تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 62

الموضوع: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (34)
    الحلقة (41)




    تفسير سورة البقرة (13)

    بيّن القرآن الكريم أن الناس ثلاثة أصناف: مؤمنون، وكافرون، ومنافقون، وبين أن من الكافرين والمنافقين من هو موغل في الكفر والنفاق، ومنهم من ليس كذلك، ولهذا كان لزاماً تبليغ دين الله للناس جميعاً، لجهلنا بمن طبع الله على قلبه، ومن ليس كذلك، ونحن في دعوتنا لهم علينا أن نبين لهم بالأدلة والبراهين الكونية والقرآنية ربوبية وإلهية الله وحده، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها.

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب، سميع الدعاء، وقراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] .. إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم. ‏

    الحياة الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهان الجميع أن هذه الحياة الدنيا دار عمل وليست دار جزاء، وأن الدار الآخرة هي دار الجزاء والخلد والبقاء، وأن الجن كالإنس، فهذان العالمان: عالم الإنس وعالم الجن مكلفون، وممتحنون، ومختبرون، ومجزيون بأعمالهم، ومحاسبون عليها أولاً ثم الجزاء ثانياً.والجزاء بم يكون؟ إما أن يكون بالنعيم المقيم في دار السلام.. في الجنة دار الأبرار التي وصفها خالقها عز وجل بما لا مزيد عليه في كتابه، ورفع إليها رسوله ومصطفاه؛ محمداً صلى الله عليه وسلم، وعاش فيها ساعة من الزمن، فرأى قصورها، وحورها، وأنهارها، وقد انتهى إلى سدرة المنتهى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:15-16].وهذا العمل الذي يسعد، وينزل صاحبه منازل الأبرار هو الإيمان، وصالح الأعمال، كما أن العمل المشقي، المردي المخسر لأصحابه من عالمي الجن والإنس هو الشرك والمعاصي، وسر ذلك -معاشر المستمعين والمستمعات- أن الإيمان يدفع صاحبه إلى أن يعمل الصالحات، والصالحات أقوال وأفعال ونيات، ومن شأنها حسب تدبير الله في خلقه أنها تزكي النفس البشرية، وتطيبها، وتطهرها، فإذا زكت النفس -نفس الإنسي كنفس الجني- وطابت، وطهرت أصبحت متأهلة حسب قضاء الله وسنته لأن تنزل دار السلام بعد نهاية هذا الكون.والكفر والمعاصي أو الشرك والمعاصي من شأنها أن تخبث النفس، وتلوثها، وتعفنها، فيصبح صاحبها غير أهل للنزول في دار الأبرار، أين ينزل؟ في دار البوار، المعبر عنها بالنار، هذا حكم الله وقضاؤه.

    أصناف الناس في الدنيا

    السياق الكريم -كما علمتم- صنَّفنا ثلاثة أصناف:الصنف الأول: المؤمنون المتقون؛ الذين آمنوا بالغيب، وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقهم الله، وآمنوا بكل كتاب أنزله الله، وعاشوا يطهرون أنفسهم ويزكونها، فهؤلاء قضى الله تعالى لهم بالفلاح: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5].والصنف الثاني: الكفرة؛ الجحدة؛ الفجرة؛ الذين ما آمنوا بالله ولقائه، ولا بكتابه ولا برسوله، فعلى أي شيء تزكو أنفسهم وتطيب وتطهر؟! وقد كفروا بأصل مواد التزكية والتطهير.وهذا الصنف عرفنا أنه ينقسم إلى قسمين:قسم توغلوا في الكفر والشرك والفساد، وواصلوا ذلك، فما أصبحوا أهلاً لأن يتوبوا إلى الله ويعودوا إليه، فهؤلاء لمواصلتهم الإجرام بلا انقطاع، كانت سنة الله فيهم أن ختم الله على قلوبهم، فما أصبح للإيمان منفذ ينفذ منه إلى قلوبهم، ولو حدثتهم من الصباح إلى المساء لا تجد مكاناً للإيمان في قلوبهم؛ إذ عليها ختم، وكذلك ختم على أسماعهم فلا يسمعون، اقرأ القرآن كله حرفاً حرفاً ما سمعوه، غن أو زمر واعبث يسمعون؛ لأن حاسة السمع فقدت صلاحيتها لما ران عليها من ذلك الشر والخبث والفساد، والأبصار كذلك ما أصبحت تبصر؛ لأن عليها غشاوة، لا يشاهدون في الكون آية تدل على أنه لا إله إلا الله!وقسم آخر منهم: مستعدون، ولهذا دخلوا في الإسلام، وأصبحوا مسلمين مؤمنين.الصنف الثالث: وهم المنافقون، وضرب الله تعالى لهم مثلين، ومن ثم عرفنا -والواقع شاهد- أن من المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من توغلوا في النفاق .. في الكيد .. في المكر .. في الخبث .. في الشر والفساد حتى أصبحوا غير أهل لأن يدخلوا في رحمة الله، فماتوا منافقين كافرين.وقسم ما توغلوا في النفاق، ولا أكثروا من الشر والفساد فجلهم بل كلهم دخلوا في الإسلام، وماتوا إلى رحمة الله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن في المدينة منافق قط.

    نداء الله للبشرية بعبوديته

    ثم جاء نداء رباني إلهي، عالي، سامي، فنادى البشرية كلها بعنوان الناس: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، وهي دعوة ربانية لا يُصرف عنها إلا شقي؛ لأن عبادة الله حق واجبة، مقابل أن خلقنا .. أن رزقنا .. أن أكرمنا .. أن خلق كل شيء من أجلنا كما سيأتي، كيف -إذاً- نضن ونبخل ولا نعبده؟وشيء آخر علمتم زادكم الله علماً! أن هذه العبادة لا ينتفع الله بها، وإنما ينتفع بها العابدون، فهي تزكي أنفسهم وتطهرها؛ ليصبحوا أهلاً للملكوت الأعلى، وفي نفس الوقت تبعد عنهم الشر والفساد والخبث، فيعيشون أمناء أطهاراً، أصفياء، متوادين، متحابين، لا يوجد في حياتهم ما ينغصها أو يكدر صفوها، والله العظيم.أما العبادات التي ترعب عنها النفوس وترتعد فما هي إلا قوانين رحمة، من شأنها أن تسعد صاحبها في ذاته وروحه، وفي حاله ومستقبله ومآله، لكن الشيطان قبحها لهم، وشوهها وخوفهم منها. يخافون من العبادة! العبادة نظام رباني يكمل عليه العابدون ويسعدون، ووالله لهو الواقع.ومن رحمته تعالى، ومن ألطافه وإحسانه أنه تعرَّف إليهم إن كانوا جاهلين به لا يعرفون: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21] أيها المخلوقون! وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:21] من المخلوقين، والخالق هو الذي ينبغي أن يبجل، ويرغب، ويعظم، ويعبد، أما الأصنام أو الشهوات، والأهواء، والبشر، والمخلوقات فهي مخلوقة مربوبة تموت، فكيف تعبد مع الله عز وجل؟فما أجلَّها من نصيحة، وما أعظمها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، أي: رجاء أن تتقوا ما يؤلمكم .. ما يحزنكم .. ما يشقيكم .. ما يرديكم، إي والله. والعبادة امتثال قانون الله أو لا؟ والالتزام بهذا القانون يسعد صاحبه، فلا يشقى، ولا يردى، ولا يهلك، ولا يحزن، والعبادة وقاية مما نخاف ونرهب؛ من المصائب، والآلام، والأتعاب.

    ربوبية الله في الخلق والتدبير لعباده


    كذلك تعرف الله إلى عباده فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [البقرة:22]، هل من أحد شارك الله في هذا الخلق والإيجاد؟ أجيبوا علي يا بني آدم، لا أحد، فهو الذي فرش الأرض فراشاً، ومهدها تمهيداً للحياة عليها، ورفع السماء وبناها، و رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [النازعات:28-29]، وهو الذي أخرج ينابيع الخيرات من الأرض، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [البقرة:22].إذاً: يا عقلاء! يا بني آدم! يا بني الجن! فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] وهذه فذلكة عظيمة عجيبة، أبعد معرفتكم لما سمعتم تجعلون له أنداداً تضادونه بها فتدعونه كما يدعى الله، وتذلون لهم كما يذل لله، وتطيعونه كما يطاع الله، كيف يصح هذا؟!وهنا تقرر التوحيد وثبت. وجاءت الدعوة إلى الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.الجمل هذه قررت لا إله إلا الله، والله العظيم أنه لا إله إلا الله، فليس هناك من يستحق أن يؤله .. أن يعبد .. أن يطاع إلا الله، إذ غير الله مخلوق .. مربوب، وفي الحديث: ( كان الله ولم يكن شيء غيره )، فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا ولي في الأولياء والصالحين يستحق أن يعبد مع الله فضلاً عن الجمادات والأصنام والأحجار، بله والشهوات والأهواء.لا إله إلا الله، هل محمد رسول الله؟ آمنا بأن لا إله إلا الله، من يهدينا .. من يرشدنا .. من يأخذ بأيدينا .. من يعلمنا، كيف نعبد الله؟ آمنا بأن لا يعبد إلا الله، فنحن في حاجة ملحة ماسة إلى من يعلمنا كيف نعبد الله، فهذه حاجة ضرورية.

    تحدي الله للبشر بالإتيان بسورة من مثل القرآن

    اصطفى الله رسوله، ونبأه وأرسله، ومن أراد أن يسأل عن الدليل ويتعرف عليه فهو رجل أمي ما قرأ، ولا كتب، ولا جلس بين يدي معلم قط، وبلغ أربعين سنة، ثم نزل عليه كتاب حوى مائة وأربع عشرة سورة، وحوى هذا الكتاب علوم الأولين والآخرين، وحوى علوم الدنيا والآخرة، والملكوت الأعلى كالأسفل، الكل، ولا تناقض، ولا تضاد، ولا تضارب أبداً، وهذا الرجل الذي نزل عليه هذه الكتاب مستحيل أن يكون غير رسول، والله منزل الكتاب هو الذي أعلن عن رسالته ونبوته فناداه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ .ومن اضطربت نفسه يقول تعالى له: إن كنت في شك .. في ريب مما نزلنا على عبدنا فائت بسورة من مثله، واستعن بمن شئت، فكان الخطاب إذن لكل الشاكين، المرتابين، المضطربين، القلقين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي أن هذا القرآن كلام الله: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23]، وطأطأت البشرية رأسها، ولم يرفع امرؤ رأسه، ويقول: أنا آت. وهذا هو التحدي العظيم.وقال تعالى وهو الرحيم: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة:24] وأعلنتم عن عجزكم وما استطعتم؛ لأن الله ختم على قلوبكم وألسنتكم، وعوَّقكم ولن تستطيعوا، فقولوا: آمنا بالله، وبما أنزل الله، خير لكم.وقال: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، فعرف الحاضرون والعالمون أن هذه كلمة لا يقولها إلا الله، فلا يستطيع مخلوق أن يقولها؛ لأن المخلوق لا يملك ما يجيء في غد، وما تأتي به الأيام، فكيف يقول: ولن تفعلوا إلى الأبد؟! فهذه كلمة الله فقولوا: آمنا بالله. وَلَنْ تَفْعَلُوا هل فعلوا؟ أين بلغاء العرب وفصحاؤهم، وأرباب البيان والكلام فيهم؟ الذين هم عجب العجاب؛ يتكلم أحدهم من طلوع الشمس إلى غروبها لا يغلط في كلمة ولا يعيدها، أين هم؟ طأطئوا رءوسهم وقالوا: آمنا بالله، هل فعلوا؟ وَلَنْ تَفْعَلُوا .وبناء على هذا فما هو المطلوب؟ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24]، ربكم ينصح لكم، وربكم يبين لكم سبيل نجاتكم: عجلوا، آمنوا، قولوا: آمنا، وافعلوا ما أمر الله ورسوله به تزكوا أنفسكم، وتتهذب أخلاقكم، وترتفع إلى الكمال معنوياتكم، وتصبحون قريبين من دار السلام، وما إن يموت أحدنا إلا ولا يبيت أو يصبح إلا فيها.

    بشارة الرسول للمؤمنين العاملين بالجنات

    قال الله تعالى لرسوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ... [البقرة:25]. بعد هذا البيان.. هذا الشرح.. هذا التفصيل .. هذه العلامة بقي شيء؟لم يبق إلا أن يقول الله لرسوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:25]، آمنوا ما كفروا، عملوا الصالحات، زكوا أنفسهم، وما عصوا الله ورسوله.بشرهم بماذا؟ بـ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:25]، وانطوت الصفحة.من أين هذا الكلام؟ من أين يأتي هذا العلم؟ من صاحبه؟ تحار العقول؟!إنه كلام الخالق الرازق، خالق الذرة والكون وكل الخلق، الله جل جلاله، وعظم سلطانه.

    ضرب المثل بالبعوضة

    لما تورط المنافقون والمشركون الهابطون المختوم على قلوبهم، المدمرون، الخاسرون وقالوا: ما هذه الأمثال التي يضربها الله؟! مثال مائي ومثال ناري، ومثل الذبابة ومثل العنكبوت. وكانوا في مجالسهم الخاصة يتكلمون بالباطل والسوء ويهرفون؛ لأنهم متعمدون الكفر والنزاع في الإيمان والإسلام؛ فأزال الله هذه الشبهة الباطلة، وقال لهم: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26] فقطع ألسنتهم، فلله تعالى أن يضرب ما يشاء من الأمثال، لمَ؟ لأن العقول متفاوتة، وقدرات الفهم في الناس متفاوتة، ولسنا في مستوى واحد أبداً، بيننا تفاوت كبير، والمعاني ليس كل إنسان يدركها، وبعضنا لا يدرك إلا المحسوس الملموس المرئي.إذاً: كيف تتم هدايتهم؟ تتم عن طريق ضرب الأمثال، والعرب عرفوا هذا في الجاهلية، ويقربون المعاني البعيدة إلى ذهن الشخص بالمثل يضربونه له.وهؤلاء المنافقون والمتعنتون يقولون: ما هذه الأمثال؟! فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً [البقرة:26] فما دون البعوض .. فما فوق البعوضة في الصغر كجناحها.. كبيضة النملة، ولا حرج، لمَ؟ لأنه بر، رحيم، كريم، يريد هداية عباده، ويريد إكمالهم وإسعادهم، فيضرب لهم الأمثال ليفهموا، وليعوا وليدركوا؛ حتى يقووا على أن ينهضوا بهذه التكاليف، التي هي مزكيات لأرواحهم، ومسعدات لأنفسهم وأبدانهم، فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26].وصنف العباد إلى صنفين، وهو الواقع: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:26]، وهذا الذي علمناه والله إنه الحق. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:26] أصحاب القلوب المظلمة أو الميتة: فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [البقرة:26]، فأجابهم الله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا [البقرة:26]، يضل بالمثل يضربه، وبالقرآن ينزله، وبالآيات يظهرها، وبالمعجزات يبديها، يضل بذلك كثيراً من المتهيئين والمستعدين للضلال، ويهدي به كثيراً إلى سبل السلام وطرق السعادة والكمال. حقاً وصدقاً هذا خبر الله: يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً.ثم بين العلة: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26]، فإياك أن تفهم أن القرآن ينزل، وأن المؤمنين يصابون بالإلحاد وبالزندقة والنفاق بواسطته، لا، بل لا يزيدهم إلا نوراً، فهو غيث من السماء ينزل، كلما نزل ازدهرت الأرض واخضرت، وارتفعت أنوارها وزهورها، فالمؤمن حي مستقيم، كلما ينزل القرآن ويضرب الله مثلاً يزدادون شوقاً إلى الله، وإيماناً بلقائه، ولكن الذين يضنون ويهلكون هم الفاسقون.وقد عرفنا من هم الفاسقون؟ هل هم بنو فلان أو بنو فلان .. عرب أم عجم؟! من الفاسقون؟ أتدرون من هم؟ هم الذين خرجوا عن طاعة الله ورسوله، تقول: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، والذي لا يحل ما أحل الله، ولا يحرم ما حرم الله، ويأتي الحرام، ويترك الحلال هو فاسق. والذي لا يبالي بأوامر الله ورسوله، ولا بنواهيهما، ويفعل ما طاب له ولذ؛ منقاداً إلى الشياطين، وما تزينه له، وما تملي عليه، فهذا خرج عن منهاج الله، وعن الطريق المستقيم، ونقول فيه: إنه فاسق.

    من علامات الفاسقين

    قال الله: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ قال تعالى بعد ذلك مبيناً علامات الفاسقين الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة:27]، ولنبدأ بعلماء اليهود وعلماء أهل الكتاب عامة؛ إذ هم قد عرفوا أن هذه الدعوة المحمدية، وأن هذا الدين هو امتداد لأديان الله الأولى، وليس بشيء جديد، وأمر الله بصلة الأديان وعدم قطعها، وهم قطعوها وكفروا بالإسلام. إذاً: قطعوا ما وصل الله: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [البقرة:27]. وقد قرأنا آية آل عمران: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187].كما أخذ الميثاق على لسان عيسى وموسى ومن قبلهم، أي: من الأنبياء أنفسهم، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّ هُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].فالذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه هم الذين ارتدوا بعد الإسلام، فالذي يعيش يوماً أو دهراً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذا هو الميثاق الأول، ثم ينقضه ويرتد ويصبح ملحداً أو زنديقاً فهذا نقض العهد.قلت غير ما مرة: كل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقد عاهد الله، وأعطى العهد والميثاق ألا يعبد إلا الله، فإن ترك العبادة نقض عهده .. إن عبد مع الله غيره نقض عهده .. إن اعترف بعبادة غير الله نقض عهده .. إن لم يتبع رسول الله، ولم يمش وراءه، ولم يطبق شريعته وأحكامه نقض عهده؛ ومن قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم لا يمشي وراءه، ولا يأخذ عنه، ولا يقتدي به، فقد كذب نفسه، لم تقول: أشهد أن محمداً رسول الله؟! وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [البقرة:27] هذه آثار الفسق، فإذا فسق المرء عن طاعة الله، وانغمس في المعاصي والجرائم فلا تعجب، قد يذبح أمه؛ لأنه فسق وخرج عن الطريق، وعلة هذا الفسق: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [البقرة:27]. وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [البقرة:27] أيضاً، وقد علم السامعون والسامعات معنى الفساد في الأرض، يحرفونها؟ يزيلون الجبال؟ يقطعون الأشجار؟كيف يكون الفساد في الأرض؟ إنه -والله- بمعصية الله ورسوله؛ لأن طاعة الله وطاعة الرسول، كما هو القانون الإلهي والسماوي أنه لا سعادة ولا كمال إلا بالانتظام فيه والسير على منهاجه، فمن أهمله وأضاعه، وأعرض عنه، وخرج بعيداً يتخبط، يعمل الموبقات، وهذا أفسد في الأرض أو أصلح؟ والله أفسد. وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56]، وهذا نقوله؛ ليس من يفتح ماخوراً في بريطانيا، كالذي يفتحه في بلاد إسلامية سواء بسواء، لا والله العظيم، لم؟ لأن هذه البلاد أصلحها الله بالإيمان، وطاعته، وطاعة رسوله، فالذي يحدث فيها فجوراً أو باطلاً أو شراً أفسد فيها بعد إصلاحها، أما الذي يفسد في أمريكا أو بريطانيا فهي أرض فاسدة من أولها، ما أصلحها الله بالإسلام، وكيف -إذاً- بالذي يفسد في أرض صالحة إلى الآن.فلهذا نقول لأبنائنا وإخواننا: اسمعوا يا سكان هذه المدينة، يا سكان هذا العالم الطاهر! من أراد أن يعيش على الفسق والفجور يخرج ويرحل من هذه الديار، وينزل في غيرها. لا يستطيعون؟ إذاً: فليتوبوا إلى الله، وليرجعوا إليه، أما أن يطهر الله أرضاً كهذه ويأتي عبد الله بالفساد والشر فيها، فهذا ذنب عظيم.والآية ناصعة واضحة: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56]، أما ما كانت جاهلية وثنية؛ فالمعصية فيها خفيفة لا قيمة لها بالنسبة إلى الكفر والشرك والعياذ بالله.إذاً: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ [الأعراف:56] يا أهل المدينة! يا أهل مكة! يا أهل الرياض! يا أهل هذه الديار! من لا يستطيع أن يترك المحرمات فليرحل، فإن كان لا يستطيع أن يعيش في بلاد أخرى يتوب إلى الله، ويذعن له ويستسلم، أما أن يفسد في أرض صلحت فهذه جريمة قد لا تغتفر له، وقد يموت على سوء الخاتمة، والعياذ بالله.

    الخسران الحقيقي


    وأخيراً جاء الختم: أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:27] إي نعم، الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [البقرة:27] حتى من صلة الأرحام: أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:27]، وقد عرفنا أن الخسران ليس فقد الشاء، ولا البعير، ولا المرأة، ولا الولد، ولا الوظيفة، ولا المنصب، ولا.. ولا، وهل معلوم لدى السامعين حقيقة الخسران؟ اسمعوا؛ قال تعالى لرسوله بلغ أعلن: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، وقد سمعتم كيف يؤتى بالرجل أو المرأة فيوضع في صندوق من حديد، ويغلق عليه، ويرمى في أتون الجحيم مليارات السنين لا يأكل، ولا يشرب، ولا يسمع، ولا ينطق ولا.. ولا، ولا يموت، يبقى أحدهم في عالم الشقاء لا أم هناك، ولا أب، ولا أخ، ولا أخت، ولا امرأة، ولا ولد؛ وحده يعيش في عالم، ونسبة ذلك العالم إلى هذا كأن يغمس أحدنا أصبعه في البحر، فالبلل الموجود في أصبعه عندما يجمعها هي جزء من مائة من مليون جرام، ولينسبها إلى البحر، لا إله إلا الله! قولوا: آمنا بالله.

    تقرير الألوهية

    ثم جاء بيان تقرير الربوبية الإلهية، تقرير الإلهية لله عز وجل؛ لا يعبد إلا الله، جاء تقرير مبدأ الحياة الثانية والجزاء الأخروي؛ لأن المشركين منهم من ينكرون البعث والدار الآخرة كالملاحدة، ومنهم مشركون ويؤمنون بالبعث والجزاء، فقال تعالى موبخاً، مقرعاً، مؤدباً: و كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [البقرة:28] أي: بالله ولقائه: وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ [البقرة:28]، هل هناك من يقول: لا أنا ما كنت ميتاً، أنا كنت حياً منذ آلاف السنين؟ نقول له: هات براهينك وأدلتك، نحن كنا غير موجودين عدماً، فأوجدنا، وأحيانا، وأصبحنا أحياء.قال: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة:28]، هل هناك من يقول: لا نموت؟ هانحن ندفن إخواننا كل يوم تباعاً، واحداً بعد واحد، والله لا يبقى منا واحد، نموت أو لا؟ إذاً: من أحيانا .. من أماتنا؟ الله، أيعجز أن يحيينا مرة ثانية؟ لا، والإعادة أسهل بكثير من البداية. ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28] رغم أنوفكم مريدين أو رافضين لابد من الرجوع لتتم عدالة الله وحكمته في الجزاء على الكسب في الدنيا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28].
    خلق الله ما في الأرض للبشر
    قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، مناظر ومظاهر، فانظر يا عبد الله وتأكد، هو لا غيره وحده لا ثاني له، قال: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]؛ من البر إلى الزيتون .. إلى ذوات اللحوم والألبان بل والمعادن، فكل ما في الأرض مخلوق مربوب، الله الخالق. ولمن خلقه؟ للملائكة؟ له هو؟ لكم، ومع هذا لا يستحون من الله ولا يخجلون، ويرفعون أكفهم إلى غيره، ويسجدون لسواه. إنها محنة الجهل وظلمة القلب، والمطلوب منا دائماً أن نقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، طول النهار والليل.ثم قال: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [البقرة:29]، هذه العظمة، هذا الجلال والكمال، هذه القدرة التي لا يعجزها شيء، هذا العلم، وكلمة سبع سماوات تعني: سماء فوق سماء، وغلظ السماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والأخرى مسيرة خمسمائة عام، ولما أراد الله أن يجتازها رسول الله اجتازها في دقائق معدودات. لا إله إلا الله! وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29]، هذا الذي يستحق أن يعبد أو لا؟ هذا الذي يستحق أن يطاع .. أن يذعن له .. أن يذل له .. أن يستجاب نداؤه، لا المخلوقات المربوبة، المتهالكة، العاجزة الضعيفة، سبحان الله! فلهذا هذا القرآن روح، والله لا حياة بدونه، وهذا القرآن نور، فلا هداية بدونه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52].فما حييت أمة العرب إلا على هذا الروح، ولا اهتدت إلى عزها، وكمالها، وسيادتها، وطمأنينتها إلا على هذا النور، ومع هذا يجحدون هذا ويغطونه! فأين يذهب بعقولهم! وما زلنا نقول: والله العظيم! لن يستقيم أمر أمة ولا جماعة ولا أسرة في الأرض إلا على هذا الروح وهذا النور، وجربوا في الشرق والغرب.وهنا انتهينا إلى الآية التي بدأنا درسها وشرحها في الدرس الماضي.

    اشتقاق اسم الملائكة ومادة خلقهم

    قال ربنا تبارك وتعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ... [البقرة:30]، هذه علوم ومعارف ينزل بها هذا القرآن، ويتلوها هذا الرسول، ويتلقاها النساء والرجال؛ فيخرجون من ظلمة الجهل والبعد عن الحق والمعرفة، فيصبحون عالمين ربانيين يعلمون ذرات الكون العلوية والسفلية، بأية واسطة؟ إنها القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم.وقد عرف العدو هذا فصرف المسلمين من قرابة ألف سنة صرفاً كاملاً عن مصدر حياتهم وهدايتهم؛ حتى هبطوا، وذلوا، وأصابهم ما أصابهم، وما أفاقوا إلى الآن! ما زلنا.فانظر واذكر يا رسولنا لهؤلاء البشر للسامعين وغيرهم: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]. تكلمنا في جزء الكلام عن الملائكة: من الملائكة؟ من أين اشتق هذا الاسم؟ وقلنا: إنه من ملأك كشمأل، ويجمع على شمائل، أي: ملائكة، ومأخوذ من الألوكة وهي الرسالة؛ إذ الملائكة رسل الله.وهؤلاء الملائكة مادةُ خلقهم من النور، ومادةُ خلق الجان من النار، ومادةُ خلق الإنسان من الطين، وهل بقي شيء آخر؟ لا شيء، خلق الله عز وجل الناس بني آدم من الطين، إذ خلق أباهم آدم من الطين، وتناسلوا من ماء مهين، وخلق الجان من شواظ من نار، وتناسلوا وتوالدوا وملئوا الأرض.وخلق الملائكة من النور، ولا يتوالدون إذ جنسهم خاص، لا يأكلون، لا يشربون، لا يتزوجون، لا يلدون، لا يمرضون، مخلوقون -أستغفر الله- كالآلة لا تعرف إلا طاعة الله عز وجل، ولكن يرهبون الله ويخافونه، وترتعد فرائصهم، ويغمى عليهم إذا سمعوا كلام الله عز وجل.

    الكلام عن حملة العرش

    هذا العالم ذكرنا أن منهم -وبدأنا بأعلاهم- حملة العرش أربعة، عرش من؟ سرير من؟ عرش ربنا .. سرير مولانا، أيدير هذا الملكوت بلا سرير ملك؟! يعلمنا، لمَ نحن عندنا أيضاً كراسي وأسرة؟ فالله عز وجل يعلمنا هذا ويرشدنا: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54].وقد عرفنا قيمة هذا العرش ومقداره، لما ضرب لذلك ابن عباس من مثل، قال: الكرسي أخبر تعالى أنه وسع السماوات والأرض: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255]، فهذه السماوات وهذه الأرضين كلها لو جعلت رقعة إلى جنب الأخرى، وألصقت بها ووضعنا الكرسي لكان الكرسي أكبر؛ لأن الله محيط بكل شيء: وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج:20] ونسبة الكرسي إلى العرش كحلقة من صفر ملقاة في صحراء .. في فلاة، فما هي نسبتها إلى الأرض؟!ومع هذا أخبرنا الله ورسوله أن للعرش حملة وهم أربعة، ويوم القيامة يضاعفون بأربعة، فيصبحون ثمانية، إذ قال تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17]. واليوم أربعة، والملائكة يحفون بالعرش طول الدهر: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر:75] فلا يعرف عددهم إلا الله. من خلقهم؟ خلقهم الرب العظيم الذي يقول للشيء: كن فيكون.أتريد أن تعرف قدرة الله؟ هذا الكوكب الناري؛ الشمس التي نستفيد من حرارتها أكبر من الأرض بمليون ونصف المليون مرة، فمن جمع لنا نارها، وأوقدها، وعلقها مناراً في السماء؛ تدب كعقرب الساعة إلى يوم الساعة، من فعل هذا؟ السحرة! من ذاك؟! الله. فلهذا لو يزول الحجاب عن قلوبنا إذا ذكرنا الله يغمى علينا! وعلى الأقل المؤمنون إذا ذكر الله تضطرب نفوسهم، واقرءوا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2].أما الأموات: خاتم الذهب في يده، تقول له: يا عبد الله! حرام عليك. يسخر ويقول: هذا رجعي.يا عبد الله! أنت تحلق، لا تحلق وجهك، خل علامة الرجولة، يسخر!ففرق بين الحي والميت أم لا؟ وفرق بين المؤمن والكافر أم لا؟ فرق بين المهتدي والضال أم لا؟ نعم.إذاً: المؤمن إذا وعظته خاف: يا عبد الله! أما تخاف الله! تجده -والله- يرمي المعصية من يده، ولا يصبر أبداً، فالمؤمن حي، والميت اقرأ القرآن كله عليه لا يشعر!وعرفنا أن الملائكة ملئوا السماوات، فما من موضع قدم في السماء إلا وعليه ملك راكع أو ساجد.

    الكلام عن الملائكة الحفظة

    عرفنا أن الملائكة في الأرض معنا: ( يتعاقب فينا ملائكة بالليل وملائكة بالنهار )، وكل واحد منا معه أربعة ملائكة قد اختصوا به، لا يتناولون غيره، مع الحفظة الذين بين يديك ومن ورائك، ولولا الحفظة لالتهمتنا الشياطين؛ لأنهم يقدرون علينا ولا نقدر عليهم، يروننا ولا نراهم، لكن هؤلاء الحفظة حفظنا الله تعالى بهم حتى تتم حياتنا.وهنا ذكرت لكم لطيفة! إذا قال القائل: ما فائدة الحفظة ونحن نموت ونمرض ونهلك؟قلنا: فائدة الحفظة أعطيتها في الرئيس .. الملك له حرس يحرسه خمسون .. مائة، ما الفائدة مادام لابد من الموت ولابد من قضاء الله؟ الجواب: لما يعرف الملك أو الرئيس أنه محروس تطمئن نفسه، ولا يبقى يلتفت، ولا يبقى في حيرة ولا يستطيع أن يقوم ولا يقعد، يكون هادئاً مطمئناً؛ لوجود حرس. وهذا غير مانع أن ينفذ أمر الله فيه، فكذلك نحن لما علمنا أننا محروسون لولا هذا العلم لكان أحدنا لا يستطيع النوم، كيف ينام والجن حوله وفوقه؟ كيف يمشي؟ كيف يستطيع؟ لكن عرف أنه محروس: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]. كم عدد الملائكة إذن في الأرض فقط؟ولا تسأل عن وظائف الملائكة الكرام الكاتبون والحفظة، ثم من مع الأرواح، مع الأمطار، مع السحب، من ملك الموت، من أعوانه؟ قلنا: الكثير، وما ذكرنا إلا قطرة من بحر، عالم كبير، نحن ما نساوي فيه ولا العشر.وعرفنا أنهم كما أخبر تعالى عنهم: لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينامون، و لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، و لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء:27]، وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:28]، وكلهم نور.

    خروج الملائكة من البيوت بسبب المعاصي

    وهنا نبهت إلى أنهم ينزلون بيوت المؤمنين؛ ليحفظوهم وليستجيبوا، وإذا دعا المؤمن قالوا: آمين! فإياكم أن تطردوهم بأيديكم! فيا معشر المستمعين والمستمعات! أغلقوا أبواب بيوتكم عن الشياطين، لا تفتحوها لهم أبداً، وكيف يدخلون يا شيخ ونحن نقرأ القرآن، ونردد آية الكرسي، وأصواتنا مرتفعة بالتهليل والتكبير؟الجواب : لا يدخلون، لكن يدخلون بيتاً فيه التلفاز، والعواهر تغني وترقص، وأصوات الكفار والماجنين تملأ الحجرة، والفحل مع بناته وامرأته يجلسون يتفرجون ويضحكون! فهنا ترحل الملائكة، والله لا تبقى! ويصبح ذلك البيت بؤرة من بؤر الفساد، ولو نعرف عاقبة ذلك لقلنا: قد يموتون على سوء الخاتمة.أتعرفون التأثير أم لا؟ يتكلم الإنسان بكلمة تؤثر في نفسه، والفحول يعرفون إذا سمع صوت امرأة أجنبية يرتفع ويهيج في باطنه، ولهذا حرم الله على المؤمنة أن ترفع صوتها للأجانب: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]، والعميان، والضلال، والملاحدة لا يفهمون هذا، لم لا تتكلم؟ يا بشر! تعالوا فتعلموا، نحن نريد أن نحفظ زكاة أنفسنا لنرتقي إلى السماء والملكوت الأعلى، ولو كنا نريد الأرض فقط، والهبوط إلى المستوى الأسفل ما قلنا: هذا حرام ولا حلال، كل، وانكح، وافعل ما تشاء! لكنك تعد نفسك لترقى إلى السماء، وتنزل الدار دار الخلد .. دار الأبرار مع النبيين والصديقين، فكيف بالذي يجمع بناته وأولاده وامرأته وأمه ويشاهدون الكفار يتكلمون ويضحكون، والعاهرة ترقص، فهل يبقى الملائكة؟! يستطيع أهل هذا البيت أن يضمنوا أنهم يموتون على حسن الخاتمة؟! ومن يضمن أن قلوبهم لا تفسد، وأن لا يصابوا بالنفاق -والعياذ بالله- ويصبحوا كالحيوانات؟يا شيخ! لم تشدد هذا التشدد؟ الجواب: أنا سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة )، ما هي الصورة؟ ليست عاهرة أو كافرة تتكلم، بل صورة موجود في ستارة على نافذة منسوجة بالخيوط، ما لها ملامح ولا صوت، منعت الملائكة! وعاهرة كافرة في بيتك ترقص، وأنت تضحك مع امرأتك وأولادك، يبقى إيمان .. يبقى نور؟ ما ندري، ولكن الذي نعلم حسب سنة الله أن من استمر هكذا في بيته أن يحصل له ما يموت به على سوء الخاتمة، فاحذروا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (35)
    الحلقة (42)




    تفسير سورة البقرة (130)

    إن الله عز وجل عليم بعباده، خبير بما تعالجه نفوسهم، فمن أنفق نفقة أو نذر نذراً فإن الله يعلم إن كان يريد بذلك وجهه تعالى، فيكفر بذلك سيئاته، ويرفع به درجاته، وإن كان يريد بذلك غير وجه الله فإنه يحرم أجر ما أنفق أو نذر، ورب العزة يبين هنا أن من أنفق نفقة فأظهرها مريداً بها وجه الله فهو خير، وإن أخفاها فهو أفضل وأجدر أن يكفر الله به سيئاته ويجزل مثوبته.
    قصة بقرة بني إسرائيل
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق رجاءنا إنك ولينا.وها نحن وقد انتهى بنا الدرس إلى هاتين الآيتين الكريمتين:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:270-271].معاشر المستمعين والمستمعات! أليس هذا كلام الله؟ إي والله، كلام الرب تعالى، وصل إلينا والحمد لله، فملايين البشر محرومون، لا يسمعون عنه ولا يعرفون، ومن عرف كفر وكذب وأنكر ليحترق ويخسر، ولكن منة الله على المسلمين أن أنزل كتابه على رسوله وأورثه فيهم، يحفظونه في صدورهم، ويحفظونه بسطورهم؛ حتى يرفعه الله حيث لم يبق من ينتفع به في آخر ساعات هذه الأيام. من القائل: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ [البقرة:270] أليس الله؟ بلى؛ لأن هذا كلامه في كتابه، وهذه الآيات من سورة البقرة، وهي ثاني سورة من سور كتاب الله عز وجل، الأولى الفاتحة، والثانية البقرة، هذه البقرة لا تتصور منها ذات اللبن واللحم، هذه السورة ذكر فيها لفظ البقرة؛ فسميت بذلك.وحادثة البقرة حادثة عظيمة، تليت على الرسول صلى الله عليه وسلم وقرأها في الكتاب ولم يشهد أيامها ولم يعرف عن أهلها ولا عن تاريخها، إلا أن اليهود وهم أهلها كانوا يسكنون هنا ويجادلون، والله! ما استطاعوا أن يردوا حادثة ذكرت في القرآن وهي من أحداث آبائهم وأجدادهم، فلهذا قل: آمنت بالله.وحادثة هذه البقرة: أن رجلاً كان يحب الدينار والدرهم مثلنا، وكان له ابن أخ يرثه، وطالت المدة، فمتى يموت هذا؟ فاستعجل فقتله وأخذ يصرخ: ابن أخي قتل!وتمضي القرون وعشراتها ويحدث هذا في قرية كنا نقيم بها، رجل من أهل القرية له ابن أخ يشترك معه في بستان، فوالله! لقد ذبحه تحت نخلة في حوض، وخرج يندب ويصرخ ويبكي: ابن أخي ذبحوه، وقامت البلاد وقعدت، وجاء الباحثون أو المحققون، وما هي إلا جولة واعترف بأنه هو الذي ذبحه؛ لأن طباع البشر هي هي، إذا لم يمتلئ قلبك بنور الله فأنت في الظلام، والماشي في الظلام كيف ترون مشيته؟ يتخبط، يقوم ويقعد. إذاً: فلما رفعت القضية إلى نبي الله موسى عليه السلام بم حكم؟ أوحي إليه أن: اذبحوا بقرة من خيرة ما تملكون. وأخذوا يتشددون: ما وصفها؟ ما سنها؟ حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو رضوا بأول بقرة ذكرت وذبحوها لأجزأتهم، لكن انتهوا إلى أن اشتروا بقرة من يتيم بملء جلدها ذهباً، وذبحوها وأخذوا قطعة لحم وضربوه بها فاعترف، لهذا سميت بسورة البقرة، ولا بأس بأن نسمعكم تلك الآيات، وهي قصة عجب، ولم يستطع اليهود أن يردوا فيها حرفاً واحداً.قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة:67-70] قالت العلماء: لولا هذا الاستثناء فوالله ما اهتدوا، لكن ألهمهم الله فقالوا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى [البقرة:70-73]، ضربوا المقتول بقطعة منها فقال: قتلني فلان ومات، ومن عجيب أسلوب القرآن أنه قدم القصة وأخر سببها؛ لتبقى النفس متشوقة، ولو ذكرت الحادثة من أولها فقد لا تقرأ الآيات بعد، فآمنا بالله.
    انصراف المسلمين عن الاجتماع على مدارسة القرآن الكريم
    فهذا القرآن، هذا النور الرباني حرمه المسلمون من قرون لا يجتمعون عليه ولا يقرءونه ولا يعلمون ما فيه، ولا يحكمونه ولا يطبقون شرائعه، وإنما يقرءونه على الموتى، إذا مات أحد في العائلة يأتون بطلبة القرآن يقرءونه ويطعمونهم ويضعون في أيديهم ما شاء الله من النقود، هذا هو القرآن، فمتنا، من فعل بنا هذا؟الثالوث المكون من المجوس، واليهود، والنصارى، لم فعلوا بنا هذا يا أبنائي؟ عرفوا أن حياة هذه الأمة كانت بالقرآن، فقالوا: هيا نبعدها عن القرآن، أما أن نبعد القرآن عنها فما نستطيع، حاولوا أن يسقطوا حرفين وهي كلمة (قل) وانعقدت مؤتمراتهم السرية مئات المرات وعجزوا، فكيف يصنعون؟قالوا: إذاً نبعدهم عن قراءته فقط، فحولوه إلى المقابر، وإلى المآتم، وإلى بيوت الموتى، أما التفسير فإن قلت: قال الله؛ فإنه يقال لك: اسكت، هل أنت تعرف ما مراد الله؟ قل: قال سيدي فلان، قال الشيخ! ووضعوا قاعدة أيضاً حفظناها، يقولون: تفسير القرآن العظيم صوابه خطأ، إن فسرت وأصبت فأنت آثم، وخطؤه كفر، ومن فسّر فأخطأ فقد كفر، فألجموا أهل القرآن وأسكتوهم، فضلت الأمة وهوت وسقطت، فمزقوها وشتتوها وعذبوها واضطهدوها، وما زالت إلى الآن ترزح تحت كلكل معتقداتهم.وإلى الآن أروني اثنين أو ثلاثة يجتمعون تحت سارية، تحت شجرة، في ظل جدار ويقول أحدهما للآخر: من فضلك أسمعني شيئاً من كلام ربي.إذاً: ما زال الموات هو هو، ولهذا ما زلنا أذلة فقراء منحطين، اليهود يضحكون علينا، والمسلمون أذل الناس، من أذلهم؟ الله. لم يذلهم؟ أعرضوا عنه، ما عرفوه، جهلوه، ما هم بأولياء، إذاً: سلط عليهم أعداءه إلا من رحم الله، فهيا مع هذه الآية.


    تفسير قوله تعالى: (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ...)
    يقول تعالى لنا معشر المؤمنين والمؤمنات، وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270] صغيرة أو كبيرة، ذهب أو تمر، أو ثوب؛ لأن التنكير هنا للتعميم، وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ [البقرة:270] مطلق النفقة، أنفقتموها أولاً: على الفقراء والمساكين، ثانياً: لأجل رضا الله وحبه لكم ورضوانه عليكم، أما إذا أنفق للرياء والسمعة، أو أنفق على الكفار والمنافقين فهذا ليس لله، وما أنفقتم أيها المؤمنون وأيتها المؤمنات من نفقة صغيرة أو كبيرة، هذا أولاً.
    النذر الجاهلي الشركي
    ثانياً: أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ [البقرة:270] النذر هذا في لغة العامة يسمونه العينة وهي لغة فصيحة، ويسمونه الوعدة وهي بين بين، فالعينة فصيحة والوعدة لا بأس بها، ولفظ النذر نسيناه، ما أصبح أهل القرآن ولا غيرهم يقولون: النذر، في أكثر قرى العالم ومدنه أيام الهبوط يقال: العينة والوعدة، فما هذه الوعدة؟ كانت المرأة إذا ما يسر الله زوجاً لابنتها وتريد زواجها تعد سيدي عبد القادر بوعدة: يا سيدي عبد القادر ! إذا تزوجت ابنتي ذبحت لك كبشاً.وإن كانت في خصومة مع زوجها تقول: يا سيدي إدريس، يا مولاي كذا! إذا غلبته وخاصمته في المحكمة فسأذبح بقرة، وقد سمعت أذني وأنا طفل أمشي مع عجوز، فمرت بولي في قبة فواجهته فقالت: إذا انتصرت على زوجي فسأفعل كذا، واسألوا العجائز.هذا هو النذر، لا يعرفون نذراً لله قط، إلا للأولياء، لسيدي فلان ولسيدي فلان، من إندونيسيا إلى موريتانيا، حتى المدينة قبل دخول عبد العزيز وتطهيرها.هذا النذر الجاهلي، وهو في الحقيقة شرك في عبادة الله تعالى، من نذر لغير الله فقد أشرك، أي جعل المنذور له إلهاً وأقبل عليه، ورغب أن يقضي حاجاته ويعطيه سؤله، فجعل له شركاً محضاً.هذا النذر الشركي زالت غيومه وسحبه إلا القليل بفضل الله تعالى ثم بفضل هذه الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، واتسع نطاقها، وانتقل رجالها، وعانوا من كلمة وهابي، ففي السودان وفي كل بقعة كل من يدعو إلى الله يقال له: هذا وهابي إذا كان يحارب الخرافات والضلالات، ولكن بقضاء الله وقدره انتشر الكتاب وجاءت هذه المواصلات العصرية، وأصبح الناس يحجون ويعتمرون ويعودون، فانتشرت دعوة التوحيد، وإلا فقد مضت قرون والأمة هابطة، والله! ما يعرفون الله كما يعرفون غيره، فالحمد لله.فالنذر لغير الله شرك، أن تقول: يا سيدي فلان، أو يا رسول الله، أو يا فاطمة، أو يا مولاي، أو يا معشر الصالحين! إن فعل الله بي كذا فسنفعل لكم كذا وكذا، هذا شرك محض، صاحبه لو لم ينقذه الله بالتوبة أو بالإقرار بالتوحيد فيموت وقد تبرأ من ذلك الشرك فهو خالد في جهنم، أما قال الرب تبارك وتعالى: مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72] وهذه الكلمة قالها عيسى عليه السلام في اليهود، هذه كلمة ابن مريم سجلها الله في القرآن وأسمعنا إياها؛ إذ جاء من سورة المائدة: وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].ومن سورة النساء آيتان لنا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وفي آية: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، فمن هنا ما أصبح بين العارفين والعارفات من يقول: يا رسول الله. وقد كان الشيخ الكبير يقول والمسبحة في يده: لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله في غمرة من الأنوار، وحين ينعس وتسقط المسبحة يقول: يا سيدي فلان! فيمسح كل ذلك، ويسقط الفنجان من يده أو الكأس أو الملعقة فيقول: يا فلان! وهل الله ما يسمعون به أم ماذا؟! وقد ذكرت لكم أن أحد الإخوان حضر دروسنا وظنناه تفوق وتعلم، ركبنا معه السيارة وهو السائق رحمة الله عليه، وخرجت السيارة عن الطريق فقال: يا رسول الله! يا رسول الله! بأعلى صوته، فقلت له: أين الله؟ ولو مات على هذه الحال لمات مشركاً، وهو عامي؛ لأن العوام إذا لم يتربوا تربية في حجور الصالحين زمناً طويلاً فما يكفيهم السماع؛ إذ لا بد من الصدق في الطلب، والرغبة في تحقيق العلم والعمل به، ويجلس العام والأعوام، أما في أيام محدودة أو مواسم معينة فما ترسخ هذه العلوم في النفس البشرية.
    النذر المكروه
    وهناك النذر الجائز ولكنه مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل ) أن يقول: يا رب! إن نجح ولدي وأخذ البكالوريوس أو الماجستير فسأذبح بعيراً للفقراء والمساكين، فإن نجح ولده وأخذ الماجستير وجب أن يذبح لا محالة، وإذا ما نجح ولده ورسب مع الراسبين فليس عليه شيء، لا يذبح ولا يصوم.وآخر يقول: إن يسر الله لي ووجدت سكناً أو بنيت غرفة أسكنها فسأصوم شهراً لله رب العالمين، وتمضي الأيام وتحقق مطلوبه وحصل، يجب أن يصوم ذلك الشهر وجوباً، فإن لم يتحقق مطلوبه فلا شيء عليه، لا يصوم.امرأة تقول: لو يرزقنا الله ولداً لأصومن عاماً كاملاً، وهي عاقر ما تلد، وإذا بها تحمل وتلد، يجب أن تصوم عاماً، هذا النذر جائز، لكن مكروه؛ لأنك تقول لربك: إن تعطني أعطك، وإن لم تعطني فلن أعطيك، أليس هذا سوء أدب؟ أنت تخاطب سيدك ومولاك وحبيبك وتقول: إن تعطني أعط، وإلا فلن نعطي! الله يقبل هذا، لكن فيه سوء أدب، وإذا أعطاك الله ما طلبت فما أعطاكه من أجل نذرك، بل أعطاكه قبل أن يخلقك ويخلق الملكوت كله، هذا في قضائه وقدره، فالنذر لا يأتي بشيء.هذا النذر دون الأول، الأول شرك محض أعوذ بالله منه ومن أهله، والثاني جائز، فالعجز، والضعف، والحاجة تجعل الإنسان ينذر هذا النذر رجاء أن يعطيه الله، فلا بأس، وتركه أولى.
    النذر المحمود المعني في الآية الكريمة
    ثالثاً: النذر الذي يعنيه تعالى هنا كما في قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، هذا النذر يا أبنائي ليس عندنا، هذا النذر هو أن يتكلم مع الله سراً ويقول: يا رب! لك علي أن أحج هذا العام على رجلي، أعذب نفسي من أجلك، وجاء الحج وخرج، فيقال: اركب. فيقول: ما نركب، تقف السيارة والبعير فيقال: اركب يا شيخ! فيقول: دعوني أمشي، فيحج ماشياً يريد أن يرضى الله عنه، أن يحبه الله، أن يسجله في ديوان أوليائه الصالحين.وآخر يقول: لك يا رب علي أن أبيت هذه الليلة راكعاً ساجداً حتى يطلع الفجر، ويصلي العشاء ويبدأ، فيصلي ويبكي إلى أن يطلع الفجر، لماذا فعل هذا؟ هل ليزوجه؟ لا. بل ليرضى عنه، ليحبه، يتملق إلى الله ويتزلف إليه.أو يقول: لك يا رب من الآن ثلث ما أملك، كلما جاءه خير تصدق بثلثه، لم يفعل هذا؟ يتملق الجبار، يتزلف إلى الجليل العظيم ليرفع مستواه ويعلي مقامه، وينزله في مستويات أوليائه الصالحين، هذا النذر الثالث هو الممدوح، هو المحبوب، هو المرغوب، لكن هذا قل من يراه أو يفعله؛ لأننا طماعون نريد أشياء حاصلة.فالنذور ثلاثة: أولها: شرك وحرام، وثانيها: جائز ومكروه، وثالثها: مرغوب ومحمود.هذا الثالث هو الذي عناه ربنا تعالى في قوله: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270] أهذا هو الجزاء: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270]؟ هذا ما هو بالجزاء، الجزاء فوق ما تتصور، فلهذا ما ذكر الجزاء، واكتفى تعالى بقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270]، وإذا علمه فهل سيضيعه؟ هل سيفرط فيه؟ كلا. معناه: اتركوا لي هذا الجزاء، فهذا هو النذر الثالث لا الأول ولا الثاني؛ فإن الله يعلمه ويجزي به أعظم الجزاء وأوفاه وأوفره؛ لأنك نذرت من أجل أن يحبك أو يعلي شأنك أو ينزلك في منازل الصالحين، فأبشر بما نذرت لله.وأما من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، هذا مجنون، يقول: لله علي أن أضرب الشيخ الفلاني على وجهه، فهل هذا يجوز؟ هذا كلام باطل، ومن نذر نذراً آخر لسيدي عبد القادر وسيدي علي؛ فهذا لا يجوز الوفاء به أبداً، ويحرم الوفاء به.
    معنى قوله تعالى: (وما للظالمين من أنصار)
    وقوله تعالى: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270] لم هذه الجملة هنا في هذا السياق؟ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270]، لا يوجد من نصير ولا ناصر للظالمين أبداً، الظالمون هنا هم المشركون الذين ينذرون لغير الله، الذين يتقربون إلى غير الله، يتزلفون ويتملقون لسوى الله، هؤلاء ما لهم من نصير.إذا نذر أحدنا لسيدي عبد القادر فهل سيتحقق له شيء؟ إذا نذر أن يجدد قبة مولاي إدريس، ويصبغها بالخضرة لا بالحمرة، فهل سيثاب؟ هذا ظلم، فمن ينصره؟ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270].والظالم: الذي يضع الشيء في غير موضعه، ومن الظلم أيضاً أن تنذر لله وأنت قادر ولا تفعل، تعد ربك وتخلف وتعدل عن ذلك! فهذا ظلم، ووضع للشيء في غير موضعه، فلنحذر أيها المستمعون ويا أيتها المستمعات من الظلم؛ فإن الظالم لا ناصر له أبداً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بإخبار الله تعالى وتقريره: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270].
    تفسير قوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي ...)
    ثم قال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة:271] إن تتصدقوا وتعلنوا صدقاتكم وتظهروها فلا حرج، فنعم تلك الصدقات. إِنْ تُبْدُوا [البقرة:271]: أي تظهروا صدقاتكم، سواء كانت لحماً أو ثياباً أو مالاً أو تمراً أو طعاماً، إن تبدوها وتظهروها فلا بأس ما دمتم لا تريدون إلا وجه الله، لا تنظر إلى وجه علي ولا عمر ولا فلان ولا فلان حتى تمدح، أو يدفع عنك الذم ويقال: فلان ما هو ببخيل، إن أعلنتها أديتها والناس يشاهدون أو يسمعون وأنت لا تريد إلا رضا الله فلا حرج، فنعم الصدقة هي، فنعم ما تصدقتم به، وهذا تشجيع للمؤمنين على أنهم يتصدقون، فمتى فتح باب الصدقة ووجد من يطلبها وهو مستحق لها لا يقل: آتيه في الليل فقط، أو ما دام الناس ينظرون إلي فلن أتصدق! إذ الشيطان أحياناً يفعل بالعبد هذا، يقول: ما دام الناس يشاهدونني فلن أتصدق؛ حتى لا أكون قد راءيت، يأتي بهذا حتى يمنع الصدقة، فأغلق الله الطريق في وجهه، وأذن لعباده المؤمنين أن يتصدقوا علناً، وبشرهم بأنه نعم الصدقة هذه.وأحياناً إذا كانت الصدقة واجبة فالإعلان عنها وإشهارها أفضل؛ حتى يتتابع الناس، ولعلكم تذكرون ذاك الرجل الذي جاء بزنبيله أو كيسه في الروضة، والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب، وأخذ الأصحاب يتتابعون حتى امتلأت جمع كوم من الطعام وآخر من الثياب.فلا بأس أن تتصدق والناس يشاهدونك، أي: واحد أو اثنان أو عشرة، ليس في السوق أو في المسجد، فلا تخف ما دمت لا تريد إلا وجه الله، وقد يأتيك الشيطان ويمنعك من الصدقة بحجة أن الناس يشاهدونك كأنك ترائي، إذا سمعت هذا النغم فاعرف ما هو ومن صاحبه، وامض في صدقتك.


