل؟ قال: [ الذي يقول أو يفعل ما لا ينبغي قوله ولا فعله ] اضبطوا هذه: من هو الجاهل؟ هو الذي يقول ويفعل ما لا ينبغي قوله ولا فعله؛ حتى ولو كان يحفظ كتاب الله والتوراة! فالجاهل: الذي يقول ما لا ينبغي أن يقال، أو يفعل ما لا ينبغي أن يفعل. والذي يقول ما ينبغي أن يقال، ويفعل ما ينبغي أن يفعل هذا هو العاقل! فعقله عصمه وحفظه من التخبط والضلال.قال: [ الفارض ] ما هي هذه البقرة؟ قال: [ الفارض: المسنة. والبكر: الصغيرة التي لم تلد بعد. والعوان: النّصفُ، وسط بين المسنة والصغيرة ] العوان هي الوسط أو النصف في عمرها.قال: [ وفاقع: يقال: أصفر فاقع شديد الصفرة، كأحمر قان، وأبيض ناصع ] شديد البياض.قال: [الذلول: المريّضة التي زالت صعوبتها فأصبحت سهلة منقادة ] فذللوها بالعمل، وأصبحت سهلة الانقياد.قال: [تثير الأرض: تقلبها بالمحراث فتثير غبارها، بمعنى: أنها لم تستعمل في الحرث ولا في سقاية الزرع، أي: لم يُسنَ عليها؛ وذلك لصغرها ] أو لاحترام أهلها لها، فأبوا أن يتعبوها.قال: [ مسلّمة: بمعنى سليمة من العيوب كالعور والعرج] وما إلى ذلك.قال: [لا شية فيها: الشية: العلامة، أي: لا يوجد فيها لون غير لونها من سواد أو بياض ] أو حمرة مثلاً. هذه هي المفردات.

    معنى الآيات

    قال: [ واذكر يا رسولنا لهؤلاء اليهود ] من القائل؟ الله. لماذا لا نقول: واذكر يا محمد؟! انتبهوا، وقد وقع في هذه الغلطة الجلالان: السيوطي والمحلي ، عندما يقول: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ... قل يا محمد! قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] قل يا محمد! وهذه غلطة؛ لم؟ لأن الله تعالى قال: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63] فهل يجوز أن تقول: يا محمد؟ لا يجوز. والله ناداه نداءات متعددة بـ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ... ! يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ... ! فكيف تقول أنت: يا محمد؟! كأنك لا تعترف برسالته.قال: [ واذكر يا رسولنا لهؤلاء اليهود عيباً آخر من عيوب أسلافهم الذين يعتزون بهم ]. فهم يريدون ألا يفارقوا ملتهم، ولا ما كان عليه أباؤهم وأجدادهم، انظروا إلى حال أجدادكم. فلو صح لكان العرب يعتزون بـأبي جهل والعاص بن وائل .قال: [ وهو سوء سلوكهم مع أنبيائهم؛ فيكون هذا توبيخاً لهم لعلهم يرجعون عن غيهم، فيؤمنوا بك وبما جئت به من الهدى ودين الحق. اذكر لهم قصة الرجل الذي قتله ابن أخيه استعجالاً لإرثه، ثم ألقاه تعمية في حي غير الحي الذي هو منه، ولما اختلفوا في القاتل قالوا: نذهب إلى موسى يدعو لنا ربه ليبين لنا من هو القاتل. فجاءوه فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] من أجل أن يضربوا القتيل بجزء منها؛ فينطق مبيناً من قتله. فلما قال لهم ذلك قالوا: قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [البقرة:67] فوصفوا نبي الله بالسخرية واللعب، وهذا ذنب قبيح، وما زالوا يسألونه عن البقرة ويتشددون حتى شدد الله تعالى عليهم الأمر الذي كادوا معه لا يذبحون، مع أنهم لو تناولوا بقرة من عرض الشارع وذبحوها لكفتهم ].ولهذا نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التشديد، وكم وقع منا في هذه الفتنة، ففي الوضوء يدخل يغتسل ساعتين، وكلما غسل عضواً يقول: ما غسلت الثاني. من الوسوسة. وإذا جاء ووقف يصلي هكذا! وهو يضبط النية كي تقارن: الله أكبر! فنهينا عن التشديد: ( إن هذا الدين يسر، وما شاد الدين أحد إلا غلبه )، ( ويسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا ) فهذه تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم، فانظر كيف شدد الله عليهم لما شددوا.قال: [ ولكن شددوا فشدد الله عليهم، فعثروا على البقرة المطلوبة بعد جهد جهيد، وغالى فيها صاحبها فباعها منهم بملء جلدها ذهباً ].

    هداية الآيات

    بعد أن شرحنا الآيات ما هدايتها؟ هل نطلب الهداية من هذه الآيات أم لا؟ هل تخلو آية من هداية؟ والله ما كان!قال: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان ما كان عليه قوم موسى من بني إسرائيل من العجرفة وسوء الأخلاق؛ ليتجنب مثلها المسلمون ]. عرفتم الفائدة؟ لم شرح لنا حال بني إسرائيل، وأظهر قبائحهم في سلوكهم؟ من أجل ألا نقع فيما وقعوا فيه، ومن أجل ألا نتورط كما تورطوا. والآن النبي ليس موجوداً، ولو كان موجوداً -والله- لسمعتم العجب أكثر من بني إسرائيل.وعندنا دليل قطعي: العالم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟ أليس خليفته يبلغ عنه؟! وها هم يسخرون من العلماء ويستهزئون أكثر من سخرية بني إسرائيل! لعلي واهم؟ والله العظيم لَيُسخر من العلماء، ويستهزأ بهم، ويتهكم بهم، ويقال فيهم قبائح السلوك، وما هو واحد ولا عشرة ولا مليون؛ لأننا ما درسنا هذا الكتاب!أتلومنا يا شيخ! ونحن جهلة؟!أسألكم بالله كونوا على علم: أين الذين جلسوا في حجور الصالحين وتربوا عليهم؟ أشيروا إليهم.نحن الآن تلاميذ الفيديو والدش والشريط، وفي المدارس كما تعلمون الأساتذة من أمثالي همهم الراتب، والتلاميذ همهم متى يتخرجون، وهكذا .. فلا وجود لله عز وجل في أعمالنا، كيف يتخرج أبناؤنا؟ وأصعب من هذا البنات، يهون الأمر مع الذكور، أما مع الإناث فالآن مسابقة عظيمة: أية بنت تتخرج لتصبح موظفة! اللهم استر علينا.المهم من هداية هذه الآية الكريمة: [ بيان ما كان عليه قوم موسى من بني إسرائيل من العجرفة وسوء الأخلاق ليتجنب مثلها المسلمون ] قلتم: لا يستطيعون أن يتجنبوها .. ما عرفوها، هل اجتمعوا على هذا الكتاب ودرسوه؟ المقررات في العالم الإسلامي باستثناء المملكة -وليغضب من شاء أن يغضب- المقررات نتف وجزئيات بسيطة في التعليم لا وزن لها، فكيف يتخرج أبناء المسلمين عالمين بالكتاب والسنة؟! والمقررات عندنا إسلامية، ومع هذا والله يغمسون أنوفهم في الباطل، وتجد عجائب في المقررات لا يتفطن لها إلا ذوو الألباب! قال: [ ثانياً: حرمة الاعتراض على الشارع، ووجوب تسليم أمره أو نهيه، ولو لم تعرف فائدة الأمر والنهي وعلتهما ]. أقول: من هداية الآية: يحرم علينا أن نعترض على الشارع - على الله أو على رسوله .. على الكتاب أو السنة- ووجوب تسليم أمر الله وأمر الرسول ونهيه، وإن لم نعرف الفائدة كذلك، فليس شرطاً أن نعرف العلة، وما دام قد أمر الله أمر، ونهى رسول الله نهى، عرفنا العلة أو لم نعرف، إذ لا بد من التسليم؛ لم؟ لأن الشارع حكيم، وهو أستاذ الحكمة ومعلمها، فكيف إذن تظن في أمر أو نهي أنه خارج عن دائرة الفائدة والمصلحة! هذا مستحيل!إذاً: يحرم الاعتراض على الشارع، ويجب التسليم لأمره أو نهيه، ولو لم تعرف فائدة الأمر والنهي وما هي علته، المهم أن يصح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال: [ ثالثاً: الندب إلى الأخذ بالمتيسر، وكراهة التشدد في الأمور ]. هل هذا عرفه المسلمون؟ فالذي تيسر من طعامك .. من شرابك فاحمد الله وكل واشرب. والذي تيسر من نعلك أو من ثوبك لم تتشدد وتطلب ما هو أعظم وما هو أعلى، وما هو أشقى؟!وهذا أبو القاسم فداه أبي وأمي والعالم أجمع يقول له ربه: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8]، فكانت هذه السورة أحب إليه، والله إنه ليقرأ بها في اليوم مرتين أحياناً؛ لم؟ لما فيها من كلمة: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8]، فقالت أم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله عنها: ( ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما )، أنت تجد ثيباً تتزوجها بخمسة آلاف ريال فلم تتزوج بمائة ألف ريال يا عبد الله؟! أنا جاءني أحدهم يشتكي ويبكي، قلت: كيف تعطيه مائة ألف؟ أنت اشتريت هذه أمة؟! أنت تستحل فرجها بالمهر الذي هو مائة ألف ريال. يكفي خمسة آلاف .. لم تعطه مائة ألف؟! والعجب أنهم فقراء، ولو كانوا تجاراً .. أغنياء .. أمراء نقول: لا بأس، والله فقير يقول لك: مائة ألف! ماذا نصنع الآن؟ نطلق أم لا نطلق؟فخذ ما تيسر، ليس في المركب فقط، ولا في المسكن، ولا في الملبس، ولا في المأكل، بل في كل شيء، الذي يسره الله اقتنع وخذه.قال: [رابعاً: بيان فائدة الاستثناء بقول: إن شاء الله ] أما عرفتم هذا؟ الله أدب سليمان أم لا؟ وأدب المصطفى أم لا إذ قال له: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] وقد جاءت أسئلة من اليهود جاءوا بها إلى مكة للمكر والخديعة، وسألوا الرسول عنها فقال: أجيبكم غداً. فعاتبه الله بانقطاع الوحي خمسة عشر يوماً، حتى أن امرأة أبي جهل في الشوارع تغني تقول: تركه .. قلاه. ونزلت سورة الضحى، وخففت عن آلام المصطفى وسرَّت عنه، وأقسم الله له أنه ما تركه أبداً: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3]، ونزلت: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24].وبلغنا في بلاد العرب والإسلام أنك إذا قلت: إن شاء الله، يقول: لا تقل: إن شاء الله، لا أصدقك، قل: نفعل كذا، فمنعوهم كلمة: إن شاء الله!قال: [ بيان فائدة الاستثناء بقول: إن شاء الله، إذ لو لم يقل اليهود: إن شاء الله لما اهتدوا أبداً، وما كانوا يهتدون إلى معرفة البقرة المطلوبة.خامساً: ينبغي تحاشي الكلمات التي قد يفهم منها انتقاص الأنبياء مثل قولهم: الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ [البقرة:71] ] إذاً: قبلُ ما كان يأتي بالحق، فهذه دلالة خفية.قال: [ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ [البقرة:71] إذ مفهومه: أنه ما جاءهم بالحق إلا في هذه المرة من عدة مرات سبقت ].معاشر المستمعين! إياي وإياكم والجهل، أزيلوا الجهل بدراسة الكتاب والسنة في بيوت الرب، والله يتولاكم.وصلى الله على نبينا محمد وآله.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (59)
    الحلقة (66)


    تفسير سورة البقرة (3)


    الناس ثلاث أصناف: متقون، وكافرون، ومنافقون، وقد جاء في بيان حال المنافقين من الآيات أكثر مما جاء في الصنفين الأولين؛ لعظم خطر هذا الصنف على المجتمع المسلم، فهو يظهر الإسلام ويبطن الكفر، صيانة لدنياه ويظن أنه بهذا العمل يخدع الله ويخدع المسلمين، ولا يدري أنه يخدع نفسه، لأنه سيحاسب ويجازى على كل صغيرة وكبيرة اقترفها في حياته الدنيا، ثم تكون النار هي مصيره الأبدي.

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا مع كتاب ربنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها، وها نحن مع سورة البقرة، السورة الحاوية لألف خبر، وألف أمر، وألف نهي.وهذه السورة كان الأصحاب رضوان الله عليهم إذا حفظها أحدهم ولوه القضاء والحكم.وهذه السورة لا تقرأ على الموتى لطولها.وهي إحدى سورتين تظللان صاحبهما يوم القيامة: سورة البقرة وسورة آل عمران، وتسميان بالزهراوين.

    الفلاح للمتقين

    هذه السورة مفتتحة بقول الله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، وقد درسنا هذه الآيات، وخلاصتها من باب تذكير الناسين وتعليم غير العالمين: أن القرآن الكريم لا ريب ولا شك فيه، فإن كان هناك شك أو ريب في نفس أحد فليس السبب هو القرآن، إذ القرآن لوضوحه وبيانه وسلامة ما يحمله من الهدى والنور لا يتطرق إليه الشك ولا الريب بحال.وهذا القرآن يحمل هدى ولكن للمتقين الذين آمنوا بالله ولقائه وكتبه ورسله، فخافوه وأطاعوه بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فهؤلاء لهم في القرآن نور وهداية إذا هم اتقوا ربهم.وقد وصف الله المتقين بصفات نسأل الله أن تكون عندنا ونحن من أهلها، فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة:3-4]، فيدخل مؤمنو اليهود ومؤمنو النصارى في حضرة المؤمنين المتقين.وهؤلاء المتقون قد قضى الله تعالى وحكم بأنهم هم المفلحون فقال: أُوْلَئِكَ السامون الأعلون عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ أي: متمكنين من ذلك الهدى، كأنما اتخذوه سفينة نجاة، وَأُوْلَئِكَ هُمُ لا سواهم، ولا غيرهم، الْمُفْلِحُونَ أي: الفائزون الناجون من النار، الداخلون للجنة؛ دار الأبرار.ولو سئلت: ما المراد من الفلاح والفوز الذي يذكره الله في القرآن؟ فقل له: أما سمعت هذا البيان من سورة آل عمران فالله يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، هذا هو الفوز.وهذا صنف من الناس: مؤمنون متقون، من العرب ومن العجم، من المشركين ومن أهل الكتابين، آمنوا واتقوا واستقاموا، فحكم الله لهم بالفلاح.

    الختم على قلوب الكافرين

    هنا صنف آخر وهم الكافرون، قال الله تعالى عنهم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:6-7]. وهذا الصنف من الناس يشمل الأبيض والأسود، والعربي والعجمي، وهم -والعياذ بالله تعالى- قد كفروا، وكفروا بمعنى جحدوا وغطوا وستروا، أو كفروا عناداً ومكابرة فعرفوا وجحدوا.وهؤلاء المكذبون، الجاحدون، المعاندون، المكابرون منهم من هو متهيئ ومستعد لأن يقبل الهداية متى عرضت عليه، ومنهم أفراد يقلون أو يكثرون موجودون في كل زمان ومكان قد ضربوا بسهم عظيم، وتوغلوا في الجحود والعناد والمكابرة والفسق والفجور، فمضت فيهم سنة الله، فختم على قلوبهم، فما أصبحوا يفقهون أو يعقلون أو يفهمون أبداً، ولو حدثتهم عن الله وعن لقائه .. عن الإخاء .. عن المودة .. عن الرحمة .. فلكثرة فسقهم وفجورهم وضلالهم وشركهم أصبحوا لا يسمعون الخير، ولا يعقلون أو يفهمون، إذ ختم الله على قلوبهم، فلا يدخلها نور، ولا وعي، ولا فهم، ولا إدراك. وَعَلَى سَمْعِهِمْ أي: لا يسمعون نداء الخير أبداً.وجعل الله تعالى على أبصارهم غشاوة أي: ستراً عليها كالبياض الذي يصيب العينين، فصاحبه لا يشاهد شيئاً فهو أعمى.فهؤلاء قضى الله تعالى عليهم وحكم بكفرهم وعدم إيمانهم، وبخلودهم في دار الشقاء: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7] لأنهم كفار في الدرجة الأولى، فمنهم من كفر عناداً ومكابرة، ومنهم من كفر تقليداً، ولكن توغل وضرب بسهم كبير في باب الكفر والضلال، وما أصبح يقبل الهداية، وفي سورة يس يقول تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [يس:10-11] أي: المؤمن الحي القابل للهداية، أما من تراكمت عليه ذنوبه وآثامه وجرائمه وموبقاته فإن هذا ما أصبح قابلاً للهداية، فلا تكرب عليه يا رسول الله ولا تحزن، ولم يقل له: لا تدعهم ولا تنذرهم؛ لأن هذا غيب، والرسول لا يعلم الغيب، فما يفرق بين أبي جهل وبين أبي طالب ، فمهمته أن ينذر وأن يبلغ، ولكن لما يشعر بالألم في نفسه والحزن من أجل أنهم أعرضوا وعاندوا وكابروا يخفف الله تعالى عنه بمثل قوله: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:10]، فهون على نفسك.إذاً: القسم الثاني من أقسام البشر الثلاثة هم الكفرة.

    تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)

    القسم الثالث هو قسم المنافقين، ولا رابع بعدهم. فالناس ثلاثة أصناف: مؤمنون متقون، كافرون فاجرون.والمنافق
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) تفسير سورة البقرة - (60) الحلقة (67)


    تفسير سورة البقرة (30)



    القلوب لحمة رطبة، لكنها إذا قست غدت أقسى من الحجر، فكم من عيون ماء نبعت، وأنهار جرت من بين ثنايا صخور صماء، أما القلوب القاسية -يا ويحها- لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً، جافة قاحلة، وهكذا كانت قلوب بني إسرائيل، قلوباً سوداء مظلمة، محرّفة لكلام الله وآياته، تنكر الضوء إذا داعبتها خيوطه، ولهذا كان الطمع في إيمانها بعيداً.

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:74-75] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!قول ربنا جل ذكره: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة:74] من المخاطب بهذا؟ إنهم بنو إسرائيل .. إنهم اليهود الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم بل وساكنوه في هذه المدينة.فهذه الآيات تكشف الغطاء، وتزيح الستار عن أمراض تلك الأمة وعللها، وأسقامها، وأوجاعها؛ إذ كما بلغنا وسمعنا، وفهمنا أن ابن أخ قتل عمه ليرثه، ثم أخذوا الجثة ووضعوها في حي قبيلة أخرى، ثم صاحوا: قتل شيخنا .. قتل أبونا، من قتله؟ هو في الحي الفلاني.فأوحى الله تبارك وتعالى إلى نبيه موسى عليه السلام أن يأمرهم بذبح بقرة، فإذا ذبحوها جاءوا بعظم منها كرجل أو لسان أو أي جزء، وضربوا القتيل به فإنه يحيا بإذن الله، وينطق، ويخبر عن قاتله.وقد أشرنا إلى أنهم كانوا يدفعون إلى هذا دفعاً، فلمَّا أخبرهم أن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة قالوا تلك الكلمة البشعة التي هي كفر، وهي كونهم يقولون لرسول الله: أتسخر منا؟ أتستهزئ بنا؟ وقد عرفنا أن الاستهزاء والسخرية محرمان على المؤمنين، فلا يجوز أن يسخر مؤمن بمؤمن، ولا يستهزئ مؤمن بآخر، واقرءوا قول الله تعالى من سورة الحجرات المدنية لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات:11].ثم لما أمرهم ورد فريتهم وباطلهم، وعزموا على أن يذبحوا البقرة قالوا: ما لونها؟ ما هي؟ أخذوا يشددون على أنفسهم؛ ولعل هذا من أجل التهرب من القضية؛ وخشية أن يفتضح أمرهم بين الناس؛ لأن الذين طالبوا بالقتل هم الذين قتلوا عمهم أو أخاهم، فخافوا أن يفضحوا، فقالوا: ما هي؟ فقال: إنها كذا وكذا، لا فارض ولا بكر؛ عوان أي: نصف بين ذلك، ثم زادوا فقالوا: ادع لنا ربك ليبين لنا ما لونها: صفراء .. سوداء .. بيضاء؟ قال: إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة:69]، وهكذا حتى ساقهم القدر إلى تلك العِجْلَة التي هي نتيجة دعوة الرجل المؤمن الصالح، ليرزق الله ولده بمال ما كان يحلم به، إذ ساوموه بالألف والألفين، ولم يبعهم إلا بملء مسكها ذهباً، واشتروها.وعرفنا أنهم قالوا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة:70] فنفعهم الاستثناء، ولو لم يقولوا: إن شاء الله ما كانوا يصلون إلى نتيجة. وذبحوها وجاءوا بقطعة منها وضربوا الميت، فقام تشخب عروقه بالدماء كأنه الآن سقط، وهو يقول: قتلني فلان.

    تفسير قوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ...)

    هذه الحادثة حادثة جُلَّى وعظيمة، فهذا ميت مضى عليه كذا يوم، ثم يحيا حياة كاملة، وينطق ويقول: قتلني فلان، ثم يموت مرة أخرى! حقيقة الذين شاهدوا هذه الواقعة لانت قلوبهم .. خجلوا .. رجعوا إلى الصواب .. عادوا إلى الحق، لكن ما هي إلا فترة، فما إن مات أولئك الذين شاهدوا الحادثة وإذ قلوب أبنائهم وأحفادهم تقسو، بدليل قوله تعال: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [البقرة:74]، وهو يخاطب بني إسرائيل الأموات والأحياء؛ لأن الأحياء متشددون، متمسكون بعقيدة أسلافهم ونحلتهم وما هم عليه، فأصبحوا كأنهم مجتمعون والقرآن ينزل على الجميع، ويخاطب الحاضرين، والغائبين، والميتين. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ في قساوتها كَالْحِجَارَةِ [البقرة:74] والقلب قطعة لحم، وقساوته ليست في تلك اللحمة، قساوته فيما يرتكب صاحبه، فالذي يذبح عمه أو أخاه هل في قلبه رقة أو لين؟ هذا أشد من الحجارة، والذي يشاهد هذه الآيات عياناً ثم يفسق ويفجر، بل ويكفر هل في قلبه لين أو رقة؟! قلبه كالحجر. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ [البقرة:74] بل أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] من الحجارة، و(أو) هنا بمعنى بل.ثم بين تعالى أن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، صخور في الجبال تتفجر منها الأنهار وتتدفق، ومنها ما يخرج منه الماء ينابيع، وأما قلوب هؤلاء فلا رحمة، ولا عطف، ولا رقة، ولا.. ولا.. ولا.. العجب العجاب. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ [البقرة:74] كم من عيون تفجرت من الصخور الجبلية، ومنها ما ينبع منه الماء الرقيق العذب القليل. وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة:74] وحادثة الجبل الذي ارتفع فوقهم كأنه ظلة، كيف ارتفع؟ ارتفع لأن الله أمره فأطاعه وخضع وذل لأمر الجبار فارتفع، وفوق ذلك لما سأل موسى ربه أن يريه وجهه الكريم فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143] فهذا الجبل تجلى له الرحمن عز وجل فصار دكاً، أي: ذاب ذوباناً، وأصبح هباءً.وعندنا جبل أحد لما علاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أبو بكر وعمر وعثمان ماد تحته واضطرب، فقال: ( اسكن أحد؛ ما عليك إلا نبي وصدِّيق وشهيدان ) الصديق هو أبو بكر ، والشهيدان هما عمر وعثمان ، وهل ماتا في ساحة القتال؟ أين مات عمر وعثمان ؟ في المدينة، عمر في المسجد وعثمان قريباً من المسجد، لكنهما شهيدان أو لا؟ فمن الشهادة ما تكون في ساحة القتال، وإن من سأل الله تعالى الشهادة بحق أعطيها ولو مات على فراشه.ثم قال تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74] هذا توبيخ .. تأديب .. تحريك لقلوبهم .. فكشف النقاب عن صنائعهم المدمرة؛ المخربة، ومؤامراتهم اليهودية المنتنة؛ إذ حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم مرتين، ولكن الله أذلهم وأخزاهم، فقوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74] معناه حيثما تحركتم للكيد والمكر برسولنا والمؤمنين فنحن على علم بما تحدثونه وما ترتكبونه، إذاً فخافوا الله.وانتهت هذه القصة.

    تفسير قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ...)

    قال تعالى يخاطب رسوله والمؤمنين: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة:75] الذي نعلمه، ويعلمه المسلمون أن الصحابة وخاصة المهاجرين مثل أبي بكر وعمر ومن إليهم كانوا يطمعون -حقيقة- في أن اليهود سيدخلون في الإسلام، بل كانوا يرجون رجاء أن اليهود سوف يدخلون في الإسلام، لم؟ لأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله .. يؤمنون بلقائه .. يؤمنون بالوحي الإلهي .. يؤمنون بالتشريع الإلهي، فهم موحدون قبل كل شيء، وليسوا بمشركين، فما المانع أن يدخلوا في الإسلام جماعات؟!هذا الطمع كان بالفعل، ولو لم يكن كيف يخبر تعالى عن شيء ما كان؟! أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة:75] أي: يتابعوكم على دينكم الإسلامي. وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75]. ولنعد إلى الوراء، فقد كانوا يسمعون كلام الله ويحرفونه، فلما رفع الجبل فوق رءوسهم وسجدوا تلك السجدة ما التزموا، وما إن رفع الجبل عنهم عادوا وحرفوا ما سمعوا، فهم يحرفون الكلام من بعد ما سمعوه، وهم يعلمون أنهم محرفون.وهذا تسجيل إلهي على اليهود، فإنهم أهل مكر، وأهل تحريف وتضليل، فصفات النبي صلى الله عليه وسلم ونعوته بين أيديهم، فيحرفون الصفة، ويحرفون صاحبها.ولما يحتج عليهم إخوانهم: أليس هذا هو النبي المنتظر؟ يقولون: لا، ما زال لم يأت، ليس هذا، ذاك أزرق العينين .. طويل القامة .. سبط الشعر، فيحرفون صفات الرسول لأولادهم ونسائهم ويقولون: هذا لم يأت، وما خرج بعد. ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75] أنهم محتالون يحرفون الكلم لأجل الحفاظ على حياتهم المادية الهابطة.وقد قررنا غير ما مرة أن تفكيرهم في إعادة مملكتهم التي كانت على عهد سليمان عليه السلام، وأنهم سادة أهل الأرض، وأنهم وأنهم ..، فهذا الذي جعلهم لا يمتزجون بأية أمة، وبقوا مستقلين إلى الآن استقلالاً بدنياً كاملاً.هكذا يقول تعالى لرسوله والمؤمنين، فيخفف عنهم ما في نفوسهم من تلك الرغبة التي كانت تدفعهم إلى أن يقول اليهود ما يقولون، قال لهم: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة:75] بمعنى: يتابعوكم إلى أن يؤمنوا بكم، ويؤمنوا لكم أي: يتابعوكم على دينكم الإسلامي. وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [البقرة:75] وما زال يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75].

    تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ...)

    قال تعالى بعد ذلك: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:76] هؤلاء منافقوهم؛ إذ كان من اليهود بالمدينة منافقون أعلنوا عن إسلامهم، ويجلسون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلون معه وهم كافرون؛ فقط من أجل التغطية، والتدليس، والتعمية، وللحفاظ على وجودهم، وعلى أموالهم وديارهم.فكان بينهم منافقون، وتقدم في أول السورة بيان نفاقهم.هؤلاء وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:76]، نحن وإياكم على دين حق .. ملة إبراهيم .. التوحيد، وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ [البقرة:76] وجلسوا في سقائفهم .. في دورهم .. في مجالسهم أنكر بعضهم على بعض: أَتُحَدِّثُونَه ُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76] لأنهم يقولون: والله إن هذا هو النبي، وهذه صفته .. هذه قامته .. هذا لونه .. هذا شعره .. هذا هو .. هذا هو، ويتلون عليهم صفات التوراة، فهذا يقولونه للمؤمنين لما يكونون بينهم وهم أقلية، فإذا خلوا في دورهم ومجالسهم يأخذون في اللوم والعتاب، ويقول بعضهم لبعض: أَتُحَدِّثُونَه ُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76] من العلم والمعرفة، وتؤكدون صفات النبي، وأنه هو النبي المنتظر، لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:76].والمعروف في عقيدة اليهود أنهم يصفون الله عز وجل بصفات النقص، منها أنه يعطي ويندم .. منها أنه ينسى. فهي صفات لا تليق بجناب الله عز وجل، وهي من صفات المحدثين والخلق، فانظر كيف قالوا: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [البقرة:76] يوم القيامة، فيغلبوكم؛ لأنهم سيقولون: يا رب! هؤلاء أخبرونا أن الإسلام دين حق، وأن محمداً رسول الله، وهؤلاء أنكروا هذا ..فاليهود فيهم أيضاً سذاجة وبساطة تفكير؛ وهذا ناتج عن الجهل، فما هم بالعلماء كما سيأتي، بل هم أميون، فيتصورون هذا التصور، ويرون أنهم ليس من حقهم أن يخبروا المؤمنين بأن هذا الدين الحق، وأن هذا النبي المنتظر، فتقوم الحجة يوم القيامة عليهم، فيقولون: لا، اجحدوا. ظناً منهم أنهم إذا جحدوا وما تكلموا أن هذا يخفى على الله عز وجل، ويحاجهم المسلمون يوم القيامة ويغلبونهم. فهذه سذاجة، وهي موجودة إلى الآن، وهي نتيجة عن الجهل المركب.واسمع ماذا قالوا، وما أخبر تعالى عنهم، قال تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي: الصادقين المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالُوا آمَنَّا هذا هو الدين الحق .. هذا الذي كنا ننتظره، ونستفتح به على الأمم، وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ أي: في مجالسهم الخاصة قالوا: كيف تفعلون هذا؟ أَتُحَدِّثُونَه ُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي: بما علمكم الله، وأعطاكم من علم التوراة، فتخبروهم بتلك النعوت والصفات، فتزيدون في إيمانهم، وتقوية معتقدهم لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:76]؟ أين يُذهب بعقولكم؟هذا الكلام السري في خلواتهم، ولكن العليم الخبير أنزله قرآناً يقرأ، فيسمعه المسلمون واليهود وغيرهم؛ لأن الله علّام الغيوب.

    تفسير قوله تعالى: (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ...)

    قال تعالى: أَوَلا يَعْلَمُونَ [البقرة:77] أيقفون هذا الموقف، ويتكلمون بهذا الكلام، ويعتقدون هذا الاعتقاد الباطل أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:77] كيف يخفى على الله هذا؟فهذه الآية تدل حقيقة على أنهم كانوا يجهلون صفات الله الحقة، وينسبون إليه ما هو من صفات المخلوقين من التردد، والعجز، والنسيان، وما إلى ذلك أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:77].

    تفسير قوله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ...)

    قال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] وهذا الذي كشف النقاب عن الحقيقة.وَمِنْه
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (61)
    الحلقة (68)




    تفسير سورة البقرة (31)

    أنزل الله الكتب لتكون سراجاً منيراً للناس، وأعلاماً هادية لهم، وأملاً مشرقاً حين تدلهم الخطوب، وبدلاً من أن يعتصم بنو إسرائيل بكتابهم إذا بهم يعدون عليه تأويلاً وتحريفاً، زيادة ونقصاً، وهم في كل ذلك يحاولون إلصاقه بالوحي الإلهي، ولكن عبثاً يحاولون، فويل لهم، أما خشوا مكرهم أن يحيق بهم، وسيئتهم أن تهلكهم أم تراهم ركنوا إلى أمانيهم، وجهلوا أن الأماني لا تغني من الحق شيئاً.