    معنى قوله تعالى: (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم)
    ثانياً: الصدقة السرية، كما قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: ( صدقة السر تطفئ غضب الرب )، صدقة السر -أي الخفاء- تطفئ غضب الله عز وجل، من فعل فعلة تغضب ربه عليه وأراد أن يخرج من هذه فليتصدق في ليله، هذه الصدقة السرية تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى.وبلغنا عن أهل المدينة أنهم كانوا يأتون في الليل بالصدقة، يأتي أحدهم بعد المغرب أو بعد العشاء ويقرع الباب فيفتح الباب فيرمي كيس النقود أو السكر أو الدقيق ويمضي وما يلتفت، هذه مأثورة عن ديارنا هذه، يأتي في الليل والأموال في يده أو في كيسه فيقرع الباب فيفتحون الباب فيرميه ويذهب، ويجري وراءه الأولاد فما يلتفت إليهم، عرفوا أنها صدقة يريد صاحبها أن يخفيها؛ ليعظم الجزاء عليها، نظراً إلى قول الله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271]. ومن هم الفقراء؟الفقراء : جمع فقير، وهو الذي لا يجد قوته، ولا ما يستر به عورته، ولا ما يكنه، هذا المحتاج، هذا الفقير، هذا الذي إذا كتمت صدقتك ووضعتها بين يديه حيث لا يراك إلا الله فأبشر بالجزاء الحسن، فهو خير لكم من إعلانها؛ لأن الإعلان ذكرنا له علة، فقد لا يسلم منها الإنسان، لكن إن تشجع بذلك غيره فلا بأس، كما أن الإعلان الثاني مستحب ليشجع الحاضرين على الإنفاق، فقير وقف بين أيدينا فتصدق واحد ليتابعه الآخرين، من أجل هذا أعلن عن صدقته: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271] حالاً ومآلاً، في الدنيا وفي الآخرة، خير لكم تنالونه وتظفرون به اليوم قبل يوم القيامة، ويوم القيامة؛ إذ هذا أسلم من الرياء والسمعة، حتى الفقير حين تعطيه ولا تواجهه يفرح بذلك، أما إذا قلت: خذ يا عدنان فإنك تؤلمه بها، وقد تقدم لنا وعرفنا أنه لا يجوز أبداً المن على المتصدق عليه، هذا ولي الله ابتلاه الله بالفقر لينظر أيصبر أم يجزع، فهو في أيام محنته وأنت تتصدق عليه وتقول: أنت كذا وكذا، فعلنا معكم كذا وكذا! فتذله وتكسر شرفه، هذا لا يجوز.والأذى كالمن أيضاً، يعطيه ويدفعه بيده، أو يرمي له الفلوس أو كيس التمر وهو متكبر عليه مترفع، فهذا حطم هذا الولي وأذله وأهانه وهو ولي الله.قال تعالى: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271] حالاً ومآلاً، ومن الخير: أن الفقير ينشرح صدره وتطمئن نفسه ولا يشعر بإهانة ولا بذل ولا بصغار؛ لأنك أخفيتها عن غيره حتى ما يسمع الناس أن فلاناً محتاج وفقير.
    دلالة التبعيض في قوله تعالى: (ويكفر عنكم من سيئاتكم)
    وأخيراً: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]، لماذا قال: (من) وما قال: (ويكفر عنكم سيئاتكم) فتستريحون مرة واحدة؟ قال: مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]؛ لأن من السيئات ما هي حقوق للآدميين، كضرب المؤمن وكسلب ماله، كانتهاك عرضه، كإذلاله وإهانته، كسجنه وتعذيبه، هذه ما تكفرها الصدقات، فحقوق الناس لو تتصدق بملء الأرض ما ينفعك ذلك حتى تتحلل منهم، وترد ما أخذت منهم أو تضع خدك على الأرض ليضربوك كما ضربتهم، أو ليشتموك ويسبوك كما شتمت وسببت، أو يعفوا عنك ويتكرموا بفضلهم وإحسانهم عليك، فكونك تتصدق وتقول: هذه الصدقة تكفر سيئاتي مطلقاً غير صحيح؛ لأن الحكيم العليم قال: مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271] و(من) للتبعيض، ولو شاء لقال: (ويكفر عنكم سيئاتكم) وهو على ذلك قدير، لكن مراعاة لحقوق عباده من رجال ونساء من المؤمنين والمؤمنات، فكونك تتصدق كل يوم بمليار دولار وتظن أنه يكفر ما أخذت من أموالهم أو اضطهدتهم وعذبتهم وأن هذه الصدقة تكفي؛ فوالله! ما تكفي.وقد بين هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعرض عرضاً كاملاً في عرصات القيامة، إذ يجاء بالرجل له الحسنات الكثيرة، ويأتي المظلومون يأخذون من حسناته، والميزان يهبط، وحين لا تبقى له حسنة يأتون بسيئاتهم ويضعونها عليه فيغرق ويهلك، ذلكم هو المفلس، إذ قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( هل تدرون من المفلس؟ قالوا: من لا درهم له ولا دينار. قال: المفلس من يأتي بحسنات كالجبال، ويأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ويؤخذ لهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار )، هذا هو المفلس، والإفلاس معروف.
    معنى قوله تعالى: (والله بما تعملون خبير)
    قال تعالى: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271]، لا تفهم أنك تستطيع أن تخادع الله، وأن تدعي أنك أنفقت في الخفاء، تقول: أنا الآن أعطيت فلاناً كذا وكذا، انتبه، فالله تعالى بما تعملون من خير وغيره خبير، إذاً: فراقبوه، لا تفهم أنك وحدك، والله! لا يخفى عليه من أمرنا شيء، فلهذا إذا قوي هذا الشعور عندك، أو إذا ارتفع هذا المستوى للإيمان عندك فإنك تستحي أن تقول كلمة لا ترضي الله عز وجل، تستحي من الله أن تكشف سوأتك أو عورتك وحدك أيضاً، تخاف من الله أن ترتكب أدنى ذنب من الذنوب؛ لأنك مع الله والله معك، هذه هي المراقبة، وفضلها الله حتى على الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله في آية التربية الإلهية؛ إذ قال تعالى وهو يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته تابعة له: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45]، تلاوة القرآن في ليل أو نهار من شأنها أن تحفظ الإنسان من السقوط في مهاوي الشر والفساد، تعصمه من زلات القدم؛ لأنه مع الله يتلو كتابه، ويعرف ما بين الله وما أحل وما حرم، وما أوجب وما منع، فكيف يعصيه؟ ثانياً: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45] أقم الصلاة، ما قال: صلّ؛ لأن إقامة الصلاة تحتاج إلى طهارة بدن، طهارة ثوب، طهارة مكان، وقت معين، مكان معين، وتقف بين يدي الله تتكلم معه وقد نصب وجهه الكريم إليك وأنت بين يديه، ثم تبكي، وتسجد وتركع، ويأتي الظهر والعصر والمغرب والعشاء في حلقة من حلق الاتصال بالله عز وجل، أين الوقت الذي تعصي الله فيه؟ ما تستطيع، وعلل لذلك بقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] بما توجده من طاقة النور في القلب البشري، لأنها أكبر مولد للنور، أكبر من الصيام: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].ثالثاً: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] أي: مما سبق، أكبر في الحفاظ على قلب العبد حتى لا يزل ولا يسقط، والدليل عندنا أننا نقول: من منكم يذكر الله ويمد يده إلى ما حرم الله؟ يذكر الله وينكب على جريمة يفعلها، لا يتأتى أبداً.وما يقع على المعصية إلا في حال نسيانه لله، وعدم ذكره لله، فلهذا من لازم الذكر ما يستطيع أن يقع في سيئة أبداً، الذكر بقلبه ولسانه، بشروط الذكر.وأخيراً قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]، هذه هي المراقبة، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271]، إذاً مراقبة الله العصمة الكاملة، الذي يراقب الله لا يضجر، لا يسخط ولا يكذب ولا يفجر، ولا يترك واجباً أبداً؛ لأنه مع الله، فكيف أنت مع الله وتعصيه؟ أنت تمشي بين حراس خمسة أو ستة من البوليس فهل تستطيع أن تسرق وأنت بينهم؟ أو تقوم وتسب وتشتم وتضرب أحد المارة وأنت بينهم؟ ما تستطيع، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].وقوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة:271] أصلها: نعم ما، فأدغمت الميم فيها، نعم شيء عظيم، فأصلها: (نِعم) ما هذا، فسكنت الميم وأدغمت في الميم، فكانت (نعما).
    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات
    والآن مع معنى الآيتين الكريمتين من التفسير.قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين: [ معنى الآيتين:بعدما دعا تعالى عباده للإنفاق في الآية السابقة أخبر تعالى أنه يعلم ما ينفقه عباده، فإن كان المنفَق جيداً صالحاً يعلمه ويجز به، وإن كان خبيثاً رديئاً يعلمه ويجز به، وقال تعالى مخاطباً عباده المؤمنين: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270]، فإن كان مبتغىً به وجه الله ومن جيد المال فسوف يكفر به السيئات، ويرفع به الدرجات، وما كان رديئاً ونذراً لغير الله تعالى فإن أهله ظالمون، وسيحرمون أجر نفقاتهم ونذورهم لغير الله تعالى ولا يجدون من يثيبهم على شيء منها؛ لأنهم ظالمون فيها حيث وضعوها في غير موضعها: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة:270].وأما الآية الثانية فقد أعلم تعالى عباده المؤمنين: أن ما ينفقونه لوجهه ومن طيب أموالهم علناً وجهراً هو مال رابح، ونفقة مقبولة يثاب عليها صاحبها، إلا أن ما يكون من تلك النفقات سراً ويوضع في أيدي الفقراء يكون خيراً لصاحبه لبعده عن شائبة الرياء، ولإكرام الفقراء وعدم تعريضهم لمذلة التصدق عليهم، وأنه تعالى يكفر عن المنفقين سيئاتهم بصدقاتهم، وأخبر أنه عليم بأعمالهم، فكان هذا تطمينًا لهم على الحصول على أجور صدقاتهم وسائر أعمالهم الصالحة ].
    هداية الآيات
    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:[ هداية الآيتين:أولاً: الترغيب في الصدقات ولو قلت ] لأنه تعالى قال: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ [البقرة:270]، [ والتحذير من الرياء فيها، وإخراجها من رديء الأموال وخبيثها.ثانياً: جواز إظهار الصدقة عند سلامتها من الرياء.ثالثاً: فضل صدقة السر، وعظم أجرها، وفي الحديث الصحيح: ( رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) ] في سبعة رجال ونساء: ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) وذكر منهم: رجلاً تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (36)
    الحلقة (43)




    تفسير سورة البقرة (131)

    وعد الله عز وجل الذين ينفقون أموالهم في سبيله بالليل والنهار سراً وعلانية بالأجر العظيم والثواب الجزيل، لما في إنفاقهم على إخوانهم من التوسيع على فقرائهم، خاصة ممن لا يستطيعون الضرب في الأرض طلباً للرزق، وهم مع ذلك متعففون عن سؤال الناس، ولا يعرفهم إلا من أنار الله قلبه وهيأه لأن يكون سبباً في التوسيع عليهم، والله عز وجل يوفيهم أجرهم يوم القيامة.
    تفسير قوله تعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ...)
    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) ، اللهم حقق رجاءنا يا ولي المؤمنين ومتولي الصالحين.وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه الآيات الثلاث:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ * لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:272-274].أين هؤلاء؟ لقد مضوا، فهل حلف الزمان أن لا يأتين بمثلهم؟ الجواب: لا، بل يوجدون إن شاء الله تعالى، فهيا نتدارس هذه الآيات الطيبات المباركات.من القائل: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272]؟ الله. ومن المخاطب بهذا الكلام؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهل أمته معه؟ إي وربّ الكعبة.

    سبب نزول الآية الكريمة

    يقول تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272] لِم؟ هذه الآية لها سبب في نزولها، وإذا عرف السبب اتضح المعنى أكثر.فقد كان يوجد من اليهود ممن بينهم وبين أهل المدينة أرحام ومصاهرة ومصادقة، ويوجد أيضاً من المشركين أقارب للمؤمنين، وحسبنا أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما جاءتها أمها من مكة وهي مشركة، وكانت ترغب في أن تساعدها ابنتها أسماء، فاستشارت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: ( صلي أمك ) فأعطتها ما شاء الله أن تعطيها، فلما تحرج المسلمون من الصدقة على الكفار من يهود أو من مشركين من إخوانهم وأقاربهم أنزل الله هذا البيان الشافي: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272] أيها المتصدق، كونك لا تتصدق إلا على مؤمن ولا تتصدق على فقير كافر كتابياً أو غير كتابي؛ فالهداية بيد الله ليست بيدك.إذاً: فأذن لنا أن نتصدق على فقراء الكفار الذين يسكنون معنا ونشاهد فقرهم وحاجتهم، ونحن في غنى عما نعطيهم إياه، والأمر كما علمتم لم ينسخ، يجوز للمؤمن والمؤمنة أن يتصدق على المشرك إذا كان فقيراً محتاجاً إلى سد حاجته، وأما هدايته فبيد الله، ليس لك أنت حتى تمنع الصدقة عنه.

    حكم دفع الزكاة لفقراء الكفرة

    وهذا أضيف إليه: أن الصدقة التي يجوز التصدق بها على الكافرين هي صدقة التطوع، وليست هي الصدقة الواجبة، فالزكوات كلها واجبة فلا يصح أن تعطي كافراً من زكاة مالك درهماً ولا ديناراً، لِم؟ لأنها حق فقراء المسلمين، فليست حقك أنت فتعطيها لمن تشاء، هذا المال الذي أعطاك الله فرض عليك فيه (2.5%) لعباده الفقراء، فلا حق لك في أن تعطيه لغير المؤمنين، ما هو بمالك، والمال الذي هو بيدك تصدق به على الفقراء والمساكين. أعيد واحفظوا وبلغوا: أن الزكاة الواجبة على المؤمن لا يصح أن يخرج منها للفقراء والمساكين الكافرين، لماذا؟ لأن هذا حق للفقراء والمساكين المسلمين، فمن أين لك أن تتصرف فيه أنت، ما هو مالك ، وجب هذا القدر من المال في مالك الصامت أو الناطق، فليس من حقك أن تعطيه من تشاء، هذا بين الله تعالى مصارفه الثمانية: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَة ِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60]، على أن يكون هؤلاء مؤمنين وليسوا بكافرين، واختلف في صدقة الفطر، زكاة الفطر، فمن رأى أنها فرض واجب منع أن تعطى لفقراء اليهود والنصارى والكافرين، ومن رأى أنها ليست بفرض كأبي حنيفة فإنه يقول: يجوز أن تعطى للفقراء أهل الكتاب وغيرهم.وحديث ابن عمر في الموطأ: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ..)، الحديث، فكلمة (فرض) توقف الإنسان عند حده.إذاً: عرفنا أنه يجوز التصدق على الفقراء والمساكين الكافرين، إي والله، وهذه الآية هي الدليل: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272]، من شاء الله هدايته هداه، أنت لا تستطيع أن تهديه، كأن تقول له: اسمع: إن تسلم الآن وتدخل في الإسلام فسأكسوك، سأشتري لك بغلة أو سيارة، ليس هذا لك.

    حكم دفع الزكاة لتارك الصلاة

    وإنما قد يعترض علينا بكلام سبق لنا أن قلناه، وهو: إذا كنت في بلد لا تقام فيه حدود الله كسائر العالم الإسلامي باستثناء هذه الديار، وأخوك لا يصلي، أو عمتك لا تصلي، جارك لا يصلي، وهم فقراء، لو كانوا هنا فسنقول: يجب أن تعلم الهيئة وأن تنقل إليهم حتى يصلوا رغم أنوفهم، أو يقتلوا، لكن ما دام أن الحدود لا تقام ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، أقول: قل لأخيك: إن تصل فسأعطيك، يا فلانة! إن تقيمي الصلاة فإن شاء الله سأعطيك من الزكاة ومن الصدقة، فهذا لا بأس؛ لأنه مؤمن لكنه فاسق، أو جاهل، فإن أنت قلت له: الزكاة لا تصح لغير المصلي، فصل وسنعطيك؛ فلا بأس أن تقول ذلك حتى يصلي؛ لأنك لا سلطان لك عليه وهو ما هو بكافر بالصلاة، مؤمن بها، لكن التقليد الأعمى والكسل والجهل جعله ما يصلي، فإن أنت قلت له: اسمع يا جاري: أنت فقير، وعندنا الزكاة، ولكن لا تصح لتارك الصلاة، إن صليت فإن شاء الله سيكون لك نصيبك مع إخواننا.هذا القول قلناه مرات، وهو إن شاء الله من الصواب بمكان، أما في المملكة فالذي يقول: إن ابني ما يصلي أو امرأتي؛ نقول: يجب أن تبلغ الهيئة، وحرام أن تسكت، فضلاً عن أن تعطيهم الزكاة أو لا تعطي، يجب أن يصلوا، لكن البلاد التي ما فيها حكم إسلامي ما يستجيبون لك، تبلغ بهم الشرطة فيقولون: اذهب، وما يستمعون لك.

    معنى قوله تعالى: (ولكن الله يهدي من يشاء)


    إذاً: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272]، هذه الآية نزلت في الصحابة لما تحرجوا: هل يعطون الصدقات للفقراء من اليهود من جيرانهم، وللمشركين الكفار أو لا؟ لما تحرجوا أزال الله الحرج والضيق في القضية، وأذن لهم وقال: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272]، من هم الذين يشاء الله هدايتهم؟دائماً أنبه على أن الذي يرغب في الهداية ويطلبها ويطرح بين يدي الله، ويبكي بين يديه يسأله؛ لا يحرمه الله الهداية، الذي يقرع باب الله: ربّ تب عليّ، رب ارحمني، رب اهدني؛ هذا الذي يهديه الله، أما المعرض الذي يعطي دبره ولا يلتفت إلى الله ولا يسأله ولا يرغب في الهداية فلن يهتدي، وهذا البيان نافع بإذن الله، فالذي يقبل على الله ويسأل الهداية ويطلبها كسلمان الفارسي تنقل كذا سنة يبحث عن الدين الإسلامي من فارس إلى الشام حتى وصل المدينة، وانتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فأسلم.فالذي يقرع باب الله: يا ربّ تب عليّ، يا رب ارحمني، يا رب اهدني، هذا يشاء الله هدايته، وحاشا لله أن تطلبه ويردك عن الهداية، ومن أعرض أعرضَ الله عنه، هكذا نفهم مشيئة الله في باب الهداية. وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272] هدايته، فإذا شاء هدايته جعله يطلب الهداية ويقرع أبوابها، ويسأل عنها.

    معنى قوله تعالى: (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم)

    إذاً: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ [البقرة:272]، هذه فاصلة أخرى، أنت حين تعطي للفقير اليهودي أو الكافر إنما أعطيتَ لنفسك، فافهم هذا. وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة:272] مطلق خير، طعام أو شراب أو غيره، فَلِأَنفُسِكُمْ [البقرة:272]، أنتم الذين تستفيدونه، وتدخرونه، ويسجل لكم عند الله، وتحاسبون به وتجزونه، لا تفهم أنك إذا أعطيت لكافر لا تثاب عليه، بل ثوابك كامل، أنت ما أعطيت إلا لنفسك، هذا الواقع: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ [البقرة:272]، فإذا تصدقت على فقير أو مسكين فلا تفهم أنه الذي انتفع، أنت الذي انتفعت، هو يأكل وتنتهي، أما أنت فتسجل لك وتضاعف حسناتك بها ويزاد فيها، هذا إخبار الله تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ [البقرة:272] لا لأولئك الفقراء ولا المساكين، لأنفسكم أنتم.

    معنى قوله تعالى: (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)

    وقوله: وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة:272]، يا عباد الله! لا ينفقن أحدكم نفقة صغيرة أو كبيرة إلا وهو يريد وجه الله بها، لا للوطن ولا القرابة ولا الصلة ولا الطمع ولا الشكر، ولا الثناء، لا ينفق إلا طلباً لرضا الله عز وجل، يجب هذا، ومن أنفق نفقة ليمدح .. ليثنى عليه.. ليقبل على سلعته.. ليشكر بين الناس؛ فهذه ولو كانت قناطير فوالله! لا تزن حسنة واحدة، ما أراد بها وجه الله: وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة:272] أي: طلباً لوجه الله ليقبل عليك.إذاً: الصدقة الواجبة أو صدقة التطوع يجب أن يكون المراد بها: طلب رضا الله عنك، أما إذا التفت في صدقتك أدنى التفات إلى غير الله فقد بطلت ولو كانت قناطير، هذا تعليم الله، فهل استفاد منه المؤمنون؟الذين عرفوا استفادوا، ينفق النفقة ولا يريد أن يسمع به أحد، أو يطلع عليه أحد، لا يريد إلا أن يرضى الله عنه: وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272]. وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة:272]، الماء، الطعام، الشراب، اللباس، قل ما شئت في كلمة خير، حتى الكلمة الطيبة: ( والكلمة الطيبة صدقة )، الابتسامة في وجه الفقير صدقة، إذاً: كلمة (خير) منكرة لتشمل كل ما ينفع: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ [البقرة:272] كاملاً الحسنة بعشر يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ [البقرة:272] والحال أنكم لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272] جراماً واحداً، ولا حسنة، لو أنفقت ملياراً فلا تخف أن تحرم ثواب درهم واحد، لا يظلم الله عبده بأن ينقص من حسناته أبداً، ما دام قد أنفق لله لا لغيره فالله عز وجل لا يبخسه شيئاً مما أنفق.هذا واضح الدلالة: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ [البقرة:272]، والحال أنكم لا تظلمون بنقص حسنة ولا بزيادة سيئة، عدالة الله عز وجل اقتضت هذا، لا تفهم أنه يزاد عليك سيئة ما فعلتها، أو ينقص من حسناتك حسنة وأنت ما تريد نقصانها؛ لأن الله حرم الظلم على نفسه: ( يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا )، فهذا مما حملته الآية الأولى من النور.

    ملخص لما جاء في تفسير الآية

    لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272] أي: أولئك الفقراء الكافرين، إذا احتاجوا إلى طعام وشراب وكسوة فأعطهم، لا تقل: ما داموا كافرين فلن نعطيهم، لا، فهدايتهم ليست إليك أنت، هذا لله، أليس كذلك؟والصدقة الواجبة -الزكاة- هل تعطى للفقراء والمساكين من الكافرين؟ لا، لماذا؟ لأن هذا حق للفقراء المسلمين في ذمتك، فكيف تعطيه لغيرهم، من أين لك؟ لا بد أن يعطى لأهله وهم إن شاءوا تصدقوا.والهداية بيد الله، من هو الذي يشاء الله هدايته؟الذي يتعرض لها، يرغب، يطلب، يجري وراءها، أما المعرض فقد أعرض الله عنه.وعرفنا: أن ما ننفقه من خير على الفقراء والمساكين لا تفهم منه أنك أنفقت عليهم، بل أنفقت على نفسك، فهو لك أنت، هو يأكل ويشرب ويبول ويتغوط، وأنت أخذت الأجور وسجلت الحسنات في ديوانك، إذاً: أنفقت لنفسك أنت: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ [البقرة:272].وهنا تنبيه آخر: لا بد عند الإنفاق وعند الصدقة ألا تلتفت أبداً إلى غير الله، لا تريد بريالك ولا درهمك إلا وجه الله، فإن أنت التفت لتحمد أو يثنى عليك أو تدفع عن نفسك المذمة والعيب والعار بطل مفعول صدتك بالتزكية والتطهير؛ لأن هذه العبادات -كما علمتم وزادكم الله علماً- سرها أنها تزكي النفس البشرية، فإن كانت فاسدة فكيف تزكي؟ فلا بد أن تكون صالحة.فلو صليت صلاة ما أتممتها وما أديت شروطها فهي باطلة، ما معنى باطلة؟ ما تولد الطاقة ولا تزكي، والصيام كذلك، والجهاد كذلك، والصدقة كذلك، وصدقة ما أردت بها وجه الله بطل مفعولها، لن تنتج في نفسك طهارة أبداً. وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ [البقرة:272]، هذا وعد الله، ما أنفق مؤمن خيراً إلا وفاه الله إياه، وما بخسه جراماً واحد من قناطيره: وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272].

    تفسير قوله تعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض ...)

    وفي الآية الثانية يقول تعالى: لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273]، هذا أمر آخر: أنفقوا للفقراء، لتكن نفقاتكم للفقراء، ارعوا هذا الجانب من الفقراء، وهم الذين أحصروا في سبيل الله.وقد كان هناك مكان يقال له: الصفة، في مكان دكة الأغوات الآن، مكان عريض لاصق بالمسجد، لكن منفصل عنه، يجلس فيه المهاجرون الذين جاءوا من مكة، أو جاءوا من الطائف أو جاءوا من جدة، هربوا من الكافرين ولحقوا بالمسلمين، هؤلاء لا يستطيعون أن يخرجوا من المدينة للتجارة ولا للعمل، البلاد كلها ضد المسلمين من شرق وغرب، وليس عندهم في المدينة ما يقومون به من أعمال، فهم محصورون، ما سبب إحصارهم؟ في سبيل الله، فروا بدينهم، هربوا من بلاد الكفر والتعذيب والضغط إلى بلد يأمنون فيه، هؤلاء قد يكونون في بلادهم أغنياء، عندهم أموال، لكنهم الآن محصورون، ما يستطيعون أن يعودوا إلى بلادهم أبداً فسيقتلون، هؤلاء رغب الله تعالى المؤمنين في الإنفاق عليهم: لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:273]، ما قتلوا وما جنوا وما ظلموا وهربوا إليكم، هؤلاء ما هربوا إلا من أجل الله عز وجل، لينصروا رسوله ودينه، أحصروا في سبيل الله، فإيمانهم.. تقواهم هو الذي جعل العدو يحاربهم ويضطهدهم ويخرجهم من بلادهم. لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ [البقرة:273]، الضرب في الأرض ما هو هذا؟ يعني: يمشي برجليه ويضرب بالأرض، فالمسافر يضرب في الأرض، كم ضربة يضرب على وجهها؟ آلافاً، كل مرة يرفع رجله ويضعها على وجه الأرض، فهذا ضرب أم لا؟ وإذا كان على فرس أو سيارة فإنه يضرب الأرض، ولهذا أطلق على السير في الأرض بالسفر أنه ضرب الأرض، أو ضرب في الأرض، وهذا شائع عندهم في لغتهم. لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ [البقرة:273]، أي: لا يستطيعون مشياً، لا يشرقون ولا يغربون؛ لأن الكفار محاصرون الإسلام وأهله في المدينة، من أين لهم أن يسافروا إلى الشام أو إلى العراق أو إلى كذا؟ ما يستطيعون.

    معنى قوله تعالى: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف)

    لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة:273]، هذا الجاهل ما هو بالجاهل الذي نندد به، إنما الجاهل بحالهم، غير العالم بهم فقط وإن كان علي بن أبي طالب ، الجهل هنا بحال القوم، لا بالله ومحابه ومساخطه وشرائعه، هذا الجهل ما هو بمذموم كالأول. يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة:273]، بسبب التعفف.

    معنى الإلحاف في المسألة

    لا يَسْأَلُونَ [البقرة:273]، لا يتعرضون لك، لا تفهم منهم أنهم يطلبون أبداً. لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273] ولا غير إلحاف، فضلاً عن الإلحاف، وما هو الإلحاف؟ الإلحاف مأخوذ من اللحاف الذي تتلحف به المرأة ويحيط بجسمها، فهذا الملحف والعياذ بالله، يسألك من هنا، ويأتيك من ورائك، يأتيك عن يمينك، يأتيك عن شمالك، يقول: يا عم، فهل ألحف أو لا؟ أصبح كاللحاف يدور بك من كل جنباتك! عجب هذا القرآن! لا إله إلا الله، لا يسألون الناس إلحافاً ولا إلحاحاً ولا إحفاءً، الإلحاح معروف، يلح عليه: من فضلك أعطنا كذا أعطنا كذا، هذا الإلحاح، والإحفاء يتعبك أكثر، فلا إلحاح ولا إلحاف ولا إحفاء، لا يسألون الناس ملحين ولا ملحفين ولا محفين ولا غير ذلك، فقد يمضي عليه اليوم والليلة وما أكل ولا شرب ولا يقول: أعطني، لكمالاتهم.

    قصة صبر أبي هريرة رضي الله عنه على الجوع

    ولعلكم تذكرون صورة أبي هريرة الدوسي من اليمن ، لما هاجر في السنة السابعة قال: كنت أجوع فأصرع في المسجد، فيأتي أولاد المدينة فيصعدون على ظهري، يركبون على بطني، ويقولون: جُن أبو هريرة ، جن أبو هريرة ! قال: والله! ما بي جنون، ولكن بي الجوع، ما أستطيع أن أمشي.وفي مرة ماذا صنع؟ مر به أبو بكر فقال: يا أبا بكر ! ما معنى قوله تعالى كذا وكذا؟ وإنما سأله لعله يقول: تعال إلى البيت عندنا، فما التفت إليه أبو بكر ، فجاء عمر فقال: يا عمر ! ما المراد من كذا وكذا؟ قال: والله! ما أريد أن أعرف قط، وإنما لألفت نظرهم إليّ، فما التفت إليه، ثم جاء أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وما إن نظر إليه وتفرس في حاله حتى عرفه بسيماه، فقال: أبا هريرة ! امش ورائي، قال: فمشيت وراءه.وهنا نعرف أننا ما نحن بشيء، ولا نعد شيئاً أبداً، فدخل مع رسول الله إلى حجرته فجلس، فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لأهله: هل عندكم شيء؟ قالوا: أهدانا فلان لبناً، لا تمر، ولا زبدة ولا خبز.أحد الأنصار أهدانا قدح لبن، فقال: هاتوه، ثم قال: أبا هريرة ! أخرج فادع أهل الصفة، فقال في نفسه: ماذا سنشرب الآن؟ وكانوا ثلاثين رجلاً، فناولهم أبو هريرة القدح واحداً واحدًا، يقال للأول: سمّ الله واشرب، فيشرب ويشرب، فيقول: أعطه الثاني، سم الله واشرب.. حتى دار على ثلاثين رجلاً، ثم قال: أبا هريرة ! اشرب. قال: فشربت فقال: اشرب فشربت، ثم قال: اشرب. فقلت: لم يبقَ له مسلك يا رسول الله!

    صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأهله على الجوع


    هذه أمنا الصديقة عائشة الحبيبة أم المؤمنين تقول: كان يمضي علينا الشهر والشهران، الهلال والهلالان لا يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، وإنما كان طعامنا التمر واللبن.ولما اتسعت الحال ورزقهم الله وفتح عليهم بعث لها معاوية رضي الله عنه خليفة المسلمين بكذا ألف درهم فضة، وكانت صائمة، فقالت لمولاتها: وزعيه، فظلت تلك المولاة كالديدبان من بيت إلى بيت توزع الدراهم، وجاء الليل وأذن المغرب فقدمت لها خبزاً بلا مرق، فقالت: يا فلانة! لو اشتريت لنا بدرهم زيتاً نأكل به الخبز! فأين نحن من هؤلاء؟ ولا نحمد الله ولا نثني عليه، ولا نبكي بين يديه، فلا إله إلا الله! إننا هابطون وكنا في علياء السماء نسامي الملائكة، فهبطنا إلى الأرض كالحيوانات نأكل ونشرب ونلبس ونركب ونطير في السماء، وقلّ منا من يقول: الحمد لله في صدق.ونسرق ونفجر، ونأكل الربا ونكذب ونغش ونخدع ونمنع الحقوق، ونمنع حتى الزكاة، فكيف نحن؟

    معنى قوله تعالى: (تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً)

    وهؤلاء المحاصرون في سبيل الله: لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ [البقرة:273] أيها السامع بِسِيمَاهُمْ [البقرة:273]، والسيما: العلامة، قال تعالى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [الفتح:29]، لو تفتح التوراة صفحة بعد أخرى لوجدت هذه الصفة لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإنجيل، لوجدت هذا الوصف بالحرف الواحد: وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، وأغاظ بهم الكفار من المجوس والمشركين واليهود والنصارى. سِيمَاهُمْ [الفتح:29] من السيما إن كنت من ذوي البصائر، إذا نظرت إلى أخيك وهو جائع أو عطشان فإنك تستطيع أن تتفرس فيه ذلك، كالطبيب ينظر فيشخص ويعرف المرض، فذو البصيرة إذا نظر إلى المؤمن يعرف أنه محتاج، هذه علامات خاصة: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273] ولا غير إلحاف، لا يلحون ولا يسألون. وهنا أفتى الإمام أحمد وغيره أنه يجوز للمؤمن إذا لم يتغدّ وجاع، أو لم يتعش وجاع، له أن يقول: أي فلان! ما تغديت، فيعطيه قرص عيش، أو حفنة تمر، أو يقول: فلان! ما تعشيت، أو مضى عليّ يوم ما أكلت، فلا بأس، إن كان صادقاً يجوز هذا لإحياء نفسه، والإبقاء على عبادة الله عز وجل، أما أن يطلب ليدخر ويوفر فلا، لا يحل هذا.

    معنى قوله تعالى: (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم)

    ثم قال تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة:273] أيما نفقة تنفقها لا تفهم أنها تخفى على الله ولا يجزيك بها، ولا يثيبك عليها، كلا أبداً، والله! ما يخفى عليه درهم واحد تنفقه في الليل أو في النهار، في الخفاء أو في العلانية، لا تفهم أنك إذا ما أعلنت نفقتك لا يعرفها الله، فقد طمأننا أننا ما نفعل من خير فهو تعالى به عليم، أفضل من (عالم)، ويجزي به أوفى الجزاء، إذ قال: يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272].فالمؤمن مطمئن النفس هادئ البال، إذا أخرج درهمه أو قرصه فهو مطمئن إلى أن الله عرفه وعلمه وهو الذي أعانه على ذلك وأنفقه ويثيبه عليه، سبحان الله!هذا القرآن إذا لم ندرسه هذه الدراسة في العالم الإسلامي ونعيش عليه فهل سنكمل؟ والله! ما نكمل.طريق كمالنا أغلقناه، انصرفنا عنه، كيف بشخص عاش أربعين سنة ما سمع هذا الكلام، كيف يتعلم، كيف يكون وفياً طاهراً نقياً يحسن إذا أعطى، ويحسن إذا أخذ؟ مستحيل، فهيا نتعلم، كم ليلة بكينا، هيا بنا نتعلم. وقد تقول: يا شيخ! مدارسنا الآن بالملايين، أصغر بلد فيه الجامعات والمدارس، فأي تعليم تنادي به أنت؟ أقول: أين آثار ذلك العلم؟ أين مظاهره في الآداب والأخلاق، في العدل والرحمة، في الصدق والوفاء في الطهر والصفاء، أين آثار ذلك العلم؟ وجوده كعدمه، لِم؟ لأنه ما أريد به وجه الله، فلن يثمر، أريد به الدنيا، حتى البنت يقال لها: تعلمي يا بنت لمستقبلك! هذه البنت مستقبلها مضمون بإذن الله، ما دامت في حجر أبيها فهو الكفيل، وزوجها هو الكفيل لها، فإن ولدت فأولادها الضامنون، أي مستقبل يا بابا! هل يبعث بها لتتعلم كيف تعبد الله، كيف تستحي، كيف تطيع زوجها، كيف تربي أولادها؟ لا، بل للمستقبل، للوظيفة! وزاحم النساء الرجال في الوظيفة، فلا إله إلا الله، ماذا أصابنا؟ الجهل، فهيا بنا لنزيل هذا الجهل، هل نحتاج إلى مليارات الدولارات؟ لا، والله ولا ريال واحد، كيف الطريق؟اسمعوا: كتبنا هذا وأعلناه وصحنا به وضحكوا علينا وسخروا منا، واستهزءوا بنا، وحسبنا الله، ولن نترك هذا، ما هو الطريق إلى أن يتعلم المسلمون ليكملوا، ويسعدوا يطيبوا ويطهروا، وتتحقق ولاية الله لهم، فينتفي من بينهم الحسد والغل والغش، والكفر والبدع والضلال؟ هل الطريق أن نقتدي باليهود والنصارى؟ الطريق إذا دقت السادسة مساءً، أي: مالت الشمس إلى الغروب؛ نوقف العمل، كاليهود والنصارى، أغلق الدكان، أغلق المقهى، أغلق المطعم، ارم المسحاة من يدك يا فلاح، ارم القلم يا كاتب، ارم المرزبة يا حداد، يا صانع، اغتسلوا، تطهروا، توضئوا، واحملوا بناتكم وأولادكم ونساءكم إلى بيوت ربكم فقط، فما يؤذن للمغرب إلا والقرية ما يوجد فيها رجل ولا امرأة ولا ولد خارج المسجد، والأحياء في المدن، حي بني فلان، الحي الفلاني رقم (6) أو رقم (10) إذا أذن المغرب لا تجد في الحي رجلاً ولا امرأة في الشارع ولا في البيت، كلهم في بيت الرب، فهل هذا شرف أو لا؟ في الرب يصلون المغرب كما صلينا، ويجلسون كما نحن جالسون، النساء وراء الستارة، ومكبرات الصوت بينهن، والأولاد بيننا، ونحن نتعلم الكتاب والحكمة كتعلمنا هذا، وكل ليلة وطول العام، وعلى مدى حياتنا، فهل يبقى والحال هكذا جاهل أو جاهلة؟ والله! ما يبقى، لا نكتب ولا نقرأ، كما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، نتلقى الكتاب والحكمة بأسماعنا، ونتفاعل في نفوسنا، ونحوله إلى آيات النور والهداية بيننا، فهل هذا يكلف المسلمين شيئاً؟ وأما عوائده فوالله! فوق ما تتصور، أقسم بالله: إن ميزانية الدولة سيكتفى بنصفها إذا أقبلنا على الله، وينتهي الفقر والخلف والكبر والكذب والغش والخداع، والتكالب على الدنيا، ونصبح أشباه الملائكة في الأرض، تسودنا الرحمة والصفاء والمودة والإخاء والحب والطهر والصفاء، فما المانع أن نفعل هذا؟ لا ندري.اليهود والنصارى ما يقبلون قطعاً، ولو يشاهدون هذه الأنوار فإنهم ما يطيقون، لكن دائماً نمد أعناقنا لهم ليذبحونا، فهل عرفتم كيف يزول الجهل، فهل هناك غير هذه الطريق؟ كلا.

    تفسير قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ...)

    وأخيراً: يقول تعالى: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً [البقرة:274]، أبو بكر فعل هذا، علي فعل هذا، من يفعل منكم هذا لينطبق عليه هذا اللفظ؟ تصدق بعشرة ريال في النهار، وبعشرة ريال في الليل، تصدق بعشرة ريال أمام الناس علانية، وتصدق بعشرة في الخفاء، أربع مرات فقط، أصعب هذا؟ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً [البقرة:274]، والمقصود: أنهم ينفقون دائماً، ما ينتظرون إلى العام الفلاني والشهر الفلاني وكذا، أو حتى يطلع النهار، أو حتى يجيء الليل، هذه حالهم، صدقة بالليل والنهار سراً وعلانية حسب الحاجة، هؤلاء يقول تعالى عنهم: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:274]، نفى الخوف عنهم في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، ونفى الحزن عنهم كذلك، أهل هذا الإيمان وهذا الطهر هل يحزنون؟ هل كان أبو هريرة حزيناً؟ والله! ما كان حزيناً أبداً، جاء يتألم وقلبه منفتح، وهو ينتظر رحمة الله، هذا وعد الله: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً [البقرة:274]، على من ينفقونها؟ على الفقراء والمساكين كافرين ومؤمنين، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:274]، والله! لا يخافون كما يخاف غيرهم، ولا يحزنون كما يحزن غيرهم، لصلتهم بالله، وولايتهم المتأكدة لله، فهم في ذلك دائماً مطمئنون، لا يخافون ولا يحزنون عندما يخاف غيرهم ويحزن.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (37)
    الحلقة (44)




    تفسير سورة البقرة (132)

    إن أكل الربا سبب للخسارة في الدنيا والآخرة، ومؤذن بحرب الله عز وجل، وقد مثل الله عز وجل آكل الربا بالذي يمسه الشيطان فيظل يتخبط بسبب هذا المس، وهذا هو حال المرابي حين يقوم من قبره، وذلك أنه كان في الدنيا يزعم أن الربا إنما هو نوع من أنواع البيوع المباحة، والتي يجوز للتاجر أن يتحصل منها على ربح معلوم كسائر السلع، وللشر والفساد المترتب على تعاطي الربا فإن الله عز وجل وعد صاحبه بالمحق في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة.

    قراءة في قوله تعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الثلاثاء من يوم الإثنين المبارك- ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) اللهم حقق لنا هذا المأمول يا رب العالمين.وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، وقبلها نذكر هداية الآيات السابقة.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:[ هداية الآيات: من هداية الآيات: أولاً: جواز التصدق على الكافر المحتاج بصدقة التطوع لا الزكاة، فإنها حق المؤمنين ]، من أين أخذنا هذه الهداية؟من قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272]، إذاً: يجوز أن نتصدق على اليهودي والمسيحي والمشرك والبوذي إذا كان فقيراً ونحن أغنياء وهو يعيش بيننا، وهل يجوز أن نعطيهم من الزكاة؟ لا، فهذا خاص بصدقة التطوع، أما الصدقة الواجبة كنذر نذرته للفقراء والمساكين فللمؤمنين، والزكاة، وزكاة الفطر، وإنما الصدقة المطلقة، ومن لامك أو عتب عليك وتعنتر، وقال: هذا يهودي فكيف تعطيه؟ فقل له: إن ربي تعالى قال لنا: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272].[ ثانياً: ثواب الصدقة عائد على المتصدق لا على المتصدَّق عليه ]، وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ [البقرة:272]، فلا تبال إذا أعطيت لغني أو فقير كافر أو مؤمن؛ لأنها عائدة عليك أنت لا عليه هو، وفي هذا تشجيع على الصدقات المطلقة. [ ثالثاً: وجوب الإخلاص في الصدقة، أي: يجب أن يراد بها وجه الله تعالى لا غيره ]؛ لقوله تعالى: وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة:272]، إياك أن تنفق قليلاً أو كثيراً وأنت تريد فلاناً يراك أو يسمع بك، أو تريد فلاناً يشكرك أو يثني عليك، أو لتروج سلعك وبضائعك كما يفعل الجاهلون، لا يقبل الله صدقة إلا إذا أريد بها وجهه هو تملقاً إليه وتزلفاً، تقرباً إليه وتحبباً، إذ لا إله إلا الله. [ رابعاً: تفاضل أجر الصدقة بحسب فضل وحاجة المتصدَّق عليه ]، أجر الصدقة يتفاوت، فكونها على ولي من أولياء الله وعبد من عباد الله الصالحين أفضل منها على صعلوك، هذا الواقع.فمؤمن رباني عفيف لا يسأل، فتعطيه هذه الصدقة، فأجرها أعظم من أجرها على شخص آخر ليس من أهل الفضل، وكذلك حاجة المتصدَّق عليه، هذا من ثلاثة أيام ما أكل شيئاً، وهذا تغدى اليوم وقال: أعطني، فعلى الذي ما أكل من ثلاثة أيام أفضل، الصدقة مقبولة والأجر عظيم، لكن تتفاوت الأجور بحسب الحاجة، وفقيران كافر ومؤمن تصدقت عليهما، أيها أعظم أجراً؟ الصدقة على المؤمن أعظم، هذا يعبد الله وهذا كافر به.[ خامساً: فضيلة التعفف ] وما هو التعفف؟ عفّ: كف، تعفف: طلب ذلك؛ لأن الله قال: لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273] ولا إلحاحاً ولا إحفاء، أحفى في الطلب: أكثر، ألحى: كرر، ألحف: يصبح كاللحاف يدور بك، يأتيك من اليمين ويأتيك من الشمال، تلقاه أمامك، وتلتفت فإذا هو وراءك، كاللحاف يدور بالإنسان: لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273]، ولا إلحاحاً.[ سادساً: جواز التصدق بالليل والنهار وفي السر والعلن؛ إذ الكل يثيب الله تعالى عليه ما دام قد أريد به وجهه لا وجه سواه ].وقد علمتم زادكم الله علماً أن هذه فاز بها أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ، تصدق بأربعمائة ريال في النهار، وتصدق بأربعمائة في الليل، وتصدق بأربعمائة أمام الناس، وتصدق بأربعمائة خفية، ولستم أمام فقراء في حاجة إلى أربعمائة من الواحد، بل ريال في النهار، ريال في الليل، ريال أمام الناس، ريال في الخفاء فتفوز بهذا، ومن طلب وجد.ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية، لا يمنعه النهار ولا الليل ولا حضور الناس ولا غيابهم، المهم: أن يتطلب الموقف الصدقة، هذه خلاصة ثلاث آيات شربنا عسلها بالأمس والحمد لله رب العالمين.
    تفسير قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ...)

    وقفة مع أسباب نشأة البنوك الربوية في العالم الإسلامي


    والآن مع ثلاث آيات يا ليتهن ما نزلن! هذه الآيات أمامنا تقول: الذي يراه الله أمام بنك يودع فيه ويستلف منه بالربا لأن يموت خير له. ولما هبطنا من علياء السماء بالجهل الذي غمرنا، وصب علينا قروناً حيث حول روح حياتنا إلى الموتى، فلم يحي الموتى ولم نحي نحن، صرفونا عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، فلم نسمع في البيت من يقول: قال رسول الله، ولا في السوق ولا في الشارع، وهبطنا فأصبحنا نسرق، يسرق بعضنا بعضاً، بل يغزو بعضنا بعضاً، قبائل تغزو بعضها، والعداوات والحروب في العالم الإسلامي أسوأ من الجاهلية قبل الإسلام.ومن ثم سلط الله علينا أعداءنا الكفار، فساسونا وشردونا وحكمونا، وفعلوا فينا الأعاجيب، وتركونا أمواتاً غير أحياء، فأصبحت أحوال كثير من المسلمين أيام الاستعمار أحسن منها اليوم، وهذا شأن الميت والمريض.إذاً: في تلك الظروف كان المسلمون يتعاملون بالربا بدون بنوك، بل في بيوتهم، ونعرف عنهم ونسمع، يتعاملون بالربا في بيوتهم، أو دكاكينهم، فمن ثم انقطعت صلة المودة والتعاون بين المؤمنين، أصبحت كل قبيلة لا ترى إلا نفسها، وكل مواطن لا يرى إلا نفسه، وكل ذي مال لا يرى إلا ماله، فلم يبقَ شيء اسمه قرض حسن أبداً، ولا سلفة حسنة، ولا سلم يأتي صاحبه ويؤديه، فلما وصلنا إلى هذا المستوى جاء الله بالبنوك! وقد تقولون: كيف جاء الله بالبنوك؟ ستسألون هذا السؤال، وأنا على علم، قال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، السيئة تلد سيئة، والعقرب تلد عقرباً أو تلد فأرة؟ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، لما انتشر بين المسلمين السرقة والخيانة، والغش والخداع، والكذب والنفاق انتهت الأمانة ورفعت، ما بقي من يسلف ولا من يقرض ولا من يقضي حاجة أخيه إلا نادراً، والنادر موجود، بقية لا تزول في هذه الأمة، لكن إذا غلب جانب الباطل فهو الذي يسود، وعندنا نص قطعي في هذا، فأم المؤمنين زينب رضي الله عنها لما رأت الرسول صلى الله عليه وسلم منفعلاً وهو يقول: ( ويل للعرب من شر قد اقترب، قالت: أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث ).فالمجتمعات الإسلامية ثلثاها هابط، والثلث الأخير فيه خير، لكن لا يشفع، لو كان النصف صالحاً فالسفينة لا تغرق، ولو كان ثلث هابط وثلثان مرتفعان فالسفينة ماشية إلى شاطئ السلامة، لكن إذا كان الثلثان في الأرض فهذا الثلث ما يحفظ ولا يقي أبداً.إذاً: فعوضنا الله بالبنوك، فهششنا إليها، وفرحنا بها، وتنافسنا فيها؛ حتى إن المؤمنين الموحدين الربانيين ينشئون بنوكاً في مدينة الرسول، فلا إله إلا الله! مدينة ما فيها يهودي ولا نصراني، ولا بوذي ولا كافر، أبناؤها ولدوا فيها وتربوا فيها، وصلوا في مسجد رسولهم، ويفتح بنكاً ونأتي نحن مسرعين نساءً ورجالاً أيضاً، وندخر ونتقاضى تلك الفوائد سنوياً، وكأننا ما عرفنا الله ولا رسوله!أبعد هذا تسألونني عن المسلمين في الشرق والغرب، الوضع واحد؟ ما السبب؟ لأن الإخاء مات، التعاون فني، الحب والولاء انقرضا، كل يعيش لنفسه، وجرب: فهيا نفتح باباً للقرض: لو تقرض مليوناً فلن يرجع إليك ثلثاه قط، وإن شئتم حلفت لكم بالله، لو تقرض إخوانك في القرية أو المدينة مليوناً موزعاً على مائة شخص ففيما أظن أنه لن يرجع إليك ثلثه.

    العودة إلى المساجد طريق السعادة وسعة الرزق

    إذاً: ماذا نصنع؟ كيف نتحرك، ما الحيلة؟أرى الطريق واضحاً، في أربع وعشرين ساعة ونحن أولياء الله، نؤمن ونحقق إيماننا، ونعيد بيان الطريق؛ إذ والله! ما وجدت طريقاً إلا هو، وإلا فكيف أكرره، فمريض بالصداع ما عنده إلا الإسبرين، فماذا تصنع؟ هل تستحي فتبدل الإسبرين؟الطريق للعالم الإسلامي في القرى والمدن، إذا أرادوا أن يكملوا ويسعدوا: هو أن أهل القرية يجتمعون بنسائهم وأطفالهم ورجالهم كل ليلة في بيت ربهم، إذا مالت الشمس إلى الغروب ودقت الساعة السادسة أقبلوا يهرعون، يحملون نساءهم وأطفالهم في شوق إلى بيت ربهم، فيصلون المغرب كما صليناها، ويجلس لهم مربٍ عالم بالكتاب والسنة كجلوسنا هذا، وليلة آية من كتاب الله يتغنون بها حتى يحفظوها، وتفسر لهم وتشرح، ويبين مراد الله منها، فيعلمون ويوطنون النفس على التطبيق والعمل، وليلة أخرى حديثاً وسنة من سنن أبي القاسم صلى الله عليه وسلم تبين معنى الآية الأولى وتزيد فيه، وتقوي معانيها، فيحفظون الحديث، يفهمون مراد الرسول منه، يعزمون على العمل، ويوماً بعد يوم لا أقول: سنة، بل في أربعين يوماً فقط ما يبقى بينهم من يفكر في الغش والخداع، ولا في السرقة والتلصص والإجرام، وتمضي أيام العام والعامين وينتهي شيء اسمه سرقة، ظلم، اعتداء غش، خداع، كبر، عجب سرف، ترف، تكالب على الشهوات، على الدنيا، كل هذا يمسح حسب سنة الرب تعالى.ومن ثم يفيض المال، فماذا يصنعون به؟ أصبحوا يكتفون بالأكلة وبالثوب الواحد، أصبحوا يكتفون بالقليل، نفوسهم تعلقت بالله، ما أصبحت لها رغبة في الأرض الهابطة ولا في أهلها، فيتوافر المال، ونصبح نبحث عمن يستقرض، والله! ليصبحن يبحثون عمن يقرضون؟لِم هذا المال أنا في صندوقي يبقى هكذا، من يستقرض لأبنائنا فيغرس أو يزرع، أو يصنع أو يتجر أو يربح، وذاك المؤمن الذي يأخذ تلك الأموال يرضى أن يقتل أن يصلب أن يحرق، ولا يرضى أن يخون.هذا هو الطريق، وإلا فقولوا ما شئتم، وقولوا: والبنوك والحكومات، فكل هذا -والله- ما يجدي نفعاً، بل كأننا نضحك على الله، نحن مقبلون على الباطل والشر ونقول: يا ربّ لِم هذا؟والله لا طريق إلى خلاص هذه الأمة إلا من هذا الطريق أن تعلم، فإذا علمت وعرفت ربها أحبته وآثرت ما يحب وخافته، وتركت ما يكرهه؛ لأنها تخافه، ومن ثم فلا كذب، لا خيانة، لا عجب، لا سرف، لا ترف، أمة كأسرة واحدة، وقد تقول: هل لهذا مثال يا شيخ؟ فأقول: نعم، لم تكتحل عين الوجود بأمة أطهر ولا أعدل ولا أرحم ولا أصفى ولا أطهر من تلك الأمة في القرون الثلاثة: الصحابة، وأبناؤهم وأولاد أحفادهم: ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )، لم فضلوا وكملوا؟ لأنهم ما صرفوا عن الوحي الإلهي، ما عندهم إلا قال الله وقال رسوله، لا مذهبية ولا عنصرية ولا قبلية، فلما عرف العدو مصدر كمالهم سلبهم القرآن والسنة وأنشأ المذاهب والطرق والخرافات، ومزقهم، ولما ماتوا ركبوا على ظهورهم.

    أنواع الربا

    والآن هيا مع الآيات الثلاث:يقول تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة:275] ما هو هذا الربا؟ هل يأكلونه كما يأكلون اللحم والخبز؟ لا، اللفظ بالأكل يطلق ويراد به التعامل، يشتري به سيارة، يشتري به ثوباً، ومنه ربا النسيئة وربا الفضل فالربا نوعان: ربا النسيئة وربا الفضل، فهل تعجز أن أن تقول: النسيئة والفضل؟ وإذا غنيت فإنك تغني بعشرين كلمة! وهذا جربناه، يصلي وراء الإمام خمسين سنة ما يحفظ الفاتحة، خمسين سنة يصلي ما يحفظ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ [قريش:1-2]، و تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد:1]، ويسمع أغنية من عاهرة فيأتي بنفس اللحن والصيغة، وإياكم أن تفهموا أن هذا الشيخ الذي يودعكم في آخر أيامه يكذب في مسجد رسول الله، إياك أن تفهم هذا الفهم. هذه أم الفضل أم عبد الله بن عباس قالت: ( صليت وراء رسول الله فقرأ في صلاة المغرب بـ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا [المرسلات:1] فحفظتها )، ائتني بأذكى الناس اليوم يسمع المرسلات ويعيدها ويحفظها وأعطيك مليار دولار! وكم من شبيبتنا وشاباتنا يتغنون بأغاني العهر والباطل ويحفظونها بنفس الألحان، ولا يحفظ سورة المرسلات ولا العاديات، ما السر؟ إن أم الفضل تعلق قلبها بربها وبكلامه وأحبت أن يغمرها نوره فأصبحت كلها متهيئة فحفظت، والذي غمره حب الزنا والفجور والباطل ما إن يسمع ذاك الصوت حتى يملأ قلبه ويفيض على لسانه وحواسه. فربا النسيئة مثاله: أن يكون لي على فلان خمسون ألف ريال، أجلها الموسم إما الحصاد وإما جذاذ التمر، فيأتي الموسم وما يستطيع الأداء، فيقول: أخرني وزد برضا، هذا ربا النسيئة.

    مقارنة بين ربا الجاهلية وربا البنوك

    قلت: وغضب الناس فقالوا: كيف يقول: ربا الجاهلية أفضل من ربا البنوك؟! فأقول: والله! لربا الجاهلية أفضل من ربا البنوك، فربا الجاهلية ما هو؟ أن تأتي إلى غني فتقول: أقرضني ألفاً أو ألفين إلى الموسم أو إلى شهرين أو عام، فيقرضك، فإن جاء الموعد وأنت الصدوق وأنت صاحب المروءة والشهامة وما وجدت المال فهل تهرب؟ تأتيه معتذراً وتقول: أخرني سنة أخرى وزد علي برضاك. وأما ربا البنوك فمن أول ساعة تحسب الزيادة، فإن كنت تريد عشرة آلاف قيل: سجل عليه أحد عشر ألفاً وأعطه العشرة عاجلاً، فأيهما أفضل؟ ربا الجاهلية أفضل. وإذا تأخر مرة ثانية زادوا نسبة مئوية، هذا الربا وضع بني عمنا اليهود الحذاق؛ لأنهم يعبدون الدينار، ولا تلوموهم، فهم يريدون أن يسودوا العالم ويحكموا البشرية كلها، فكل ما يبذلون ويحتالون ما هو بشيء كبير، يريدون أن يسودوا العالم بأسره لأنهم شعب الله المختار كما يزعمون، يريدون مملكة سليمان الذي ملك الشرق والغرب، يريدون أن يعتزوا ويسودوا؛ فهم -كما يقولون- أبناء الله وأحباؤه، فيبذلون كل ما يستطيعون بذله فيضعون هذه الحيل، واسألوا المؤرخين من صنع البنوك بأنظمتها؟ اليهود، وإن كانت جنسيته بريطانية، فهو يهودي، والله عز وجل ندد بهم في القرآن أنهم يأكلون الربا؛ في سورة النساء في غير ما آية، والمقصود اليهود.

    أمثلة للربا وذكر بعض ما لا يجري فيه الربا


    فربا النسيئة أن تعطي لأخيك عشرة أو خمسة وحين يتأخر عن الأداء تزيد عليه، وربا الفضل هو أن تبيع ربوياً بآخر بزيادة، تبيع تمراً بتمر فتعطيه عشرة قناطر فيقول: أعطني خمسة عشر مثلاً؛ لأنه تمر برني أو عجوة وأنت تمرك دونه، فلا يجوز ذلك. تعطي هذا مائة ريال سعودي وتقول له: أعطني مائة وعشرة، فما يجوز، وهكذا ربا الفضل في الذهب والفضة والطعام والملح وسائر الربويات، الطعام هو التمر والشعير والبر، فهذه الأطعمة ما يجوز التفاضل فيها، تبيع شعيراً صاعاً بصاع وقنطاراً بقنطار، لا بقنطار وزيادة؟ وفي الريالات ألف ريال بألف ريال، لم ألف وزيادة؟ بأي حجة؟ وإذا اختلفت الأجناس فقد قال: بيعوا كيف شئتم، تبيع قنطار تمر بعشرة من قمح حسب حاجتك وظروف الناس، تبيع -مثلاً- قنطار ملح بقنطارين من قمح، بشرط أن يكون في المجلس الواحد يداً بيد، هذا الشرط لا بد منه. فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم في الزيادة والنقص، لكن لا بد أن يكون في مجلس واحد، هذا ربا الفضل، ولا ربا سوى هذين النوعين: ربا النسيئة وربا الفضل فقط، والحيوان ليس فيه ربا، تبيع بقرة باثنتين لأنهما أقل منها شحماً ولحماً مثلاً. لكن الذهب والفضة والقمح والشعير والملح والتمر وما قيس عليها مثل ما هو مدخر ومطعوم كالذرة مثلاً أو أي حبوب أخرى يجري فيها الربا.

    حال أكلة الربا يوم القيامة

    قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة:275] ما لهم؟ قال: لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] هل المراد أنهم لا يقومون الآن من بيوتهم؟ أو من على مكاتبهم؟ وإن كان بعض أهل العلم فهم هذا، لكن المراد: لا يقومون من قبورهم؛ لأن الساعة ستأتي وسوف ينفخ الله الأرواح في أبدان خلقها وهيأها، تقوم البشرية ويقوم أصحاب الربا وبطونهم كالخيام، فانظر إلى هذا المرابي صاحب هذا البنك، ثم إنه يقوم ويقع، يمشي خطوتين ويصرع إلى أن ينتهي الموقف وهو في هذا البلاء. لا يَقُومُونَ [البقرة:275] أي: من قبورهم إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] يقال: فلان به مس جنون، أما تعرفون الصرع؟ وهذا واضح للعرب بالذات، كانوا يشاهدونه، هذه محنة الصرع يصاب بها بسبب الجني يمسه في تيارات دمه فيصرع، هذه حال آكلي الربا إذا لم يتوبوا وماتوا وهم على ذلك. الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة:275] ما لهم يا رب؟ لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275].

    معنى قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا)

    ما سبب أكلهم الربا يا رب؟ قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275] ما الفرق بينهما؟ الآن يقولونها، يقولون: هو كالتجارة، تشري القنطار بعشرين ريالاً وممكن أن يباع بأربعين! هذه الكلمة قالها أهل الجهل، قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275] تشتري بعيراً بألف وتبيعه بألفين بحسب الأسواق، وتشتري قنطار القمح بعشرة ريالات وتبيعه بعشرين حيث السوق كذلك، قالوا: والربا مثل ذلك.

    معنى قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله)

    فأبطل الله دعواهم وقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] البيع أذن الله فيه وأحله، وأما الربا فما زال محظوراً حراماً، لأن الربا يمنع التعاون والإخاء والمودة والرحمة والصدق، كل هذه انتهت مع الربا، فلهذا حرمه الله عز وجل لأنه أذية مؤمن وأكل ماله بدون حق وبدون عوض إلا بالتأخير فقط. ثم قال تعالى: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى [البقرة:275] أيها المستمعون والمستمعات! هل جاءتكم موعظة من ربكم؟ أمر ونهي إلهي، فمن تاب الليلة فكل ما أخذه وأكله حلال، يأكل ويتصدق، لأنه تاب، فمن جاءه موعظة وفتوى فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:275]، كله، ولا أقول: أرجعه للناس وابحث عنهم، بل يكفيك التوبة. وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة:275] إلى من أمره؟ إلى الله، إن شاء آخذ وإن شاء عفا، والظاهر أنه يعفو ويغفر، وإنما يبقى الباب مفتوحاً لترتعد النفس وتضطرب، فما يطمئن ويضحك، يجب أن يتوب بالبكاء والدموع والاستغفار وفعل الخيرات.