    تابع تفسير قوله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة ومع آياتها المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ * وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:78-81] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق في الحديث عن بني إسرائيل .. عن اليهود الذين عايشوا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المدينة، وقد علمنا الله الكثير من أحوالهم الظاهرة والباطنة، وما زال السياق فيهم.قوله جل وعز: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] هو كما أخبر؛ والله العظيم إن من اليهود لأميين لا يعلمون من الكتاب إلا مجرد القراءة فقط، وأما المعاني .. أما الفقه .. أما المعرفة فلا نصيب لهم في ذلك، وهذا ذم وتقبيح لحالهم، وها نحن أيضاً أصبحنا مثلهم، فالذين يقرءون القرآن بالملايين ولكنهم لا يعرفون منه شيئاً، بل مجرد قراءة فقط.ومن هنا نسلّي أنفسنا ونعزيها بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )، ها نحن في تلك الورطة، فأكثر المسلمين من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً لا يعلمون من الكتاب إلا مجرد القراءة فقط، فلا يعرفون عقيدة، ولا أدباً، ولا خلقاً، ولا حلالاً، ولا حراماً، ولا جهاداً، ولا حرباً، ولا سلماً، مع أن القرآن يحوي ذلك كله، فما هو السبب؟ السبب أننا ما جلسنا في مجالس أهل العلم، ولا أصغينا لأهل العلم، ولا رغبنا في أن نتعلم، فاكتفينا بقراءة القرآن، فالكثيرون يحسنون القراءة، ولكن لا معرفة، ولا فهم، ولا بصيرة.فماذا ترجو منهم؟ أترجو أن يكونوا ربانيين وأولياء لله وهم لا يعرفون ما أحل الله ولا ما حرم الله، لا يعرفون ما يحب الله ولا ما يكره؟ هذا من جهة.ومن جهة أخرى -وقد علمتم-: أمَّا حالَ أعداء الدين بيننا وبين فهم كلام الله؟ أما وضعوا تلك القاعدة وهي: أن تفسير القرآن الكريم صوابه خطأ، وخطؤه كفر؟ فحرموا المسلمين من أن يفسروا كلام الله، أو يتدبروه ويستخرجوا الهدى وأنوار الهداية منه، فأصبح القرآن يقرأ على الأموات، فمن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب لا يجتمع على القرآن إلا من أجل ميت يقرأ عليه.لما بعدنا عن الكتاب، وبعدنا عن السنة النبوية اكتفينا بمصنفات صنفها علماؤنا في مذاهبنا المتعددة، وأصبحنا لا نجتمع على سنة رسول الله وأحاديثه، وإذا تقدمنا نجتمع على السنة للبركة، فندرس صحيح البخاري للبركة، لا لمعرفة الآداب، والأحكام، والشرائع أبداً، بل للبركة، فما أصبح في القرية من يقول: قال الله، ولا من يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسادنا الجهل، وانتظمنا عدم المعرفة.ومن أراد أن يدلل، أو يبرهن، أو يجادل فنقول: لو كنا عالمين، ربانيين، أولياء للرحمن هل يسلط علينا الكفرة الفجرة، الفسقة، فيسوسوننا، ويحكموننا، ويسودوننا، ويفعلون ما يفعلون فينا، أيعقل هذا الكلام؟ ممكن يسلط الله أعداءه على أوليائه؟ هذه برهنة، وهذا دليل قطعي.وما زلنا نتهيأ أيضاً لمحنة أخرى؛ إذ انفجرت الثورات، واستقل العالم الإسلامي عن سيادة الكفر وحكمه، وقد عرفتم أن من ورث الحكم هم تلامذتهم، وخريجو كلياتهم وجامعاتهم، فكما قلنا: خرجوا من الباب، ودخلوا من النافذة، وإلى الآن ما بلغنا أن الإقليم الفلاني أصدر حكّامه أمراً بإقامة الصلاة إجبارياً على المدني والعسكري .. على الكبير والصغير، فلا ينبغي أن يوجد بيننا من يتهاون في الصلاة أو يضيعها أو لا يصلي، كيف ترون هذا؟ أصحيح أم باطل، أم لغتي بربرية لا تفهمونها؟نيف وأربعون دولة، ذات رايات، وجيوش، وطائرات، ما استطاعت دولة واحدة أن ترضي الله عز وجل بإقامة الصلاة؛ لأن الإنسان مخلوق للصلاة، والصلاة هي ذكر الله وشكره، فتلتقي مع ربك خمس مرات في مواعيد منتظمة على لباس خاص، في مكان خاص، خمس مرات، فهذه هي العبادة التي من أجلها خلق الإنسان، أما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]؟ فهل أمروا بإقامة الصلاة؟ لا، إذاً ما هو الفرق؟!مع أن الله تعالى يعلمهم ويخبرهم أن إقامة الصلاة من شأنها أن تقلل الفاحشة في الديار، وأن تبعد المنكر عنهم إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] فلو أقاموا الصلاة في قرية .. في مدينة تقل الجريمة قلة عجباً، ممكن لا يبقى (5 %) مما كان يرتكب في الأسبوع أو في الشهر.حقيقة ما يعاب على بني إسرائيل أصبح يعاب علينا ونحن أهله، وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78]، إلا مجرد قراءة فقط، أو أمانٍ وظنون، لا يقين -أبداً- عندهم فيما أحل الله، ولا: فيما حرم، ولا فيما أوجب، ولا فيما نهى وترك.وهيا بنا نخرج من هذه الورطة، فنعتبر، كيف نعمل حتى لا يبقى في قريتنا رجل ولا امرأة إلا وهو يعلم ما في كتاب الله من حلال وحرام، وآداب وأخلاق، وشرائع عامة وخاصة؟قالوا: لا نستطيع. قلنا: كيف لا تستطيعون؟

    المخرج من فتنة المعاصي

    ما الحيلة يا شيخ؟ ما هو الطريق؟ ما السبيل؟أيها السامعون! الذين سئموا هذا الكلام، هذا الكلام لا يترك إلا إذا نفذ مراده، وطبق ما أريد به، وإلا حرام السكوت، ليس هناك وسيلة ولا سبيل يمكننا أن ننتقل به من هذه الورطة إلا أن نعود إلى بيوت الرب تعالى.وكيف العودة يا أبناء الإسلام؟ إنها كاجتماعكم هذا فأهل القرية ذات الثلاثة آلاف نسمة أو الألفين أو الألف أو أقل أو أكثر، يوسعون جامعهم حتى يتسع لكافة أفرادهم نساء ورجالاً، بالخشب والحطب، لا بالحديد، ولا بالإسمنت، ويجتمعون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، نساء وراء الستار، والأطفال أمامهن أو دونهن، والمربي بين يديهم، ليلة آية يقرءونها بصوت واحد، ويتغنون بها فتحفظ عن ظهر قلب، فيشرحها المربي ويبين مراد الله منها، ثم يضع أيديهم على المطلوب إن كان معتقداً اعتقدوه، وإن كان حراماً عرفوه وتخلو عنه، وإن كان أدباً تأدبوا به، وإن كان وإن كان .. والليلة الثانية بعدها: حديث من أحاديث نبيهم الصحيحة السليمة، وهكذا طوال العام! لا. طوال الحياة، وهل هذا يعتبر صعباً؟قلنا لهم: إن أعداءكم من أهل الملل الخاسرة الهابطة .. من أهل النار إذا غابت الشمس ذهبوا إلى الملاهي والمقاهي، والمقاصف، ودور السينما و.. و..، وأنتم لستم مثلهم، أنتم تريدون أن تنزلوا الملكوت الأعلى؟ تريدون أن تخلدوا في دار السلام؟ شأنكم غير شأنهم.إذاً: أنتم إذا غربت الشمس ذهبتم إلى بيوت ربكم، بنسائكم وأطفالكم، وما الذي يحدث لكم سوى أن تستنير قلوبكم، وتشرق بالزكاة نفوسكم، وتطهر أرواحكم، وتعلو آدابكم وأخلاقكم، وينعدم بينكم السوء، فلم يبق في القرية سوء، ولا باطل، ولا منكر، ولا جريمة، ولا قبح أبداً؛ لأنها سنن الله التي لا تتبدل، فالطعام يشبع .. الماء يروي .. النار تحرق .. الحديد يقطع .. العلم ينير القلب والسمع والبصر، فيمشي عبد الله في هداية الله، فلا يسرق .. لا يزني .. لا يكذب .. لا يغتاب، ولا ينمم .. لا يحسد .. لا يبغض.. لا لا، ولن تتخلف سنن الله.فهل نحن فاعلون؟يا شيخ! كيف نفعل؟ لو أن هناك كتاباً نبتدئ به.وجد كتاب: ( المسجد وبيت المسلم) وقد حوى ثلاثمائة وستين آية وحديثاً بمعدل السنة الكاملة.يا شيخ! وهل جربتموه؟درسناه هنا عاماً وثلث العام وحده، لنعلم الناس كيف يفعلون، لكن ولا حركة.. موت. كيف نخرج من هذه الفتن؟ ما نحن إلا نتهيأ لغضبة أخرى من غضب الرب، فإذا بنا في أسوأها وأقبحها. أنعجز عن هذا؟!إذاً وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [البقرة:78] ومنا، بل كلنا أميون إلا من ندر منا، اليهود كلهم على الأقل خمسة ملايين، ومئات الملايين من هذه الأمة، اليوم ومن أكثر من ستمائة سنة وهم لا يعرفون من الكتاب إلا قراءته، ولا يجتمعون عليه، ولا يقول المؤمن: قال الله أبداً، ولا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.وحصل الذي حصل، وتم الذي تم، وإن أردتم أن تفتحوا أعينكم فإخوانكم الآن في شرق أوروبا جمهوريات إسلامية كيف ابتلعتها الشيوعية؟ كيف أصبحوا ملاحدة؟ كيف تم هذا؟ لو كانوا عالمين ربانيين -والله- ما استطاع العدو أن يكفرهم أو يصبغهم بصبغة الباطل والشر.قلنا: يا جماعة! المسلمون يتنصرون، وجمعيات التنصير عاملة عملها، وتستغل بلاد الضعف والحاجة والفقر فتبني المساجد، وتبني المصحات والمستشفيات، وتوزع الدواء، والمسلمون يتنصرون بالآلاف .. بالملايين!ماذا نصنع؟ هيا نجمع المال، وهيا لنعمل مؤسسة الإغاثة، التي تحول بين الصليبيين وبين نشر الصليبية.وقلت وما زلت أقول: ليست قضية فقر أبداً ولا حاجة، القضية أنهم ما عرفوا الله، وما أحبوه، ولا رغبوا فيما عنده، ولا رهبوا ما لديه من عذاب، فأدنى كلمة تلقى في قلبه تجد محلها؛ فالقلب فارغ ليس فيه نور ولا هداية، فقد عاش هو وأمه وأبوه وجده قروناً ما عرفوا الله بأسمائه وصفاته، أميون؛ لا يعرفون الكتاب إلا أماني، فأدنى شبهة تلقى في قلوبهم يذعنون لها ويخضعون.وإن كنتم جادّين أيها المسلمون علّموهم، فإذا عرف وأصبح عالماً لو يمزق ويقطع .. لو يصلب لا يرتد عن دينه، ما هي قضية مال وطعام ولباس.إذاً: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] وهكذا عقائد المسلمين (95%) ما هي إلا ظنون، ليس هناك عقيدة راسخة تجري مع الدم، وملتحمة مع اللحم لا تتبدل، ولا تتغير أبداً، مهما كانت الأحوال؛ لأنه ليس هناك يقينيات، ومن أين يأتي اليقين؟ بالدراسة .. بالعلم بقال الله وقال رسوله، ما قال زيد أو قال فلان وفلان، سبحان الله العظيم! هذه الآية كأنها نزلت فينا اليوم لا في اليهود.
    تفسير قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ...)
    قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:79] هذه محنة أخرى. هنا توعد الله عز وجل بالعذاب الأليم .. بالعذاب الشديد، وكلمة ويل في لسان العرب: العذاب الذي لا يطاق، وواد في جهنم يقال له: الويل، وجهنم كلها ويلات.فويل لمن؟ قال: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة:79] لم؟ ما الغرض؟ ما الهدف؟ ما القصد؟ قال: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:79] وإن شئت حلفت لكم: لقد وضعت كتب، وخرج بها أهلها عن دائرة الحق والإسلام تحت هذا الشعار.وعلى سبيل المثال: كم عدد مذاهب هذه الأمة؟توجد مذاهب لا يوجد فيها أكثر من (75%) حق، و(25%) باطل، ومن وضع هذا الباطل؟ أليس علماؤهم؟ بلى. لماذا؟ ليرأسوا، ويسودوا فقط، ويعيشوا على حساب تلك الأمة الجائعة.لعل الشيخ واهم أو ساهٍ!أتحداهم! لو قالوا: نعم، نحن نريد الحق لحضروا واجتمعنا، وقررنا الحق، وأبطلنا الباطل، لا كل أهل مذهب يحتفظون بمذهبهم، ويعضون عليه بالأسنان، ووضعت لهم المصنفات، ووضع لهم ما ينسب إلى الله، والله منه بريء، لماذا؟ ليسود أولئك العالمون، ويبقى لهم مكانتهم في المجتمع، وتبقى آراؤهم وأقوالهم، وهذا حصل في بني إسرائيل، والله ينعى هذا عليهم ويتوعدهم، والله لقد حصل في أهل الإسلام. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة:79] هذا كلام الله .. هذا كلام رسوله .. هذا هو الإسلام .. ووضعت كتب في التصوف بالذات، لا علاقة لها بالشريعة، إنما أوهام وضلالات، وتنسب إلى الله: هذا هو كلام الله!وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) أعطيكم صورة لهذه، أخفف عنكم قليلاً من الآلام، خطيب يخطب الجمعة في بلاد عربية فسر لهم جحر الضب بالبنطلون، وجحر الضب معروف في الأرض، هل كان المسلمون سراويلهم ضيقة طويلة؟ لا. أبداً، الجيوش في تركيا العثمانية سراويلهم عريضة أو لا؟إذاً: لما دخل اليهود والنصارى هذا البنطلون دخلنا فيه، وصدق أبو القاسم.والإسلام لا يرضى للمؤمن أن تظهر إليتاه بارزتان، بل لا بد من ثوب، إزار ورداء يغطي به عورته، فما تصبح إليتاه ناتئتان ظاهرتان، فالإسلام لا يقبل هذا.فكان المسلمون بجيوشهم لا يدخلون في هذا البنطلون.يا شيخ! لقد دخلت فيه بناتنا.إذاً صدق رسول الله أو لا؟ والله إنه لرسول الله.وهكذا هو الويل لمن؟ ما هو للأبيض أو الأسود، عربي أو عجمي، لا .. لا لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة:79] لم؟ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:79] وإن كانت رئاسة، وإن كانت رواتب، وإن كان ..، لكن هذا الثمن بالنسبة إلى الآخرة قليل، ولا قيمة له.فلو أن علماء المذاهب والطوائف عندنا يعرفون الطريق ويبكون، والله لاجتمعوا في يوم واحد، وما بقيت مذاهب بيننا أبداً، ولسلكنا مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن ما دامت لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:79] فلا اتفاق ولا تلاقي أبداً.قال: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79] الذي يأكلونه من الحرام يستحيل إلى نار في بطونهم، وويل لهم -أيضاً- وعذاب من الكذب على الله عز وجل، ونسبة كلامهم إليه، والله منه بريء، ويدعون أفرادهم وأتباعهم إلى اعتقاد باطل، والله العظيم إلى اعتقاد باطل.

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ...)

    قال تعالى عن اليهود: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة:80]، ومن سورة آل عمران: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران:24]، والكل واحد. لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا معناه أننا معترفون بذنوبنا وجرائمنا، وبظلمنا وفسادنا، وندخل النار، ولكن لأيام معدودة، لم يقولون هذا؟ ليخففوا الجريمة، ليخففوا عن أنفسهم وعن إخوانهم آلام الرهبة والخوف من الله، حتى يواصلوا البغاء، والسرقة، والإجرام، والربا، والباطل، فلا تخافوا، الحمد لله أنتم أمة الخير .. أمة الرحمة، من دخل النار يبقى فيها أياماً ويخرج، وهذا معناه: ابق يا زاني على زناك، ويا مرابي على رباك، ويا لص على لصوصيتك، ويا ساحر على سحرك.. لا تخافوا، ما تمسكم النار؛ لأنكم شعب الله المختار، إنما هي أيام معدودة.فهذا في بني إسرائيل أو لا؟والله لقد انتقل إلينا، وسلكنا مسلكهم، وكم من مشايخ، وكم من رؤساء يهونون على الناس الجرائم والموبقات، ويقولون: الجنة للمسلمين فلا تخافوا، ومن دخل النار يخرج منها، وسلكنا نفس المسلك.واليهود يقولون: كم عبدنا العجل؟ أربعين يوماً، مدة غيبة موسى فقط، فنعذب أربعين يوماً، وهذا هو التدجيل والتضليل؛ لأن أربعين يوماً تدرون كم؟ اليوم بألف سنة، والنتيجة أربعون ألف سنة، وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47]، أربعون ألف سنة، هذه أيام معدودات؟!وهذا المراد منه التخفيف على المجرمين، والتهوين من الجريمة، ليرتكبوا الفواحش والمنكرات، وليأكلوا أموال الناس، وليضروا بالبشرية، ويحطموها، ويؤذوها، بسبب فتاوى علمائهم. وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ قل يا رسولنا .. قل لهم: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا [البقرة:80] عندكم عهد من الله .. صك أنكم لا تعيشون في النار إلا أربعين يوماً؟ هل عندهم؟ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا [البقرة:80] بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أم هنا للإضراب فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:80] أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون.لو اتخذتم عهداً من الله فالله لا يخلف وعده أبداً، وحاشاه؛ لأنه قوي قدير، والذي يخلف الوعد هو العاجز فيضطر إلى خلف الوعد، أما القوي القدير الذي بيده كل شيء ويملك كل شيء، كيف يخلف وعده؟! ما أخلف أحد عهده إلا للعجز والضعف القائم به، أما الله فهو غني غنى مطلق، فكيف يخلف عهده؟! فلهذا قال تعالى: فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ . أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:80] هذه الحقيقة، أنكم تكذبون على الله، وتنسبون إليه ما لم يقله، ولم يقرره في كتابه، ولا على ألسنة رسله.وهذا التوبيخ لليهود، ونحن -أيضاً- متأهلون له فمنا من يقول كذلك، ففي بعض الطرق يعدون أتباعهم بالجنة رسمياً تماماً: إخوان الشيخ الفلاني لن يدخلوا النار! وإن كنتم لا تعرفون فهذا واقع في ديار الإسلام: إخوان سيدي فلان .. مريدو فلان كلهم إلى الجنة، ولا تمسهم النار، وإن دخلوها يخرجون منها بعد أيام.فاسمعوا كيف وبخهم الله بعدما أورد قولهم: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة:80] قال الله لرسوله: قل لهم .. اسألهم أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:80]؟ الجواب: يقولون على الله ما لا يعلمون.لكن ما جرأهم على القول على الله؟إنه الجهل، فما عرفوا الله حتى لا يكذبوا عليه، ولا ينسبوا إليه ما لم يقل، فما ملأت معرفة الله في قلوبهم، ولا في أذهانهم، ولا في نفوسهم؛ فلهذا يقولون ويكذبون.

    تفسير قوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ...)

    قال تعالى: بَلَى [البقرة:81] ليس الأمر كما تتصورون، وهذا للجميع .. للبشرية كلها بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة:81].

    معنى السيئة

    ما هي السيئة يرحمكم الله؟السيئة حركة عملية .. فعل، قد تكون كلمة .. قد تكون نظرة؛ تسيء إلى النفس البشرية .. إلى الروح، فتوضع فوقها كنكتة سوداء، والعياذ بالله.والسيئة تجمع على سيئات، والسيئة تؤثر في النفس البشرية، وسببها: كلمة حرمها الله .. نظرة حرمها الله .. لقمة حرمها الله، فإذا فعلها العبد انعكست على نفسه فأصبحت نكتة سوداء، والرسول صلى الله عليه وسلم بين هذا أيما تبيين، ووضح أيما توضيح فقال: ( إذا أذنب العبد ذنباً ) تعرفون الذنب ما هو؟ ما يؤاخذ عليه العبد، والحيوان من أين نأخذه إذا هرب؟ من ذيله أو لا؟ من ذنبه، فكذلك نؤخذ بذنوبنا.( إذا أذنب العبد ذنباً ) سب إبراهيم .. نظر إلى امرأة زيد .. اغتاب فلاناً وهو غائب .. أدخل يده إلى جيبه فأخرج رياله، فهذا الذنب إذا أذنبه العبد نكت على قلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب، وأناب، ورجع، صُقل الأثر، وزال ومُسح؛ لأن الروح كالزجاجة الصافية، فإذا لم يتب، وزاد ذنباً آخر، وضعت نكتة أخرى إلى الأولى، فإن ما تاب، ولا رجع، وزاد ذنباً ثالثاً وضعت نكتة أخرى .. وهكذا حتى تسودّ النفس، وذلكم الران الذي قال الله تعالى فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] فإذا تغطى القلب بالسيئات أصبح المخلوق كالحيوان .. كالأفعى ينهش ولا يرحم .. كالثعبان يعض ويسمم .. كاللص يبقر البطن، ويأخذ الفلوس، انتهى. فلا يصدق، ولا يؤمن، ولا يعرف فضيلة ولا حق، فانطمس نوره.

    كواسب الإنسان

    مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة:81] أنتم تعرفون الكواسب يا معاشر الدارسين أو لا؟ ما هي الجوارح التي نجترح بها السيئات؟ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21] ما هي جوارحك يا هذا التي تجترح بها؟ ما هي كواسبك التي تكتسب بها؟إنها سبعة: أولاً: السمع، وهل السمع يكتسب السيئة؟ نعم، كيف هذا؟ يسمع امرأة جاره تتكلم فيتلذذ بكلامها، ويبقى يسمع .. يسمع عاهرة تغني، وتلين الكلام، وترققه لتثير الغرائز والشهوات فينساب ويسمع، اجترح بأذنه أو لا؟ بآلة السمع .. يسمع الباطل، والغيبة، والنميمة، وسب الصالحين، وهو في المجلس يتلذذ بذلك الكلام.لعلي واهم! والله العظيم لَيَجلسون للطعن، والسب، والشتم في أولياء الله، والغافلون يضحكون. اكتسب أو ما اكتسب؟ اكتسب.ثانياً: البصر، البصر كاسبة أو لا؟ جارحة من الجوارح، فالذي ينظر إلى امرأة لا تحل له مما حرم الله عليه نظرة يتعمدها ليتلذذ بها فقد اكتسب ببصره السيئة، وانعكس على قلبه، أحب أم كره، فإما أن يتوب على الفور ويلهج بالاستغفار والندم، وإلا تنكت نكتة أخرى.يا شيخ! كيف تقول هذا ونحن ندعو إلى توظيف النساء، وقد وظفناهن في الدوائر .. في الفنادق .. في كل مكان، فكيف نغض أبصارنا؟آلله أمركم بهذا أم اليهود والنصارى؟ من يجيبني؟ الله الذي أمر؟!لقد عاش نساؤنا وبناتنا أكثر من ألف وثلاثمائة سنة ما توظفن، وعشن صالحات أو لا؟ الآن فقط إذا ما توظفت المرأة الحياة مرة، والجوع والفقر والفاقة .. هكذا؟!ومما علمناه أن طبيباً مختصاً في العظام والدماغ في مستشفى الطائف عنده امرأة غير موظفة، فلا يسمح لها بالوظيفة، ولا أن تخرج، قالوا: لم؟ قال: لا أرضى أن امرأتي تنظرون إليها، وتشتغل معكم. هذا ألماني كافر لكنه كأنه عرف، فاستدعيناه فجاء لفندق شيراتون وجلسنا معه ساعة، وعرضنا عليه الإسلام، وهو متهيئ، وبالفطرة عرف: كيف امرأتي تنظرون إليها؟يا شيخ! لعل هذا ليس بصحيح، أنا أسمع.. اسمع الله يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، نقول: لا .. لا .. كيف نغض أبصارنا؟! كيف نمشي؟ كيف نعمل؟من قال هذه الكلمة كفر، كفر بالله، وانمحى اسمه من ديون المسلمين.غضوا، ما قال: أغمضوا. كيف تمشي؟ لما تشاهد المرأة أغمض عينيك.نعم! من اليسر عندنا -كما في المملكة- أن تغض بصرك؛ لأنه نادر ما تمر بين يديك امرأة كاشفة عن وجهها، أليس كذلك؟ لكن لما تكون في بلد نساؤه في الشوارع كيف تغض بصرك؟ فأنتم بين خيارين قلت لهم: إما أن تحجبوا نساءكم أو احجبوا رجالكم فقط. أما الاختلاط، وغض بصرك فما هو معقول، ولا يمكن أبداً، فكيف تغض بصرك؟!نعم! الحجاب مضروب، وكلما تشاهد امرأة غض بصرك، لكن إذا كنت معها في كل مكان فكيف تغض؟ إما أننا نحجب النساء، وهذا أرحم؛ لأن رحمة الله اقتضته، فالمرأة في بيتها قائمة بدولة: تغسل .. تنظف .. تطبخ .. تعمل .. تربي، عمل، وأنت يا فحل تقضي الساعات في المزرعة، أو المتجر، أو المصنع وتعود، أما أن تخرج المرأة وتخالط الأجانب والرجال وتقول: غضوا أبصاركم، كيف نغض أبصارنا؟! فهذا ليس بمعقول؟!إذاً: العين تكتسب بها بالنظر، فهي جارحة، وقد عرفتم أن مصيبة البصر أعظم، فالنظرة هذه تؤدي إلى الهاوية، وكم من نظرة أنتجت مقتلة ودماء تسيل، نعم! كل الحوادث من مستصغر الشرر.ثالثاً: اللسان، ولهذا يقول المثل المصري: لسانك حصانك؛ إن صنته صانك؛ وإن خنته خانك.دعك من هذا المثل، ها هو ذا رسول صلى الله عليه وسلم يقول، وقد أخذ لسانه بيده: ( كف عنك هذا، فقال الصاحب: أو إنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ )، والفتن كلها قائمة من طريق اللسان: الحروب، والبلاء، والنزاع، والصراع والطلاق، وكل الفتن مبدؤها باللسان.ولو التزمنا بمبدأ وهو: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )، فمن كان منكم يا معاشر المؤمنين والمؤمنات يؤمن بالله والدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم أو عذاب أليم فليقل خيراً إذا تكلم أو يسكت، وإن وجد كلمة خير تنفع ولا تضر .. تطعم ولا تجوِّع .. ترفع ولا تضع قالها، وإن كانت تضر ولا تنفع لا يقولها.رابعاً: الأيدي .. أيدي السباع، الأيدي جارحة أو لا؟ هل هناك ضرب بدون يد .. سلب بدون يد .. قتل بدون يد؟ فاليد جارحة من أعظم الجوارح، ولا يحل لمؤمن أبداً أن يرفعها في غير حق، فضرب المؤمن .. كسلب ماله .. كقتله هذه محرمات وتتم باليد.خامساً: الرجلان .. الرجل، كيف الرجل؟ تجترح بها ماذا؟ الذي يمشي إلى دور الخنا والباطل والشر يمشي برجليه أو لا؟ برجليه. والذي يمشي إلى البدعة والخرافة ما يمشي برجليه؟ الذي يمشي إلى مجالس الغيبة والنميمة مشى برجليه، وهكذا .. الرجل جارحة يجترح بها الإنسان الذنب.سادساً: البطن، وهل البطن يكتسب به الإنسان السيئات؟ شرب الحشيش والأفيون، الكوكايين والدخان والشيشة هذا بماذا تتم؟ بالبطن أو لا؟ شرب الخمر .. أكل الخنزير .. أكل الحرام .. أكل الربا في البطن أو لا؟ فالبطن جارحة، وأية جارحة هذه! قاتلة.سابعاً وأخيراً: الفرج، ولهذا يقول أبو القاسم فداه أبي وأمي والعالم أجمع: ( من يضمن لي ما بين لحييه )، وهو الفم ( وفخذيه ) وورد أيضاً البطن.على كلٍّ البطن والفرج، والفرج أعظمها؛ لأن فاحشة الزنا ما فوقها فاحشة إلا القتل والكفر، أما اللواط ما نقول عنه؟ لم؟ كيف يوجد اللواط في المسلمين.وعندنا مثل: هذه الديار التي أهلها الله للنور والكمال، وأوجد فيها بيته، لماذا ما أوجد هذا البيت في المغرب أو في الهند أو في أوروبا واختار فقط هذه الديار؟ لأن هذه الديار ما عرفوا اللواط قط قروناً إلى عهد خلافة عمر ، فلما تولى عمر الخلافة رفعت قضية أن أعجميين في بلاد البحرين ارتكبوا هذه الجريمة. والخليفة عبد الملك بن مروان يحلف على المنبر، ويقول: والله لولا أن الله تعالى أخبر في كتابه عن فاحشة اللواط فما كان يخطر ببالنا أن الذكر ينزو على الذكر.ويؤيد هذه أن هذا البلاد ما عرفت بغلة فيها ولا بغل، فما وجد البغال في هذه الديار لم؟ لأن البغل يوجد من إنزاء الحمار على الفرس، تعرفون هذا أو لا؟ كيف يولد البغل؟ يُنزى الحمار المعروف بالداب على الفرس فتلد الفرس بغلاً، وهو حيوان بين الحمار والفرس، وهذه البلاد والعرب من أولاد إسماعيل من قبل لا يعرفون هذا، كيف ينزون الحمار عن الفرس! وأول بغلة دخلت الحجاز بغلة أهداها المقوقس ملك مصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مارية القبطية اسمها الدُلْدُل، عرفتم أو لا؟الآن لو تعرفون ما يجري في أوروبا: أندية خاصة باللواط، وهذه الفاحشة تترفع عنها الحيوانات، والله إن ذكران الحيوان ليترفعون عنها ولا يقبلونها، هل رأيتم جملاً ينزو على جمل؟ أو تيساً على تيس؟ فكيف بالإنسان؟!إذاً: فاحشة الزنا هذه هي السابعة، فمن حفظ جوارحه، واستعصم، وثبت زكت نفسه، وطابت وطهرت بأدنى الأعمال من الصالحات، ومن كان يخبثها ويلوثها ولو يبيت مصلياً ويظل صائماً، فزنية واحدة تمحو ذلك كله وتغطيه، لكن إذا هو تجنب السيئات، وحسبه أنه يؤدي هذه الواجبات، وبذلك تزكو نفسه، وتطيب، وتطهر.

    سوء عاقبة أصحاب السيئات والخطايا

    وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة:81]، كيف أحاطت به؟ اليوم وغداً و.. كما بينها الرسول، نكتة إلى نكتة إلى نكتة فتغطى القلب، فيصبح مظلماً؛ لا يعي، ولا يفهم، ولا يسمع.هذا معنى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ [البقرة:81] البعداء أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81].عرفتم من أصحاب النار؟ البيض أو السود؟ من هم؟ الذين أحاطت الخطايا بنفوسهم، ومن أحاطها بنفوسهم؟ هم؛ لأنهم ما رجعوا ولا تابوا، بل ولا سألوا، ولا عرفوا، ولا تعلموا ما هي السيئة، وكيف تحدث أثراً في النفس، لأنهم جهلة عاشوا في الغابات، والبساتين، والمصانع، والمتاجر، فما سألوا عن الله، ولا عرفوا. فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81] كم سنة يرحمكم الله؟ أبداً، عالمان لا يفنيان: عالم علوي دار السلام، وعالم سفلي النار، وباقي العوالم كلها تتبخر، فيبقى عالم الشقاء وعالم السعادة، وانتهت سنة الله في الخلق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (62)
    الحلقة (69)




    تفسير سورة البقرة (32)




    من أسلوب القرآن أنه يجمع بين الترهيب والترغيب، فهو يهدد من كفر، ويحذره عاقبة جحوده، وأن النار هي مصيره، خالداً فيها مخلداً، وبالمقابل يرغب المؤمن بأن له جنة عرضها السماوات والأرض، خالداً مخلداً فيها أبداً، ولكن ذلك لا يكون إلا للمؤمن، الذي حقق الإيمان اعتقاداً وقولاً وعملاً، فلا يضره شك الشاكين، ولا يؤثر فيه جحد الجاحدين.