    معنى قوله تعالى: (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)

    وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ [البقرة:275] البعداء أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، هل هذا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ أو كلام الصوفية الخرافة؟ هذا كلام الله عز وجل، فمن يعقب؟ وَمَنْ عَادَ [البقرة:275] ورجع بعد أن تاب فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، فلهذا لن تجد عبداً عرف الله تعالى وبكى واطرح بين يدي الله وترك الربا ثم يعود، لن يعود، قلما يعود، ومن عاد فباب السجن مفتوح: فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275] . هل هذا الكلام ما يفهمه المسلمون؟ لو قرءوه وتدارسوه أما يفهمونه؟ سيفهمون، لو فهموه فهل سيعملون بالربا؟ والله! لا يفعلون، لكن الجهل والظلمة، فالماشي في الظلام يتخبط وما يسلم أبداً من العثور والهلاك. فهيا نعود إلى دراسة كتاب الله؟ وقد تقول: هذا موجود في الجامعات والمدارس يا شيخ! وأقول: لا، نريد أن نصدق ربنا في إيماننا به وبلقائه ونعمر بيوته بنسائنا وأطفالنا كل ليلة وطول العمر، والنصارى إذا دقت الساعة السادسة ذهبوا إلى المقاهي إلى المراقص إلى المقاصف إلى دور اللهو إلى العهر، ونحن إلى أين نذهب؟ نذهب لبيوت الرب لتلقي الكتاب والحكمة لتزكية نفوسنا وتهذيب أخلاقنا وسمو آدابنا، والعدو يذهب إلى العهر والباطل والشر والفساد، أنى لهذا العدو أن يعلو فوقنا أو ينال من كرامتنا؟ والله! ما كان، لا تفهموا أن هذه العودة أن نبقى هكذا وهكذا، والله! لنسودن البشرية كلها وبلا شيء، وإنما بالعودة إلى بيوت الرب، فتستقيم العقائد والآداب والأخلاق ونرتفع، وحينئذ إذا قلنا: الله أكبر رددها العالم الإسلامي. لا شك أن هذا الدرس ممكن أن يصل إلى اليهود والقسس فيحتفلوا ويهتموا، أما نحن فلا، يدخل الكلام من هنا ويخرج من هنا، فذلك غير مهم؛ لأن لهم أملاً أن يعملوا أم لا؟ وهل نحن لا أمل لنا! آيسون؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.هيا نعيد هذه الآية العظيمة أطول الآيتين، يقول تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275] .

    تفسير قوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم)

    وفي الآية الثانية قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة:276] يسحقه ويمحوه، لا بركة فيه أبداً، وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276]، الصدقات يربيها وينميها ويرفعها حتى تغدو كالجبال، هذا وعد ممن؟ من الله تعالى القادر على أن يعطي، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة:276] لا يبارك فيه أبداً: أولاً: أي بركة في مال تدخل به النار؟ أية بركة هذه؟ مال لا يطيب نفسك ولا يزكي روحك ولا تشعر معه بقلة الحياة فهذا مال مسحوق. والصدقة ينميها الله كما أخبر رسول الله عز وجل؛ إذا تصدق المتصدق بصدقة وقعت في كف الرحمن عز وجل فيربيها له كما يربي أحدنا مهره ابن فرسه، وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] والختام وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276] كفار: جحود للنعم يجحد الله وشرعه وقوانينه وما دعا إليه وما أمر به ويتنكر له. وأثيم: مغموس في الآثام من إثم إلى آخر من زلة إلى زلة، خبث وتعفن ونتن، فالله ما يحبه وأنت تحبه؟ هل فيكم من يحب كل كفار أثيم؟ أعوذ بالله! يحبه من هو مثله في الخبث.

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ...)

    وأخيراً: الطابع الأخير لكم أيها المؤمنون ويا أيتها المؤمنات: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:277] ، فالحمد لله، الحمد لله، اللهم اجعلنا منهم، الحمد لله. أعيد هذا البيان؟ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:277] هؤلاء أولياء الله، ما هم أعداءه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (38)
    الحلقة (45)




    تفسير سورة البقرة (133)

    إن حرب الله عز وجل على الربا لا تقتصر على الكافرين وحدهم، وإنما يدخل في ذلك أهل الإسلام، فالحرب على كل مرابٍ، وقد وجه الله عباده المؤمنين إلى تقواه عز وجل وترك ما بقي لهم من أموال عند الآخرين ناتجة عن الربا، ويكتفون برءوس أموالهم، فلا يأخذون شيئاً زائداً عليها، ولا يتركون شيئاً منها لغيرهم، وحضهم تعالى على إنظار المعسر من المدينين، وأفضل من ذلك التصدق عليه بهذا الدين، والله عز وجل يجزي المتصدقين.

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذي آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل رجاء أن يتحقق لنا ذلكم الموعود الذي أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق لنا رجاءنا إنك ولينا وولي المؤمنين.وقد انتهى بنا الدرس ونحن ندرس سورة البقرة مواصلين دراسة كتاب الله حتى ننتهي بإذن الله، وها نحن مع هذه الآيات الأربع: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:278-281].

    أهلية المؤمنين لنداء الله تعالى لهم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا نداء الله عز وجل موجه إلينا بوصفنا مؤمنين، وكوننا مؤمنين هذا يؤهلنا لأن ينادينا ربنا تعالى؛ لأن المؤمنين أحياء يسمعون ويعون ويقدرون على أن يمتثلوا الأمر والنهي؛ وذلك لحياتهم بإيمانهم، أما الكافرون فلا ينادون بمثل هذا النداء ليأمرهم أو ينهاهم؛ لأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون. فهذه نعمة من نعم الله فالحمد لله عليها وعلى غيرها من نعمه التي لا نحصيها؛ لأننا مؤمنون، أي: مصدقون به عز وجل وبربوبيته وألوهيته وأنه رب كل شيء ومليكه، مؤمنون بكتابه الذي نتلو آيه ونتدارسها ونعلم مراده تعالى منها رجاء أن نمتثل الأمر ونجتنب النهي لنكمل ونسعد، وآمنا برسوله وبكافة رسله، آمنا بلقائه والوقوف بين يديه للاستنطاق والاستجواب ثم الجزاء إما بالنعيم المقيم وإما بالعذاب الأليم. يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:278] لبيك اللهم لبيك، مر نفعل، انه نترك، أعلم نتعلم، بشر نستبشر، حذر نحذر؛ لأننا عبيدك وأنت سيدنا فلا تنادينا إلا لصالحنا.

    مقاصد النداءات القرآنية

    وبالتتبع والاستقراء لآي كتاب الله وجدنا في القرآن الكريم تسعين نداء، ودرسناها بمنه وفضله هنا ثلاثة أشهر، كل يوم ندرس نداء، فوجدناها تدور على تحقيق ما يلي: أولاً: على أمره لنا باعتقاد أو بفعل أو بقول ما من شأنه إعدادنا للسعادة والكمال، أو لينهانا عما من شأنه أن يخسرنا ويضيعنا ويكسبنا الشقاء والخسران، أو ينادينا ليبشرنا لتنشرح صدورنا وتطمئن نفوسنا ونقبل في سرعة على الصالحات وتنافس في الخيرات، أو ينادينا لينذرنا من الأخطار والعواقب السيئة والمدمرات والهلاك في الدنيا وفي الآخرة، أو ينادينا ليعلمنا ما نحن في أمس الحاجة إلى علمه ومعرفته. هذه النداءات الإلهية التسعون نداء، وقد يسر الله طبعها مرات ووزعت، والله أسأل أن يحيي بها موات قلوب إخواننا. أيناديك ربك ولا تصغي ولا تسمع؟! إنه قد يناديك أبوك أو ابنك أما تسمع له؟ فكيف يناديك خالقك مالكك سيدك، من بيده حياتك وموتك وإليه مصيرك وأنت تعلم، لا يناديك للهو ولا للباطل ولا لإضاعة الوقت ولا لإرهاقك وإشقائك، والله! لا ينادينا إلا ليكملنا ويسعدنا. إذاً: هيا ندرس هذه الآيات، وهي مختومة بآخر آية نزلت من السماء، آخر آية نزلت من الله عز وجل هذه الآية: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]، أول آية نزلت: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] وآخر آية نزلت من ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية هذه الآية: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .

    كيفية امتثال الأمر بتقوى الله تعالى


    يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:278] نادانا ليأمرنا بتقواه إذ قال: اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:278]، كيف نتقيك يا رب وبماذا نتقيك؟ هل بالأسوار والحصون، بالجيوش الجرارة، بالسراديب تحت الأرض؟ بم نتقي الله ونحن بين يديه وفي قبضته؟ يقول لنا العالمون: اتقوه فقط بالإيمان به وطاعته وطاعة رسوله وأنتم مؤمنون، لا يتقى الله بشيء سوى هذا، لا تعصه، لا تخرج عن طاعته، فإن كنت كذلك فأنت آمن فلا تخف؛ إذ لا يغضب ولا يسخط إلا على من عصاه وتمرد عليه وخرج عن طاعته وفسق عن أمره وهو عبده مملوك له يغذوه ويسقيه ويكسوه، يحفظه من شياطين الجن لو تركه لاختطفوه، ثم لا يسمع نداءه ولا يمتثل أمره ولا يجتنب نهيه، فما لهذا المخلوق، ما لهذا الإنسان؟ إذاً: عرفنا بم نتقي ربنا، أي: بم نتقي عذابه وبلاءه وسخطه وغضبه وناره وجحيمه، نتقيه بطاعته وطاعة رسوله، لا تستمر على المعصية ولا تداوم عليها، وإن زلت قدمك وسقطت فعد إليه طالباً العفو والصفح وهو كريم حليم، يكفيك أن ترفع صوتك: غفرانك ربي وإليك المصير، أستغفر الله .. أستغفر الله .. أستغفر الله، وأنت تبكي، فيعفو ويصفح ويتجاوز ويغفر؛ لأنه حليم عظيم.أما أن تستديم معصيته غير مبال بقدرته عليك ولا بنعمه التي أغدقها عليك، فتكفرها وتجحدها وتواصل التمرد عليه، يقول: قف فتمشي، يقول: نم فتستيقظ، يقول: كل فلا تأكل؛ فأين يذهب بك يا عبد الله؟ تريد أن تتمزق وتتلاشى؟ وذلكم هو الخسران المبين: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، إن أحدهم يلقى في عالم لا يلتقي فيه بأب ولا أم ولا أخ ولا صديق ولا قريب ولا بعيد لمليارات السنين، وأفظع من هذا أن الرجل الكافر قد يوضع في صندوق من حديد ويغلق عليه ويرمى في ذلك العالم فلا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم ولا يبصر وهو في الجحيم مليارات السنين؛ إذ الحياة هناك غير قابلة للفناء، الحياة الدنيا -بحسب سنة الله فيها- قابلة للفناء، لا يبقى شيء إلا ويتلاشى ويتمزق، وها أنت تشاهد طفلك يشب ويكبر ثم يموت، وأما الحياة الآخرة فالذي أوجد هذه أوجدها غير قابلة للفناء، فأهل دار السلام لا يكبرون لا يهرمون لا يمرضون لا يشيخون لا يموتون لا ينامون، غير قابلة لهذه الظواهر في الحياة الدنيا الزائلة الفانية.

    حاجة العباد إلى العلم بشرع الله لتحقيق التقوى

    إذاً: والسؤال المكرر لعله ينفع الله به: هل الذي لا يعرف أوامر الله ونواهيه وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ونواهيه يستطيع أن يتقي الله؟ والله! ما يستطيع، إذاً: فمن الضروريات أن يعرف عبد الله وأمة الله ما أمر الله ورسوله به من الاعتقادات والأقوال والأفعال والصفات، وأن يعرف أيضاً ما حرم الله وكرهه من المعتقدات والأقوال والأفعال والصفات والذوات. وهنا وقفنا عند الباب، فهيا ندخل، وهو مغلق فلا بد من العلم، نحن مأمورون بأن نتقي ربنا حتى لا نخسر حياتنا وحتى لا نلقى في عالم الشقاء أبد الآبدين، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] في أي شيء نطيع؟ لا بد من معرفة ما نطيع الله ورسوله فيه، أي: معرفة الواجبات ومعرفة المنهيات في هذين المجالين من الاعتقاد والقول والفعل والصفات. وإذا ما وجدنا من يعلمنا فلنذهب نشرق ونغرب ونسأل عن الذي يعرف محاب الله ومكارهه، فإن قالوا: إن رجلاً يقال له: فلان يوجد في جبال التبت من القارة الهندية هذا الذي يعرف ما يحب الله وما يكره؛ فوالله! لو آمنا حق الإيمان لمشينا حتى نجلس بين يديه ليعلمنا ما يحب ربنا لنأتيه وليعلمنا ما يكره ربنا لنذره ونتركه، فلم لا يتعلم المؤمنون؟ سأشرح لكم: إن مظاهر الضعف والعجز، بل مظاهر الخبث والظلم والشر والفساد كلها نتيجة الجهل بالله وبمحابه ومكارهه، من عرف الله خافه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، ومن خاف الله عمل على ألا يخرج عن طاعته ولا يفسق عن أمره؛ لأنه علم أن حياته ومصيره بيد ربه، فكيف يجرؤ على أن يتمرد عليه ويخرج عن أمره؟ ونعيد القول: لم لا نتعلم في بيوت ربنا؟ اليهود والنصارى والمشركون والكافرون إذا انتهى العمل الدنيوي ودقت الساعة السادسة مساءً أوقفوا العمل كما هو مشاهد في أوروبا وأمريكا واليابان والصين، ونظفوا أنفسهم ولبسوا أحسن ملابسهم وذهبوا إلى دور الباطل من المراقص والمقاصف والسينما والملاهي والأباطيل ينفسون عن أنفسهم يروحون عنها من آثار البلاء النفسي؛ لأنهم كالبهائم لا هم لهم إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح واللهو والباطل، آيسون من رحمة الله جاهلون بالله والدار الآخرة، يذهبون للترويح على أنفسهم، ومصيرهم معلوم هو جهنم خالدين فيها أبداً. ولتعرف صورة توضيحية لجهنم اخرج في الساعة الثانية عشرة ظهراً وارفع رأسك وانظر إلى الشمس، هذه الشمس أكبر من الأرض بمليون ونصف مليون مرة، وكلها لهب وسعير، ولا شجر فيها ولا حطب، نار ملتهبة، لو اجتمعت البشرية كلها خمسين مرة ما سدت زاوية من زوايا الشمس، وتسألني عن النار؟ فإذا كشطت هذه السماوات وأبعدت فالعالم الآخر الذي لا نهاية له. وإن ارتبت فأغمض عينيك وضع رأسك بين ركبتيك وفكر وتصور نفسك وأنت هابط إلى الأسفل، فإلى أين ستنتهي؟ إذاً: قولوا آمنا بالله .. آمنا بالله .. آمنا بالله. فنحن الربانيون أولياء الله أهل الطريق والصراط المستقيم، إذا مالت الشمس إلى الغروب ودقت الساعة السادسة لم لا نتوضأ في بيوتنا ونلبس أحسن ثيابنا ونأتي بنسائنا وأطفالنا إلى بيوت ربنا، فنجلس الساعة والساعتين نتلقى الكتاب والحكمة، نزكي أنفسنا بهذه الأنوار الإلهية، سنعود شباعا إلى بيوتنا لا رغبة لنا في وافر الطعام والشراب، ولا هم لنا إلا أن يرضى ربنا عنا، لم ما عملنا هذا؟ أهل القرية في الجبل في السهل في الوادي حيثما كانوا أليسوا مؤمنين؟ ويزعمون أنهم المسلمون! فلم يعيشون على الجهل فيستبيحون الغش والخداع والغيبة والنميمة والشح والبخل والسب والشتم في أمراض لا يرضاها الله لأوليائه؟ لأنهم ما عرفوا -والله- وما علموا، ما طلبوا العلم حتى يعلموا، ما صدقوا حتى يصدقوا، هذه حال أمتنا، وقد شاهدنا ما فعل الله بنا في الشرق والغرب، وما زلنا في سكرتنا ما أفقنا، ما زالت السكرة هي هي، والجهل مطبق وآثار الجهل مشاهدة، كل ظلم كل خبث كل شر كل فساد مرده إلى الجهلبالله وبمحابه ومساخطه، فكيف نتقيك يا ربنا ونحن لا نعرف الكلمة التي إذا قلناها ترضى بها، أو تسخط ولا ترضى؟ فلا بد أن نتعلم، وما نحتاج للمدارس والأقلام والأوراق، هذا العلم الضروري فقط نتلقاه من فم المربي من وجهه إلى وجوهنا ونعزم على العمل في ساعته، فلا نزال نتلقى الحكمة يوماً بعد يوم حتى ما يبقى في قريتنا رجل ولا امرأة لا يعرف الله ولا ما يحب ولا ما يكره.

    أمر المؤمنين بترك الربا بعد بيان حكمه وحال آكليه

    ونعود إلى الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة:278] هذا أولاً، وقد بين لنا قبل إذ قال متوعداً: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] يقومون من قبورهم ساعة الانتشار والخروج من الأرض حالهم كالمصاب بالصرع كلما وقف وقع، كلما أفاق هلك؛ لأنهم قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275] وهم المتمسكون بالباطل أيام نزول الآيات، فقال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:275] وإن ملك مليارات، وأمره إلى الله، ومن عاد بعد التوبة فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:275-277]. بعد هذه البيانات الإلهية نادانا مرة أخرى، فماذا قال؟ يا من علمتم وآمنتم! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا [البقرة:278] اتركوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة:278]، من بقي له شيء فليتركه إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278] أما غير المؤمن فليس هذا من شأنه، ما يقدر، فإن كنتم حقاً مؤمنين فاتركوا ما بقي من الربا عندكم وتخلوا عنه.

    تفسير قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ...)

    إذاً: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة:279] فتكبرتم وترفعتم وأبيتم أن تذعنوا لنا وتسلموا وجوهكم وقلوبكم، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ [البقرة:279] اعلموا أن الحرب دارت بيننا وبينكم، والذي يحارب هل الله ينتصر؟ أمعقول هذا الكلام؟اعلموا أن الحرب قد دارت رحاها بين الرب تبارك وتعالى وبين العصاة المرابين من عباده، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] وكلمة (ورسوله) تعني الرسول ومن ينوب منابه من الأئمة والحكام، إذا رأوا من يستحل الربا يستتيبونه ثلاثة أيام، فإن لم يتب قتلوه نيابة عن رسول الله، من عرفوا أنه يتعاطى الربا يستتيبونه بالضرب حتى يتوب، أما إذا استحله فقد ارتد وكفر، مستحل الربا كافر، والذي يقول: إنه حرام ويفعله فهو عاص فاسق يستتاب ويرد، أما الذي ينكر شرع الله فهو مرتد.

    معنى قوله تعالى: (وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)

    قال تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]. مثال ذلك: أنا رابيت خمسين رجلاً في قريتنا، لي على كل واحد عشرون ألفاً، منها خمسة عشر حق مالي هي رأس مالي وخمسة آلاف ربا، فماذا نصنع؟ قال لي ربي عز وجل: خذ رأس مالك واترك الباقي، فتقول: يا جماعة! ردوا علي خمسة عشر فقط، والخمسة الآلاف التي كانت فوائد ربوية لا آخذها، تركتها لله، بذلك أمرني ربي، وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] لا تظلمون بأن تزيدوا ريالاً واحداً لا حق لكم فيه، ولا ينقص من رأس مالكم ريال واحد أيضاً، تسترده كما هو، لا تظلمون من داينتموهم بالربا ولا يظلمونكم هم فيأخذون من رأس مالكم ريالاً واحد.
    تفسير قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون)
    ثم قال تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:280].وإن فرضنا أنه كان ذو عسرة استدان منك وفي ذمته عشرون ألفاً، ثم ما استطاع أن يسدد شيئاً، لا يملك ديناراً ولا درهماً، فماذا نصنع مع هذا الرجل وقد تبنا؟ قال الملك الحق جل جلاله: فَنَظِرَةٌ [البقرة:280]، من أنظره ينظره: إذا أمهله، فمتى يسر الله عليه أعطاه، فنظرة إلى متى؟ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]. والميسرة: اسم من اليسر، أي: حتى ييسر الله عليه بعد عام أو عامين أو بعدما يحصد، فإذا يسر الله عليه أعاد لك رأس مالك فقط ولا تأخذ درهماً واحداً زائداً على رأس مالك. ثم جاء الكرم الإلهي وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280]، وأن تتصدقوا بذلك المال الذي عند معسر ذي عائلة وما يستطيع أن يجمع هذا المال، فقلت له: تركته لله، فبات منشرح الصدر يعبد الله ويشكره ويدعو لك بالخير وزوجته وأولاده فيحصل لك خير عظيم، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280] . فهذه التوجيهات توجيهات ممن؟ من الله، فكيف يكفرون بالله؟ من أين يأتي هذا الكلام وهذه العلوم والمعارف، ثم يقولون: لا إله والحياة مادة! ألا لعنة الله عليهم. ولقد استجاب الله لنا فتحطمت الشيوعية البلشفية الحمراء وانتهت، لا عودة ولا رجعة، ومع هذا ما زال الهالكون بين المسلمين يسبحون بحمدها ويقدسون، أين الشيوعية؟ حفنة من الشيشان دمروا روسيا هذه الأيام، أذاقوها المر، فصفقت الدنيا. يقولون: لا إله؟! مجانين، أنت من أوجدك؟ كيف تقول: لا إله؟ أمجنون أنت؟ الذي يقف بيننا نقول له: أنت مخلوق، فإن قال: لا، أنا غير مخلوق، قلنا: أخرجوه، فهذا مجنون! وإن قال: أنا مخلوق؛ قلنا: من خلقك؟ هل جبال الألب أو البحر الأسود تتفنن في وجودك هكذا وفي سمعك وبصرك وعقلك ولسانك ومنطقك؟هذا الخالق لا بد أن يكون ذا علم وقدرة لا يعجزها شيء، فقل: آمنت بالله خير لك.

    تفسير قوله تعالى: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)


    وأخيراً جاء الطبع والختم: وَاتَّقُوا يَوْمًا [البقرة:281] عظيماً يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281] يقال: فلان مات، رجع إلى ربه، أول خطوة هي القبر، وتتم محنة فيه من أعجب المحن وفتنة لا تقابل بفتنة أبداً، ثم يلي المشكلة إما نزول إلى أسفل سافلين وإما علو إلى عليين، وتبقى النفس مرهونة فقط إلى أن تنتهي هذه الدورة، وهي أوشكت على نهايتها، شاخت الدنيا وشابت، وحينئذ يقع الزلزال العام وتتحلل الكائنات كلها وتعود سديماً وبخاراً كما كانت، ثم يعيد الله عز وجل الحياة لتخلد وتبقى، امتحن الكون وأهله فترة من الزمان ثم استقر في ملكوته، أهل الجنة في جواره يكشف الحجاب عن وجهه الكريم ويسلم عليهم فيسعدون سعادة لا يعرفون الشقاء بعدها أبداً: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:55-58]. ‏

    وقفة مع نعيم أهل الجنة

    وهنا نعيد هذا البيان من سورة يس الذي تقرءونه على الموتى وتحرمون الأحياء منه، مضت أربعمائة سنة أو ستمائة سنة والمسلمون لا يقرءون القرآن إلا على الموتى، هل الميت ينهض ويقوم ليغتسل من جنابة ويصلي ويعترف بحقوق الناس ويردها؟ أما الأحياء فلا يقرءون عليهم القرآن أبداً، يقرءونه على الموتى. إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [يس:55] ما هذا الشغل؟ هل يبنون يحرثون يخيطون الثياب يطبخون الطعام؟ ما هذا الشغل؟ قال العلماء: إنه افتضاض الأبكار، الله أكبر، بشراكم أيها الفحول! إنه افتضاض الأبكار، والبكر هي التي ما تزوجت. إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:55-58] قول لا بالكتابة أو بواسطة الملك، مباشرة يكشف الحجاب عن وجهه الكريم ويسلم عليهم فتغمرهم فرحة وسعادة لم يعرفوا لها معنى أبداً قبل ذلك.

    استحقاق الجنة بزكاة الأنفس وطهارة الأرواح

    فمن هؤلاء؟ هل هم البيض؟ هل هم بنو هاشم؟ من هؤلاء؟ أصحاب النفوس الزكية والأرواح الطيبة الطاهرة، والله العظيم! لهؤلاء هم أهل هذا النعيم؛ لأن الله عز وجل أصدر حكمه وأعلمنا أنه إذا أصدر حكماً لا يعقب على حكمه ولا استثناء ولا مراجعة أبداً؛ لعظيم علمه وحكمته وإرادته. اسمع هذا الحكم الصادر عليك وأنت غافل، يقول تعالى بعد أيمان مغلظة: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8] كم قسماً هنا؟ أحد عشر قسماً من أجل هذا الحكم الصادر على البشرية العمياء التائهة في متاهات الحياة: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] فمن يعقب على الله؟ قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دسى نفسه. أفلح بماذا؟ هل في تجارته؟ في مصنعه الجديد؟ الفلاح حقيقته أن تبعد عن عالم الشقاء وتدخل دار السلام والنعيم المقيم أبداً، وبينه تعالى بنفسه ما تركه للناس؛ إذ قال -وقوله الحق- من سورة آل عمران: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185].

    مواد زكاة النفس وتطهير الروح

    قد تقول: يا شيخ! ما هي المواد التي نزكي بها أنفسنا يرحمك الله؟ هل الصابون (تايت)، أم العطور (الكلونيا)؟ هل هذه تزكي النفس؟ هل الأغاني وأصوات العواهر والماجنين تزكي النفس؟ بم نزكي أنفسنا؟ دلونا يرحمكم الله، ما هي المواد التي تزكي النفس؟ الجواب: النفس تزكى بما وضع لها من أقوال وأعمال واعتقادات، هذا الذي قلنا: إنه به يتقى الله، كلمة لا إله إلا الله هذه أكثر من طن من الصابون لتغسل بها جسمك، إذا قلتها مؤمناً موقناً تحولها إلى كتلة من النور، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، تحولها إلى أطيب من الطيب وأطهر من الطهر، كما أن كلمة الكفر تحيلها إلى مزبلة منتنة لا تطاق روائحها. فالعليم الحكيم شرع من العبادات بالأقوال والأفعال ما شرع لتزكية النفس وتطهيرها، وما حرمه من ذلك فلأنه يدسي النفس ويخبثها ويعفنها، فبفعل الإيمان والعمل الصالح تزكو النفس البشرية، وعلى الشرك والفسق والفجور تدسى وتخبث النفس البشرية. هذه هي الحقيقة، فهل عرفها المسلمون؟ ما عرفوها، ما يسمعون بهذا الكلام أبداً، لو سمعوا هذا لما كان يقتل بعضهم بعضاً، ولما كان يزني بعضهم بنساء بعض، ولما كان يسرق بعضهم أموال البعض، ولما تكبر بعضهم على بعض، وقل ما شئت؛ فكل الأمراض والأسقام والعلل هي ثمرة الجهل بالله وبمحابه ومساخطه، وكلمة واحدة تبين لك الطريق: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]. في قريتك ذات الألف ساكن اعلم وفتش فستجد أن أعلمهم بالله أتقاهم له، أقلهم جريمة وكذباً وسرقة، فهيا نتعلم. فإن قيل: ما نستطيع، قلت: أما نستطيع أن نجمع نساءنا وأطفالنا في بيت ربنا؟ في الحي الذي نسكن فيه أو في القرية؟ ونتعلم الكتاب والحكمة؟ لم ما نستطيع؟نعم في أوقات معينة عند إثارة الفتن الحكومات توقف هذا التيار، لكن سينتهي، وكان غير موجود قروناً وأبينا أن نتعلم.فهيا نتلو الآية مرة أخيرة نسمع هذا البيان الإلهي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة:278] إن بقي عندكم، والحمد لله فليس عندنا، ما انغمسنا فيه ولا هو عندنا، لكن إن كان واحد منا فربنا تعالى يقول: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة:278-279] وأصررتم وتكبرتم فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:279-280].وأخيراً: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]. فالطريق يا أبناء الإسلام للنجاة أن نعود إلى كتاب الله وسنة رسول الله، نغتنم أوقات الفراغ، لا نوقف مصنعاً ولا مزرعة ولا متجراً، فقط من المغرب إلى العشاء في صدق نتعلم الكتاب والحكمة على هذا المنظر الذي تنظرون إليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (39)
    الحلقة (46)




    تفسير سورة البقرة (134)


    حرم الله عز وجل الربا وأحل لعباده عوضاً عن ذلك البيع، ومن أنواع البيع التي أحلها بيع السّلم، وقد بين عز وجل لعباده أنه يلزمهم عند التبايع بهذا النوع وغيره كتابة تفاصيل العقد، مع بيان وقت تسليم قيمة المبيع ومقداره، وما يلزم كاتب هذا العقد من العدل وعدم الحيف، وعدم تقديم مصلحة طرف من الأطراف على الآخر، ومع كتابة عقد الاتفاق يلزم أيضاً وجود شاهدين عدلين يشهدان على ما فيه، وهذا التوجيه يلزم كل كبير وصغير، ويلزم الجميع تطبيقه والعمل بتعاليمه، وهو أمر الله عز وجل لعباده المتقين.

    تفسير آية الدين

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق لنا رجاءنا إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. وها نحن قد انتهى بنا الدرس من سورة البقرة إلى أطول آية في كتاب الله، أطول آية في كتاب الله هي آية الدين، أو آية كتابة السَّلَم، فهيا نتلوها أولاً تبركاً بها وتقرباً إلى منزلها، ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282].لو يجتمع البشر كلهم من ذوي العقول والأفكار وخريجي علم الاجتماع والسياسة فوالله! ما استطاعوا أن يأتوا بمثل هذه الآية، ولا تمكنوا حتى من مشابهتها، هذه الآية نزلت على رجل أمي لا يعرف الألف ولا الباء، لا يكتب ولا يقرأ، ما جلس بين يدي مرب قط، كيف يأتي بهذه العلوم والمعارف؟ والله لن يكون إلا رسول الله.

    ظهور فضيلة الإيمان بنداء المؤمنين

    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:282] هذا نداء، فمن المنادي؟ الله جل جلاله، ومن المنادون؟ نحن المؤمنين، فالحمد لله .. الحمد لله .. الحمد لله أن رب السماوات والأرض رب العالمين ينادينا، الحمد لله، أما تفرحون بهذا؟ هل يدخل في هذا النداء مجوسي كافر أو يهودي أو صليبي مشرك؟ لا والله، ما هم بأهل لأن يناديهم الرحمن عز وجل. هذه هي فضيلة الإيمان، ولعلكم ما نسيتم أن الإيمان بمثابة الروح للحياة، فالمؤمن حي والكافر ميت، والبرهنة القاطعة أننا لا نكلف يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً تحت رايتنا بأن يصوم رمضان أبداً، ولا نكلفه بصلاة ولا زكاة،لم؟ لأنه ميت، وهل الميت يكلف؟ هل يفعل إذا كلم؟ لا. فإذا نفخنا فيه الروح بإذن الله وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؛ صار حياً، فقل له: اغتسل وتقدم إلى بيت الرب لتناجيه وتعبده؛ فإنه سيفعل، أما وهو ميت فهل نكلف الموتى؟

    معنى قوله تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)

    نادانا ربنا تعالى ليقول لنا: إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ [البقرة:282] أي داين بعضكم بعضاً، وكلمة (بدين) لطيفة هنا، تداينتم من المداينة، حتى المضاربة. قال تعالى: إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282] يقول الحبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: هذه الآية نزلت في بيع السلم. وهو كذلك إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن هذا كتاب للبشرية إلى يوم القيامة، ما هو كتاب حادثة وانتهت. وما هو بيع السلم أو السلف؟ كان أهل المدينة النبوية التي كانت تسمى في الجاهلية بيثرب ذات السبخة والنخيل، كانوا يسلفون ويسلمون، مثلاً: أنا عندي بستان في قباء واحتجت إلى نقد من دراهم أو دنانير، فآتي إليك وأقول لك: أبيعك خمسين قنطاراً من العجوة أو البرني أو الصفاوي؛ إذ لا بد من تحديد العين، فتدفع لي القيمة على أساس أن القنطار بمائة دينار، وإذا جاء وقت الجذاذ أقدم لك الخمسين قنطار كما اتفقنا، هذه المعاملة فيها نوع من الغرر، قد يموت البائع أو المشتري ويحصل التباس، قد لا توجد هذه السلعة، قد يفسد الثمر وهو على رءوس النخل، ولكن لرحمة الله عز وجل بالمؤمنين وببركة نبيهم الجليل بينهم أذن الله لهم في هذا؛ لعلم الله تعالى بضعفهم وحاجتهم، فأذن لهم في بيع السلم. فالحصاد ما زال بعد ستة أشهر وتقول: أي فلان! أبيعك خمسين قنطاراً من البر أو القمح أقدمها لك بعد ستة أشهر في منزلك أو في دكانك، يقول: بكم؟ فيتفقان في السعر قطعاً، إذا كان السعر يساوي الآن عشرين فسوف يرفعه، فقد يطرأ عليه طارئ فيصبح أغلى من هذا، فيحتاط لنفسه ويقول: بعناك بخمسة وعشرين مثلاً. ويأخذ النقود فيشتري بها أبقاراً أو يسافر بها أو يبني أو ينفق على أهله حتى يأتي وقت الحصاد فيأتيه بذلك البر الذي اشتراه منه، هذا هو بيع السلم، فيه رخصة من الله رحمة بالمؤمنين، وإلا فالبيع يكون بأن تكون السلعة أمامك فتعطي ثمنها وتأخذ البضاعة، لا حتى تأتيك يوم كذا، لكن من رحمة الله بالمؤمنين وببركة نبيهم بينهم رحم الله ضعفهم وأذن لهم بهذا السلم.


    وجوب تسمية الآجال وبيان حكمة مشروعية كتابة الدين

    فاسمع الآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282]، لا بد من تحديد الوقت، لا تقل: في الصيف. أي صيف هذا؟! لا بد أن تذكر الوقت المسمى بالشهر المعين، إذاً: إِلَى أَجَلٍ [البقرة:282]، الأجل هو الوقت، فنحن لنا آجال أم لا؟ لنا أوقات. فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282] هذا فرض: إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282] وجوباً.قال إمام المفسرين: الأمر هنا للوجوب، لم؟ حتى لا يتنازع المؤمنون، حتى لا يكون هذا البيع سبباً لبغضائهم ولعداوتهم ولكره بعضهم بعضاً وهم أمة واحدة كرجل واحد يحملون راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فكل ما من شأنه أن يفرقهم وأن يشتتهم وأن يوجد البغضاء بينهم حرام لا يجوز. وهذه كررناها، فهل من واع؟ تستطيع أن تعرف المعاملات التجارية بهذه النظرية، كل ما من شأنه أن يسبب خلافاً أو عداوة أو بغضاء بين المؤمنين فهو حرام، لأنهم كجسم واحد يحملون راية واحدة ينشرون الإسلام والهدى في العالم، فلا يحل -إذاً- اختلافهم ولا قتالهم ولا كل عمل من شأنه أو يوجد عداوة أو بغضاء بينهم. وكيف حال العالم الإسلامي اليوم؟ هل هم متحابون متوادون متفقون متعانقون؟ لا والله، إذاً: هبطت راية لا إله إلا الله ومزقوها، ما سبب هذا؟ العدو نشر بينهم الفرقة والخلاف، فجعل مذهبهم مذاهب، وأخيراً الاستعمار قسمهم تقسيماً، والآن صاروا ثلاثاً وأربعين دولة. ولم يصح المسلمون، ما بلغنا إلا هذه الصحوة، وأية صحوة هذه؟ ما رأينا لها آثاراً، أية إفاقة هذه؟ لنترك هذا لله ولنواصل دراسة كتاب الله؛ لنخرج من هذه الآية بنور ينفعنا.

    معنى قوله تعالى: (وليكتب بينكم كاتب بالعدل)

    قال تعالى: فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282] فعرفنا وجوب الكتابة، ثم قال تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة:282] يكتب بينكم كاتب بالعدل، لا يميل ولا يحيف ولا ينظر إلى وجه هذا وعيني هذا فيزيد أو ينقص أو يقدم أو يؤخر، بل بالعدل. فإذا كنت تكتب في دين بين اثنين فلا تلفت إلى قرابة ولا صداقة، أقم العدل كما أمرك الله، والعدل ضد الحيف والانحراف والسقوط، هو الاعتدال.

    معنى قوله تعالى: (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله)

    وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ [البقرة:282] ولا يرفض كاتب أن يكتب، ولا يمتنع كاتب أن يكتب، إذا ما وجدناك إلا أنت يا عبد الله فيجب أن تكتب، ولا تقل: أنا مشغول. ما دام قد احتاج إليك المؤمنون لكتابة عقد بينهم فينبغي أن تكتب، وإياك أن ترفض.فـ(لا يأب) معناه: لا يرفض، وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ [البقرة:282] تكتب كما علمك الله، وهذه لطيفة، فأنت ما كنت تعرف الكتابة، ولا تعرف الباء ولا الألف، فمن علمك؟ الله. هل كائن غير الله يعلم؟ علمك الله، إذاً: رد إليه ما أعطاك، يأتي عباده المؤمنون يطلبونك فاذكر نعمة الله عليك واستح من الله واكتب بينهم. وفيها معنى: ألا يحيف ولا يجور ولا يقدم ولا يؤخر، بل بالعدل في الكتابة، وفيها معنى: أن يذكر هبة الله عليه.وهذا ينبغي أن نلاحظه في كل شئون حياتنا، أنت كنت تمشي على رجليك من بيتك إلى المسجد، ورزقك الله دابة تمشي بالنار أو بالماء، فإذا رآك مؤمن فقال: أركبني فأركبه، اذكر نعمة الله عليك، بهذا تنتظم حياتنا كلها، النعم التي أنعم الله بها علينا يجب ألا ننساها، وهذه الجملة من هذه الآية عجب، كما علمه الله يكتب، كما أعطاك الله فأعط، كما أقدرك الله أقدر، ولكن أهل الغفلة ما يعرفون هذا، أما الذاكرون فيشعرون بهذه، لأن أحاسيسهم فوق العادة مرهفة؛ لأنهم دائماً مع الله بقلوبهم وأبدانهم.

    معنى قوله تعالى: (وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً)

    وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ [البقرة:282] ثم قال تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ [البقرة:282]. أنا الكاتب والقلم بيدي والقرطاس بين يدي، وأنتما اثنان تبايعتما، فمن يملي علي؟ الذي اشترى أو الذي باع؟ الذي اشترى هو الذي يملي؛ حتى يعترف بأنه اشترى خمسة قناطير أو سبعين قنطاراً، بخلاف البائع، فإذا قلنا له: أمل أنت فقد يقول: بعناه مائة قنطار، اكتب مائة وخمسين! وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ [البقرة:282] هو الذي يملل ويمل، وبالفك: يملل، أمل وأملى بمعنى واحد. وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة:282] وليخف الله حتى لا يزيد ولا ينقص ولا يقدم ولا يؤخر، أو يغش في صفة من صفات هذه الدين. وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا [البقرة:282] معنى يبخس: ينقص، بخسه أو نقصه، فلا ينقص من ذلك الحق أدنى شيء، يكتبه كاملاً وافياً غير منقوص. وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا [البقرة:282] هذا الذي يملي، والكاتب كذلك.

    معنى قوله تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل)

    قال: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ [البقرة:282] فكيف نفعل؟ الذي عليه الحق سفيه ما يحسن التصرف في المال، فهذا لا يملي، أو كان ضعيفاً أبكم ما ينطق، أو مريضاً ملازماً للفراش، أو لا يستطيع ولا يقدر أن يمل، فمن يملي؟ قال تعالى: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [البقرة:282] الذي يتولى أمره من عم أو أب أو قريب أو بعيد هو الذي يملي. فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [البقرة:282] وكلمة العدل عليها قام أمر السماء والأرض، العدل عليه قام أمر السماء والأرض، والله! لو تنحرف الشمس في فلكها أدنى شبر لخرب العالم، قائمة بالعدل، كل الكواكب في أفلاكها لو تنحرف يخرب العالم، أمر السماء والأرض قام بالعدل، فإذا انعدم العدل هبطت الأمة، فلهذا يعدل الرجل بين نسائه، يعدل بين أولاده، يعدل في حكمه، يعدل في قوله، إذا قال لا يحيف بكلمة ولا يجور بها: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام:152]. وما أصبح العالم الإسلامي اليوم يشعر بشيء اسمه العدل، إلا من رحم الله عز وجل، العدل حتى في المشي، فإذا مشيت فامش في عدل ولا تتمايل.

    معنى قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم)

    ثم قال تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282] الكتابة ضرورية، والإشهاد عليها ضروري أيضاً، الكتابة وحدها ما تكفي، ففي الإمكان أن تنكر، لكن إذا كان عليها شاهدان شهداها، ووضعا ختمهما عليها فما يستطيع أحد أن ينكر، لا بد من الشاهدين على الكتابة، وليس شرطاً أن يكون هذا الصك بمليون ريال، بل ولو كان ألف ريال، ولو كان مائة ريال، صغيراً أو كبيراً كما سيأتي.قال تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282] أي: اطلبوا شهيدين، فالهمزة والسين والتاء أحرف استفعال بمعنى الطلب، ابحث عمن يشهد من إخوانك.

    معنى قوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء)

    فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ [البقرة:282] ما وجدنا من الشهود رجلين، وجدنا رجلاً واحداً، والرجال سافروا أو في غزو، ونحن اضطررنا لأن نكتب هذه الصك وهذا السند، قال تعالى: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282] الرجل موجود، والثاني غير موجود، إذاً: نأتي بامرأتين من الصالحات المؤمنات القانتات تشهدان، فشهادتهما تعدل شهادة الرجل الذي انعدم وما وجدناه.وإذا ما وجدنا المرأتين ووجدنا الشاهد فحسب فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بيمين وشاهد، هذا في باب القضاء والتحاكم، أما الآن فإما رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة، وأما الكاتب فإن كان غير صاحب الحق؛ فإنه يكتب لهما ويتخذانه شاهداً يشهد. والشاهد عندنا: أنه إن لم يكن الشهداء رجلين وإنما وجد رجل واحد فيقوم مقام الرجل الثاني امرأتان، فتشهدان ويمضي البيع: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282] كل جملة لها مفعولها، ممن ترضون، لا بد أن يكون الشهود صالحين عدولاً بررة أتقياء، أما تاجر يتعاطى الخمر ويتعاطى الجريمة فما تصلح شهادته. وحد العدل عند أهل العلم: الرجل الذي يجتنب الكبائر كلها، ما يعرف كبيرة من كبائر الذنوب، ويتجنب الإصرار على الصغائر أيضاً، هذا هو العدل. أما من عرف بجريمة من الجرائم فلا يستشهد ولا تقبل شهادته، ولما هبطنا بلغنا أن بعض الصعاليك يجلسون حول المحكمة يلعبون الكيرم أو الورق، وإذا احتاج إليهم واحد من المحكمة قال: تعال لتشهد بعشرة ريال أو خمسين ريالاً، ويدخل ويشهد معه، وهذا وجد في العالم الإسلامي، ولا غرابة ولا عجب، فما عرفوا الله حتى يخافوه.


    معنى قوله تعالى: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)

    قال تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ [البقرة:282] إذاً فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ [البقرة:282] مخافة أو كراهة أن تضل إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282]؛ لأن المرأة بطبعها الذي طبعها الله عليه ضعيفة في إرادتها وفي عقلها، كثيراً ما يسري إليها النسيان وتنسى. فالذي يقول: المرأة والرجل سواء عندنا نحن كفر وخرج من الإسلام، والذي يقول: يجب أن تتفوق فوالله! لا حظ له في الإسلام، يقول تعالى في امرأة لوط ونوح: كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ [التحريم:10] ما معنى (كانتا تحت عبدين)؟ هل يعني أنهما مساويتان لهما، أو فوقهما؟ إذاً: فالذي يقول: المساواة؛ هذا كاليهودي وكالنصراني، بل اليهود والنصارى كانوا يستحون من هذا، لكنه عمل البلشفة الحمراء واللادينيين الذين حلموا بهذا الحلم: المساواة، فهل أنت رب الناس؟ هل أنت الخالق؟ أما تستحي إذاً؟ ما خلقت أنت ولا رزقت ولا دبرت الكون، وخالقهم فضل هذا على هذا، فتقول: أنت يا رب ما تعرف! فهل هذا يبقى مسلماً؟ هل يدخل في رحمة الله؟! ويتبجح الغافلون والمقلدون والعميان الذين لا بصائر لهم، ويطالبون بالمساواة وحرية المرأة، فكما أن الرجل يعهر ويفجر فلها حق هي أن تعهر وتفجر، أهذا دين؟!قال تعالى: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282] لم يا رب؟! أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا [البقرة:282] تنسى، أو تخطئ لصغر عقلها وطاقة فهومها؛ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282] حين تكونان اثنتين إذا نسيت الأولى فالثانية تذكرها: أما تذكرين كذا وكذا؟ فيثبت الحق لأهله، ولا تضيع حقوق الناس.

    معنى قوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)

    ثم قال تعالى: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة:282]، إذا استدعاك القاضي وقال: هل أنت شهدت البيع الفلاني؟ فتعال لتشهد، يجب أن تأتي، لا ترفض فتقول: أنا لا أشهد! إخوانك يكتبون كتاباً، فقالوا: تعال اشهد معنا، وأنت مؤمن تقي، فتقول: سامحوني، فلن أشهد؟! وأذكر أني عوقبت بهذه؛ فقد كنت في دكان عند المحكمة، فجاءتني امرأة فقالت: قم يا شيخ لتشهد معي، فأنا تضايقت وكرهت أن أشهد وما أعرفها، فاعتذرت وامتنعت، فقالت: إذاً: والله! لأدخلنك المحكمة بنفسها، وتمضي الأيام، وزوجها من البهاليل، فكان يزورني في البيت ويطلعني على خفايا أمره، ثم مات، فقالت: إن الشيخ الفلاني عنده مال زوجي، وهو مدخر عنده، وفجأة يجيء العسكري فيقول: القاضي يريدك في المحكمة! فحضرت المرة الأولى فما نجحت، وشاء الله ذلك، ولو جاءت بشاهد آخر علي لكانت تأخذني، لكن الله صرفها صرفاً كاملاً، إذاً: فلم يبق إلا أني حلفت بالله الذي لا إله غيره ما ترك عندي فلان شيئاً، فصدر الحكم بإلغاء شكواها. أرأيتم كيف عوقبت؟ لأنني ما شهدت لها، والله يقول: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة:282] احضر، وأد شهادتك، فالحمد لله؛ أرانا الله مصداق آياته.

    معنى قوله تعالى: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا)

    قال تعالى: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ [البقرة:282] لا تقل: هذه ألف ريال ما هي بذات قيمة، أو خمسة آلاف ما هي بشيء، فلا نشهد ولا نكتب، وَلا تَسْأَمُوا [البقرة:282] لا تملوا ولا تضجروا أن تتركوا الكتابة إلى أجل وإن كان المبلغ ما هو بشيء، لأن المبلغ وإن كان ما هو بشيء فإنه إن أنكرك أخوك أو جحدك تبغضه فتحدث الفتنة، فلهذا كما سمعتم توجيه الله عز وجل، يقول تعالى: وَلا تَسْأَمُوا [البقرة:282] والسآمة: الملل والإعياء وعدم الرغبة، أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا [البقرة:282] لا تقل: هذا شيء تافه ما نكتبه، بل اكتب، واكتبوه إلى أجله، حددوا الآجال.ثم يقول تعالى: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:282] ذلكم الذي علمتم من الكتابة والإشهاد أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا [البقرة:282] لا إله إلا الله! هذا كلام الله، ذلك الذي سمعتم أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:282] يعني: أكثر قسطاً وعدلاً، وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ [البقرة:282] حتى لا يظلم صاحبها أو يضيع حقه، وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا [البقرة:282] أقرب ألا تشكوا، فالكتابة وحدها ما تكفي، فلا بد من الإشهاد، كتبتم الصك فأشهدوا من عدولكم رجلين، وإذا ما وجدتم إلا رجلاً واحداً فأضيفوا إليه امرأتين من نسائكم.

    معنى قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها)

    ثم قال تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا [البقرة:282] الذي يبيع التمر والبر في بقالة، تشتري منه مثلاً عشرة كيلو، خمسة كيلو، أو جزار تشتري منه مثلاً خمسة كيلو لحم، وتقول: سآتيك بالمبلغ بعد أسبوع؛ فهذا ما يحتاج إلى كتابة؛ لأن الأصل: خذ وهات. فإن اضطر أخوك إلى أن أجلته يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً فما هناك حاجة إلى كتابة؛ لأن هذه التجارة حاضرة، ونحن كنا نتكلم عن بيع السلم.إذاً: في هذه الحالة إذا كانت تجارة مدارة: خذ وأعط، كحال الدكاكين، فلو فرضنا أنه استلف منك كذا؛ فإذا ما كتبتم فلا شيء فيه: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا [البقرة:282] لا إثم عليكم في عدم الكتابة، ولا مضايقة ولا إرهاق وإتعاب، هذا ما هو في بيع المنازل والدور والسيارات، هذا في البصل والثوم والسكر والزيت، هذه تجارة حاضرة، فهذه إذا ما كتبتم فيها فلا شيء عليكما، أما ما كان من إبل وبقر وغنم مثلاً وبساتين ودور، وسيارات؛ فحين تبيع سيارة وما تكتب الدين ولا تشهد؛ فإنها تضيع.

    معنى قوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم)

    ثم قال تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282] هذا -كما قلنا- في المنازل والبساتين وأنواع الإبل والسيارات؛ هذه الأموال، فالآن إذا باع إنسان لآخر سيارة -مثلاً- إلى أجل ألا يكتب؟ يجب أن يكتب ويشهد: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282] أي: باع بعضكم لبعض.

    معنى قوله تعالى: (ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم)

    وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282] لنتأمل هذه الفقرة، أي: لا يضر أحدكم الكاتب ولا الشهيد، مثلاً: نحن الآن في المدينة بين المغرب والعشاء، لكن بعدما نصلي العشاء وننام هل يجوز أن تقول: تعال يا فلان لتكتب لي أو لتشهد لي؟ أضررت به أم لا؟ أقمته من نومه، اترك هذا إلى غد، كيف توقظه؟ أو شهد معك في المحكمة، وحصل خلاف بينك وبين الخصم في أبيار علي، فتقول للشاهد: تعال عندنا إلى أبيار علي، وهو عاجز أو مريض ما يستطيع أن يمشي، فهل أضررت به أم لا؟ أو أن فلاناً معروف أنه كاتب في القرية، فتأخذه إلى قرية أخرى ليكتب لك؟ أما أضررت به؟ فسبحان الله العظيم! بين الله تعالى كل جزئيات هذه القضية! وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282]، فالذي يكتب لك لا تكلفه ما لا يطيق، تأتي به في نصف الليل، أو في وقت برده شديد، انظر إلى الوقت المناسب له، والشهيد كذلك، لا تقل: تعال لتشهد معنا، وتمشي به خمسين كيلو؟! آذيته، فلا بد أن يكون الكاتب الذي كتب والشاهد الذي شهد أن يكون ذلك ميسوراً سهلاً عليهما، ما فيه ما يكلفهما عناء أو مشقة أو فقد مال مثلاً.لا تفهم أنه بما أن الله أمرنا أن نشهد وأن نكتب ففي هذه الحال نلزم كل واحد أن يكتب لنا ويشهد، ونكلفه ما فيه مشقة عليه، عجب هذا الكلام الإلهي! وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة:282] إن أضررتم بالكتاب أو بالشهود فهذا فسق منكم وخروج عن طاعة الله ورسوله. وما المراد بالفسوق؟ هل هو الخروج عن الأدب؟ عن اللياقة؟ الفسوق: هو ترك أمر الله أو انتهاك ما حرم الله.فإبليس فسق عن أمر ربه، أبى أن يسجد لآدم فقط، ما ترك صلاة ولا صياماً، بل قال له: اسجد فقال: لن أسجد، أنا أفضل منه، وتكبر، قال تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50] فكل من ترك واجباً وهو يعلمه وقادر على فعله يقال فيه: فسق، أي: خرج عن الطاعة. والفسق مأخوذ من قولهم: فسقت الفأرة: إذا خرجت من جحرها، ولذا تسمى الفويسقة، تأتي في الليل وتحرق عليهم المنزل، أيام كانوا يستصبحون بالفوانيس، تأتي على الفانوس فتحترق، وحين تشعل فيها النار تدخل بين النائمين في فرشهم فتحرق عليهم الفراش، فلهذا سماها النبي صلى الله عليه وسلم بالفويسقة، فهي تأتي على الفانوس، وحين تشتعل في شعرها النار ماذا تصنع؟ تبحث عن النائمين فتدخل بينهم، فالفسق: الخروج عن طاعة الله ورسوله عن عمد وعلم.

    معنى قوله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم)

    ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:282] هذا خطاب لنا، اتقوا الله في هذه التعاليم، ما كان أمراً فأنجزوه، وما كان نهياً فاجتنبوه، وما كان رغيبة فارغبوا فيها وافعلوها، وما كان مكروهاً فاكرهوه وتباعدوا عنه، بذلك تتم لكم تقوى الله عز وجل، واتقوا الله في هذه التعاليم، احفظوها، افهموها، طبقوها، امشوا عليها، علموها، بهذا تحصل لنا تقوى الله عز وجل. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] أخذ منا وأعطانا، أخذ وعطاء، اتقوا الله ويعلمكم الله، والله! ما اتقى الله عبد إلا علمه، وعدنا إلى تلك القضية، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا علمه، والله يقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]؛ لأنه إذا أراد الله أن يتخذك ولياً له فإنه يعلمك، أنت أحببته ورغبت فيما عنده وخفته ورهبته، فأصبحت تطلب معرفته ومعرفة محابه ومساخطه، وتفعل المحبوب، وتتخلى عن المكروه، يوماً بعد يوم ستبلغ مستوى الولاية وتصبح تقياً ولياً لله تعالى.فاتقوا الله ويعلمكم الله، فما تنسونه أو تجهلونه أو يُحدث لكم تعباً أو يحدث لكم سوءاً، فالله يعلمكم.

    التصرف العسكري لخالد بن الوليد أنموذج لنور التقوى

    وهذه أيضاً كالآية التي تحمل لنا الفرقان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، فما الفرقان هذا؟ طاقة أكبر من هذه الطاقات الكهربائية، نور في القلب، ما إن تنظر حتى تميز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين السيء والصالح، وبين الضار والنافع، بهذا النور الذي أنتجته لك طاعة الله وطاعة رسوله.وضربنا لهذا أمثلة: كـخالد بن الوليد ، ولم تكتحل عين الدنيا بقائد عسكري يقود الجيوش كما قادها خالد بن الوليد ، حتى كفار الشرق والغرب كانوا يتمثلون حياته ويعرفونها، خالد بن الوليد سيف الله في أرضه، في وقعة مؤتة كان المسلمون فيها ثلاثة آلاف، خرجوا من المدينة يقودهم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه جعفر ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، ثلاثة آلاف واجهوا مائتي ألف، ما هناك مدافع ولا صواريخ، بل وجهاً لوجه بالرماح والسيوف، ثلاثة آلاف مع مائتي ألف! واستشهد القادة واحداً بعد واحد، فتولى خالد القيادة، فاستل تلك البقية من ثلاثة آلاف استلال الشعرة من العجين.فخالد بن الوليد كيف حصل على هذا العلم؟ في أي كلية حربية درس؟ من هم أساتذته؟ ما هو إلا تقوى الله عز وجل، اتقى الله فيما أسند إليه، فيما أمر به، فأداه على الوجه المطلوب كما يحبه ربه الذي أمره به، فأوتي هذا الفرقان، فأصبح يعرف القتال وكيف ينتصر فيه على أعدائه.فاتق الله، فإن فعلت فوالله! لن تخلو من هذا الفرقان، وستصبح تميز في بيتك ومع إخوانك النافع من الضار؛ نتيجة تقوى الله. وهل تقوى الله تتم بدون علم؟ مستحيل! لا بد أن تعرف الله عز وجل بأسمائه وصفاته، بآياته في الكون والكتاب، فيصبح قلبك مملوءاً بحبه والخوف منه، ثم تعرف ما يحب من الكلام من القول، من العمل، من النيات، من الاعتقادات، من الصفات، من الذوات، فتعرف ذلك وتصبح تحب ما يحبه، وتكره ما يكره، وتفعل المحبوب وتكره المكروه، وشيئاً بعد شيء تتم لك ولاية الله، وتصبح ولي الله، فلو سألته أن يزيل الجبال لأزالها.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (40)
    الحلقة (47)




    تفسير سورة البقرة (135)

    شرع الله عز وجل لعباده عند التبايع فيما بينهم بنوع من أنواع بيوع الأجل أن يكتبوا بينهم عقداً وأن يشهدوا شاهدي عدل على هذا العقد، وإذا كانوا في سفر ولم يجدوا كاتباً لهذا العقد فلهم عند ذلك أن يقدموا رهناً مقابل تأجيل الثمن، يستلمه بائع العين المتفق عليها، فإذا انعدمت الكتابة والرهن وتبايع المتبايعان بالثقة وطيب النفس، فيجب على من عليه حق أن يؤديه ولا يجحد منه شيئاً؛ لأن المؤمنين الأتقياء، مؤدون للآمانات حافظون للعهود والمواثيق.

    قراءة في تفسير آية الدين من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق رجاءنا فيك، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    البلاغة القرآنية المتجلية في آية الدين

    سبق أن درسنا آية الدين، وهي آية طويلة من أكبر آي القرآن، ولا بأس أن أسمعكم تلاوتها، ثم نراجع ما علمناه فيها، فهل ما زلنا على علم، أو تحولنا إلى جهل بالنسيان وعدم البصيرة؟ إليكم تلاوة هذه الآية المباركة، ثم نراجع ما دلت عليه وما كنا قد علمناه.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282].آية عجب، والقرآن كله عجب! إذ قال إخواننا من جن نصيبين: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا [الجن:1] إي والله! وقد قلت لكم: لو يجتمع علماء الاقتصاد والسياسة وعلم النفس وعلم الأحياء على أن يضعوا آية كهذه فوالله! ما استطاعوا، ولن يقدروا، هذه آية من ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية، فما لهم لا يؤمنون بالله منزلها؟ ولا بالرسول الذي أنزلت عليه، وهم عاجزون عن محاكاتها، فضلاً عن الإتيان بمثلها؟! ما لهم لا يؤمنون؟ نحن الذين صرفناهم، أيام كنا أطهاراً أصفياء أوفياء أعزاء عدولاً كانوا يدخلون في دين الله أفواجاً وجماعات باختيارهم وطيب نفوسهم، فلما هبطنا من علياء كرامتنا وسادونا وأصبحنا نمثل العجز والضعف -بل والخبث والشر والفساد- فكيف يقبلون على الإسلام ويطلبون كتابه ويعملون به؟! إلا أننا نقول لهم: أنتم الذين هبطتم بنا، أنتم الذين مزقتم صفوفنا، وشتتم جماعاتنا، ومزقتم راية وحدتنا، وسلطتم علينا الشياطين منكم ومن غيركم؛ فهبطنا فأصبحنا سواسية، فأنتم المحرومون من دار السلام ونعيم الإسلام بما فيه من العدل والمودة والإخاء والعلو والكمال. فهم الذين فعلوا بنا هذا، فليذوقوا الحرمان الأبدي لا يشمون رائحة رحمة الله، ولا تنالهم في الحياة ولا في الممات، فهل فهم السامعون والسامعات هذه؟ هذا هو الواقع.وبعد: فماذا نصنع؟! ما الطريق؟ الجواب: أن نراجع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كيف سموا؟ كيف علوا؟ كيف ارتفعوا؟ كيف سادوا؟ هل بعلم التقنية؟ أم بعلم الذرة والهيدورجين؟ أم بعلم الفلسفة؟ لقد سموا بعلم الكتاب والحكمة، بعلم الكتاب القرآن العظيم والحكمة المحمدية.يسمعون فيعون ويوقنون ويعملون؛ فترسخ تلك الفهوم والمعارف في نفوسهم، وتتجلى ظاهرة في سلوكهم، في أسماعهم، في أبصارهم، في منطقهم، في كل حياتهم، فسموا وارتفعوا وارتفعوا؛ وحسدهم العدو فقالوا: والله! لننزلن بكم، فأوجدوا المذاهب والطوائف والطرق، وها نحن هابطون.فحرمنا نحن، ولكنهم حرموا أكثر منا، نحن بيننا من يدخل دار السلام بإيمانه، وهم لا يشمون رائحة الجنة، وبيننا من هو سعيد بإيمانه وطهارة نفسه، وسمو آدابه وإن كان فقيراً وإن كان مريضاً، وهم لا يوجد بينهم من هو سعيد في نفسه قط، دمار كامل! هذا جزاؤهم، فمن يبلغهم؟

    هداية الآية

    والآن نعود إلى تلكم الآية العظيمة، إذ لها خلاصة تحت عنوان: هداية هذه الآية الكريمة.قال المؤلف غفر الله له ولكم وحمه وإياكم والمؤمنين:[ هداية الآية:من هداية الآية:أولاً: وجوب كتابة الديون سواء كانت بيعاً أو شراء أو سلفاً وقرضاً، هذا ما قرره ابن جرير الطبري ] في تفسيره، [ ورد القول بالإرشاد والندب ]، والقول الصحيح: أن من المعاملات ما يجب كتابته، ومنها ما يسن ويستحب فقط، فليست على الإطلاق، فكتابة الدور والمصانع والبساتين لا بد عند بيعها من كتابتها وجوباً، لكن كتابة بيع بقرة أو بعير ديناً يستحب أن يكتب، فإن أمن وقال: ما نحتاج، أنا أثق فيك فقد فاته الأجر ولكن لا إثم عليه.فما كان من الأموال ذا أثر وتأثير على المجتمع بعد صاحبه فهذا يتعين الكتابة فيه ما دام ديناً، وما كان لا أثر له من الأمور التي ما هي ذات قيمة كبيرة، فلو لم يكتبوا فإن شاء الله لا إثم عليهم؛ لأن الله تعالى قال في السلم الذي عرفنا أولاً -ومثله القروض-: إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282] العام والعامين والعشرة فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، لم يا رب نكتب؟ رحمة بكم، إبقاء على مودتكم، حفاظاً على اتحاد كلمتكم، لأنكم حاملوا راية الحق وراية العدل في العالم، فوجود فرقة وخلاف يسبب العداوة وينتج البغضاء، ويومها تفشلون فما تستطيعون أن تهدوا البشرية وتقودوها.

    الربا باب قطع العلائق بين المؤمنين

    وقد حرم علينا الربا أم لا؟ وتوعدنا بالنار أم لا؟ وبإعلان الحرب علينا، لم؟ ما السر؟ (95%) ما عرفوا سر هذا التحريم وهذا التهديد. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278-279] لأن مجتمعكم طاهر نقي صاف، يعيش على المودة والإخاء: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )، فكل ما من شأنه أن يفرق الكلمة، أن يذهب الإخاء ويبعد المودة حرام؛ لأننا حملة رسالة النور إلى البشرية.فالربا: وهو أن أسلفك ألفاً على أن تردها بعد ستة أشهر ألفاً ومائة، أو بعد سنة ألفاً ومائتين، هذا هو الربا، فقد يقول أحدنا: ما دمنا نجد من يقرضنا إلى أجل وآجال مع زيادة ولو بسيطة؛ إذاً: لم أستلف من فلان وأستقرض من فلان؟ لا حاجة إلى أن أذل نفسي!

    التربية المسجدية وسيلة إعادة لحمة التعاون بين المسلمين


    إذاً: لكي ترتبط قلوب المؤمنين ارتباطاً سليماً صحيحاً يجب أن يسلف بعضنا بعضاً، وأن يقرض بعضنا بعضاً، وأن نتعاون بأنواع المضاربات، أهل القرية في مسجدهم الجامع الذي يجتمعون فيه كل يوم خمس مرات، يجتمعون فيه بين المغرب والعشاء كل ليلة، بنسائهم وأطفالهم، أغنياؤهم كفقرائهم، علماؤهم كجهالهم، مسئولوهم كغيرهم، من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، يتلقون الكتاب والحكمة، يتعلمون الكتاب والحكمة؛ لأنهم لا يعرجون إلى السماء إلا بطهارة أنفسهم وزكاتها، وسلم ذلك هو أن يعرفوا محاب الله ومساخطه معرفة يقينية، يقدرون معها على فعل كل محبوب لله، وعلى اجتناب وترك كل مبغوض لله، هذا سلم الرقي إلى الملكوت الأعلى حيث الجنة ذات النعيم المقيم. هل أهل الحي يجتمعون كل ليلة؟! يا شيخ! هذه خيالات، كيف نترك أعمالنا من صلاة المغرب؟! هذا هو السؤال؟ الجواب: إن الذين اقتدينا بهم، وسرنا في ركابهم، وأصبحنا نعتز حتى بلباسهم والمشي وراءهم إذا دقت الساعة السادسة مساء وقف دولاب العمل، وتطيب أولئك اليهود والنصارى، ولبسوا أحسن ملابسهم، وأخذوا أطفالهم ونساءهم إلى دور الرقص والعبث واللهو إلى نصف الليل، ولم أنتم لا تذهبون إلى بيت ربكم لتتعلموا الكتاب والحكمة، حتى تقووا وتقدروا على تزكية أنفسكم وتطهيرها، لتتأهلوا للعروج إلى الملكوت الأعلى، والنزول في تلك المكانة؟ من جهة نقلدهم ونمشي وراءهم ونجلهم في أعمالهم ونقتدي بهم، وفي هذه القضية لا! يبقى الدكان مفتوحاً بعد صلاة المغرب إلى العشاء إلى نصف الليل، وا حسرتاه! متى نفيق؟ متى نصحو؟ ما عرفنا متى! قد تقول: يا شيخ! ما هذه المبالغات؟ تلطف يا شيخ! أقسم بالله الذي لا إله غيره على أن كل ما نشكوه من عجز وضعف، بل وخبث وشر وفساد علته واحدة: الجهل بربنا ومحابه ومكارهه، يستحيل أن تزكو نفس مؤمن أو مؤمنة بغير استعمال أدوات التزكية والتطهير، وعلى النحو الذي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف إذاً لا نتعلم؟فنقول: أهل القرية كأهل الحي، إذا أذن المغرب فلن تجد رجلاً في شارع ولا في دكان، ولا طفلاً، أين هم؟ في بيت الرب جل جلاله وعظم سلطانه، يفعلون ماذا؟ يتعلمون الكتاب والحكمة ليزكوا أنفسهم، ويطهروها، فيقبلهم المولى في جواره في دار السلام. أما قال تعالى في منته على عباده: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]؟

    مقترح الصندوق المسجدي الخيري

    فأهل القرية أو الحي إذا طابوا وطهروا لا يبقى كذب ولا غش ولا خداع ولا حسد ولا شرك ولا نفاق ولا رياء ولا إسراف ولا بذخ، إي والله! سنة الله لا تتبدل، عرفوا، صدقوا الله فسموا. أهل هذا الحي في المحراب يضعون صندوقاً من حديد، يقول الإمام وأعضاء لجنة المسجد ولجنة الحي: معشر المستمعين والمستمعات! هذا الصندوق قد أقمناه في محرابنا، من زاد عن قوته درهم فليضعه في هذا الصندوق، اشتغلوا وقوموا بواجباتكم، وتسلموا أرباحكم ورواتبكم، وأنفقوا حسب ما يريده الله لكم في غير إسراف ولا بذخ ولا شهوات، ومن زاد عن قوته درهم فليضعه في صندوق مسجد الحي أو القرية، ثم من أراد أن يربح فسوف يستعمل هذا المال في سبل الربح وطرق النجاح وله فوائده، ومن أراد أن يودعه ليستفيد إخوانه ولتطيب نفسه حيث المال ينتفع به إخوانه فليفعل! إذاً: أهل القرية إذا كانت بلادهم زراعية يكونون لجنة لإنشاء مزرعة تنتج ما هو خارق للعادة، وإن كانت الأرض غير زراعية فإنهم ينشئون مصنعاً لإنتاج أي مادة، ومن تلك الفوائد والأرباح ينفقون على فقراء الحي ومحتاجيهم ومساكينهم، ومن ثم تتحقق كرامة المؤمن التي أرادها الله له: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، أصبحوا أتقياء تمام التقى، وفي نفس الوقت إذا جئت إلى أخيك وقلت: أي أبي! إن كان أكبر منك سناً، أي بني! إن كان أصغر منك سناً، أي أخي! إن كان يساويك، ثم قلت: أنا في حاجة إلى مبلغ كذا، وسأرده إن شاء الله يوم كذا، في تاريخ كذا؛ فوالله! ليفرحن بذلك أخوك، وينشرح صدره، يقول: الحمد لله، ويضع ذلك المال في يدك، وأنت أيها المؤمن الطاهر النقي سوف تعمل ما تعمل، وإذا كان الوقت ودقت ساعته فلتأتين بذلك المال بنفسك وتقدمه، وإن أصابك ما أصابك وضاع فسوف تأتي وأنت تبكي بين يدي أخيك وتطلب منه أن يتفضل بالمسامحة وعدم المؤاخذة إلى أن يتأتى لك تسديد هذا المبلغ.

    توثيق الديون وأثره في منع الربا وإشاعة التعاون بين المسلمين

    إذاً: الربا فيه منع القرض، وهذا تخطيط اليهود، فحين أشاعوا الربا بين المسلمين والكافرين أفسدوا أخلاقهم وآدابهم وأرواحهم، ما بقي وفاء ولا التزام بعهد ولا بمبدأ، أصبح الطابع العام هو النكث وعدم الوفاء، فلما هبطوا كان لا بد من الربا، فأحرقونا أحرقهم الله عز وجل.من هنا هذه تعاليم الله عز وجل؛ للحفاظ على المودة والإخاء والتعاون والطهر والصفاء، فماذا فعل بنا؟ أوجب كتابة الديون سواء كانت بيعاً أو شراء أو قرضاً وسلفاً، لا بد؛ أخذاً بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282] يحفظها العامي، لم نكتب؟ حتى ما يقع نزاع وخلاف وينتشر الحقد والحسد والبغض بينكم وأنتم جسم واحد.

    وجوب رعاية النعم بشكرها

    قال: [ ثانيا: رعاية النعمة بشكرها ]، هذه الآية فيها هذا المعنى، في قوله تعالى: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ [البقرة:282]، تعال يا فلان اكتب بيني وبين أخي سنداً، أقرضته ألفاً، فتقول: أنا مشغول ما أستطيع، اطلبوا غيري، حرام عليك! اشكر نعمة الله، كما علمك الله الكتابة اكتب، ففيه معنى شكر النعمة، فكما علمك الله اكتب لعباده المؤمنين وقد احتاجوا إليك.وهكذا كل من أنعم الله عليه بنعمة يجب أن يشكرها على نحو تتطلبه تلك النعمة، فالماء البارد تصبه من هذا الجدار بين يديك وتشربه وما تقول: الحمد لله؟! يا كافر النعمة وجاحدها! نعلك فقط جميل وصالح عليك، تدخل رجليك وما تقول: الحمد لله؟! كل نعمة تتطلب شكرها للمنعم بكلمة: الحمد لله.فهنا ألاحظ كلمة في هذه الآية الطويلة أفادتنا أن المنعم ينبغي أن يشكر على ما أنعم، وأن المنعم عليه يجب أن يشكر المنعم ولو بكلمة (الحمد لله)، فهذا علمه الله الكتاب وأصبح كاتباً في القرية أو الحي، فجيء إليه فقيل له: اكتب، فيقول: أنا مشغول! اطلبوا غيري. أيجوز هذا؟ أين شكر النعم؟

    حكم النيابة في إملاء الدين وحكم الإشهاد على الكتابة

    [ ثالثاً: جواز نيابة الإملاء؛ لعجز عنه وعدم قدرة عليه ]، ما معنى هذا؟ جواز الإملاء عن شخص، تملي على الكاتب وهو يكتب؛ لماذا؟ لأنه ضعيف أو صغير ما يستطيع، طفل صغير ما يحسن، فالذي يحسن يقوم مقامه ويملي، فيقول: لفلان علي كذا وكذا وكذا، وأشهدت فلاناً وفلاناً. [ رابعاً: وجوب العدل والإنصاف في كل شيء، لا سيما في كتابة الديون المستحقة المؤجلة ]، العدل والإنصاف في كل شيء، حتى في الأكل والكلام! ولكن بخاصة في كتابة الديون، عليك ألف فتقول: ألف إلا مائة؟! عليك ألفان فتقول: إلا كذا؟! يجب أن تعدل أيها الكاتب، لا بد من العدل الذي هو ضد الحيف والجور والانحراف، العدل هذا شأن المؤمنين؛ حتى لا ينتشر بينهم مرض الحسد والغل والغش والخداع، فتهبط رايتهم وتتمزق حياتهم، هذه رعاية المولى عز وجل.[ خامساً: وجوب الإشهاد على الكتابة لتأكدها به، وعدم نسيان قدر الدين وأجله ]، الإشهاد لا بد منه، كونك أمليت على الكاتب وكتب فالإشهاد لا بد منه، الإشهاد أقله اثنان، هذا في الأموال، أما في الزنا فأربعة شهود، سبحان الله العظيم! قال تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، مؤمنان يشهدان بأن ما في هذه الورقة أو هذا الصك أو هذا الكتاب هو حق، حتى لا يحاول المؤمن أو يخطر بباله أن يجحد أو ينكر هذا المال.

    عدد الشهود في الديون المالية

    [ سادساً: شهود المال لا يقلون عن رجلين عدلين من الأحرار المسلمين لا غير، والمرأتان المسلمتان اللتان فرض شهادتهما تقومان مقام الرجل الواحد ]، والذي يقول: هذا ما ينبغي، هذا تخلف وهذا كذا؛ كفر، مسخ ولم يبق له دين ولا إسلام؛ لأنه عقب على الله العليم الحكيم خالق الإنس والجن وطابع الطبائع، والله يقول: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282] فقال هو: لم؟ امرأة كافية، لم لا نسوي بين النساء والرجال؟! فمن يقول هذا الكلام كفر وخرج من الإسلام ولا حظ له فيه، وإن أراد أن يرجع فليتب إلى الله وليستغفره وليبك بين يديه.والذين يطالبون بالمساواة هل هؤلاء أسلموا قلوبهم لله؟ ما عرفوه حتى يسلموا قلوبهم، ضُلَّال كغيرهم من اليهود والنصارى، أيخلق الله ويربي وينمي ويرزق ويخلق الجو والأرض كاملاً لهذا الإنسان وتقول بعد ذلك: يا رب! نحن أعلم منك؟! هذا كفر بشع، وهو أقبح كفر، يستحي العاقل أن يقف هذا الموقف.

    ما تتناوله الكتابة من أنواع الديون

    [ سابعاً: الحرص على كتابة الديون والعزم على ذلك، ولو كان الدين صغيراً تافهاً ]، وقد بينا أنه إذا كان صغيراً فالكتابة مندوب إليها، لكن إذا كان ذا أثر فالكتابة واجبة في كل الديون.[ ثامناً: الرخصة في عدم كتابة التجارة الحاضرة ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا [البقرة:282]، فصاحب الدكان يبيع في البقالة، هل كلما باع كيلو سكر يكتبه ويشهد عليه؟ لا، هذا فيه مشقة، لكن بيع العقارات والأشياء ذات القيمة إذا كان لأجل فلتدون وتكتب حفاظاً على أموال المسلمين، وعلى وحدتهم وولائهم لبعضهم وحبهم، أما التجارة المدارة، فكل يوم تأخذ من الدكان كذا أشياء ولا تكتبها ولا تشهد عليها وتعود إليه وتسدد ثمنها: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا [البقرة:282].

    حكم الإشهاد وحكم الإضرار بالكاتب والشهيد

    [ تاسعاً: وجوب الإشهاد على بيع العقارات والمزارع والمصانع مما هو ذو بال ] وشأن.[ عاشراً: حرمة الإضرار بالكاتب والشهيد ]، لا تضر بكاتب يكتب لك، ولا بشهيد يشهد لك، كأن تقول: يا فلان! عندنا قرية في جدة، تعال لتشهد معنا هناك، كيف يترك أهله ويمشي إلى جدة ليشهد؟! أما أضررت به؟ أو تأتي في يوم مطر والجو بارد وتقول: تعال إلى المحكمة! اتركه ليوم آخر، المهم أن أخاك إذا شهد لك فلا تتعبه ولا ترهقه بهذه الشهادة، انظر إلى ظرفه وحاله وخذ منه ذلك. أو كاتب تقول له: تعال لتكتب عندنا وتذهب به مائة وخمسين كيلو! لم هذا الإتعاب؟ انظر إلى كاتب في تلك القرية، أما أن تكلف كاتباً ليمشي هذه المسافة فقد أضررت به.المهم: ( لا ضرر ولا ضرار )، لا يحل لمؤمن أن يؤذي مؤمناً، حرام على المؤمن أن يؤذي أخاه، أن يرهقه، أن يتعبه، أن يذله، أن يزعجه، أن يغضبه، لم هذا؟ لأنهم جسم واحد، كل ما من شأنه أن يؤذيهم فيفرق جمعهم ويمزق قلوبهم حرام لا يجوز.

    أثر تقوى الله تعالى ووسيلة اكتسابها


    [ وأخيراً: تقوى الله تعالى تسبب العلم وتكسب المعرفة بإذن الله تعالى ]، أما قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]؟ وهناك معاشر المستمعين ما ينبغي أن نعيده: هل في الإمكان لإنسان عربي أو أعجمي ذكر أو أنثى أن يتقي الله وهو لا يعلم ما يتقي الله فيه؟ مستحيل! فنجد أنفسنا مضطرين ملجئين إلجاء صادقاً إلى أن نتعلم الكتاب والحكمة، أي: نعرف ما يحب الله وما يكره الله، إذ تقوانا له بهذا، بفعل ما يحب وبترك ما يكره، أليس كذلك؟ فإذا كنا ما نعرف ما يحب فكيف نتقيه؟! أو نعرف ما يحب ولكن لا نعرف ما يكره، فسنأتي المكروه ونفعله، إذاً: ما اتقيناه، لا بد من معرفة ما يحب الله تعالى من الاعتقادات والأقوال والأفعال والصفات معرفة حيقية؛ حتى نتمكن من فعل ذلك المحبوب لله تقرباً إليه أو اتقاء لغضبه وعذابه، ولا بد من معرفة ما يكره الله ويغضب الله من قول فاسد، عقيدة فاسدة، قول باطل، عمل غير صالح، صفة مذمومة عند الله، حتى نتجنب ونبتعد عن كل ما يغضب الله تعالى علينا. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]، اذكر السر، فبمجرد أن تعزم يا عبد الله على أن تتقي الله لتصبح من أوليائه؛ في نفس الوقت تبدأ تسأل وتتنقل من بيت إلى بيت، ومن مسجد إلى مسجد، تسأل أهل العلم عن محابه ومساخطه، فإن اتقيت الله علمك الله، إذا عزمت على أن تتقيه وجدت نفسك مضطراً إلى أن تقرع أبواب العلماء وتسألهم واحداً بعد آخر عن محابه ما هي؛ لتعرفها، وعن مكارهه ما هي؛ لتتركها.فهل عرفتم هذا الوعد الإلهي: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282]؟ لا تشك، هذه هي الآية.

    تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ...)

    ومعنا الليلة آيتان جليلتان، فاسمعوا الآيتين، فهذه علوم ومعارف، أين تتعلم؟ في الجامعات؟ في كليات السياسة؟ في كلية الحقوق؟ هل تصل البشرية إلى هذه العلوم والمعارف بدون وحي الله؟قال تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]. يا معاشر المؤمنين! إن كنتم على سفر؛ لأن المسافر قد لا يوجد معه قلم ولا قرطاس، قد لا يوجد من رفاقه من يحسن الكتابة، أما في الحضر فقد عرفنا وجوب الكتابة لديوننا ذات القيمة، ولبيعنا وشرائنا، لكن إن كنا على سفر فماذا نصنع؟ أفتانا ربنا تعالى، قال: وإن كنتم يا معشر المؤمنين على سفر متمكنين منه فتركتم البلاد وراءكم، وتوغلتم في الفضاء والصحراء؛ إذ لو كانت البلاد قريبة وما نحن على سفر فإنا نرجع، لكن إذا كنا على سفر فماذا نصنع؟قال: وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا [البقرة:283] الرفقة ثلاثة نفر أو خمسة ما يوجد فيهم أحياناً كاتب يعرف الكتابة، أو وجدنا كاتباً فقال: ما عندنا قلم ولا قرطاس، فماذا نصنع؟ قال: العوض عن الكتابة التي تحفظ الديون ولا تضيع هو الرهان المقبوضة، والرهان: جمع رهن، تقول: من فضلك أعطني خمسة آلاف ريال وأنا وأنت في طريقنا إلى الشام، فيقول: نريد أن نتوثق من كونك ستردها علي، فتخرج من حقيبتك صك منزلك، أو بستانك، تقول: اجعل هذا عندك، فإذا ما سددت فبع ما في هذا الصك وخذ حقك أو دينك. قال تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283] ما هو بالوهم، أو بعد شهر، تكون مقبوضة. ويجوز فيها الكفالة، يقول آخر: أنا ضامنه، وهو مليء وعنده أموال. فهذا التعليم الإلهي، أوجب الكتابة وإن كنا على سفر، فإن ما وجدنا من يكتب فماذا نصنع يا رب؟! علمنا، قال: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283] ارهنه، ضع عنده ما يرد عليه ماله الذي أسلفكه وأقرضك إياه، إن كان بستاناً يأخذ من غلته حتى يستوفي دينه، إذا كان عمارة يأخذ أجرة السكن حتى يستوفي دينه.

    معنى قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه)

    ثم قال الرحمن الرحيم: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283] لا إله إلا الله! أعظم برحمة الله تعالى الرحمن! لا عسر ولا مشقة، فإن أمن بعضكم بعضاً، وثق بعضكم ببعض، والمؤمنون أتقياء أولياء لله لا خيانة بينهم، فلا حاجة إلى الرهن.فإن أمن بعضكم بعضاً فليعط الذي أعطي أمانته وليتق الله ربه، فالديون كالسلم والقرض والبيوع توثق بالكتابة، وإن كنا في سفر وما وجدنا من يكتب، أو ما عندنا قلم فرهان، وإن كانت القلوب طيبة والنفوس متراضية وأمن بعضكم بعضاً فلا حاجة إلى الرهن.

    معنى قوله تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)

    ثم قال تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ [البقرة:283] يا من شهد في قضية من قضايا الدماء أو الأعراض أو الأموال! انتبه أن تجحد شهادتك وأن تكتمها، أو تزورها وتلبسها ثوباً غير ثوبها، شهادة الزور وشهادة الباطل والكذب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلم صلى الله عليه وسلم وهو يعلم الكتاب والحكمة، كان جالساً بين أصحابه، بل كان متكئاً يستريح من عناء الحياة، ثم أراد أن يعلمهم طريق السؤال والجواب، وهذا أمكن وأكثر استقراراً للمعرفة، أسلوب السؤال والجواب، ثم جاء الغرب يركض وقال: هذا أسلوب راق، هذا سبقكم محمد صلى الله عليه وسلم إليه، ما هو بجديد، قال: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! ) نبئنا؛ لم يقول: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ لأن الكبائر مدمرات، هي القاضية على المجتمع، ممزقة للوحدة، قاضية على طهارة الأرواح، هابطة بالأمة إلى الحضيض في الدنيا وإلى الجحيم في الآخرة.

    عظيم جرم الشرك بالله تعالى

    ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك بالله ) إي والله! لا أكبر من الشرك بالله، لم؟ لأن الشرك بالله معناه أنك سويته بالمخلوقات، وأصبحت تعطيه وتعطيهم بالسوية، لأنك تجاهلت ربوبيته للخلق كلهم، تجاهلت سر الوجود بكامله، وهو أن يعبد ويشكر، وأتيت بمخلوق مربوب وسويته به، وأصبحت تخافه وترتعد بين يديه، وتخر ساجداً له، وهذا لا ينبغي لمخلوق، هذا للخالق العظيم.فالشرك بالله اعتداء على حق الله، سلب حق الله وإعطاؤه للمخلوقات الهابطة، فكيف يقر هذا العقل؟ فأقبح أنواع الظلم وأسوؤها الشرك في عبادة الله، واقرءوا لذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]، بل قال تعالى عن عيسى ابن مريم وهو يخطب في بني إسرائيل: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].ووقعت أمتنا في الشرك، يحلفون بكل شيء، بالقهوة وبالشاي، بالوقت وبالحليب، برأس أمه وبحياته، كل شيء إله! والله واحد فقط، وفي الحديث: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، ( فقد كفر ) من قال هذا؟ هل محمد بن عبد الوهاب ؟ لا والله! قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا في سنن الترمذي : ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، والمسلمون ما يعرفون معنى (أشرك)، ومعناه: عظم هذا المحلوف به بتعظيم اليمين فجعله مساوياً لله، لأن الحلف بالشيء تعظيم له، لولا التعظيم فكيف ستحلف به؟ فطرة الإنسان تقتضي هذا، فأشركت في عظمة الله مخلوقاً من مخلوقاته. فالشرك ما هو؟ هو قولك: يا ألله! يا رسول الله! يا رب! يا سيدي عبد القادر! فكم إلهاً تدعو؟ أو يا ألله! يا رسول الله! هل رسول الله إله مع الله تدعوه؟ هل يمد يده إليك لينقذك؟ أما اكتفيت بالله؟!هذا هو الشرك، تجد المؤمنة والمؤمن يقولان: يا رب! يا سيدي فلان! يا كذا، كأنها ما عرفت لا إله إلا الله، مع أنه لا يدخل إنسان الإسلام حتى يعرف لا إله إلا الله، من أول مرة يقول: لا معبود إلا الله، هذا علمي ويقيني، فينقضها حتى في الذبح، هذا الخروف لسيدي عبد القادر، يشتري قطيعاً من الغنم، ولأن السنة حافلة يقول: هذا الكبش لسيدي فلان، حتى يحفظ، أو ما تلده هذه النعجة لسيدي فلان! ويجعلونه لغير الله. فلا تلمنا لأننا ما عرفنا، إي والله ما عرفوا، مضت دهور وقرون لا يجتمعون على كتاب الله ولا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (41)
    الحلقة (48)





    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (40)
    الحلقة (47)




    تفسير سورة البقرة (135)

    تفسير سورة البقرة (136)

    شرع الله عز وجل للمتبايعين بأي نوع من أنواع البيوع المؤجلة أن يثبتا هذا البيع بعقد ويوثقاه بشهادة شاهدين عدلين، أو يقدم المشتري رهناً يستوثق به البائع ويحفظ به حقه، ثم بين سبحانه أن في هذا حفظاً للحقوق وسلامة للنفوس، فهو سبحانه وتعالى عليم بما في نفوس عباده، وما أسروه في نفوسهم معلوم عنده كالعلانية، ثم يحاسبهم عليه، فيغفر لمن يشاء سبحانه ويعذب من يشاء وهو العزيز الحكيم.

    فضائل مجالس الذكر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل، وأذكركم بالجوائز الرحمانية: الأولى جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: ( من أتى هذا المسجد لا يأتيه إلا لخير يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ). والثانية: ما علمتم من أن الملائكة تستغفر لنا إلى أن نصلي العشاء، ما من مؤمن صلى المغرب وجلس في بيت الله يذكر الله ويتعلم الطريق إليه حتى يصلي العشاء إلا والملائكة تستغفر له؛ تصلي فتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث، فإذا انتقض وخرج وقفت الملائكة، فإن استمر على طهارته يسمع كلام الله، يتلوه، يذكر الله ويدعوه، وهو على وضوئه؛ فوالله! إن الملائكة لتصلي عليه، فتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه حتى يخرج من المسجد.لو أردنا أن نحصل هذه الجائزة بالأموال فكم سننفق؟ والله! لو أنفقنا ما في الأرض جميعاً، فمن نحن وما نحن حتى تصلي علينا الملائكة الأطهار وباستمرار لساعة ونصف؟ سبحان الله! كيف نعرف هذا ونجلس في بيوتنا ومقاهينا وملاهينا؟ أمسحورون نحن أم مصابون؟وأعظم من ذلك ما جاء عن الحبيب صلى الله عليه وسلم في قوله: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة )، والله! لقد نزلت، تعال أريك هذا المجلس، والله! لو كان في مقهى أو ملهى لكان الضجيج والصياح والكلام، ولا تسأل، فالملائكة نزلت علينا. قال: ( وغشيتهم الرحمة )، إي والله، أسألكم بالله: هل يقع عذاب بينكم الآن؟ قال: ( وحفتهم الملائكة )، تدور بنا، وتسمع كلامنا، لو كنا قادرين على رؤيتها فوالله! لرأيناها.وأعظم من ذلك: ( وذكرهم الله فيمن عنده )، ما نحن ومن نحن حتى يحدث الملائكة عنا؟ الله أكبر! المسلمون ما عرفوا هذا، وأعداؤهم عرفوه، فعملوا على إجلائهم وإبعادهم عن بيوت الله منذ ثمانمائة سنة وهم في المقاهي والملاهي والعبث واللعب والدنيا، وحرموهم من مجالس بيوت الله، ومن ثم جهلنا، فلما جهلنا هبطنا، كنا في علياء السماء قادة وسادة وهداة للبشرية، شعارنا: الصدق والطهر والوفاء، فلصقنا بالأرض، وهم الذين أهبطونا، وما عرفنا بعد إلى الآن، فلا إله إلا الله! آمنا بالله.لو سألتني: يا شيخ! في بلادنا السرقة والزنا والكذب والغش والخداع والعداوات والأحزاب والجماعات، فدلنا يرحمك الله على العلاج السريع؟ فهل ممكن بالسحر، ما يستطيع السحر أن يجمعهم على قلب واحد، هل بالبوليس؟ بالرشاش؟ والله! ما تجمعهم تلك ولا تنفع، فما الذي يجمعهم؟ يجمعهم كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا اجتمعوا نساءً ورجالاً يطلبون الهدى ويتمنون العلو والرقي في الملكوت الأعلى، ويتعلمون الكتاب والحكمة، ليلة آية وليلة حديثاً، وكلهم شوق وكلهم حبٌ في الله وما عند الله، وهم ينمون نماءً عجباً في آدابهم، في أخلاقهم، في عقيدتهم، في كمالاتهم، في سنة واحدة تنفر الجريمة نفوراً كاملاً من بينهم، ومن شك فيما أقول فليجرب، وإن أراد اللوحة الواضحة فلينظر إلى أصحاب رسول الله وأولادهم وأحفادهم، هل رأت الدنيا منذ أن كانت أكمل منهم؟ والله! ما رأت، هل تعلموا بالهراوة أو بالرشاش، هل ألزموا كالشيوعيين؟ كيف تعلموا؟ كانوا يجلسون بعد صلاة المغرب، يوقفون المزرعة والمتجر، ويجتمعون على الكتاب والحكمة يزكون أنفسهم، هذا هو الطريق، فأعلموا الساسة والقادة وهداة البشرية أنه لا طريق للإكمال والإسعاد في الدنيا والآخرة إلا هذا الطريق، ومن قال: توجد طرق فليتفضل، فشلت الشيوعية أو لا؟ خربت العالم، خربت الدنيا كلها، أين الصليبية، أين الماسونية، أين الاشتراكية، أين الطرق والجماعات والأحزاب، ماذا أنتجت، أرونا نتاجها الطيب، دلونا على طهر أو صفاء؟ الجواب: لا شيء. إذاً: الكتاب والسنة، قال الله وقال رسوله.

    تابع تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ...)

    ها نحن مع قول ربنا جل جلاله وعظم سلطانه: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284].

    علة تحريم الربا

    سبق هذه الآية ما علمتم من تحريم الربا، وتهديد وإعلان للحرب على أهله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:278-280].فلم حرم الربا بهذه الصورة؟ لأن المجتمع رباني إسلامي؛ مجتمع كأنه أسرة واحدة في بيت واحد، فهل المسلم المؤمن يأكل مال أخيه، يقول: أقرضني، فيقول: أقرضك بفائدة؟ أسلفني، فيقول: أسلفك بفائدة؟ أيجوز هذا؟ لو فعلوا هذا ما بقيت مودة ولا محبة ولا تلاق، وما بقي من ينظر إلى الله والدار الآخرة.إذاً: حرم الله الربا؛ لأنه يمنع ويحول دون تلاقي المؤمنين وتحابهم وتعاونهم، فإذا بطل الربا حلت محله المؤسسات الإسلامية: المضاربة، الشركات؛ تعمل على مودة وإخاء، وتتعاون على الإنتاج وتوفير الطعام والشراب والكساء للمؤمنين، وقد عرف هذا اليهود، فقالوا: هيا نمزق الصلات بين المسلمين. أولاً: جهلونا بربنا ومعادنا ولقائنا معه، فما أصبح من يصدق في حديثه، المتكلم يتكلم إلى عهد قريب والسامعون يقولون: هذا عميل، هذا وهابي، هذا كذا، والله! لكما تسمعون، يقولون: هذا ضد الصوفية، هذا ضد كذا! هذه هي الأخلاق الهابطة، من نشرها بيننا، من نماها وغرسها؟ أعداء الإسلام: اليهود والنصارى والمجوس، ومددنا أعناقنا واستجبنا لهم، فجهلونا، فأصبحنا إذا استقرضتُ من أخي فقلت: أقرضني كذا؛ فإنه يمضي الشهران والعام والثلاثة وما أرى وجهه، فمن يقرضنا إذاً؟ نقول: هيا نتعاون على إنشاء دكان أو مزرعة ننتفع بها وننفع المسلمين، فخذوا المال أيها الشبان وأنتجوا وأعطونا الربع معكم، فيأكلونه ويعبثون به ويقولون: مع الأسف أفلست التجارة وعلينا ديون! فمن يستطيع بعد ذلك أن يعطي ماله لنا ويقول: اعملوا والربح بيننا؟إذاً: ماذا نصنع؟ المتجه إلى الربا، البنك يعطيك ما تحب، تحب أن يعطيك مليوناً فإنه يعطيك مليوناً، وتطلب عشرة فيعطيك عشرة، وترد المال وإلا فستمزق في السجن، وهكذا. أرأيتم ما فعلوا بنا، ومددنا أعناقنا وسلمنا، فما علة هذا السكون والهبوط؟ إنها الجهل، أبعدونا عن معرفة الله وما عنده وما لديه، فوقع الذي وقع، فانظر إلى قيمة المال: ( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله )، ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه ).إذاً: فجاءت هذه الآية تقضي على الربا بين المسلمين وتنهيه، خذوا رءوس أموالكم واسحبوها فقط، وإذا كان لكم دين على آخرين فتنازلوا وتصدقوا فذلك أفضل لكم.


    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (40)
    الحلقة (47)




    تفسير سورة البقرة (135)

    الأمر بتوثيق الدين بالكتابة والإشهاد

    ثم جاءت الآية الطويلة النورانية التي تطلب منا أن نكتب الديون ونشهد عليها، وحرام عليك أن يأتيك من يقول: اكتب بيننا صكاً بكذا فتقول: لا؛ أنا مشغول، لا يحل لك، واذكر نعمة الله عليك كما علمك الله الكتابة، وأصبحت كاتباً، دعاك أخوك المؤمن أن تكتب له فاكتب. والذي يملل إن كان ضعيفاً ما يستطيع فإنه يتولى عنه من يقدر على الإملاء ويملي، ويملل الذي عليه الحق ليعترف بما عليه في ذمته من الديون، ولنشهد على ذلك رجلين، فإن لمن نجد الرجال ووجدنا امرأتين جعلناهما بمثابة الرجل؛ للتأكد الكتابة بالإشهاد، لم؟ حتى لا يحدث بين المسلمين شيء اسمه غضب وعدم رضا عن بعضهم، حتى لا يوجد بين المسلمين عداوة، ونفرة، وعدم حب وولاء، وكل الأسباب التي توجد العداوة بين المسلمين وتمسح لوحة الحب والولاء بينهم محرمة بالكتاب والسنة.

    تحصيل العلم النافع بطلب التقوى

    وأخيراً: قال لنا: اتقوا الله ويعلمكم الله، إذا لم تعلموا فقد أرشدكم إلى تقواه فستصبحون تعلمون، وبينت لكم سر هذه: فأيما مؤمن أو مؤمنة رغب في أن يتقي الله عز وجل؛ لأنه علم أن مصيره إلى الله، أن غناه، فقره، صحته، مرضه بيد الله، علم أن من لم يتق الله غضب عليه ورماه في أتون الجحيم لا يخرج منها أبداً، فوجد نفسه في حاجة إلى تقوى الله ليتقي بها عذابه وسخطه، هنا سوف يسهر ويبحث عن أهل العلم ويسألهم: ما الذي يحب ربي حتى أفعله ليرضى عني؟ قالوا: الله يحب الصدق فلا تكذب، فوالله! لا يكذب أبداً؛ لأنه أراد أن يتقي الله ليواليه وليقيه المكاره.وسأل عما يحب الله تعالى فقالوا: إن الله يحب أن تقول بعد كل صلاة: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين مرة، فوالله! ما يتركها حتى يموت. ماذا يحب ربي؟ قالوا: يحب الإحسان ويحب المحسنين، وما معنى الإحسان؟ قالوا: إذا كنت تعبد فأحسن العبادة حتى تنتج لك النور، إذا كنت تتناول الطعام فأحسن تناوله بقلة اللقمة وبمضغها مضغاً جيداً، وبعدم الإسراف وامتلاء البطن، حتى الكلمة الطيبة والابتسامة بالوجه الباسم، ولا يزال يسأل عن محاب الله فيعلم ويعمل، ويسأل عن مساخط الله ومكارهه، فيعلم ويترك، فوالله! ما تمضي عليه سنة إلا وهو من أتقياء البشر، ويتم وعد الله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].

    نور التقوى فرقان بين الحق والباطل

    اتق الله ويعلمك الله خفايا الأمور وبواطنها، يريك عجائب الحياة؛ لأن التقوى تولد طاقة قوية من الأنوار الإلهية، يصبح صاحب هذا النور يعرف حتى التجارة هل تُربح أو لا تربح، أراد أن يبحث في الأرض ليزرع فيعرف بإذن الله هل تنبت أو لا؟ وبرهان هذا في ذلكم النداء العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، والله! لو يجتمع ساسة اليهود والنصارى والمجوس بين رباني لما استطاعوا أن يؤثروا فيه، وليهزمنهم ويكشف سوأتهم؛ لأنه ذو نور وهم أصحاب ظلمة؛ لأنه بصير وهم عميان، فتركنا هذا وعدلنا عنه لنتعلم السياسة في كليات الملاحدة والعلمانيين! قد تقول: يا شيخ! كيف تقول هذا، هذا ما وقع! فأقول: هذا الذي يجري في عالم الإسلام، أما أهل النور فانعدموا، ثانياً: إن وجد منهم أحد فما يؤبه له، يقال عنه: هذا أفكاره هابطة ورجعية ومتخلف، ما شاهد العالم، والناس وصلوا إلى القمر .. إلخ.يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، ما الفرقان؟ نور قوي تفرق به بين الملتبسات والمتشابهات، وتعرف الحق من الباطل والنافع من الضار والخير من الشر، ويجهله العميان عميان البصائر ولا يعرفونه، ومن شك من السامعين فليتصفح لوحة العالم وينظر إلى الخبث والدمار والشر والفساد والفقر والبلاء والحروب والدماء، أين الساسة والسياسيون إذاً؟ أين وصلوا بأممهم؟ هل ارتقوا؟ يبولون من قيام، ويأكلون الدمار والخراب، الحشيشة تباع بالسيارات وبالبواخر، والإيدز نتيجة اللواط والزنا، الإيدز -والعياذ بالله- كلمة خبيثة.

    دولة عبد العزيز أنموذج لأثر تطبيق الكتاب والسنة

    ما هي الدولة الراقية التي تريدون أن تكونوا مثلها؟ أسبانيا؟ أعوذ بالله! بلجيكا؟ اليابان؟ أين هي؟ ما عندنا إلا هذه الدولة التي أنشأها الله وأوجد عبد العزيز وأولاده لتكون الحجة لله تعالى، والله! لو سألت علماءنا ما عرفوا سر هذه، السر: لتقوم الحجة لله على الناس، اليوم الذي قالوا فيه: لن يسود الإسلام ولن يحكم، ولن يحقق أمناً ولا طهراً ولا رخاء ولا عدلاً، وبدأنا ندرس القوانين ونطبقها في ديارنا الإسلامية، فجاء الله بهذه الدولة، ما عندهم فلاسفة ولا مناطقة ولا سياسيون، والله! ما كان ذلك، إنما هو فقط نور الله في الكتاب والسنة، فتحقق في هذه الديار أمن والله! ما تحقق في بلد في العالم بكامله، ولا آلات سرية ولا حربية، والله! لقد عشنا أياماً وبيوتنا بلا أبواب، والله! لقد رأيتنا نشاهد دكاكين الذهب ما عليها إلا خرقة من قماش، تحقق أمن ما عرفته الدنيا، وتحقق بعد الأمن طهر وصفاء، قد تعيش سنة ما تسمع بفلان زنا، أو فلان فعل كذا، كيف تحقق هذا؟ بالمنطق؟ بالدراسة السياسية؟ بالكتاب والسنة يا هؤلاء، قال الله وقال رسوله، ما بقيت قبة تعبد ولا قبر ولا شجرة، ولا بقيت حزبية ولا جماعات ولا عنصريات ولا مذهبية، أقامها الله عز وجل لتقوم الحجة له يوم القيامة، فإذا قالوا: ما عرفنا، ما ظننا أن هذا يحقق هذا؛ كان الجواب: أما شاهدتم؟ومما يدل على هبوطنا أنه يوم ظهرت هذه الدولة في الأفق كان العالم الإسلامي مستعمراً، أي: خاضعاً لدول الغرب كبريطانيا وبلجيكا وأسبانيا وفرنسا، فحكموهم وسادوهم؛ لأنهم أعرضوا عن الله وكتابه، كان المفروض -واذكروا هذا ولعلكم يوم القيامة لا تنسونه- كان المفروض أنه لما ظهرت هذه الدويلة وساد الطهر والصفاء، والرجل يمشي من أقصى الشرق والغرب فيها لا يخاف إلا الله، كان على كل إقليم يستقل من فرنسا، من إيطاليا، من أسبانيا، من بريطانيا، أن يأتي رجاله الصلحاء فيقولوا: يا عبد العزيز ، أو يا ولده ممن ناب منابه! لقد استقل القطر الفلاني، فلينظم إلى دولة الإسلام، ابعثوا لنا من يطبق شريعة الله، ابعثوا لنا رجال الأمر بالمعروف لنكون هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تصبح تلك القطعة من رقعة العالم الإسلامي وذلك البلد كالمدينة النبوية يطبق فيه شرع الله ويسوده الكتاب والسنة، وانتهت المذهبية والعنصرية والخلافات، وعاشوا أطهاراً أتقياء، فهل فعلوا هذا؟ ما استقللنا في يوم واحد، بل في عامين وثلاثة استقل الإقليم الفلاني، وبعد عامين أو خمسة استقل الإقليم الفلاني، وما جاء أهل إقليم وقالوا فقط: نريد قضاة، بل استقل إقليم وطلبوا القضاة من بريطانيا، والله العظيم! بآذاننا نسمع، استقل إقليم فطلبوا من بريطانيا قضاة بريطانيين في بلد عربي إسلامي! نبكي ولا نضحك بحقائق كالشمس، ومن ثم استقل العالم الإسلامي على نظام غربي كافر؛ دويلات هنا وهناك، لا تلاقي ولا حب!وأزيد: ما كفاهم أنهم ما انضموا إلى السعودية وطالبوا بالقضاء الإسلامي؛ بل يعلنون عن بغضها والسخرية بها والاستهزاء بها، سمعنا هذا بآذاننا في الشرق والغرب! فلا إله إلا الله، أين يُذهب بنا؟!انتبهوا أن تظنوا أن الشيخ يودعكم في هذه الأيام ويكذب، والله! لا أكذب، وإني على علم مما أقول، فانزعوا من أذهانكم تلك الضلالات.وبعد: ما هي الحصيلة؟ أنتم تعرفون عالمكم الإسلامي، هل هو في سعادة؟ في طهر وصفاء؟ النار تشتعل من بلد إلى بلد، ولن تنطفئ أبداً حتى تحرق كل شيء، إلا إذا أسلمنا قلوبنا ووجوهنا لله، واطرحنا بين يديه، وقلنا: احكم ربنا فينا بما تشاء. فيحكمنا بوحيه وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا بأهل الإقليم كجسم واحد، لا عداوة لا حسد لا بغضاء لا باطل لا منكر.

    التقوى وسيلة جني ثمار الولاية

    قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:282] وعد من الله أو لا؟ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]، اعزم على أن تتقي الله فوالله! لتتعلمن، وستصبح عالماً عارفاً بمحاب الله ومساخطه، وإذا علمتَ واتقيت فالجائزة العظمى معروفة؛ هل هي جائزة نوبل؟! كلا. بل تصبح ولي الله في الأرض، تتحقق لك ولاية الله، تصبح أفضل من عبد القادر الجيلاني ، تصبح ولي الله، إذا رفعت يديك إليه ما ردهما خائبتين، تصبح لا تحب إلا ما يحب الله، ولا تكره إلا ما يكره الله، وهل من فوز أعظم من هذا الفوز؟ أسمعكم الإعلان الإلهي في هذا الباب: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، أَلا [يونس:62] ونحن نقول: ألو، بناتنا وأطفالنا يحفظون: ألو.. ألو! أليس كذلك؟ والقرآن سبق (ألو) بألف وأربعمائة سنة، وكل العرب يفهمون (ألا)، بمعنى أنها أداة استفتاح وتنبيه، هل أنت تسمع، هل أنت واعٍ لألقي إليك الكلام أو لا؟ أما (ألو) فسألنا عنها بالفرنسية فما عرفوها، بالبريطانية بالأمريكانية ما عرفوها، كل ما قالوه أن (ألو) هكذا خلقت مع التلفون!اسمع هذا البيان الرسمي الإلهي: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، إذا نفى الله عنهم والحزن فهل هناك من يخيفهم أو يحزنهم؟ والله! ما كان، من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، الذين آمنوا، الإيمان الشرعي الحقيقي كما بينه الله وهدى إليه عباده، وكانوا طول حياتهم يتقونه، يتقون الله، فالكلمة ما يقولها حتى يعلم أن الله أذن له بأن يقولها، واللقمة ما يلقيها في فيه حتى يعلم أن الله أذن له فيها، والمشية يمشيها لا يمشي تلك المشية ويتحرك تلك الحركة حتى يعلم أن الله أذن له في ذلك، فإذا لم يأذن له لم يمش تلك المشية، أولئك الذين يعيشون على تقوى الله، ما هي جوائزهم؟ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64]، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا [فصلت:30]، وهم على سرير الموت أو في غرفة الإنعاش، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:64]، تقبض الروح وقبل أن تقبض تبتسم وتضحك، وملك الموت يسلم عليك، وأعوانه معه، وترفع إلى الملكوت الأعلى، فيرحب بها أهل كل سماء حتى ينتهوا بها إلى العرش، ثم تدون في ديوان عليين، هؤلاء هم أولياء الله.

    آثار غياب المفهوم الصحيح لمعنى الولي


    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (40)
    الحلقة (47)




    تفسير سورة البقرة (135)

    هل تعرفون أولياء الله في بلادكم من هم؟ هل ولي الله مصري، سوري، عراقي، باكستاني، جزائري؟ من هم أولياء الله؟ أصحاب القباب والتوابيت على القبور، فالشموع والعكوف حولها والذبح والنذر لها، والاستغاثة بها، والحلف بها، هؤلاء أولياء الله عند كثير من الناس، ولكن هل يوجد أولياء لله أحياء في السوق يبيعون ويشترون؟ ما يعرفون ولياً أبداً إلا إذا مات وعبدوه، فلا إله إلا الله! ماذا أصابنا؟أيها المستمعون! ما سر هذا الهبوط؟ إنه الجهل، من أجل أن يزني الرجل بامرأة أخيه من المسلمين، من أجل أن يسبه ويشتمه، من أجل أن يصفعه على خده، من أجل أن يسلبه ماله؛ لأنهم لو كانوا يؤمنون بأني أنا ولي الله سيرتعدون أمامي فما يسبونني ويشتمونني، فضلاً عن أن يزنوا بامرأتي أو يذبحوا ولدي، لكن العدو سلب الولاية عن الأحياء ووضعها على الأموات؛ ليعبد الأموات أولاً وتكفر الأمة وتشرك بالله حتى يتمكنوا من الركوب على ظهرها كما فعلوا.ثانياً: فشا بيننا الزنا، الربا، الغش، الخداع، السب، الشتم كأننا أعداء، ولو عرفنا أن كل مؤمن ولي الله فما نستطيع أن نقول له كلمة تسيء إليه أبداً، فضلاً عن أن نفجر بابنته أو امرأته، فضلاً عن أن نحتال على ماله ونأخذه، فسلبوا هذه الصفة من الأحياء ووضعوها للأموات لنعبد الأموات ويأكل بعضنا بعضاً، فهل فهم السامعون والسامعات هذا أو لا؟وإن شككتم فهيا لندخل إلى إسطنبول غداً، فأول تركي نلقاه نقول له: من فضلك نحن جئنا من بلاد بعيدة، دلنا على ولي من أولياء الله في هذه البلاد. فوالله! ما يدلنا إلا على قبر، ولا يعرف أن ولياً بين الناس، فماذا نقول؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرنا في مصيبتنا.

    مشروعية أخذ الرهن في الدين حيث لا تمكن كتابته

    ثم قال الله تعالى لنا: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة:283].أذن الله تعالى لنا إن كنا مسافرين في طريقنا إلى لندن أو أمريكا أو الهند واحتجنا إلى قرض من إخواننا، فتقول: يا فلان! أقرضني فما عندي شيء، أو نفد ما عندي، فهذا القرض يجوز، ونكتبه، وإذا ما وجدنا من يكتب وكلنا عوام، أو ما عندنا قلم ولا مداد ولا حبر والفرصة ضيقة فماذا نصنع؟ نرهن، أعطيه ثوبي، أو عمامتي، أو سيارتي، أقول: دع هذا عندك حتى أسدد، فهذا الرهن أذن الله فيه تطييباً لخواطرنا، وتطميناً لنفوسنا، وإبقاءً على المودة والمحبة والإخاء بيننا، فقال عز من قائل: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [البقرة:283] فلا حاجة إلى الرهن، إذا وثقتَ في ووثقتُ فيك وعرفتني وعرفتك فلا حاجة إلى الرهن، لكن فيما لو حدث أنني ما أعرفه، ما جربته، أخاف أن يأخذ نقودي، إذاً: ارهن شيئاً عندي، فهذا تعليم الله تعالى. وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة:283].

    حرمة كتمان الشهادة وجريمة شهادة الزور

    ثم قال تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ [البقرة:283] يا رب! إننا هبطنا في كثير من المحاكم يحوم حولها هؤلاء الصعاليك، وإذا أراد أحدهم شهادة قال: تعال، فيشهد معك بعشرة ريالات، يدخل معك فيقول: والله! أنا حاضر القضية، ويأتي بأبناء عمه وقبيلته يشهدون بالباطل في المحكمة، ويسكت بعضهم عن بعض، فيشهدون بالزور، فلا تلمهم، ما عرفوا.
    المعنى البلاغي في إسناد الإثم إلى القلب

    (( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا ))[البقرة:283] منكم (( فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ

    ))[البقرة:283]، ما قال: فإنه آثم، بل قلبه مصدر حياته، المحطة اللاسلكية التي تتصل بالعالم العلوي والسفلي تخرب، وإذا فسد القلب فسد كل شيء، وفي هذا يقول الحكيم أستاذ الحكمة صلى الله عليه وسلم: ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب )، من هذا؟ أستاذ الحكمة، لو يجتمع علماء النفس والسياسة لينقضوا هذه القضية فوالله ما استطاعوا ولن يستطيعوا. فإذا فسد القلب فاللسان يهذي ويقول الباطل، العين تنظر، الفرج يطلب، وهكذا، فالجوارح كلها خاضعة للقلب، فما أذن له فعل، وما لم يأذن له لا يفعل، فسبحان الله! فلم قال: (( فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ))[البقرة:283]، ما قال: (فإنه آثم)؟ لأن هذه الشهادة التي تؤخذ بها حقوق المؤمنين وتهدر بها تنصب على القلب فتعميه، يصبح لا يفرق بين الخير والشر ولا بين الحق والباطل، وإذا فسد القلب فسد كل شيء والعياذ بالله.

    خطر شهادة الزور في الإسلام

    وقد ذكرنا بعض الحديث في هذه القضية، حيث كان صلى الله عليه وسلم جالساً وحوله أصحابه، كان متكئاً مستريحاً لكثرة أعماله، ثم أراد أن يعلمهم ولا يفوت الوقت بدون تعليم وهو جالس، فقال: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين )، لماذا جمع بين الشرك بالله وعقوق الوالدين؛ لأن الشرك بالله هضم لحق الله عز وجل، أخذت حق الله الخالق الرازق المدبر، واهب الحياة، وأعطيتها لصعلوك من صعاليك الخلق، أي ظلم أعظم من هذا؟ وعقوق الوالدين لأن الوالدين أصل وجودك وعلة وجودك، أنت من دمهما ولحمهما ثم تعقهما؟ لا خير فيك بالمرة، وأنت شر الخلق.قال: ( الشرك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور )، حتى ارتعدت فرائصهم وقالوا: ( قلنا: ليته سكت ) خافوا؛ لأن هذه دعامة المجتمع الذي يحمل راية الحق وينشرها في العالم، إذا أصبحوا يكذبون ويزورون من أجل المادة فهل سيحملون راية لا إله إلا الله؟ والله! ما يستطيعون، أرأيتم العجب العجاب؟

    معنى قوله تعالى: (والله بما تعملون عليم)

    إذاً: قال تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة:283].إياك أن تفهم أن هذا الكلام ما يصيبك أنت؛ لأنك تعمل في الخفاء، وتشهد شهادة بدون أن يطلع عليها أحد، لا، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة:283]، ما تعملونه في السر والعلن، في الحضر، في السفر، في الجلاء، في الخفاء معلوم له؛ لأننا بين يديه كالبعوضة، والله! لا يخفى عليه من أمرنا شيء أبداً، فلهذا قال تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، وإن أردت أن تفهم فامش في رابعة النهار، وقل: أنا بعيد من الشمس فالشمس لا تراني! فإذا كانت السماوات والأرضون كلها يضعها الجبار في يده فأين البعد؟

    تفسير قوله تعالى: (لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ...)

    ثم قال تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:284] ما هو في حاجة إلى أموالكم، هل يحرم الربا، يأمر بالكتابة، يأمر بالقرض، يأمر بكذا؛ لأنه في حاجة إلى المال؟! إياك أن يخطر ببالك ذلك، هو في غنىً كامل؛ لأن له ما في السماوات وما في الأرض، وإنما هذه التوجيهات هي من أجلكم أنتم؛ لتتم سعادتكم وكمالكم، أما هو فله ما في السماوات وما في الأرض، هذه أول خطوة، ونحن سوف نموت ولا نذهب إلى البقيع إلا بخرقة الكتان، فأين المال؟

    معنى قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ...)

    ثم جاء التوقيع الأخير: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ [البقرة:284] أي: تظهروه وتعربوا عنه وتفصحوا، أَوْ تُخْفُوهُ [البقرة:284] وتجحدوه وتكتموه يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284] الحساب الدقيق، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284].هذه الآية لما نزلت في أولئك الأصحاب أصحاب تلك الأنوار؛ لما نزلت اضطربت نفوسهم، قالوا: كيف ننجح؟ إذا كنا نؤاخذ بما في داخل أنفسنا فمن يفوز منا؟ فجاءوا إلى الرسول وبركوا على ركبهم بين يديه، وقالوا: يا رسول الله! أمرنا بالجهاد فجاهدنا، وبالصلاة فصلينا، وبالصدقة فتصدقنا، والآن إذا كنا نؤاخذ بما في صدورنا فمن ينجح منا؟ من ينجو يا رسول الله؟ هذا الوفد الذي جاء يبكي، ما جاء ليحاج، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ما زدتم أن قلتم كما قال أهل الكتاب: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، فقالوها: سمعنا وأطعنا وسلمنا )، وهدأت القلوب، ونزلت الآية بعدها التي سندرسها إن شاء الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]، قال الله: نعم، رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال: نعم.. إلى آخر الآية؛ لأنهم حقاً صدقوا الله ورسوله، وأسلموا لله قلوبهم ووجوههم، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:285]، لو أمرنا بذبح أولادنا لذبحناهم، ما لنا رأي مع الله.إذاً: فنزلت هذه الآيات والرسول يخبر عنها أنها نزلت من كنز تحت العرش، ولهذا من تلاها عند نومه فكأنما قام الليل، ولهذا لن نتركها ما حيينا.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (42)
    الحلقة (49)




    تفسير سورة البقرة (137)


    من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أنه لم يكلفهم ما لا يطيقون، فهو سبحانه لما أمرهم بأمره كلفهم بالإتيان بالمستطاع في ذلك، ولما نهاهم عن المحرمات والمكروهات وغيرها لم يكلفهم عدم ورودها في خواطرهم أو مرورها على أذهانهم، ولم يحاسبهم على شيء من ذلك، كما أنه سبحانه لم يؤاخذ عباده على النسيان والخطأ، ورفع عنهم التشديد في الأحكام الذي ابتلي به من قبلهم من العصاة والمتمردين، وهيأ لهم سبحانه أسباب التوبة والرجوع بعد العصيان، ومكنهم ونصرهم على عدوه وعدوهم.