    تابع تفسير قوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة وآياتها المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها؛ سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [البقرة:81-83]، إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! اعلموا -والعلم ينفع- أن الإنس والجن -هذان العالَمان: عالم الإنس وعالم الجن- نسبتهم إلى الله أنه ربهم .. خالقهم .. مدبر حياتهم، فما هناك من يتعزز أو يترفع أو يتسامى بنسبة خاصة عنده إلى الله عز وجل، وفي الحديث: ( كلكم لآدم، وآدم من تراب ). فالله عز وجل يُدخل دار السلام .. الجنة .. دار الأبرار مِن الإنس والجن مَن تهيئوا لذلك، وطلبوه، وعملوا على الحصول عليه، سواء كانوا بيضاً أو سوداً، عرباً أو عجماً، أشرافاً أو أوضاعاً، إنساً أو جناً. ويدخل عالم الشقاء .. النار؛ دار البوار -أعاذنا الله وإياكم منها- مِن الإنس والجن مَن تهيئوا لها، وعملوا لها واستعدوا لدخولها.وها نحن مع أشرف الناس .. مع بني إسرائيل، حيث يقول تعالى لهم بعد ما أبطل دعاواهم ومزاعمهم وجهالاتهم: بَلَى [البقرة:81]، أي: ليس الأمر كما تزعمون أو تدَّعون أو تقولون: إننا لا نعذب بالنار إلا أياماً معدودة، فالقضية أن مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة:81]، وكلمة (مَنْ): اسم موصول من ألفاظ العموم، يدخل فيه الذكر والأنثى، والعربي والعجمي، والشريف والوضيع.قال: مَنْ كَسَبَ أي: بنفسه، وقد علمتم سابقاً الكواسب والجوارح السبع التي بها نكتسب ونجترح. فالسيئة هي: كل قول أو عمل أو اعتقاد يحدث السوء في النفس بالظلمة والخبث والعفن والنتن. فذاك هو السوء، والواحدة سيئة.وقوله: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ، أي: مع العلم بأنه يكون مريداً لا مكرهاً، مختاراً لا مغالَطاً، فمن كسب سيئة بعمده وإرادته فهذه هي السيئة التي تحدث له المساءة في نفسه، أما مع الإكراه فلا تكون سيئة.ومن كسب سيئة واحدة ثم توالت عليه السيئات واحدة بعد أخرى فقد أحاطت به، وقد مثل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية الإحاطة عند قوله تعالى: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، إذ بين لنا أن العبد المكلف، العاقل، البالغ، المريد، المختار إذا اكتسب سيئة وقعت نكتة سوداء على قلبه، فإن تاب مسحت وصقلت كما تصقل الزجاجة، وإن هو لم يتب وزاد سيئة أخرى وقعت إلى جنب الأولى، وهكذا الثالثة، والرابعة، والخامسة حتى يغطى القلب، وذلكم هو الران الذي قال الله تعالى فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، أي: يكسبونه بجوارجهم: بالسمع .. بالبصر .. باللسان .. باليد .. بالرجل .. بالبطن .. بالفرج.وهذا قضاء الله وحكمه، فلا تقل: أنا ابن الأنبياء .. أنا حفيد أو سليل الأشراف، فكل هذا لا قيمة له؛ إذ هذا الكلام وجهه الله تعالى رداً على مزاعم بني إسرائيل.وقال تعالى بعد ذلك: فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81]، أي: أهلها الذين تصاحبهم ويصاحبونها أبداً، فلا مفارقة. وقد عرفتم أن نار الآخرة صورتها موجودة في النار التي نوقدها للطبخ والاستدفاء، فهي آية من آيات الله الدالة على النار التي هي عالم الشقاء، ومن غفل أو ما تبين كيف أن ذلك العالم كله جحيم .. كله نار فليرفع رأسه إلى الشمس، الكوكب النهاري المضيء، وليذكر ما قاله أهل العلم من أن كوكب الشمس أكبر من كوكب الأرض بمليون ونصف مليون مرة، فالشمس نار ملتهبة، ومن شدة حرارتها تصل إلينا بالصورة التي تعرفون، ولو جمعنا الإنس والجن -وكنا نقدر على ذلك- ووضعناهم في الشمس فإنهم لا يسدون عشر ما في الشمس، ويبقى ذلك العالم.فهذه هي الأرض قد ملأتنا وملأناها، وحملتنا موزعين فيها، ولو بعث أسلافنا الذين ماتوا لوقفوا في الأرض ووسعتهم!فإذا كانت الشمس لو جمعنا لها البشرية والجن ما سددنا جزءاً منها فكيف بعد ذلك تسألني عن النار أو عن أي عالم آخر؟!وهذا العالم بكواكبه ونجومه وشمسه كله يتبخر، ويصبح سديماً وبخاراً كما كان، وأما الجنة فتكون في الأعلى، ويكون عالم الشقاء في الأسفل.قال تعالى: وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ والجمع: خطيئات، وهذا تنويع: السيئة والخطيئة، فلما يخطئ تحدث المساءة.وقوله: فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فلم يبق ما يتعزز به المرء من نسب أو شرف أو قوة مالية أو بدنية أو .. أو .. لا، ما هو إلا حكم الله النافذ.

    تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:82]، ما لهم؟ ما الخبر؟ اخبر عنهم! أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:82]، أولئك هم الأشراف، السامون، الأعلون، وليسوا بالهابطين كأصحاب النار، فأصحاب الجنة هم الذين لا يفارقونها أبداً، وهم فيها خالدون.والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا صورة لندرك حقيقة العالم الآخر فيقول: ( مثل الدنيا في الآخرة كمثل أن يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع )، أي: ما هي كمية البلل التي علقت بالأصبع من النيل أو الفرات أو المحيط؟ وما هي نسبة ذلك البلل إلى البحر؟ إنها لا شيء.وبين لنا الله كذلك حال الناس؛ فأخبرنا أن آخر من يدخل الجنة يعطى مثل الدنيا مرتين، وأن هناك من يعطى مثل الدنيا عشر مرات من السابقين، أي: عشرة كواكب. ولا تقل: كيف؟ فإن المجرة كبيرة، وقد تستطيع أن تعد حصباء أو حصى الأرض ولكن لا تستطيع أن تعد الكواكب والمجرات، فقولوا: آمنا بالله!نحن الآن على الأرض بمثابة الجنين في بطن أمه سواء بسواء، ويوم نولد، ونخرج من بطون أمهاتنا هو يوم نفارق الحياة، ونخرج من الأرض، وتغمض العينان ويقال: مات فلان، فينتقل إلى العالم الآخر، ليرى العجب! والآن الدنيا كرحم، ها نحن فيها ما رأينا شيئاً، وما ولدنا بعد، فإذا مات أحدنا - وكلنا يموت- انتقل من هذا الرحم الضيق المنتن إلى عالم لا حد له ولا نهاية، واسمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن ما بين كتفي الكافر في النار كما بين مكة وقديد )، فهذا عرض الكافر في جهنم .. في عالم الشقاء المسمى بالنار.ويقول صلى الله عليه وسلم: ( ضرس الكافر في النار كجبل أحد )، كما في صحيح البخاري ، فعرفنا أن ضرس الكافر كجبل أحد! وتعجبنا من حال هذا الكافر أن ضرسه كجبل أحد فكيف بذاته؟! ولما قرأنا قوله صلى الله عليه وسلم: ( ما بين كتفي الكافر في النار كما بين مكة وقديد ) عرفنا أن هذا الضرس يتلاءم مع شخصية وحال الكافر.وإن قلت: كيف أن هذه النار تُبقي عليهم؟قلت: عرفنا ذلك من الحديث السابق فأجسامهم بتلك الحال تأكلها النار خلال الدهر كله، قال تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:56]، فيحترق جلد الكافر، والجلد الآخر ينبت تحت الاحتراق، وهذه أجسامنا على ضعفها يحترق الجلد الأول، وينبت بعده جلد آخر؛ لأن العذاب في ذلك الجلد.فهل عرفتم إلى أين المصير أو لا؟ وأنه ليس وراء الجنة والنار عالم آخر، فقد انطوى الكون كله ولم يبق إلا عالمان: عالم الشقاء وعالم السعادة.

    صدق الأنبياء فيما يخبرون به

    فإن قال قائل: يا شيخ! مَن رأى الجنة ومَن رأى النار؟ فهذه أخبار غيب، فكيف تطمئن قلوبنا، وتسكن نفوسنا؟الجواب: أخبر الرحمن بآلاف الأخبار، فصدق في كل خبر، ولم يوجد خبر واحد أخبر الله به وما صح.وأخبر عن الجنة والنار ولم يبقَ للعاقل أن يقول: كيف؟ أو أن هذا غير ممكن؟!والمخبر هو خالق الصدق وقد أخبر بهذا، والمخبرون عنه هم رسله الذين اصطفاهم وهم في أرحام أمهاتهم بل وهم في أصلاب آبائهم وأجدادهم نطفٌ طاهرة قد أعدهم للإيحاء إلى الناس، وإبلاغهم ما أراد أن يبلغوا به. فهل الرسل يكذبون؟وإذا كنا نكذب الرسل فما بقي من يصدق في البشر، وقد انتهينا وهلكنا، فإذا قال الرسول: إن في السوق الفلاني كذا وكذا فإنه لا يصدق، وإن قال: مات كذا وكذا فلا يصدق، وهنا نكون قد انتهينا وأصبحنا شر الخلق. فلابد من الصدق والتصديق. ورسل الله عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر، ما منهم إلا ووصف دار السلام ودار البوار، أفيكون بعد هذا شك وارتياب؟!وأعظم دليل على ذلك موجود في الكتاب الذي تحدى الله به الإنس والجن، وما زال التحدي قائماً إلى الآن أن يأتوا بمثله، فهل استطاع جماعات الأدباء أن يعقدوا المؤتمرات، ويألفوا الكتب ليخرجوا على البشرية بكتاب يضاهون به كتاب الله؟ والله ما كان.وتحدى العرب على أن يأتوا بسورة فقط، فطأطئوا رءوسهم وانحنوا وما رفعوها إلى اليوم؛ ألف وأربعمائة سنة وزيادة، قال تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة:23]، أي: استعينوا بمن شئتم إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:23-24] فعجلوا قبل أن تلتهمكم.

    إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن الملكوت الأعلى

    ومع هذا عندنا الرائد الأعظم صلى الله عليه وسلم .. الرائد الذي ارتاد العالم الأعلى، فمن بيت أم هاني بجوار المسجد الحرام إلى المسجد الحرام إلى زمزم حيث أجريت له أول عملية جراحية للقلب تسمع بها الدنيا، فشق صدره، وغسل قلبه، وحشي بالنور والإيمان والحكمة، فتهيأ لأن يعيش في الملكوت الأعلى لحظات، فأسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، واقرءوا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، ومن المسجد الحرام إلى الملكوت الأعلى، والله لقد اخترق السبع السماوات؛ سماء بعد سماء، وانتهى إلى جنة المأوى، واقرءوا لذلك قول الله عز وجل يا أهل القرآن: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1]، تعرفون اليمين والحلف أو لا؟ أو كلكم بربر مثلي؟ هذه صيغة يمين أو لا؟ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2]، وصاحبنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:4-9]، هذا جبريل، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَه ُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:10-13]، مرة أخرى أين؟ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:14-18].فصعد إلى السماوات بالبراق، والتقى ببعض الأنبياء والرسل في السماوات، وتحدث معهم.وعاش تلك اللحظات في دار السلام، وذكر أنه رأى قصراً فيه حوراء، فقال: لمن هذه؟ قيل: هذا قصر عمر رضي الله عنه، وهذه حوراه. فما كان منه إلا أن أغمض عينيه، وقال: ( إني ذكرت غيرتك يا عمر ! )، وأنتم أيها الفحول ما زالت الغيرة موجودة أو ماتت؟! فالفحل لا يرضى ولا يقبل أن ينظر فحل آخر إلى امرأته بعينيه، وهذا عمر عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسيته، وعرف غيرته وفحولته، فاستحى أن ينظر إلى تلك الحوراء في ذلك القصر احتراماً لـعمر لما يعرف من غيرته، ( فقال عمر : أعليك يا رسول الله أغار؟! )، أي: أغار منك.أعيد القول: أيها الفحول! زيدوا في طاقات غَيرتكم، ولا تجعلوها كغِيرة النساء، فلا ترض أن يكشف الفحل عن امرأتك إلا في حال الضرر المتأكد للإنقاذ أو التطبيب والعلاج، أما أن تقدمها وهي تمشي معك في الشارع: هذه مدامي .. هذه مدامي! فهذا معناه: أننا أصبحنا شبيهين بالنصارى.فإن قال قائل: ماذا هناك إذا رأى وجهها؟أقول: كيف تقول: ماذا هناك؟! كأنك تقول: هذا ليس فيه شيء، فما سقطت الكواكب، ولا التهمت النار، ولا ولا ..، نعم هناك أعظم شيء وهو أن الله أمرها أن تستر محاسنها، وتغطي وجهها، وأنت تتحدى الله وتكشف له وجهها.فكيف تقول: ماذا هناك! والله طلب منها أن تغض بصرها، وطلب منك أيضاً أن تغض بصرك عن محارم الرجال.وكيف تقول: ماذا هناك! أتبطل شرع الله بكلمة: (ماذا هناك؟) بهذه الكلمة الهاوية الباطلة.وقد مر صلى الله عليه وسلم بالكوثر أيضاً، وهل هناك حوض يسمى الكوثر؟ إي والله، أخبر عنه خالقه واقرءوا: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، وعدد كيزانه كعدد النجوم، وقال هكذا جبريل في تربته، فأخرجها تربة رائحتها أطيب -والله- من ريح المسك، وهذا الكوثر أعطاه الله للرسول صلى الله عليه وسلم.فإن قال قائل: هل لنا أن نشرب منه؟نقول: نعم إن شاء الله نشرب في حالة نحن أشد فيها ظمأً وعطشاً، في حالة أن نكون من أهل دار السلام. وذلك في عرصات القيامة .. في ساحة فصل القضاء. وهذا الحوض خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ماؤه أشد بياضاً من اللبن .. وأشد برودة من الثلج.فإن قال قائل: ومن أين هذا الماء؟الجواب: إنه من النهر الذي في الجنة، وفيه مرزابان يصبان في هذا الحوض.وقد بلغنا: أن رجالاً يريدون أن يقدموا على الحوض ليشربوا فتردهم الملائكة، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أصحابي! فيقولون: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. قال: فأقول: سحقاً سحقاً سحقاً )، فيردون إلى العطش والظمأ في ساحة فصل القضاء.يا معاشر المستمعين والمستمعات! عما قريب تعيشون تلك الأحداث: إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا [غافر:59]، وإننا في آخر أيامها، فانتبهوا!

    معنى الإيمان

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:82].إن سأل سائل: ما معنى (آمَنُوا)؟فالجوا ب: معنى (آمَنُوا): صدقوا تصديقاً جازماً، خالياً من التردد .. خالياً من الشك، وبعيداً من الريب، بكل ما أخبر الله تعالى به، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو المؤمن.وإذا أخبر تعالى عن وجوده .. عن علمه .. عن قدرته .. عن حكمته .. عن رحمته لم تجد في نفسك إلا التصديق الجازم بما أخبر الله تعالى.وكذلك إذا أخبر رسوله وصح الخبر؛ لأن الحديث دخلت فيه شياطين الأنس، فقدموا وأخروا، وزادوا ونقصوا، ولكن الله حماه، فهيأ له رجالاً في كل زمان ومكان، ينفون عنه ما ألصق به المبطلون، أما القرآن فمعصوم محفوظ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].فإذا أخبر الله أو أخبر رسوله وقلت: آمنت، فأنت المؤمن، فإن ترددت وقدمت رجلاً وأخرت أخرى وتساءلت: كيف؟ فما آمنت.

    بيان أركان الإيمان

    لقد جاء القرآن الكريم ببيان أركان الإيمان، وجمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث واحد، والواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يحفظها عن ظهر قلب، ولا يحل أبداً أن يعيش المؤمن خمسين سنة وهو لا يحفظ هذه الأركان.وهذه الأركان جاءت مبينة في القرآن الكريم، فآية: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ... [البقرة:177] جمعت حوالي خمسة أركان، وركن القضاء والقدر جاء في سورة القمر.أما حديث جبريل في صحيح مسلم فسنذكره لنتلذذ بذكره، وليحفظه السامعون، والذي ما حفظه يجري وراء الطلاب ويقول لهم: والله لتعلمونني هذا الحديث، حتى يحفظه.لما أكثر الصحابة من سؤال الرسول وأتعبوه وأرهقوه؛ فهم بشر. ماذا فعل الله عز وجل تأديباً لأوليائه، ورحمة برسوله؟ أنزل آية من سورة المجادلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ [المجادلة:12]، أي: إذا كنت تريد أن تخلو برسول الله، فكيف يفعل الرسول! ففي كل دقيقة هناك واحد يريد أن يكلمه، فقال: من أراد أن يخلو بالرسول ليكلمه خاصة فعليه أن يدفع صدقة ويتفضل بنجواه. فتأخر الصحابة وما استطاعوا أن يخلوا به؛ لأن أكثرهم فقراء، وليس عندهم شيء، فرحمة من الله تعالى نزل التخفيف فقال: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [المجادلة:13]، فنسخ الله ذلك الحكم، وعرفوا لماذا كل من عنده سؤال لا يخلو بالرسول؟ فكيف سيعيش؟! وهذا في الخلوة.وفي الأسئلة أيضاً قال تعالى: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]، فليس كل من في قلبه شيء يسأل، فإن الرسول لا يطيق هذا، فلما أدبهم وأصبحوا لا يسألون كانوا يفرحون بقدوم الأعرابي إذا دخل يسأل، والأعرابي ليس عنده علم، فما تحضّر ولا تأدب، فيأتي يسأل، وعندما يسأل يرتاحون، ويسمعون الهدى.وبناءً على هذا شاء الرحمن جل جلاله أن يبعث بجبريل في صورة رجل قال واصفه: ( شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر )، أي: ليس فيه شيب، ( لا يرى عليه أثر السفر )؛ لأن المسافر في تلك الأيام إذا جاء من السفر يكون مليئاً بالغبار، و.. و.. ولا تسأل، ( ولا يعرفه منا أحد )، فدخل المسجد ومشى حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلمهم كيف يجلس طالب العلم، قال: ( فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه ) فقواه الكامنة والباطنة جمعها، وأخذ يسأل، والصحابة يسمعون.وأول سؤال قاله: ( أخبرني عن الإيمان؟ ) أي: ما هو الإيمان؟ ( قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه! ) إذاً هو أعلم أو ماذا؟.( قال: أخبرني عن الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت )، وهذه هي قواعد الإسلام الخمس، ولو سقطت قاعدة يسقط السقف ولا يبقى، ولا إسلام لمن سقطت قاعدة الإسلام منه.

    مرتبة الإحسان

    ثم قال: ( أخبرني عن الإحسان؟ قال: الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، الإحسان: أنك عندما تعبد الله بأنواع العبادات كالطواف .. أو السعي .. أو الوقوف في عرفة .. أو الاغتسال والوضوء .. أو الصلاة .. أو الصدقة، وعندما تباشر العبادة تفعلها وكأنك تنظر إلى الله، فإن عجزت عن هذا المستوى وما وصلت إليه فدونك المستوى الثاني، ولا عذر بعده، وهو أن تعبد الله بتلك العبادة وأنت تعلم أن الله ينظر إليك.ومن لم يعبد الله على حال من الحالين فما صحت عبادته ولا عبد الله، بل أساء وأفسد، وما أصلح ولا أحسن، إذ لابد للعابد عند مباشرة العبادة أن يكون مع الله كأنه يراه، فإن نزل عن هذا المستوى يُشعر ويعلم نفسه أن الله ينظر إليه، ومن ثَمَّ لا يقدم ولا يؤخر، ولا يزيد ولا ينقص، ولا يلتفت، حتى يكملها، ولهذا هذا الركن الواحد بدونه تسقط تلك الدعائم والأركان.فالإحس
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (63)
    الحلقة (70)




    تفسير سورة البقرة (33)


    أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل بأن لا يعبدوا إلا الله وحده، ولا يعبدوا معه غيره، وهذا البند هو أكثر ما أكد عليه القرآن، ومع هذا نجد كثيراً من المسلمين لا يحققونه، ولا أدلّ على ذلك من انتشار الأضرحة، ومظاهر التعبد لغير الله، أما البند الثاني من الميثاق فكان متعلقاً بالإحسان إلى الوالدين، وهذا معنى يشمل كل ما يسمى أحياناً بما في ذلك صلة أهل ودّهم.

    تابع تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [البقرة:81-83]، إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    تدسية النفس بكسب الخطايا والسيئات

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81-82]، هذا قضاء الله .. هذا حكم الله، وقد عرفنا -والحمد لله- الآية التي تحمل هذا الحكم الإلهي، وأصبح من الضروريات عندنا معشر أهل هذا الدرس! وهو قول الله تعالى بعد ذلكم الإقسام العظيم: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فكن ابن من شئت فإن نسبتك إلى الآباء والأمهات لا تغني عنك شيئاً، وما هو إلا أن تزكي نفسك فتنجو من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، أو تدسيها فتذل، وتهون، وتخسر في الدنيا والآخرة.أعيد هذا الحكم وتأملوه، وأعيدوه، وتحدثوا به، وبلغوه اليهود والنصارى والمجوس والمشركين؛ إذ الكل عبيد لله، خلقهم ورزقهم، وإليه مصيرهم، أحبوا أم كرهوا، فتَجاهلهم لا يجدي ولا ينفعهم، فهم مخلوقون مربوبون، يجب أن يتعرفوا إلى خالقهم وربهم، وهذا حكمه فيهم بعد أن أقسم تعالى بأعظم إقسام: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8]، هذه تسعة أيمان، حتى أقسم بنفسه.لكن على ماذا أقسم؟ أقسم على هذا الحكم الذي لا ينقض بحال من الأحوال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] أي: نفسه، فطهرها وطيبها حتى تكون كأرواح أهل الملكوت الأعلى صفاءً وطهراً، وَقَدْ خَابَ خسر مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10].وكأنكم تسمعون رسول الله وهو ينادي: ( يا بني فلان! يا بني فلان! أنقذوا أنفسكم من النار )، حتى قال: ( يا فاطمة ! إني لا أغني عنك من الله شيئاً ).والآية تبين لنا الآن ما تدسى وتزكى به النفس، فقال تعالى: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة:81]، تدست نفسه، وخبثت، وتلوثت فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81].إذاً: النفس تتدسى وتخبث بالسيئات، وبتلك الأقوال والأعمال والاعتقادات التي حرمها الله، وأودع فيها مادة الخبث، وما من عبد يفعلها إلا وتخبث نفسه، وخالق السم في العقرب والأفعى هو جاعل هذه التدسية في الكذبة يكذبها عبد الله.

    تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح

    بم تزكو النفس؟قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:82]، فبين لنا ما تزكو به النفس، وهو الإيمان والعمل الصالح.فسبحان الله العظيم! أبعد هذا نطلب مزيداً؟!أيحلف الجبار على أن من زكَّى نفسه فاز، فزحزح عن النار وأدخل الجنة، ومن دساها فقد خاب وخسر، ونطلب غير ذلك؟!بين الله لنا الفوز بقوله: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، وبين التدسية أيضاً ومعنى الخسران فقال: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    تعجيل التوبة من الخطايا

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! إذاً: هذه الآية تخاطب بني إسرائيل .. اليهود الذين كانوا يجادلون رسول الله في المدينة، فلما ادعوا تلك الدعاوى أبطلها الله، وبين أنه لا قيمة للنسب. بَلَى [البقرة:81] أي: ليس الأمر كما تدعون، كيف إذاً يا ألله؟! قال: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة:81]، لأن الخطايا لا تأتي إلا بعد أن تكون خطيئة، فلهذا إذا اقترفت ذنباً فعجِّل بالتوبة وإلا فستتوالى الخطايا، والتوبة تجب على الفور بإجماع هذه الأمة؛ لأنك إذا أذنبت وتساهلت فسوف تتوالى الخطايا، وتحيط بنفسك، وحينئذ يكون قد فُرغ منك، ولن ينفعك شيء.قال: فَأُوْلَئِكَ [البقرة:81] البعداء أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81]، فالنار عالم، وما عالمنا هذا إليه إلا كقطرة ماء في المحيطات الخمسة، واللسان فقط يقول: النار، وكوكب الشمس المضيء؛ الملتهب، الذي هو أكبر من الأرض بمليون أو نصف مليون مرة، لو كان هو النار فلن تملؤه البشرية ولو كانت مثل هذا خمسين مرة، لكن هذا الكوكب سيحترق وينطفي، والنار وراء ذلك.

    التلازم بين الإيمان والعمل الصالح

    قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:82]، فلولا الإيمان ما عمل عبد الله العمل الصالح، وإياك أن تتصور إيماناً بدون عمل صالح، أو تتصور عملاً صالحاً بدون إيمان، فإنك ما أصبت الحق.كيف هذا؟إذا وجد الإيمان الحق المطلوب فأنت تجري وتطلب أهل الأرض: دلوني على عمل يحبه ربي .. دلوني على ما يكره مولاي. فلا تستطيع أن تؤمن بالله ولقائه ولا تعمل ما يرضيه، ولا تترك ما يسخطه، هذا مستحيل.فالإيمان بمثابة الروح، وإذ حيي العبد أمكنه أن يسمع ويبصر، ويقول ويعمل، لكن قبل الحياة كيف يعمل؟ لا يستطيع.فلا تتصورن وجود إيمان حق بدون عمل صالح، إلا لمن آمن ومات مباشرة. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. ثم أدركه الموت، فلا اغتسل، ولا صام، ولا صلى.أما أن تتصور أن إنساناً أو جاناً يعيش مؤمناً اليوم واليومين .. والعام والعامين ولا يطلب مرضاة ربه بالعمل الصالح، وترك سخطه بالعمل الفاسد، فوالله ما كان ولن يكون، ومن عنده دليل فليأتنا به؟فكونك تجد عملاً صالحاً بدون إيمان هذا لا يمكن، ولا يمكن أن يكون العمل -حقيقة- صالحاً وناتجاً عن غير إيمان بالله ولقائه، فلهذا هما مقرونان في كل آيات القرآن: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، حتى إذا ذكر الصالحات أولاً يأتي بالإيمان بعد ذلك: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:124]، أي: والحال أنه مؤمن.إذاً: هذه الآية الكريمة تكفينا وتكفي أهل الأرض، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله عن سورة (والعصر): لو ما أنزل الله تعالى إلا هذه السورة لكفت. لأن الله عز وجل أقسم بالعصر، وله أن يحلف بما يشاء. فحلف على أن هذا الإنسان مخلوق في خسر، واستثنى: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3].

    تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ...)

    الآن مع هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى وهو يخاطب نبيه فيقول: اذكر لهم، أي: لهؤلاء المتعنتين الخصوم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83]، ومن الذي أخذ ميثاق بني إسرائيل؟ الله.ما هو الميثاق؟ الميثاق هو العهد المؤكد بالأيمان .. العهد المغلظ المشدد الموثق بالأيمان، كأن يقول: والله لا أخلف وعدي معك، أو لأفعلن ما قلت، أو لأنهضن بما كلفت.قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وبنو إسرائيل -يرحمكم الله- هم اليهود.ولم قيل فيهم: بنو إسرائيل؟ ذلك لأن جدهم إسرائيل: عبد الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، هم بنو إسرائيل.ومن عجائب الحياة أن هذا النوع من البشر احتفظ بجنسيته، فلا يقبلون من يدخل في دينهم، ولا يدعون الناس إلى دينهم، ومن شك فليسأل أبناءنا وإخواننا الذين لهم الآن خمسة وأربعين سنة مع اليهود، بل من قبل: هل حاولوا أن يدخلوا فلسطينياً في اليهودية؟ أبداً، وقد يعيشون في أوروبا .. في آسيا .. في أفريقيا ولا يدعون أحداً لأن يدخل إلى دينهم، ولا يقبلون من ينتسب إليهم، إلا نادراً ولأغراض سياسية، ولا يقع هذا إلا مرة واحدة في مائة سنة.فلهذا يخاطبهم الله بهذا اللقب: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فليس فيهم دخيل، لم هذا؟ لأن علماءهم غشوهم، وأحبارهم ضللوهم بأنهم هم الشعب المختار عند الله .. وأنهم هم أفضل المخلوقين من بني آدم، وهذا كان في أيام الطهر والصفاء، نعم! فضلهم الله على العالمين، وهم عباده، وله أن يفضل من يشاء؛ ففضلهم لما كان فيهم من أنوار الهداية الإلهية، ولما كان في كل بيت منهم يوجد نبي، لكن لما انتكسوا وهبطوا، وقتلوا الأنبياء والعلماء، وحرفوا دين الله لعنهم الله. والمغضوب عليهم هم اليهود؛ لأنهم عرفوا الحق وأعرضوا عنه، وهم المغضوب عليهم في سورة الفاتحة: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]. ولم غضب عليهم؟ لأنهم حرفوا كلام الله، وأفسدوا دين الله، ونقضوا العهود مع الله، فلعنهم الله، وغضب عليهم.ومن يسلك سلوكهم يحل محلهم؛ إذ البشرية كلها جنس واحد، وفي الحديث: ( كلكم لآدم، وآدم من تراب )، ( لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى )، ولم التقوى؟ لأنها تزكي النفس وتطهرها، فالمتقي هو الذي يعمل بمزكيات نفسه ومطهراتها من الإيمان والعمل الصالح، ويعيش يتهرب ويتجنب مدسيات النفس من الشرك والمعاصي، فهذا ولي الله الذي ينزل الملكوت الأعلى، سواء كان أبيض أو أسود.

    أخذ الميثاق من بني إسرائيل

    قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83]، فما مضمون هذا الميثاق؟ وما هي بنوده ومواده؟من الجائز أن تكون الوصايا العشر، والوصايا العشر يعتز بها اليهود اليوم، ومنذ عهد موسى، ولكن اعتزاز المسلمين اليوم ومنذ ألف سنة بالقرآن أكثر، ولكن بلا عمل.فاليهود إلى الآن لو تتصلون بهم وتدارسونهم لوجدتهم معتزين اعتزازاً بالوصايا العشر وهي وصايا الرب تعالى، وقد أخذ عليهم فيها العهد والميثاق.أما نحن فقد أعطانا الوصايا العشر، وزادنا العشرات بل المئات، فهل أخذنا بتلك الوصايا.اسألوا المؤمنين: هل عرفوا هذه الوصايا؟ وأين هذه الوصايا؟إنها عشر وصايا تعدل وصايا بني إسرائيل وتفوق بحسب مستوانا وقربنا من ربنا.هل تسمعون عن الوصايا العشر؛ لتعرفوا هل أنتم نفذتم الوصايا أو لا؟ أو ليس لكم حاجة؟!أعوذ بالله! كيف نأكل ونشرب ونحيا إذاً ونحن لا نعرف هل مرضي عنا أم مسخوط علينا؟!وها نحن نقرأ فقط من باب العرض التلفازي، فشاهدوا أنفسكم هل طبقتم هذه الوصايا العشر أو بقيت وصايا ما كملناها، ومن ثم نعزم ونصحح العزم على أن نطبقها؛ إذ هي ليست وصايا من الصعوبة أنها مستحيلة، لا، أبداً، فما كلفنا الله بما نعجز عنه.لقد جاء ذكر الوصايا العشر في سورة الأنعام، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم. وسورة الأنعام لما نزلت جملة واحدة زفها سبعون ألف ملك نزلوا معها. وكم طالبنا وصحنا عشرات السنين: هذه السورة يجب أن يفرض حفظها ودراستها في كل معهد .. في كل مدرسة .. في كل كلية في العالم الإسلامي. ومع هذا:لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تناديبسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:151-153].لمن هذه الوصايا؟ أليست للمؤمنين المسلمين؟كم وصية؟ عشر وصايا.كيف حالكم معها؟ نحمد الله، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، إما أن توفي الكيل والميزان أو تطفف.والشاهد عندنا: ليس بنو إسرائيل وحدهم أخذت عليهم المواثيق والعهود، بل نحن أكثر منهم، وتقدم لكم أن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقد أعطى العهد والميثاق لله أن ينهض بكل تكليف، وأن يترك ويتجنب كل محرم ومنهي عنه، وإلا خان عهده ونقضه.

    أخذ الميثاق بعبادة الله وترك عبادة غيره

    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83] بنوده: أولاً: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة:83].أول بند هو ألا يعبدوا إلا الله، وهذا لازم أن يعبدوا الله أولاً، ثم لا يعبدون معه غيره، فليس معناه: لا تشرك فقط، ولا يقال: لا تشرك إلا إذا كنت تعبد، ومعنى هذا: اعبد الله وحده، وهو معنى لا إله إلا الله.وهذه هي المادة الأولى أو البند الأول في هذا الميثاق الإلهي، الذي أعطاه بني إسرائيل على عهد موسى.وقوله: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ جملة خبرية معناها الإنشاء، أي: اعبدوا الله وحده.فإن قال قائل: يا شيخ! كيف نعبد الله وحده؟الجواب: اسأل أهل العلم: بم يعبد الله، وكيف يعبد؟ ولا بد أن تسأل: كيف يُعبد الله، وكيف أعبده؟ ومن لم يسأل لم يعرف، ومن لم يعرف هل يقال فيه: عبدَ الله؟ كيف عبده؟! فلا بد وأن يسأل أهل العلم، والله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].فكل من لا يعلم يجب أن يسأل حتى يعلم، وكل من سئل وهو يعلم عليه أن يُعلِّم حتى يعلم السائل ما طلب.ومن هنا المفروض أن أمة الإسلام وإن بلغت خمسمائة مليون لا يوجد بينها رجل ولا امرأة جاهل. صح هذا أم كذب؟ هذا هو الواجب، فلا ينبغي أن يعيش من المسلمين رجل أو امرأة العام والعامين والعشرة الأعوام وهو لا يعرف كيف يعبد الله، ولا بم يعبد الله! لأنه مأمور؛ فالله هو القائل: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فنسأل أهل الذكر، والذكر هو القرآن: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص:1].هذا إن كنتم لا تعلمون، أما إذا كنت عالماً فلا تسأل، وإنما تهيأ فقط لأن تُسأل فتُعلِّم.لكن متى يفيق النائمون؟ ومتى يصحو السكارى بحب المال والدنيا؟ ومتى يصبح العالم الإسلامي نساء ورجالاً كلهم علماء؛ فيعرفون ربهم معرفة تثمر لهم حبه في قلوبهم، فيحبون الله أكثر من أنفسهم، وأموالهم، وأهليهم، وتصفو لهم خشيته في قلوبهم، فيرهبونه، ويرتعدون من ذكره، ثم يطيعونه.فإذا أحل لنا الحلوى نأكل: بسم الله .. وإذا حرَّم الدخان والشيشة امتنعنا .. وإذا أمرنا أن نلبس خاتم الفضة لبسناه .. وإذا نهانا عن خاتم الذهب تركناه، وهكذا فعل وترك، والفعل مستطاع وفي قدرة الآدمي إن خلا من علل وأمراض، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.ماذا نقول: هل من عودة؟ نعم، عائدون!هل هناك طريق قريب يا أبنائي؟!الطريق البعيد هو أحلام الغافلين من أمثالنا كأن يقول: هذا يوم تكون الخلافة! ونحن نعمل على إيجاد الخلافة الإسلامية.لكن متى توجد الخلافة؟!وإذا وجد الخليفة نكفره، ونرميه بقواصم الظهر حتى لا يطاع، وهذا هو واقعنا.أنا قلت غير ما مرة: لو أن عمر رضي الله عنه خرج في هذا المجتمع فلا يستطيع أن يفعل شيئاً أبداً، فالقلوب متفرقة، والأهواء والرغائب متنازعة، والشهوات عارمة، فكيف يجمعهم؟!إذاً علينا أولاً: أن نؤمن، وأن نحقق إيماننا بالله ولقائه، فإذا آمنا وحيينا فحينئذ كلف يا عمر ! ومر فإنك تطاع، أما ولا إيمان حق فكيف يكلفنا؟!