    تابع تفسير قوله تعالى: (لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بتلكم الجوائز التي جاءت على لسان رسولنا صلى الله عليه وسلم:الأولى: ( من أتى هذا المسجد لا يأتيه إلا لخير يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ).والثانية: أن من صلى صلاة المغرب وجلس يذكر الله حتى صلى العشاء فالملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث، فإن أحدث وانتقض وضوءه خرج للوضوء وتركت الملائكة الصلاة عليه، وهذا حاصل بحمد الله لأهل الحلقة، فإنهم صلوا المغرب وهم ينتظرون صلاة العشاء.وثالث الجوائز وأعظمها: ما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق لنا ما رجونا يا رب العالمين. ها نحن مع هذه الآيات أو مع هاتين الآيتين الكريمتين من خاتمة سورة البقرة، فقد ابتدأناها من أولها، وأعاننا الله حتى نختمها في هذه الليلة المباركة.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:285-286].أذكركم بفضيلة هاتين الآيتين، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من قرأهما عند نومه في ليلته كفتاه، أي: كفتاه قيام الليل ومن الشياطين، وورد أن من قرأها مرتين في الليلة الواحدة كفتاه من قيام الليل ومن الشيطان؛ وذلكم أن هاتين الآيتين لم يعطهما نبي سوى نبينا صلى الله عليه وسلم كما أخبر بذلك عن نفسه، وأنهما كانتا في كنز تحت العرش، فأعطيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته.

    المناسبة بين قوله تعالى: (لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ...) مع آية الدين وآيات الربا

    واذكروا ما تقدم لنا من قول الله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284]، لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:284] من كل الكائنات؛ يملكها ويتصرف فيها، إذ هو الموجد لها، فإن منعكم من تصرف خاص في الأموال فهل ستغضبون؟ لم وهو ماله، فما أذن فيه فتصرفوا فيه، وما لم يأذن فيه فلا حق لكم في المطالبة به، فكيف إذا منع وحظر وحرم وتتعدى ذلك وتفعل ما نهى عنه وحرمه الله، فهذا تعقيب على آية الدين بعد آية الربا وتحريمه، فقال تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:284]، ثم قال تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ [البقرة:284] والعياذ بالله من النفاق، من الكفر، من البغض، من الحسد، تظهرونه أو تخفونه وتسرونه في داخل نفوسكم، فإنه تعالى يحاسب به، ثم بعد ذلك يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء. وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ [البقرة:284]، أي: تظهرونه علناً وتنطقون بألسنتكم وتباشرونه بأعمالكم وجوارحكم، فيحاسبكم به ويجزيكم، إلا أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.

    سبب نزول الآيتين من خواتيم سورة البقرة وعلاقتهما بالآية قبلهما

    هذه الآية لما نزلت وسمعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تضايقت نفوسهم وارتجت، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبركوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله! أمرنا بالصلاة فصلينا، بالجهاد فجاهدنا، بالصدقة فتصدقنا، والآن إذا كنا نؤاخذ بما في نفوسنا فلن ينجو منا أحد؟ فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا )، فقالوها وذلت بها أنفسهم، ونطقت بها ألسنتهم، فلما رأى الله سبحانه وتعالى ذلك منهم أنزل هاتين الآيتين، وفيهما قوله: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، فقال تعالى: نعم لا أؤاخذكم بما نسيتكم أو أخطأتم.. الآية، والحمد لله.وهنا يفسر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فيقول: ( إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم )، تجاوز الله عنا فيما تحدثت به أنفسنا ما لم نقل بألسنتنا أو نعمل بجوارحنا.

    أحكام حديث النفس

    ثم لا بد من بعض البيان، فما حدثت به النفس هل المراد به ما يستقر ويصاحبه عزم وإرادة على أن يفعل، أو مجرد خاطر وهاجس ووسواس؟ الذي يبدو -والله أعلم- أن ما في النفس إن كان كفراً، إن كان بغضاً لما يحب الله ورسوله، إن كان تكذيباً لله ورسوله كحال المنافقين، أما كانوا يضمرون الكفر، ويضمرون عداوة الرسول والمؤمنين وبغض شريعة الله؟ فهذا يؤاخذ العبد به، إلا إذا تاب منه وتخلى عنه وأعرض، أما إذا أصر على بغضه للإسلام والمسلمين في نفسه وإن لم ينطق، وإذا أصر على تكذيب الله عز وجل ولو في قضية من القضايا، أو تكذيب رسوله؛ فهذا هو الكفر بعينه.ويبقى ما دون الكفر، مثلاً: خطر ببالك أن ترتكب معصية من المعاصي دون الكفر والشرك، هذه المعصية هممت بها، ثم تركتها لله؛ خوفاً من الله، حياءً من الله، حفاظاً على طهارة روحك وزكاة نفسك، فهذه تكتب لك حسنة، وإن فعلتها تكتب سيئة.وعلى العكس: هممت أن تفعل حسنة من الحسنات؛ صلاة أو صدقة أو ما شاء الله من أنواع البر والخير، ثم لم تعملها، حال حائل دونها، فتكتب لك حسنة، فإن عملتها كتبت عشر حسنات، وهذا من إفضال الله تعالى على هذه الأمة. يبقى الذي بكى منه الصحابة، أفصحوا للرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه شيئاً لأن يخر من عنان السماء إلى الأرض خير له من أن ينطق به؟ وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقول الشيطان: هذا الله خلق السماوات والأرض، فمن خلق الله؟ فإذا وحد أحدكم ذلك في نفسه فليستعذ بالله وليقل: آمنت بالله، آمنت بالله، آمنت بالله )، ثم أعلمهم أن هذا لا يكون إلا لأهل الإيمان، هذه الهواجس والخواطر التي تتنافى مع أصول الدين وعقائد الإسلام الشيطان هو الذي ينفخها في قلب العبد ويجعلها تدور على قلبه، فهي من مس الشيطان، فإذا وجد ذلك عبد الله أو أمة الله قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، آمنت بالله، آمنت بالله، آمنت بالله، ويعرض عنه فلا يضره ذلك.إذاً: ما كان عقيدة في النفس من الشرك والكفر وبغض الله ورسوله والمؤمنين فهذا وإن لم يفعل فسوف يجزى به؛ لأنه بإرادته، أما ما كان خاطراً يخطر بالبال ولا يستمر، وإن عاد عاد العبد إلى طرده بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ فإن هذا لا يضره أبداً، وهذا الحديث الصحيح يوضح القضية تمام التوضيح: ( إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم )، فمن قال أو نطق سجل ذلك عليه وأخذ به، ومن عمل ولو لم ينطق أخذ بذلك وعذب به، إلا أن يغفر الله لمن تاب.
    تفسير قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ...)


    شرف الصحابة الكرام باقتران إيمانهم بإيمان رسول الله

    قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ [البقرة:285]، والكرامة الإلهية التي أكرم الله بها أولئك الأصحاب أن قرن إيمانهم بإيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ [البقرة:285]، إذ المؤمنون ما إن قال لهم الرسول: لا تكونوا كاليهود الذين يقولون: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، ما إن قال لهم ذلك حتى قالوها ولانت بها ألسنتهم وخضعت لها قلوبهم، فهذا إيمان، فأخبر تعالى عن واقعهم: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:285] من الشرائع والأحكام كلها، والمؤمنون كذلك، معناه: أنه رضيهم ورضي بإيمانهم وقبل ذلتهم وخضوعهم له، فكان في ذلك شرف عظيم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين إلى يوم القيامة، المؤمنين صادقي الإيمان. آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ [البقرة:285]، أي: كل فريق وكل واحد منهم؛ كل من الرسول والمؤمنين آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:285]، هذه بعض أركان الإيمان، وأركان الإيمان كما هو مقرر ومعلوم للمؤمنين والمؤمنات ستة أركان: الإيمان بالله، الإيمان بملائكته، الإيمان بكتبه، الإيمان برسله، الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان المنجي المنقذ من الكفر الذي يجمع أصحابه مع الرسل والأنبياء والمؤمنين مبناه ستة أركان، لو سقط ركن فقط لبطل الإيمان؛ وحديث جبريل معلوم ومعروف، إذ جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه، ودخل وشق الحلقة وانتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليعلم الناس، وسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فأجاب الرسول وجبريل يصدق، ويقول: صدقت.. صدقت.

    معنى قوله تعالى: (لا نفرق بين أحد من رسله)

    ثم تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285]، إذ اليهود ما آمنوا بعيسى ولا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلم يفرقون بين رسول ورسول؟ فالذي يكفر برسول واحد، أو بنبي واحد يعتبر كافراً بالجميع، والرسل ثلاثمائة وأربعة عشر، من كذب رسولاً ولم يصدقه، أنكر رسالته ولم يؤمن بها؛ فإنه يصبح كافراً بالإجماع ولا حظ له في الإسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء والرسل، وكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم وما ارتضوا به، فهم -والله- كافرون.المهم في القضية: أن الذي يكذب برسول أو نبي يعتبر كافراً ولا حظ له في الإسلام، ولهذا قال تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:285]، وكالرسل الكتب، ما علمنا منها وما لم نعلم، وما نزل ذكره منها في القرآن هو: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن الكريم، هذه أربعة كتب، ما وعدا ذلك كصحف إبراهيم عشر صحف، وصحف موسى غير التوراة، وصحف شيث، فنحن نؤمن بكل ما أنزل الله من كتاب، لا نقول: هذا الكتاب نزل على نبي ليس هو بنبي لنا فلا نؤمن به، فعقيدة المسلم الحق أنه يصدق بكل ما أنزل الله من كتاب أو صحيفة، الكتب الأربعة لا يحل جهلها؛ لأنها في القرآن الكريم بأسمائها: التوراة، والإنجيل، والزبور، فالتوراة: أنزلها الله على موسى عليه السلام، والزبور: أنزله على داود عليه السلام، والإنجيل: أنزله على عيسى عليه السلام، والقرآن أو الفرقان: أنزله على خاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285]، هذا هو معتقد المؤمنين مع رسولهم، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285].

    معنى قوله تعالى: (وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)

    وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]، قالوها وأذعنوا لحكم الله وذلوا، إذاً: فأكرمهم الله أن جمع بينهم وبين رسوله في الإيمان: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]، أنزلها الله تعالى وقد رددتها ألسنتهم وآمنوا بها.إذاً: إذا بلغك عن الله أو رسوله شيء فهل يمكنك أن تقول: لا أقبل هذا؟ أو تقول: سمعت ما قلت عن الله والرسول، ولكن لا أعمل أنا بهذا؟! صاحب هذا الموقف ما هو بالمؤمن، لا بد أن تقول: سمعت ما جاء عن الله ربي، وعن رسول الله نبيي ورسولي وأطعت، إن كان أمراً فعلت، وإن كان نهياً تركت في حدود طاقتك وما تستطيعه. فالصحابة قالوا: سمعنا وأطعنا، وطلبوا غفران الله لهم فقالوا: غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].
    تفسير قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ...)

    حكم الوساوس في العقائد وعلاجها

    ثم كان الدواء في قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فهل الوساوس والهواجس والخواطر يستطيع الإنسان أن ينفيها، هل له مناعة فلا تخطر بباله؟ لا يملك أحد هذا، إذ هذا ليس في طاقته ولا في قدرته، يأتيه ذلك من حيث لا يريد، فالمطلوب فقط ألا يستمر معه فيعمل به أو ينطق به، فإن عمل أو نطق حقت عليه كلمة العذاب، وأصبح كافراً غير مؤمن. والعلاج كما سمعتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا خطر ببالك خاطر سوء فقل: آمنت بالله.. آمنت بالله ثلاث مرات، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، واله عنه وأعرض فإنه يرحل من ساحتك، واحذر أن يحملك على أن تنطق بحرف أو تعمل بمقتضى ذلك الوسواس، فإن ذلك مما يؤاخذ العبد به ويحاسب ويجزى به، أما مجرد خاطر وهواجس ووسواس فهذا من الشيطان، ولا يوجد هذا إلا عند المؤمنين، بل صرح الرسول بأن هذا دال على قوة إيمان العبد وصدقه في إيمانه؛ لأن العدو يأتي إلى القلب الذي فيه إيمان فيحاول أن يفسده، أما القلب الفاسد فماذا يعمل الشيطان فيه.وقالت الحكماء: اللص السارق ما يأتي إلى بيت خرب ما فيه شيء ويحاول أن يسرق، فماذا يسرق منه؟ ولا يأتي إلى جيب ما فيه فلس، يبحث عن مكان فيه المال والدينار والدرهم، فلهذا هذه الخواطر هذه لا تكون إلا لذي الإيمان، ومع عدم الإيمان ما يوجد هذا أبداً.

    التجاوز عن الأمة المحمدية في الخطأ والنسيان والإكراه

    وهكذا تجاوز الله عن أمة محمد عما حدثت به نفسها ما لم تقل أو تعمل، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )، فلنحفظ هذه، تجاوز الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم: أولاً: الخطأ، ثانياً: النسيان، ثالثاً: الإكراه. وهذا فيه تفصيل: فالنسيان كمن أكل أو شرب ناسياً لا شيء عليه، فالصائم إذا أكل أو شرب ناسياً لا يؤاخذ بذلك، لا كفارة عليه ولا صيام، إلا إذا كان في رمضان وأراد أن يقضي يوماً فله ذلك كما يرى ذلك مالك ، أما النوافل فبالإجماع لا يطالب بقضاء صومها أبداً، أكل وشبع وهو ناسٍ أو مخطئ. والخطأ: مثاله: أراد أن يتناول التمر فيضعه في الصندوق فوضعه في فيه، هنا الخطأ والنسيان. وما استكرهوا عليه: إذا أكره العبد بالضرب، بالسجن، بالتعذيب على أن يقول كلمة الكفر وقالها ليدفع عن نفسه ذلك ونفسه مطمئنة بالإيمان فإنه لا يؤاخذ بذلك، فقد كانوا يكرهون بعض أصحاب رسول الله في مكة على كلمة الكفر، فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بـعمار بن ياسر رضي الله عنهما وهو يعذب، فقال له الرسول: ( أعطهم يا عمار )، يقولون: سب رسول الله وامدح آلهتنا لنرفع السيف عنك والعذاب! والله يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فبعض الإخوان يشكون أنهم في ديارهم يلزمونهم بحلق لحاهم، فنقول لهم: إذا صبرت فلا مانع، وإذا عجزت وما استطعت فاحلق وأنت تكره ذلك وتحب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تعرض نفسك للسجن والضرب والتعذيب، وهذه حالة فتن وستنتهي الفتنة وينتهي هذا، فهذا ما كان موجوداً أبداً، وليس هناك حاكم يلزم الناس بأن يحلقوا لحاهم، لكن إذا حدثت فتنة يترتب عليها مثل هذه الأمور فماذا يصنع المؤمن؟ إذا ترك هذا الواجب أو السنة اتقاء للضرب والسجن والعذاب فلا حرج عليه؛ لأنه مكره، فما هو بإرادته واختياره: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ [النحل:106]، فقط، والإكراه بالقتل: ( كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل )، إذا قال الحاكم: اقتل هذا وأنت تعلم أنه لا يستحق القتل وما وجب عليه، فقل: اقتلوني ولا تقتلوه.

    تفصيل أحكام الخطأ

    إذاً: الخطأ فيه تفصيل، مثلاً: شخصٌ قتل آخر خطأً، هل يعفى عنه مرة واحدة؟ أولاً: عليه كفارة صيام شهرين متتابعين، ثانياً: عليه الدية، يقوم بها، أو عقيلته وعشيرته، كل ما في الأمر أن الله لا يؤاخذه؛ لأنه ما قتل عمداً، أراد أن يرمي غزالاً فأصاب مؤمناً، في يده بندقية يصلحها فتتفجر في يده، فقتل الخطأ فيه الدية بلا خلاف، إلا أن يعفو أولياء الدم، وفيه صيام شهرين متتابعين، والله عز وجل لا يؤاخذ صاحب هذه الخطيئة؛ لأن الله رفع عن أمة محمد الخطأ.مثلاً: أنت بسيارتك صدمت صندوقاً فيه حليب يساوي ألف ريال، فالخطأ معفو عنه، لكن هنا لا بد أن تغرم وتؤدي قيمة هذا اللبن، فصاحبه ماذا يصنع؟ ضاع لبنه وضاع ماله، فليس عليك إثم، اطمئن، ولكن تعين حق للناس عليك فأد هذا الحق، فإن لم تؤده كنت كمن أخذ حق إنسان، أما الإثم من حيث هو فمرفوع؛ لأنك مخطئ، فالغرامات هذه كمن أفسد مالاً من أموال المسلمين مطلقاً بدون عمد ولا رغبة في ذلك، وقع ذلك بدون إرادته، فلا يعذب بهذا ولا يتلطخ قلبه بالإثم، ولكن تعين حق لمؤمن ينبغي أن يؤديه.والديات أساساً تقوم بها العاقلة: أقرباؤه، ورثته، أعمامه، أبناء أعمامه، أبناء إخوانه يشتركون ويسددون الدية، فإن كان ما عنده أحد فإمام المسلمين يسدد عنه؛ لأن المقتول ورثته حقهم ضاع، كان يعمل ويأتيهم بالطعام والشراب، وقد قتلته، فبقوا مفتقرين محتاجين، فلا بد أن يعوضوا، وإذا قالوا: عفونا وتنازلنا وسامحنا فخير كثير. فهنا أحببت أن يفهم المستمعون والمستمعات قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )، النسيان كما عرفتم: أكل وشرب وهو صائم، فلا شيء عليه، نسي وهو محرم فلبس سروايل أو ثوباً ثم ذكر، فإنه ينزع ولا شيء عليه، أو نسي صلاة ما صلاها، فلا يؤاخذ ولكن يقضيها: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ). وأما ذاك الذي كسر إناء أحد فلا إثم عليه، ولكن الحق ترتب، فلا بد أن يدفع قيمة هذا الإناء، كذلك إذا كان في رمضان وأخطأ، حال دون الشمس سحاب فقال: الآن دخل الليل، فأفطر ثم طلعت الشمس، هل يقضي؟ حدث هذا هنا في المسجد على عهد عمر ، أفطروا حيث ظنوا أن الشمس غابت، وحين كانوا يأكلون طلعت الشمس، فأمرهم عمر بالقضاء؛ لأن هذه فريضة، ولا إثم عليهم، بخلاف ما لو أكلوا متعمدين، فاليوم يقضى بشهرين.
    معنى قوله تعالى: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا)
    فقوله صلى الله عليه وسلم: ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) مأخوذ من هذه الآية الكريمة: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: نعم، وفي بعض الأخبار، قال: قد فعلت.وقوله تعالى: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] استجاب الله وقال: قد فعلت. ومعنى الإصر: هو التكليف الشاق الذي يعرقلك ولا يسمح لك بالحركة؛ لأن الإصر: الحبل يربط به الشيء، ولهذا تتبع شرائع الله في الإسلام فلن تجد شريعة أو فريضة يعجز عنها العبد ولا يقدر على فعلها، فإن وجدت ذلك فاعلم أنه ليس من الشريعة، إذ قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]. على سبيل المثال: الصلاة هي عماد هذا الدين، فإذا ما استطاع أن يتوضأ لأن الماء بارد، أو ما وجد الماء، فماذا يصنع؟ يضرب الأرض ويمسح وجهه وكفيه، فهل في هذا مشقة؟ رفعت المشقة، الماء بارد ويخاف الزكام والمرض، ولا يغتسل بالماء البارد، ما تعود عليه لأنه يمرض، فيتيمم. وكذلك صلاة فريضة لا تصلى إلا من قيام، فلو صلى قاعداً أو ركع قاعد بطلت صلاته، لكن إن عجز فكيف يصلي قائماً؟ هل يربطونه بالحبال؟ إن عجز عن القيام صلى قاعداً، وإذا ما استطاع القعود صلى على جنبه، وإذا ما استطاع على جنب صلى وهو مستلقٍ. والحج فريضة الله عز وجل، فإن حال دون هذه الفريضة حائل فما هو بمكلف حتى يزول الحائل.

    صور من مشقة التكليف في الأمم السابقة

    والشاهد عندنا في قوله تعالى: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] من الأمم السابقة؛ إذ كان في بني إسرائيل إذا وقع بول في ثوب أحدهم قطعه بالمقص، ما يكفي فيه الغسل، إذا تلطخ ثوبه الذي يصلي فيه فما يكتفي بأن يغسله، بل يقطع تلك القطعة بالمقص حتى يصلي، كلفوا بحسب وضعهم بإرادة الله تعالى بأعمال شاقة بمعنى الكلمة؛ لأنهم متمردون عصاة، قتلوا الأنبياء، فما بالك بما أخبر به الرسول عنهم من أنهم كانوا يقتلون في اليوم الواحد سبعين نبياً ويقيمون أسواقهم في المساء كما هي! فمن هنا جاءت الشرائع تؤدبهم، حملهم الله تكاليف شاقة تعذيباً لهم، وهذه الأمة رحمها الله؛ لأنها الأمة المرحومة ونبيها هو الرءوف الرحيم بالمؤمنين، فدعوا الله فاستجاب لهم وقال: فعلت. وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] قال: قد فعلت. وعلى سبيل المثال: اليهود إذا قتل أحدهم وقالت القبيلة: عفونا كان الحكم الشرعي: لا عفو، إذا قال أبو الولد: أنا تنازلت لم يقبل منه، فهذا هو الإصر، وفي عهد عيسى في الإنجيل ما هناك إلا العفو، فإذا قتل أخاك فقل: سامحته، لا تطالب بشيء غير هذا، إذاً: هذه من الآصار والتكاليف الشاقة التي امتن الله علينا فرفعها عنا وما أنزلها فينا.

    مغفرة الله تعالى لعباده وعفوه عن التائب منهم

    وها هو ذا تعالى يخبر عن نفسه: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] قال الله: قد فعلت، وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [البقرة:286] والله يقول: قد فعلت. فأيما مؤمن تزل قدمه ويخطئ في سلوكه فيعصي ربه أو رسوله في أية معصية ويطلب العفو من الله إلا عفا الله عنه، فكلمة: (أستغفر الله) تمحو كل ذلك الأثر وتزيله إن كان العبد صادقاً فيما يقول. وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [البقرة:286] لا مولى لنا سواك، أنت مولانا لا مولى لنا غيرك.

    نصر الله تعالى عباده المؤمنين على القوم الكافرين

    إذاً: فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286] ونصرهم، أولئك الأصحاب الذين ذلوا بين يدي الرسول وقالوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، نصرهم بالحجة والبرهان على كل من جادل أو خاصم، وإلى اليوم لن يستطيع يهودي أو نصراني أو بوذي مهما كان أن يجادل المؤمن في الحق وينتصر عليه أبداً، لن يستطيع أن يأتي بأدلة عقلية أو منطقية أو شرعية ويرد بها ما جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ونصرهم أيضاً في الحروب، فما قاتل أصحاب رسول الله أعداء الله ورسله إلا نصرهم الله، ويكفي أنه في ظرف خمس وعشرين سنة وصل الإسلام إلى السند وإلى الأندلس، فلولا النصر فكيف سيتم هذا؟

    الموقف من طلب النصر مع ترك بذل الأسباب

    ومن اللطائف أنه أيام الاستعمار كان يقال: (انصرنا على القوم الكافرين)، فنقول: يا جماعة! هذه ليست لنا نحن، فحين نحمل السلاح ونقاتل المشركين الكافرين نقول: (انصرنا على القوم الكافرين)، أما الآن ونحن لا نقاتلهم ولا نحمل سلاحاً لقتالهم فما معنى: (انصرنا على القوم الكافرين)؟ فمن الذي يطلب النصر؟ الذي يريده، أما التارك للجهاد والمعرض عنه فكيف يقول: انصرنا؟ لا معنى للطلب هذا، فالمسلمون إذا حملوا راية الحق راية لا إله إلا الله محمد رسول الله وقادهم إمامهم الذي بايعوه ووقفوا في وجه الكفار ثم طلبوا من الله النصر فإنه يحققه لهم ولا يخزيهم ولا يذلهم، أما وهم لا يحملون راية ولا يقاتلون ويقولون: (انصرنا على القوم الكافرين)؛ فهذا لا معنى له بالنسبة إلينا، كما لو أنك ما تأكل ولا تشرب وتقول: رب أشبعني وروني والطعام والشراب بين يديك.وهنا لطيفة من لطائف العامة: كسول نائم في ظل شجرة أو جدار، فطلعت الشمس وأخذت تزحف حوله فوصلت إلى قدميه، فما استطاع أن يجذب رجليه إليه، فيمر به شخص فيقول: يا عم، يا أخي! أبعدني عن الشمس، فيقول له: جر رجليك إليك، فيقول: انظروا إلى البخل؟! ويبقى، ثم يأتي الثاني والشمس قد وصلت إلى ركبتيه أو إلى صدره، فيقول: أبعدوني عن الشمس، فيقول له: ما لك؟ أمجنون أنت؟ قم من هنا وابتعد عن الشمس! فيقول: انظر إلى البخل! فكذلك وضع العالم الإسلامي إلا من رحم الله، يقولون: (انصرنا على القوم الكافرين)، فما بايعتم إماماً ولا التففتم حوله ولا أعلنتم الحرب على دولة كافرة وتقولون: انصرنا!نعيد تلاوة الآيتين الكريمتين: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ [البقرة:285] اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، ربنا إنا آمنا بك إلهاً لا إله غيرك ولا رب سواك، وآمنا بما أنزلت على رسولنا من كتابك وشرعك يا رب العالمين. كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:285] وقد سبق أن عرفنا الملائكة في العقيدة، وأكثر المسلمين لا يدرون من هم الملائكة؟ ولكن لا بد من طلب العلم، فنحن نخبر عن إيماننا بملائكته، وكل يوم نصلي على إخواننا، فمن أخذ أرواحهم؟ الملائكة، وهل هناك من ينكر هذا؟ النطفة في رحم المرأة بعد أربعة أشهر من ينفخ فيها الروح؟ تبقى لحمة ثم تتحول إلى بشر، فكيف تصبح حية وفيها الروح؟ ملك ينفخ فيها. والقرآن الذي بين أيدينا نزل على أمي لم يقرأ ولم يكتب، فكيف وصل إليه؟ وفوق هذا رأى الصحابة جبريل بينهم يمشي، والشاهد عندنا: أننا نؤمن بملائكة الله وأنهم خلق من خلقه أطهار أصفياء، كلهم أنوار، لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، ونؤمن بكتب الله كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، هذا معتقدنا.

    لطيفة في المغايرة بين فعل الكسب في الخير والشر

    وهناك لطيفة في قوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، لم قال في الخير: لها ما كسبت، وفي الشر: ما اكتسبت؟ اللطيفة التي لا ننساها: أن الخير فعله فطري في الإنسان، فعل الخير ما تجد له كزازة في النفس ولا شدة ولا انقباضاً، إن أردت أن تفعل الخير، لكن الشر هو الذي تجد فيه ذلك حتى تجاهد الفطرة وتغلبها. مثلاً: الآن أي واحد أراد أن يقول لأخيه:كيف حالك، هل أنت طيب، هل أنت بخير؛ فإنه لا يصعب عليه هذا، ولو أراد أن يسبه لا يجده يفعله بسهولة، فهذا مثال سهل؛ لأن الله قال: لَهَا مَا كَسَبَتْ [البقرة:286] من الخير؛ لأنها تكسبه بدون تكلف، بخلاف الشر فلها ما اكتسبته وافتعلته وانفعلت حتى فعلته، والمثال كما علمتم، تستطيع أن تعطي ريالك في يد أي مؤمن بكل سهولة، ولا تستطيع أن تخطفه من يد مؤمن، ما تقدر إلا إذا جاهدت نفسك، وهكذا فعل الخير لين سهل مبارك طيب يتناسب مع الفطرة، وفعل الشر بضد ذلك، كل شر لا يقدم عليه الإنسان إلا بعد مجاهدة نفسه والتكلف ليخرج عن فطرته وبشريته حتى يفعل ذلك الشر: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286] لأن الافتعال هذا تكلف.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (43)
    الحلقة (50)




    تفسير سورة البقرة (14)


    من مظاهر علم الله وحكمته الموجبة لعبادته سبحانه وحده أنه خلق آدم، وجعله خليفة في الأرض، وقد استفهم الملائكة ربهم عن جدوى كونهم أكرم المخلوقات، فهم يسبحون الله ويقدسونه، بخلاف هذا المخلوق وذريته الذين سيفسدون في الأرض لكن الله سبحانه أظهر لهم شرف آدم بأن عرض المسميات وسألهم عنها، فعجزوا وأجاب آدم، فعاتبهم ربهم بأنه يعلم الغيب كله، فكيف يستغربون حكمه.

    تابع تفسير قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء. وقراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:30-33].. إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    حقيقة أنه لا إله إلا الله

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هنا في هذا السياق الكريم تتأكد حقيقة أنه لا إله إلا الله، فلا كفر ولا شرك ولا نفاق، إذ تلك المعبودات أوهام باطلة، لا تستحق أن تعبد أبداً بحال من الأحوال.وهاهنا تتجلى مظاهر الربوبية والألوهية الإلهية، وتتجلى مقتضيات عبادته؛ وهي القدرة التي لا يعجزها شيء، والعلم الذي أحاط بكل شيء، والحكمة التي لا يخلو منها شيء، والرحمة التي تتجلى في كل المخلوقات، فهذا الذي يستحق أن يعبد، وهذا الذي ينبغي أن يحب، وأن يبجل، ويرجى، ويعظم، أما من عداه من تلك الآلهة المزعومة المدعاة فعبادتها باطلة، وأهلها مبطلون.وها هي ذي آيات الله تبين لنا عظمة ربنا عز وجل، وعلمه، وقدرته، ورحمته، وحكمته، وتقرر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله، فلولا أنه غير رسول الله فمن أين له أن يأتي بهذه العلوم والمعارف؟ وكيف تأتيه؟! فهي علوم لا تتلقى إلا من طريق السماء، وليست هي علوم كونية في الأرض أو في السماء، هذه علوم إلهية، ولولا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء بهذا العلم الإلهي.

    خطاب الله تبارك وتعالى للملائكة

    يقول تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً أي: اذكر يا رسولنا لهؤلاء المنافقين والمشركين، والكافرين، والمرتابين، والفاسقين، والمفسدين؛ إذ الكل يشملهم الضياع والخسران، وقل لهم، واذكر لهم. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ جل جلاله وعظم سلطانه، (ربك) أي: خالقك، ورازقك، ومدبر أمرك، والموحي إليك، والذي نبأك وأرسلك، وفي هذا تشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلاء لمكانته، إذ يتكلم عن الله بما علمه الله. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ وقد عرفنا من هم الملائكة؟ هم عالم مادة خلقه وتركيبه النور، وهذا العالم لا يحصي عدد أفراده إلا الله، وحسبنا ما صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر أو موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد )،وقد عرفنا أن كل آدمي معه عشرة ملائكة.هذا العالم الأطهر الله عز وجل يقول لهم: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً يريد أن يعلمنا أسلوب السؤال والجواب، إذ هما طريقتا العلم والحصول عليه، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يورد الأسئلة على أصحابه ثم يجيبهم، فطريق السؤال والجواب للحصول على علم طريقة رحمانية ربانية.

    خلافة الإنسان في الأرض

    وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ماذا قال لهم؟ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً أية أرض هذه؟ هذه الأرض قبل أن يعمرها بنو آدم، إذ علمنا أنها أعدت إعداداً خاصاً للحياة فيها، وأنها مخلوقة مع السماوات .. قبل السماوات أو بعدها كما علمتم، وهذا لا يهمنا، فقط يهمنا أنها أعدت إعداداً خاصاً ليحيا عليها هذا الإنسان، فهي دار ضيافة ونزل من أجل ابن آدم.إذاً: هذه الأرض هي المقصودة بقول ربنا تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ المعروفة المعهودة لهم. خَلِيفَةً خليفة يخلف من؟ لأهل العلم طريقان نسلكهما معاً، ولا منافاة؛ لأن القرآن حمال وجوه.الطريقة الأولى: هي أن الجن سكنوا هذه الأرض قبل بني آدم، امتحنهم الله فأسكنهم هذه الأرض، فلما سكنوها ما كان منهم إلا الحروب والفتن، وسفك الدماء، والجرائم المتنوعة المتعددة، وهذا يشهد له قوله تعالى: يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30]، قالوا هذا لعلمهم السابق بما حصل من عالم الجن وأنهم أفسدوا في الأرض بالمعاصي، وارتكاب المحرمات، وإضاعة الواجبات، كما هو الفساد المعروف، وبسفك الدماء بقتال بعضهم بعضاً، وهذا ورد، وأن الله أرسل مع إبليس قبل أن يبلس جيشاً من الملائكة قاتلوا معه، وأجلاهم من الأرض.فلما علمت الملائكة هذا وسألهم الله مختبراً لهم ومستشيراً، وليس في حاجة إلى أن يستشير، ولكن من باب التعليم: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [البقرة:30] أي: بارتكاب المعاصي. وعرفنا الفساد في الأرض بم يكون؟ بالكذب، بالخيانة، بالغش، بالخداع، بالفجور، بأكل الربا، بسفك الدماء، هذا هو الفساد في الأرض دائماً وأبداً. فقالوا هذا لما علموا مما وقع من ذلك العالم عالم الجن بامتحان من الله وتدبير. هذه طريقة، ولا بأس بها، وهي مروية عن الصحابة أيضاً.والطريقة الثانية: أنهم تفرسوا، والعلم يكون أيضاً علم فراسة، شاهدوا هذا المخلوق وهو طينة، ونظروا إليه، وعرفوا أن هذا النوع ينتج عنه الفساد وسفك الدماء، وهذا من باب الفراسة.ومن الجائز أن يكون الله تعالى أعلمهم، ثم لما علموا ما أعلمهم جاء دور الامتحان والسؤال والجواب، قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] فكان رد الله تبارك وتعالى عليهم أن قال: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]. فما دمت أعلم وما تعلمون فأنا فاعل وخالق ما أريد، وأنتم لا علم لكم، بحسب ما عندكم قلتم كلمتكم، وأنا أعلم ما لا تعلمون.

    أهمية وجود خليفة في حياة الناس على هذه الأرض

    موضوع (خليفة) تكلم فيه أهل العلم وبإيجاز، فقالوا:أولاً: خليفة لأن الجن الذين سكنوا في الأرض أجلوا منها وهلكوا، فإذا نزل آدم إلى الأرض مع ذريته أصبح خليفة لمن سبق، وهذا معقول ومقبول، خليفة لمن سبق أن نزل الأرض، وحصل الذي حصل، وأجلوا منها إلى الجزر.ثانياً: خليفة عن الله في إجراء أحكامه بين خلقه، فالله شرع قطع يد السارق، ورجم الزاني، وقتل القاتل، ومن ينفذ هذا؟ لابد من خليفة، يخلف في ذلك، ولا حرج أبداً.وهنا مما ينبغي أن يعلم أنه لابد للبشرية من خليفة، فهذا فرض، أما نحن المسلمين فالإجماع على أنه لابد من خليفة يحكم المسلمين بشرع الله، ولا يحل أبداً أن يعيش المسلمون على الفوضى، بل لابد من خليفة، وتجب طاعته، وهو المذكور في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، إلا أن هذا الخليفة لابد وأن يكون من مستويات عالية، فلا يكون صعلوكاً من صعاليك الناس، ولا مجهول النسب، ولا أمياً وجاهلاً، ولا فاسقاً ولا فاجراًً، ولا كافراً ولا ساحراً، وهذا أمر مفروغ منه؛ بل يكون خلاصة ما عندنا من الصلحاء، والأطهار، والأصفياء.فإذا أراد أهل إقليم مبايعة حاكم لابد وأن تكون فيه صفات الكمال؛ لأنها أمانة لا توضع إلا في يد من هو أهل لها، وهذا أمر معلوم بالضرورة.ومتى كان الحاكم شريف النسب، معروف الأصل والحسب، ذا حياء وعلم ومعرفة، ييسر الله له الأمر، ويسود المسلمين بالهدى والخير.ودل على هذا: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، فلا يحل للمسلمين أن يعيشوا بلا إمام يقودهم، ولا حاكم يحكمهم.وكونهم يختارون نعم. إلا إذا حاكم قهرهم وغلبهم وحكم، فبمجرد ما يستتب له الأمر وجبت طاعته والإذعان لأمره والمشي وراءه وجوباً؛ لأن الإسلام لا يسمح أن تراق دماء المسلمين، وأن تسلب أموالهم وتنتهك أعراضهم في الفوضى، لابد من حاكم، والآية صريحة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .

    سبب استفهام الملائكة ابتداء عن جعل خليفة في الأرض

    لم قالت الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30]؟إما لما لاحظوه من علم سابق أعلمهم الله، وإما لما علموا من أهل الأرض الذين سكنوها وسفكوا الدماء وأفسدوا فيها. فهذا هو جوابهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ؟ فرد الله تعالى بقوله: قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30].وهنا يا معشر المستمعين والمستمعات! من سئل عما لا يعلم فليقل: الله أعلم. ما أبردها على الكبد كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فإذا سئلت عما لا تعلم فقل: الله أعلم، وذلك خير لك. إذ قال تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ فرضوا بتدبير الله وحكمه وقضائه، وسكتوا، وفوضوا الأمر لله العليم الخبير.

    تسبيح الملائكة وتقديسهم لله تبارك وتعالى

    ثم قال تعالى: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30]؟ معنى (نسبح بحمدك) نقول: سبحان الله وبحمده، وهذا ورد يردده المؤمنون والمؤمنات إلى يوم القيامة، وهو قولك: سبحان الله وبحمده، وجاء في التبشير بهذا الورد أن من قالها مائة مرة حين يصبح وحين يمسي حط الله عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر! سبحان الله وبحمده. وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أي: نقول: سبحان الله وبحمده، والملائكة طول الدهر وهم يسبحون بهذا التسبيح. ليل نهار.وقوله: وَنُقَدِّسُ لَكَ الأصل: ونقدسك، والتقديس: التنزيه والتطهير عما لا يليق، وزيدت اللام لتقوية الكلام، إذ زيادة المبنى تزيد في المعنى في لسان هذه الأمة؛ اللسان العربي.وسبحه: نزهه عما لا يليق به من الشرك، وقدسه في ذاته بحيث تبعد عنه كل ما يعرف بنقص، فالتسبيح كالتقديس، إلا أن التقديس يتعلق بذات الله عز وجل، والتسبيح يتعلق بصفاته وما له من حقوق، وهي عبادته وحده. وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ بمعنى: ما هناك حاجة إلى خلق هذا المخلوق وإنزاله في الأرض من أجل أن يعبدك، فنحن نسبح لك ونقدس، فهذا رأيهم، وهذا منتهى علمهم، فلا علم لهم، فقالوا قولتهم هذه، ولو فوضوا الأمر إلى الله لكان خيراً، ولكن هذا اجتهادهم، لما استشارهم سألهم: إني جاعل كذا، ليسمع منهم ما يرون وما يقولون، فلما أعلمهم قالوا: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ فأسكتهم. وسوف يبين لهم أيضاً مراده من خلق هذا المخلوق.

    تفسير قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها ...)

    قال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31] أهل العلم المفسرون وغيرهم يقولون: كيف هذا؟ كيف يعلم آدم الأسماء كلها؟! ثم كيف يعرض الأسماء -أي: الذوات-؟أما الآن فأصبح الذي يشك في هذا أو يرتاب ويضطرب لا عقل له.أولاً: أليس قد كتب الله في كتاب المقادير كل ما هو كائن من اسم وذات وصفة؟ كل ما كان ويكون إلى يوم القيامة قد جرى به القلم، وهو محفوظ ومعروف. فعلم آدم الأسماء، وعرفه ذوات المسميات حتى شاهد الذوات وعرف الأسماء. الآن التلفاز يعرض لك فتشاهد الأسماء والمسميات، هذا اسمه إبراهيم، وهذه اسمها النخلة. أسماء الأجناس كلها!وكونه تعالى قديراً، عليماً، حكيماً على أن يلهم عبده آدم في ذلك العالم أن يحفظ كل ما عرض عليه هذا أمر سهل على الله، الآدمي في هذه الظروف يحفظ آلاف الكلمات بل ملايين!إذاً: فعلم آدم الأسماء كلها من الماء إلى الطين .. إلى اللبن .. إلى النخلة .. إلى الإنسان كما هو في كتاب المقادير. ثُمَّ عَرَضَهُمْ [البقرة:31] أي: الأسماء والمسميات بها عرضهم على الملائكة كأنها شاشة تلفاز، وأمرهم أن يبينوا أسماء تلك المسميات. فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:31] في علمكم ومعرفتكم. ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ [البقرة:31] ما قال: فعرضها؛ لأن فيها الأنبياء والرسل والبشر وذوي العقول، وليست كلها لا عقل لها. أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ عجزوا، وما استطاعوا الجواب، ولم يستطيعوا أن يقولوا شيئاً ولم يسعهم إلا أن يقولوا: الله أعلم!

    تفسير قوله تعالى: (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ...)

    ماذا قال الملائكة؟ سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:32]. وبهذا خرجوا من المأزق الضيق، فوضوا الأمر لله، وقدسوه ونزهوه عن العبث واللهو والباطل .. عن الجهل .. عن كل ما هو نقص في ذاته وفي صفاته: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا وهو كذلك، فلا علم لمخلوق من الملائكة أو من الإنس أو الجن إلا ما علمه الله، ونحن إذا عندنا علوم فهذه العلوم من أين أتت؟ ولولا أن الله علمنا نعلم؟! والله لا يعلم أحدنا شيئاً لولا أن الله علمه، حتى كيف يلبس ثوبه أو نعله؛ لأن العلم مصدره الله، فهو الذي يغرز الغرائز، ويطبع الطبائع، ويلهم ويوجد الأفكار في المفكرين، هو خالق كل شيء.فسلمت الملائكة لله: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا لو علمتنا كما علمت آدم لقلنا: هذا فلان وهذا فلان، وهذا اسمه كذا وهذا كذا.وعظمة الله وربوبيته وإلهيته تتجلى في كون آدم الذي خلقه من طين، ونفخ فيه من روحه، وأصبح ذا منطق وذا سمع وذا بصر، علمه في زمن لا ندري مقداره، في ساعة، في دقيقة، في لحظة، لكن نعلم أن الله يقول للشيء: كن فيكون، فعلمه الأسماء كلها، أسماء الأجناس كلها باللغة التي أراد الله؛ ولأن تكون العربية أولى؛ لأنها لغة أهل الجنة، هذا اسمه كذا وهذا كذا، وانظر إلى الملائكة مع طهارتهم، وصفائهم، ووجودهم قبل آدم -ممكن بملايين السنين- ما استطاعوا أن يقولوا كلمة، فسلموا الأمر لله، ونزهوا الله وقدسوه: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا وأكدوا ذلك بقولهم: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ العليم بكل شيء، الحكيم في كل شيء، فلا عبث، ولا لهو، ولا باطل، ولا..، وإنما العلم والحكمة مع بعضهما البعض.

    تفسير قوله تعالى: (يا آدم أنبئهم بأسمائهم ...)

    ثم قال تعالى لآدم: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة:33] آدم هذا الاسم مأخوذ من الأدمة، وهي بياض مع حمرة، وهذه هي طينة التراب؛ ولهذا سبق أن علمنا أن الله تعالى لما أراد أن يخلق آدم أمر الملائكة أن يأتوه بأجزاء من الأرض: من الرمل، من التراب الأحمر، الأبيض، الأسود، الحزن، الخشن، اللين، الرقيق، فمن مجموع تلك التربة خلق الله آدم، فذريته أصبحوا يحملون تلك الصفات، منهم الحزن الشديد .. منهم اللين .. منهم الأحمر والأسود والأبيض، بحسب الطينة الأولى.وإن قلت: الأجواء والأهواء تؤثر؟ هذا شيء عارض فقط، لكن الأصل أن بني آدم كما هم أمامنا، وآدم مأخوذ من الأدمة التي هي بين الحمرة والبياض.إذاً: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ أي: بأسماء هذا العرض من المخلوقات، أسماء ومسميات، فأخذ يقول: هذا فلان، هذا فلان، هذا كذا، هذا كذا، هذا كذا! أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة:33]، قال تعالى لهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:33]، وهذا التقرير الذي تم أمام الملائكة باق، وهو لنا أن نعلم علم يقين أن الله يعلم غيب السماوات والأرض، وهو ما غاب عن العيون، وبَعُدَ عن الحواس، وعجز الآدمي أو الجني أو حتى الملك عن معرفته، فهذا الغيب يعلمه الله عز وجل، سواء كان في السماوات أو كان في الأرض، فهذا الذي يستحق أن يعبد، وأما مخلوق؛ مصنوع في حاجة إلى وجوده وبقاء حياته فلا؛ إذ الآيات تقرير عبودية لله عز وجل، فلا يستحقها مخلوق ولا كائن من الكائنات؛ لأن الله أبطل الشرك والكفر، وندد بذلك، وقاد البشرية إلى أن تعرف الذي يستحق أن يعبد، وهو الله عز وجل. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31]، كيف يتم هذا لولا أن الله الذي علمه؟ وهل يوجد الآن من يستطيع أن يتكلم بلغات العالم، ويعرفها كلها؟ هل يوجد من يعرف الذرات الموجودة في الأرض وبأسمائها؟ هذا لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وهو الذي ينبغي أن يعبد، وأن يحب، وأن يعظم، أما المخلوقات كيف تعبد مع الله؟!العلم والقدرة والحكمة والرحمة هي مقتضيات أن يعبد الله عز وجل؛ فلهذا بطل أن يعبد غير الله؛ ولهذا عامة الرسل أول كلمة تقولها لأقوامها: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً.وقد علمنا وعرفنا أن هذه العبادة ليس الله في حاجة إليها، ولا كماله، ولا ربوبيته، ولا ألوهيته مفتقرة إليها، هذه العبادة فقط من أجل أن يكمل عليها العابدون ويسعدوا!

    الشرك ظلم عظيم

    من الظلم بل أبشع الظلم أن يعبد من لا يخلق ولا يرزق، ولا يهب ولا يعطي، ولا ينفع ولا يضر، ومن منكم يرضى بالظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه! فعبادة غير الخالق ظلم من أفظع أنواع الظلم! وقد عرفها المؤمنون من أمة الإسلام منذ أن كانت إلى اليوم.ولا ننسى قول الله تعالى من سورة الأنعام في الحِجاج الذي دار بين إبراهيم وبين قومه: قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ [الأنعام:80-81] أنا أم أنتم؟ من يعبد الله، أم من يعبد غير الله؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81]، قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلم، وكيف يخلط الإيمان بالظلم؟ أي: بأن يعبد مع الله غيره، وبأن يشرك في عبادة الله، سواء عبادة القلب أو اللسان أو الجوارح، بأن يعبد مع الله غيره.وهذه الآية لما تلاها الأصحاب رضوان الله عليهم اضطربوا، وقالوا: من ينجو منا إذن؟! إذا كان لا نجاة .. لا يتحقق الأمن من عذاب الله وسخطه إلا من آمن ولم يخلط إيمانه بظلم فمن ينجو؟! كلنا يظلم، وظنوا أنها معاصي كسبة، أو شتمة، أو غيبة، أو نميمة، أو ذنب من الذنوب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ( ألم تسمعوا قول العبد الصالح إذ قال لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ) ظلم عظيم، فالظلم يتفاوت فيه الصغير والكبير، نعم، هل شتمك فلاناً في الشارع كشتمك أباك؟! إذاً: الظلم يتفاوت، وأعظمه أن تسلب حق الله، وتعطيه لغير الله، إذ الظلم حقيقته -يا معشر المستمعين والمستمعات- وضع الشيء في غير موضعه.وقد مثلنا أمثلة: هل يجوز لأحدكم الآن أن يدفع الجالسين يميناً وشمالاً وينام؟! هل هذا مكان نوم؟!هل يجوز لأحدنا أن يعرض بضاعته الآن في المسجد يبيعها؟! هذا ظلم، فقد وضع الشيء في غير موضعه.هل يجوز لعاقل أن يجلس أمام باب المسجد ويرفع ثيابه ويتبول؟! هذا ظلم، ووضع الشيء في غير موضعه هو الظلم.والظلم حرام بالإجماع، ومنذ أن هبط آدم إلى الأرض لم يقر الظلم ذو عقل بحال من الأحوال.وأي أنواع الظلم أفظع وأبشع؟أن يخلقك الله ويرزقك، ويربيك وينميك، ويجعلك عبده؛ فتغمض عينيك عنه وتلتفت إلى غيره! وبدل أن تحلف به تعظيماً له وتمجيداً تحلف بسواه؛ إغاظة له.وبدل أن ترفع كفيك إليه ضارعاً سائلاً: يا رب! تلتفت إلى غيره وتسأله.وبدل أن تركع ساجداً معلناً عن ذُلِّك وافتقارك وحاجتك إليه تفعل ذلك أمام كائن من الكائنات، ومخلوق من المخلوقات. فهل تصورتم أن أفظع أنواع الظلم هو الشرك، والعياذ بالله؟! وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:33] قال العلماء: من هو الذي كان يكتم بينهم شيئاً؟ قالوا: إبليس قبل أن يبلس، وقبل أن ييأس، فما إن شاهد آدم وهو في طينته وعرف بالفراسة أن لهذا المخلوق شأناً، تعهد بأن لا يطيع، وكتم هذا في نفسه، فأعلمهم الله أنه يعلم ما يكتمون.

    استحقاق الله للعبادة دون سواه

    معاشر المستمعين! هنا مسائل لابد من العودة إليها:أولاً: لم استحق الله تعالى العبادة دون من سواه؟ لعلمه الذي أحاط بكل شيء، فالذي لا يعلم الغيب كيف يعبد؟! ثانياً: لقدرته التي تجلت في خلق السماوات والأرض .. في خلق الملائكة .. في خلق أبينا آدم.القدرة التي لا يعجزها شيء، فالذي لا قدرة له أو له قدرة محدودة، وطاقة محدودة لا تتجاوز فكيف يستحق أن يعبد؟! كيف يشرك مع الله في عبادته كما يفعل المشركون؟والحكم ة ما خلا منها شيء، فافهم يا عبد الله أنه لا يوجد كائن مخلوق إلا لحكمة! لا عبث، ولا لهو، ولا باطل، ولا سدى ولكن كل شيء لحكمة.ومن يرقى إلى هذا المستوى حتى يعبد مع الله بأي نوع من أنواع العبادة؟! هذا أولاً.

    أهمية وجود خليفة للمسلمين

    ثانياً: الخليفة. وقد بينا في إيجاز أنه لا يحل للمسلمين أن يعيشوا بدون خليفة، لماذا؟ لأن الفوضى تدمرهم، وتقضي على حياتهم، فيفقدون الأمن والطهر والصفاء، ولو استفاق المسلمون من غفوتهم، وعادوا إلى صوابهم لأعلنوا عن بيعة خليفة لهم، وتصبح البلاد الإسلامية كلها ولايات ومناطق تابعة للخليفة المسلم، ولما شتتهم العدو ومزقهم نكاية بهم، وتدميراً لهم، وحصل الذي حصل؛ وجب على أهل الإقليم أنهم هم الذين يختارون من يحكمهم، من أصلحهم .. من أعلمهم .. من أشرفهم .. من أكملهم؛ حتى يستتب أمرهم، وتكمل سعادتهم وحياتهم.فالدعوة إلى الفوضى محرمة ولا تحل، ومن هنا حرم النبي صلى الله عليه وسلم تحريماً قطعياً الخروج على الحاكم، ولم يأذن فيه إلا في صورة واحدة، فعليكم بالسمع والطاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا أمر الحاكم بمعروف يجب أن يطاع، نهى عن منكر يجب أن يطاع، أمر بمباح أو نهى عن مباح يجب أن يطاع.والحمد لله! هذه الحكومات التي تحكم العالم الإسلامي ما ظهر إلا مرة، حكم شيوعيون في جنوب اليمن حقيقة أمروا بالمنكر، وقلنا: لا طاعة، أما من عداهم ما هناك من أمر المسلمين بأن يعبدوا غير الله! فما هناك من أمرهم بأن لا يصوموا، ولا أن لا يصلوا، ولا أن لا يزكوا، ولا أن لا يأمروا بالمعروف ولا أن لا ينهوا عن منكر، لكن فقط جهل المسلمين هو الذي وقف بهم.يقول صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بالسمع والطاعة إلا أن تروا كفراً بواحاً ) صراحاً واضحاً، لا يختلف فيه اثنان إذا ناقشوه، أو أرادوا أن يفهموه: ( عندكم فيه من الله برهان ).هنا ماذا يصنعون؟ لو كانوا على المستوى المطلوب منهم بوصفهم مسلمين أنه الحاكم إذا أعلن عن كفره وردته، وقال: لا أؤمن بهذا الدين، ولا بهذه الشريعة، حينئذ يجب أن يخلعوه ويبعدوه، وينصبوا غيره.وهل هذا يتم لأمة مختلفة متفرقة؛ أحزاباً، وجماعات؟ لا يتم لهم.إذاً: محنتنا أننا فقدنا الأخوة الإيمانية .. الأخوة الإسلامية، فالمسلمون في أي بلد ما هم بمتآخين، ولا متحابين ولا متعاونين، فكيف يستطيعون أن يخلعوا حاكماً ارتد،وكفر بالله وخرج عن الإسلام؟!فلابد إذاً من وجود أمة حية تسمع وتبصر، تعطي وتمنع، تستطيع أن تخلع وتنصب، أما أمة ممزقة، مفرقة، مختلفة كيف تخلع حاكماً وتنصب غيره؟! أنى لها ذلك، وكيف يتم؟إذاً: فكل من يدعو إلى الفرقة والصراع والنزاع وسفك الدماء خرج عن منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن نذعن للحاكم ونستسلم وننقاد، لكن في حدود ما هو مأذون له فيه، أن يقول الحاكم: اشرب المحرم، أو البس الحرام أو قل الحرام، فلا يطاع، والله عز وجل ما يسلط على المؤمنين حاكماً يكفرهم أو يحملهم على الفسق والفجور إذا كانوا قد حققوا ولاية الله عز وجل، ولكن إذا وجدوا أنفسهم تائهين في صحاري الحياة لا معرفة، ولا بصيرة، ولا استقامة؛ قد يسلط الله تعالى عليهم عدوهم.

    وجوب تحقيق ولاية الله

    إذاً: نعود إلى الحلقة المفقودة. وهي أنه يجب أن نوالي الله عز وجل، وأن نحقق ولايته، وإذا ما أصبحنا أولياء الله فالله عز وجل يؤدبنا .. يعذبنا بما شاء .. يسلط علينا أفسقنا وأفجرنا .. يسودنا بالحديد والنار، ولا نلوم إلا أنفسنا.ما هي ولاية الله؟ولاية الله أن نحقق إيماننا، ذاك الإيمان المطلوب، الذي إذا عرضناه على الكتاب والسنة، وعلى أهل العلم والبصيرة وافقوا عليه وقالوا: هذا هو الإيمان!أولاً: الإيمان، وثانياً: تقوى الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه.الإيمان والتقوى بهما تتحقق ولاية العبد للرب تعالى، وولاية الرب للعبد.أما إذا فجرنا وفسقنا، وخرجنا عن طاعة ربنا وطاعة رسولنا وانتهت الولاية؛ ماذا نريد من الله سوى أنه يسلط علينا من يسومنا الخسف والعذاب، ولو أن المؤمنين استفاقوا وأفاقوا حقيقة لأقبلوا على الله بنسائهم وأطفالهم ورجالهم يحققون أولاً ولايتهم لله تعالى، إيمان وتقوى، وهذا يا معاشر المستمعين والمستمعات! يتطلب منا العلم، وها نحن في هذه الآيات سنعرف كيف شرف الله آدم، ورفع قدره بالعلم، والذين جهلوا من الملائكة أصبحوا دون مستوى آدم عليه السلام.العلم كيف نطلبه، وكيف نحصل عليه؟ كما علمنا وقدمنا، كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه؟يجمعهم بين يديه في مسجده ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فإذا أراد المسلمون في الشرق والغرب أن يحققوا ولاية الرب تعالى لهم عليهم أن يحققوا إيمانهم، فيؤمنون إيماناً كإيمان نبيهم وأصحابه، ويعبدون الله عبادة عبده بها نبيه وأصحابه، إذ هذه الفرقة الناجية، هم الذين يكونون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عقيدة وعبادة وسلوكاً وآداباً.معاشر المستمعين! تحقيق الولاية أن نقبل على الله في صدق ونطلب منه أن يعلمنا، فنقرأ كتابه وسنة نبيه في بيته، فلا نتخرج بعد العام والعامين إلا علماء وأولياء لله، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أما مع التمرد والعصيان على الله فأنى لنا أن نكون أولياء لله، لا خوف علينا ولا حزن في دنيانا وأخرانا؟

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ...) من كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! ما قرأنا الآيات في الكتاب فإليكموها كما هي.يقول تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30].

    شرح الكلمات

    قال المؤلف: [شرح الكلمات: الملائكة: جمع مَلْأك، ويخفف فيقال: مَلَك، وهم خلق من عالم الغيب، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى خلقهم من نور.الخليفة: من يخلف غيره، والمراد به هنا: آدم عليه السلام.يفسد فيها: الإفساد في الأرض يكون بالكفر وارتكاب المعاصي.يسفك: يسيل الدماء بالقتل والجرح.نسبح بحمدك: نقول: سبحان الله وبحمده، والتسبيح: التنزيه عما لا يليق بالله تعالى.ونقدس لك: فننزهك عما لا يليق بك، والتقديس: التطهير والبعد عما لا ينبغي، واللام في (لك) زائدة لتقوية المعنى، إذ فعل قدس يتعدى بنفسه، يقال: قدسه] وإن قلت: قدس له كان زيادة في المعنى.