    طريق النجاة

    إذاً: ما هي الطريق؟أيها المفكرون! يا علماء الإسلام! نبحث عن طريق للخلاص والنجاة، فقد كونا منظمات وجمعيات فما نفع! فما الطريق؟وهنا عدنا من حيث بدأنا، فعلينا أن نسلك مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.ماذا كان يفعل في مكة وهو محاصر، كان إخوانه مضطهدون يعذبون أمامه، وهو قد منع من المسجد الحرام، فجمع المؤمنين في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، وما جمعهم في هذه الدار لأكل البقلاوة، والحلاوة، والرز، واللحم، لا والله، إنما جمعهم ليعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، ويطهرهم من أدران الأوساخ، والشرك، والمعاصي، والذنوب.ثم هاجر إلى المدينة النبوية في السنة الثالثة عشرة من البعثة، فنزل بديار عوف بن مالك بقباء، ونزل هناك مع زميله .. مع رفيقه .. مع خليله، وإن قال في الحديث: ( لو كنت متخذاً غير ربي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن حسبي خلة ربي ). وما مضى عليه أسبوع إلى ثلاثة عشر يوماً حتى بنى مسجد قباء، فبنى المسجد في سبعة أيام أو ثمانية أيام، وبنى هذا المسجد ليجمع المؤمنين والمؤمنات -وهم أقليات- من أجل أن يعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم.أصحيح هذا الكلام أم لا؟ والله إنه لصحيح. وخرج من دار عوف بن مالك في موكب النور، وبطون وأفخاذ وقبائل الأنصار تقول: عندنا يا رسول الله! هنا النزول .. هنا النزول .. انزل عندنا، فيقول: ( اتركوا القصواء فإنها مأمورة ). فيمسكون بخطامها: انزل! لا .. لا، اتركوها، فتمشي وتمشي، والناس وراءه وأمامه، والدنيا كلها فرح، ولم لا ورسول الله بينهم؟ حتى وصلت إلى تلك الروضة وبركت، فأرادوا أن يقيموها فقال: ( دعوها فإنها مأمورة. هنا يبنى المسجد ).ودار أبي أيوب بينه وبين المسجد خمسة أمتار أو ستة.وبنى المسجد، فطلب عوناً من ربه، والله كأنكم ترونه وهو يحمل الحجارة على كتفيه، من هو هذا؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو يتقاول بتلك الكلمة:اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرةوالناس يقولون معه؛ حتى يتشجعوا على البناء ومواصلة العمل:اللهم لا عيش إلا عيش الآخرةفاغفر للأنصار والمهاجرةوبنى المسجد، وأي مسجد هذا؟ هو هذا الملاصق لحجراته، وبنى بعد ذلك الحجرات، واشترى هذه التربة من يتامى، إلا أن أولياء اليتامى قالوا: لن نأخذ ثمناً، نحن سندفع الثمن.ولم بنى المسجد؟ ليجمع المؤمنين والمؤمنات؛ فيعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم.وجمعهم أم لا؟ وتعلموا أم لا؟والله ما اكتحلت عين الوجود بخريجي مدرسة أو جامعة أو مسجد كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الواحد منهم يزن الدنيا!وسأعطيكم نماذج لتعرفوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تخرجوا من المسجد، لا أقل ولا أكثر:لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي الخلافة أبو بكر ، وكان يسكن في العوالي، فإذا به يسمع جارية تقول: آه! أبو بكر الآن ولي أمر المسلمين، فمن يحلب لنا؟ نعم كان أبو بكر يحلب لأهل الحي أغنامهم، فقال: لا يا بنيتي! ما زلت أحلب لكم.انظروا إذا تجدون في العالم هذا النوع من البشر!ونحن يعلق أحدنا خيطاً عسكرياً فيرتفع رأسه في السماء، ولا يعرف شيئاً.وأما إذا حصل على مليون ريال فحدث ولا حرج!وهذا سلمان الفارسي يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ( سلمان منا آل البيت )، كان أبوه -عليه لعائن الله- هو الذي يوقد نار الشرك، أي: المسئول عن تأجيج النار التي تعبد في بلاد فارس، وهو القيّم على الإله.فأنقذ الله هذا الولد بعدما تجرع الغصص، وتذوق آلام الحياة وأتعابها، فما وصل إلى المدينة حتى بيع عبداً مرتين أو ثلاثاً، وهو يتنقل من إقليم إلى إقليم يسأل عن الهدى، فما اطمأنت نفسه إلى عبادة النار، وقد وجد من رجال المسيحية بصراء عقلاء مَن يرشده قائلين: إننا في انتظار نبي آخر الزمان. فيقول: صفوه لي وأعطوني علاماته. حتى قالوا: يوجد في قرية ذات نخيل وسبخة يقال لها: يثرب. فتنقل حتى وصل المدينة بعد عشرين سنة.فلما حكم عمر أو أبو بكر ولاه ولاية البصرة، فجاءت قافلة تجارية كبيرة من الشام ودخلت البلاد، فوضعوا أمتعتهم، وأناخوا إبلهم، أو ربطوا بغالهم وحميرهم، فليس هناك سيارات ولا قطارات يومئذ.وجاء سلمان وفي يده عصا.قالوا: من هذا؟ هذا لا نعرفه. تعال يا حمال.قال: ماذا تريدون؟قالوا: احمل معنا هذه الأمتعة إلى الفندق. فوالله لقد حمل حقيبتين أو ثلاثاً، واحدة على رأسه، وأخرى بيمينه وأخرى بشماله، ومشى إلى الفندق، فمر بهم بصري: يا جماعة! ويلكم هذا والي المدينة.قالوا: الله؟! قال: نعم. فأخذوا: يا والي! لوجه الله سامحنا. قال: اسكتوا، والله لا أضعها حتى أصل إلى الفندق.أرأيتم خريجي المسجد النبوي أم لا؟! وحسبنا هذا.فإن أردنا أن نصل إلى السماء، وننزل الملكوت الأعلى فهذا هو الطريق، فلا حزبية، ولا تكتلات، ولا تجمعات ولا أحلام، ولا تكفير، ولا عمل، إلا أن نعرف ربنا المعرفة الحقة، فنعرف كيف نعبده، وبماذا نعبده، والطريق يكون في العودة إلى بيوت الله؛ فلا كبر، ولا غطرسة، ولا مال، ولا شرف، بل نجتمع في بيت ربنا في الحي أو القرية، الغني كالفقير، العالم كالجاهل، الذكر كالأنثى، إلا أن النساء وراء الستارة، والفحول أمامهن، وكل ليلة وطول العام ندرس ماذا؟ تاريخ أفلاطون ! وسياسة نابليون ! ندرس قال الله وقال رسوله. وبعد عام .. عامين فقط تتجلى أنوار تتحير لها عقول البشر: كيف استقامت هذه الأمة؟! أين درست؟ ماذا تعلمت؟هذا هو الطريق.وهل هناك طريق آخر؟والله لا أراه، والتجارب كافية، فدعونا، وقد صحنا منذ ستين سنة وما تحركنا، وما زلنا في أماكننا! والآن معاشر المستمعين! أنتم في مسجد رسول الله أم لا؟ في دار النبوة أم لا؟ هل تسمعون غير الحق والهدى؟ والله ما كان ولن يكون.وإن قلتم: ها نحن مع اليهود، والله يقول لهم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83] أولاً: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة:83] وثلاثة أرباع المسلمين يعبدون الأولياء، فهذا يحلف بهم، وهذا يعكف على قبورهم، وهذا ينذر لهم، وهذا يدعوهم ويستغيث بهم، وإن خَفَّ هذا نوعاً ما لانتشار الدعوة. فثلاثة أرباع المسلمين لا يفكرون في لقاء ربهم، ولا يسألون عن محابه ولا مساخطه، ولا ما هو المصير ولا المنتهى، فهم مشغولون بالطعام والشراب والنساء، وهكذا! فكيف نعود؟من جديد نعود إلى المسجد، وكتاب: (المسجد وبيت المسلم) هذه هي الحيلة التي يسرها الله، وأعلناها للمسلمين، وما بلغنا أن قرية أو مدينة أو أهل إقليم في الشرق أو في الغرب عرفوا هذه الحقيقة واجتمعوا على هذا الكتاب إلى الآن!لعلي واهم .. لعلي غافل؟!وقد يقول قائل: ما هذا؟ وماذا ينفع؟تعال أتحداك! هيا نجمع أهل قرية سنة بنسائهم ورجالهم يتعلمون الهدى، ثم ننظر إلى حالهم بعد العام كيف سيكون! فإن وجدت من يقول: فلان زنى اذبحني، أو فلان قتل فلاناً، أو غش فلاناً، أو خدع فلاناً، أو سب أو شتم.إنني أتكلم عن علم، والشاهد في نفسي، فقد عشت ستين سنة أو سبعين والله ما ضربت مؤمناً، ولا أخذت ريالاً لمؤمن، ولا شتمت ولا سببت، لم هذا؟ عرفت فقط، وأمثالي بالملايين عرفوا، فالذين ما عرفوا لا يمكن أن تعول عليهم أبداً في أن يستقيموا، مستحيل.العلم نور، والعلم روح وحياة، وبدونه لا تأمن جاهلاً أبداً، ومن شك فلينظر أحوال المسلمين حكاماً، ووزراء ومسئولين، وكل دولة فيها عشرات المسئولين في وزارة المال .. وزارة الصحة .. وزارة التعليم .. وزارة كذا وكذا فأين آثار ذلك؟! لأنهم ما هم بأهل .. ما هم بصراء .. ما هم واعون .. ما هم عارفون بالله .. لا يبكون من خشيته .. لا يبيتون يتململون ودموعهم تسيل يطلبون رضا الله. فكيف تعول عليهم؟! وكيف يستقيمون؟!

    مظاهر الإحسان إلى الوالدين

    قال تعالى: وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83] الإحسان إلى الوالدين، ومن سأل: كيف أحسن إلى والدي؟ ومن هم والداي؟ ذكران أو إناث أو أب وأم؟الوالدان: الأم والأب، والأم يجوز أن يقال لها: الوالد والوالدة أيضاً، كالحائض، إذ ليس هناك رجل حائض حتى نقول: المرأة حائضة، بل حائض. كذلك هل يوجد رجل يلد من بطنه؟ لا يوجد. إذاً: المرأة نقول فيها: الوالد .. هذه الوالد، بمعنى الوالدة.ما هو الإحسان إلى الوالدين؟في أربع كلمات:أولاً: إيصال الخير إليهما. والخير: الطعام .. الشراب .. الكساء .. السكنى .. المروحة، وكل خير تصل به إليهم.ثانياً: كف الأذى عنهما، حتى ولو كان كلمة غضب: أف! فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، ومنع الأذى تماماً حتى كلمة تحدث المساءة في نفسيهما لا تقال.ثالثاً: طاعتهما في المعروف، فإذا قالت أمك: طلق هذه لا تصلح عندنا، طلقها، لم؟ لأن إبراهيم عليه السلام قال لإسماعيل: غير عتبة بابك. فغير أم لا؟ وذلك عندما جاء إبراهيم من الشام؛ من القدس يتعهد تركة ولده إسماعيل في الوادي الأمين، وقد تزوج جرهمية، إذ نزلت هذه القبيلة عندهم، فجاء فسأل: أين بعلك؟ أين زوجك؟ قالت: ذهب يطلب لنا الرزق. قال: من أين؟ قالت: يصيد غزالاً .. أرنباً. إذ ليس عندهم إلا اللحم والماء فقط، فلا يوجد لديهم عنب أو فاكهة أو خبز. وإلى الآن يقول أهل العلم: يستطيع أهل مكة أن يعيشوا على اللحم والماء، ولا يستطيع أي شعب أو بلد أن يعيش على هذا!فقال: كيف حالكم؟ قالت: إننا في بؤس .. إننا في شقاء .. إننا في كذا.قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له يغير عتبة بابه!فجاء إسماعيل بعد يوم أو يومين من الصحارى وهو يحمل الغزلان والضباء: السلام عليكم! قالت: وعليكم السلام. قال: هل زارنا أحد؟ فراسة .. تباشير النبوة. قالت: نعم. قال: ماذا قال؟ قالت: يقرئك السلام ويقول لك: كذا وكذا، قال: ذاك أبي، وقد أمرني بفراقك، الحقي بأهلك! فطلقها أم لا؟!ثم غاب عاماً آخر، وجاء إبراهيم زائراً فقال: السلام عليكم، كيف الحال؟ قالت: إننا في خير .. إننا في نعمة .. في فضل الله .. في رحمة الله .. في بيت الله.إي! هذه خلاف الزوجة الأولى، الأولى كأنها خريجة جامعة تريد الوظيفة والمال.قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له يثبت عتبة بابه. أي: يركزها.ثم جاء إسماعيل فقال: هل زارنا أحد؟ قالت: نعم. ماذا قال؟ يقول: كذا وكذا. قال: ذاك أبي، وقد أمرني بأن أثبتك في البيت. لتنجب بعد ذلك عدنان أبا سيد المرسلين.هذا درس علمي لا تجده في جامعات الدنيا.فنقول: إذا كان أبوك صالحاً وأمك صالحة وقالا: طلق هذه، فيجب أن تطلق؛ لأنهما عرفا عنها، فلا تصلح لك، ولئلا تنجب لك الأولاد.أما إذا كان الأبوان كما نحن عليه الآن أهل أهواء، ودنيا، وشهوات، وغيرة، وحسد فلا تطعهما، فإن قالا: طلق. فلا تطلق، قل: هي امرأة مؤمنة، تقية، صالحة، متحجبة فلم أطلقها؟وهذه النقطة خير من خمسين كيلو غرام ذهب لمن يعلم، ويعي، ويحفظ.إذاً: ثالثاً: طاعتهما في المعروف، وهو ما عرفه الشرع من عبادات وطاعات .. من خير وإحسان، أما إن أمرا بمنكر فـ (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ).قالت أمك: لا تصلِّ فهل تطيعها؟! قالت: لا بد أن تشرب الحشيش؟!فوالله لا طاعة لها: ( إنما الطاعة في المعروف )، والقرآن يصرح بهذا: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15].رابعاً: صلة من تربطهم بك رحم واحدة، فالذين يرتبطون مع أمك أو أبيك برحم تصل الجميع.خامساً: أن تصل من كان صديقاً لأبيك أو أمك، فمن كانت لأمك صديقة ثم ماتت أمك، فزرتها فوجدتها، فينبغي أن تحسن إليها وتكرمها؛ لأنها صديقة أمك. وجدت أن فلاناً كان صديقاً لأبيك رحمة الله عليه، فتحبه وتكرمه، وتبجله، وتعظمه؛ لأنه كان صديقاً لوالدك.وانظر إلى هذا المنظر: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رجع من مكة حاجاً؛ وقد كان يغزو عاماً ويحج عاماً، هكذا ثلاثين أو أربعين سنة، فنام في الطريق وإذا بأعرابي يقول: يا مؤمن! أعطني شيئاً. فنظر إليه وقال: من أنت؟ قال: أنا ابن فلان صديق عمر . فأعطاه عمامة كان يربط بها رأسه في الليل، وأعطاه حماراً كان يروح عليه، أي: يركب الجمل ساعتين وثلاثاً ثم يخفف عليه فيركب الحمار، فأعطاه العمامة والحمار، فجاء مولاه نافع : يا سيدي! كيف تفعل هذا؟ هذا أعرابي تكفيه حفنة من تمر أو قرص عيش، فكيف تعطيه عمامتك؟! قال: يا نافع ! هذا والده كان صديقاً لـعمر . وفي الحديث: ( من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه ).وكل هذا لتتماسك الأسر والعائلات والسكان، ويصبحوا كالجسد الواحد.معاشر المستمعين! حسبنا ما سمعنا. والله نسأل أن يوفقنا للعمل. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (64)
    الحلقة (71)




    تفسير سورة البقرة (34)


    نص القرآن على ميثاق أخذه الله من بني إسرائيل، لم يكن ميثاقاً عادياً، لقد كان شاملاً كاملاً، تتقاسمه العبادة والمعاملة: توحيد الله، والإحسان إلى كل من الوالدين، وذي القربى، واليتامى، والمساكين، والإحسان في القول، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لكن هؤلاء القوم نبذوا كل هذا وراء ظهورهم إلا قليلاً منهم، والمؤسف أن أمة القرآن قد أصابها هذا الداء.

    تابع تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ ... [البقرة:83-85] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    أخذ الميثاق بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به

    معاشر المستمعين! كنا قد عرفنا أن الميثاق هو العهد المؤكد باليمين؛ من التوثيق الذي هو الربط والحزم بشدة.والله عز وجل هو الذي يقول لليهود الذين يمثلون بني إسرائيل: اذكروا إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:83].وهذا الميثاق له بنود، وقد تكلمنا عن بند واحد.فالبند الأول من البنود التي تضمنها الميثاق: ألا يعبدوا إلا الله: أولاً: يعبدون الله بما شرع أن يعبد به.ثانياً: ألا يشركوا في عبادته غيره، وهذا معنى لا إله إلا الله.فلو سئلت عن معنى لا إله إلا الله، فإنك تقول: لا يستحق العبادة إلا الله، وبحكم أنك شهدت أنه لا معبود بحق إلا الله فوجب عليك أن تعبده، وإلا فإن شهادتك باطلة!ثانيا: ألا تقر عبادة غيره، وإلا ما معنى أنك تشهد على علم أنه لا يعبد إلا الله، وفي نفس الوقت تقر بعبادة سواه؟!وهذه القضية المهمة يا ليت إخواننا يفهمونها، فأنت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فعلى أي شيء أقمت شهادتك؟ قطعاً ستقول: على علم، فأنا لا أشهد أن إبراهيم بن فلان أو أن خالداً ضرب فلاناً إلا إذا رأيت هذا، فالإخبار شيء، والشهادة شيء آخر، فأنا أشهد على علم أنه لا يستحق العبادة إلا الله.إذاً: فما دمت تشهد على علم فينبغي أن تعبد الله، وإن لم تعبده فشهادتك باطلة. وأنت تكذب!ثانياً: أن تعبده وحده، ولا تعبد معه سواه، وإلا تناقضت من أول يوم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وفلان! ثالثاً: لا نقر عبادة غير الله، ولو نُسأل عن عبادة اليهود .. النصارى .. المجوس .. عبدة عيسى .. عبدة الملائكة .. عبدة الجن .. عبدة الكواكب؛ نقول: هذه عبادة باطلة، ولا نقرها أبداً؛ لأنهم عبدوا ما لا يستحق العبادة، فالعبادة يستحقها الخالق للعبد .. الرازق للعبد .. الكالئ والحافظ له إلى نهاية أجله. أما الذي ما خلق، ولا رزق، ولا حفظ فكيف يعبد! وبأي منطق وبأي حق؟ إنها عبادة باطلة!إذاً: أول بند من بنود هذا الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل وهم في جبل الطور أو في غيره هو ألا يعبدوا إلا الله.

    أخذ الميثاق بالإحسان إلى الوالدين

    ثانياً: قال تعالى: وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83] أي: وأن يحسنوا بالوالدين إحساناً عاماً بالآباء والأمهات، وقد عرفتم أن من الإحسان بالوالدين أن يصل بالخير إليهما.وهنا لطيفة: لم قال: وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وما قال: وإلى الوالدين إحساناً؟(إلى) حرف جر تصل به إلى الغاية، فقال: (وبالوالدين)، ومعنى هذا: إذا احتاج الوالد، بل ولو لم يحتج، فلا تضع أمامه الكأس وتقول: اشرب! بل خذ الكأس بيدك وضعه في يده. ولا ترم السجادة وتقول له: افترش، لا! افرشها أنت وقل له: اجلس! ولا تركب في السيارة وتقول له: اركب، بل أنت تفتح الباب وانتظر حتى يركب. وهذا دل عليه حرف باء الإلصاق، فما قال: وأحسنوا إلى الوالدين، إنما قال: أحسنوا بالوالدين. فالباء باء الإلصاق، فليكن الخير الذي تقدمه لهم كأنك تلصقه بهم. ومن ذلك لا تقل: يا أبت! المشلح في المشجب البس واخرج، فهذا لا يجوز، بل ائت به أنت وألبسه إياه، حتى تكون قد أحسنت به.فهل فهم الأبناء هذه: وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]؟

    صور الإحسان إلى الوالدين

    قد عرفتم أن الإحسان بالوالدين يدور حول أربع مسائل:الأولى: أن تصل بالخير إليهما من الطعام .. الشراب .. الكساء .. المركوب .. السكن .. الدواء، تصل به إليهما، ما داموا محتاجين إليك وأنت في غنى عنهم.ثانياً: أن تكف الأذى عنهما، حتى ولو كانت كلمة نابعة أو صوتاً مرتفعاً، والله عز وجل يقول: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23] فهذه الكلمة محرمة، ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يواجه بها أحد أبويه، فإنها من كبائر الذنوب، فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] أما أن ترفع صوتك لا، فليكن صوتك منخفضاً دون صوتهما، ومن كان غير مربَّى ولا مهيأ فليتربَّ من الآن، ويخفض صوته عند أبويه، وليكن صوته دون صوتهما وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] وقد مثلت لكم: افرض أنك طويل وأبوك دونك في الطول، فحاول إذا مشيت معه أن تتقاصر؛ حتى لا تفوقه في الطول، وإذا مشيت معه فلا تمش أمامه بل امش وراءه أو إلى جنبه وأنت متطامن، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وكن ليناً هشاً جداً، لا قسوة ولا شدة ولا غلاظة، وإنما لين وتطامن.ثالثاً: طاعتهما في المعروف، فإذا أمرك أبوك أن تقول أو تفعل أو تعتقد؛ فانظر إذا كان أمره من أمر الله ورسوله فيجب أن تطيعه ولا تتردد، وإن كان أمره مناقضاً لأمر الله ورسوله فأمر الله أولاً! فأنت فُرِض عليك طاعة الوالدين نظراً إلى المعروف الذي قدماه لك، والإحسان الذي بذلاه لك، فأمك حملتك تسعة أشهر، وأنت من صلب أبيك؛ من مائه فكيف إذاً لا تشكر هذا النعيم؟! ولكن شكر الله أولى؛ لأنه خالقك، وخالق أبويك، وخالق الكون لك.وقوله: ( إنما الطاعة في المعروف ) هذا الحكم يتناول أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتناول إمام المسلمين، فالكل لا طاعة إلا في المعروف، ومن قال: وكيف تقول والرسول صلى الله عليه وسلم؟! فليسمع، أقرأ عليه مادة في هذا الكتاب الكريم إذ يقول تعالى للنساء في آية البيعة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ... [الممتحنة:12] فانظر كيف قيد العصيان بالمعروف، وهذا معناه فرضاًً: لو أمر الرسول بغير طاعة الله فلا يطاع! وهذا من باب الفرض فقط لتعليم الخلق، وإلا حاشى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأمر بغير ما في رضا الله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4]. فكل أقضيته وأحكامه وسننه كلها من الله عز وجل، وهذا من باب: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:12] أما إن أمرك بغير المعروف فلا حق لك في الطاعة، فكيف إذاً في غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!فإذا أمرك أبوك بألا تصلي فهل تطيعه؟! إذا أمرك ألا تشهد صلاة الجماعة فهل تطيعه؟! إذا أمرك الحاكم أن تشرب خمراً فهل تطيعه؟! إذا أمرك أن تقتل عمراً فهل تطيعه؟! إذا أمرك أن تسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل تطيعه؟! الجواب: لا، ( إنما الطاعة في المعروف ).رابعاً: صلة الرحم التي تربطك بهما كجدك وابن أخيك وبقية الأقارب سواء كانوا من الأدنين أو من الأباعد، فما دامت الرحم جمعت الكل فلا بد من هذه الصلة.وأخيراً: بر صديقهما. فإذا كان لأبيك صديق أو لأمك صديقة فينبغي أن تبر هذا الصديق وهذه الصديقة لبر أبويك! وفي الحديث: ( إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه )، وقد ذكرت لكم حادثة عبد الله بن عمر في طريقه من المدينة إلى مكة عندما نزل منزلاً، وإذا بأعرابي يقف ويطلب من ابن عمر مساعدة، فيعطيه عمامته وحماره، والعمامة كان يستعملها في الليل يشد بها رأسه لينام، والحمار يروح به على نفسه، لما يملّ من ركوب الجمل يركب الحمار، والمسافة عشرة أيام في الطريق. فلما أعطى الرجل الحمار والعمامة سأله مولاه نافع : كيف يا مولاي تعطيه مع أن حفنة التمر تكفيه، وليس أن تعطيه هذه العمامة التي تستعملها في ليلك، وهذا الحمار الذي تروح به على نفسك؟! فقال ابن عمر له: إن أباه كان صديقاً لـعمر ! وهذا بعد موت عمر .وبهكذا يوثق الإسلام الروابط بين الأسر .. بين الأصدقاء .. بين الجيران .. بين .. بين .. لتصبح أمة الإسلام أمة واحدة، وقوة واحدة، وحق لها؛ لأنها تحمل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، والتي يبغضها الأبيض والأسود والعجم. فإذا لم تتماسك وإذا لم تقوَ لا تستطيع حملها أبداً؛ ولهذا اسمع كيف أمرنا الله بصلة الأرحام: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36].أريد أن يفهم المستمعون أن هذه الأمة غالية عزيزة؛ لأنها أسعد أهل الأرض وأطهرهم .. لأنها مهيأة للسماء والنزول في الملكوت الأعلى .. لأنها عدو لكل كافر وكافرة، ومشرك ومشركة. وهي القائدة الرائدة السائدة فلا بد وأن تكون جسماً واحداً، وإلا فلا تقوى أبداً على أن تخوض هذه المعارك مع الإنس والجن.ولهذا كل ما يدعو إلى الفرقة حرام، ولو تتبعت المعاملات المحرمة من أولها إلى آخرها في البيع .. في الإيجار .. في الشراء .. في كل المعاملات؛ تجدها تدور على شيء واحد، وهو ألا يحصل أو يحدث خلل في قلوب المؤمنين! فهذه المعاملات التي بين الناس كل معاملة محرمة، وعلة تحريمها أنها توجد الضغينة في قلوب المؤمنين، وتوجد العداء والبغضاء بينهم، وكل ما يسبب العداء والفرقة حرام!وما أخذ على بني إسرائيل أخذ علينا نحن.

    أخذ الميثاق بالإحسان إلى الأقارب

    قال تعالى: وَذِي الْقُرْبَى [البقرة:83] قرابة الإنسان معروفون، وهي جمع قريب، واليتامى جمع يتيم، فاليتيم يجب أن يحسن إليه، وهذا قد أخذ الله به عهداً على بني إسرائيل، ونحن أيضاً أخذ علينا ذلك، كما في آية النساء السابقة وهي لنا وليست لبني إسرائيل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36] عشرة حقوق! فهذا الميثاق فيه عشر مواد، وتسمى هذه الآية بآية الحقوق العشرة، حتى الجار ثلاثة جيران: جار قريب، وجار بعيد، وجار قريب من جهة وقرابة من جهة أخرى. فالجار اليهودي أو النصراني يجب أن نحسن إليه ولا نسيء إليه!

    أخذ الميثاق بالإحسان إلى اليتامى

    قال تعالى: وَالْيَتَامَى [البقرة:83] اليتامى: جمع يتيم.من هو اليتيم يا عباد الله؟!هو من فقد أباه لا من فقد أمه، فالذي مات والده إذ هو العائل والمنفق والقيم؛ فأصبح هذه الغلام يتيماً لموت والده، ويستمر يتمه حتى يبلغ سن التكليف، وهذا اليتيم يجب أن يجد بين المواطنين مأمناً حيث لا يخاف أبداً، ويجد بينهم رزقاً حيث لا يجوع ولا يعرى، ويجد بينهم مدرسة تربيه؛ حتى يتخرج ربانياً صالحاً، فلا يهمل ويطرح في الشوارع ليعيش على الجهل.وحسبنا أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ) أرأيتم كيف يرغب أم لا؟ ( أنا وكافل اليتيم كهاتين ) مقترنان السبابة والوسطى.فاليتيم يجب وقد فقد أباه ألا يفقد شيئاً مما كان يغدقه عليه أبوه ويعطيه إياه؛ من تربيته .. من الحفاظ عليه .. من إطعامه .. من كسوته .. من من .. فهذا شأن اليتامى.والحمد لله هذه البلاد وفق الله أهلها إلى إنشاء -وما عرفنا هذا في أي بلد- دور اليتامى، والمفروض أن يكون كل بلد فيها دار لليتامى الذين فقدوا الآباء، فدار اليتامى في المدينة تخرج منها مسئولون، حيث يؤخذ الغلام إلى الدار فيجد من يربيه ويعلمه ويطعمه ويعينه، حتى يبلغ سن الرشد، وبعد ذلك يخرج فيذهب حيث شاء، فإن عجزنا عن بناء دور اليتامى فعلى الأقل كل مؤمن يرعى هذا الحق مع من يراه يتيماً في جواره أو في قريته أو في حيه.أما إضاعتهم .. أما أخذ حقوقهم .. فلا تجوز، ولكن وللأسف الشديد إنهم يأخذون حقوقهم، ويأكلون أموالهم، ويلهونهم، ويعبثون بهم؛ فقط لأنه فاقد والديه أو فاقد أبيه.والشاهد عندنا في هذا البند أيضاً: وَالْيَتَامَى .

    أخذ الميثاق بالإحسان إلى المساكين

    قال تعالى: وَالْمَسَاكِينِ [البقرة:83] أخذ على بني إسرائيل العهد والميثاق بالإحسان إلى المساكين.ما هو المسكين؟المسكين هو الذي أذلته الحاجة والمسكنة، فلا يجد غذاء ولا كساء ولا دواء، فهذا ينبغي أن يحسن إليه، فإن لم تجد ما تحسن إليه فعلى الأقل ابتسم في وجهه، ولا ترفع صوتك عليه، ولا تظهر في مظهر أنك متفوق عليه، والقائد الأعظم صلى الله عليه وسلم يقول: ( ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق )، ومن لم يجد ما يتصدق به فالكلمة الطيبة صدقة، فإذا قال المسكين: يا أبتاه! أو يا أباه! أنا جائع فعليك أن تطعمه، فإن لم تجد ما تطعمه فقل له كلمة طيبة ينشرح لها صدره، وتطمئن نفسه، أما أن تدفعه بقوة وتقول له: اذهب ليس عندنا، فهذا خطأ، ونستغفر الله منه، ونتوب إليه.والواجب ألا يشعر المسكين في القرية أو الحي أو المدينة بأن فيه ضعفاً أو أنه يهان أو لا يبالى به، بل يجب أن يحترم كما يحترم الأغنياء.وهذه تعاليم الله لعباده، فإن هم وفوا بهذه العهود كملوا وسعدوا، وإن أعرضوا عنها وأهملوها فحسبهم الذل والعار الذي يلاقونه.

    أخذ الميثاق بالقول الحسن للناس

    قال تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] هذا بند آخر: قولوا للناس الحسن لا القبح، فإذا ناديت الشخص فقل له: يا أبتاه! إن كان أكبر منك .. يا أخاه! إن كان مساوياً لك .. يا ولدي! أو يا بني! إن كان أصغر منك.أما أن يقول أحدنا: يا أعمش! يا أعرج! يا طويل! يا بدوي! يا كذا! فهذا حرام ولا يجوز! ولا يحل أبداً. بل لا بد وأن تقول الحسنى في القول والعمل لهذا المؤمن.وكلمة (الناس) عامة تشمل حتى الكافر، فهل إذا مر بك كافر وقال: يا فلان! ناولني كأساً أشرب، تقول: يا ملعون! لا أعطيك؟! فهذا لا يجوز أبداً؛ لأن الله قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا والكلمة الحسنة هي التي يظهر أثرها في وجه من تتكلم معه.أما الإساءة فهي محرمة، ومن هنا لا ينبغي لا سب ولا شتم، ولا تعيير، ولا تقبيح، ولا سخرية، ولا لمز، ولا همز، فكل هذا محرم عنها في كتاب الله. واقرءوا آخر سورة الحجرات: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11].وأنتم تسمعون وتعرفون ماذا يحدث في مجتمعاتنا من السخرية والاستهزاء بالفقراء .. بالأغنياء .. بالجهال .. والله بالعلماء! وما سر هذا؟ إنه الجهل، فوالله ما علمناهم، وما ربيناهم، وما ضممناهم إلى حجور الصالحين؛ فكانت النتيجة أن تخرجوا ضائعين تائهين، فلا أدب ولا خلق ولا معرفة. وماذا ترجو من شخص ما جلس طول حياته بين يدي مرب يربيه ليلة من الليالي؟! ماذا تريد أن يكون؟!فإن عرفنا العلة فهيا إذاً من جديد نتربى، فإن قلتم: لا نستطيع، أقول: لم لا تستطيع؟ هل هذا حمل ثقيل لا تطيقه؟ يقولون: لا نستطيع؛ نحن عندنا أعمال، فهذا عنده مصنع، وهذا عنده متجر، وهذا عنده مزرعة، فكيف نعمل؟قلنا: اعمل من صلاة الصبح، فصلِّ الصبح في بيت الرب واحمل فأسك أو مطرقتك أو نقودك وإلى السوق والمزرعة واعمل إلى غروب الشمس، أما يكفي هذا النهار كاملاً؟! فإذا مالت الشمس إلى الغروب غير ثيابك في بيتك، واصحب زوجتك وبناتك وأولادك إلى بيت الرب، واجلسوا، ويجلس لكم ربانيّ ذو علم وحكمة ليعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك كل ليلة ولطول العمر.أسألكم بالله: هل هذا فيه مشقة أو تكليف ما يطاق؟!قولوا لي: اليهود .. النصارى .. الملاحدة .. العالم بأسره إذا غابت الشمس تركوا العمل، وذهبوا إلى المقاهي والملاعب، والمراقص، والمقاصف، ودور السينما أم لا؟أما نحن فلسنا مثلهم، والفرق بيننا وبينهم كالذي يريد أن يهبط إلى أسفل الأرض، وآخر يريد أن يطلع إلى أعلى السماء فهل يستويان؟ هذا هبوط بسهولة، فلا يتكلف ولا يجهد نفسه، أطلق نفسك يهبط إلى أعماق الأرض، لكن تطلع كيف تشق الملكوت. فرق كبير أم لا؟!وفرق آخر: المؤمنون أحياء، والكافرون أموات، فهل تكلف الميت أن يسمع ويبصر ويعقل عنك، ويعطي ويأخذ؟! هذا ميت! وأما المؤمن فحي، يسمع ويبصر، ويأخذ ويعطي، لوجود الحياة فيه.فإن قال قائل: لم يكرر الشيخ هذه القضية؟ قد مللناها وسئمنا منها، فهو في كل درس يعيدها؟قلنا: هذا هو سؤالكم؟! هو هذا! وأنا قلت لكم: والله لا سبيل لإنقاذ هذه الأمة وقد غرقت إلا بالعودة إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كلفناها أن تبني المدارس والكليات! فليس عندها أموال، وما كلفناها أن توقف الفلاحة أو التجارة، فإنها لا تستطيع؛ لأنها ستجوع، وما قلنا هذا أبداً، فقط من المغرب إلى العشاء نرجع إلى الله في بيته، وليس في بيتنا أو بيت أخيك فتقول: لا يتسع لنا، ضايقتمونا! نقول: في بيت الرب جل جلاله، وعظم سلطانه، النساء وراء الستار، والأولاد دونهن، والفحول أمام الكل، وهم يتلقون الكتاب والحكمة، قال الله وقال رسوله، فلا مذهب أبداً، ولا حزب، ولا جماعة، ولا وطنية، بل قال الله يا عباد الله! وقال رسوله يا مؤمن!أسألكم بالله يا من فهمتم عني: هل بعد عامين .. ثلاثة .. أربعة هل يبقى في القرية جاهل أو جاهلة؟والله ما كان أبداً، وإن لم يكتبوا، وإن لم يقرءوا، فهذا العلم لا يتوقف على الكتاب والقراءة، إنما يتوقف على الفهم، والعمل، والتطبيق، فإذا أصبح أهل القرية علماء هل تتصور أن يوجد في القرية من يزني؟ أن يوجد في القرية من يخون ويغش؟ والله لا يوجد، هل يوجد في القرية من يموت جائعاً وهم شباع؟ والله لا يكون. أن يوجد في القرية من يمشي عارياً حافياً وهم منتعلون مكسوون؟ والله لا يكون، فلا يستطيعون أبداً.وفوق ذلك هل يستطيع الإنس أو الجن أن يذلهم أو يقهرهم وهم أولياء الله؟ والله لا يستطيعون. أقسم بالله؛ لأنهم أولياء الله، وليست قضية بركة فقط، إذا استووا على هذا المستوى من الفهم والإدراك والعلم؛ هؤلاء يكونون أقوى الناس طاقات بدنية .. أقوى الناس مالاً .. أقوى الناس عملاً.إذاً: عرفتم لم نكرر هذا القول؟فإن قيل: متى نسكت؟نقول: لما يبلغنا أن الإقليم الفلاني نهض علماؤهم وأخذوا يجمعون النساء والرجال والأطفال في بيوت الرب تعالى من المغرب إلى العشاء، فالدكاكين مغلقة .. المقاهي مغلقة .. العمل وقف، أين الأمة؟ في بيت الرب! ليلة قال الله، وليلة أخرى قال رسول الله، فيحفظون الآية ويتغنون بها، ويدخرونها في نفوسهم، ويحفظون الحديث، ويتلذذون بكلام رسولهم، ويفهمون معنى تلك الحكمة، وتأخذ آثارها تتجلى في منطقهم .. في لباسهم .. في أكلهم .. في شربهم؛ حتى تصحوا الأمة، وما كلفنا هذا شيئاً، ولا نطلب من أهل القرية ريالاً واحداً أبداً، ولا تخافوا!إذاً: لا تلوموا الشيخ: لم يعيد هذا القول ويكرره! ونحن كمن ضاعت دابته، وهو طول عمره ينادي عنها ليحصل عليها! فهل يسكت؟!إذاً: قال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] فيا بني إسرائيل! ويا أبناء الأنبياء وأحفاد المرسلين! قولوا للناس حسناً، ولا تسيئوا إلى البشر، ولا تقولوا البذاء والمنطق السيئ، ولا سخرية ولا كذب.ألسنا نحن أحق بهذا؟ نعم. أمرنا كما أمروا، وآية الحقوق العشرة موجودة في سورة النساء.

    أخذ الميثاق بإقام الصلاة

    قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:83] يا بني إسرائيل! أقيموا الصلاة، فأُخِذ عليهم عهد من الله في عهد موسى بأن يقيموا الصلاة.وما معنى يقيموا الصلاة؟أي: يؤدونها أداء حسناً صالحاً حتى تنتج لهم الطاقة النورانية، وحتى تولد لهم النور في قلوبهم، وهذا النور إذا كثر يظهر على البصر .. على السمع .. على المنطق .. على اليد .. على الرجل، فيصبح عبد الله كالملك، فلا ينظر إلا حيث يأذن الله له بالنظر، ولا يسمع إلا حيث يأذن الله له بالسماع، ولا يأكل إلا حيث أذن الله له بالأكل، ولا ينطق إلا حيث أذن الله تعالى له أن ينطق، فغشاه النور؛ ولأن أكبر مولد للنور والمعبر عنه بالحسنات هو إقام الصلاة! فأكبر مولد ليس الصيام ولا الحج ولا العمرة، بل إقام الصلاة!وهنا نقول: يا شيخ! إخوانك في الشرق والغرب بعد أن استقلوا من سلطة الكفر وخرج المستعمرون من ديارهم فاستقلوا وكونوا الدويلات: الدولة الباكستانية .. الأفغانية .. الأندونيسية .. الدول العربية، دول! فهل سألوا أهل العلم: نحن الآن استقللنا فعلى أي شيء نقيم هذه الدولة؟ هذه الدولة لله أليست لله؟ نعم، نحن عبيد لله. كيف نقيمها؟ ابعثوا إلى العلماء واسألوهم عرباً أو عجماً؛ فيقول لهم العالم: أنتم الآن استقللتم، وأردتم أن تقيموا دولة، وإن الله عز وجل قد وضع لها أربع دعائم .. أربع ركائز، فأقيموا دولتكم على هذه الدعائم، فإنها تقوى ويشتد أمرها، وتصبح قادرة على إسعادكم، وتطهيركم، ونجاتكم.فهل سألوا؟ دلوني.أقول: دعني من أبنائي الأحداث! أنا أخاطب الكبار ذوي اللحى البيضاء! لما استقل إقليم في الشرق والغرب هل سأل: كيف نقيم دولة الإسلام؟فكوّنا دويلات منهارة، فلا سعادة، ولا طهر، ولا صفاء، ولا مودة، ولا محبة، ولا إخاء، كأننا ما ذقنا طعم الإسلام، ولا تحلينا بحلية الإيمان! ما السبب؟!هل تذكرون دعائم الدولة الإسلامية؟يوجد في القرآن الكريم ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، وكل آية هي نور يضيء الظلام، وخذ آية واحدة من هذه تجد فيها دعائم الدولة الإسلامية، وقد جاء من سورة الحج بين الأنبياء والمؤمنون: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الحج:1] هذه السورة في وسطها جاء قول الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] استقلوا أم لا؟ حكموا الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41]. كم قاعدة هذه؟ أربع. (أقاموا الصلاة)؛ لأن إقام الصلاة هو الذي يطهر المجتمع .. هو الذي ينفي الخبث .. هو الذي يبعد المنكر .. هو الذي يشيع المعروف بين المواطنين، أما أي وسيلة أخرى فوالله إنها لا تجدي! ولو توزع على المواطنين يومياً الأموال والله لن تزكيهم ولن تطهرهم! ولن ينتهي الخبث والظلم والشر والفساد، فما هناك عامل إلا أن تقام الصلاة، وإذا أقيمت الصلاة في القرية .. في المدينة .. في الإقليم فنصف الميزانية التي كانت معدة للأمن كلها يستغنى عنها.قالوا: يا شيخ! النصف كثير؟نقول: نعم، والله لأكثر من النصف، ولا نحتاج إلى قوى أمنية أبداً، فكل مؤمن حامي للحمى، وحارس للفضيلة! وذلكم لأن الله المشرع الحكيم طابع الطبائع، وغارز الغرائز، وخالق الأنفس هو الذي قال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لم يا ألله؟! علل! إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].وكم كررنا هذا وقلنا: هيا بنا نمشي إلى المحافظ أو مدير الشرطة في أي بلد، ونقول له: أعطنا قائمة بأسماء المجرمين في هذا الأسبوع: السارق والساب والشاتم .. فإن أعطانا قائمة أقول له: أقسم بالله! لن نجد بين هؤلاء المجرمين أو الظالمين نسبة (5%) من مقيمي الصلاة، و(95%) من تاركي الصلاة والمصلين، وإلى الآن ما زلنا نطالب وما تحداني واحد، وهذا الكلام قلناه في الشرق والغرب!الله يقول: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] ونحن نشاهد المقيمين للصلاة ما عصوا الله، ولا فسقوا عن أمر الله، ولا آذوا، ولا اعتدوا، ولا زنوا، ونجد الأذى والاعتداء والعنترية والفساد كله من تاركي الصلاة، والمتهاونين فيها.ماذا تقولون يا أهل الإسلام في قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] لم لما يستقل إقليم ما يقيم نفسه على إقام الصلاة؟ وهل إقام الصلاة يعوق الأمة من العمل؟!إن الصلاة مقسمة تقسيماً إلهياً: أولاً: صلاة الصبح، هل صلاة الصبح تعوق عن العمل؟والله إنها لتنشط عليه، والله إنها لتساعد عليه، أقسم بالله! لأن الشعب الحي قبل الفجر وهم في يقظة، صلوا الصبح واندفعوا وراء أعمالهم، يشتغلون ساعتين .. ثلاث ساعات، أما الكفار فنائمون، لا يبتدئون العمل إلا في الساعة الثامنة.أما صلاة الظهر ففي الساعة الثانية عشرة وعندها يتوقف العمل، والذين يشتغلون من السادسة حتى الواحدة ليس هؤلاء ببشر، لكن عند الثانية عشرة أو الحادية عشرة يتوقف العمل، فصلاة الظهر تقع في وقت الراحة، فيزدادون قوة.وأما صلاة العصر فيمتحنهم الله بها، فإذا قال المؤذن: الله أكبر! وقف العمل، وأقبلوا على الله واقفين بين يديه، فهذه الطاقة تساوي طاقة الذرة.والمغرب والعشاء وقت الراحة، فلا عمل، والمؤمنون في بيوت ربهم يصلون المغرب والعشاء.فإقام الصلاة فقط يرفع من قيمة الشعب، ويعلي مكانته، ويحقق له الكمالات، ونحن مع الأسف ما أجبرت دولة رعيتها على إقام الصلاة!

    أخذ الميثاق بإيتاء الزكاة

    أما جباية الزكاة من المواطنين فما استقلت دولة وأمرت بالزكاة أبداً، بل عوضوا عن الزكاة بالضرائب، والفادحة أنك تعجب للضريبة فأحياناً تجدها نصف المال!لم ما نطالب بالزكاة ليرضى الله أولاً! وفيها بركة أفضل من الضرائب مليون مرة، لأنها طاعة لله، قالوا: لا .. لا .. لا، ليس هناك زكاة. ومعنى هذا: ما تذكروا الله ولا الإسلام.هل وجد في أي بلد رجال تعدهم الحكومة ليأمروا الناس بالمعروف وينهوا عن المنكر ويمشون في الأسواق .. في المقاهي؟ لا، أبداً. فكيف حال دويلاتنا الإسلامية؟!والذ
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (65)
    الحلقة (72)




    تفسير سورة البقرة (35)

    كانت لبني إسرائيل دولة، لكنها ما لبثت أن انهارت، وذهب اليهود شذر مذر، واستقر ببعضهم القرار في المدينة وعقدوا الأحلاف مع قبيلتيها، فكانت الحروب، وسفك الدماء، والتظاهر بالإثم والعدوان، ونقض اليهود ميثاق الله، حيث كان قد نهاهم عن كل ذلك، لكن اليهود كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فكانت عاقبتهم وكل من يسلك مسلكهم الخزي في الدنيا، وأشد العذاب في الآخرة.

    تابع تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة:83-85] والعياذ بالله تعالى.

    الخطاب لبني إسرائيل شامل للبشرية

    أعيد إلى أذهان السامعين والمستمعين والسامعات والمستمعات: إنه لا فرق بيننا وبين بني إسرائيل وبين كل آدمي على صدر هذه الأرض، فنسبتنا إلى الله واحدة، ونحن عبيد لسيد واحد، فقط مَن آمن وعمل صالحاً ارتقى، وسما وعلا، وارتفع فوق الذين ما آمنوا ولا عملوا الصالحات، أما الاعتبار بالجنس فلا اعتبار له أبداً: عربي .. عجمي إسرائيلي .. فارسي .. قل ما شئت، فالكل عبيد الله.والله عز وجل لما يوجه هذا الخطاب لبني إسرائيل فإنه من باب أن تهتدي البشرية عليه، لا أنه خاص بمجموعة من اليهود كانوا في المدينة! من أجلهم فقط ينزل الله هذه البيانات؟ لا والله، ولو كان من أجلهم نسخه؛ لأنهم انتهوا، ولكن هذا الكتاب -القرآن الكريم- يتضمن هداية البشرية أبيضها كأسودها .. عربيها كأعجميها .. أولها كآخرها.والسر يا معاشر المستمعين والمستمعات أن الإيمان طاقة تدفع صاحبها إلى أن ينهض بالتكاليف، فالمؤمن بحق حي، يقوى ويقدر على أن يسمع .. على أن يعقل .. على أن يأخذ .. على أن يعطي .. على أن يصوم أو يفطر، فهو مؤمن حي، فهذه الحياة تحمله وتدفعه وتعينه على أن يستخدم المواد المزكية للنفس المطهرة لها.لكن ما هذه المواد المزكية للنفس المطهرة لها؟هذه المواد لا يضعها إلا الله، فلو تجتمع البشرية كلها على أن تضع عملاً ما على أن من فعله تزكو نفسه وتطهر، والله ما استطاعت ولا قدرت عليه، وبيان ذلك: هل تستطيع البشرية أن تجعل الحصباء، والرمال، والطين والتربة غذاء للإنسان فتدس فيه مادة الفيتامينات ويتغذى به الآدمي؟ هذا مستحيل.ومن أودع تلك المغذيات في الفواكه، والخضار، والخبز، واللحوم، وأخلى التراب، والطين، والحجارة، والأخشاب منها؟ إنه نفسه الذي إذا قال لكم: قولوا: سبحان الله، وقلتموها مؤمنين بالله، وكان لها أثر على نفوسكم بالطهر والصفاء، كما أنه إذا حرَّم كلمة فلأن فيها مادة مخبثة للنفس أشد من مادة السم الموجود في العقرب والأفعى، وما قالها عبد تمرداً على الله، وفسقاً عن أمره إلا اسودت نفسه، وأصيبت بالظلمة والعفن والنتن، وهذه سنن الله.فلهذا لما يُذكِّر بني إسرائيل كأنه من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة، فهو لنا نحن كذلك، ونحن الذين انتفعنا به، فمن رفع تلك الأمة إلى عنان السماء وإلى مستوى لم تبلغه أمة؟ والله ما هو إلا هذه الهداية الإلهية.

    ميثاق العبودية ألا تكون إلا لله

    ما هذا الميثاق وماذا تضمن؟وإن كنا قد تدارسنا هذا الموضوع مرتين، لكن سنعيده ليستقر في أذهاننا، ولننظر هل أخذنا والتزمنا بهذه العهود والمواثيق أو ما زلنا لم نلتزم؟!أولاً: قال الله تعالى: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة:83] فأول ميثاق: (لا تعبدون إلا الله).معشر المستمعين والمستمعات! هل فينا أو بيننا من يرغب أن يعبد مع الله غيره؟ ما فينا.ولكن بيننا من لا يفهم، فإذا أراد مثلاً أن يقوم يقول: يا ألله ورجال البلاد، فلا يفهم أنه عبد غير الله. وتسقط المسبحة فيقول: يا ألله ويا رسول الله، فما عبد الله وحده.كيف نصنع إذاً؟الطريقة أن يأتوا إلى مجالس العلم في بيوت ربهم وطول عمرهم فلا يتخلفون ليلة واحدة؛ ليتعلموا الهدى، وليعرفوا ما تزكو به النفس وما تتدسى به، أما بدون العلم فإنك قد تجد من يقول: أنا لا أعبد إلا الله، وهو يعبد مع الله غيره.ما هي العبادة؟ وكيف يعبد الله؟ وكيف يعبد غير الله؟لا بد من العلم، ومن لم يتعلم لا يسلم من الوقوع في هذه السراديب والمهاوي، ولا عذر لأحد، فإياك أن تقول: أنا شيخ كبير، وهذا فقير، وأنا بدوي، لا، لا بد وأن تسأل أهل العلم حتى تعلم، فلا تحمل كتاباً، ولا قرطاساً، ولا تقرأ، ولا تكتب، فقط اسأل أهل العلم واعمل بما تعلم، ولا تزال تعلم وتعمل حتى تصبح من أولياء الله، وأنت لا تفرق بين الألف والباء، فليس من شرطه الكتابة والقراءة أبداً، ولا توقف عملك، ولا سانيتك، ولا حرثك، ولا مزرعتك، فكما تذهب وتقضي حاجتك عند الحاجة أو تسد جوعتك عند الجوع، تذهب إلى العالم حولك تقول له: علمني كيف أذكر الله. فإن أعرضت يا بني فالله في غنى عنك، وأنت الذي تصاب بالمحنة.

    فضل الإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين

    ثانياً: وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]، ثالثاً: وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [البقرة:83].كيف أنتم مع هؤلاء أيها المستمعون والمستمعات؟!هل أحسنتم إلى والديكم وما أسأتم إليهم؟!هل أحسنتم إلى قراباتكم من العمة إلى الخالة .. إلى العم والخال، وما أسأتم إليهم لا بسب ولا شتم ولا أذى؟واليتامى كيف حالكم معهم؟ هل تهينونهم .. تأكلون أموالهم .. تسخرون منهم أو تعطفون عليهم وترحمونهم وتبشون في وجوههم وتهشون، وتطعمونهم إذا جاعوا، وتكسونهم إذا عروا؟والمساكين اللاصقين بالأرض فلا دينار ولا درهم هم إخوانكم، فأحسنوا إليهم، ولو بالوجه الطلق، والعبارة الطيبة، أو دس في كفه ريالاً أو قرصاً من الخبز.فهذا المسكين هو أخوك، وهو عبد الله تحت الامتحان، قد ينجح في يوم من الأيام ويصبح ولياً للرحمن، وما أفقره الله إلا ليبتليه .. ليمتحنه هل يصبر فيتخرج ولياً من أولياء الله أو ينتكس والعياذ بالله؟

    الوصية بالقول الحسن للناس

    قال تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] أبيض الناس كأسودهم، عربيهم كأعجميهم، فالكل اسمه ناس: يهودي .. صليبي .. بوذي، ولا تقل لهم سوى القول الحسن، أما الشتم والتعيير، والقدح، والاستهزاء، والسخرية كما نفعل مع إخواننا المؤمنين فلا، فهذا الشتم، والسخرية، والاستهزاء، والتكبر لا يصح حتى على اليهود والنصارى .. حتى على المشركين عبدة الأصنام والفروج والأهواء، فطبعنا ونظام حياتنا وسبيلنا الإحسان، لم؟ لأننا رشداء .. علماء .. ربانيون، ومستوانا ليس بهابط كالكافرين والمشركين، الذين لا يفرقون بين الخير والشر، نحن علماء وأولياء، فتتجلى هذه الحقائق في سلوكنا: لا ظلم .. لا اعتداء .. لا بغي .. لا عدوان .. لا، لا، وكل مظاهر الباطل لا توجد فينا؛ لأننا أولياء الله. وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا أي: لا قبحاً.وقد عايشنا أمتنا وعرفناها، ومن يوم أن بعدت عن بيوت الرب وكتاب الله وهدي رسوله وهي تعيش على أسوأ الأحوال، والله إنك لتسمع السخرية، والاستهزاء، ومظاهر الكبر على إخوانهم وفيما بينهم، وليس مع اليهود والنصارى.وما سبب هذا؟ السبب أنهم ما عرفوا .. جهلوا.ولم جهلوا؟ لأنهم ما طلبوا العلم.ومن منعهم وصدهم؟ أهواؤهم وشهواتهم ودنياهم، إذاً: فهي عائدة عليهم، ولا عذر أبداً.

    أخذ الميثاق بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة

    قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:83]، يا بني إسرائيل! يا معشر المسلمين! أقيموا الصلاة، هل قال: وصلوا؟ قال: (وأقيموا الصلاة) لم يا رب؟! نصلي يكفي؟ لا، أنت لا تدري يا عبد الله أن هذه العملية مركبة تركيباً كيميائياً وضعه العليم الحكيم، وإذا لم تؤدها كما هي ظاهراً وباطناً بكل جزئياتها فإنها لا تولد النور، ولا تثمر لك الحسنات، ولا تزكي نفسك ولا تطهرها.والأدلة عندنا أنك ترى أحدهم يخرج من الصلاة وإذا به يكذب .. يخرج من الصلاة وإذا به يشرب الحرام ويأكل الحرام .. يخرج من المسجد! بل في المسجد يسب أخاه. وهذه الأمور واقعة في حياة كثير من الناس فأين آثار الصلاة؟! ولم ما زكت نفسه؟ الجواب: لأنه ما أداها على الوجه المطلوب الذي من شأنه أن تولد النور له في قلبه.وإليكم هداية الله توجه إلى رسوله ليأخذها أتباعه منا: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45]، أي: اقرأ ما أوحي إليك من الكتاب، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه الكتاب، وعلمه جبريل، وحفظه يؤمر بأن يقرأ، وأنتم: لا .. لا، مشغولون فلا نقرأ.(اتل) ماذا؟ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45] لم يا ألله؟ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].هنا عدة خطوات: الخطوة الأولى إلى سماء الكمالات .. إلى الرقي .. إلى دار السلام .. إلى الطهر والصفاء: تلاوة القرآن، لا على الموتى .. لا من أجل الحصول على المال الدنيوي، وإنما من أجل التدبر والتفكر، واستخراج درر المعاني وأنوار الآيات؛ لتحيا عليها، وتكمل في آدابك، وأخلاقك، وقلبك، وعباداتك.الثاني
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (66)
    الحلقة (73)




    تفسير سورة البقرة (36)


    عجب أمر هؤلاء اليهود، أنزل الله عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل والأنبياء، وجاءهم النور من كل اتجاه ومع هذا أعرضوا، اصطفاهم الله، وخصّهم بتشريعات فيها عزهم، وكرامتهم، وصيانة دمائهم وأعراضهم، ومع هذا خالفوا، لقد باعوا دينهم بدنيا قليلة، فكان جزاؤهم العذاب الأليم، والخزي والهوان والذلة في الدارين؛ الدنيا والآخرة.

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [البقرة:86-88].. إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    إيمان اليهود ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ [البقرة:86] من هؤلاء الذين أشير لهم بلام البعد، إذ هم في متاهات لا حد لها؟(اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) أي: استبدلوا الآخرة بالدنيا، وهم يؤمنون بالآخرة، ويعرفون ما فيها، وما يتم فيها للناس، ومع هذا استبدلوا الآخرة بالدنيا؛ لأن الدنيا عاجلة حاضرة بين أيديهم، وكل ما فيها يشاهدونه، فأعمتهم عن الآخرة أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ [البقرة:86]، فهل هناك في أذهاننا مما سبق حتى أشير إليهم بهذه الإشارة وهو عيب لهم؟سبق أن عرفنا أنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.فإن قيل: لم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟الجواب: لأن الآية إذا كانت تدعوهم إلى تحقيق رغائبهم الدنيوية قالوا: أهلاً وسهلاً ومرحباً، هذا كلام الله .. وحي الله .. تنزيل الله ومن ثم يعملون، وإذا كانت الآية تريد أن تبعدهم عن شهواتهم، وأطماعهم، وأهوائهم، وتحول بينهم وبين رغائبهم كفروا بها، ولم يعملوا بما فيها.ولهذا مثل سبق لنا، فقد أخذ عليهم في التوراة وعلى لسان موسى عليه السلام: أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من داره، وأُعطوا على هذا العهد والميثاق، وأَعطوهم أيضاً العهد والميثاق، وإذا بالأيام والقرون تمضي فيقعون في هذه الفتنة، فتجد اليهودي يقتل أخاه اليهودي، ويخرجه من داره ليسكنه.

    سبب هروب اليهود إلى بلاد العرب

    وسبب هذا أنهم كانوا شبه لاجئين في هذه الديار، فقد نزحوا من بلاد الشام لمِا كان ينالهم من الاضطهاد والتعذيب والتنكيل من أعدائهم المسيحيين الصليبيين؛ لأن الصليبيين كانوا يرون أن اليهود هم الذين قتلوا إلههم، والذي يقتل إلهك أو نبيك وأنت مؤمن به فإنك لا تفتح عينيك فيه، ولا تحب أن تراه أو تسمع كلامه.والنصارى يعتقدون إلى اليوم أن اليهود هم الذين قتلوا السيد المسيح بل صلبوه أولاً وقتلوه، والله عز وجل أبطل هذه الفرية فقال: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157].والقضية كما علمتم أنهم عزموا حقاً على قتل عيسى، فطوقوا منزله بالشرط والدرك ورجال الأمن، كما هو حال دولة يهود، فلما أبى عيسى أن يفتح الباب دخل رئيس الشرطة في عهدهم، فما إن دخل حتى رفع الله تعالى عيسى إليه من روزنة المنزل وإلى السماء والملكوت الأعلى، فانتظر رجال الشرطة خروج رئيسهم لينظروا ماذا فعل، فلما استبطئوه دخلوا، وما إن دخلوا حتى ألقى الله تعالى عليهم الشبه في رئيس الشرطة، فما إن رأوه حتى قالوا: هذا عيسى، والتفوا حوله وكبلوه بالحديد أو بالحبال وأخرجوه، وصدر الحكم بصلبه وقتله، وبالفعل صلبوه على الأخشاب وقتلوه.فانظر! فمن السخف، والجهل، والعمى، والضلال كيف أن الإله يُقتل؟ وما فائدة إله يقتله أعداؤه؟ كيف يرحمه؟ كيف يدخله الجنة؟ كيف ينصره؟ كيف .. كيف، وهم قد قتلوه وصلبوه. أرأيتم، ويا ليت قساً من القسس بيننا يسمع هذا الكلام فيتململ ويتغايظ، فهذا واقعه.وإن قال لنا: كيف تقولون مثل هذا الكلام؟ قلنا له: ها أنت تعلق صورة الصليب في عنقك تتبركون بها، وتذكركم بعداوة اليهود؛ فهم الذين صلبوا عيسى وقتلوه.وقد أرانا الله تعالى آية أيام كنا في باب المجيدي، فقد سمعنا في الإذاعات أن بولس الثامن رئيس الكنيسة العالمية أصدر بياناً قال فيه: إن اليهود برآء من دم السيد المسيح، فاهتز العالم كيف مضت ألفا سنة إلا عشرين عاماً والنصارى يعتقدون أن اليهود قتلوا إلههم، والآن يصدر هذا البيان، فهل هذا الرجل مسحور بالمال .. بالسحر، وكيف أن رئيس الكنيسة في العالم يقول ويصرح بمثل هذا التصريح؟!فهللنا وكبرنا وقلنا: الحمد لله، هذا هو معتقدنا، وبهذا نزل كتاب الله إلينا، إذ الله يقول: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]، وأغمضوا أعينهم، ودسوا رءوسهم في الرمال كالنعام، وما زالوا يعتقدون أن اليهود هم الذين قتلوا السيد المسيح.إذاً: هؤلاء اليهود نزلوا هذه الديار لعلتين واضحتين بيناهما كثيراً:الأولى: اضطهاد الرومان لهم؛ لأنهم قتلة إلههم.والثانية: انتظار النبوة التي بشرت بها الكتب الإلهية: التوراة والإنجيل، وهي أن نبياً قد أظل زمانه، وأنه يخرج من جبال فاران، أي: جبال مكة، وأن مهاجره قرية ذات سَبِخة ونخيل تسمى يثرب، فقالوا: ننزح إلى هذه الديار انتظاراً للنبي الجديد فنؤمن به، ونلتف حوله، ونسترد أمجادنا، ونعيد مملكتنا.عرفتم إذاً علتي دخولهم المدينة، أو عندكم شك فلا تستطيعون أن تتحدثوا بهذا أو أن هذه خرافة؟ كلا والله لن تسمعوا هنا سوى ما هو حق، فلا خرافة، ولا ضلالة، ولا باطل.والآيات أمامنا، غداً -إن شاء الله- تقرر هذه الحقيقة.والشاهد عندنا: أنهم تواجدوا في المدينة وفي تيماء وفدك نازحين، ولما كانوا في المدينة كانوا ثلاث قبائل: بنو النضير، وبنو قينقاع، وبنو قريظة، وكانت الحرب تدور بين الأوس والخزرج حتى تدوم عشرات السنين، وهاتان القبيلتان من قح العرب، نزحوا من اليمن بسبب خراب سد مأرب، فشاع الفقر والضعف فنزحوا إلى الشام والشمال، فحالف بنو النضير وبنو قينقاع الأوس، وحالف بنو قريظة الخزرج، أو العكس، وكانت إذا اشتعلت نار الحرب كان الأحلاف يقاتلون مع أحلافهم، فهذه فطرة الناس؛ لأنهم أيضاً يقاتلون معهم، فلما يبدأ القتال كان اليهودي يقتل أخاه اليهودي الآخر، وإذا هاجموهم في القرية وأخرجوهم من ديارهم كان اليهودي يخرج أخاه اليهودي من داره، ثم لما تنتهي الحرب يفادون إخوانهم بالدينار والدرهم، يقولون: لا يحل لنا أن نترك إخواننا أسرى في أيدي العدو فلا بد من الفداء، فيفادونهم حتى بلباس نسائهم إيماناً بالله وطاعة لهم، فقد فرض الله علينا هذا، فانظر كيف يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فمن جهة يقتلون إخوانهم ويخرجونهم من ديارهم، ومن جهة أخرى لا بد من مفاداة الأسرى.وقد رأينا هذا في أيامنا هذه بأعيننا، فإذا اختطف الفلسطينيون يهودياً فإنهم يفدونه بعشرين .. بمائة .. بستمائة عربي، ولا يسمحون أن يتركوا أسيراً بل يفادونه بالملايين إذا طولبوا بالمال، ويفادونه بالأسرى الذين عندهم ولو بالمئات، كل هذا إيماناً بالله وبشرع الله، فالله قد فرض على بني إسرائيل أن يفادوا إخوانهم، فلا يسمحون أن يبقوا في يد العدو العام والعامين والسنين، ولو يبيعون حلي نسائهم كله، فهذا عجب، والقرآن يخبر بهذا.وهل يختلف ما حدث عما هو واقع؟والله ولا قيد شبر أو قيد شعرة؛ لأنه كلام الله .. وحي الله، فلنقرأ لهذا قول الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة:84-85].