    المعنى الإجمالي

    قال المؤلف: [المعنى الإجمالي: يأمر تعالى رسوله أن يذكر قوله للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] يخلفه في إجراء أحكامه في الأرض، وأن الملائكة تساءلت متخوفة من أن يكون هذا الخليفة ممن يسفك الدماء ويفسد في الأرض بالكفر والمعاصي؛ قياساً على خلق من الجن حصل منهم ما تخوفوه، فأعلمهم ربهم أنه يعلم من الحِكم والمصالح ما لا يعلمون. والمراد من هذا التذكير: المزيد من ذكر الأدلة الدالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته الموجبة للإيمان به تعالى، ولعبادته دون سواه].

    هداية الآيات

    قال: [هداية الآيات: أولاً: سؤال من لا يعلم غيره ممن يعلم ]. كما علمنا، واجب وجب على من لا يعلم أن يسأل حتى يعلم.[ ثانياً: عدم انتهار السائل، وإجابته أو صرفه بلطف ]، من سئل يجب أن لا ينتهر السائل، فيحمر عينيه فيه، كما تقول العامة، بل يجب أن يتلطف في إجابته، إن كان يعلم علم، لا يعلم يقول: يا بني! الله أعلم.[ ثالثاً: معرفة بدء الخلق ]، ما عرفنا بدء الخلق؟ لما قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، هذه بداية الخلق عندنا.[ رابعاً: شرف آدم وفضله ]. وكيف وقد أسجد له الملائكة كما سيأتي.
    قراءة في تفسير قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها ...) من تفسير أيسر التفاسير
    قال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:31-33]. ‏

    شرح الكلمات

    قال: [ شرح الكلمات: آدم: نبي الله أبو البشر عليه السلام.الأسماء: أسماء الأجناس كلها كالماء والنبات والحيوان والإنسان.عرضهم: عرض المسميات أمامهم، ولما كان بينهم العقلاء غلب جانبهم؛ وإلا لقال: عرضها]، قال: (عرضهم)؛ لأن فيهم العقلاء.قال: [أنبئوني: أخبروني.هؤلاء: المعروضين عليهم من سائر المخلوقات.سبحان : تنزيهاً لك وتقديساً.غيب السماوات: ما غاب عن الأنظار في السماوات والأرض.تبدون: أي: تظهرون من قولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [البقرة:30].تكتمون: تبطنون وتخفون، يريد ما أضمره إبليس من مخالفة أمر الله تعالى، وعدم طاعته] في قضية آدم [الحكيم: الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه ولا يفعل ولا يترك إلا لحكمة].

    معنى الآيات الإجمالي

    قال: [معنى الآيات الإجمالي: يخبر تعالى في معرض مظاهر قدرته وعلمه وحكمته الموجبة لعبادته دون سواه، أنه علم آدم أسماء الموجودات كلها، ثم عرض الموجودات على الملائكة، وقال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:31]؛ في دعوى أنكم أكرم المخلوقات وأعلمهم، فعجزوا وأعلنوا اعترافهم بذلك، و قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [البقرة:32]. ثم قال تعالى لآدم: أنبئهم بأسماء تلك المخلوقات المعروضة، فأنبأهم بأسمائهم واحداً واحداً، حتى القصعة والقُصَيعة، وهنا ظهر شرف آدم عليهم، وعتب عليهم ربهم بقوله: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:33]].

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآيات: أولاً: بيان قدرة الله تعالى، حيث علم آدم أسماء المخلوقات كلها فعلمها.ثانياً: شرف العلم وفضل العالم على الجاهل.ثالثاً: فضيلة الاعتراف بالعجز والقصور.رابعاً: جواز العتاب على من ادعى دعوى وهو غير متأهل لها ]. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (44)
    الحلقة (51)




    تفسير سورة البقرة (15)


    أكرم الله آدم بالعلم، وأمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا جميعاً إلا إبليس، بقي متسمراً مكانه حسداً وكبراً، فكانت عقوبته الطرد من رحمة الله، فأقسم ليضلن آدم وزوجه وذريتهما، وسعى سعياً حثيثاً في إغواء آدم وحواء، ووسوس لهما حتى أوقعهما في شراكه، فأخرجا من الجنة، وأهبطهم الله جميعاً إلى الدنيا، ليعيشوا فيها بعضهم لبعض عدو إلى نهاية الحياة الدنيا.

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:34-37]. ‏

    تقرير مبدأ التوحيد والنبوة والبعث الآخر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! في هذه الآيات تقرير مبدأ التوحيد والنبوة لنبينا صلى الله عليه وسلم، والبعث الآخر.هذه الآيات نزلت لغرض .. لهدف، وقد ندرك ذلك وقد لا ندركه، ولكن النظرة العامة في مثل هذا السياق أنه تقرير لمبدأ: لا إله إلا الله، ومبدأ: محمد رسول الله، ومبدأ: الحياة الثانية التي هي دار الجزاء بعد هذه الدار التي هي دار العمل، إذ اليوم عمل، وغداً جزاء.والبشرية أيام نزول هذه الآيات وبعثة هذا النبي صلى الله عليه وسلم كانت ضالة، تائهة في أودية الضلال، اللهم إلا بقايا من أهل الكتاب.البشرية منهم المشركون الذين يعبدون الأوهام كالأصنام، والتماثيل، والشمس، والقمر، والنجوم .. وما إلى ذلك، وهذه أغلبية البشرية .. مشركون.وأهل الكتاب زيادة على أنهم أشركوا فهم كافرون، إذ كذبوا رسل الله، فالنصارى -والعياذ بالله تعالى- ضللهم اليهود فضلوا، وأصبحوا وثنيين يعبدون ثلاثة آلهة، واليهود مع علمهم غضب الله عليهم ولعنهم؛ لأنهم عرفوا لكنهم عموا عن الحق، وأعرضوا عنه، فهم أيضاً مشركون وكافرون.فكيف تنقذ البشرية؟ أنقذها الله عز وجل ببعثة هذا النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، إذ أرسله إلى الناس كافة، من ذلك قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، ومن ذلك قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].فمثل هذه الآيات: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [البقرة:30] يخاطب الله عز وجل محمد بن عبد الله بن هاشم القرشي العدناني من ذرية إبراهيم. وَإِذْ قُلْنَا القائل رب العزة والجلال والكمال، وتقدم: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [البقرة:30].إذاً: الله عز وجل خالق الخلق، ومدير الكون، ومدبر الملكوت؛ هو الذي أرسل هذا الرسول، وإلا كيف يخاطبه وينزل عليه وحيه، ويعلِّمه؟!فالآي بمجرد ما تسمعها تقرر مبدأ أنه لا إله إلا الله، أما الإلحاد العام الذي ظهر منذ ثمانين سنة، وهو لا إله والحياة مادة، فهذا ما كان موجوداً على سطح الأرض، لا بين الإنس ولا بين الجن، بل الخليقة كلها تؤمن بخالق رازق مدبر، فلما ما عرفوه اتخذوا رموزاً يعبدونها تحت شعار التقرب إلى الله العليم الحكيم، والذين يعبدون الأصنام ما عبدوها لذاتها، بل هم يبحثون عن الله خالقهم، رازقهم، معطيهم ومانعهم، محييهم ومميتهم، فلما ما عرفوا زينت لهم الشياطين عبادة الأصنام.. وما إلى ذلك، فعبدت الشعرى -كوكب معروف- في ديار اليمن، وعبد المجوس النار، أما الإلحاد بمعنى: لا إله، فهذه فرية يهودية أرادوا أن يطمسوا بها معالم التوحيد، وأخيراً بعدما بلغت مبلغها في الشرق والغرب انفضح ستارها، وظهرت أنها لعبة يهودية!إذ الفطرة التي فطر الإنسان عليها تشهد أن لا إله إلا الله، وتؤمن بوجود الله، ولكن عبدت الأصنام والأوثان تقرباً إلى الله عز وجل، وهؤلاء كبار المشركين، بل وأئمتهم في قريش في مكة قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وكيف وهم يحجون بيت الله؟ ويقفون في عرفات لله؟ ويعبدون اللات والعزى ومناة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً؟! ولكل قَبيل إله يعبده.فخطاب الله عز وجل في مثل قوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] هذا يثبت وجود الله، فهاهو ذا يتكلم، وهذا كلامه، وكيف وصل هذا الكلام؟ أوحاه، إلى من؟ إلى محمد بن عبد الله ورسوله، فهو رسول الله، فتم مبدأ لا إله إلا الله محمد رسول الله.وهذه الأنباء، وهذه الأخبار غيبية، تعجز البشرية عن الوصول إليها، أو الحصول عليها بحال من الأحوال، إذ كان هذا قبل أن يكون الإنسان، فكيف نعلم هذا ونصل إليه؟! إنه من طريق الوحي الإلهي الذي نزل بهذا الكتاب العظيم القرآن الكريم.

    إخبار الله ملائكته في جعل خليفة في الأرض وجوابهم

    قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، تقدم أن عرفنا أن الله يؤدبنا ويعلمنا كيف يستشير رجالنا، وعلماؤنا، وعظماؤنا من دونهم؟ وفي الحديث الصحيح: ( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار )، فالله يقول في عباده المؤمنين: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]. فالله عز وجل يقول للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، خليفة يخلفني في تطبيق شرائعي، وإنفاذ أحكامي، ولا حرج، خليفة من شأنه أن يموت ويخلفه غيره: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ [الأنعام:165]، والكل كما علمتم صحيح، وتدل عليه الآية الكريمة.. يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً [ص:26] خليفة ماذا؟ يطبق شرائع الله، وينفذ أحكامه في عباده.فالملائكة كأنهم استغربوا هذه القضية وتعجبوا منها، وقالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30]! وقد علمنا أنه بلغهم علم سابق أن هناك من سكن هذه الأرض من عالم آخر -عالم الجن-، وما كان منهم إلا أن فسقوا عن أمر الله، وخرجوا عن طاعته، وتقاتلوا وأجرموا، فالملائكة فهموا أن هذا المخلوق الجديد الذي سيعمر الأرض قد يسفك الدماء، ويفسد فيها بارتكاب المعاصي، وغشيان الذنوب؛ فأبدوا ما عندهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا وليس هذا -والله- من باب الاعتراض على الله، وإنما هو من باب التقرير: أتجعل هذا، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30]، فما هناك حاجة إلى أن تخلق مخلوقاً يعصيك، ويخرج عن طاعتك، ويفسق عن أمرك، ونحن نسبحك الليل والنهار ونقدسك يا رب العالمين!فهذا مجرد إبداء رأي، ومن حقهم أن يقولوا، وهم مع ربهم يناديهم ويكلمهم.فرد تعالى عليهم بقوله: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] فعلمه أحاط بكل شيء، وعلمهم محدود في نطاق ضيق، فهم سمعوا أو شاهدوا ما حدث في الأرض، فخافوا أن الذي ينزل بعد الآن يفعل مثل الذي فعل الأولون، وقد حصل، فقد سفكنا الدماء، وأفسدنا في الأرض الأمر الذي لا يقادر قدره. ولكن منا أولياء .. منا صالحون .. منا ربانيون، عبدوا الله الليل والنهار، والدهر كله!

    تعليم الله لآدم الأسماء كلها وعرضها على الملائكة

    قال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:31]. علم آدم الأسماء كلها، وسبق أن قلت لكم: لا عجب في هذا! أبداً. الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:1-4].أراه صورة الأجناس كلها وأسماءها، وأثبتها في قلبه، فحفظها، وفهمها، وعرفها، ولا حرج، وسواء قلنا: في ساعة أو في دهر أو في عام، هذا لا علم لنا به، الأهم أنه علمه الأسماء كلها .. أسماء الأجناس حتى قال ابن عباس : كالقصعة والقصيعة. شاهدها ثم حفظ أسماءها، وأراد الله ذلك ليختبر الملائكة، وليريهم عجزهم وضعفهم. ثُمَّ عَرَضَهُمْ [البقرة:31] عرض التلفاز والشاشة التي تشاهدون، ولا ننسى عرضاً مثل هذا العرض تم هنا، في هذا المسجد، والله العظيم، الرسول صلى الله عليه وسلم في محرابه ولم يكن محراباً كهذا بل مكان مصلاه إلى الجدار في الروضة، والآن موجود مكان مصلاه محراب، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس، وإذا به يتقدم قليلاً ويمد يديه كأنما يريد أن يتناول شيئاً ثم يرجع ويواصل صلاته، ثم يرجع القهقرى ويشيح برأسه ووجهه هكذا، كأن لهباً مر، فلما فرغ من صلاته سألوه: ما الذي حدث يا رسول الله؟ قال: ( عرضت علي الجنة، فرأيت عنباً فهممت أن آخذ عنقوداً، لو أخذته لأكلت منه الدهر كله ) لم؟ لأنه غير قابل للفناء، فلا يفنى، كالعالم الآتي لا فناء فيه، ( وعرضت علي النار فرأيت أكثر أهلها النساء فأشحت بوجهي لحرارتها ) فالعرض الآن في التلفاز والشاشة السينمائية بارد ليس فيه حقيقة، بل هي صور، أما العرض هناك فكان حقيقة.هل قال أصحاب رسول الله: هذا مستحيل أو كيف يتم؟! قالوا: آمنا بالله، وبما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.والشاهد عندنا وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31] أسماء الأجناس: الإنسان والحيوان والماء .. وما إلى ذلك، وشاهدها ذواتاً. كيف هذا؟ ألم يكن قد كتبها الله في كتاب المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين؟وما من كائن على سطح هذه الأرض ولا في السماء إلا وله صورة في ذلك السجل العظيم، الكتاب المبين أو الإمام المبين، منه فقط عرضها، وفي البخاري من حديث عبد الله بن مسعود ( يؤمر بأربع كلمات يكتبها )، هذه الكلمات مستحدثة، جديدة؟ هذه من كتاب المقادير ( فيكتب عمله وأجله، ورزقه، وشقي أو سعيد ).إذاً: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ [البقرة:31] عرضاً فشاهدوها، فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:31] بأنكم كذا وكذا، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:32].ثم قال لآدم : يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة:33] أخبرهم، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:33] لأن إبليس -عليه لعائن الله- قبل أن يبلس ما يزال في محيط الملائكة يعبد الله عز وجل كان قد حمل في نفسه شيئاً لهذا، فأخبرهم الله بعلمه بما في نفوسهم، وما يكتمون.

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ...)

    الآن وصلنا إلى الآية التي هي موضع درسنا اليوم، قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ [البقرة:34] أي: اذكر يا رسولنا ويا نبينا قولنا للملائكة كذا وكذا. أليس هذا يشهد بوجود الله؟ أيوجد كلام بدون متكلم؟ ألا يشهد هذا لعلم الله؟ أليس هذا علماً؟ هل يوجد علم بلا عليم؟كما قدمنا: الآيات تقرر وجود الله، وعلم الله، وقدرة الله، وحكمة الله، ورحمة الله، فكل آية تقرر هذا.

    الآية تقرر فضيلة العلم والعلماء

    معاشر المستمعين! في هذه الآية فضيلة العلم والعلماء، لما فاز آدم ونجح في الامتحان، وخاب وخسر الملائكة في امتحانهم وعجزوا، أراد الله تعالى أن يرفع آدم، وأن يرفع شأنه، ومنزلته، ومقامه فوق مستوى الملائكة، فها هو ذا تعالى يأمر الملائكة أن يسجدوا لآدم سجود تحية وتعظيم، لا سجود عبادة وتأليه، إذ المسجود له في الحقيقة هو الآمر المطاع، وآدم ما أمر ولا أطيع، فلا يقال: هذا سجود عبادة، الذي عبد وذل له وأطيع هو الله، إذ هو الذي أمر، وآدم فاز بالتبجيل والتعظيم، إذ وقع هذا السجود وهذه الطاعة له ومنه وإليه، ولا حرج؛ لأن الله أراد ذلك. وهذا نظير صلاتنا إلى مقام إبراهيم وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] فنحن بعد الطواف سبعة أشواط نصلي ركعتين لمن؟ لله تعالى، وأين نصليهما؟ خلف مقام إبراهيم. فالمقام فاز بأشرف عبادة تقع عنده ودونه، والصلاة هي لله عز وجل.

    كيفية سجود الملائكة لآدم

    قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [البقرة:34] السجود خاطبنا الله عز وجل بما نعرف، والسجود في لغة العرب هو أن ينحني المرء وينكسر، وينزل للأرض، ويضع وجهه وجبهته وأنفه على التراب، هذه حقيقة السجود وإن كان معناه الخضوع والذلة، فكل من ذل لرجل وخضع يقال: سجد له، لكن الله خاطبنا بما هو معلوم عندنا، فهنا سجدت الملائكة على الأرض لآدم عليه السلام، فالله هو الآمر، وهو المطاع إذاً هو المعبود والمسجود له، وآدم فاز بالشرف والكرامة العليا؛ لأن الله رفعه بالعلم.والسجود المعروف عندنا هو وضع الجبهة والأنف على الأرض، ولا تصح صلاة من هو قادر على السجود بدون سجود. نعم، المريض يومئ إيماءً إلى الأرض، أما القادر على أن يضع جبهته وأنفه على التراب فلا تصح له صلاة؛ لأن هذا ركن من أركانها، وهذا السجود كان الأولون يسجد العظماء أو الكرماء لبعضهم البعض، والعوام تبع لذلك، والدليل أن يوسف الصديق ابن الصديق عليه السلام لما جلس على أريكة الملك وعرش الدولة، وجمع الله له شمله بأبويه وإخوته خروا له ساجدين، فسجدوا طاعة .. إكباراً .. تعظيماً .. تبجيلاً ليوسف عليه السلام، وذكر هذا الحق تعالى في كتابه: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا [يوسف:100].وسجد الناس لبعضهم البعض كما هي التحية المعروفة عند الناس، وهنا أشير إلى فائدة وهي أن التحيات كلها لله، ولهذا لما نجلس بين يدي الله عز وجل نقول: التحيات لله، التحيات: جمع تحية، وهي ما يعظم به الإنسان أخاه، ويجله ويكبره، كلها لله، والسجود من التحيات، ولذا قال أهل العلم: جميع حركات الصلاة تحيات، من رفع اليد، وهذه تحية عسكرية معروفة، لكن بيد واحدة ونحن نحيي ربنا بكلتا يدينا، لا يجوز أن ترفع واحدة فقط مع الله، لابد من يديك الاثنتين.وكذلك الوقوف باعتدال، غير مطأطئ الرأس ولا منكسر، وذلك الاعتدال فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144] هذه تحية، وقد يحيي الناس بها الآن بعضهم بعضاً.والركوع معلوم بالضرورة أن الناس يحي بعضهم بعض بالانحناء والركوع، وتلك الجلسة التي يجلسها جلسة تحية، والسجود فوق ذلك.فجميع التحيات التي عرفتها البشرية وحيا بعضها بعضاً بها جمعها الله تعالى لنا في الصلاة، فلهذا الذي لا يصلي كفر الله عز وجل، وما اعترف بجلاله، ولا كماله، ولا بعظمته، ولا بوجوده. وإن عوقب فالعقوبة الإعدام؛ لأنه غير أهل للحياة كفر الله عز وجل، ولم يحيه، ولم يعظمه.إذاً عرفنا أن الصلاة تحية، وقد جمعت كل أنواع التحيات، ولهذا نقول: التحيات لله والصلوات.حاول بعض المؤمنين أن يسجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحد الصحابة كان بديار الشام وجاء إلى المدينة مسلماً، فأراد أن يسجد للرسول صلى الله عليه وسلم، فأبى ولم يسمح له، واعتذر الصاحب بأنه رأى أهل الشام يسجدون للقسس وللبطارقة قال: فأحببت أن أسجد لك كما يسجدون لهم، فقالها صلى الله عليه وسلم: ( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لما له عليها من حق، ولكن لا سجود إلا لله رب العالمين ).فنسخ الإسلام برسوله، ورسالته، وكتابه السجود للمخلوق، فلا يسجد إلا لله، ولا يذل المؤمن، ولا ينتصر أبداً إلا بين يدي الله عز وجل. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [البقرة:34] امتثلوا أمر ربهم على الفور، والملائكة كما درسنا وعرفنا لا يحصي لهم عدداً إلا الله، إذا كانت السماء لا يوجد فيها موضع قدم أو شبر إلا عليه ملك ساجد أو قائم فمن يحصي عدد الملائكة! وإذا كان كل واحد منا موكل به عشرة من الملائكة أو اثني عشر ما بين الحفظة والكرام الكاتبين.والشاه عندنا (فسجدوا) امتثلوا أمر الله فخروا ساجدين لآدم، وهذا السجود وإن كان لآدم لكن حقيقته للآمر الذي أطيع.

    استكبار إبليس عن السجود لآدم

    قال تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34].من هو إبليس؟إبليس كنيته أبو مرة معروفة، هل كان اسمه هكذا أو عزازئيل؟على كل إبليس كان من العابدين لله عز وجل، الراكعين، الساجدين آلاف السنين، وهو ليس من الملائكة بل هو من الجن، من العالم الثاني، فالملائكة أولاً والجن ثانياً والإنس بعد ذلك عالم ثالث، والحيوان عالم رابع. والمناسبة بين النار والنور معروفة، فلهذا الجن يختلطون بالملائكة، ويفهمون لغتهم، ويسمعون منهم، والدليل أما قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الجان يكونون في عنان السماء فيختلطون بالملائكة، فيسمعون الملائكة تتحدث عن أخبار الله التي علمهم إياها، فيسترق أحدهم الكلمة فيأتي بها إلى الآدمي الكاهن فيقرقرها في أذنه، فيضيف إليها تسعاً وتسعين كذبة )، ويقال: فلان يعلم الغيب ويأتونه، ويعطونه المال ليعلمهم الغيب، ونسبة الصدق معه واحد إلى مائة.والشاهد عندنا أن إبليس كان من العباد، ويروى أنه سبحانه أرسله مع جند من الملائكة إلى الجن الذين سكنوا الدنيا وفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فحاربهم إبليس بجيش عظيم من الملائكة، وأجلاهم إلى جزر البحر، ثم لما حصل الامتحان الإلهي والاختبار وقال للملائكة وإبليس قبل أن يبلس: اسجدوا فسجدوا إلا إبليس أبى أن يسجد واستكبر، وكان من الكافرين.وقد جاء هذا مفصلاً في عدة آيات منها ما في سورة الحجر: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر:28-33] وخلقتني من نار.فأبدى علة امتناعه عن السجود لآدم وهي: أولاً: الكبر، كيف، وأنا المخلوق من مادة ملتهبة؛ النار أسجد لمن خلق من طين، من صلصال، من حمأ منتن مسنون.ثانياً: منعه -أيضاً- مع الكبر الحسد، فكيف يتفوق هذا المخلوق علينا، ويفضلنا، ونؤمر بالسجود له.فكانت المصيبة مزدوجة، مركبة من الكبر والحسد، وهما شر ما يوجد على الأرض.وداء الأمم كلها الكبر والحسد، فلهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) لأن هذا القدر الخفيف القليل يحجب صاحبه عن النور، ويمنعه من الهداية، ويطغى هذا الكبر عليه، فيتكبر حتى على الله عز وجل، فلا يركع، ولا يسجد.والحسد من نتائجه أن أول دم سفك على سطح الأرض من بني آدم كان نتيجة الحسد وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27] هابيل وقابيل ابنا آدم عليه السلام، كل منهما قدم قرباناً لله عز وجل، فقبل الله أحد القربانين ولم يقبل الآخر، لم؟ لأن الذي قبله كان يريد به وجه الله، وكان خيرة ما يملك من المال الذي تقرب به إلى الله، والآخر -والعياذ بالله- كان أسوأ ماله وأردأه، فلم يقبله الله عز وجل، فلما رأى أخاه تقبل الله منه، وهو لم يتقبل منه عزم على قتله، وقتله بالفعل، فهذه أول قطرة دم على الأرض من بني آدم، وسببها الحسد.(إلا إبليس أبى) بمعنى: رفض، وامتنع، واستكبر، وكان من الكافرين، ومن هنا -معاشر المستمعين- إن بعض الذنوب يكفر بها صاحبها، إبليس ما كفر الله وقال: لا وجود لله ولا سب الله ولا ولا .. كفر بمعصية، فلهذا توجد المعاصي التي يكفر بها صاحبها، فلهذا نحذر ما هو معصية، وسواء قيل فيه فسق أو إثم أو جريمة أو كبيرة أو صغيرة، فهناك ذنوب يكفر بها فاعلها، والعياذ بالله. فهذا إبليس كان من جملة الكافرين لامتناعه عن طاعة الله في السجود لآدم، وحمله على ذلك داء الأمم ألا وهو الكبر والحسد.

    تفسير قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ...)

    يقول تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا [البقرة:35]. (وقلنا يا آدم) أي: بعد أن خلق الله آدم، وأسجد له الملائكة، وبعد أن خلق حواء من ضلعه الأيسر فكانت إلى جنبه، وأراد الله عز وجل أن يهبطهما إلى الأرض، وهذا متى تم؟ بعد أن خرجا عن طاعة الله وأكلا من الشجرة، وهذه فيما يبدو معصية خفيفة، وإبليس هو الذي غرر بهما وخدعهما وقال: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]. إذاً: هذه الأحداث لم تتم في ساعة أو دقيقة لكن الكلام هذا: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35] متى؟ لا يوم سجد الملائكة لآدم، ولا يوم أبلس إبليس، فهذا دهر يعرفه الله عز وجل.ولكن الترتيب للأحداث هكذا: أولاً: خلق الله آدم ثم أسجد له الملائكة ثم بعد ذلك أمره أن يهبط إلى الأرض، وسبب الهبوط إلى الأرض أن الله عز وجل أذن له ولحواء العيش في دار السلام، يأكلان من ثمار الجنة ونعيمها ويسعدان بوجودهم فيها، لكنه نهاهما عن أكل شجرة، وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35] أباح لهما كل ما في الجنة إلا هذه الشجرة أراد أن يمتحنهما، وقد كتب قدراً أن ينزلهما إلى الأرض، وتعمر الأرض بذريتهما إلى يوم القيامة ولكن هي الأسباب والسنن.فحرم عليهما الأكل من الشجرة، ما هي هذه الشجرة؟ ما دام لم يبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا حق لنا أن نقول: التين، ولا أن نقول: الرمان أو التفاح، هي شجرة وكفى.
    تفسير قوله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ...)

    وسوسة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام

    بعد أن أبلس إبليس وطرد وخرج من الجنة .. ومعنى إبليس: المبلس، أي: اليائس من رحمة الله، المطرود والمنفي عنه كل خير، فإبليس لما أبلس من جراء آدم وحواء .. ومن جراء آدم بالذات أراد أن ينتقم أيضاً.والحكايات الإسرائيلية تقول: دخل إبليس في صورة حية إلى الجنة، ولا حاجة إلى هذا، فإنه ما من أحد منا إلا وعنده جهاز تلقي وإرسال إلا ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله نزع منه ذلك الجهاز حتى لا يستطيع الشيطان أن يتصل به.أما نحن فعندنا رادار، يعمل ليل نهار.فاتصل بهما عن طريق الوسواس، فوسوس لهما الشيطان، ما دخل الجنة ولا يدخلها، ولكن اتصل بهم، والآن يتصل بك الإنسان من أمريكا وأنت في المدينة هو معك في بيتكم، في أسواق المدينة؟ تقول: لا، مستحيل، قل: مستحيل، وهو: آلو آلو، يتكلم معك، ويوسوس لك. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا [البقرة:36] وأسقطهما، وأوقعهما في الزلل، وهو ارتكاب المعصية، بسبب ماذا؟ بالتزيين والتحسين هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120] إذا أكلتما من هذه الشجرة لا تموتان، ولا تفنيان بل تخلدان، وكذبهما، وهو لا يملك إلا التزيين فقط، وأعظم سلاح لدى العدو ليوقع الآدمي في معصية الله فيهلك هو التزيين إذ قال: فبعزتك لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّ هُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39-40].

    انكشاف عورتي آدم وحواء عليهما السلام بعد استجابتهما لوسوسة إبليس

    ما كان من آدم إلا أن استمع لنظرية زوجته وقبل كلمتها، وهذا الذي يقع أيضاً للرجال منا، فالذي يستجيب لامرأته ويقبل اقتراحاتها وما تريده فيا ويحه، قد يقع فيما وقع فيه آدم، فحواء عليها السلام هي التي بادرت وأكلت وقالت: ما أصابني شيء فكل أنت، فاستجاب وأكل، وما إن أكلا من الشجرة، وارتكبا المعصية حتى انكشفت عورتهما، وذهب النور الذي كان يكسوهما، ولا يعرف أحدهما فرجاً، لا قبلاً، ولا دبراً، وما إن ارتكبا المعصية حتى زال النور فأسرعا إلى ورق الشجر يستران عوراتهما: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22].فلهذا فطرة الآدمي أنه يستر عورته ولو كان مجوسياً أو كافراً أو لا؟ بالفطرة أن الآدمي يستر عورته.وإن قلت: وجدت أندية العري في أوروبا، فعند الباب تسلخ روحك سلخاً وتدخل عارياً، وهذا مسخ إبليسي وليس بفطري، فإبليس هو الذي مزق حجاب الفطرة، ونفذ إلى القلوب.أما الفطرة الحقيقية فهي كما تعلمون عندما تمشي إلى سكان الغابات تجدهم قد وضعوا على فروجهم ستارة ولو من شجر إلى الآن. فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأعراف:22].

    هبوط آدم وحواء إلى الأرض وبدء العداوة بينهما وبين إبليس وأتباعه

    قال تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة:36] من هم الذين بعضهم عدو لبعض؟ آدم وزوجه طرف، وإبليس الطرف الثاني، وإبليس كان يعيش في الملكوت الأعلى، الآن منع، الآن ساكن في الأرض، اهبط لتؤدي مهمتك وهي إغواء بني آدم وإضلالهم، وهذا الذي التزم به، وهذا كله تدبير العليم الحكيم ليدخل من يشاء في رحمته ويضل الضالين.

    الأرض مستقر ومتاع إلى حين

    قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة:36] (ولكم في الأرض مستقر) ومن هنا نبهنا أيام شاعت فكرة الصعود إلى القمر، وقلنا: لا يمكن للآدمي أن يعيش على كوكب من الكواكب، وإن عاش يوماً أو أياماً والله لينزلن إلى الأرض، وليموتن بها؛ ليبعث منها، قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55].إذاً وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ [البقرة:36] لا في السماء مستقر قرار ومتاع أكل وشرب وحياة إلى حين نهاية آجالكم وأعماركم، ونهاية الحياة بكاملها، ولكم في الأرض -هذه المعهودة- مستقر ومتاع إلى حين، فمن يزعم أنه يستطيع أن يبني قصراً في القمر أو في كوكب آخر ويعيش هو هناك؟ هذا باطل باطل. والحمد لله استرحنا من هذه الكذبة كما استرحنا من الشيوعية التي انتهت؛ لأن الذين كانوا رواداً بالقمر كذبوا لأنهم أخيراً من سنتين قالوا: ما طلعنا، هي أفلام سينمائية في الجبال واستريحوا.

    تفسير قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ...)

    قال تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37] تلقاها وحياً أوحاها الله إليه، كلمات معدودة؛ ثلاثاً أو أربعاً، فلما قالها تاب الله عز وجل عليه، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37] فبسببها تاب عليه.ما هذه الكلمات؟ هذه جاءت من سورة الأعراف، وهو قولهما عليهما السلام: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] فكل مؤمن أو مؤمنة أراد أن يتوب فعليه بهذا الكأس من العسل، يقول رب ظلمت نفسي، معترفاً بفجوره أو بفسقه أو بمعصيته، متألماً منها؛ لأنه أغضب الله عليه، وأسخطه بغشيانه وارتكابه ما حرم عليه، يناديه بهذا الصدق: رب ظلمت نفسي، أي: بفعل كذا وكذا. ولا يذكر جريمته لله؛ لأن الله يعلمها.ربي، ظلمت نفسي، وإن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين، أي من جملة الخاسرين وفي عدادهم.

    الخسران الحقيقي

    ومن هم الخاسرون؟المادي ون لا يعرفون من الخسارة إلا المادية؛ صفقة تجارية لا ربح فيها، باخرة تحمل بضاعة غرقت، مزرعة انقطع عنها الماء ماتت، زوجة ماتت، ولد جن، هذه خسائر الدنيا.لكن الخسران الحق بينه الله تبارك وتعالى وهو أن يخسر الإنسان نفسه وأهله، فلا يبقى له أب، ولا أم، ولا ولد، ولا أخ، ولا قبيل، ولا يعرف أحداً، ويعيش في عالم وحده، لا أنيس ولا أنس.بين تعالى هذا في آيتين من كتابه فقط، وهو قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15] بحق الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:15] نعم، نحن نعد الخسارة أن نضيع ركعة من الصلاة، نعد خسارة أن نفطر في يوم من أيام الصيام، خسارة أن نشتم مؤمناً أو نضربه، نعد المعصية لله عز وجل خسارة، نعم. ولكن غيرنا يعد الخسارة فقد المال أو الإنسان، وقد بين تعالى لنا الخسارة الحقيقية، وهي أن يفقد الإنسان كل ما عنده، ويجد نفسه في عالم شقاء كله، لا أنيس ولا من يؤانسه: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    كيف نتقي الخسران

    معاشر المستمعين! كيف نتقي هذا الخسران؟ كيف نجنب أنفسنا منه ونبتعد من ساحته؟إنه بالإيمان وصالح الأعمال .. باتقاء الشرك والمعاصي يجنبك الله هذا الخسران ويبعدك عنه، إيمان صحيح اعرضه على الكتاب والسنة يوافقان عليه، عمل صالح، وهو الذي بينه الله ورسوله، بينه الله في الكتاب والرسول بلسانه وبعمله مع اجتناب الشرك بالله ولو في كلمة واحدة، ولو في إشارة برأسك.علمنا أن أحد الأولين جاءه الشيطان وهو مقيد، يعد للموت لجريمة ارتكبها. قال له: هل أدلك على شيء إذا فعلته نجوت؟ قال: دلني. قال: اخفض رأسك لي، اسجد لي سجدة. فسجد له، فقتلوه، ومات إلى جهنم، ومن أراد أن يقف على هذه ففي التفاسير عندما قال: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ [الحشر:16-17] إبليس وذلك الرجل الفاسق وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [الحشر:17]. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:37] عرفنا الكلمات أو لا؟ ما هي؟ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]، يجب أن نحفظها ونستعملها في كل ذنب نشعر به، وكل خطيئة نرتكبها؛ إذ نجى الله تعالى أبانا آدم وأمنا بهاتين الكلمتين، فكيف ننساهما؟وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (45)
    الحلقة (52)




    تفسير سورة البقرة (16)


    بعد أن وسوس إبليس لآدم وحواء، وأوقعهما في فخه، كان الجزاء أن أهبط الله الثلاثة إلى الأرض وأخبرهم بالقاعدة الجديدة للحياتين: الأولى والأخرى، فأعلمهم أنه إذا أتاهم منه هدى فاتبعوه فإنهم يأمنون ويسعدون، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، وتوعد من كفر به وكذب بآياته بالخلود في نار جهنم.

    تفسير قوله تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعاً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات!السور ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء. قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:38-39] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم. ‏

    هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض

    معاشر المستمعين! قول ربنا جل جلاله: (قلنا اهبطوا منها) من الذين أمرهم بأن يهبطوا منها؟ ما هي هذه التي يهبطون منها؟أما الهابطون فهم آدم عليهم السلام وحواء والعدو إبليس عليه لعائن الله، والضمير في منها عائد إلى الجنة دار السلام، إذ قد سبق في الآيات الكريمة أن الله عز وجل استشار الملائكة، وإن كان تعالى في غنى عن المشورة، ولكنه التعليم والتربية لبني آدم، فلهذا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار )، وقال في الربانيين في صدر هذه الأمة: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] فما كان جوابهم إلا أن قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30]، ونحن درسنا وعرفنا أن الإفساد في الأرض لا يكون إلا بمعصية الله ورسوله، وليس الإفساد في الأرض بهدم المباني، وتعطيل الطرق، وإزاحة الجبال، وإيقاف الأنهار، بل المقصود منه معصية الله والرسول في الأرض.وكيف كانت المعصية فساداً؟الجواب: أنتم على علم بأن الله تعالى لا يأمر بأمر لينهض به المكلفون إلا وهو الخير كله، ولا ينهى عن شيء إلا وهو الشر كله، وإن قلتم: بالغ الشيخ في هذا، فالجواب: أليس الله عليماً حكيماً؟ ما آمنتم بعلمه وحكمته! فكيف -إذاً- يأمر بما لا خير فيه، ولمن؟ للآدميين، أما هو تعالى فغناه مطلق؛ إذ كان الله ولا شيء غيره.لكن بالنسبة إلى عبيده من الإنس أو الجن فهو يريد أن يربيهم على الكمال ليسعدهم في الحال والمآل، يأمرهم: افعلوا كذا .. افعلوا كذا .. قولوا كذا .. اعتقدوا كذا، وينهاهم: لا تفعلوا كذا .. لا تعتقدوا كذا .. لا تقولوا كذا، وذلك من أجل إكمالهم وإسعادهم، فوالله الذي لا إله غيره لا يأمر إلا بما فيه خير هذا الإنسان، ولا ينهى إلا ما فيه شر هذا الإنسان.فمن هنا من هم المفسدون في ديارنا؟ العاملون بالمعاصي، أولاً يفسدون أنفسهم فيخبثونها .. يلوثونها .. يعفنونها حتى تصبح كأرواح الشياطين، ويومها لا حق لها في الملكوت الأعلى، فقد خبثت، فلا تصلح للسماء ولا للنزول بها، وهذه الحقيقة -أيضاً- أصبحت كالشمس بين أيدينا إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41]. من هم المفسدون غير المكذبين، والكافرين، والمستكبرين، والمجرمين، والظالمين.إذاً الفساد في الأرض هو معصية الله تعالى ورسوله. فكل من يعيش على معاصي الله والرسول كأنه آخذ بيده معول ويضرب في الأرض ويفسد، إذ لا ينتشر الخنا، والكذب، والسرقة، والخداع، والنفاق، وسوء الأخلاق، وهبوط الآداب إلا من جراء المخالفات والمعاصي.

    سبب هبوط آدم وحواء إلى الأرض

    إذاً: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38]. عرفنا من هم الذين هبطوا؟ آدم وحواء.لم أهبطهم؟ ما أصبحوا أهلاً لذلك النعيم، كيف؟ تلوثت أنفسهم، فما أصبحوا أهلاً لمجاورة الله، فأهبطوا إلى الأرض.ولم أمرهم بالهبوط وأهبطهم؟ أتدرون لماذا؟أما آدم وحواء فجريرتهما .. فمعصيتهما .. فذنبهما أنهما أكلا من الشجرة، إذ قال لهم: ارتعوا في هذا النعيم فكلوا وتنعموا، ولا تقربوا هذه الشجرة، فما كان من عدوهما وعدو البشرية كلها إبليس إلا أن زين لهما الأكل من الشجرة، ووقعت في الفخ حواء قبل آدم؛ وذلك لضعف عقول النساء، فهي التي بدأت وقالت: أكلت ولا شيء.إذاً: يا معاشر المؤمنين والمؤمنات! هنا موقف يجب أن لا ينسى، من أجل معصية واحدة حرم آدم وامرأته من نعيم كانا فيه، وأهبطا إلى عالم الشقاء والكدح والعمل المتواصل. معصية واحدة! فكيف بالذي كل يوم يقارف معصية، ويغشى ذنباً، ويأتي كبيرة.

    سبب هبوط إبليس إلى الأرض

    إبليس أتدرون لم أبلس .. لم أيس من الخير؟ وأصبح مطبوعاً على الشر، هو وذريته وما تناسل منه؟ ماذا فعل؟ ما هي معصيته؟ ما قتل نفساً، ولا أحرق قرية، ولا عبث بالمصحف، ولا بال عليه كما يفعل طغاة العرب؛ ماذا فعل إبليس؟ ما زاد على أن رأى أنه خير من آدم بقياس ليس بصحيح، فاعتذر لله وقال: لا أسجد له خلقتني من نار وخلقته من طين؛ فأنا أشرف منه وأكمل في أصل الخلقة، وكيف أنزل من مستواي العالي الرفيع وأسجد له؟!هذا الذنب الوحيد، وهو الكبر والقياس الفاسد، أبلس، والله لقد أبلس.أتدرون معنى أبلس بالبربرية؟ مسح منه عناصر الخير وأصبح كله شر.أبلس لمعصية واحدة وهي الكبر وما نتج عنه، فهذه المعصية يقارفها ملايين البشر وما يشعرون.وهل هذه المعصية أثرها فقط في كون فلان ما ركع أو سجد؟ الكبر يمنعك أحياناً من كلمة الحق .. من الاعتراف بالحق .. من فعل فضيلة .. من النهوض بواجب، وإذا كان هذا المرض متأصلاً في النفس فلن يفلح صاحبه، وفي الحديث الصحيح: ( إن الله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ).معاشر الأبناء والإخوان والمؤمنات! هل تقاومون هذا الخلق أو أنتم برءاء منه، سالمون، معافون؟ فمن شعر بهذا الداء أو المرض فليطرح بين يدي الله، ويشكو إليه علته وسقمه، ويطلب منه الشفاء.ومن أمثلة مقاومة الكبر أن الحسن بن علي ابن الدوحة النبوية، ابن الزهراء، وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يمشي في موكب على فرسه فمر ببعض الفقراء في ظل شجرة أو جدار -في تلك الأيام هل هناك غير ظل الشجرة والجدار؟- وهم يأكلون أرغفة من الخبز فسلم عليهم، فقالوا: يا ابن فاطمة ألا تنزل تأكل معنا؟ فوالله لقد أوقف فرسه ونزل وجلس على الأرض مع الفقراء، ويأكل الخبز معهم. فهل عرفتم هذه؟ومن مظاهر هذا المرض وأنتم تشاهدونه في الذين يجرون ثيابهم في الأرض، وقد لفت النظر إلى هذا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وحذر وأنذر وقال: ( ما زاد على الكعبين فهو في النار ) وأفصح قال: ( من جر ثوبه خيلاء ) أي: كبراً، فهو كذا وكذا.أتدرون التواضع المنافي للكبر؟عمر رضي الله عنه -وهو خليفة المؤمنين- يذهب إلى السوق فيشتري قطعة اللحم وليس فيه موازين، ممكن أخذ الفخذ، فحمله في ثوبه إلى بيته، فهل تستطيعون أن تفعلوا هذا؟!و أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وقبلها وهو الوزير الأول، ولو وزن إيمان من في الأرض بإيمانه لرجح إيمان أبي بكر ، لما ولي الخلافة بعد أن فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت جارية من الحي الذي كان يسكن فيه، من أحياء المدينة وأحواشها، قالت: آه من يحلب الآن لنا ماعزنا؟ فسمعها وقال: أنا أحلب لكم، ولا يمنعني أبداً أن وليت الخلافة أن لا أحلب. وبقي يحلب لآل الحي كما كان.فإذا عرفتم هذه العلة قاوموها بمجاهدة النفس .. امش حافياً .. أدبها .. اجلس مع الفقراء والمساكين .. كل الخبز بدون مرق، وهكذا تروضها حتى تذل لله وتخضع، وتجد لذاذة في أن تعفر وجهك في التراب وأنت تقول: سبحان ربي الأعلى.

    اتباع الهدى يقود إلى السعادة في الدارين

    لما هبطا إلى الأرض قال لهم الله عز وجل: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة:38] والأصل: (إن يأتيكم مني هدى) فإن (ما) مزيدة لتقوية الكلام، هذا الهدى ما هو؟ الهدى ما يهدي السالك إلى بغيته، ويصل به إلى غرضه، سواء كان علماً يرفرف، أو ناراً، أو مصباحاً، أو دليلاً يمشي أمامه، والمراد من الهدى هنا هو ما يوحيه الله تعالى إلى رسله وأنبيائه من كتاب وغيره، أي: من شرائعه عز وجل التي يوحي بها إلى من يصطفيه من الناس ويجتبيه.هذا الهدى يقود ويهدي إلى سعادة الآدمي والله العظيم، يهدي إلى سعادة الآدمي في الدنيا والآخرة معاً.كيف هذا يا شيخ؟ نعم، تعاليم مصدرها العليم الحكيم، لا يأتيها المؤمن إلا كمل وسعد، ولن يتخلف وعد الله أبداً إلا إذا أخل العبد فلم يلتزم بالمبدأ، وقدم وأخر، أو انحرف يميناً أو شمالاً، يضعف ذاك الهدى ولا ينير.الهدى هل عند أمة محمد الآن هدى؟ ما هو الهدى؟ قال الله تعالى قال رسوله، القرآن والسنة، الكتاب الكريم والسنة الصحيحة الشريفة المطهرة.لم لا نكتفي بالقرآن؟ القرآن فيه إجمال وإيجاز، ولو يشرح ويفصل لأصبحت ثلاثين مجلداً، وخمسين مجلداً، بل والمائة، فكيف تحمله البشرية؟ ولهذا يحمله أحدكم الآن في جيبه أليس كذلك؟ فلابد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوباً يشرح .. يبين .. يعلم .. يفسر، وإلا ما تستطيع البشرية أن تهتدي إلى الكمال من القرآن بدونما رسول لله يبلغها ويعلمها.فلهذا عرفنا واستقر في معرفتنا أن من ينفي السنة كافر خادع مضلل، يريد إفساد هذه الأمة والقضاء على كمالها وسعادتها، والرسول قال: ( ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه )، فلهذا أقضية أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها مستنبطة من القرآن، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.أعرفتم هذا الهدى؟ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة:38]، والخطاب لآدم وحواء ولذريتهما إلى يوم القيامة، فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ [البقرة:38] ومشى وراء الأعلام التي تقود إلى دار السلام فأحل ما أحل الله، وحرم ما حرم الله، ونهض بما أوجب الله من عقيدة أو قول أو عمل، لا يزال سائراً في أمن وسعادة حتى ينتهي إلى دار السلام، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون. كيف هذا؟ لا نعرف؟ ما نعرف. على سبيل المثال هذه الدولة، وإن كان بعض الغافلين يتململون، ونحن من باب إياك أعني واسمعي يا جارة نريد أن نلفت نظر العالم الغافل، فهذه الدولة قامت باسم الله على يد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود من بني تميم، وقد عرفتم منزلة بني تميم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث مر بكم؛ فقد أرادت عائشة أن تعتق مملوكاً في كفارة فأرشدها إلى أسرى أو عبيد من بني تميم، فإنهم من أولاد إسماعيل.ومع هذا سمعنا وسمعتم من يقول: عبد العزيز وأولاد سعود يهود، ويغنون بهذا، ولعلي واهم.ماذا أريد من هذا يا شيخ؟أريد أن نعرف أن أمتنا لصقت بالأرض وهبطت، فهيا بنا ننتشلها ونرفعها من مستوى الهبوط، والله بأذني أسمع أعمى يجمع الفلوس بالمدائح كعادة العرب وهو يهتف: يا سعود يا يهود! يا سعودي يا يهودي! وإخوانكم يعطونه المال. هذا في بلاد العرب! ما هذا الهبوط؟إنه الجهل، ما ربينا في حجور الصالحين، وما عرفنا الطريق إلى الله، فماذا ترجو منا بمجرد أننا مسلمون ونصلي أيكفي هذا؟ أين آثاره، والجرائم والموبقات ترتكب في كل ساعة في العالم الإسلامي.

    عدم الخوف والحزن لمن اتبع الهدى

    قال تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] فضربنا المثل كانت هذه البلاد كبلاد العالم الإسلامي انطفأ نور التوحيد فيها، وهبطت إلى الأرض، وأصبحت موبقات وجرائم من اندونيسيا إلى موريتانيا، فجاء الله ليقيم الحجة له على الخلق بهذا الرجل، وأقام هذه الدولة السعودية التميمية لا اليهودية. فهمتم؟أقامها على أربع دعائم، عمي عنها العالم الإسلامي بكله، أربع دعائم .. أربع قواعد تنبني هذه القبة عليها وهي: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أخذاً من قول الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41]. وهذه الآية كررها هذا الشيخ المسكين -ممكن- آلاف المرات طول العام، والبلاد الإسلامية تستقل، ومن الوقت إلى الوقت استقل القطر الفلاني، وما استطاعت دولة ولها وزراء، ولها علماء، ولها مسئولون أن تقيم الصلاة فقط، وهذا أمر يتفطر له الكبد.خرجنا من رق الاستعمار الإيطالي أو البريطاني أو الفرنسي ونحن مسلمون، فما المانع فقط أن نقيم الصلاة؟ هل بلغكم أن إقليماً استقل وأقام الصلاة إجبارياً؟ أسألكم بالله أو ما تعيشون مع أمتكم؟ والله ولا قطر، فمن شاء أن يصلي ومن شاء يغني.هل بلغكم أن دولة تجبي الزكاة باسم الله؟ هاتوا، لم؟ عوضنا عنها الضرائب؛ لأن الضرائب مقننة في أوروبا، ولا تقوم الدولة إلا على أساسها، والزكاة تزكي أو لا تزكي. هل وجدت هيئة في بلد ما أسند إليها أنها تأمر بالمعروف بين المواطنين وتنهى عن المنكر؟ قولوا وأشيروا، لا شيء، والآن نسأل لم؟ ما المانع؟ تحررنا واستقللنا، وأخذنا السلطة بأيدينا، وطردنا الاستعمار البريطاني أو الفرنسي ما المانع؟يا شيخ ما كنا نعرف هذا؟ والله لقد سمعوا وعرفوا، أربعين سنة وهذا الكلام يعاد هنا، والحجاج والزوار على اختلافهم من ساسة وسائسين يسمعون، لم؟!هذا موطن البكاء أو لا؟ لنعرف قيمتنا ودرجتنا.ونعود إلى مبدأ الكلمة فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة:38] إذاً: أقيمت دولة والله لقد تحقق أمن وانتهى الخوف، يمشي الرجل من أقصى البلاد إلى أقصاها لا يخاف إلا الله، وصدق الله العظيم: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [البقرة:38] في دنياهم.إذاً وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] اتباع الهدى، واتباع الهدى في إقامة الدولة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، هذا يمنع الخوف، أما الحزن فيمنعه قوة خوف الله وحبه الناتج عن الإيمان والمعرفة بالله.فالذين عرفوا الله، وما عنده لأوليائه يحزنون لماذا؟ لأن التجارة كسدت، ولأن ولداً مات، والمرأة طلقت، والله ما يحزنون، عرفوا أن هذه الدار دار فراق، ودار ابتلاء، ومن مات يدفنه وهو يبتسم، ويدعو له، ويترحم عليه، فلا يمتنع من الأكل والشرب، ولا يصاب بقنوط ولا يأس أبداً، ولا يسود وجهه، ولا يغبر بل يبقى كما هو؛ لأنه يردد كلمة: إنا لله وإنا إليه راجعون.فما دمنا لله فإذا طلبنا لننتقل إلى الدار الآخرى تقول: لا، أما تستحي يا عبد الله؟ أنت أمانة الله طلبها تقول: لا؟ ثم تعلم أنك راجع أحببت أم لا؟ وإنا لله وإنا إليه راجعون. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38]، قلوب طاهرة، ونفوس زكية صافية، آمالهم في الملكوت الأعلى يتسابقون إلى الجنة فلهذا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] هذا في الدنيا. وأما في الآخرة فثم الأمن وثم الفرح .. دار الحبور والسرور، لا خوف، ولا حزن.كيف نأمن من الخوف والحزن يا شيخ؟ فقط إذا جاءك الهدى اتبعه، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] لأن الحزن يكون بسبب ما فقد، فقد ماذا؟ فقد مال الله لله، أي شيء فقدته؟ مالك، هو مال الله، ابنك هذا، ولدك عبد الله، فكيف تحزن؟!ولا على ما يفوتك أيضاً مما كنت ترغب فيه من أوضار الدنيا وأوساخها، فلا تحزن على هذا، ولعلكم تجدون أنفسكم وبينكم من أولئك الطاهرين من لا يحزنون ولا يخافون.

    اليسر والتكلف في اتباع الهدى

    قال تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ [البقرة:38] ومن سورة طه فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ [طه:123] اتبع فيه معنى التكلف والتتبع، وتبع ليس فيه تكلف بحسب الظروف، وفي هذا الوقت بالذات في بلاد العالم الإسلامي لا تتبع الهدى إلا بمعاناة: كيف تخالف أهل المجتمع؟ امرأتك مغطية ونساؤهم كاشفات؟! كيف تعمل وأهل البلاد يظلون هكذا عاكفين في المقاهي على اللعب وأنت ما تلعب؟ كيف، كيف، كيف؟ تحتاج إلى أن تتكلف حتى تتبع، وفي ظروف طاهرة تتبع الهدى، فليس هناك موانع ولا عوارض ولا صوارف أبداً وبسهولة.أضرب لكم مثلاً: قبل حوالي سبع وعشرين سنة كنا إذا عزمنا إخواناً لنا أو عزمنا وحضرنا للأكل تجد من هم ملتحون بنسبة خمسة في المائة، والباقون حالقو الوجوه وهم فحول، انتبهتم؟ خمسة في المائة. وفي هذا الظرف بالذات من الذي يستطيع أن يعفي لحيته؟ لابد وأن يتكلف ويتحمل، فالزوجة تقول: أيش هذا الوسخ؟ نعم، والزميل والصديق: يا ذا الذقن. والله بهذا الصوت يسخر منه: يا ذا الذقن. الآن لما انتشر الهدى أصبح حالق اللحية هو الذي يستحي، عرفتم؟ فحضرنا محاضرة في بحرة، فعددنا الجالسين للعشاء وجدناهم ستين فحلاً والله ما بينهم حالق، وهذا من آثار الدعوة والجلوس بين يدي الصالحين كما قدمنا.أما التدخين فلابد لمن أراد أن يدعو إخوانه للعشاء أو الغداء إذا كان موسراً لابد وأن يضع شيئاً توضع فيه عقائب السجائر، أتعرفون هذا أو لا؟ علب تباع أو يعطيها بائع السجائر مجاناً للإغراء والفتنة، فيضع تلك العلب أو الطفايات، والآن أصبحنا نزور والله ما نجد واحدة، ونجلس للعشاء أو في عرس أيضاً ما نرى من يدخن، فالآن الذي لا يدخن يجد معاناة؟ لا أبداً، بسهولة يتبع بدون ما يتكلف في الاتباع. الأغاني: يوم انفتح بابها، وبدأت الفتنة العارمة، وكانت أصابع اليهود، كيف يدمرون العالم الإسلامي كما يقولون بالهيدروجين؟ لا، فقط بإفساد قلوبهم، يهبطون ويصبحون عبدة هوى وشهوات ومادة، فلا تبقى رجولة، ولا يبقى كمال. أتدرون أنه كانت تمر بك عشر سيارات في الشوارع والطرق ومن بينها خمس أو ست سيارات تغني، عرفتم؟ محرمون نلبي وصاحب التكس يغني؟ يا عبد الله! يقول: لا، أنا إذا ما أغني السيارة لا تمشي.الآن الحمد لله، والله تمر بنا عشرون، ثلاثون، أربعون سيارة ما فيها إلا واحدة، وصاحبها أيضاً بمجرد ما تقول له يسكته، فالآن الذين يتركون الغناء بسهولة ويسر.وهذا كله للفرق بين (تبع) و(اتبع) اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] هذا أيضاً قيل لآدم وحواء ولذريتهما في سياق آخر من سورة طه فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] لا يضل في الدنيا عن سبل الهدى وطرق الخير والكمال والإسعاد، ولا يشقى في الآخرة ولا في الدنيا، وعد الصدق الذي يعد الله تعالى به، كيف يا شيخ؟ نعم، لأن هدى الله عبارة عن قانون موضوع وضع الكيماويات في تراكيبها.إذا أُدي هدى الله كما هو يستحيل أن لا يتحقق معه أمن ولا رخاء ولا سعادة، فإن عبث به، وقدم فيه ما شاء وأخر ما شاء لا ينفع، ولا ينتج هذا النور، ولا هذه الطاقة.

    معنى الإعراض عن ذكر الله

    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] ما معنى (أعرض) يا شيخ؟ أعطاه عرضه بمعنى استدبر، عرض الإنسان تعرفونه أو لا؟ كعرض الحائط، ما معنى أعرض؟ كان مقبلاً لما قيل: قل: سبحان الله اترك كذا أدبر، أعطاه عرضه تماماً بخلاف التفاتة يسيرة.ما ذكر الله هذا؟ هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر؟ هذه قطرة من بحر.المقصود: ذكر الله، كتابه، شرعه الذي وضع للإكمال والإسعاد في الأرض والسماء أو في الدنيا والأخرى، وصدق الله العظيم فقد أعرض المسلمون في قرون متعددة، فضلوا وشقوا.هل هناك من يرد على الشيخ؟ لقد أعرض المسلمون، وأعطوا الكتاب والسنة ظهورهم، واشتغلوا بالبدع والخرافات والأوهام والضلالات، فما بقي قال الله ولا قال رسوله، يقرءون القرآن على الموتى وفي المقابر، ويقرءون السنة ونادراً من يقرؤها للبركة، نقرأ صحيح البخاري للبركة.ضلت وشقيت أو لا؟ من يقول: لا، أما استعمرتنا هولندا في مائة مليون مسلم، في جزر جاوة في إندونيسيا، سبحان الله، هولندا كم مليون؟ هذا الشعب ثلاثة عشر مليوناً بالنساء والأطفال، أين يسكنون؟ في أوروبا، يصلون إلى العالم الإسلامي بالأولياء والعلماء، مائة مليون، ويسوسونهم، ويسودونهم، صح أو لا؟ كيف استعمرتنا بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا، السر والعلة أننا أعرضنا عن ذكر ربنا.قد نقول: ما أعرضنا باختيارنا يا شيخ، هم الذين فعلوا بنا هذا.نعم، لكن نحن أعطيناهم أعناقنا فذبحونا، رضينا بالتقسيم: المذهبية، والوطنية، والطرق، قرية واحدة نعيش فيها، فيها أكثر من سبع طرق، وكل قومي مع إخوانه كأنه عدو للآخرين في هذا العالم، هذه طرق صوفية ودينية ربانية ما هي أحزاب سياسية ولا جمعيات دنيوية.المذاهب: مذهبكم أنتم ماذا؟ والله نحن مالكية. وأنتم؟ قالوا: شافعية. وأنت من أين؟ قال: أنا أباضي. وأنت ماذا؟ قال: زيدي. وأنت ماذا؟ قال: جعفري. وأنت ماذا؟ قال: إمامي.من أين هذه الفرقة؟ آالله أمر بهذا؟ كيف فعلوا بنا ذلك؟ لأنهم أطفئوا النور من أمامنا، أي: القرآن أبعدوه وراءنا، فلما انطفأ النور عدنا حيث شئت: إلى المخامر، وإلى المزاني، وإلى الباطل والشر؛ لأننا في الظلام، وإن أردت التدليل والبرهنة: لم ما استطاعوا في عهد الصحابة وأولادهم وأحفادهم؟!أيام كانوا لا مذهبية ولا.. من أنت؟ مسلم فقط، عرفوا هذا فذبحوا هذه الأمة، فهل من عودة؟ مستحيل يا شيخ، لم مستحيل؟ القرآن خفي ونقص منه شيء، وما بقي من يفهمه؟ السنة ضاعت، ألقيت في البحر أيام الفتح أو الاستعمار؟ لا، موجودة، قال الله قال رسوله.إذاً ما المفقود؟ نحن المفقودون، ما عرفنا الله ولا قرعنا بابه، ونعود من حيث نبدأ، لا حيلة إلا أن نعود إلى بيوت الرب بنسائنا وأطفالنا وساستنا وعظمائنا من المغرب إلى العشاء وطول العام، ليلة قال الله، وأخرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.وما إن ينتفي الجهل، ويحل محله العلم، ونصبح نبصر ونرى، والله لا يبقى مذهب، ولا خلاف، ولا فرقة، ولا عداء ولا إسراف، ولا بغضاء، ولا كبر، ولا الأمراض، فكلها انتهت؛ لأن هذا العلاج رباني وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فالرسول موجود، والكتاب موجود فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59].لم لا نستطيع؟ هل هناك من يقول بالرشاش والسلاح: ممنوع دخول المسجد، لا تجلسوا فيه؟غير موجود، وإن وجد في يوم ما لفتنة وقعت؛ فإنها تزول بعد عام وعامين، وتنتهي.هل من طريق سوى هذا؟ والله لا طريق إلا هذا، حتى يرانا الله، ونبرهن، وندلل على أننا طالبو ومريدو رحمته وإحسانه، ها نحن نجتمع في بيته بنسائنا وأطفالنا ورجالنا، وأغنياؤنا كفقرائنا نتعلم الهدى.

    عاقبة الإعراض عن ذكر الله

    إذاً وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] كيف أعمى؟ أي: بلا نور، وقد شاهدتم ذاك المنظر في شاشة القرآن العظيمة يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَا تُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13] يحشر المؤمنون مع المنافقين؛ لأن المنافقين كانوا يصلون ويجاهدون فيحشرون مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا بالمؤمنين أنوار تلوح كأنوار السيارة، من وجوههم لا من عينيهم فقط، وجوه مشرقة، والنور أمامها، فيعجب المنافقون كيف؟ انظر يا أبا جميل إلي؛ حتى نقتبس من نورك، فيقال لهم: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ [الحديد:13] وهذه لدغة؛ ارجعوا وراءكم إلى الدنيا واكتسبوا النور منها بالإيمان وصالح الأعمال ما هو هنا. عرفتم هذه؟ ضربة على الرأس ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13] يرجعون كالبهائم، يرجعون إلى الوراء، وما إن ينفصلوا عن موقف المؤمنين والمؤمنات الحق حتى يحال بينهم وبينهم بسور، لا إله إلا الله فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ والأسوار تعرفونها عالية رفيعة فاصلة لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ [الحديد:13-14] يا أبا جميل، يا أعرابي أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:14-15].هذا القرآن -يا جماعة الإيمان- يقرأ على الموتى؟ يجوز؟ في المقابر تجد طلبة القرآن يقرءون بالفلوس: تعالي.. تعالي، أنا أقرأ على ابنك، وأيام كان ابنها يفجر ويفجر ويزني لا تسأل، فلما مات: اقرأ عليه القرآن حتى يدخل الجنة! قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:125-127] آمنا بالله.

    مكان هبوط آدم وحواء من الأرض

    نعود إلى الآية الكريمة قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة:38] عرفتم سبب الهبوط أو لا؟ آدم عصى وأكل الشجر، وإبليس تكبر وأبى أن يسجد فقط.قد يقول قائل: أين نزلوا؟ نزلوا بالبراشوت، أما تعرفون الطيارة عندما ينزلون شخصاً أو لا؟ ليس هناك أحد يعرف، ينزل به ملك كالبراشوت إلى أن يضعه على الأرض.واختلف في أي مكان نزل آدم وحواء، فقيل: حواء نزلت في الهند، وآدم في الحجاز، وهذه حكايات، لكن كلمة عرفة وعرفات هذه أكثر أهل التفسير يقولون: هنا تعارف آدم وحواء، أي: تم لقاؤهما بعد الفرقة؛ إذ كل هبط في منطقة، وتلاقيا هنا وتعارفا، لا يعرف زوجته؟ يعرفها، هل هناك غيرهما؟ لا أحد، فسميت عرفة، ونزل القرآن بكلمة عرفة أو لا؟ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198].والبيت بني في مكة قريباً من عرفة، لم؟ لأن آدم أصبح في وحشة، أصبح في ألم، أين كان وأين أصبح؟ كان في جوار الله، في الملكوت الأعلى فأصبح في عالم في الأرض وحده، فبنت له الملائكة الكعبة، حتى إذا احتاج إلى شيء من ربه يأتي إلى بيته يقرع بابه، يطلب، ولهذا نقول لأرباب الحاجات: إذا ما قضيت حاجتك اذهب إلى بيت ربك، والزم الباب أو الملتزم، واسأل -إن شاء الله- تعط، ذهبت ويدي كسيرة كذا شهر، والحمد لله ما عدت إلا واليد في خير وعافية، أبشركم، ذهبت الآلام.

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [البقرة:39]والكفر معاشر المستمعين والمستمعات هو الجحود، وأحياناً يكون جحود عناد، يعرف الله ولا يقول به، يعرف الدار الآخرة موقناً بها وهو ينكرها، للحفاظ على مصلحته أو مركزه أو حاله، فالتكذيب كالكفر، من كفر كذَّب، ومن كذَّب كفر، لو أن فلاناً كذب بحكم واحد من أحكام الله ويقول: لا أعترف بهذا! كفر، وكذب، وخرج من الإسلام، وهؤلاء جمعوا بين الكفر والتكذيب بآيات الله، لا بالنبي، ولا بالدار الآخرة والبعث والجزاء، بل كذبوا بآيات الله؛ لأنها تحمل الشرائع والأحكام والقوانين.وصلى الله على نبينا محمد.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (46)
    الحلقة (53)




    تفسير سورة البقرة (17)


    أنعم الله على بني إسرائيل بنعم كثيرة منها أنه أنجاهم من آل فرعون، وجعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم الكتب وغيرها ومع هذا كانوا من أجحد خلق الله وأكفرهم بتلك النعم، فناداهم الله آمراً لهم بأن يذكروا تلك النعم التي لا تعد ولا تحصى، فيشكروا الله عليها بأفئدتهم وألسنتهم وجوارحهم، ولا شك أن في هذا الأمر توجيهاً لنا نحن المسلمين بأن نذكر نعم الله ونشكره عليها؛ فنجعل حياتنا كلها لله وإلى الله.

    تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ...)

    الحمد لله نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:40-43] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    التعريف ببني إسرائيل

    من المنادي يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:40]؟الله ناداهم. بأية واسطة؟ بواسطة كتابه ورسوله، الكتاب هو هذا القرآن العظيم، والرسول الواسطة الثانية، وهو النبي الرءوف الرحيم صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.ومن هم بنو إسرائيل؟أولاد إسرائيل وبنو إسرائيل بمعنى واحد، بنو فلان أو أولاد فلان، نحن أولاد إسماعيل، قيل في ابن: ابن؛ لأنه مشتق من البناء، لأنه يوضع عليه الأب والأب فوق الأب وهكذا أو دونه كالبناء، والجمع أبناء، جمع تكسير، ويقال: (بنو) جمع سلامة، (بنو وبني) ملحق بجمع المذكر السالم.وإسرائيل: (إسرى) بمعنى عبد، و(ئيل) بمعنى الله، وإسرائيل نظيره ميكائيل .. جبرائيل .. إسرافيل، عزرائيل .. فالكل: عبد الله، سواء بعبد الله أو بعبد الرحمن أو ما إلى ذلك، وكلنا عبد الله، وإسرائيل هذا لقب وليس باسم، اسمه العلم على ذاته هو يعقوب، ووالده هو إسحاق، والجد إبراهيم؛ فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً السلام.ويعقوب هو البشارة التي جاءت في قول الله تعالى لما استضاف ثلاثة من الملائكة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل. استضافوا: أي طلبوا ضيافة إبراهيم الخليل عليه السلام، وهم في طريقهم لأداء مهمة عظيمة، ألا وهي نسف المدن، وقلبها ظهراً لبطن، والعالي إلى أسفل؛ لأن تلك المدن خمت وتعفنت بأوضار الشرك وأكبر جريمة، وهي اللواط، والعياذ بالله تعالى. وفعلاً جُعل عاليها سافلها، وأصبحت بحيرة منتنة وهي إلى الآن موجودة، واسألوا عن البحر المنتن أو الميت في فلسطين.إذاً: نزلوا ضيوفاً على إبراهيم، وقد قص الله تعالى علينا كيف أكرمهم إبراهيم؛ إذ شمر عن ساعديه، وذبح عجلاً وشواه، وقدمه مشوياً، فجاء بعجل حنيذ فقال: ألا تأكلون؟ عرض عليهم بأسلوب العرض لا العزم، العزم: كلوا، قال: ألا تأكلون. ولهذا أهل المغرب يقولون: العرض، وأهل المشرق يقولون: العزومة، تعرفون هذا أو لا؟ المغاربة يقولون: اليوم عند فلان عرضة، أنت معروض. وأهل المشرق يقولون: عزومة كذا.أيهما ألطف عزومة أو عرضاً؟بعض الناس يناسبهم العرض؛ لأن مستواه رفيع لا يستخدمه كالعبد: كل، بالقوة، (ألا تأكل). وبعض الناس يحتاجون إلى العزومة؛ لأنهم يغلبهم الحياء فإذا قيل: ألا تأكل، ألا تحضر عندنا اليوم؟ يقول: لا، حياء. فهذا يستعمل له العزم: أنت معزوم اليوم.فلما قدم العجل المشوي، المصلي، المحنوذ قال: ألا تأكلون؟ فقال جبريل عليه السلام: إنا لا نأكل طعاماً إلا بحقه. قال: فكلوه إذاً بحقه، ما عندنا مانع .. كلوه بحقه، قالوا: وما حقه؟ قال: أن تسموا الله في أوله، وتحمدوه في آخره، وأنتم أيها الآكلون لا تسمون الله ولا تحمدونه على طعامكم، فأنتم آكلون للحرام .. سرق، مغتصبون؛ أكلتم بدون إذن ربكم، هل يجوز لنا هذا؟ وعليك قبل أن تتناول الملعقة أو اللقمة أن تقول: باسم الله؛ إذ لولا أنه أذن لك ما حل لك، وإذا طعمت، وإذا رويت وشبعت قل: الحمد لله، شكراً له على إنعامه.وروي ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رفعت سفرته من بين يديه .. ) سفرة! إياك أن تفهم أنها كسفرتكم! ( ما رفعت سفرته من بين يديه إلا قال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ). طيلة حياته، ونحن مع الأسف تجد نصف المسلمين لا يعرفون بسملة ولا حمدلة، يأكلون وهم يغنون ويصفرون، من أين لهم أن يأكلوا هذا الطعام بدون إذن مالكه ومبيحه لهم، ومعينهم عليه، فلولا الله ما أكلنا، ولا قدرنا على مضغ لقمة.فلما قال إبراهيم: كلوه بحقه، وعرفهم حقه ما هو، التفت جبريل إلى ميكائيل وقالا: حق للرجل أن يتخذه ربه خليلاً.هذه جائزة نوبل، دكتوراه، (حق للرجل) أي: ثبت له، أن يتخذه ربه خليلاً، إبراهيم خليل الله أو لا؟ كيف وصل إلى هذه المرتبة؟ كيف سما إلى هذا المكان العالي؟ بهذه المعارف، عرفتم؟!وهنا بشروه بإسحاق وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]، ولا يملك هذه البشرى إلا من بلغها عن الله، وامرأته -كما تعرفون- عجوز كأمهاتنا كبيرة في السن وعقيم وعاقر، وإبراهيم بلغ الثمانين أو المائة والعشرين، فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات:29] .. وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [هود:71-72]. قالت الملائكة: قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود:73] يا ليتنا كنا منهم أهل البيت.فبشروها بإسحاق وهي -كما عرفتم- عجوز، وزوجها شيخ كبار، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71] أي: ستلدين ولداً وتسميه إسحاق، وسوف يكبر ويتزوج، ويولد له ولد اسمه يعقوب.ومن يقدر على هذه البشرى؟ هذا لا يقدر عليه إلا الله، هذا هو يعقوب الذي عقب إسحاق وجاء بعده، لقب بإسرائيل، ولا نقول: كني؛ لأن التكنية بالأب أو الأم أو الولد: أبو إبراهيم، أبو زينب، أما اللقب فقد يكون لقب رفعة، وقد يكون لقب خسة، كأنف الناقة! هل هناك من يلقب بأنف الناقة؟ هذا لقب رفعة أو لا؟ لقب حطة وخسة، ويلقب بناب الأسد.فهذا لقب ليعقوب، لقب بإسرائيل، نسب إلى الله؛ لأنه له، جاء من عنده وعاش له وإليه.فلما ولد يعقوب اثني عشر ولداً: يوسف .. بنيامين .. يهوذا.. فلان .. فلان .. رزقه الله باثني عشر ولداً، وأولئك الأولاد ما منهم أحد إلا وأصبح رئيس قبيلة .. أبو قبيلة، وهم يسمونهم بالأسباط جمع سبط.قالت العلماء: الأسباط كالقبائل عند العرب، وهؤلاء الأسباط هم بنو إسرائيل، أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الملقب بإسرائيل.عرفتم الآن من هم بنو إسرائيل؟وهل يوجدون اليوم؟ إي نعم، وهم اليهود، وسموا (اليهود) نسبة إلى يهودا أحد أبناء يعقوب، والصحيح أنهم أخذ لهم هذا الاسم من هاد يهود إذا هبط، وما زال من العوام بعضهم يقول: هود، بمعنى اهبط من السطح إلى الأرض، فهم هووا من علياء الكمال إلى سفلة المخلوقين، لماذا؟ بكفرهم .. بكذبهم .. بعنتريتهم .. بإجرامهم هبطوا.بنو إسرائيل يحافظون على نسبهم، لم ما تتزوج اليهودية غير يهودي، واليهودي لا يتزوج غير يهودية؟ لأنهم يفهمون أنهم شعب الله المختار، فلا يقبلون أن يدخل فيهم غيرهم، ويقضون ويحكمون على أن البشرية كلها نجس، وهم الأطهار، فلهذا يحلمون بأن يسودوا البشرية ويحكمونها، وقد طلعت الشمس لهم في هذا الباب، وحكم سليمان العالم .. سليمان ساد العالم الموجود في عهده.

    التذكير بنعم الله على العباد

    الآن يناديهم الرحمن الرحيم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40] وما أحرانا نحن بهذا النداء: يا أتباع النبي محمد اذكروا نعمة الله عليكم! كنتم جهلة فأصبحتم علماء .. كنتم مسودين أصبحتم سائدين .. كنتم ضلالاً أصبحتم هداة مهديين .. كنتم وكنتم، هذه نعمة الله عليكم، إنها دين الإسلام، فلا تنسوها واذكروها. هل هذا الذكر يجدي وينفع؟إي نعم، واعمل تجربة، ومن أراد أن يجرب باسم الله: أنت خال بنفسك وإن كنت في الصلاة، استعرض بصدق نعم الله عليك واذكرها، فإنك لا تلبث أن تذرف عيناك الدموع، ويقشعر جلدك.أعود فأقول: إن لذكر النعمة أثراً عظيماً وهو أنه ما تلبث أن تحمد الله وتشكره، وتثني عليه خيراً.والذين لا يستعرضون نعم الله عليهم ولا يذكرونها أنى لهم أن يشكروا الله، وإن شكروا بكلمة (الحمد لله) لكنها ليست من قلوبهم، بل من شفاههم وألسنتهم.كيف تذكر نعمة الله؟لا تتصور إلا أنك عامل أو فقير، اذكر أيام كنت كذا .. أيام حصل لك كذا .. أيام مرضت .. أيام تعرضت لكذا .. أيام .. أيام .. اذكر تلك الأيام تتجلى لك نعم الله، وتجد نفسك مضطراً لأن تقول: الحمد لله .. الحمد لله .. الحمد لله.لم ما قال تعالى: يا بني إسرائيل اشكروا نعمة الله عليكم، ولم يقل: اذكروا؟ لأنه إذا قال: اشكروا لا يستطيعون أن يشكروا، ما هم متأهلين، فقد غلبتهم الدنيا وأهواؤها وأطماعهم، لكن إذا ذكروا نعمة الله شكروا.هل أدركتم هذا المعنى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40]؟ولفظ النعمة اسم جنس، والمراد نعمى، كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] إن كانت واحدة كيف لا تحصى ولا تعد؟ لكنها نعم، فنعمة اسم جنس كلفظ الإنسان تحته بليارات الناس.

    كيفية شكر الله على النعم

    أعيد فأقول: يا عباد الله! يا مؤمنون! يا مؤمنات!من أراد أن يشكر الله فليذكر بقلبه نعمه عليه، لا يتجاهل، ولا يتناسى، ولا يغفل، ولا يعرض، يذكر النعم، فإن ذكرها يدفعه إلى شكرها.وشكر النعمة يكون أولاً بالاعتراف بها لله؛ إذ قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53]، وما بكم من نعمة صغرت أو عظمت فهي من الله.الاعتراف بأن هذا البصر، أو هذا السمع، أو هذا المنطق، أو هذا الريال، أو هذه الجلسة التي حرمها ملايين البشر، من مصدرها؟ من واهبها؟ الله، فإذا ذكرت النعمة بقلبك فسوف ينطلق لسانك بحمد المنعم وشكره: الحمد لله .. الحمد لله، وهذا ثانياً.فإذا حمد الله بعد ذكر النعمة، لا تقليداً وغفلة، عرف النعمة فقال: الحمد لله، والحمد لله رأس الشكر. فإذا كان الشكر هيكل كالإنسان أو الحيوان رأسه الحمد لله، فلهذا لا يستهينن أحدنا بكلمة: الحمد لله، على شرط أن تخرج من القلب فلا تطلقها باردة، أخرجها حارة: الحمد لله.ثالثاً: إذا كانت النعمة موجودة قائمة فمن شكرها أن تصرفها فيما من أجله أعطاكها الله.يا من اعترف بنعمة الله عليه، وبادر بحمد الله وشكره عليها! اعلم أنك خطوت خطوتين جليلتين وبقيت الثالثة وهي الأصل، فلا شكر إذا لم تصرف تلك النعمة فيما من أجله أنعم الله بها عليك.تريدون أن نعمل أو أن دروسنا كأيام مضت في القرن العاشر للبركة، جلسنا للبركة أو جلسنا لطلب العلم؟لم نطلب العلم؟ لأنه نور ولا هداية بدون نور، والواقع شاهد.من أين نطلب العلم؟ من مصدره .. من ينبوعه .. من وحي الله الذي سماه نوراً: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8].

    شكر الله على نعمة البصر

    باسم الله نبدأ بالعينين.أسألكم بالله: أنعمة البصر نعمة أو لا؟ أجل نعمة، فالذي يفقد بصره أمره إلى الله، حتى إن المؤمن إذا امتحنه الله وابتلاه ليظهر طيبه فأخذ بصره عوضه الجنة، ليس هناك عوض إلا هي.ما من عبد يأخذ الله بصره فيصبر ولا يجزع إلا كان الجزاء الجنة فقط، ما هي ألف حسنة ولا مليار، ليس له جزاء عند الله إلا الجنة.كيف نشكر نعمة البصر يا شيخ؟البصر ينطق! الجواب: لا. شكر نعمة البصر ألا تنظر فيما حرم الله عليك النظر إليه، فهذه نعمة اصرفها حيث يريد الله، انظر بها السماء والملكوت الأعلى .. انظر بها الطريق الذي تسلكه .. انظر بها الكتاب الذي تقرؤه .. انظر بها الطعام الذي تأكله، أما أن تنظر إلى أمرد تتلذذ برؤياه، أو تنظر إلى محرم من النساء، فقد صرفت النعمة فيما حرم الله، وأنت تغضب الله بهذا.يقول الله: أنا أعطيك نعمتي لتطيعني بها فإذا بك تعصيني!ولولا أن الله حليم لسلب هذا البصر، نظر متعمداً نسي ربه، وإذا ببصره انتهى. عرفتم نعمة البصر.أو تنظر إلى عاهرة ترقص أمامك، وترفع ساعديها وثدييها وأنت مغرم بها كأنك لم تعرف غيرها، ولم تكن من أهل الإسلام!لا إله إلا الله، عجب يا عرب! عجب هذا!تمر المرأة أو تشرف من سطحها أو نافذتها والإنسان يحاول، بل يريد أن يستنطقها بأذية حتى تنظر إليه وتكلمه! هذا ملكه الشيطان، سُخِّر في وجه إبليس.لعل هذا غير واقع؟! أما بلغكم قول ربكم تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، ما قال: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم، كيف يمشون إذاً؟ كيف يعملون؟ يغضون من البصر عندما تظهر المعصية، والحمد لله عندنا هذا الجفن عجب! تغمض عينيك بسهولة، لا ألم ولا تعب، وتفتح بسهولة، أرأيتم لو ما كان لنا أجفان والعيون مفتوحة فقط، كيف نطيع الله؟إذاً الحمد لله. إن شاء الله نكون من الشاكرين لهذه النعمة، خل المؤمنات يخرجن فلن ننظر إليهن.

    شكر الله على نعمة السمع

    ومن البصر إلى السمع، الآذان آلات السمع أو لا؟هذه النعمة؛ نعمة السمع جليلة وعظيمة، أرأيت الأصم الذي لا يسمع ادعه .. ناده، لا يسمع.هذه النعمة كيف نشكر الله تعالى عليها؟ألا نسمع .. ألا نصغي بآذاننا إلى كلمة تغضب ربنا، ولا يرضى بها.هل فهم السامعون والسامعات؟!فإذا سمعنا أحداً منا يغتاب، ويذكر فلاناً وفلاناً بما يسيء إليه، لا نسمع، ونغلق آذاننا.ومما هو واضح عندكم سماع أصوات المغنيات من العواهر، والتلذذ بتلك الأصوات.. آلله أذن لكم في هذا؟ أتحداكم.كيف أصبح المسلمون يتلذذون بأصوات العواهر وأغانيهن؟! لأنهم فقدوا نور الله، وكونهم مسلمين بالاسم أو لهم رغبة في الإسلام هذا غير مجد. ما عرفوا، إلى الآن تجد بين المسلمين من يقول: الأغاني ماذا فيها؟ ما فيها شيء! يقولون أو لا؟والله ما جاز لمؤمن أن يسمع امرأة تغني إلا أن تكون جاريته، أيام كان الجواري: غنِ يا جارية. لا بأس؛ يملكها ويملك صوتها، وحتى فرجها، فلا بأس، أما أن تغني امرأة لفحول الرجال، وهم يسمعون، وقد يتلذذون، إي نعم، فهذا منكر .. باطل .. حرام .. ذنب، ويتولد عن هذا الذنب موت القلوب، ثم الوقوع في الفجور، والتلطخ بالآثام والذنوب.إذاً: لا تسمع بأذنيك ما يغضب ربك: لا غيبة، ولا نميمة، ولا سخرية، ولا استهزاء بالإسلام ولا بالمسلمين، ولا كلمة الكفر، ولا ولا.. إذا سمعت من هذا النوع أغلق أذنيك، أو خذ نعلك واخرج.وجاء هذا في القرآن من سورة الأنعام: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68] فإذا جلس المؤمن مجلساً، وأخذوا يغتابون ويطعنون يأخذ نعله ويخرج، تعال تعال! لا، أو أدخل أصبعيه في أذنيه.وقد روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان في طريقه مع مولاه نافع في البراري والصحارى أيام الفتح، وإذا براعي غنم أو إبل أو بقر يزمر بالزمارة.زمارة الراعي تعرفون عنها؟ وعلى كل حال العبرة ما هي بالأسماء.فأدخل ابن عمر أصبعيه في أذنيه، وأسرع الدابة، ومشى ثم لما تجاوز المنطقة قال: هل انقطع حس الزمارة يا نافع، مولاه؟ قال: نعم. فأخرج أصبعيه من أذنيه ومشى في الطريق الهوينا، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.أما نحن فماذا نقول؟!بالمدينة النبوية والحمد لله هذا الصوت نفع الله به، مضت أيام والله يا أبنائي وإن كنت واهماً سددوني، كان الدكان من أعلاه إلى أسفله بإطار خاص كله أشرطة أغاني، هل هذا صح أما أنا أكذب؟ في لندن أم المدينة النبوية؟ هنا. دكان بالإطار الخاص، كما يقولون: ديكور. من أعلى إلى أسفل أشرطة أغاني تباع للمؤمنين والمؤمنات، كيف كنا؟ متنا أم ماذا؟الحمد لله، يخبرني بعض الإخوان: يا شيخ! لقد كانت غرفتي أو مكتبي من أعلاه إلى أسفله أشرطة أغاني، وحولتها كلها إلى أشرطة علم ومنافع.كيف تبيع أشرطة العواهر في مدينة الرسول يا أعمى؟! يا من لا قلب لك ولا ضمير؟!إذاً حفظنا أسمعانا، شكرنا ربنا، لا نسمع إلا ما فيه رضا ربنا.

    شكر الله على نعمة اللسان

    ومن السمع والبصر إلى اللسان .. إلى المنطق.اللسان نعمة أو لا؟ أرأيتم الأبكم كيف حاله؟ يشير بأصابعه ورأسه لا يستطيع أن ينطق بكلمة بله بحرف واحد، نعمة عظيمة هذه أو لا؟ نعمة عظيمة.كيف تشكر هذه النعمة؟طريق شكرها لله ألا ننطق بكلمة سوء ولا بذاء ولا فحش، هذا من حيث آدابنا، لا ننطق بالبذاء ولا بالسوء ولا بالفحش أبداً، وثانياً: لا ننطق بكلمة تسيء إلى مؤمن أو مؤمنة، أو تضر بمؤمن أو مؤمنة، أو تؤذيهما بأي نوع من الأذى، وفوق ذلك ألا نقول كلمة نكفر بها، ونخرج من دين الله كالاستهزاء بأولياء الله .. كالاستهزاء بآيات الله .. كالاستهزاء بشرائع الله .. وقد وقع في هذا كثيرون، بل ملايين ويزعمون أنهم مسلمون، ويسخرون من آيات الله ومن أولياء الله وعباد الله.إذاً: هكذا نشكر الله بألسنتنا أو لا؟والذي يغني بلسانه بألفاظ البذاء، والدعارة، والدعوة إلى الخنا، هل هذه نعمة شكرها بهذا؟هذه النعمة تشكر بالذكر، والثناء على الرب .. بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. بتعاليم الله ونشرها .. بتعليم الناس وإنقاذهم من الجهالات ووهدتها، بهذا تكون هذه النعمة قد شكرت.ومن دخل السوق والناس في شغلهم الشاغل فرفع رأسه وأرسل صوته، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير؛ كتب له مليون حسنة، وحط عنه مليون سيئة، ورفع مليون درجة .. ألف ألف كما يقول الرسول، فما عندهم لفظ المليون.أما ما يذكروه عن رسول الله: روح عن نفسك ساعة وساعة، هل هذا صحيح أو لا؟ هذا معناه صحيح، وروايته أيضاً صحيحة.لكن لمن يقال هذا الكلام؟ هل يقال لشخص يذكر الله: اترك الذكر، وغن ساعة وساعة! فهمتم، هل يقال هذا لمن يفتح التلفاز ويشاهد الراقصات يرقصن وهو ينظر ويبتسم ويقول: روح على نفسك ساعة فساعة؟!هذا يقال لمن صام ولم يفطر، وقام ولم ينم، يقال له: يا عبد الله! روح على نفسك، كل كما يأكل الناس .. اشرب كما يشربون .. استرح ساعة .. لا تواصل أربعة وعشرين ساعة وأنت تذكر .. أعط الراحة لنفسك.. عرفتم؟ هذا معنى (روح على نفسك).ليس معناه: ساعة افجر وساعة اعبد! أعوذ بالله، هذا كفر.أذن لنا في الفجور لنروح على أنفسنا؟!هذا الترويح بيناه بأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يشتغلون ثمان ساعات .. عشر ساعات، فإذا غابت الشمس ودقت الساعة السادسة، ذهبوا يروحون على أنفسهم في المراقص .. في المقاصف .. في الملاهي .. في دور السينما؛ لأنهم لا أمل لهم في السماء ولا الملكوت الأعلى، آيسون، ماذا يصنعون؟ ثمان ساعات وهم في الشغل، فإذا فرغوا من يروح عليهم؟ يذكرون الله؟! ما عرفوه. يصلون على النبي؟! ما آمنوا به. يذهبون إلى بيوت الرب؟ ما عندهم أو مغلقة، فيذهبون إلى الباطل. فهل المسلمون مثلهم؟ المفروض -والله- ما نحن بمثلهم، لكن الجهل غلب علينا فأصبحنا أيضاً إذا دقت الساعة السادسة وأغلق باب العمل نذهب إلى الملاهي؛ لأننا فقدنا النور الإلهي، ما عرفنا، وإلا المفروض والواجب إذا انتهينا من العمل الذي ما عملناه إلا لله، لا هدف إلا الله، سواء كان مصنع ينتج كذا، أو مزرعة تنتج كذا، أو متجر ينتج كذا.. ما نعمل إلا لله.يا شيخ! كيف تقول هذا؟إي والله، إنا لله، وكلنا لله، فإذا فرغنا من العمل نذهب إلى بيوت ربنا، فنروح على أنفسنا بذكر الله، والاتصال به ومناجاته، وسماع الهدى والنور النازل من عنده، لكن ما علمونا هذا، ما عرفنا.نعود إلى نعمة اللسان، واسمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم حين يسأله سائل: دلني على طريق الخير .. على ما يباعدني من النار، ويدخلني الجنة؟ فقال له: كف عنك هذا، ويشير صلى الله عليه وسلم إلى لسانه، قال: ( أو إنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ ! ) دعا عليه لجهله، لكن ما يقصد أن تموت أمه، أو تفقده هي، ( ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم؟! ) شك الراوي، وهما بمعنى واحد ( أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ).إن الكلمة أحياناً توقد نار فتنة تستمر عشرين سنة، وكلمة تقال تطلق الرجل من امرأته والمرأة من الرجل، وكلمة تقال يفصل بها شخص من عمله، وكلمة تقال فتنتج أموراً عظيمة.الكلمة هي مبدأ الخير والشر، فلهذا كف عنك لسانك يا معاذ .إذاً عرفنا شكر هذه النعمة.

    شكر الله على نعمة المال

    بقي نعمة الريال.الريال نعمة أو نقمة؟ نعمة، كلمة ريال هذه عادية .. دينار .. درهم .. ليرة.. قل ما شئت.المال نعمة، والكل يعترف، هذه النعمة شكرها أن تصرف في ما من أجله أنعم الله تعالى به عليك.إذاً: اشتر اللحم ولا تسرف .. اشتر الثوب ولا تسرف .. اشتر النعل ولا تسرف .. اشتر الفراش والغطاء ولا تسرف .. اشتر الدابة ولا تسرف.فبدل أن تشتري سيارة بأربعمائة ألف اشتر السيارة ذات الخمسين ألفاً، كذا أو لا؟ وهكذا، وعلى قدر الكساء أمد رجلي، هذا مثل عربي، ولكن تشتر بأربعمائة ألف للفخفخة والفخر والزهو، وحولك الناس في حاجة إلى ألف ريال، فكر يا عبد الله، كيف؟!إذاً كل درهم تنفقه في معصية الله كفرت به نعمة الله، وتعرضت للسلب بعد العطاء، انتبهتم؟خلاصة القول: دراهمك .. دنانيرك! إياك أن تنفق ريالاً واحداً منها في معصية الله، ولنبدأ ولا حرج بالسيجارة.تعرفو السيجارة أو لا؟السيجارة حرام، لم حرام؟ لأنها تؤذي الملائكة، ويا ويل من يؤذي ملائكة الله، كيف يسعد؟ كيف ينجو؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا ) لم يا رسول الله؟ قال: ( إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )، وقال: ( إذا أراد أحدكم أن يبصق فلا يبصق عن يمينه ولكن تحت رجليه؛ لأن عن يمينه ملكاً ).وصاحب الدخان ينفث في وجه الملك مباشرة، أعوذ بالله! أين يروح؟ أين يذهب؟يا شيخ! تقول هذا والأمة كلها تدخن؟وهذه حجة؟! سمعتم كذبة، حتى أسري عنكم: أحد المنتسبين إلى الإسلام يدعو إلى التصوف، فأتباعه قال لهم أحد الإخوان الموحدين: لم شيخكم يدخن، والسيجارة عملت في أصابعيه حمرة؟ تعرفون هذا أو لا؟ قالوا له: لقد أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في المنام. فهؤلاء يكذبون على الرسول صلى الله عليه وسلم، يخافون الحكم العام في العالم الإسلامي العلماء كلهم يقولون: الدخان حرام أو مكروه، وكلمة مكروه عندنا كالحرام، ما دام مكروهاً للمؤمنين والمؤمنات والملائكة وأهل السماء كيف إذن نستسيغه أو نجيزه؟لا أطيل .. الذين يحرقون ريالاتهم في الدخان -والله- لقد كفروا هذه النعمة، وما شكروها، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يدخن سواء كانت سيجارة أو بيارة، انتبهتم؟!أفواهن طيبة طاهرة، ويدلك لذلك المساويك في جيوبنا، لم؟ لأننا نذكر الله دائماً إلا عند الخلاء .. إذا جلسنا على المرحاض لا نذكر، ما إن نخرج من المرحاض: غفرانك ربنا وإليك المصير.هل تجد مؤمناً يعيش الساعة والساعتين لا يذكر الله؟ والله ما كان، كيف هذا؟ إلا إذا نام، فالفم الذي تجري عليه اسم الله الأعظم تخبث، وتلوثه ضد الله، وأنت تعلم لو أنك أخذت اسم (الله) مكتوباً ووضعته في مزبلة أو على حظيرة، انمسحت من دينك وإسلامك، وأصبحت كالشيطان في كفرك.إذاً التدخين حرام، والذين ينفقون مال الله فيه هؤلاء ما شكروا نعمة الله، فهم بها كافرون.وهكذا كل من ينفق ماله في حرام، كالذي يشتري شريطاً للأغاني واللهو، لا يحل هذا أبداً، أنفقت مالك فيما حرم الله عليك، وهكذا، رزقنا الله وإياكم العلم والهدى. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40] أي: حتى تشكروها؛ فإن ذكرها داع إلى شكرها، والذي ينسى النعم فلا يذكرها لا يشكرها أبداً.وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (47)
    الحلقة (54)




    تفسير سورة البقرة (18)

    أنعم الله على بني إسرائيل نعماً جليلة، منها إرساله الرسل إليهم، وإنزاله الكتب عليهم، فكان حرياً بهم أن يمتثلوا أوامر الله سبحانه، فيفوا بالعهود، ويرهبوا الله وحده، ويؤمنوا بكتبه جميعها، بما في ذلك القرآن الذي أنزله الله مصدقاً لما معهم، ومع هذا جحدوا به، وبذلوا كل ما يستطعيون في طمس معالم الحق من كتبهم سواء بالتحريف أو التأويل في سبيل الحفاظ على دنياهم، وإرضاء أهوائهم ورؤسائهم.

    تابع تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ...)

    الحمد لله نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:40-43]. معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! اذكروا أن السياق الكريم قد وقف بنا على أن هناك مؤمنين صادقين، القرآن الكريم هدى لهم وبه يهتدون. وأن هناك فريقاً آخر هم الكفار أهل النار، وأنهم والآيات تنزل منهم من توغل في الكفر والشر والفساد فختم على قلبه وعلى سمعه، وعلت بصره غشاوة فهو لا يؤمن، وقد حكم الله عليهم بأن لهم عذاباً عظيماً. وكفار مستعدون للإيمان، متى وجهت إليهم الدعوة، وبينت، ووضحت لهم نتائجها وآثارها استجابوا؛ إذ ما هناك مانع؛ لأنهم ما توغلوا في الشر، والظلم، والخبث، والفساد.وهنا بلغكم وعلمتم أن علينا ألا نواصل الذنب بعد الذنب، فاحذر يا عبد الله، واحذري يا أمة الله من مواصلة الذنب، وعجل بالتوبة خشية أن يعلو ذلك الإثم على النفس فيحجبها، ويموت العبد على سوء الخاتمة.ولهذا قالت العلماء: التوبة واجبة على الفور، لا يحل أن تقول: غداً أتوب، بمجرد ما تزل القدم فيسقط عبد الله أو أمته في الوسخ ينهض سريعاً: أستغفر الله وأتوب إليه، وبذلك يمحى ذلك الأثر، أما أن يسترسل ويواصل الجريمة فإنه قد يأتي يوم يصبح فلا يراها إلا هي.وشاهده ما علمتم من تصنيف الكفار إلى صنفين: صنف مختوم عليهم بأنهم لا يتوبون؛ لتوغلهم في الشر والفساد، وفريق ثالث هم المنافقون، ومنهم منافقو العرب من الأوس والخزرج، ومنهم منافقو اليهود؛ إذ الآيات مدنية والسورة مدنية، واليهود موجودون بالمدينة، ومنهم من ينافق.خاطب الله تعالى في مثل هذا السياق بني إسرائيل؛ لأنهم متواجدون في المدينة، ومنهم المنافقون، فقال تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:40] وهذا النداء الإلهي وجهه تعالى إلى أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وقد عرفنا أن إسرائيل معناه: عبد الله أو صفوة الله كما يقول بنو إسرائيل، وهذا لقب وليس باسم، والاسم الحقيقي هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.وهنا الخطاب يشمل بني إسرائيل قاطبة، فكل من انحدر من صلب يعقوب عليه السلام من أولاد الأسباط إلى اليوم هذا النداء صالح لهم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40].

    نعم الله على بني إسرائيل

    قد علمنا أن ذكر النعمة يساعد على شكرها، وصح هذا، وبالتجربة، فالذي يذكر النعمة يسهل عليه شكرها، بل يبادر إلى شكرها، والذي لا يذكرها ويتناساها، ولا يحدث نفسه بها أنى له أن يشكر، فالأمر بالذكر أمر بالشكر؛ لأن الشكر لا يتم إلا بذكر النعمة.وقد قلت للسامعين والسامعات: من أراد أن يبكي فليضع رأسه بين ركبتيه، ويغمض عينيه، ويستعرض نعم الله عليه منذ طفولته، فلا يشعر إلا وعيناه تذرفان بالدموع، وهو يلهج بكلمة: الحمد لله.اذكر تشكر، انس واترك لن تشكر.فهذه دل عليها هذا التوجيه الإلهي يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40].لكن ما هي النعم التي أنعم بها عليهم؟نعم لا تعد ولا تحصى، لكن من مظاهرها أنهم أبناء الأنبياء وأحفاد الرسل، وأن الله عز وجل أنجى بني إسرائيل من مهالك ومعاطب ومخازٍ لا حد لها. ومنها أنه جعل فيهم الأنبياء والرسل، فعامة الأنبياء والرسل من ولد إبراهيم عليه السلام، حتى لقب بأبي الأنبياء وهم من بني إسرائيل.وظهرت لهم دولة يا لها من دولة انتظم في سلكها العالم على عهد سليمان.التوراة كتاب الله بين أيديهم يتلونها.أقول: النعم لا تعد ولا تحصى، فذكرهم وناداهم اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40].نعمة الإيجاد، نعمة الإمداد، نعمة الخلق والرزق.. أليست هذه نعم؟!

    أمر الله لبني إسرائيل بالوفاء بالعهود والرهبة منه

    قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40] هذا خطاب سام شريف، آه لو كانوا أهلاً له، كيف لا يستحون ولا يخجلون!الله جل جلاله يقول لهم: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ، أوفوا بعهدي بأن اعبدوني وحدي، ولا تشركوا بعبادتي، (أوفوا بعهدي) آمنوا برسلي وبالأخص النبي الخاتم الذي أخذ الله الميثاق على كل نبي ورسول إذا بعث هذا النبي أن يؤمن به ويصدقه ويتبعه، فإذا أنتم آمنتم فوفيتم بعهدي وفيت بعهدكم، عهد الله لهم: العز .. السعادة .. الكمال .. الطهر .. الصفا .. الجنة دار السلام. وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40] لا ترهبوا سواي، ولا ترهبوا غيري، والرهب هو الخوف، ولكن مع نوع من الحركة البدنية، فالراهب هو ذاك الذي يرتعش من الخوف.(فارهبون) أي: لا تخرجوا عن طاعتي .. لا تفسقوا عن أمري .. لا تكذبوا برسولي .. لا تتركوا ما أنعمت به عليكم من هذه النعم فتكفروها، خافوني. وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40] كأنهم كانوا يرهبون غير الله؟ إي نعم، كانوا يخافون إذا دخلوا في الإسلام أن يغضب عليهم رؤساؤهم من الأحبار ويجالد بهم، فكانوا يخافونهم ويرهبونهم، فأرشدهم إلى أن اللائق بهم أن يرهبوا الله ولا يرهبوا سواه؛ إذ الله بيده كل شيء؛ الإسعاد والشقاء، والإذلال والإعزاز، والعطاء والمنع.. كله بيده، فكيف يرهب غيره؟ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40].
    تفسير قوله تعالى: (وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ...)
    قال تعالى: وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة:41] ما الذي أنزله مصدقاً لما معهم؟ إنه القرآن العظيم، أي: وآمنوا بالقرآن الكريم. ‏

    أمر الله لبني إسرائيل بالإيمان بما أنزل في القرآن

    وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة:41] إذ القرآن يتفق مع التوراة اتفاقاً كاملاً في العقيدة: البعث، والجزاء، والكتب، والرسل، ولقاء الله، واليوم الآخر.. كلها ثابتة في التوراة والقرآن.أما الأحكام الطارئة فقد تختلف بين عصر وعصر، وبين أمة وأخرى، فيحل الله ما شاء، ويحرم ما شاء من أجل هداية أولئك الناس الذين يحل لهم أو يحرم عليهم.أما أصول الدين والعقيدة فلا تختلف أبداً، فالقرآن مصدق لما بين يدي اليهود مما جاء في التوراة من أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الإيمان بالرسل والكتب إيمان لازم لكل مؤمن، ولا إيمان بدون ذلك، الإيمان بالبعث الآخر وما يتم وما يجري فيه من حساب وجزاء بالنعيم المقيم أو بالعذاب الأليم، فالقرآن الكريم ما تناقض أبداً مع التوراة ولا اختلف معها، بل مصدق لما فيها.إذاً: فلا معنى للكفر بالقرآن، ولا معنى أبداً للهروب من هذه الحقيقة، فما جاء القرآن لينقض عقائد الحق التي تحملها التوراة، أو ما جاء بأمر جديد خارق للعادة، بل هو جاء بموافقة ما في التوراة والإنجيل. وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة:41] دعاهم إلى الإيمان بالقرآن العظيم.كما دعاهم إلى الإيمان بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم فيما تقدم من الآيات: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، فهو دعوة إلى الإيمان بالنبوة المحمدية، وهنا طالبهم بأن يؤمنوا بالقرآن الكريم، ومن آمن بالرسول يؤمن بكتابه، ولا معنى للتفرقة.قال تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ [البقرة:41]، أنتم أهل كتاب ومستواكم فوق مستوى العرب، والعرب أميون وجهلة، وأنتم أهل الكتاب، فكيف يتأخر إيمانكم ويؤمن بالقرآن من هو من أهل الجهل وعدم العلم؟!إذاً: وكونوا أول من يؤمن، ولا تكونوا أول من يكفر.إذاً وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ [البقرة:41] أي بالقرآن العظيم؛ إذ أمرهم بالإيمان به لقوله: وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ أي: من القرآن مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة:41] واحذروا أن تكونوا أول من يكفر به وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ .

    التحذير من كتمان الحق

    قال تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:41] المراد من الآيات: آيات التوراة، وفيها نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته، وفيها ما يدعم هذه الملة الحنيفية؛ ملة إبراهيم، ولكنهم يحرفون، ويبدلون، ويغيرون، بل ويبيعونها بثمن بخس، والاشتراء بمعنى البيع، فلا تبيعوا الحق بالباطل، ولا تبيعوا الإسلام دين الحق بثمن بخس، تتلقونه من رؤسائكم وزعمائكم. وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:41] والثمن مهما كان فهو قليل، ولكن أسلوب القرآن بحسب مفاهيم الناس، وإلا الآية الواحدة تزن الدنيا بما فيها، لكن لما يصرون على الباطل ويكفرون بالحق مقابل منصب أو مقابل عطاء يتلقاه أحدهم في العام مرة من الرؤساء كان كمن باع آيات الله بثمن قليل وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا .

    أمر الله لبني إسرائيل بتقواه وحده

    وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة:41] واتقون: ترهبون، ولكن التقوى أعم، وإياي فاتقوا سخطي، وغضبي، وعذابي عليكم.بم نتقيه؟ نتقيه بالطاعة .. بالتسليم .. بالانقياد، أي: بالإيمان والعمل الصالح مع اجتناب الشرك والكفر والعمل الطالح الفاسد؛ إذ لا يتقى الله عز وجل بغير الإسلام له، والاطراح بين يديه، وذلك بقبول أمره والنهوض به، واجتناب المنهي والابتعاد عنه.هم مأمورون بأن يدخلوا في الإسلام، وبأن يؤمنوا بالله ولقائه ومحمد وكتابه، فإنهم آثروا الدنيا والأحلام التي تراودهم في أن لهم مستقبلاً زاهراً، وأن مملكة إسرائيل ستعود، فكيف نذوب وندخل في الإسلام؟وهذه حقيقة هي التي صرفتهم عن الدخول في الإسلام، فقد كانوا من قبل يحلمون بإيجاد مملكة بني إسرائيل، وقد نزحوا إلى الحجاز ونزلوا المدينة وما فوقها من المدن إلى الشام من أجل انتظار البعثة المحمدية، وعرفوا مهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وهي المدينة، وهم ينتظرون، وما إن طلعت الشمس المحمدية حتى تحركوا، وأخذوا ينتظرون، ولا يتكلمون.ويوماً بعد يوم حتى هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ورأوا إقبال العرب على الدين الإسلامي، من ثم اختنقوا، وبريقهم شرقوا، وما أطاقوا، وأعلنوا العداء في صراحة، وقالوا: إن نحن دخلنا في الإسلام انتهى وجود بني إسرائيل، لا أمل أبداً.ويدلكم للحقيقة أنه بعد مضي ألف وأربعمائة سنة أوجدوا دولة إسرائيل، فمعنى هذا أنهم كانوا يعملون لها منذ أكثر من ألفي سنة، من يوم أن سقطت على أيدي الروم أو الرومان وهم يعملون في الظلام لعودة مملكتهم، فلهذا انصرفوا عن الإسلام بعد علمهم بأنه الدين الحق، وألا سعادة للعبد إلا به، ورضوا بالعذاب، وقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران:24].رؤساؤهم يدجلون عليهم ويضللونهم: لا بأس ستدخلون النار، ولكن لمدة محدودة فاصبروا. ولهذا جاءت هذه الآيات تقول لهم: وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة:41]، فلا تتقوا الرؤساء والمسئولين عندكم، ولا ترهبوهم ولا تخافوهم، ارهبوا الله واتقوه خيراً لكم؛ لأنكم تهلكون معهم. سبحان الله العظيم! قولوا: آمنا بالله. كيف هذه الرحمة الإلهية! أقوام أعرضوا عن ذكره، وحاربوا أولياءه، وقتلوا أنبياءه، وخرجوا عن طاعته كلياً، ومع هذا يتلطف معهم، وينزل آياته لهم بل ويناديهم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [البقرة:40] يا أبناء الرجل الكريم! يا أحفاد الأنبياء! افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا.. من أجل ماذا؟ من أجل إكمالهم وإسعادهم؛ لأنهم أحفاد الأنبياء وأبناؤهم. وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة:41]. مرة أخرى: كل من باع دينه بالدنيا اشترى الرخيص بالثمن القليل، وكل من يرتد أو يخرج عن الإسلام أو يستبيح ما حرم الله ويفسق عن أمر الله من أجل الدنيا.. اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً.

    تفسير قوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون)

    قال تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة:42] اللبس: هو اختلاط شيء بشيء كلبس الثوب واختلاطه بالجسم، ولبس الحق بالباطل هو أن يوضع ثوب الحق على الباطل ويقال: هذا هو الحق.ومن هذا قولهم: إن النبي الموصوف في التوراة والمبشر به ليس محمداً صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يقول: ما زال وقته ما حان، ومنهم من يقول: هذا فلان وفلان. ويشيرون إلى أنبياء بني إسرائيل، قالوا: هذه النعوت موجودة، ولكن هذا النبي الذي أظلنا زمانه ليس هو.هذا هو اللبس والخلط، يخلطون الحق بالباطل هروباً من الحق؛ حتى يبقى لهم حلمهم في الاستقلال، ووجود الدولة، وحكم البشرية والسيادة عليها.ومن الفتاوى التي يصدق عليها هذا: أن يفتي أحد فتيا يلبس به على الناس، فيظهر الباطل في صورة الحق، أو يظهر الحرام في صورة الحلال .. وهذا كله لنا كما سنعود إليه إن شاء الله، فالسياق في هداية بني إسرائيل، ونحن أحق بذلك وأحرى وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [البقرة:42] وتخفوه وتجحدوه. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:42] وأنتم ذوو علم بهذا، وهذه الصورة أو الصفة من أقبح الصور، أن يعرف المرء الحق ثم يكتمه، لماذا يكتمه؟ قطعاً لمصالحه الدنيوية، فأهل الإيمان الحق والبصيرة لا يكتمون الحق، ولو صلبوا وقطعوا عضواً عضواً، وأحرقوا بالنار، أما المصابون بالدنس والأرجاس، والذين طغت آثامهم على قلوبهم فهم الذين يتعمدون هذا، ويكتمون الحق وهم يعلمون أنه الحق، ويجحدونه كأن لم يكن، لا لشيء إلا لمصالحهم إن صح التعبير بالمصالح، من أجل أطماعهم، وأغراضهم، وأهوائهم، وشهواتهم الدنيوية. وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [البقرة:42]، والحال أنكم ذوو علم، ولو كنتم جهلة ما تعرفون فقد يعذر الجاهل، فهناك نوع من العذر، أما على علم فهذا لا يقبل: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:42].

    تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين)

    أخيراً قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، أمرهم بإقامة الصلاة، أي صلاة هذه؟ الصلاة التي هي يصليها المسلمون حولهم ومعهم وبينهم، لا، بل صلاة اليهود التي هي عبارة عن سجود بدون ركوع. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، وهاتان قاعدتان: الصلاة والزكاة لا تفترقان أبداً، مهما ذكرتا في القرآن هما مع بعضهما البعض: الصلاة والزكاة، لم؟ لأن الصلاة عمدة للطهارة والتزكية الروحية، والزكاة عمدة للمجتمع، حتى يتماسك ويقوى على حمل رسالته، بعبارة: كالحياة والطعام والشراب، من قطع عنه الطعام والشراب مات ولم تبق له حياة.إذاً: الصلاة هي الدعامة التي تحفظ المجتمع في آدابه، وأخلاقه، وروحانيته، وهي التي تؤمنه من سائر أنواع الخبث، لقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، وإخراج الزكاة، وصرفها، وجمعها لابد منه لوجود مجتمع يعبد الله عز وجل.وأخيراً يقول لهم: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، من هم الراكعون؟ جيرانهم المسلمون، لم خص الركوع بعد ذكر الصلاة؟ لما علمتم أن اليهود يصلون بالسجود فقط، لا يركعون.وأذكركم بالوفد الذي جاء من ثقيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه قبول الإسلام، فقالوا: إننا لا ننحني، ولا نركع بين نسائنا؛ لما في ذلك من الذلة والمهانة، وما نجبي، فإذا تعفو عنا الركوع ندخل في الإسلام ونصلي، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه: لا صلاة بدون ركوع.الركوع هو الذي فيه إظهار الذلة والخنوع والخضوع لله عز وجل، فلهذا كان اليهود لا يركعون في صلاتهم، يقفون ثم يخرون ويسجدون فلا يركعون، وإلى الآن، فلهذا أرشدهم إلى أن يركعوا في جملة الراكعين.هذا معنى هذه الآيات المتعلقة ببني إسرائيل.

    علاقة أمة محمد بالآيات المخاطب بها بنو إسرائيل

    نحن ما الذين نأخذه من هذا النور؟هل نقول: هذا في بني إسرائيل، أما نحن فمن شاء أن يركع ومن شاء لا يركع، وهذا في بني إسرائيل من شاء أن يرهب ومن شاء ألا يرهب؟!الجواب: هذا كلام باطل، القرآن الكريم نور الله وروحه، لا حياة بدونه، ولا هداية بدونه، إذ قصصه عبر، يجتاز بها المصلحون والسالكون بحار الأهواء والأطماع والشهوات. ‏

    نداءات الله في القرآن لأهل الإيمان

    إذا كان الله تعالى قد نادى بني إسرائيل فنحن نادانا سبعين مرة: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ))، وما نادانا مرة إلا ليأمرنا، أو ينهانا، أو يحذرنا، أو يبشرنا، فحاشاه تعالى أن ينادي لا لشيء، وهو الحكيم العليم، نادانا بعنوان الإيمان، وهو أشرف من نداء بني إسرائيل؛ لأنهم أبناء الأولين الصالحين.إذاً: لا تقل: سبحان الله! نادى بني إسرائيل ولم ينادنا نحن، ونحن أحق بنداءات الرحمن، فقد نادانا في القرآن الكريم سبعين نداءً، وكما علمتم ما نادانا إلا ليأمرنا بما فيه كمالنا، وسعادتنا، وعزنا، وطهارتنا، وصفاؤنا، أو ينادينا لينهانا عما يهبط بنا في أخلاقنا وآدابنا وكمالاتنا .. لينهانا عما يلوث قلوبنا، ويدنس أرواحنا حتى ننزل عن مستوى الولاية التي هي أعلى درجة يريد أن نصل إليها.ينادينا ليبشرنا فتطمئن القلوب، وترتفع الأرواح والهمم لنواصل العمل.ينادينا ليحذرنا من عواقب السوء، ومن آثار الظلم والشر والفساد؛ حتى ما نتمزق، ونهلك، ونخسر.فلهذا علمتم ما قال ابن مسعود ماذا قال؟ قال: إذا سمعت القارئ يقرأ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )) فأعرها سمعك. اسمع، وحرام أن تمشي، ولا تلتفت وأنت مدعو، وإن قلت: أنا لا، إذاً: ما أنت بمؤمن؟وإذا مررت في الشارع والقرآن يقرأ في الإذاعة وسمعت: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ))، أعطها أذنك لحظة فأنت منادى، فإن أمرك بأمر فأنت فاعله، أو استعد، وإن نهاك عن رذيلة أو ظلم أو فساد، فاعزم على أن تتخلى عنه، وإن كانت بشرى فاحمد الله، وإن كانت تحذيراً فاحذر يا عبد الله، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )).

    نعم الله على أهل الإيمان من أمة محمد

    قوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40]، هل نحن ما أنعم الله علينا بشيء؟ أنعم علينا أو لا؟أما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]؟ فأية نعمة أجل من هذه النعمة وأعظم، كنا كغثاء السيل .. كنا كالحيوانات .. كالبهائم، لا نعرف الطيب ولا الخبيث، ولا الحق ولا الباطل، ولا العلم ولا الجهل، فأصبحنا علماء ربانيين، نعرف ما في الملكوت الأعلى كما نعرف ما في الملكوت الأسفل .. نعرف كل ضار وكل نافع، من النظر .. إلى الكلمة .. إلى الحركة .. إلى الحكم.أصبحنا علماء عارفين بكل ما يجري في الملكوت حاضراً ومستقبلاً.وكنا نعبد الأوهام وعبدنا الأصنام والأحجار، وإذا بنا نعبد الرحمن، وإذا بنا نقول: لا إله إلا الله، فنترفع عن كل هذا الوجود، ونربط أنفسنا بالسماء والملكوت الأعلى، فلا إله إلا الله.نعمة الإسلام أتمها الله عز وجل علينا، وأعلن عن إتمامها في يوم عرفة، في ذلك الجمع العظيم، والحفل الكبير ونزلت هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3].كان ينزل القرآن كل يوم وكل ليلة بفريضة .. بأدب .. بسنة .. بواجب .. بحقيقة .. بحكمة علمية، شيئاً فشيئاً حتى اكتمل نزول القرآن فاكتمل بذلك الإسلام، فوالله لا ينقصنا شيء في هذه الملة، إلا أننا جهلنا هذا القرآن، وابتعدنا عنه.وما من ظاهرة تظهر في الكون لو تتبعت آيات الله إلا وقفت عليها.إذاً: من الأحق بالشكر نحن أو اليهود؟ نحن، اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47]، تعرفون هذا أو لا؟

    شرف المؤمن على غيره

    اسمعوا، والله العظيم إن هذا العبد المؤمن لو وضع في كفة ميزان، ووضعت الصين، واليابان، وأوروبا، والأمريكان وكل كافر بالرحمن في كفة أخرى لرجح بهم هذا العبد المؤمن، على شرط أن يموت على الإسلام.وهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم، كان يوماً جالساً كعادتهم يجلسون في ظل الجدران، وما عندهم أسرّة، ولا كراسي، ولا زرابي، وهو بين أصحابه فمر مؤمن فقير، الثياب رثة، والمنظر مزري، والبطن جائع، فقال لهم الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( ما تقولون في هذا؟ ) قوموه يا عقلاء! وهم قادرون، ( فقالوا: هذا حري أو جدير -حقيقي- إذا خطب ألا يزوج، وإذا أمر ألا يطاع، وإذا قال لا يسمع له، فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم )، فهم أخبروه بواقع الحياة، وهو يحدثهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، حتى مر منافق من أغنياء المدينة وهو باللباس الجميل والسمت الحسن و. و. و.. كما تعرفون، فقال لهم لما مضى في الشارع وذهب: ( ما تقولون في هذا؟ قالوا: هذا حري إذا خطب أن يزوج، وإذا قال أن يسمع له، وإذا أمر أن يطاع، فقال لهم: والله لملء الأرض من هذا -انتبهتم؟- لا يزنون ذاك الذي سمعتم )، فلهذا أنا قلت لكم: الصين، واليابان، وأوروبا، والأمريكان كلهم في كفة ميزان، ومؤمن من الحاضرين في كفة لرجحت كفة المؤمن، عرفتم قيمة المؤمن؟!و عمر عندما قتل أحدهم قال: والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. هذه قيمة المؤمن، فلو تجتمع اليابان والأمريكان على قتل مؤمن ظلماً وعدواناً لقتلناهم أجمعين، إذا تمالئوا واجتمعوا عليه، وهذه قاعدة عندنا: لو يتفق أهل قرية على قتل مؤمن يقتلون كلهم، الذين شاركوا إما بالأمر أو بالأخذ باليد، أما بالقلوب فلا، فكل من قال: اقتلوه، يقتل.والشاهد عندنا قيمة المؤمن وعزته، ما السبب في فضل هذا المؤمن وفي سقوط تلك الأمم؟ السبب معروف عندنا نحن، نسيتم؟ الكافر المشرك ذنبه أنه نسف السماوات السبع وأسقطها، بل خرب الجنة، وأذهب نورها وسعادتها وأبطل النار. كيف هذا؟ لأن الله عز وجل خلق هذه العوالم كلها من أجل الإنسان، ( يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك، وخلقتك من أجلي )، فلما ترك عبادة الله، وكفر الله وعبادته كان كمن نسف الكون وخربه، كم جزاء هذا الشخص لو أردتم أن تعذبوه؟ يعذب بليارات السنين، لا يكفي.نحن نقول: لم هذا المؤمن أفضل وأشرف وأكرم عند الله من ملايين الكفار؟ الجواب: لأن هذا المؤمن عرف لم خلق، خلق ليعبد الله فهو يعبده، وأولئك خلقهم ليعبدوه فكفروا به، كيف يكون الجزاء؟!إذاً: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40].هيا نذكر نعمة الله علينا، نبدأ.

    شكر الله على نعمه

    أذكر موظفاً كان يستلم راتباً شهرياً يعيش عليه، ومؤمناً -آخر- عاملاً، يعمل الليل والنهار ليحصل على قوته، فصاحب هذا الراتب كيف يشكر الله؟ أسألكم بالله، من حقه ألا ينسى هذه النعمة أبداً، فقوته ثابت، مقدم له، غير خائف ولا مضطرب، وانظر إلى أخيه الذي يعمل حمالاً أو عتالاً أو كذا من أجل أن يحصل على قوته، فأنا أرى هذه النعمة ما تقدر، وأكثرنا عنها غافل لا يذكرها.أذكر نعمة الأمن الذي تعيشون عليه وفيه، إخوانكم في الشرق والغرب ترتعد فرائصهم، فعجلات السيارة في الشارع تؤخذ، وعين السيارة ينتزعونها، وأيدي اللصوص في جيوبهم كلما التفتوا، يركب السيارة يأخذون ماله، والبيوت يسطى عليها، وتؤخذ الأموال، ويقتل النساء والرجال، وهذا الأمن أية نعمة أعظم من هذه؟ لم ما نذكر؟ أمم ما عرفت الله، ولا وجدت من يبلغها عنه، ولا من يعرفها به، وأنتم كتاب الله بين أيديكم، وهدي الرسول في كتبكم، لم ما تشكرون هذه النعمة، فتجتمعون على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟على كل النعم لا تحصى، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، فما هو ذكرها؟ إنه شكرها، وقد قضينا درساً كاملاً في الشكر في هذه الآية وعرفنا وانتهينا إلى أننا نشكر هذه النعمة، بماذا؟ نعمة السمع فلا نسمع باطلاً ولا منكراً، سمعت كلمة منكر أغلق أذنيك، وقم من المجلس، وإلا كفرت هذه النعمة، وما شكرت الله عليها، وفي البصر لا تنظر بعينيك ما يسخط ربك عليك، فما حرم الله النظر إليه لا تنظر إليه، وإلا -والله- ما شكرت هذه النعمة، وهي أعظم نعمة.كذلك نعمة اللسان وآلة النطق، بها تنطق، وتفصح، وتعرب عن حاجاتك في بطنك وفي نفسك، فشكر هذا النعمة ألا تتلفظ بسوء .. ألا تنطق ببذاء .. ألا تسب مؤمناً .. ألا تغتاب آخر .. ألا تقول منكراً .. ألا تدعو إلى باطل، بهذه الآلة التي منحك الله إياها: اللسان.وانتهينا إلى العلم، فإذا علمت شيئاً فاحمد الله واشكره بالعمل به وبتعليمه، فالذي يعلم ولا يُعلِّم ما شكر النعمة، والذي يعلم ولا يعمل بذلك العلم -والله- ما شكر النعمة بل كفرها، أصبح كالجاهل، علم ولم يعمل، ما الفرق بينه وبين الجاهل؟ إلا أن هذا عذابه أشد، وعتابه ولومه أعظم، وإلا هو والجاهل سواء، إذ العلم ثماره العمل، فإن انعدم ما علم، هو والجاهل سواء.المال: ذكرنا أنها نعمة يجب أن نشكر الله على هذا المال، كيف نشكره؟ ألا ننفقه فيما يغضب ربنا .. ألا ننفق درهماً واحداً فيما يسخط الله، كيف يعطيك المال وتتحداه به؟! هذا خلق من أسوأ الأخلاق، أن يهبك الله نعمة والعياذ بالله تعالى وتعرض بها عنه، وتكون سبباً في غفلتك وإعراضك.إذاً: نعمة المال كنعمة العقل، وقد وهبك الله عقلاً، فلم لا يعقلك؟ حتى لا تقع في المهاوي، ولا تسقط في المهانات، ولا تتعرض للغضب والسخط؟ ما قيمت عقلك إذاً؟ العقل يعقل صاحبه من الوقوع في المهالك والمعاطب، فاستخدم عقلك، وهكذا نشكر هذه النعم التي أنعم بها علينا.

    المسلم أولى بالوفاء بالعهد من غيره

    ثم الوفاء بالعهد، عندنا عهود أو لا؟الوفاء بالعهد واجب حتمي، ونقض العهد -والعياذ بالله- ونكثه من آيات النفاق، فتعيش مع المؤمنين، وتتعاقد معهم، وتتعاهد معهم، والله ما ينقضون عهداً ولا ينكثونه أبداً، حتى لو كان بأن يفقدهم ما في أيديهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، العقود هي العهود، فمن تعاقد مع شخص يجب أن يفي بذلك، ومن عاهد شخصاً أن يلقاه في مكان كذا، أو يعطيه كذا يجب أن يوفي وإلا خان عهده، وبذلك يتعرض لسلب الله ما أعطاه.أقول: ليس بنو إسرائيل -فقط- مأمورين بالوفاء بالعهود، ونحن؟ اذكروا ما سمعتموه من قبل: أن من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقد أعطى عهداً وميثاقاً أن يعبد الله أولاً، وأن يعبده وحده ثانياً، وألا يرضى بعبادة غيره ثالثاً، قال تعالى: وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:7].فنحن أيضاً كبني إسرائيل أخذت منا عهود ومواثيق يجب أن نفي لله بها، وألا نخونها أو ننكثها، وكوننا مأمورون بأن نرهب الله وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40]، فهذا خطابه، ونحن أولى به، أن نرهب الله، لا نرهب الزوجة، ولا الولد، والحاكم، ولا الغني، ولا مصلحة دنيوية، بل نرهب الله عز وجل.بمعنى: إذا أمرتك امرأتك بأن تأتي لها بتلفاز ترقص عليه، تخاف أن تغضب عليك وتطالب بالطلاق، فارهب الله أولاً قبلها.أبناؤك قالوا: يا أبانا لابد من دش نسهر عليه، فتخافهم وترهبهم أن يخرجوا للشارع وأن يصيحوا وأن وأن.. كيف تهابهم؟مدير عملك .. رئيسك قال: لا تصل، فتخاف أن يمنع الراتب عنك أو يهينك، فتترك الصلاة، أنت مأمور بما أراد الله.الخلاصة: إذا كان الله يقول لبني إسرائيل: ارهبوني ولا ترهبوا غيري، نحن أولى بهذا، وأحق به، وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة:41]، نحن من نتقي؟ نتقي الله عز وجل ولو جعنا، ولو مرضنا، ولو سجنا، ولو قطع كل شيء منا نتقي الله ولا نتقي غيره، لم؟ لأننا إذا اتقيناه آمنا، أمننا، الذي يتقي الله يقوى مخلوق على أذيته والأخذ منه، والله وليه؟ والله ما كان، وقد تقرر عندنا: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

    حرمة لبس الحق بالباطل في هذه الأمة

    الخلط، واللبس، وإدخال الأباطيل في ديننا كالتي يأتي بها المبتدعة والمضللين فيقلبون الحق باطلاً والباطل حقاً، ويجعلون البدعة ديناً يعبد الله به، ويسترون السنة ويغطونها، أليس هذا هو بالذات: لبس الحق بالباطل؟تصدر فتاوى من بعض من ينتسبون إلى العلم فيبيحون بها الشرك الصراح الواضح باللبس والخلط، فنحن أيضاً فوق بني إسرائيل لا نلبس الحق بالباطل، الحق حق والباطل باطل، ولا يحل لأحدنا أن يخلط هذا بهذا من أجل مصلحة هوى أو دنيا أو شهوة.ثم أيضاً: لا يحل لنا كتمان الحق، فمن عرف الحق ثم استدعي ليقوله يجب أن يقوله، حتى ولو كان على أبيك أو أخيك، وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة:283]، ولو أن تشهد على ابنك بأنه سرق أو على أبيك بأنه كذا وكذا، فلا يحل كتمان الحق أبداً، سواء كان في العقيدة، أو كان في الأدب، أو كان في المال، أو في الاجتماع، ليس هذا خاصاً ببني إسرائيل، ولا تكتموا الحق وأنتم تعملونه، وتعرفون أنه حق، من أجل الحفاظ على مصلحة فانية، زائلة، لا قيمة لها.
    المسلم أولى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والركوع مع الراكعين
    أخيراً: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من أحق بهذا نحن أو اليهود؟ نحن أولى بهذا، فإقام الصلاة كإيتاء الزكاة قاعدتا الإسلام الثانية والثالثة، فتارك الصلاة كافر، ومانع الزكاة يضرب على يديه حتى يخرجها ويؤديها.وكذلك صلاة الجماعة، وَارْكَعُوا مَعَ [البقرة:43]، من؟ مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، فلهذا لا يحل لمؤمن أن يصلي بانفراد في بيته أو دكانه وهو غير مريض ولا خائف، فصلاة الجماعة واجبة ومظهر من مظهر الإسلام، مجتمع رباني يهلك من يفقد نفسه فيه، ولا يجده في هذا المجتمع، في بيوت الرب عز وجل، ولهذا المسلمون مجمعون على أن من كان غير خائف ولا مريض ينبغي أن يصلي في بيوت الله مع أوليائه ومع جماعة المسلمين.ومن يوم أن ترك المسلمون صلاة الجماعة وهم يهبطون يهبطون، حتى أصبح المجتمع الإسلامي لا فرق بينه وبين مجتمعات الكفر في كثير من المظاهر، ما علة ذلك؟ والله ترك الصلاة وصلاة الجماعة، وعندنا ضمانة من الله، وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45]، لم يا الله؟ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، فهل يقال: أقام الصلاة وهو يصليها سرقة في بيته أو في دكانه؟ بل كسرها وحطمها، ولم تقم أبداً إلا إذا أديت في بيوت الله، لم تبنى بيوت الله؟ من أجل أن يعبد الله فيها. وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، وفي جملتهم وبينهم.هذه التوجيهات الإلهية لبني إسرائيل نحن أحق بها منهم، وإن كان الخطاب لهم؛ لأنهم في المدينة وينافقون ويمكرون، ويكيدون.إذاً: فلابد من أن يبين الله تعالى لهم الطريق، ولا يهلك على الله إلا هالك، ويبقى هذا النور لنا إلى يوم القيامة، وليس خاصاً ببني إسرائيل وقد انتهى أمرهم، ومع هذا لو وجدنا إسرائيلياً أو يهودياً لقرأنا عليه هذه الآيات، فإذا اهتدى بها نجا، وإذا أعرض كما أعرض أجداده فهو من الهالكين. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (48)
    الحلقة (55)




    تفسير سورة البقرة (19)

    كان مما عاب الله على اليهود وعاتبهم عليه أنهم يأمرون غيرهم بالبر والدخول في الإسلام، ويغفلون عن أنفسهم، مع أن الأصل أن يكونوا هم السباقين لذلك لأنهم على علم، ولديهم عقول، وكونهم يخافون من رؤسائهم أو يخشون المتاعب والمصائب ليس عذراً لهم؛ إذ عليهم أن يستعينوا بالصبر والصلاة، وهذه شاقة على النفس، لا يقدر عليها إلا المخبتون لربهم، الموقنون بلقاء الله والرجوع إليه.

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:44-46]. ‏

    تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق في بني إسرائيل، وقد ناداهم الرب تبارك وتعالى نداءً تتجلى فيه مظاهر الرحمة الإلهية، والولاء، والعطاء الرباني، وقلنا: مضى بنو إسرائيل في طريقهم إلى الهاوية، ونحن نقر ونقرر أننا المنتفعون بذلك التعليم الإلهي، فاليهود أصروا على الكفر والعناد؛ لحلمهم الذي يراودهم ألا وهو إيجاد مملكة بني إسرائيل التي تسود العالم، ومشوا في هذا خطوات، ولاحت في الأفق بوادر تشير إلى أنهم قد وصلوا، إذ ما كان مسلم يفكر أو يخطر بباله أن اليهود يحتلون ديار الإسلام، ويعلنون فيها دولتهم، ألا وهي دولة إسرائيل، وعما قريب يطلقون عليها اسم المملكة، فهم فقط يحتالون، وإلا ما يرضون بدولة إسرائيل يريدون مملكة إسرائيل.ومن باب أننا نستفيد من ذلك النداء نستعرضه مرة أخرى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40]، فهل نحن ما أنعم الله علينا؟ بل نعمنا أجلُّ من نعمهم، فلم لا نذكر النعم، وننساها، ونتنكر لها؟ حتى لا نشكر الله عليها!وقد قلت لكم: ينبغي أن تخلو بنفسك دقائق، وتستعرض حياتك، فسوف تقف على نعم كثيرة أنعم الله تعالى بها عليك، فإذا عيناك تدمعان، وأنت من الذاكرين الشاكرين.

    تذكير بني إسرائيل بالوفاء بالعهود

    ثانياً: أمرهم بالوفاء بالعهد، وواعدهم أن يفي لهم.وهل نحن ما أخذ علينا عهداً؟قلت لكم: كل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فقد أعطى عهداً وميثاقاً أن يعبد الله وحده وألا يعبد معه سواه، وألا يعترف بعبادة غير الله. من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وجب أن يعبد الله، وإلا ما معنى شهادته أنه لا معبود إلا الله وهو لا يعبده، ينافق أو يسخر ويستهزئ، فيجب أن يعبد الله.
    ثانياً: أن يعبده وحده، فلا يشرك بعبادته غيره بحال من الأحوال، فمن أشير إليه أن عمله هذا من الشرك يجب أن ينتفض كالأسد ويقول: أستغفر الله. ولا يصر أبداً على الشرك، وإن كان به جاهلاً غير عالم.ثالثاً: ألا يرضى بأن يعبد غير الله، أي: لا يرضى بالشرك. أما أن يداهن المشركين، ويوافقوهم، ويبتسم معهم فهذا قد غشهم من جهة ونقض عهده من جهة، وهو الذي يشهد بأعلى صوته أن لا إله إلا الله.ثانياً: عهد آخر فمن شهد أن محمداً رسول الله وجب عليه أن يعظم رسول الله وأن يجله، ويكبره، ويحبه، ويمشي وراءه، لا عن يمينه ولا عن شماله ولا أمامه، بل لابد أن يتبع. والاتباع أن تأكل كما يأكل .. تشرب كما يشرب .. تلبس كما يلبس، وهكذا في كل شئونك، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.ودعنا من الأكل والشرب، الصلاة والعبادات ينبغي أن نأتي بها على النحو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بها، وإن كان المحبون كـابن عمر الذي كان يبحث عن المكان الذي جلس فيه رسول الله فيجلس فيه، ويبتسم ابتسامة رسول الله، وإذا نظر ينظر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الاتباع هو الذي يورث حب الله عز وجل للعبد، واقرءوا: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، المشي وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:1]، فلا رأي، ولا ذوق، ولا منطق، ولا فهم، ولا علم يحملك على أن تتقدم رسول الله وتقدم رأيك وفهمك على رسول الله، فهذا مقتضى العهد الذي أعطيته بنفسك إذ قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، قال تعالى: وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:7].

    تذكير بني إسرائيل برهبة الله وتقواه

    ثالثاً: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40]، أمرهم أن يرهبوه وحده، ونحن أيضاً مأمورون ألا نرهب إلا الله، والرهبة الخوف، لكن في معنى قشعريرة أو حركة نفسية.رابعاً: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة:41] أيضاً: فلا نتقي سوى الله، بم نتقي الله؟ بالحصون العالية؟ بالأسوار الرفيعة؟ بالجيوش الجرارة؟ بم يتقى الله يا عباد الله؟ بالإسلام له، نسلم له أي شيء؟ الوجه والقلب، فأعط وجهك وقلبك لله، وبهذا تكون قد أسلمت لله عز وجل، وبالإسلام اتقيت سخطه وعذابه ونقمه وبلاءه، وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة:41].

    تحذير بني إسرائيل من لبس الحق بالباطل وكتمان الحق

    خامساً: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة:42]، حرم عليهم التضليل والخداع، وإظهار الباطل في صورة الحق، وإظهار الحق في صورة الباطل، ليمشوا وراء أغراضهم وأطماعهم وشهواتهم، وهل يصح لنا هذا فنقول: هذا خاص ببني إسرائيل؟ وهل يجوز للمفتي أن يلبس الباطل لباس الحق ويقول: هذا هو شرع الله أو مراد الله؟لا يصح في صغيرة ولا كبيرة، فلا نخلط أبداً بين الحق والباطل، الحق حق، والباطل باطل، وإن كنا لا نعلم فنفزع إلى كلمة: الله أعلم. وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [البقرة:42]، أي: ولا تكتموا الحق، وهل يجوز لنا أن نكتم الحق؟ قلنا: لو كان الحق تعلق بأبيك وتقطع يده أو يرجم بالحجارة يجب أن تقول، ولا تكتم الحق.ومع الأسف حدث أن أصبحنا نتحيز لا للأقارب فقط بل حتى للبلاد: هذا من بلادنا، ويكتم الحق ويدافع عن الباطل؛ لأن هذا مواطن من مواطنينا، فهذه مظاهر الهبوط البعيدة المدى، فيشهد بالباطل؛ لأنه من بلاده أو موطنه.

    تذكير بني إسرائيل بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والركوع مع الراكعين

    أخيراً: أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فهل نحن غير مأمورين بهذا؟ نحن أحق بهذا.وأمرهم كذلك بصلاة الجماعة فقال: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، فهل نحن مبرءون من هذه؟ هذا خاص ببني إسرائيل: صلِّّ في بيتك وفي رحلك؟ لا والله، فلا نتأخر عن صلاة الجماعة إلا لعلة المرض أو الخوف فقط، والمرض يشمل التمريض، فكونه يمرض مريض في بيته ككونه هو مريض، والخائف إما على نفسه في الطريق، أو على ماله يؤخذ منه، أو على بيته يدخل عليه ويسلب ماله في ظروف معينة فقط، وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43].إذاً: ما كان لهم هو لنا وزيادة، ونحن أحق بهذا.
    تفسير قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ...)

    التحذير من أمر الناس بالبر وإغفال النفس عن ذلك

    يقول تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44]، هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ. أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ [البقرة:44]، أي: بالخير، ولفظ البر شامل لكل خير، ويدخل فيه الإسلام بكل تعاليمه وشرائعه، إذ كان بعضهم يأمر العرب أن يدخلوا في الإسلام، ولم لا يأمرونهم أن يدخلوا في اليهودية؟ لا، لا. اليهودية غالية، ما يريدون شعباً غير شعب بني إسرائيل يدخل معهم.وإلى الآن هل بلغكم أن اليهود فتحوا مكتباً للدعوة إلى اليهودية في أمريكا .. في بريطانيا .. في أي مكان؟ لا؛ لأنهم يحتفظون بكيانهم من أجل إقامة مملكتهم وسيادة العالم أجمع، فكان منهم من إذا استشاره الأنصار: الأوسي والخزرجي، قال له: لا بأس ادخل في الدين أحسن، وهو كذلك.وفي نفس الوقت دخول العرب في الإسلام ينفعهم أكثر مما يبقى مشركاً، كافراً جاهلاً يتخبط.وقد يسألون عن فضائل الأعمال فيرشدون: ادخل .. اعمل .. تصدق .. صل، وهذا حصل بالفعل.وإلى الآن فيما أعلم أن اليهود المواطنين في بلاد العرب ما كانوا يأمرون الناس بالفسق والفجور، بل كانوا يأمرونهم بالتقوى والطاعة، وعندنا شواهد أنهم كانوا يفضلون المتقي على الفاجر؛ للشعور الديني في نفوسهم، وحسبنا خبر الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ [البقرة:44]، ولفظ البر جامع لكل خير؛ لأن لفظ البِر مأخوذ من البَر الواسع، والبرية الواسعة، فكل خير يدخل تحت كلمة (بر). أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44]، فلا تأمرونها بالخير. أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] توبيخ آخر. وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:44]، مع الأسف والحال أنكم تقرءون كتابه الذي يأمر بالبر والخير، و أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:44]، لو كنتم أميين جهلاء ما عندكم التوراة ولا فيها كلام الله قد تعذرون، لكن أنت تقرأ الكتاب، وتجد فيه الأمر بالخير وتأمر الناس به ولا تفعله؛ اتباعاً لشهوتك وهواك أو منصبك ودخلك المالي.ونحن أيها المسلمون هل يليق بنا هذا؟!يا فلان! صل وأمر أولادك بالصلاة، وهو لا يصلي ولا يأمر أولاده بالصلاة.يا فلان! حرام عليك، عيب عليك تبيت والأغاني في بيتك والرقص، فتنهى المؤمن وأنت تبيت ترقص مع أهلك، كيف يكون ذلك؟!يا فلان! اعف لحيتك، لا تحلق. وهو حالق.يا فلان! التدخين لا يجوز وعيب، حرام، والسيجارة في جيبه.هل هذا يليق بنا؟! أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

    الترهيب من أمر الناس بالبر وإغفال النفس عن ذلك

    وقد روى أحمد رحمه الله في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مررت ليلة أسري بي )، من أين أسري به؟ من مكة إلى القدس إلى السماء السابعة إلى سدرة المنتهى، وفي عروجه حدثنا عما لاقى، ولكن عند هبوطه مر بعالم الشقاء وسبحان الله العظيم! لما عرج به مر بالسماوات ومن فيها، ودخل دار السلام وانتهى إلى سدرة المنتهى، ورأى ما رأى، وتم ذلك اللقاء مع ربه العليم الحكيم، وكافحه بالكلام لكن بدون رؤية وجه الله؛ لأن الرسول لا يستطيع ذلك، وقد طلبها موسى فما استطاع، امتحنه الله بأن ينظر إلى جبل تجلى الله له، فإذا الجبل يتفتت، وأصبح كالرمل، وصعق موسى، فأبصارنا هذه غير قادرة، وأبصارنا الآتية في الخلق الثاني يوم القيامة تقدر، أما الآن الملائكة ما تستطيع أن تراهم حولك، والجن يطوفون بكم ولا تستطيعون رؤيتهم، فكيف ترى الله عز وجل؟! ولهذا لما سئل صلى الله عليه وسلم: ( أرأيت ربك يا رسول الله؟ قال: نور أنى أراه؟ )، نور عظيم أنى أراه، ويقول: ( لو يزيل تعالى سبحات وجهه -تلك الأنوار- لاحترق ما انتهى إليه بصره )، فلهذا ثقوا واطمئنوا على أننا عاجزون، ومن ادعى أنه رأى الله عز وجل فهو كاذب، أما الرؤية المنامية فجائزة، فترى نفسك بين يدي الله يحدثك، ويأمر وينهى، لكن ما ترى الوجه الكريم، وإنما شعور أنك بين يدي الله، ولكن لا ترى ذاته المقدسة، المنزهة عن مشابهة الحوادث.والشاهد عندنا: أن تفهموا أنه لما عرج به وأسري به ما شاهد العالم الثاني، ولما رجع عائداً مر بعالم الشقاء أو عرض عليه فشاهد أحداثاً عجاباً، ومن ذلك قوله: ( مررت ليلة أسري بي برجال من أمتي تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار )، ورأى أيضاً النساء العواهر معلقات من ثُديهن، ورأى العجب، والأحاديث الصحاح هنا وهناك.( فرأيت رجالاً من أمتي تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك يأمرون بالبر وينسون أنفسهم )، كما هي الآية: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].نعم، وجد خطباء، فصحاء، بلغاء يأمرون بالبر على المنابر، ولا يأتونه خارج المنبر، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، والرؤيا حق، ( مررت ليلة أسري بي برجال من أمتي برجال تقطع شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار ) تقرض بمقاريض من نار ( فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ ) هو الدليل معه ( فقال: هؤلاء خطباء أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ).ومعنى هذا يا معاشر المستمعين والمستمعات! يا من يأمر بالبر! لا تنسَ نفسك إلا إذا عجزت وما قدرت، فـ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، أما أنك تقدر على فعل هذا الخير وتتركه ناسياً نفسك، وتأمر به غيرك، فهذه مزلة ومعرة أيضاً، وصاحبها يستحق اللوم والعتاب، وهذا بلا خلاف بين أهل الإسلام، فإذا أمرت بخير كن السباق، وإذا نهيت عن منكر كن السباق أيضاً إلى تركه، فلا يليق بالمؤمن أبداً أن يأمر بمعروف وهو قادر على فعله ولا يفعله، ولا أن ينهى عن منكر .. عن باطل .. عن شر وهو قادر على تركه ويأتيه إيثاراً لشهوته أو أطماعه في الحياة.وهنا يروى عن ابن عباس -وهو كلام معقول-: إذا كان لا يأمر بالمعروف إلا من يأتيه، ولا ينهى عن المنكر إلا من تركه، فما بقي إذن من يأمر ولا من ينهى.لكن هنا لا تتخذ هذه رخصة، فاعلم أنك تأمر وتأتي بالمعروف والبر، لكن إن حدث مرة أنك ما فعلت لعجز قام بك فلا يمنعنك عدم عملك أن تأمر بالمعروف.مثلاً: جاءت جماعة تشكو الفقر، يريدون طعاماً أو شراباً، فقمت أنت تخطب الناس وتحثهم، فمن الجائز أنك لا تملك ريالاً واحداً، فلا تقل: ما دمت أنا لا أشارك في هذا المعروف فلا أتكلم.وقد تنهى عن منكر، وهذا المنكر في بيتك وعجزت عن مقاومته أو تغييره، فهل تقول: ما دمت أنا ما استطعت في بيتي فلا أنهى الناس عن المنكر؟ لا ينبغي، وهذا الموقف دقيق.إذاً: يوبخ ويلام، ويعتب عليه، بل يعذب بعذاب الله إن لم يرحمه الله، فالذي يعرف المعروف ويحث الناس على فعله وهو يتركه مع قدرته عليه، فما تركه إلا لشهوة أو هوى أو لدنيا، كذلك الذي ينهى عن منكر وهو يأتيه ومتلبس به وهو قادر على التخلي عنه والبعد منه، ولكن خضوعاً للشهوة واتباعاً للهوى فلا يتركه، فإن هذا يقرع ويلام ويعتب عليه، وقد يكون من هؤلاء الخطباء.وفي عرض آخر: ( فرأى النبي صلى الله عليه وسلم النار وفيها رجال تبقر بطونهم .. أمعاؤهم، هم الذين كانوا يأمرون الناس بالبر ولا يفعلون ). فلهذا هذه الآية ألصق بنا من اليهود: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ .

    الإشارة إلى أهمية تلاوة القرآن وتعلم العلم

    قال تعالى: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:44]. وهنا أيضاً يجب أن يكون المؤمنون والمؤمنات يتلون كتاب الله، لم اليهود يتلون التوراة ويقرءونها ونحن ثلاثة أرباع منا لا يقرءون القرآن، ولا يعرفون كيف يتلونه؟!مع العلم أن العلم ضروري للمؤمن، وإلا ما أصبح ولياً لله، فالذي لا يعرف محاب الله، ولا مكارهه، ولا كيف يأتي المحبوب ويترك المكروه كيف تصح ولايته؟ هذا من قبيل المحال، فما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا علمه، فلابد للمؤمن والمؤمنة أن يعرف الله -أولاً- بأسمائه وصفاته، وأن يعرف -ثانياً- ما يحب من الاعتقاد والقول والعمل، وأن يعرف كيف يعمل العمل، وكيف يؤديه؛ حتى ينتج له الطاقة النورانية، أي: الحسنات، ولابد أن يعرف ما يكره الله من اعتقاد أو قول أو عمل؛ حتى يتجنب ذلك ويبتعد عنه.خلاصة القول: ما دام اليهود يلامون، ويعتب عليهم، ويقرعون وهم يتلون الكتاب، فكيف لو كانوا لا يقرءون الكتاب وهم جهلة؟! فنحن أولى بأن نتلوا كتاب الله رجالاً ونساء، ونعرف كلام الله، ومراد الله منه، فليس اليهود بأفضل منا، ولا أقدر على العلم منا.

    العاقل يسبق إلى الخير

    قال تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، وقد عرفتم أن العقل: قوة باطنية في النفس تعقل صاحبها عن الشر والمهالك والمعاطب، فإن اختلت تلك القوة، وحصل فيها رجة أو ضعف يصبح صاحبها ضعيف الإرادة، فلا يميز كثيراً بين الحق والباطل، ولا بين الخير والشر، ولا بين المعروف والمنكر، وهي نعمة من أجلَِّ النعم، ولا تكليف بدون العقل، فإذا فقد الإنسان عقله لا يخاطب بفعل ولا بترك؛ لأنه في عداد المعاتيه والمجانين، فهذه النعمة ذات وزن ثقيل؛ ولهذا يقول تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، أي: ما يضركم، وما ينفعكم، ما يرفعكم، وما يضعكم، ما يسعدكم، وما يشقيكم. تعرفون هذا؟ إذاً: كيف تلبسون هذا الثوب فتأمرون بالمعروف وتنهون عنه ولا تأتونه.

    تفسير قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين)

    ثم قال لهم: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45]، من أحق بهذا؟ نحن. وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45]، على ماذا؟ ما هي الأعمال الشاقة التي تحتاج إلى عون؟ إنها التكاليف، فلن تستطيع أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إذا لم تجد لك عوناً من الله، بل الظاهر في البلاد التي ليس فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يستطيع المواطن أن يأمر ولا ينهى، ما هناك من يعينه أو يساعده، لكن النفس والشيطان والهوى والدنيا -هذه الأربع- إذا لم يجاهدها عبد الله أو أمة الله يمزق ويخسر كل شيء.وهل يجاهدها بالحديد والنار؟ لا، هذه معنويات: حب الدنيا .. حب الشهوة .. حب الحياة، ما هو شيء يوجد خارجاً، هو في داخل الإنسان، فبأي شيء تستعين على هذه، فتقهر نفسك وتذلها وتخضعها لطاعة الله ورسوله؟ استعن بالصبر والصلاة، هذا توجيه رباني من العليم الحكيم، العليم الخبير، هو الذي وجه عبده إلى أن يفي بالوعد، وأن يرهب الله ولا يرهب سواه، وأن يتقي الله ولا يتقي سواه، وأن يقول الحق ويظهره، ولا يقول الباطل، ولا يلبسه بالحق، فهذه المواقف يستعان عليها بأي شيء؟ بالصبر والصلاة.لا تستطيع أن تأمر بالمعرف وتنهى عن المنكر إذا لم تجد عوناً لك من الله، وهو في الصبر والصلاة.وإذا لم تصبر أن تأمر شخصاً فيسبك ويشتمك فما تعاود أبداً بعد ذلك تأمر ولا تنهى، فكيف إذا صفعك صفعة فلا ترجع بعد ذلك إلى قول المعروف، مع أن عيسى عليه السلام كان يوصي الحواريين يقول لهم: إذا صفعك في خدك الأيمن أعطه خدك الأيسر. أمرته فغضب فصفعك قل له: زد من فضلك، وأعطه الخد الثاني، فإن فعلت هذا ذاب أمامك، ولان لك، واتبعك بما تأمر وتنهى.إذاً: هذا الموقف وكونك تأمر بالبر، وتدعو إليه، وتقوم به، وتسبق إليه، وأنت السابق، لابد من عون، وإلا ما تقدر، وهو أن تستعين بالصبر والصلاة.

    تعريف الصبر ومواطنه

    الصبر: هو تحمل الأذى مع نوع من الرضا، فالصبر على الأذى تتحمله، والصبر على المكروه تتحمله مع التسليم والرضا لله عز وجل.وللصبر ثلاثة مواطن:الموطن الأول: صبر على الطاعة، وهو ملازمة الطاعة، وعدم التخلي عنها بحال من الأحوال، طاعة من؟ طاعة الله، ورسوله، وأولي الأمر من المؤمنين، وهي مبينة في آية واحدة من النساء؛ لأن الله ورسوله وأمير المؤمنين لا يأمرونك إلا بما فيه خيرك وكمالك وسعادتك، وحاشاهم أن يأمروا بما يخزيك أو يذلك أو يشقيك أو يؤذيك، ثق في هذا، وأمير المؤمنين لا حق له أن يأمر إلا بأمر الله وأمر رسوله، فلهذا ما كرر الفعل، قال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، ما قال: وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأنهم لا يأمرون وينهون إلا بأمر الله ونهيه، فأمرهم ليس استقلالياً حتى يقول: وأطيعوا أولي الأمر، هم فقط يأمرون بأمر الله، وينهون بنهي الله، وأمر رسول الله، ونهي رسول الله، فيجب أن يطاعوا، فهذه الطاعة تحتاج إلى عون وهو الصبر، فلا تتململ ولا تجزع ولا تتذمر، اثبت على العبادة.الموطن الثاني: الصبر عن المعاصي.اصبر عن المعصية، أي: ابتعد عنها، أي: احبس نفسك هنا والمعصية بعيدة عنك، فلا تسمح لنفسك أن تقرب معصية الله ورسوله، احبسها، إذ الصبر معناه الحبس، يقال: قتلوه صبراً، أي: حبسوه ثم قتلوه. فاحبس نفسك بعيداً عن مواطن الخبث .. عن مواضع الشر والسوء والباطل والفساد، ولا تسمح لها أن تدخل في تلك المواطن.الموطن الثالث: الصبر على المصائب .. على المصاعب .. على النوائب .. على الكروب والشدائد، إذ أنت يا عبد الله عرضة لأن يمتحنك الله بفقد أعز ما عندك أو بأفضل ما تملك، أو .. أو.. امتحاناً لك، فإن صبرت وشكرت رفعك وأعلى شأنك، وإن أنت انهزمت، فضجرت، وسخطت على الله، وأنكرت حكمه وقضاءه، فكان من أول الأمر أنك لست بأهل للكمال، الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2]، هذا الحسبان باطل، فلابد من الافتتان والفتنة، فقط كونك تغتسل في الليلة الباردة بالماء البارد إذ لم تجد ما تسخن به، هذا ابتلاء. وكونك تدعى إلى أن تجاهد بنفسك ومالك إذا حل الجهاد ووجب، أليس هذا هو الابتلاء؟ كونك تغلق دكانك، وتأتي إلى بيت ربك لتشهد صلاة الجماعة، أليس هذا ابتلاء؟ تمر بك امرأة فتغمض عينيك ولا تفتحهما لتراها، أليس هذا ابتلاء؟ وهكذا.. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، هذا الحسبان والظن باطل، ولابد من الابتلاء.إذاً الموطن الأخير من مواطن الصبر: هو الصبر على البلاء، فلا جزع أبداً، ولا سخط على الله، ويكفيك أن تقول: ما شاء الله كان أو حسبي الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، أو إنا لله وإنا إليه راجعون إذا كانت مصيبة موت، أما أن تظهر السخط والاستنكار: لم فعل الله بي هذا؟ لماذا كذا؟ فهذا معناه هزيمة كاملة، ما صبر.

    كيفية الاستعانة بالصلاة

    هل الصلاة يستعان بها؟ نحن ما ذقنا، أنت قد تقول: نعم ذقتها، لكن قد لا نصدقك.من هم الذين يستعينون بالصلاة؟اسمع يا هذا! الذي يستعين بالصلاة هو ذاك الذي إذا تطهر، واستقبل بيت الله، ووقف بين يديه، وقال: الله أكبر، نسي الحياة كلها، والله أحياناً لا يشعر بالدنيا عن يمينه وشماله، فلا يشعر أن عن يمينه شخصاً أو عن يساره، أو أمامه أو وراءه، ينسى هذا الكون كله، ويتصل بالملكوت الأعلى، وإذا العينان تذرفان الدموع، ويقشعر الجسم، وهو كأنه في غير هذه الحياة، وهذه الحال لا يبقى معها ألم، ولا تعب، ولا خوف، ولا هم، ولا كرب، ولا حزن، ولا ولا..ولهذا قال: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، كبيرة إلا على الخاشعين، وليس معنى هذا أني أويئسكم أيها الأبناء! لا والله، باب الله مفتوح، فقط لما تتوضأ تذكر: لم توضأت؟ لما تأتي إلى المسجد: لم أتيت؟ لما تقف في مصلاك، في بيتك أو مسجدك: لمن وقفت؟ اذكر الله ولا تنس أنك له، فإذا وقفت بين يديه وقلت: الله أكبر فقد انقطعت عن الحياة كلها، وأصبحت تتحدث مع الله في ركوعك .. في سجودك .. في تلاوتك.هذه الحال التي تدوم للمؤمنين والمؤمنات؛ لأنهم في الصلاة دائماً خمس مرات رسمية في الأربع والعشرين ساعة، وقد قلت لكم: طاقة السيارة، وطاقة الطيارة، والباخرة أليست نوراً؟ أليست كهرباء؟ فإذا ضعفت تقف السيارة أو ما تقف؟ تقف، ادفعوها أيها الرجال، وكذلك هذه الآلات تندفع بهذه الطاقة، فعبد الله أو أمة الله إذا ضعفت هذه الطاقة من نفسه فشل، والله يعجز أن يأمر بكلمة معروف عجزاً كاملاً، لا يستطيع أن ينزع خاتم ذهب من يده، وهو لا ينفعه بشيء، والله لا ينفع بشيء، بل ينتفع به لو باعه واشترى خبزاً لأهله، لا يستطيع أن ينزع هذا الخاتم، والمؤمن الذي رآه الرسول في يده الخاتم فقال: ( أيعمد أحدكم إلى جمرة فيجعلها في أصبعه )، فنزع خاتم الذهب ورماه في الأرض، ومشى الرسول بعد ما أمر ونهى فقيل: ( يا فلان! خذ هذا الخاتم تنتفع به في بيتك، قال: والله ما كنت لآخذه وقد نزعه الرسول صلى الله عليه وسلم ).

    صور من أثر الاستعانة بالصلاة

    هذه الطاقة أريكم صوراً منها، ذاك الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان له أجير، يشتغل عنده في الدكان أو في البستان، وأعطاه أجرته فغضب، قال: أهنتني واستصغرتني، هذا ما يكفي. وترك الأجرة وذهب، ماذا يفعل المستأجر؟ ما كان منه إلا أن اشترى بها شاة، قال: هذه الشاة بمال فلان، قد يأتي يوم من الأيام ويأخذها، هذه الشاة ولدت شاتين، وحملت في العام مرتين، وباركها الرحمن، أربعة أعوام .. خمسة .. ستة وإذا بوادٍ كامل ملآن بالغنم، فجاء ذاك الأجير وقد اضطرته الحاجة، وألجأته الظروف: أعطني؛ أنا تركت عندك أجرة يومي أو شهري الفلاني. فقال الرجل: خذ هذه الأغنام، قال الأخير: كيف؟ أتستهزئ بي يا عبد الله؟ قال: أنا أقول لك: خذ هذه أغنامك، وهذه أجرتك، فساقها ولم يترك له شاة ولا خروفاً، من يقف هذا الموقف؟ الخاشعون في الصلاة.ذاك الشاب الذي راود ابنة عمه في بني إسرائيل، فأبت تلك المؤمنة عليه سنة كاملة حتى ألجأتها الضرورة والجوع، فخافت أن تموت من شدة الجوع، وقد كانت المجاعة غير أيامكم هذه، فلما وقفت ذلك الموقف دعته ليأخذ حاجته منها، فلما جلس منها مجلس الرجل من زوجته نظرت إليه وقالت: أما تخاف الله، تفتض خاتماً بغير حقه. فقام ترتعد فرائصه، والدموع تذرف، وترك لها المال، وذهب بعيداً عنها. هذا من أعانه على هذا؟ الخشوع في الصلاة، الاستعانة بالصبر والصلاة.ولا نذهب بعيداً إلى بني إسرائيل، هنا في مدينتنا هذه، ممكن أن يكون الآن داخل المسجد، كان في سوق التمر تمار يبيع، فجاءت امرأة مجاهد من الصحابة، ما وجدت من يشتري لها التمر لأولادها، فتلففت في خمارها وردائها وذهبت إليه، فقالت: أعطني صاع تمر أو إردب. فأعطاها وأخرجت الفلوس بيدها، وقد كان كفها أبيض، فالشيطان ألقى مسحة على ذلك الكف كأنه فلقة من قمر، وما شعر ذاك التمار -رضي الله عنه- إلا وقد أكب عليه يقبله، فنفضت يدها وقالت: أما تخاف الله؟! ففقد الرجل أعصابه، ومن السوق يصرخ بأعلى صوته ويحثو التراب على رأسه إلى أحد من غير شعوره، ثم عاد من أحد كذلك، ودخل المسجد قبل صلاة المغرب، فسأل عمر فطرده، فصبر حتى صلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين المغرب، فقال الرجل كذا وكذا. فقال: ( هل صليت معنا صلاتنا هذه؟ قال: نعم. فقال: إن الحسنات يذهبن السيئات )، وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، هذا الرجل ماذا فعل؟ زنى؟ لا والله، قتل مؤمناً؟ لا والله، سلب مالاً؟ لا أبداً، قبَّل هذه اليد في غير شعور، فالعدو غطاه وغشاه بالظلمة، فأكب يقبل هذه اليد، وهي لا تحل له. وَاسْتَعِينُوا [البقرة:45]، أيها المجاهدون المحاربون للدنيا والهوى والشهوة العارمة والشيطان اللعين، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45]، هذا إرشاد الله عز وجل وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45].

    تفسير قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون)

    قال تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:46]، هنا العقيدة، عقيدة البعث والجزاء، فالذي يهبه الله هذا المعتقد سيوقن أنه سيقف بين يدي الله، وسيستنطقه، ويستجوبه، ويجزيه بما شاء، الذي هذا المعتقد في قلبه هو الذي يستطيع أن يقف أمام الشهوات، وأمام المعاصي، وأمام الدنيا، ولا تؤثر فيه، والذي يضعف هذا المعتقد فيه، ويصبح شبه ظن فقط، لا يقوى أبداً على أن يقف أمام معصية من المعاصي، أو شهوة من الشهوات، ومعنى هذا: قووا هذه الطاقة في نفوسكم، ولا تنسوا أبداً الموت ولقاء الله عز وجل.ومن سمات الفائزين وآيات الناجحين: أن أحدهم لا ينسى الموت أبداً، تجده يأكل .. يشرب .. يبتسم .. يضحك وهو يذكر الموت، وقد جعل تعالى هذا ميزة للشرفاء وأهل الكمال إذ قال تعالى من سورة : إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46]، قراءة نافع ، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ ، أي دار هذه؟ في الرياض أو في جدة، ذِكْرَى الدَّارِ الآخرة، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بهذه الخصوصية وهي: ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46] الآخرة، فما ينسى أحدهم الدار الآخرة أبداً، إذا كان هذا دائماً نصب عيني العبد لا يستطيع أن يكب على معصية ويباشرها، إلا ما قل وندر، حين الغفلة أو استغلال العدو لنسيانه. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:46]، راجعون أو لا؟ والله لراجعون، أحببنا أم كرهنا، وها نحن ندفن إخواننا كل يوم، واحداً بعد واحد، والله لا يبقى واحد إلا الواحد الأحد، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    3,600

    افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



    تفسير القرآن الكريم
    - للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
    تفسير سورة البقرة - (49)
    الحلقة (56)




    تفسير سورة البقرة (20)

    نادى الله بني إسرائيل بذكر نعمه عليهم، والتي منها أنه فضلهم على العالمين، إذ جعل فيهم أنبياء وصلحاء، فكان عليهم مقابلة هذه النعم بالشكر، والدخول في الإسلام، وإلا فإن مصيرهم العذاب يوم القيامة، ولهذا أمرهم الله باتقاء ذلك اليوم؛ لأنه يوم عظيم، لا تقبل فيه شفاعة لكافر، ولا يؤخذ منه فداء، ولا ينصره بدفع العذاب عنه أحد.

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها إنه قريب مجيب سميع الدعاء. قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:47-48].

    حلم الله على بني إسرائيل

    معاشر المستمعين والمستمعات! قد سبق أن تلونا نداء أولياً لبني إسرائيل وهو قول ربنا تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:40-46].ما أكرم الله .. ما أرحم الله .. ما أعظم حلم الله، هؤلاء هم اليهود الذين تآمروا على قتل نبيهم في هذا المكان، إذ بنو النضير خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه رجاله من أصحابه يطالب بمقتضى الاتفاقية بينهم بمساعدة مالية؛ لسداد دية، فتآمروا وأرادوا أن يسقطوا رحى من السطح على رأسه صلى الله عليه وسلم.وهؤلاء اليهود هم الذين كانوا يقتلون سبعين نبياً في اليوم الواحد، وفي آخر النهار أسواقهم عامرة بالبيع والشراء والتجارة، كأن شيئاً ما كان.فانظر إلى رحمة الله كيف يوجه إليهم هذه النداءات.

    ذكر بعض النعم وكيفية شكرها

    قد علمنا أننا نحن أحق بهذا النداءات، ولنا أن نقول: حالنا كحال القائل: إياك أعني واسمعي يا جارة. فنحن مأمورون بأن نذكر نعمة الله علينا، والإسلام أعظم نعمة أنعم الله به علينا.نحن كنا أميين، جهلة، مشركين، ضالين، لا قيمة لنا، وما هي إلا سنيات وإذا بنا أكمل أمة، وأعزها، وأطهرها وأقواها، وأقدرها. واذكروا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].إذاً: فلنذكر هذه النعم، وما منا إلا وهو يسبح في بحر النعم، واذكروا قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]. فانظر فقط في خاصة نفسك: من وهبك سمعك؟ من وهبك بصرك؟ من حفظ عليك نطقك ولسانك؟ من حفظ عليك عقلك وجوارحك؟ من .. من؟ نِعَم.ولا أطيل في هذا الباب، فقط لنعلم أننا مطالبون بالشكر، اشكروه.واللطيفة التي علمتموها ما قال: يا بني إسرائيل اشكروا، قال: اذكروا، لأن من ذكر شكر، ومن نسي وترك لم يشكر، فمن ذكر نعمة الله عليه شكرها، ومن تجاهلها، وتغافلها، وتناساها، ولم يذكر ساعة ما أنعم الله به عليه من نعمة الإيجاد والإمداد، فهذا كيف يشكر؟!وقد جلنا في هذا المجال وعرفنا الكثير، وحسبنا أن نشير إلى بعض ذلك.نعمة المال يا أبنائي! من أجل النعم، فإياك أن تصرفها فيما يسخط المنعم جل جلاله، وعظم سلطانه.نعمة العقل من أجل النعم، فلا تستخدمها ضد الله تعالى في التفكير الباطل، والتفكير الهدام، والتفكير الضار بالإسلام والمسلمين.نعمة اللسان كذلك، فلا تنطق بكلمة من شأنها أن تسخط الله وتغضبه، وأنت تنطق بما وهبك من لسان.نذكر هذه النعم ونشكرها أولاً بالاعتراف بها في نفوسنا، ثم الإقرار بها في منطقنا، ثم حمد الله عز وجل، فلا يفارقنا كلمة الحمد لله .. الحمد لله .. الحمد لله. ثم نصرف كل نعمة في ما يحب الله تعالى أن تصرف، فنصرف هذه النعمة في مرضاته لا في سخطه.

    الأمر بالوفاء بالعهود

    أمر الله بني إسرائيل بالوفاء، ومن أحق بالوفاء بالعهود؟ نحن. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] والعهود، وإذا لم نف نحن، وننكث العهد وننقض، من يفي؟!يوجه تعالى بني إسرائيل إلى هذه الكمالات ونحن ننسى أنفسنا؟ وما من أحد منا شهد شهادة الحق وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله إلا أعطى الله عهداً وميثاقاً أن يعبده أولاً، وألا يعبد معه سواه ثانياً، وألا يعترف بعبادة غير الله بحكم شهادته القائمة على العلم: أشهد أن لا إله إلا الله، إذاً فاعبده، وإلا ما معنى شهادتك؟! لا تشرك به سواه، وإلا ما معنى قولك: لا إله إلا الله؟! ولا ترض بعبادة غيره، وإلا لا معنى لقولك: لا إله إلا الله.ومن شهد أن محمداً رسول الله يجب أن يتسلم الرسالة التي جاء بها، وأن يقرأها، وأن يعرف ما فيها، وأن يعمل بما في تلك الرسالة، وإلا ما معنى شهادة أن محمداً رسول الله؟ مع حبه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه والمشي وراءه.

    الأمر برهبة الله وتقواه

    أمر الله بني إسرائيل برهبته تعالى وبتقواه، ونحن أحق بهذا.ينبغي أن نرهب ربنا وأن نتقيه ونخافه؛ لأننا ضعفة، عجزة، مفتقرون إليه، وهو الجبار العزيز القهار، وإذا لم يرهب من يرهب؟ وإذا لم يُتقَّ الذي بيده الخير، والشر، والإعجاز، والإذلال، والعطاء، والمنع، والإماتة، والإحياء فمن يتقى؟!ولا قيمة لغير الله في التقوى، فهو يتقى لأن بيده سعادتنا وشقاؤنا، إحياءنا وإماتتنا.

    التحذير من لبس الحق بالباطل

    حذر الله بني إسرائيل من أن يلبسوا الحق بالباطل، فالتضليل، والتدجيل، والكذب، والافتراءات ليس من شأننا أبداً، وقل الحق ولو كان مراً، عرفت قل، جهلت قل: الله أعلم، أما أن تصدر فتاوى ملبسة، مختلطة، فهذا لا يصح منا أبداً، إذ وجه هذا النداء لبني إسرائيل: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة:42] نهاهم وحرم عليهم ذلك فهل نحن يجوز لنا!إذاً إن عرفت الحق اصدع به وبينه وقله، وإن ما عرفته فلا تقل كلمة فيها ريبة أو شبهة وتضلل للناس.ثم كتمان الحق معرة .. خزي .. هبوط. أتعرف الحق وتكتمه لمصلحة دنيوية؟!وإذا كان اليهود والنصارى يكتمون فنحن لا نكتم الحق، بل نظهره ولا نخفيه؛ لأن الحق به سعادة الحياة وكمالها، فإذا كتمناه حل محله الباطل، وأصبح الناس يعيشون في الباطل سواء اعتقاداً كان أو قولاً أو عملاً.

    الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

    أمر الله بني إسرائيل بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهل نحن غير مأمورين بذلك؟ عشرات الآيات التي تأمر بهذا.هل نحن نقيم الصلاة؟!أعيد هذه الكلمة: وآسفاه، واحسرتاه! استقل لنا نيف وأربعون إقليماً، وأصبحت الأقاليم الإسلامية يديرها مسلمون ويحكمها مؤمنون، ولم يؤمر بإقامة الصلاة في إقليم منها، كأنهم لا يقرءون القرآن، ولا يعرفون الإسلام، ومن رأى شيئاً فليخبرني، من إندونيسيا إلى موريتانيا.أما هذا البلد، دولة عبد العزيز فهي ربانية، لكن نقول: استقلالنا عن الغرب والشرق، وإقامة دويلات تعتز وتصول وتجول ما أمرت أمة الإسلام فيها بإقام الصلاة، لماذا؟ ما السر؟! مع أن إقام الصلاة فائدته أن يقلل من الجريمة الخُلقية والبدنية و.. كل الجرائم إقام الصلاة تقضي عليها.والله! لو أقيمت الصلاة بمعنى إقامتها في إقليم لنقصت ميزانية الأمن إلى النصف؛ لأن إضاعة الصلاة معناه فتح باب الجريمة: الخيانة، والفجور، والكذب، والشر بالمظاهر كلها، فإذا أقيمت حسبك أن تقرأ قول الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، ونقول لهم: بلغوا، هيا نمشي إلى مدير الشرطة ونقول له: يا سيادة الرئيس! أعطنا قائمة بأسماء المجرمين في هذا الأسبوع أو هذا الشهر. فيعطينا قائمة فيها مائة، وفيها: هذا سب فلاناً، وهذا ضرب فلاناً، وهذا سرق فلاناً، وهذا وهذا، من جرائم الجهال، فنقول: إن وجدنا من المائة مجرم في مدينتنا أو قريتنا نسبة أكثر من خمسة بالمائة من المقيمين للصلاة اذبحوني، وخمسة وتسعون بالمائة من تاركي الصلاة، أما المقيمون للصلاة فيتعذر أن تجد نسبة خمسة بالمائة.من يتحدى الإسلام والقرآن ويذهب يسأل؟!خمسة وسبعين بالمائة زناة . لائطون .. سرق .. كذبة .. خونة .. رشاة .. مرشيون .. كذا، من تاركي الصلاة ومن المصلين الذين لم تزك الصلاة نفوسهم، ولم توجد لهم الطاقة النورانية؛ لأنها غير صحيحة، فما تولد نور ولا حسنات.وأمرهم الله بإيتاء الزكاة، نبكي أيضاً ونصرخ: لم ما تجبى الزكاة، ويذكر المؤمنون والمؤمنات بواجبهم في إسلامهم بل بقاعدة إسلامهم؟تضرب الضرائب الفادحة في أقاليم وبلاد في العالم الإسلامي والزكاة لا يطالب بها أحد، لماذا؟ حتى لا يذكروا بأنهم مسلمون، أعوذ بالله! من يفهم هذا الفهم؟!هذا هو الواقع، أضمروا في نفوسهم أو لم يضمروا، عرفوا أو لم يعرفوا، يحكمون شعباً مسلماً حتى ولو كانوا هم كفاراً.جباية الزكاة قاعدة من قواعد دينكم، فلا بد وأن تجبوا الزكاة وتجمعوها؛ لإعاشة الفقراء والمساكين، أو لمصالح الأمة في داخلها وخارجها، أبداً.أمور تؤسف، اليهود يؤمرون بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والمسلمون لا يقرءون هذا، ولا يفهمونه.قال تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] لا صلاة للمنفرد إلا في جماعة المسلمين، وهذا نظام حياتنا، وهذا مصدر كمالنا، فلا يتخلف عن الصلاة ويصليها وحده إلا ذو عذر حقيقي من مرض أو خوف، وعلى هذا أمة الإسلام. ويؤذن المؤذن في العالم الإسلامي والشوارع هائجة مائجة بالبشر، وأحياناً ترى واحداً دخل المسجد كأنه خائن.ومن إندونيسيا إلى موريتانيا ما لنا لا نقرأ القرآن؟! الله يقول لليهود: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، لا تصلوا وحدكم في بيوتكم، صلوا مع الناس، ونحن نقول: لا، ماذا في ذلك؟ نحن مسلمون.

    الأمر بمحاسبة النفس قبل محاسبة الغير

    زاد الله بني إسرائيل فقال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] هذه تنطبق علينا أكثر منهم، خطباؤنا .. دعاتنا، قل ما شئت، وقد ذكرنا فيما سبق الحديث الذي فيه أن الرسول مر بهم في جهنم، فقد روى أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مررت ليلة أسري بي برجال من أمتي تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك، يأمرون بالمعروف وينسون أنفسهم ).لكن هل انتفع المسلمون بهذه الآية؟ كأنما هي في التوراة وليست في القرآن.يا شيخ! إنهم لا يقرءون القرآن ولا يجتمعون عليه إلا ليالي الحفلات والأموات.أزيدكم وضوحاً:لما ترانا في كل مدننا وقرانا في عالمنا الإسلامي إذا أذن المغرب فلم تر في الشارع، ولا في الدكان، ولا في مقهى ولا مطعم رجلاً أبداً، أين الرجال؟ أين الفحول؟ في بيت الرب، ومعهم نساؤهم وأطفالهم أيضاً، يجتمعون في مسجدهم في الحي أو في القرية، نساؤنا وراء الستار، والمسمعات ومكبرات الصوت بينهن، وأطفالنا أمامهن، والفحول أمام المربي، كل ليلة وطول العام، وهنا تشيع أنوار الإيمان، وتغمر أهل الحي، وتختفي الجريمة نهائياً، وتتعطل آلات الفساد والشر، وتقف وقوفاً كاملاً.ونركع مع الراكعين، هل وقع هذا في عالمنا؟نعم وقع في القرون الذهبية الثلاثة.نعم. في بداية هذه الدولة الكريمة -بإذن الله- لم تر رجلاً يمشي في الشارع وقد أذن المؤذن، والإمام يقرأ في الصبح قائمة بأسماء أهل الحي، ويجتمعون على قراءة آية أو حديث يومياً.فهل من عودة؟ لا نستطيع .. لا نقدر، كيف نغلق الدكاكين ونغلق ونغلق، ونأتي كلنا إلى المسجد؟! قالوا: هذا لا يمكن، وكيف يمكنكم أن تنزلوا الفراديس العل