    تحذير المسلمين من مشابهة اليهود في أخلاقهم وطبائعهم

    قلنا: القرآن كتاب هداية .. كتاب إنجاء من الغرق، وإخراج من المحن والفتن .. كتاب إسعاد وإكمال، فهل المسلمون اليوم ما سلكوا مسلك اليهود؟ الجواب: سلكوه وأعظم، فأسرانا لا نفاديهم، ولا نستطيع أن نعطيهم فلوساً أبداً، واليهود يفادون أسراهم، فهم أشرف؛ لأنهم يفادون أسراهم بالملايين، ونحن نقول: دعه في الأسفل، كيف نجمع المال، وكيف نفادي ونعطي الأموال للعدو من أجل أن يطلق فلاناً أو فلاناً، خليهم، فهذا هو الواقع.ثانياً: هل طبقنا شريعة الله كاملة؟!نعم، الصلاة لا بأس يصلون، لكن الزكاة لا يزكون، كذلك الصيام لا بأس يصومون، ولكن كشف العورات والسوآت، وتبرج النساء واختلاطهن بالرجال، وانتشار الزنا لا بأس، يقولون: هذا فيه مضايقة على الشعب، فدعوهم.وتتبعوا غير ذلك، فإنكم ستجدون أن أكثر المسلمين هذا صنيعهم، كأنهم يؤمنون ببعض الآيات ويكفرون بالبعض الآخر، فهل يلامون أو لا يلامون؟ أو هم أشراف وسادة الدنيا لا يلامون؟ اليهود وهم أبناء الأنبياء، وهم بنو إسرائيل عليه ألف سلام ومع هذا وبخهم الله وقبح سلوكهم .. عيّرهم .. انتقدهم .. توعدهم .. لعنهم، ونحن لا، يكفي أنه مسلم.وهل أصاب المسلمين ذل وخزي في الدنيا أو لا؟آه، نعم أصابهم، وهذه آية من آيات الله، ومن عجب أن سلّط عليهم حفنة من اليهود لا يساوون واحداً ونصف في المائة من المسلمين، فخمسة ملايين أذل الله بهم ألف مليون، ومن ينظر بعيني العلم والبصيرة يشاهد ما أقول، أليس المسلمون ألف مليون من إندونيسيا إلى موريتانيا، واليهود خمسة ملايين؟!وليس اليهود هم الذين أذلونا، لا والله، ما هم ومَن هم! ولكن الله قواهم وسلطهم علينا، وخذَّلنا وأنزلنا في الحضيض؛ لتتجلى هذه الآية في الكون؛ لأننا نؤمن ببعض ونكفر ببعض.وقد وجد من يقول: ما يلائم الطبع، والفطرة، والحضارة، والمدنية، والسير وراء أوروبا هذا هو الدين، وما عاكس ذلك وخالف فلا نريده، ولا نريد أن نعود إلى التخلف والوراء والرجعية و.. و، فالزمان تقدم، والعلم تطور.وأنتم تسمعون هذه اللغة، ووالله العظيم إن هذه حال المسلمين، والمؤمنون الصادقون يتململون، ويبكون ويرفعون أكفهم إلى الله أن يجيرهم من خزيه وعذابه، ولكن إذا حلت النقمة تحل بالجميع، والمؤمنون يثابون على ابتلائهم ومحنتهم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، لكن الأخذ بالعموم لا بد منه.الآن عرفتم هداية القرآن أو لا؟لا تفهموا فقط إلا قول من يقول: هذا من شأن اليهود، وهذه حال اليهود، فهم الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فجازاهم الله بالذل، والعار، والخزي، وعذاب الآخرة، أما نحن فلا، فهذا القرآن نزل في اليهود، نعم هذا صحيح، لكنه نزل علينا لا عليهم .. وهذا الكتاب نزل على نبينا، وهو كتاب الله إلينا، فيه هدى وموعظة للمتقين.والله لقد عاشت أمتنا أربعة .. خمسة .. ستة قرون، والمفسرون -فقط- يقولون: هذا نزل في اليهود .. هذا نزل في أهل الكتاب، ونحن ما نزل فينا؟ نعم، نحن نزل علينا؛ من أجل إكمالنا وإسعادنا .. من أجل هدايتنا .. من أجل ترقيتنا واصطفائنا؛ لأنه فقط يلوم اليهود، ويعتب عليهم، فهذا كتاب البشرية جمعاء، والإنسانية كلها، والحمد لله زال ذلك الظلام والجهل، وأصبحنا نفسر كلام الله على مراد الله، فهذه نعمة والحمد لله.

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ...)

    قال تعالى في الطابع الأخير: أُوْلَئِكَ [البقرة:86] أي: البعداء الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ [البقرة:86] في الدنيا والآخرة، وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:86] لا في الدنيا، ولا في الآخرة.وقد يقول قائل: هذه الآية في الآخرة؟ نقول: نعم في الآخرة، وفي الدنيا كذلك، وهذا الأسلوب الحكيم.قال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ أي: أعطوا الآخرة بما فيها من نعيم مقيم وأخذوا الدنيا.وهل لهذا من أمثلة عندنا؟فكم من إنسان يتخبط في الربا .. في الزنا .. في القمار .. في الجرائم، قد نسي الآخرة، ويتلذذ في الدنيا فقط، فيلبس الحرير، ويتختم بالذهب، أما يقال فيه: اشترى الحياة الدنيا بالآخرة وإلا ما معنى: استبدال الدنيا بالآخرة؟!تجده يقول: دعنا يا فلان؛ فالدنيا ماضية، دعنا نتنعم، هي أيام فقط وتنتهي، فكل واشرب وغنِّ وفرفش، فيبيت هو وزوجته وأولاده على الخمر، فهؤلاء من الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة.قال: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ [البقرة:86] أي: يوم القيامة وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:86] أي: يوم القيامة، والدنيا أيضاً.وإن قلت: هاهم انتصروا. نقول: هل انتصر اليهود على إيطاليا .. على اليونان .. على سويسرا .. على من انتصروا؟ على المسلمين.لكن السؤال: كيف انتصروا على المسلمين؟الجواب : لأن الله أراد أن يري عباده آية من آياته، فلو انتصر اليهود على إيطاليا فهذا معقول، أما أن ينتصروا على ألف مليون مسلم فهذا لا يعقل؟ وليس هم الذين انتصروا بل الله تعالى هو الذي نصرهم؛ ليرينا آياته فينا علَّنا نفيق ونرجع، ولكن ما زلنا سكرى، فلا إفاقة.وكم قد دعونا إلى اجتماع يعقده رؤساء وحكماء العالم الإسلامي في الروضة، فيتعاهدون ويبايعون خليفة لهم ويطبقون شرع الله.قد يقولون: كيف لنا أن نعرف هذا؟قلنا لهم: هذه الدولة بناها الله، وجاء بـعبد العزيز فطبق شريعة الله وسادها الأمن، وسادها الطهر، والصفاء، والكتاب موجود، والسنة قائمة، فخذوا وتفضلوا.وقد قلت غير مرة: وجدت هذه الدولة في عالم مظلم؛ لتكون حجة الله على المسلمين، فلا يستطيع أن يقول قائل: كيف نعمل؟ كيف نطبق هذه الشريعة؟ لقد مضى عليها الدهر والأحاديث موضوعة وكذا وكذا، فدعونا من هذا، وخذوا القانون الذي يتلاءم مع المجتمع من فرنسا أو إيطاليا، كيف نعرف نحن؟!ولقد أراهم الله هذه الدولة؛ فأهل البادية والإبل والغنم يعيشون في أمن وطهر وصفاء لم تر الدنيا مثله إلا أيام القرون الذهبية، فلا هيدروجين، ولا ذرة، ولا ملايين الجيوش .. ولا ولا، وبدأت هذه الدولة بحفنة الشعير ورأس الماعز فلا بترول، ولا ذهب، ولا فضة، وكانت البلاد فوضى، فالنار مشتعلة: الجرائم .. القتل .. الشرك .. الباطل.. العجب، وفي سنيات معدودة أصبح الرجل يمشي من أقصى الجزيرة إلى أقصاها لا يخاف إلا الله.وفي عشر سنوات .. عشرين سنة قد يقام حد الزنا مرة واحدة، وهذا نادر جداً، فكيف تحقق هذا؟ هل بالسحر أو بالقوة والمدافع؟! الجواب: والله ما تحقق هذا إلا بفضل الله وبتطبيق شرع الله، قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41]، ماذا فعلوا؟ أقاموا الحفلات والزغاريد، وشربوا الخمر، والرقص في حفلات عيد استقلال!!أما تعرفون أعياد الاستقلال أو لا؟ كم يشرب فيها من براميل خمر؟ كم وكم، وكم تترك فيها الصلاة وكم .. هذا هو عيد الاستقلال.أما قرءوا هذه الآية؟!الآن أكثر من خمسة وأربعين عاماً، وجواسيسهم وعيونهم ومسئولوهم يسمعون هذا ويعرفون، ونحن نصرخ: استقل هذا الإقليم من الاستعمار البريطاني، فيجب عليه أن يقيم دولة قرآنية أهلها مسلمون.

    دعائم الدولة الإسلامية

    فإن قال قائل: كيف نقيم الدولة؟نقول له: تعال نطبق آية واحدة من كتاب الله، فالله يقول: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، فإذا استقل الإقليم يقول حاكمهم: اسمعوا أيها المواطنون! خلقنا لنعبد الله، وهذا سر حياتنا، ومن اليوم لو يُشاهد أحد يترك الصلاة يعاقب بالموت، فلا فرق بين عسكري ومدني، وغني وفقير، لا بد وأن نشهد الصلاة في بيوت الله، ولا يتخلف عنها إلا مريض أو ذو عذر، وتقام الصلاة، ولو أقيمت الصلاة أربعين يوماً فقط في أقطارنا التي استقلت لتجلت الأنوار والطهارة والأمور التي هي عجب، لكنهم أماتوها، فما أقيمت الصلاة.أقول: لعلي واهم!من يقوم ويقول: نعم قد أقمنا الصلاة في ديارنا بمجرد أن استولينا على الحكم وأصبحنا حاكمين؟أقول: لا يوجد أحد.آه، يا هؤلاء! يا أهل لا إله إلا الله! إن الله تعالى يقول: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ [الحج:41] أي: حكمناهم، فأصبحوا متمكنين من حكم البلاد، وماذا فعلوا؟ أَقَامُوا الصَّلاةَ [الحج:41]، فلا يتخلف عنها عاقل بلغ سن الرشد؛ رجلاً أو امرأة، كيفما كان.أما كررنا هذه الكلمة في القرى الضائعة!كان إمام المسجد هنا يقرأ كل صباح قائمة بأسماء أهل الحي أو القرية، ويسجل من حضر ومن لم يحضر.لكن تعال معنا وادخل إلى الثكنة العسكرية وشاهد هل تقام الصلاة فيها أو لا إلى الآن؟لو دخلت إلى الثكنات العسكرية في العالم الإسلامي لوجدت خمسمائة يصلون وخمسين ألفاً لا يصلون، ولا تجد جنرالاً أو قائداً يقول: لم ما صلى فلان، أبداً.أما الزكاة في هذه البلاد فقد جبيت، ولو يحدثكم الشيوخ الكبار لقالوا: لقد كانت الزكاة تؤخذ من التمر والشعير ورءوس الغنم، وليس هناك من أموال عند هذا الشعب، فهو مقطوع عن الدنيا تماماً، ومع هذا جبيت الزكاة إيماناً بالله، وطاعة لله ورسوله، وبارك الله في ذلك الصاع، وذلك الغنم.أما دولنا الأخرى فلا زكاة جبيت، ولكن فرضت الضرائب، فأثقلوا كواهل المواطنين بالضريبة، وأما الزكاة فلم ينظروا إليها، لأنها تذكر بالله، فهي تُفهِم أن هناك ديناً وشرعاً ألا وهو الإسلام يجب أن يطبق ويعمل به من أجل إكمال الشعب وإسعاده.وأما الأمر بالمعروف فهل هناك أفراد تسند إليهم هذه المهمة فيقال: يا فلان! أنت في قريتك إذا شاهدت من يتخلف عن الصلاة .. من يغني .. من يعبث .. من يقول كذا فاستدعه إلى المكتب ويؤدب. لكن لا شيء من ذلك، بل من شاء أن يفسق علناً فليفجر كما يحب، دعه فهو مواطن، فالدولة ما منعت هذا.معشر المستمعين! هل نبكي أم نفرح ونضحك؟!أما أصابع الحاقدين والحاسدين فهي في هذه البلاد تعمل ليل نهار أن ينتهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووالله لولا أن الحكام أولاد عبد العزيز -وفيهم هذه البقية من الخير- لانتهى هذا الأمر من عشرين سنة، فهؤلاء الحاقدون يحرضون على ترك الصلاة ويقولون: لم هذا النداء؟! ولم تغلق أبواب المتاجر؟ ولم .. ولم؟ فهم يعملون الليل والنهار.ولهذا نسأل الله أن يبقي هذه البقية، فأولاد عبد العزيز هم بركة الآباء في الأبناء، ولو يكون ما يريده الحاقدون لرأيتم ماذا سيفعل الماسونيون؛ لخرجوا في الشوارع يغنون، ولخرجن النساء كاشفات؛ عاريات.إذاً: نبكي أو نسكت؟! وماذا نعمل مع قول ربنا: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] فهذا توبيخ وتقريع. فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:85-86].

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ...)

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:87] مَن المخبر؟ إنه الله.يقول تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ هو موسى بن عمران .. موسى الكليم .. موسى رسول الله عليه السلام، آتيناه الكتاب الفخم .. الكتاب الجليل .. الكتاب العظيم، لأن (أل) هنا تدل على هذا المعنى، ألا وهو التوراة، والتوراة مشتقة من النور، مِن: ورى الزند إذا أوقد النار وأشعلها، فهو كتاب نوراني أنزله الله للهداية، ولتبديد الظلام، فهو النور.قال: وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ [البقرة:87] أي: واحداً بعد واحد، فما يذهب رسول إلا ويأتي من بعده رسول ثانٍ، ويأتي بعد الثاني رسول ثالث وهكذا، هم سلسلة من الأنبياء والرسل من أجل ماذا؟ حتى يغني الشعب، ويرقص، ويأكل البقلاوة والبطاطس، ألهذا بعث الرسل؟ لا، إنما من أجل تطهير النفوس .. تزكية الأرواح .. إعداد الأمة إلى السمو والكمال حتى لا ترى منظر سوء، ولا تشاهد حادثة مؤلمة، فلا خيانة، ولا تلصص، ولا إجرام، ولا كذب، ولا كفر، ولا شرك، ولا باطل، كأنهم يعيشون في السماء بطهرهم وصفائهم، فيكملون ويسعدون. وهذه هي مهمة الرسل.

    سبب تتابع الرسل

    ولم قفّى بالرسل واحداً بعد واحد؟الجواب: لهداية الخلق .. لإصلاح الأمة .. لتطهيرها .. لإعدادها للسماء، والنزول في الملكوت الأعلى بعد نهاية هذه الحياة. فهذه منة الله، وهو المخبر بهذا الخبر، يقول: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ [البقرة:87]، وعدد الرسل -كما علمتم- ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، أولهم نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، أما الأنبياء فبلغ عددهم مائة ألف وأربع وعشرون ألف نبي، فالرسول يُتابع ويُطاع، وأما النبي فيُؤمن به، وتُقبل هدايته وإرشاده، ولكنه لا يقنن، ولا يشرع، ولا ينزل عليه تشريع، بل هو يتبع الرسول الذي أرسل قبله.

    سبب نسبة عيسى عليه السلام إلى أمه مريم

    قال: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [البقرة:87] عيسى هذا هو عيسى ابن مريم. ومريم هي العذراء بنت حنة امرأة عمران .فإن قيل: لم قال: عيسى ابن مريم ولم يقل: عيسى بن سعيد أو عثمان؟ والعامة منا يقولون: الله ينادي الإنسان يوم القيامة بأمه، ولا يناديه بأبيه، ويقولون: إن منكراً ونكيراً لما يجلسان العبد يسألانه عن أمه لا عن أبيه: أنت فلان بن فلانة، أو يا فلان بن فلانة، وقال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُم ْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا * يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:70-71] يعني: بشيخهم فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء:71] ويقولون أيضاً: يدعو الله الناس بأمهاتهم لا بآبائهم ستراً على عيسى حتى لا يفضح في عرصات القيامة أنه ما له أب. وغير ذلك من الكلام الذي ملئوا به الكتب.الجواب: الشاهد عندنا في عيسى ابن مريم أن عيسى لم يكن له أب، فمريم لم يتزوجها فحل، ولم تنجب كما تنجب النساء بواسطة المني، وإنما عيسى كان بكلمة الله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]. فجبريل روح القدس نزل ونفخ في كم مريم، أي: كم الدرع، فسرت النفخة حتى انتهت إلى رحمها، وقال الله: كن يا عيسى فكان، وفي ساعة واحدة جاءها المخاض يهزها، والطلق يدفعها إلى النخلة لتلد عندها، فلا عام ولا تسعة أشهر أبداً، بل كان بكلمة التكوين، وعيسى ابن مريم هو آخر أنبياء بني إسرائيل، وآخر رسلهم.قال: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ [البقرة:87] أي: الدلائل .. البراهين .. الحجج .. المعجزات، فكل ما يبين الطريق إلى الله أعطاه الله لعيسى، فمن أراد أن يدخل دار السلام فليمش وراء عيسى، فقد أعطاه الله البينات .. المعجزات .. الحجج .. البراهين، ومنها: أنه يحيي الموتى بإذن الله.ومن الروايات في ذلك: أن ولداً مات وحمل على النعش، فكانت الأم تصرخ، والناس في طريقهم إلى المقبرة فقالت: يا روح الله! ادع الله لي أن يرد عليَّ ولدي. فدعا الله وقال: يا فلان! تعال لأمك. فقام في النعش، وأزال الغطاء، وهبط ومشى مع والدته. فقال اليهود: هذه مؤامرة. فقد تآمرت هذه العجوز مع عيسى وقالت له: تعال في الطريق، وأنا أصرخ بك، وأنت قل له: اهبط واحيا فهو يحيا.

    الكفار يقلبون الحقائق

    أتعرفون قلب الحقائق؟!والعرب قد بلغوا المنتهى في طريق المكر والحيل، لكن الله أخبر بنفسه: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي ... [المائدة:110]. أما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد نادى من نادى في المقبرة وأجابه حياً.والشاهد عندنا في قوله: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ [البقرة:87] أن اليهود قالوا: بسحر ابن مريم، وأنه ابن زنا .. وليس له أب و.. ، مع أنهم يشاهدون الآيات. فلا تتألم يا رسولنا من كفر اليهود، وهذه هي حالهم مع نبي من آبائهم .. نبي من أهلهم .. نبي بعث فيهم، فرسول الله عيسى قالوا فيه: ساحر .. دجال .. ابن زنا، وقالوا وقالوا، فكيف يؤمنون بك يا محمد؟ وهذا كله يسلي به الله، ويسري به عن نبيه من آلامه وحزنه، وقد كان عمر وغيره من أصحاب رسول الله يعجبون: كيف أن اليهود لا يؤمنون بمحمد والإسلام؛ فهم أهل كتاب يقرءون التوراة، ويعرفون كل شيء، ويؤمنون بالله ولقائه؟! والله كانوا يعجبون. أما قرأنا: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75] أي: فكيف تحزن أيها المؤمن من عدم إيمان هذه الأمة التي هذه صفاتها؟!وفي قوله: وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ سؤال: هل بعث رسول من الله واستجاب له اليهود مع التقفية بالرسل؟الجواب: أما على عهد داود وسليمان فقد استجابوا لكن بالهراوة والحديد والنار، فالجن أخضعهم الله لداود ولسليمان. أما اليهود فكانوا يقولون: آمنا. ولكنهم في البيوت يضحكون ويسخرون، وقد قالوا في سليمان: إنه ساحر.فإن قيل لهم: إن سليمان قد أعطاه الله ما لم يعط غيره، فقد سخر الله له الجن يستخدمهم في الصناعة، وفي غوص البحر واستخراج اللآلئ .. وفي كذا وكذا، فما زالوا يقولون: ساحر، وليس برسول. وإلى الآن يقولون: سليمان ساحر، هو منا نعم، ولكنه كان يستعمل السحر، ولهذا هم الآن ينشرون السحر، ووالله لقد وصلوا إلى المدينة، وبلغنا أن بعض السحرة تحاول الهيئة أن تلقي القبض عليهم لكنهم كالشياطين يتلونون، وكل سحر في العالم لا بد أن تجد فيه أصابع اليهود، فهم الذين صنعوه، وقد برزوا في هذا الباب، حتى سحروا النبي صلى الله عليه وسلم، ووجد السحر عند بئر ذروان حتى أصبح الرسول يتكلم بالكلمة ولا يفهم ما يقول، فظل يوماً .. يومين في حيرة، قد سحره لبيد ببناته الشيطانيات.إذاً: اليهود كلما جاءهم رسول كفروا به، وهكذا هم، فقط لا يريدون إلا الدينار، والدرهم، والشهوة، وهذا هو مبدؤهم وما هم عليه، فهم الذين نشروا أنواع الشر والباطل في العالم.أتعرفون أوروبا أو لا؟ لقد شاهدت بعيني امرأة الحاكم الفرنسي لما يأتي إلى القرية والله كان على وجهها هذا الخمار الخفيف الذي عندنا، وتستحي. ومن ثم انسلخت الأوروبيات، وخرجن عاهرات كاشفات! والله إن اليهود هم وراء كل خراب في العالم؛ لأنهم يريدون أن يصلوا إلى هدف عال، وهو أن يحكموا العالم، والطريق أن يفسدوا الأديان، والأخلاق، والآداب، والكمالات الروحية؛ لتصبح البشرية لا همَّ لها إلا الفروج والرقص والطعام، ومن ثَمَّ يسوقونهم لأن المال بأيديهم.وقد نجحوا في ذلك، وما زالوا حتى تظهر أنوار الإسلام ويطأطئ العالم رأسه.

    تأييد الله لعيسى بجبريل

    ثم قال: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:87] روح القدس هو جبريل فهو إلى جنبه يسترشده .. يبين له .. يعين له ما يقول .. يشفع له عند الله، فلا يفارقه تأييداً؛ لأنه وحده، فاليهود كلهم أعداؤه، فعيسى كان يعيش مع والدته، ومجموعة من الحواريين على رءوس الأصابع، وبعد ذلك اضطروا إلى الجبال وهربوا، فأيد الله عيسى بسيد الملائكة .. بجبريل عليه السلام .. بروح القدس.كان حسان بن ثابت شاعر الدعوة .. شاعر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان المشركون واليهود يهجون النبي صلى الله عليه وسلم، فمن يدافع عن رسول الله؟! كان حسان بن ثابت يهاجم الشعراء المجرمين والرسول يقول: ( اهجهم، ومعك روح القدس ). فنبينا أيده الله بـحسان ، وحسان أيده الله بجبريل؛ روح القدس.

    موقف اليهود من الرسل

    وكل هذه الآيات يذكرها الله تعالى من باب كشف عورات اليهود، وإزاحة الستار عن أمراضهم وأسقامهم ومحنهم لعلهم يرجعون، وهذا هو السر، فهو لا يريد التعيير والانتقام منهم، ولو أراد أن ينتقم لمسخهم قردة وخنازير كما فعل بأسلافهم على ساحل البحر، ولكن رجاء أن يهتدوا لتقوم الحجة عليهم بهذه البينات.ثم قال لهم: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ [البقرة:87] أي: كلما جاءهم رسول بما لا تحبه أنفسهم كأن يأمرهم بالتقوى، والصبر، والصلاة فالكبر سبيلهم، فإذا جاءهم بما لا تهوى أنفسهم أي: بالأمر بالصلاة، والطهر، والصفاء، والعدل، والرحمة، ففريقاً كذبوه وفريقاً يذبحونه.ولم ما قال: ففريقاً كذبتم وفريقاً قتلتم، إنما قال: تَقْتُلُونَ [البقرة:87]؟الجواب: لأنهم ما زالوا مستعدين للقتل، فلو يبعث الله ألف رسول فإنهم يحاولون قتله، والبرهنة على هذا أنهم حاولوا قتل نبينا صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، فمرة سقوه السم بالفعل، ومرة سحروه، ومرة تآمروا على قتله بأن يطلقوا عليه صخرة رحى من السطح على رأسه وهو جالس تحت الأرض، وهذا يعتبر في مقام القتل، فلهذا نحن لا ننكر أن اليهود أرادوا قتلوا نبينا، ولكن الله ما مكنهم.أما السحر فقد أخبر الرسول عنه وقال: ( هذه أكلة فلانة في خيبر، تكاد تعمل في أبهري كذا ) الحديث.والشاهد عندنا، انظر ماذا يقول تعالى عنهم: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ [البقرة:87] والآن العرب والمسلمون إذا جاء الحاكم بغير ما يهوون تجدهم يقومون عليه بانقلاب في الليل ويقولون: كيف يأمر بالصلاة والزكاة والمعروف؟ وقد فعلوا وإن كنا لا نسمي، فقد ظهر حاكم في يوم من الأيام ودعا إلى الإسلام والصلاة .. وما شعرنا إلا وقد قلبوا عصاه، وجعلوه بهلولاً في الشوارع، لا يعرف الحق من الباطل؛ لأنهم ألفوا الرقص، والعبث، والحرام، واللهو، فهم لا يريدون إسلاماً أبداً، وهذا طبع من يألف الشر والمنكر فيصبح وصفاً لازماً له، فلا يرضى بما يقوله العلماء، فإذا جاء العالم إلى بلدهم يأمرهم بالتوحيد يقولون: هذا وهابي، ويعلنون الحرب عليه في أي بلد إسلامي.وفي بداية الدعوة الإصلاحية كان الذي يدعو إلى التوحيد يقولون عنه: هذا وهابي ويلعنونه. لكن لما انتشرت الدعوة بوسائط جعلها الله من: ظهور الإذاعة، وانتشار الكتاب، واستقلال العرب والمسلمين، وتطور الاتصالات زالت تلك الأوهام والخرافات.وعندن
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (67)
    الحلقة (74)




    تفسير سورة البقرة (37)

    ما أتعس الإنسان الذي يرى النور والهدى فيغطي عينيه وقلبه، وما أضلّه حين يبحث عن الأعذار الواهية، هكذا كان اليهود، يعتذرون بصمم قلوبهم، فكانت عاقبتهم اللعنة، لم لا، وهم يجدون القرآن مصدقاً لما عندهم من الحق. لم لا، وهم يعرفون رسول الله أكثر من أبنائهم. لم لا، وهم كانوا يستفتحون قتالهم بذكره ونبوته، وبدل أن يسارعوا إلى الإيمان بعد هذا كله إذا بهم يكفرون ويجحدون ويعرضون.

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ * وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ مُهِينٌ [البقرة:88-90] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال الحديث عن بني إسرائيل الذين كانوا يسكنون هذه المدينة الطيبة المباركة، والقرآن كتاب هداية وإصلاح، فلهذا إذا ذم الله عز وجل خُلق إنسان فهو مذموم في كل إنسان، وإذا أثنى الله على خُلق إنسان فهو أيضاً محمود في كل إنسان، فالقرآن كتاب هداية وإصلاح للبشرية عامة؛ لأن المنزل عليه والمبعوث به أرسله الله إلى الناس عامة كافة، وحسبنا أن نقرأ قول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28]، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] فلا يفهمن فاهم، ولا يقولن قائل: هذا نزل في بني فلان، أو نزل في فلان ونحن لا علاقة لنا بذلك، فهذه النظرية باطلة، وقد اعتنقها وقال بها من سبقنا من علمائنا ممن هبطوا وأصبحوا يقرءون القرآن كأنما يقرءون على الموتى، ولا علاقة للأحياء به، وهذا خطأ كبير، وله ظروفه وعوامله وأسبابه، والحمد لله أن فتح الله علينا، وعرفنا أن هذا الكتاب كتاب هداية وإصلاح لكل البشرية.

    معنى قوله تعالى: (قلوبنا غلف )

    قال تعالى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ [البقرة:88] وقرأ ابن عباس : (غُلُفْ). والمعنى إما أنهم قالوا: قلوبنا مملوءة بالعلم والمعرفة، قلوبنا أوعية مملوءة تفيض بالمعارف، فلسنا في حاجة إلى ما يقوله هذا الرسول. ومعنى هذا: أنهم يريدون التخلص .. التنحي .. البعد من القرآن الكريم؛ ليبقوا على كفرهم والعياذ بالله تعالى.وقطعاً أن الذين يقولون هذا هم علماؤهم .. أحبارهم .. رجال الدين عندهم والعلم، أما العوام فهم يساقون كالبهائم، لا يستطيعون أن يستقلوا برأي ولا بفهم. وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ [البقرة:88] وقد فسر هذا بمعنيين: إما أنها في أغطية وأغشية لا تستطيع أن تسمع ما تقول ولا تفهم، فلا تتعب نفسك يا محمد.أو أنهم يقولون: قلوبنا ملأى بالعلوم والمعارف قد ورثناها عن آبائنا وأسلافنا، وهذا كتاب الله بين أيدينا فلسنا في حاجة إلى أن نسمع لك أو نأخذ عنك. وعلى كلا الحالين هم لا يريدون الإسلام بل يريدون البقاء على اليهودية والبدعة التي ابتدعوها، والله ما جعل يهودية ولا نصرانية، فقد قالوا هذه القولة فرد الله تعالى عليهم بقوله: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67] فكلمة يهودية .. نصرانية بدعة ابتدعها اليهود والنصارى، أما الله فما شرع يهودية ولا نصرانية قط.فهم يتهربون بقولهم: إن قلوبنا عليها أغطية وأغشية لا تستطيع أن تصل إليها يا محمد بكلامك، وقد يقول هذا عالم، ويقول الآخر: لسنا في حاجة إلى ما تقول، فقلوبنا ملأى بالعلوم والمعارف ورثناها عن الأنبياء من بني إسرائيل، ومعنى هذا: اصرف عنا وجهك، ولا توجه إلينا هذا الكلام. وكل هذا من أجل الحفاظ على ملتهم الهابطة الباطلة، ولتبقى اليهودية اللعينة، ويبقى لهم ما ادعوه من أنهم شعب الله المختار.وقد علم المستمعون والمستمعات القضية التي ما زلت أعيدها تذكيراً للناسين وتعليماً لغير العالمين: وهي أنهم مصممون على عودة مملكة بني إسرائيل، وهذه هي الحقيقة، فقالوا: إن نحن دخلنا في الإسلام ذبنا فيه، وما بقي لنا وجود، وهو كذلك؛ فالإسلام من دخل فيه انتهت عنصريته ووطنه وكل ذلك، فهو مسلم أبيض .. أسود .. طويل .. قصير .. عربي .. عجمي .. شريف .. وضيعمسلم: أي: أسلمت قلبي ووجهي لله، فإذا أمرني أن أصوم صمت، وإذا أمرني أن أفطر أفطرت، وإذا أمرني أن أسكت سكت الدهر كله، وإذا أمرني أن أتكلم تكلمت لأني عبده، فقد أسلمت له قلبي ووجهي: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92] فللهروب من هذه الحقيقة أخذوا يصطنعون الدعاوى والأباطيل، وهم في حقيقة أمرهم يريدون أن يعيدوا مملكة بني إسرائيل، إذ لو قبلوا الإسلام ودخلوا فيه ما بقيت مملكة ولا ملك لبني إسرائيل.فإن قيل: هل هناك من برهنة أو تدليل على هذه الحقيقة؟الجواب: الواقع أكبر دليل، أما كونوا دولة إسرائيل، وأوجدت في قلب العالم الإسلامي .. في أرض القدس .. في المسجد الأقصى؟فإن قيل: ولم -إذاً- ما قالوا: مملكة، وقالوا: دولة إسرائيل؟قلنا: لم يقولوا: مملكة؛ حتى يتحقق لهم الأمل يوم يحكمون العرب من النيل إلى الفرات، فيومئذ يعلنون عن مملكة إسرائيل، ومنذ سنوات كان معنا طالب استشهد في الأفغان من الصالحين المربين، وبأذنه سمع موشي ديان وقد قام خطيباً في المجلس اليهودي، فلما خطب بهر السامعين من رجال اليهود، فقام أحدهم وقال: أنت الملك .. أنت .. فقال: اسكت اسكت، لم يحن الوقت بعد. لا تقل: ملك ولا مملكة. لكن ذلك يوم يحكمون من النيل إلى الفرات، وهذه خطوة أولى فقط، فمملكتهم إمبراطورية عالمية، وسليمان عليه السلام قد حكم العالم الموجود يومئذ من الشرق إلى الغرب كـالإسكندر .فهذا الأمل يعملون له الليل والنهار، وقد مشوا فيه خطوات عجيبة فتحقق لهم وجود دولة إسرائيل ولم يكتمل بعد حتى يطلق عليها مملكة بني إسرائيل، فلهذا فاوضوهم .. صالحوهم .. ادخلوا معهم في ما شئتم، فلن تنتفعوا قط لما يحملونه من أمل في إعادة مملكة بني إسرائيل.والحمد لله من عشرات السنين ونحن في الدرس نقول للعرب: تفاوضوا معهم .. صالحوهم .. خذوا فرصة على الأقل تزيلوا آلامكم وأتعابكم، ويأمن إخوانكم، فإن اليهود لن يستمروا على مصالحة، ولا عهد، ولا عقد، فكلما عاهدوا عهداً نقضوه، فخذوا فقط فرصة حتى يلتئم إخوانكم، وتعالج جراحاتهم، وإذا تقويتم، واتفقتم، وسدتم فسوف تقاتلون، لكنهم يقولون: لا، هم الذين يقاتلون. فيضحك العرب، فهم لا يفهمون هذا. وهذا شأن من يعرض عن كتاب الله عز وجل، ويصبح أجهل الخلق.

    معنى قوله تعالى: (بل لعنهم الله بكفرهم)

    قال الله تعالى: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:88] ليس الأمر كما يقولون، وإنما طبع الله على قلوبهم بسبب كفرهم، فأبعدهم عن الرحمة .. أبعدهم عن ساحة الخير .. أبعدهم من أن يدخلوا في رحمة الله، ويصبحوا أولياء مع المسلمين والمسلمات، وهذا هو السر، فليس السبب أن قلوبهم غلف، بل السبب أن الله لعنهم بسبب كفرهم، وعنادهم، ومكرهم، فطبع على قلوبهم فهم لا يؤمنون.

    معنى قوله تعالى: (فقليلاً ما يؤمنون)

    قال: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [البقرة:88] إما أن تقول: الإيمان القليل هو إيمانهم بالله عز وجل أو إيمانهم بالبعث الآخر، أو إيمانهم برسل الله على التخير والاختيار، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أو قل: قليلاً من يؤمن بالرسل، فالذين آمنوا ودخلوا في الإسلام عدد لا يزيد عن العشرة وإن صاروا عشرين، وهم يعرفون معرفة حقيقية، ورضي الله عن عبد الله بن سلام وأخيه، فهم مجموعة قليلة وهم كذلك إلى الآن.أما النصارى فيدخلون في الإسلام، والله لو وجدوا دعاة حق وعليهم النور لدخل الناس في دين الله أفواجاً، لكن اليهود تمضي مائة سنة ولا يدخل واحد في الإسلام، ومع أنهم يفهمون لغة الإسلام فإنهم لا يدخلون؛ لأنهم يريدون إعادة مملكتهم، وإعادة مجدهم، وأنى لهم ذلك، فهذا من باب المستحيل، وقد لعنهم الله، وأخزاهم، وأذلهم إلى يوم القيامة.
    ظهور دولة بني إسرائيل من جديد

    أما إن قال قائل: هاهم ظهروا من جديد وسادوا وحكموا في مكان ما؟فالجواب: أما قال تعالى وقوله الحق: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف:163-167]، فهنا أعلم الله عز وجل: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ [الأعراف:167] يا رسول الله، أعلم بماذا؟ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف:167] فمن قال: هاهم قد ارتفعوا نقول له: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112].والشاهد عندنا في حبل الله أن يدخلوا في الإسلام، وحبل الناس أن يتفقوا مع دولة كبيرة كبريطانيا أو فرنسا فتؤمنهم، وهذا الذي حصل، فما أقاموا دولة إسرائيل إلا بالمعاهدات التي كانت تربطهم ببريطانيا، وفرنسا، وأوروبا وأمريكا، ولو أن الأوربيين والأمريكان يتخلون عن اليهود ساعة واحدة للصقوا بالأرض. إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112] والحبل هو ما به يربط العهد والميثاق: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112].فإن قال قائل: إن الله تعالى يقول: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف:167] أليس كذلك؟ فها هم قد حكموا وسادوا ورفعت الذلة عنهم، فما هو الجواب؟الجواب: قول الله تعالى: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112]، وحبل الله هو الإسلام، فلو دخلوا في الإسلام ما بقي ذل، ولا هون، ولا دون، ونجوا، لكنهم ما دخلوا في الإسلام، ومع ذلك عزوا في هذه الأيام بسبب حبل من الناس، فبريطانيا هي التي شجعتهم وقوتهم، وأتت بهم وساعدتهم، وأعطتهم دولة إسرائيل، وأوروبا الآن كلها تدين لهم، وهي خاضعة لسلطانهم، وأمريكا فوق ذلك؛ لأنهم ملكوا قلوب الرجال، وتسلطوا عليهم بالأموال، وسادوا العالم بالمال، فهذا حبل قوي، فقولوا: صدق الله العظيم، آمنا بالله .. آمنا بالله.ولو تكتشف أمريكا مؤامرة يهودية لنسفها وتدميرها فإنها سترفع يدها وتلعنهم، وتلعنهم كذلك أوروبا فوالله سيصبحون أذل الخلق، ولن يستطيعوا أن يثبتوا وجودهم وعزهم كما هم اليوم، فقط لو يتمزق هذا الحبل، ونحن ننتظر تمزقه، وذلك عندما يستقيم أمر المسلمين، ويعودون إلى الله عز وجل.فلهذا لما ترفع القضايا إلى الأمم المتحدة، وتجد العجب من الناس بمناشدتهم أمريكا .. أمريكا، والصحيح أن يقولوا: يا ألله! يا ألله! ولا يقولوا: أمريكا. فيا ألله! لو أن المسلمين عادوا إلى الطريق المستقيم، وأسلموا حق الإسلام والله لتتخلين عنهم أمريكا وأوروبا. وإنما هي أسباب، كأن يكتشفوا مؤامرة أن اليهود يريدون أن ينسفوا أوروبا، فإذا تخلت عنهم أوروبا وأمريكا فمن لهم؟! قد وقعوا بين أيدي المسلمين أذلاء، مهانين، مداسين بالنعال.هل عرفتم هذه القضية السياسية المحضة؟فالله عز وجل يخبرنا في سورة الأعراف فيقول: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ [الأعراف:167] يا رسولنا لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف:167] ومعنى سوم العذاب: ألوان العذاب.فإن قال قائل: ها هم أعزة، فأين وعد الله؟ لم ما نفذه الآن؟الجواب: أنسيت قوله من سورة آل عمران: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا [آل عمران:112] ووجدوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112] فهذه الآية مخصصة لعموم آية الأعراف ولا نقول: ناسخة، فهي مخصصة لذلك العموم وهو: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ فيرفع الذل والمسكنة عليهم، وحبل الله هو وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] ألا إنه الإسلام الحق، فلو دخل اليهود في الإسلام لأصبحوا أطهاراً، أصفياء .. لله أولياء .. سادة العالم، لأنهم أبناء الأنبياء وأولاد المرسلين، لكن هذا الحبل رفضوه .. مزقوه .. حاربوه، وأعلنوا الحرب عليه منذ أن بعث رسول الله إلى اليوم؛ كل ذلك خشية أن يذوبوا في نور الإسلام، وينتهي أمر وجود بني إسرائيل.يا أيها المستمعون! اليهود يحاربون الإسلام خشية أن يذوبوا فيه، ويعلِّمون أطفالهم، والله لكتب اللغة عندهم ككتب اللغة عندنا، من القاموس وغيره، فيأتون بعبارات تهاجم الإسلام والمسلمين، وتحذر اليهودي واليهودية من قبول هذه الملة أو الرضا بها أو السكوت عنها، فإنها تقضي على وجود بني إسرائيل.وكتبنا مرة رسالة في هذا الباب، فكتب اللغة عندهم إذا ذكروا محمداً أو أحمد أو إسلام يأخذون في شرحها والتنكير لها، وتقبيحها، وتحذير بني إسرائيل منها.إذاً: حبل الناس موجود، وسبب وجوده: فسقنا .. فجورنا .. جهلنا .. ضلالنا .. هبوطنا .. تمزقنا فهو الذي أوجد الحبل. أرأيتم لو كنا كما كنا في القرون الذهبية أمة واحدة، فلا حزبية، ولا فرقة، ولا انقسام، ولا تشتت، فقط مسلم، وأمرنا واحد: لا إله إلا الله، ونحن على ذلك ثلاثمائة سنة، فهل يستطيعون أن يوجدوا حبلاً يربطهم أو يشد من أعصابهم؟ لا يستطيعون، لكن لما تعاونوا علينا فضللونا، وجهلونا، وأبعدونا عن نصر الله ورحمته، وأصبحنا بدل الدولة دويلات، وبدل الأمة أمما، وبدل المذهب الواحد مذاهب.ويكفي أن القرآن يقرأ على الموتى، فالروح الذي فيه الحياة صرفناه إلى الموتى، وحرمنا منه الأحياء، والسنة لا تقول: قال الرسول! اسكت، قل: قال سيدي فلان، وقال الشيخ الفلاني.فمن هم الذين أعطوا اليهود حبلاً متيناً وخنقونا به؟ إنهم نحن وبأيدينا.لكن متى يتمزق هذا الحبل؟ ومتى تتنكر أوروبا لليهود كما تنكر هتلر ؟هذا ضربنا به مثل، فهتلر غضب على اليهود وأذلهم، وقتل منهم الآلاف لما أراد الله ذلك، فلو أن المسلمين فزعوا إلى الله عز وجل ولاذوا بجنابه، وعادوا إلى طريقه المستقيم لكانت مؤامرة تظهر في العالم ضد أمريكا سببها اليهود، فيقضون على اليهود.كذلك أوروبا لو اكتشفت أن اليهود يعدون حرباً ذرية للقضاء على أوروبا، وتظهر البينات، فإن أوروبا سيطاردون اليهود ويذبحونهم، ويقلونهم في الزيت كما كانوا يفعلون معهم، وينتهي أمر اليهود، لكن لن يكون هذا حتى توجد أمة الإسلام، وتستحق ولاية الله عز وجل، فالقضية -إذاً- بأيدينا، والله أعطانا هذا، فإن شئنا قوينا اليهود وورثناهم وملكناهم، وإن شئنا أذللناهم وأهناهم، فالأمر جعله الله في أيدينا، الحمد لله.هذه نعمة الإسلام .. أنوار الإسلام .. بركة الإسلام الذي جهلناه، وحاربناه في أنفسنا وفي بيوتنا وأسرنا وفي ديارنا. وسنفيق متى يأذن الله عز وجل.قول ربنا عز وجل وهو يقول لرسوله ولنا: وَقَالُوا أي: اليهود قُلُوبُنَا غُلْفٌ قال تعالى: لا، بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:88] فليس في قلوبهم العلم الفياض الزائد عن الحاجة، وليست قلوبهم مربوطة ومغشى عليها، وإنما القضية هي أن الله لعنهم فطبع على قلوبهم حتى لا يدخلوا في رحمة الله، بل طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون. قال: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ وبناءً على هذا: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [البقرة:88] أي: قليلاً ما يؤمنون بالمعنيين السابق ذكرهما: إما لا يؤمن منهم إلا أفراد قلائل وهذا هو الحق، وإما إيمانهم قليل، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، يؤمنون بالرسالات الإلهية والأنبياء والرسل، لكن كفروا بعيسى، وكفروا بمحمد، وجعلوا سليمان ساحراً، وقتلوا الأنبياء، أو يؤمنون بالبعث الآخر، والدار الآخرة، والجنة والنار، ولكن لا يؤمنون بالعمل لها، وإعداد النفوس طيبة طاهرة لتدخل الجنة وتنجو من النار، فهو إيمان جزئي، بنسبة واحد إلى ألف.
    تفسير قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ...)

    مجيء القرآن مصدقاً لما مع اليهود في كتبهم

    قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ [البقرة:89] التنكير في كتاب للتفخيم والتعظيم، فهو كتاب لا يوزن بميزان، وكتابه هذا هو القرآن العظيم. وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة:89] فقد جاءهم به رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، من عند الله، فقد أوحاه إليه في ثلاث وعشرين سنة، فالوحي ينزل، والقرآن يتوالى حتى كمل، وأصبح كتاب الله في الأرض كما هو في السماء، في اللوح المحفوظ، عدد سوره مائة وأربعة عشر سورة، فيها ستة آلاف ومائتان وأربعون آية، وأما كلماته فعشرات الآلاف، فهذا كله كلام الله، جاءهم من عند الله.قال: مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ [البقرة:89]، ما مع اليهود؟ معهم أن الله لا إله إلا هو، ولا رب سواه .. أن الله عز وجل أعد دار النعيم لأوليائه، ودار العذاب لأعدائه، فهذا الكتاب فيه الدعوة إلى الإخاء .. إلى المودة .. إلى الصدق .. إلى العدل .. إلى الرحمة .. إلى .. وما معهم من عقائد سليمة صحيحة بقيت في التوراة إلا جاء بها القرآن، ما تنافى معها ولا أبطلها أبداً، بل صدقها، وما ابتكروه واخترعوه ولفقوا به وشرحوا به التوراة وأضافوا إليها فالقرآن بريء منه، بل كشف الباطل وأبانه للناس. وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ عظيم مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ أي: لما في التوراة من أصول الإيمان وحقائق الدين.

    اليهود يستفتحون على العرب قبل الإسلام

    قال: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ [البقرة:89] أي: من قبل أن يأتيهم الكتاب العظيم وهو القرآن الكريم.وقوله: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ لماذا ( قبلُ ) مرفوعة؟ أليست (مِن) جارة؟ والأصل أن تقول: من قبلِ، فمِن حرف جر؟الجواب: هنا قاعدة خاصة في (قبل وبعد): فإذا ذكر المضاف بعدهما جرتا، فمثلاً نقول: وإن كانوا من قبلِ نزول الوحي، فلا بد أن نقول: من قبلِ، وإذا حذف المضاف، ونوي معناه دون لفظه بنيت قبل وبعد على الرفع، فنقول: وإن كانوا من قبلُ، والمعنى: من قبل وجود الرسول ونزول الوحي.قال: يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:89] معنى يستفتحون عليهم: يخبرونهم بالنصر والفتح عليهم، وقد كان اليهود في المدينة إذا غاضبهم العرب أو دخلوا معهم في صراع ولو جدلي يقولون: اسمعوا! إن نبياً قد أظل زمانه، ولاح في الأفق تباشير وجوده، وسوف نؤمن به، وننضم إلى أمته، ونقاتلكم وننتصر عليكم، فانتظروا، ولا تستعجلونا. وكانوا يقولون هذا على علم واعتقاد؛ لأنهم ما تبين لهم أن هذا النبي سيكون من أولاد إسماعيل، وقد كانوا يحلمون أنه يكون منهم.فكان اليهود يقولون: إن نبياً قد أظلنا زمانه وقرب منا، وسوف نؤمن به ونقاتلكم، وننتقم منكم، وأنتم الآن تستضعفوننا لأنا أقلية بينكم، ومحصورين في دياركم، لكن انتظروا يوماً سيأتي يبعث فيه نبي آخر الزمان، ونقاتلكم معه قتال عاد وإرم، فهذا معنى قوله: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ أي: من قبل نزول الوحي المحمدي وبعثة الرسول النبي الأمي، ومعنى يَسْتَفْتِحُونَ : يطلبون الفتح، والفتح هو النصر.وأنتم تعلمون أن فرنسا فتحت ألمانيا، ومعنى فتحتها: أنها دخلت بلادها، وانتصرت عليها.لكن يستفتحون على من؟ قال: عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:89] أي: الذين كفروا بالله وبتوحيده، وهم المشركون من كل فئات العرب وقبائلهم، الذين كانوا يعايشونهم ويعيشون معهم قبل البعثة المحمدية.والعرب كانوا قد كفروا، فما كانوا كما كانوا على عهد إسماعيل وأحفاده وأولاده، فقد جاءتهم الأصنام والتماثيل فعبدوها، ولعنة الله على عمرو بن لحي فهو الذي جاء بها من الشام.إذاً: فهذا القرآن يسجل كفر العرب قبل الإسلام: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا .

    الحسد أورد اليهود مهالك الخزي والهوان

    قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة:89] فلما جاء اليهود ما عرفوا وما كانوا ينتظرونه، ووجدوه من أولاد إسماعيل قالوا: لن نؤمن به، فلا ينتقل الشرف من أولاد إسحاق إلى أولاد إسماعيل أبداً.فإن قيل لهم: هؤلاء بنو عمكم؟قالوا: وإن كانوا بني عمنا.وهذا هو الحسد الذي مزقنا كما مزقهم، وشتتنا كما شتتهم، فوالله لولا الحسد لدخل المسلمون كلهم تحت راية لا إله إلا الله، أما يريدون الإسلام؟ فرفعت راية لا إله إلا الله فأصبح كلهم مسلمين، لكن الحسد: كيف يصبح هؤلاء يحكموننا؟!وقد سمعنا مداحاً يمدح: يا سعودي يا يهودي!!لا إله إلا الله، سبحان الله العظيم! الحسد يفعل هكذا؟ نعم.يا شيخ! لا تعجب، أما قتل هابيل قابيل، أخاه ابن أمه وأبيه؟ فقتله الحسد: كيف أنت يقبل الله منك صدقتك وأنا لا يقبلها مني؟ هل أنت أفضل مني؟ هل أنت خيراً مني؟ فقتله.فكذلك اليهود ما منعهم من الدخول في الإسلام إلا الحسد، فالحسد عامل قوي، وها أنتم تعيشون بين إخوانكم في الشرق والغرب حتى أهل البيت الواحد يتحاسدون.وخذوا قاعدة: الحسود لا يسود، وإن ساد اليوم فسوف يتحطم ويذل غداً. ولهذا أنزل الله سورة كاملة يعلمنا فيها كيف نتعوذ من الحسد، بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:1-5].

    قراءة سورة الفلق تمنع الحسد بإذن الله

    أيها المستمعون! هل لكم في فائدة عظيمة خير لكم من أن تعودوا إلى بلادكم بشيك فيه خمسمائة مليون دولار أمريكي؟! وهذا فيما أظن هو أغلى شيء هذه الأيام.إن أولي النهى والبصائر -والله- ليفرحون بهذه الفائدة كفرحنا بالبقلاوة والدجاج المشوي والشاي الأخضر و.. أو أشد.لما سُحِر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وقد سحره حاسده اليهودي لبيد بن الأعصم عليه لعائن الله وبناته شيطانات السحر، وقد قلت لكم: إن السحر موجود في المدينة، ونعجب لوجوده؛ لأن الساحر يقتل حيث بان سحره، ولكن لمكرهم ما استطاعت الهيئة أن تعثر عليهم، فهم يهاجمون البيوت ولا يعرفون. فاليهود هم الذي ينشرون السحر في العالم، وهم ممتازون في هذا الباب.فلما سحر النبي صلى الله عليه وسلم وتأثر به عدة أيام والله عاصمه، أنزل الله هذه السورة: الفلق، فما تعوذ متعوذ بمثلها قط، وهذه السورة ما إن تلاها الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ذاب ذلك السحر والحسد، وهي خمس آيات.قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] رب الفلق هو الذي يفلق رءوس اليهودي، ويسلطنا عليهم عما قريب، وذلك لما نسلم.فالله يفلق الظلام الدامس فيفجر منه الضياء، وإذا الأنوار تلح، والأضواء في الشرق والغرب.ومن رب الفلق؟ الله. ولو اجتمع العالم كله على أن يستعجلوا الليل بساعتين قبل انقضائه فيفجرون الفجر لا يستطيعون، فرب الفلق هو الله.فهذا المتعوذ قد تحصن بالله، والذي يقوى على هذا الكون يستطيع أن يحفظك إذا لذت بجنابه، واحتميت بالإيمان.قال: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:2] هل الله تعالى يخلق الشر؟ نعم الله يخلق الشر والخير، أما خلق النار والجنة؟! أما خلق الظمأ والعطش والري وو؟! فهو خالق كل شيء لحكم عالية. مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ من الشرور.قال: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:3] أي: إذا كان القمر في السماء فإنه يضيء المنطقة أو البلد، وإذا به يغيب ويحل محله الظلام، فأتيحت الفرصة للسراق، والمجرمين، واللصوص، والحيات، والعقارب، والثعابين في الظلام، وهنا عليك أن تفزع إلى الله، فتتعوذ من شر غاسق إذا وقب.وهنا فائدة يذكرها بعض أهل التفسير من السلف فيقولون: إن هذا يشمل أيضاً إذا انتصب ذكر الفحل وحينئذ عليه أن يستعيذ بالله منه، فقد يوقعه في معصية الله، وإذا هاجت الغريزة والشهوة وانتصب ذكر الفحل ففي هذه الحال عليه أن يفزع إلى الله وإلا حمله على الفسق، ومن هنا استعذ بالله دائماً بهذه السورة: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:3].قال: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:4] والنفاثات هن الساحرات اللاتي ينفثن في العقد والخيوط بتعليم شياطين السحر لذلك، والنفاثات جمع نفاثة، فتجدها تعقد العقدة وتنفخ فيها وتقول كلمات الكفر، والشيطان يقويها، وتسحر بها من شاءت، إلا من عصمه الله، وقد سُحر حتى نبي الأنبياء ورسول المرسلين.قال: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5] فهذه خمس آيات أنزلها الله لعباده المؤمنين من أجل أن يستعيذوا بربهم من هذه الشرور العامة، الطامة، الهالكة، المهلكة.

    ما يمنع العين

    إذا رأيتَ عائناً يحمل السم في عينيه، فالله هو الذي خلق ذلك فيه كما خلق السم في العقرب والأفعى، فالعقرب ليست هي التي أوجدت سمها، بل هو الله الذي أوجده بتدبيره وقضائه في خلقه، فإذا وجد شخص في القرية .. في المدينة .. في الفصل .. في المسجد عنده هذا المرض، فنقول له: يا عبد الله! كف أذاك وشرك عن عباد الله. فإن قال: لا أستطيع؟ نقول له: لا، خذ هذا الدواء، فإذا نظرت إلى شيء وأعجبك فقل: تبارك الله .. ما شاء الله. وهنا سمك لا يتحرك، ولا ينطلق، ولا ينفع شيئاً، قال تعالى: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39] فعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أعجبه شيء ولو كان طفلاً رضيعاً .. ولو مشيك .. ولو عمامتك على رأسك، فعليه أن يبادر إلى هذه الكلمة فيقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، تبارك الله! فلا يصل إلى ذلك الشيء المعجب به شيء، فقد أمن.فيا عباد الله! من أعجبه شيء مثل: بناية .. سيارة .. أكلة لذيذة .. شخص جميل .. كذا، فليبادر بكلمة: تبارك الله .. ما شاء الله، ويضع سداً مانعاً لا يصل إليه حسده.وهل هذا العلاج يوجد عند غيرنا؟ والله لا يوجد، ولكننا ما طلبناه .. ما سألنا عنه وما عرفناه، فألف مليون لا يعرف هذا! ممكن مليون من الألف مليون؛ لأنهم لا يجتمعون على كتاب الله.إذاً من أعجبه شيء فليبرك وليقل: ما شاء الله، ولا يضره حينئذ شيء، فيأمن.الحمد لله أنّى ما خلقت هذا في عيني، بل الله خلقه، فلله الحمد والمنة، وحتى لا يعذبني أعطاني هذه المناعة، فقل: تبارك الله ما شاء الله! لن يضر أخاك شيئاً.فمن هنا إذا وجدت حاسداً ورأيته لم يترك، وخفت من بلائه وعذابه فإنك تقرأ هذه السورة: بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:1-5] ولن يضرك، فهو لو استعمل هذه المناعة لانتهينا، لكن أكثرهم لا يستعملها.وكنا نعرف في القرى: فلاناً معيان، فإما أن تمر بغنمك وإلا عليك أن تذهب بعيداً. فما عندنا المناعة.أما الآن فقد أعطانا الله المناعة بأن نقول: تبارك الله .. ما شاء الله.ونحن إذا ما قالوها نقرأ هذه السورة، فكان المؤمنون والمؤمنات يتحصنون بها من أذى الحسدة إذا شاهدوهم.إذاً: مضى زمان ونسي المسلمون هذه المناعة مع أنها خمس آيات، لكن الكسل والعجز بدل ما يقرأ هذه السورة تجده يقول: خمسة في عينيك، فمن التعب لا يقول: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] ويقرأها كاملة بل يقول: خمسة في عينيك. فمضت قرون، ونسوا أن هذه الآيات الخمس هي التي تدفع الحسد، وظنوا أنها الأصابع، فيقولون: خمسة في عينيك.وجاءت أيام فمن التعب صوّروا الكف فقط عند باب البيت أو وراء السيارة، فما تتعب حتى تقول: خمسة، اجعلها صورة، وقد وجدت هذه الكف في أمام المنازل الجميلة، وفي السيارات لتدفع الحسد .. لتدفع العين، وهي والله لا تدفع أبداً، والذي يدفع هو أن تقرأ الخمس الآيات إيماناً ورجاءً في الله أن يدفع عنك العين والحاسد بهذه الآيات، لكن كونك من الكسل تقول هكذا، ولا تقرأ فلا تنتفع، حتى ولو كنت تعرف أن معناها خمس آيات في عينيك، لكن مع الأسف أنسانا الشيطان هذا كله، وأبقى لنا الأصابع، فإذا قلت هكذا هل يرد العين؟ والله ما يردها.ونتائج كل ذلك أن أمتنا هبطت. أما كانت تستخدم الآيات لصلاحها، فجهلتها وما عرفتها، وأصبحت تشير بالأصابع، وعجزت حتى عن الإشارة بالأصابع فجعلتها صورة في البناء أو في غيره.

    معنى قوله تعالى: (فلعنة الله على الكافرين)

    قال تعالى: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89] فما قال: فلعنة الله عليهم أي اليهود، لا. لعنة الله على الكافرين من يهود، أو نصارى، أو عرب، أو كل كافر، وهذا من عجائب القرآن، فما قال: لعنة الله عليهم، بل كل كافر؛ لأن لعنة الله كانت من أجل الكفر؛ فإذا كفر الشريف كما يكفر الوضيع فالكل لعنة الله عليه، إذ نسبتنا إلى الله واحدة: عبيد لمالك واحد، وسيد واحد. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (68)
    الحلقة (75)




    تفسير سورة البقرة (38)

    يكشف القرآن عن صفة قبيحة لازمت اليهود، وهي التعصب المطلق، فبدلاً من قبول الحق، وهو الإسلام والقرآن، عاندوا وجحدوا لا لشيء إلا لأن التوراة أنزلت عليهم، وأنها كتابهم، بخلاف القرآن الذي أنزل على غيرهم! وتصرفهم هذا ليس مستغرباً فقد عبدوا عجلاً صنماً رغم معايشتهم لمعجزات موسى، وكان أخذهم للتوراة والتسليم بما فيها بعد أن رفع جبل الطور على رءوسهم، لكن رءوسهم هذه لم تعقل!

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:91-93].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق الكريم في الحديث مع بني إسرائيل، وهو حديث التأنيب والتقريع إلى جانب الدعوة إلى الحق والانخراط في سلك المؤمنين، والله يدخل في رحمته من يشاء.فقول ربنا جل ذكره: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ [البقرة:91] القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضوان الله عليهم، إذ هم الذين كانوا مع اليهود في المدينة، وإلى الآن لو قلت ليهودي: آمن بما أنزل الله، فإنه يقول لك: أنا مؤمن بما أنزل الله، أي: بالتوراة، وأنا لست في حاجة إلى غيرها، وإلى أن تقوم القيامة؛ لأن شأنهم واحد .. كلمتهم واحدة .. وجهتهم واحدة، فلهذا تخاطب هذا بما تخاطب به الأولين من أربعة آلاف سنة، وهذا شأن بني إسرائيل.قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [البقرة:91] أي: بالقرآن، وهم يعرفون أن القرآن أنزله الله، ويعرفون أن النبي أمِّي، والأمي أنى له أن يتكلم بالعلوم والمعارف، ثم إن القرآن قد احتوى على ما في التوراة من حقائق الشرع والدين، كالإيمان بالله، ولقائه، والبعث الآخر، والجزاء بالنعيم المقيم والعذاب الأليم، فكل هذا حواه القرآن وهو في التوراة.ولا ننسى أنهم لحسدهم لبني إسماعيل، وللخوف من أن يذوبوا في روح الإسلام كرهوا الإسلام وحاربوه وحاربوا أهله إلى اليوم، وتقدم هذا في السياق الكريم، وكل ذلك بغياً وحسداً من عند أنفسهم: كيف نصبح أتباعاً لولد إسماعيل، ونحن أشرف أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.قال: قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا [البقرة:91] انظر إلى العصبية في قولهم: (علينا) أي: نحن بني إسرائيل، أما عليكم يا أبناء إسماعيل فلا وألف لا. والدين لا يرضى بالعصبية، فالبشرية كلها نسبتها إلى الله واحدة، وهم عبيد لمالك واحد هو الله، والتحيز من اليهود ظاهر: نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا .قال: وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ [البقرة:91] لم ما قال: وكفروا أو ونكفر بما وراءه؟ الجواب: لأن كفرهم مستمر فيقولون هذه الكلمة، ويكفرون بما وراء القرآن.قال: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة:91] القرآن حق، ومصدق للذي معهم في التوراة كما قدمنا من عقيدة البعث والجزاء يوم القيامة .. من وجود عالم شقاء وعالم سعادة .. من التوحيد وألا يعبد إلا الله .. من الإيمان بكتب الله ورسل الله، فهذه كلها موجودة في التوراة.إذاً: كفرهم بالقرآن يلزم منه كفرهم بالتوراة؛ لأن القرآن يقرر ما في التوراة ويثبتها، وهم يقولون: القرآن باطل لا نؤمن به، فإذاً كفروا حتى بالتوراة، وهكذا السيئة تجر سيئة، والخطأ يقود إلى خطأ.قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا فقط وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ [البقرة:91] أي: بما ادعوه أنه أنزل عليهم من التوراة وهو القرآن الكريم، كأنهم قالوا: نكفر بالقرآن، ولا نعترف به، ولا نأخذ به في هدايتنا وصلاحنا.قال: وَهُوَ الْحَقُّ والحال أنه الحق مُصَدِّقًا من ربهم، وكررنا القول في مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ أن الذي معهم في التوراة لا إله إلا الله، وأن الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل مقرر في التوراة .. وأن الإيمان بالبعث الآخر في التوراة .. وأن الحق، والعدل، والخير، والمعروف، والإحسان، والبر كلها موجودة في التوراة، فالقرآن مصدق لما معهم، فالمفروض لا يكفرون به، إذ ما فيه منافاة بين ما يؤمنون به وبالقرآن الذي دعوا إلى الإيمان به، ولو كان هناك تصادم أو تعارض فقد يعذرون، فالقرآن مصدق لما معهم.إذاً: بكّتهم، وأخزهم، وقل لهم: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة:91] فهل التوراة فيها الإذن بقتل الأنبياء والعلماء؟ والله ليس فيها، فلم -إذاً- تقتلون الأنبياء، وقد قتلوا زكريا وولده يحيى، وتآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وادعوا أنهم قتلوا عيسى، وبالفعل صلبوا من شبه لهم، بل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في بعض الأيام كانوا يقتلون سبعين نبياً، وفي المساء كانت أسواقهم قائمة للبيع والشراء كأن شيئاً ما وقع. إذاً فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة:91] وهم يعترفون بأنهم قتلوا عيسى؛ لأنه ساحر وكذا وكذا، وقتلوا زكريا، وقتلوا يحيى، وقتلوا غيرهم، فهل الإيمان الحق بكتاب الله التوراة النورانية يسمح بقتل الأنبياء؛ إذاً ما أنتم بالمؤمنين بالتوراة، وحقاً هم كفار بالقرآن وبالتوراة؛ لأن إيمانهم صوري، فهم مؤمنون بالتوراة لكن هل صدقتم الله فيما جاء فيها؟ وهل امتثلتم أوامر الله فيها؟ وهل امتثلتم نواهي الله فاجتنبتموها في التوراة؟ إذاً ما معنى هذا الإيمان بالتوراة؟فهذا هو التقريع والتوبيخ، فقل لهم يا رسولنا: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:91].
    تفسير قوله تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات ...)

    مجيء موسى بالبينات

    هنا الآن جولة أخرى أيضاً مع اليهود، قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ [البقرة:92] ولك أن تقول: قل يا رسولنا لهم: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ [البقرة:92] أي: بالمعجزات، ومعجزات موسى عليه السلام تسع آيات.وأولى تلك الآيات أن العصا تستحيل إلى حية تهتز كأنها جان، وأما يوم المباراة العظمى فإن تلك العصا ابتلعت وتلقفت كل ما ألقاه السحرة في تلك الساحة من الثعابين والحيات، فتلقفتها بكاملها، ويده يدخلها في جيبه ويخرجها بيضاء كأنها -والله- فلقة قمر.وأعظم آية شاهدوها في صالحيهم مع فرعون كانت هي انفلاق البحر، وهي كونه يضرب البحر الأحمر بعصاه: باسم الله، فينفلق اثنتي عشرة فلقة، أي: اثني عشر طريقاً، لكل قبيلة تسلك طريقها. فأية آية أعظم من هذه؟والحجر الذي يحملونه معهم يضربه بعصاه فتتفجر منه اثنتا عشرة عيناً حتى لا يصطدم بعضهم ببعض، وكل قبيلة تشرب من عينها الخاصة.فهل هذه الآيات وغيرها جاءتكم فآمنتم؟!وهذا هو التقريع .. التوبيخ.. التأنيب، ولكن من لم يشأ الله هدايته ما اهتدى.

    اتخاذ بني إسرائيل للعجل إلهاً

    قال تعالى بعد ذلك: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:92] بعدما خرجوا من البحر ونجوا من فرعون وحكمه، ونزلوا بالساحل، استدعي موسى عليه السلام -كما عرفتم- إلى جبل الطور لمناجاة الله تعالى، بل ذهب ليأتي بالدستور الذي يحكم به بني إسرائيل.وهذه الجملة الحمد لله كررناها مئات المرات، لعلها تنقل إلى العرب والمسلمين لكن ليس هناك من ينقل.لما استقل بنو إسرائيل، وقد كانوا محكومين بحكم فرعون دهراً طويلاً، فلما خرج بهم موسى بعد أن ظهر على فرعون وقهره نزلوا على الساحل، فكيف يحكمهم موسى؟ وما هو الدستور، وما هو القانون؟ فقال: اجلسوا أنا أذهب إلى ربي وآتيكم بالدستور.ونحن نقول لإخواننا المسلمين: لما استقل الإقليم الفلاني من هولندا وبريطانيا وفرنسا فهل بلغكم أن إقليماً استقل فقال: يجب علينا أن نطلب دستور الإسلام فنذهب إلى العلماء: يا علماء الأزهر! يا علماء الحرمين! اجتمعوا وضعوا لنا دستوراً، وعجلوا كيف نحكم هذه الأمة .. هذا الشعب؟ هل فعلوا؟ ما فعلوا.إذاً: موسى أذكى منهم، وأعلم منهم، ولكن نحن أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بهذا، ولكن إلى الآن ما اجتمع علماء أي بلد وقالوا: لابد من وضع دستور إسلامي، مصدره قال الله وقال رسوله، وما أجمع عليه أئمة الفقه الإسلامي من تلك الزمرة النورانية في العهد السالف، ويحكمون المسلمين بشرع ربهم، فإن افتقروا فهذا الذي أعطاهم .. وإن استغنوا فهذا الذي أعطاهم .. وإن مرضوا وصحوا فيقول لهم: نحن الحاكمين غير مسئولين عنكم، هذا دينكم وشريعتكم، ونحن حكمناكم بها فلا تلومونا، وليس هناك من يلومهم. فسبحان الله! مظهر من مظاهر القرآن الكريم أن يترك موسى بني إسرائيل على الساحل -والخليفة فيهم هارون عليه السلام- ويقول لهم: اجلسوا حتى آتيكم بالدستور.واسمعو
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #76
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,198

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (69)
    الحلقة (76)




    تفسير سورة البقرة (39)

    ادّعى اليهود أن الجنة خالصة لهم، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم للمباهلة، فلم يفعلوا، ولن يفعلوا؛ لأنهم يدركون فداحة سيئاتهم، وعظم جرائمهم، ولهذا يتمسكون بالحياة، ويعضون عليها بأسنانهم، ولا فرق عندهم بين حياة كريمة وأخرى دنيئة، المهم أن يبقوا على ظهر البسيطة، يتنفسون، ويأكلون، ويشربون، ولا يدركون هم وغيرهم من المشركين أنهم لو عمّروا ألف سنة فإن مصيرهم في نهاية المطاف إلى جهنم وبئس المصير.

    تفسير قوله تعالى: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُ مْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:94-98] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! بالأمس كنا مع ربنا تعالى وهو يقرّع اليهود ويؤنبهم، ويكشف الستار عنهم، ويضعهم أمام ما تأهلوا له من الخزي، والهون، والدون.ولا بأس أن يؤنب أو يقرع أو يؤدب من يطغى، ويتمرد، ويفسق، ويفجر، فهذه سنة الله في الناس، وقد قرّع اليهود وأنّبهم كما في الآيات.

    مباهلة الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود

    ها نحن الآن مع قول ربنا جل وعز وهو يقول لنبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: قُلْ أي: لليهود الذين يجادلون ويعاندون، إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:94] فاليهود قد ادعوا أن الآخرة لهم وقالوا: لسنا في حاجة إلى هذا الدين، وإلى هذا الرسول والكتاب، فنحن شعب خصنا الله عز وجل بنعيم الجنة والدار الآخرة، ولسنا في حاجة إلى أن نؤمن بك، ولا إلى أن نمشي وراءك، وإلى أن نأخذ بكتابك وما جئت به من الدين، لسنا في حاجة إلى هذا كله.أما قال اليهود: قُلُوبُنَا غُلْفٌ [البقرة:88] أي: مملوءة بالعلم والمعرفة فما نحن في حاجة إلى ما تدعونا إليه.أما ادعوا أنهم هم أهل الجنة، وأنهم إن دخلوا النار لا يبقون فيها أكثر من أربعين يوماً، وهي مدة عبادتهم للعجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [آل عمران:24]. فأحبارهم يكذبون، ويلفقون الكذب، ويكتبونه، ويهمشونه على التوراة، والعوام يقلدون ويقولون: لن تمسنا النار أكثر من أربعين يوماً، ولهذا إن فجرنا .. إن رابينا .. إن قتلنا الأنبياء .. إن عذبنا العلماء كل هذا مغفور لنا، وقد نؤاخذ به مدة محدودة أربعين يوماً ثم نعود إلى الجنة. والرب تبارك وتعالى يقول لرسوله قل لهم: إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ [البقرة:94] والدار الآخرة هي نعيم الدار الآخرة في دار السلام، فالمعنى: إن كانت لكم الدار الآخرة -لا لغيركم- خالصة من دون الناس؛ أبيضهم وأسودهم .. أولهم وآخرهم فهيا تمنوا الموت، وهذا يسمى بالمباهلة، فتعالوا واسألوا الله تعالى أمامنا الموت: اللهم أمتنا -يا ربنا- لندخل الجنة؛ دار السلام. فاسألوها صادقين من قلوبكم لتوافق ألسنتكم، وانظروا فإنكم تموتون.فوالله ما استطاعوا، وعجزوا، وخافوا، ولو وقفوا في صف واحد وقالوا أمام رسول الله: اللهم إنا نسألك أن تتوفانا الآن لنستريح من أعباء الدنيا وتكاليفها، ومحنها، ولندخل الجنة دار السلام، لو قالوها لما بقيت فيهم عين تطرف.

    مباهلة الرسول صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران

    حدث للنصارى مباهلة -أيضاً- في مسجدنا هذا؛ ليتقرر عندنا أن اليهودية بدعة من البدع، ما جاء بها كتاب ولا بعث بها رسول، وأن النصرانية -والله- ما هي إلا بدعة مبتدعة، ما جاء بها عيسى ولا غيره.والنصارى كانوا يسكنون في جنوب الجزيرة؛ في نجران، فسمعوا بالدعوة الإسلامية، فجاء وفد منهم مؤلف من ستين فارساً، جلّهم علماء، ونزلوا ضيوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوزعهم على المؤمنين، ودعاهم للمباهلة، فقالوا: باسم الله، فمن كان منا على الحق لا يموت، ومن كان منا على الباطل يهلك.وبالفعل خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بـفاطمة والحسنين إلى المسجد، فما إن شاهد النصارى تلك الزمرة النورانية حتى انهاروا وقالوا: لا نباهل، وقال قائلهم: والله لو باهلتم هؤلاء ما بقيت فيكم عين تطرف.فذلوا، وخضعوا، وضرب عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية، وعادوا إلى ديارهم، وقد جاء هذا من سورة آل عمران، إذ قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:59-61]. فخافوا كما خاف الآن اليهود، وما استطاعوا المباهلة.
    دعاء اليهود على أنفسهم بالموت

    الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ أي: الجنة خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ [البقرة:94] فالآن موتوا لكي تستريحوا، فلم الحصاد والزرع، والتجارة، والآلام، والأمراض، والأوجاع وأنتم أهل الجنة، فمن الآن: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:94].
    تفسير قوله تعالى: (ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم ...)

    اليهود بين تمني الموت وما قدمته أيديهم

    سبق الله تعالى اليهود إلى ما في صدورهم .. إلى ما يريدونه فقال لرسوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ [البقرة:95] بـ(لن) الزمخشرية إن شئتم: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا لم؟ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ، فما من جريمة إلا اقترفوها، وحسبهم من ذلك قتلهم الأنبياء والعلماء .. استباحتهم الربا والمحرمات، فالخبث بكامله قد انغمسوا فيه، ومع ذلك يتمنون الدار الآخرة، فهم مؤمنون بها، فكيف يتمنون الموت، أليلقوا في أتون الجحيم؟!فأخبر تعالى بما يعلمه من قلوبهم، ومن طبائعهم، وما فطروا عليه: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:95] أي: لا يخفى عليه من أمرهم شيء، وهم ظالمون، فسجل عليهم الظلم، ووالله إنهم لظالمون.والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فالله أرسل الرسل وأمر بحبهم، وتبجيلهم، وتعظيمهم، واتباعهم، والانقياد لهم، وهم ذبحوهم .. كذبوهم .. قتلوهم .. مكروا بهم، وهذا ظلم.والله تعالى أمرهم بطاعته وطاعة رسله، ففسقوا عن طاعته وعن طاعة رسله، وأي ظلم أفظع من هذا؟!وهم ظالمون والله عليم بهم، فلهذا لا يستطيعون أبداً أن يتمنوا الموت وأن يقولوا: اللهم توفنا الآن، فإنا أولياؤك وعبيدك، مع أنهم كانوا يدّعون أنهم أولياء الله، والبشرية كلها نجس، وهم أقرب الناس إلى الله، فلهذا ترفعوا وسادوا وارتفعوا ولم يرضوا لأحد أن يدخل في دينهم.لكن الله أبطل فريتهم .. أبطل دعواهم فقال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة:95] أي: إلى يوم القيامة، فما جاء يوم من الأيام وتمنوا الموت، فما هناك من هو أجبن من اليهودي، لا يقوى على الموت أبداً؛ لما يعرف من مصيره المظلم؛ ولما يعرف أين ينزل بعد موته في الدركات السفلى من عذاب الله.قال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة:95] بسبب: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة:95].

    لا تمايز بين الخلق إلا بالتقوى والعمل الصالح

    نحن أيها المستمعون والمستمعات ماذا قدمت أيدينا؟ أو نقول هذا في بني إسرائيل فقط!وكذلك نحن إذا قدمنا الخير نثاب عليه، وإذا قدمنا الشر نجزى به، وليس عندنا امتيازات خاصة أو وعود من الله عز وجل أو صكوك أننا إذا فسقنا .. فجرنا .. كذبنا .. ترابينا .. سببنا .. شتمنا فلا نؤاخذ، ليس هناك من ذلك شيء.وقد قيل: الدنيا مزرعة الآخرة، فمن زرع الآن البرتقال، والرطب، والعنب فسوف يحصد ذلك يوم القيامة، ومن زرع الشوك، والسدر، والحنظل وما إلى ذلك فسوف يجني ما زرع، فمن زرع اليوم الإيمان وصالح الأعمال سوف يحصد رضوان الرحمن، وسكنى الجنان. ومن زرع الكذب، والخيانة، والكبر، والحسد، والتعالي، والظلم، والشر، والفساد والله لن يحصد إلا مثيله، ولسنا بأشرف من اليهود أبداً.والحقيقة أن نسبتنا إلى الله واحدة فنحن عبيد إلى سيد، فكونه بيَّضك وسوَّدني .. قصَّرك وطوَّلني .. أغناك وأفقرني هذا لا قيمة له، فهو ابتلاء فقط في العمل، أما نسبتنا فهي أننا عبيد لله، فمن أطاعوا سيدهم، وخنعوا، وخضعوا له، وذلوا، واستكانوا رفعهم، ومن تكبروا عنه، وتعالوا، وحاربوه أذلهم وأهانهم. ولا فرق بين أحد وأحد إلا بتقوى الله عز وجل، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قرر هذه الحقيقة وعلمناها فقال: ( لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى )، وقال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    النفس البشرية بين التزكية والتدسية

    قد قررنا وعرفنا -أيها السامعون- حكم الله في البشرية، واسمعوا الله تعالى يحلف لكم لتطمئن نفوسكم، وتسكن قلوبكم إلى صدق هذا الخبر، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8]. فإن قال قائل: لم تحلف يا ربنا؟ فالجواب: لتعرفوا حكمنا في البشرية، فتسلكوا سبل النجاة، وتبتعدوا عن طرق الهلاك والخسران، فمن أجلكم حلف الرب تعالى.لكن ما هذا الحكم الذي حلف من أجله؟اسمع واحفظ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] واطوِ الصحيفة.فقوله: (قد أفلح) هل الرئيس .. الشريف .. الغني؟! الجواب: ( من زكاها) أي: زكى نفسه، ومعنى (زكاها): طيبها وطهرها بأدوات التزكية والتطهير التي وضعها الله لذلك، والفلاح هو الفوز، يقال: فلان فاز أي: نجح في الصفقة التجارية الفلانية .. نجح في الامتحان، ومعناه هنا: أُبعد عن النار، وأُدخل الجنة؛ دار الأبرار.والله سبحانه وتعالى هو الذي بين لنا هذا الفوز، وقد قال من سورة آل عمران: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] هل هناك: إلا نفس فلان وفلان أو إلا أنفس بني فلان؟ لا يوجد، وهذا الحكم لم يتخلف، ولذلك الحكم الثاني أيضاً -والله- لا يتخلف قال تعالى: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]. فوجب على كل مؤمن ومؤمنة .. عرب وعجم أن يحفظوا هذا الحكم الإلهي.إذاً صدر الحكم على البشرية ونصه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. فهنا يتم تقرير المصير وليس في يوم القيامة، وكل عاقل مكلف بلغ سن الرشد هو الذي يقرر مصيره بيده، قال الحاكم العدل رب العالمين: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] فأسند الفلاح والتزكية له، أي: أفلح من زكى نفسه وخاب من دسى نفسه؛ لأن النفس الزكية، الطاهرة، النقية هي التي يقبلها الله في جواره، وهي التي يرضى بأن تسكن في دار السلام.أما النفس الخبيثة المنتنة العفنة فلا يرضاها الله أبداً، ولا يتلاءم معها الطهر والكمال في دار السلام، إنما يتلاءم معها حفر الجحيم، ولظاها، ولهبها، ودخانها.وهنا مثل عامي: فلو يدخل الآن علينا رجل قد تلطخت ثيابه بالبول، والخر، والأوساخ، والدموع، والدماء فهل تفسحون له ليجلس معكم؟ أكثركم سيقول له: اذهب .. اخرج .. خذوه .. طهروه، هذا لا يدخل هنا! وهذا المعنى واضح.كذلك الذي يأتي بنفس عفنة، منتنة، كيف يدخل الجنة؟! وقد قال تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14].فإن قال قائل: لم الأبرار في النعيم، والفجار في الجحيم؟فالجواب: الأبرار لبرورهم، والفجار لفجورهم، فالأبرار المطيعون الذين زكوا أنفسهم وطهروها مآلهم إلى الجنة، والفجار الذين فجروا عن تعاليم الله، وفسقوا، ولطخوا أرواحهم، وخبثوها، هؤلاء يتلاءم معهم أتون الجحيم.اسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما نادى بني هاشم رجع إلى ابنته وقال: ( يا فاطمة ) فيناديها باسمها العلم وهي تسمع ( إني لا أملك لك من الله شيئاً فأنقذي نفسك من النار )، أي: آمني واعملي الصالحات.إذاً: هذه الآيات كلها هي فينا، وهي كذلك في اليهود، فإنهم لما ادعوا أن الجنة لهم قال تعالى لهم: هيا اطلبوا الموت حتى تدخلوا، لكنهم -والله- لا يطلبونه.ولو نطالب به نحن فإن الصالحين الطاهرين يفرحون بدار السلام، ولو ندعى إلى الجهاد لتسابق المؤمنون إلى دار السلام.

    سوء ما قدمه اليهود من أعمال

    نعود إلى السياق الكريم: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ [البقرة:95] أي: الموت، أبداً لم؟ بما والباء سببية، أي: بسبب ما قدمته أيديهم من ذبح الأنبياء والعلماء، وأكل الربا، وإباحة الزنا، والخيانة والغش، والخداع، وكل أنواع الجرائم التي انغمسوا فيها، وما زالوا فيها إلى الآن.

    سعة علم الله بأحوال عباده

    قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:95] فيجزيهم بحسب ظلمهم يهوداً كانوا أو غير يهود .. عرباً أو عجماً .. في الأولين أو الآخرين.وهل هناك ظالمون لا يعلم الله بهم؟!يقول قائل: بعض الظالمين عندهم حيل وستائر عجيبة لا يطلع الله عليها.تقول له: يا هذا! الله تعالى يقول: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران:154]، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].ومن ذلك على سبيل المثال أن تظهر فتاة من على السطح، أو ينكشف الستار عنها وهي على الجمل فتجد من الناس من يتكلم معك وهو يخون ويسترق النظر.فإن قال قائل: يا شيخ! كيف تقول هذا؟! هل هذا معناه أنه لا يجوز لنا أن ننظر إلى النساء؟! وقد قالت إحدى الصحف: القول بأن صوت المرأة عورة خرافة، فدعوها تغني.أقول: نحن نمشي مع بني إسرائيل خطوة خطوة إلا من سلم الله عز وجل، فالذين يقولون: صوت المرأة ليس عورة، أما يعلمون أن الله يقول: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ [غافر:19] فالعين تخون، وخيانة العين تكون بالنظر إلى شيء حرمه الله، ولقد كتب الله تعالى صالحات الصالحين وسيئات المسيئين في كتاب المقادير قبل أن يخلقهم، فكيف هذا يسأل: كيف أن الله يعرف أو لا يعرف؟!
    تفسير قوله تعالى: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ...)

    حرص اليهود والمشركين على أي حياة

    قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إذ هو الذي يجابه هؤلاء الطغاة من اليهود قال له: وَلَتَجِدَنَّهُ مْ وهذه اللام موطئه للقسم المقدر: وعزتنا، وجلالنا يا رسولنا لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة:96]. وإخواننا الفلسطينيون هم الذين يعرفون أن اليهودي أجبن وأذل ما يكون. لم؟ لأنهم خائفين من الموت؛ لأن وراء الموت جحيماً، وسموماً، وعذاباً أليماً، وهم موقنون أشد اليقين بأن جزاءً لابد منه للكسب الدنيوي، فلما تلطخوا بكل أنواع الجرائم لا يتمنون الموت، ولا يرضى أحدهم أن يموت.أما أهل دار السلام فوالله إنهم يطربون، وقد كان أحدهم يرقص فرحاً بالموت كما في بدر وأحد.إذاً: كل من كان ملطخاً بالذنوب والآثام فإنه لا يفرح بالموت، ولا يطرب له فضلاً عن أن يتمناه، وكل من زكت نفسه، وطابت، وطهرت فهو يفرح بالموت، ولو رأى رؤيا تبشره بالموت لفرح، فالجنة خير، فالدنيا فيها مشاق وآلام، وأتعاب، وأمراض، وسقم، وفي الجنة نعيم مقيم، يأكلون ويشربون تفكهاً فقط، لا يمرضون، ولا ينامون .. ولا يكبرون، ولا يهرمون، ولا ولا .. أما طعامهم وشرابهم فيتحول إلى عرق وجشاء رائحته أطيب من ريح المسك، قد خلقهم الله على هيئة لا تقبل الفناء أبداً، فكيف لا يفرح العاملون الصالحون بالجنة والموت.قال: وَلَتَجِدَنَّهُ مْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة:96] هل قال: (على حياة) أو (على الحياة)؟ قال: (على حياة) أي: ولو كانت أخس حياة وأرخصها، فهي نكرة في سياق نفي تفيد العموم، فهم أحرص الناس على أوسخ حياة، وأقلّها، وأدناها، فليست حياة العز والكمال والسعادة، وهذه لا يلامون عليها، فأرخص حياة يقبلونها: وَلَتَجِدَنَّهُ مْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة:96].وهناك نوع آخر من البشر يحبون الدنيا، والحياة، والخلود قال تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [البقرة:96] فمن المشركين والمجوس والنصارى و.. من يود أن يعيش ألف سنة، وممكن أن يوجد حتى بين المسلمين الضائعين من يود أن يعيش ثمانين عاماً .. مائة عام.قوله: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [البقرة:96] فما قال: وكل المشركين، فهذا العليم العظيم يعرف النفسيات والطباع، فيوجد من المشركين من يود أن يعيش ألف سنة، أما اليهود فلا يريدون الموت أبداً، لا يتمنونه، ولا يريدونه بحال من الأحوال؛ لعلمهم بالمصير المظلم الذي سيصيرون إليه بعد أخذ أرواحهم؛ لأنهم يؤمنون بالبعث والجزاء والدار الآخرة.أما المشركون فمنهم من لا يؤمن بلقاء الله بالمرة، فلهذا يكره الموت ويريد أن يعيش ألف سنة.قال تعالى: وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ [البقرة:96] لو يعمر الإنسان مليون سنة ممكن لا يعذب لهذا العمر؟ فلا ينفع، فمن الآن أحسن، وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ والزحزحة هي الإبعاد.قال: وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ أَلْفَ سَنَةٍ فلو عمر أحدهم ألف سنة، فهل هذا التعمير، وهذا الطول في العمر يبعده عن النار؟ لا يبعد عن النار، طال العمر أو قصر، إنما يبعده عنها زكاة النفس وطهارتها فقط.

    وسائل تزكية النفس

    إن قال قائل: يا شيخ! أنت تقول: زكاة النفس، فدلنا يرحمك الله على أدوات التزكية أين توجد وأين تباع وفي أي صيدلية؟ وهذا السؤال ضروري للعقلاء الذين ما علموا: ما دامت القضية منوطة بتزكية أنفسنا فمن فضلك دلنا على هذه الأدوات والعقاقير التي نزكي بها أنفسنا، أو ليس هناك عقاقير ولا أدوية؟الجواب: والله توجد، والصيدلية هي صيدلية الله ورسوله، وقال الله، قال رسوله؛ الكتاب والسنة، فإنك تجد فيهما كل أدوات التزكية من كلمة: لا إله إلا الله إلى إماطة وإزالة الأذى من طريق المؤمنين والمؤمنات.فكل عبادة من أعمال القلوب أو الألسن أو الجوارح هي عبارة عن أداة تزكية للنفس البشرية وتطهيرها، ولا بد من استعمالها حسب الشروط التي وضعت لها؛ إذ لابد من مراعاة الكيفية فلا تقدم ولا تؤخر، ومراعاة الزمن فلا توقعها في غير زمانها، ومراعاة العدد، فلا تزيد ولا تنقص وإلا ما تنتج.وأعظم أداة في تزكية النفس البشرية وتطهيرها ذكر الله، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] وذكر الله شرطه أن تكون في مكان طاهر، وأن يتحد قلبك ولسانك معاً، فعندما تقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم فلابد أن يكون قلبك مع لسانك، فإن قلت بلسانك وقلبك غافل فإن ذلك لا ينتج، ولا يولد الطاقة، وإن ذكرت فقط بالقلب واللسان فذلك لا ينفع، ولا ينتج.إذاً لابد من توافق القلب واللسان، ومن هنا كانت الصلاة أعظم مولد للنور أو للطاقة النورانية، فلا توجد عبادة أكثر توليداً للحسنات وللطاقة النورانية من الصلاة أبداً، وبعض السامعين لا يعرفون كيف تولد الصلاة النور؟ كالماكينة الصغيرة التي تولد الكهرباء وتدور الآلات، فإذا خربت لا تولد.فالصلاة أعظم مولد للطاقة النورانية، واقرءوا إن شئتم: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45] لم يا ألله؟ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] أي: في توليد هذه الطاقة، إلا أن الصلاة لا تنتج نتاجها، وتؤدي ثمارها إلا إذا استوفت شروطها.وقد بينا سابقاً أن للصلاة شروطاً لابد من استيفائها، ومن ذلك الطهارة، والتي تشمل: طهارة المكان، وطهارة البدن، وطهارة الثياب، فأنت في الصلاة كيف تقف أمام الله، وتتكلم معه، وأنت نجس؟ هذا لا يجوز، وكيف تقف في مكان نجس وتناجي الله في الصلاة، فهذا لا يصح، وكيف تقف في الصلاة وجسمك ملطخ بالقذى والأذى، وتتكلم مع الله، هذا حرام -يا عبد الله- وعليك أن تتطهر.والصلاة إذا كان لها وقت معين كصلاة العشاء بقي عليها ثلثها فلو قلتم: هيا نصلِّها الآن، فهذه الصلاة لا تولد لك النور، ووالله لا تولد حسنة، فهي كالعملية الفاشلة؛ لأنه يشترط لها وقت تقع فيه، وإلا ما أنتجت. والوقت ضروري لأية عبادة مربوطة بوقتها، ومن ذلك أيضاً: ( الحج عرفة ) الذي هو تاسع شهر ذي الحجة، فلو اتفقت الأمة بملوكها ورؤسائها أن الحج هذا العام يقع في المدينة، وعلى جبل أحد الذي هو أشرف من عرفات، فوقف الحجاج على جبل أحد لقلنا لهم: حجكم غير صحيح، ولا يصح هذا الحج.وكذلك لو قالوا: هذا العام الحر شديد، فدعنا نعمل الحج هذا العام في الشتاء، ووقفوا فعلاً في الشتاء فهل يقال: حجوا؟ كلاء والله ما حجوا.وهكذا كل عبادة وضعت لتزكية النفس وتطهيرها بما تولده من الحسنات لابد وأن يراعى فيها أن يكون الله قد شرعها لذلك، ولهذا لو أن مليون بدعة أنفقت فيها مالك كله، وتبدد طاقاتك وجهدك كله، فهذه والله لا تولد جرام حسنة؛ لأن البدعة ما شرعها الله، والذي لم يشرعه الله من يوجد فيه المادة النورانية؟ من يقوى؟ وهذا والله ليس بممكن.وهل يستطيع أحدنا أن يوجد مادة الغذاء في الرمل .. في الحصى .. في الطين .. في التراب؟ لا يستطيع؛ لأن الله ما أودعها هناك، إنما أودعها في البطيخ، والعنب، واللحم، والخبز.وهل يستطيع البشر -لو اجتمعوا كلهم- أن يوجدوا عبادة ولو بالقول على أن من عملها تزكو نفسه عليها وتطيب وتطهر؟ الجواب: لن يستطيعوا، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54] فهذا الأمر لله وحده.ولهذا الصلاة لو توقعها في غير وقتها فإن الفقيه يقول: بطلت، ونحن نقول: ما أنتجت. فالصلاة عندما تنقص شروطها أو تقدم أو تؤخر فيها يقول الفقيه: صلاتك باطلة يا ولد. ولو تصلي أمام فقيه، ولا تطمئن في الركوع، ولا السجود يقول الفقيه: صلاتك باطلة. ونحن لا نقول: باطلة، إنما نقول: لا تزكي نفسك، ولا تولد لك النور الذي هو الحسنات، فأعد صلاتك.وهكذا كل العبادات.

    أهمية الإيمان والعمل الصالح

    نعود إلى السياق الكريم قال: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ [البقرة:96] أي: تعميره الألف سنة والمليون لا يزحزحه من عذاب الله.وما الذي يزحزح عن العذاب؟الجواب: الإيمان وصالح الأعمال؛ لأن الإيمان يدفع إلى اكتساب الحسنات، والحسنات هي التي تزكي النفس وتطهرها. واقرءوا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107]، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البروج:11]، فتجد الإيمان والعمل الصالح، فالإيمان يقوي نفسك وقدرتك على أن تصلي وتصوم وتجاهد وتتصدق، وتلك الأعمال الصالحة هي أدوات التزكية .. هي التي تنظف القلب البشري وتطهره. والسيئات هي التي تصيب القلب بالظلمة، والنتن، والعفونة.واسمع رسول الله يقول: ( إذا أذنب العبد ذنباً ) أي: اقترف خطيئة سيئة، وسمي الذنب ذنباً لأنه يؤخذ به الإنسان كما يؤخذ الحيوان من ذنبه، ونحن نؤاخذ بذنوبنا، والحيوانات تؤخذ بذيولها وأذنابها.قال: ( إذا أذنب العبد ذنباً وقع نكتة سوداء في قلبه )، كهذه، ( فإذا تاب ونزع صقل ذلك المكان وطهر ) كالزجاجة المشرقة إذا وقع فيها شيء ما لطخها، ومن الممكن أن تمسحها ويزول على الفور، ويبقى النور والإضاءة، وكذلك قلب الإنسان أو نفسه.قال: ( وإذا لم يتب وأذنب ذنباً آخر وقع إلى جنب النكتة الأولى )، وهكذا تتزايد الذنوب حتى تتسع الرقعة، فالذنب إلى الذنب إلى الذنب بلا توبة، ولا مسح ولا صقل حتى يلطخ القلب كله، ويحجب عن الإيمان، وعن عمل الصالحات.قال صلى الله عليه وسلم: ( فذلكم الران الذي قال الله فيه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ) ولهذا من لطف الله بأوليائه ورحمته بعباده المؤمنين أنه شرع لهم التوبة الفورية، فإذا شعرت بالذنب فعلى الفور قل: أستغفر الله وأتوب إليه. وابتعد عن الخطيئة ينمحي ذلك الأثر، وقل: آمنت بالله.فإن أنت أصررت وما باليت، وواصلت الذنب إلى الذنب، فسيأتي يوم لو تعرض عليك التوبة -والله- ما تقبلها، بل لو قيل لك: استغفر الله. تهزأ وتسخر. أما سمعنا الله تعالى يقول من سورة النساء: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17] لمن؟ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17]. قال: (من قريب) لأنه إذا واصل في الذنب فإنه سينطبع في نفسه طابع، ويصبح لا يرضى إلا ذلك الذنب. واسألوا الذين تعودوا الأفيون والكوكاين تجدوهم يقولون إنهم الآن يستعملون الإبر، ولا ينفع أن يأخذ بدلها حبة.وكذلك هو حال الذي قد تعود اللواط .. السرقة .. الخيانة، فهذا شأنه.قال بعض علماء النفس: الذي تعود السرقة وتمرن عليها، لما يلقى عليه القبض، وتوضع الحديدة في يده ويمشي، فتعرفه بأنه سارق، وأنت في ذلك الوقت تخاف وترتعد وتقول: يا ويله. لكن السارق في ذلك الوقت يفكر كيف يسرق مرة ثانية! وكذلك عندما يصل إلى السجن تجده يفكر كيف يسرق إذا فكوه بعد عام أو عامين؟ فانظر بماذا يفكر هو، وبماذا تفكر أنت، فتجد العكس.والله سبحانه وتعالى خالق الأنفس، وطابع الطبائع، وغارز الغرائز هو الذي يقول: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17].وإذا واصل الجريمة فقد يحال بينه وبين التوبة قال تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:18]، الآن! لا، قد فات الوقت .. فات الأوان يا بني: ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر )، فإذا حشرجت في الصدر، وقال الطبيب: ودعوا أخاكم، فلو استغفر وتشهد، فوالله لا ينفع، فقد انتهى أمره.وهذا من باب الرحمة المحمدية، يقول: ( إن الله يقبل توبة العبد .. )، والله لحق، لكن لا يستطيع أن يتوب عبد غرق في بحور الآثام والذنوب، فسفك الدماء، ومزق الأعراض، ودلوني على واحد تاب من هذا النوع، فما عنده قابلية التوبة، لكن إن تاب هل يرده الله؟ لا والله: ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر )، فإن حشرجت في الصدر، وعرف المودعون والزوار فحينئذٍ لا عودة، قد انتهى أمره.وهكذا يقول تعالى وقوله الحق: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ [البقرة:96] أي: التعمير: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [البقرة:96]، فالله أسأل أن يتوب علينا وعليهم، وأن يغفر لنا ولهم، وأن يرحمنا وإياهم، وصل اللهم على نبيك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •