بسم الله الرحمن الرحيم
"لا إرجائية إرجافية ولا خارجية تكفيرية"

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، ثم أما بعد : إن مما يجب على العبد المسلم تحقيقه في هذه الدنيا الفانية تحقيق عبادة الله تعالى بكل ما تحمله الكلمة من معنى العبودية لله تعالى وحده لا شريك له، فلا بد للعبد المسلم أن يكون عبدا لله تعالى حقا وصدقا عقيدة وعبادة لا يتلقى التكاليف الإلهية في الحياة شرعة ومنهاجا وعبادة وتشريعا إلا منه سبحانه وتعالى كما قال ابن عباس رضي الله عنه في شرح قوله تعالى :{ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} أي : [ سبيلا وسنة] رواه ابن أبي شيبة في المصنف، فلا معنى للعبادة إذا تخللها الشرك بالله تعالى أو أي ناقض من نواقض التوحيد،فإن كانت عقيدة المرء باطلة لم تنفعه عبادة والعكس صحيح فلا اعتبار لأي عبادة إلا بسلامة التوحيد من الشرك والكفر، ولا قبول لها إلا إذا كانت على السنة الصحيحة، فكل من تعبد بعبادة شركية إلا وفي قلبه عقيدة زيغ وضلال، فمستحيل أن تكون عبادته صحيحة إذا كانت عقيدته مختلة أو عبادته لغير لله أو لله ولغيره مقبولة إذا تخللها شيء لغير الله تعالى كما جاء في سنن النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ إن الله لا يقبل من العمل إلا ما له خالصا وابتغي به وجهه]، فمنهج السنة وطريقة النبوة هي السلفية الحقة التي تأخذ الاعتقاد الصحيح والمنهاج الواضح والتكاليف الربانية السليمة من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الغر الميامين رضي الله تعالى عنهم ومن انتهج منهجهم من التابعين وتابع التابعين من أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية الطائفة المنصورة إلى يوم الدين التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى أحمد وابن ماجه عن أبي عنبة الخولانى رضي الله عنه: [ لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته]، الذين ليسوا من المرجئة التي أخرت العمل عن مسمى الإيمان وأدخلت الويلات العقائدية، وسمحت لأهل الكفر بالاستمرار على كفرهم وردتهم اعتقادا وقولا عملا ترويجا منهم لأقوال وأفعال باطلة نسبوها إلى الدين ظلما وعدوانا، ظنا منهم تأويلا أو زيغا أن الذي يفعله بعض من يرتكب نواقض الإسلام لا يخرج من الدين مادام ناطقا بالشهادتين ولو فعل ما فعل من كفر وشرك وردة وانسلاخ عن الإسلام، وهذه الفرقة الضالة المضلة روجت لهذه العقيدة المنحرفة لظهور المعاصي في أمة النبي صلى الله عليه وسلم، وفتحت بفساد حالها وتدينها باب التساهل لردع المفسدين عن غيهم وقطع دابر المنحرفين عن الدين الذين تركوا الإسلام خلفهم ونبذوه وراءهم ظهريا، ولقد ساهموا كثيرا في تعطيل الدين الحنيف وظهور الانحلال في المجتمع، فتحايل الناس بسب فتاويهم و رخصهم الباطلة على إسقاط الحدود وإهدار الأركان وتبديل معالم الحلال والحرام، والتلاعب بأحكام الملة، فظهرت الرذيلة وقلت الفضيلة، وفشا الفساد في المجتمع بسبب استخفافهم أحكام الإلهية والواجبات الدينية والفرائض الربانية، وقامت طائفة من المثقفين المنحلين عقائديا ومنهجيا بإهمال الشريعة المحمدية والملة الإسلامية بدعوى العصرنة والانفتاح ودعوا إلى مؤاخاة اليهود المحاربين والنصارى الصليبيين المعتدين والمشركين الظالمين بدعوى وحدة الملل و زمالة الأديان والتقارب بين المسلم واليهودي والنصراني والمشرك والمرتد والكافر والملحد، فما بقي للإسلام بعد هذا كله ؟ وأين دين النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الخبط العقدي المنهجي المنحرف ؟ والعقيدة الإسلامية الصحيحة من هذا الفساد ؟ وأين ملة المسلمين الموحدين السلفيين ؟ ومنهج الصحابة الربانيين ومن اقتفى آثارهم من السنيين ؟ أم كيف يظهر الدين في هذه الأمة ؟ وأين منهج الولاء والبراء الذي أمر الله به في الكتاب العزيز و رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة الميمونة ونص عليه السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم في كتبهم العلمية القيمة ؟ إننا لا نريد عقيدة حبر الأوراق بل عقيدة سلامة القلب من الشرك، ونقاء اللسان والأقوال من المقالات الكفرية، وسلامة الأعمال والجوارح من أفعال الردة بعد الإيمان، والشرك بعد التوحيد الإسلام، والكفر بعد الإيمان، إننا نريد إقامة العبودية لله الواحد الديان، أليس من العيب والعار أن يعود مذهب الإرجاء القديم بثوب جديد ونحلة عصرية محدثة ؟ وفي المقابل لا نريد منهج الخوارج المكفرين لأهل التوحيد المخرجين لأهل القبلة من دائرة الإيمان بدعاوى باطلة وفتاوى منحرفة ومعتقدات غير سنية، فهذا القسم كذلك منحرف عن منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، و زائغ عن طريقة خير أمة أخرجت للناس الذين لا يكفرون أهل لا إله إلا الله إلا بنواقض التوحيد، ولا يكفرون إلا بارتكاب مبطلات الإسلام التي تخرج المسلم من زمرة المسلمين وتلحقه بالمشركين، وأهل الحق من أهل السنة والجماعة لا يخرجون المؤمنين من دائرة التوحيد بالمعاصي والكبائر كما تفعل الخوارج و من لا يخاف الله تعالى من أذنابهم، فهؤلاء الخوارج كما جاءت النصوص في ذمهم وتبديعهم سفهاء الأحلام وحدثاء الأسنان السفهاء لا علم لهم ولا حلم ولا فقه، فهم مفسدون للأمة بعقائدهم الضالة المضلة التي لا تبطل كفرا ولا تنصر إسلاما ولا تخدم دينا، فهمهم الوحيد التكفير الأعمى البدعي والهمجية الوحشية في رمي المسلمين بالكفر واستحلال دماءهم من غير قيود سنية ولا شروط نبوية ولا قواعد شرعية ولا ضوابط علمية، فهم لا يعرفون طريق الدعوة ولا منهج إنقاذ الناس من الضلال والفساد، ولا سبيل للرحمة إلى قلوبهم، لأنهم لا يحملون هم دعوة المخطئين لإصلاحهم وأمتنا من فسادها وزيغها، فلم يثبت في عصور الإسلام الزاهرة أن الخوارج ساسوا أمة بالحق أو فتحوا بلدانا أو بلغوا الدعوة إلى غيرهم من الأمم...، فأين حماة العقيدة السنية الصحيحة من فساد المرجئة والخوارج؟ فأين أنصار السنة المحمدية الصحيحة؟ أليس نصر الإسلام بالعلم النافع والعمل الصالح واجب على كل عالم قادر بالعلم والدعوة والبيان والإيضاح حتى يرتفع اللبس عن المغفلين من الفرقين؟ فأول ما يجب توضيحه لهؤلاء جميعا منهج المرسلين في الدعوة إلى توحيد رب العالمين ومنهج إقامة العبودية والإلهية على طريقة خاتم النبيين ومن سار على دربهم من العلماء الربانيين الذين جدد الله تعالى بهم الدين ونصر بهم ملة الإسلام والمسلمين والسنة سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، فأفكار هاتين الفرقتين المنحرفتين المقيتتين هدامة للإسلام ومدمرة للأمة، فهم معول مسموم في يد الشيطان قبل أعداء الله المندسين في أوساط المسلمين،فخصوم المسلمين هم المحاربون للدين والإسلام في صفهم بنية حربه من الداخل بأبناء وأهل الإسلام، فهدف أعداء الملة واضح ضرب الدين من الداخل وبتره بأهله المغفلين حتى يفرقوا جمعهم ويشتتوا شملهم لتقوم بينهم حروب لا يرفعون بها رأسا ولا تقوم لهم قائمة، فنسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم ومكرهم لأنهم هم العدو حقا كما قال الله تعالى :{ هم العدو فاحذرهم }، فالأمة لا تريد من يمنيها ويفتح لها باب الغرور والانحلال والتفسخ،ولا في المقابل من يكفرها ويشهد لها بالردة ! إنها تريد من يرحمها ويصلحها، وهي في أمس الحاجة إلى من ينقذها من غيها ويوضح لها منهج النبوة الخالص الصافي من منبعه الأصيل على طريقة أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية الطائفة المنصورة كما قال صلى الله عليه وسلم : [ على مثل أنا عليه وأصحابي ]، ومن جاء بعدهم مثل التابعين كمجاهد وطاوس وعطاء والحسن البصري وابن سيرين وابن المبارك والأوزاعي والثوري وسفيان بن عيينة أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء السلف كابن تيمية وابن القيم ومن جاء بعدهم كمحمد بن عبد الوهاب والشوكاني والصنعاني... وعبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي والعربي التبسي والمبارك الميلي [ أعضاء جمعية علماء المسلمين]...، فالأمة تريد سلفية صحيحة علمية عملية ربانية تحب الله ورسوله وتوالي أهل الإيمان وترحم أهل الإسلام وتتبرأ من أهل الشرك والكفران كاليهود والنصارى والمجوس والمشركين، لا التي ترضى عنها الأعداء على العموم، ويباركون دعا إليها ونشر مذهبها باسم التفتح والعصرنة، إننا نريد سلفية صحيحة تخدم دينها وتنشر الخير في بلدها ولا ترفع السيف على أهل القبلة والملة، فلا تريد الأمة هؤلاء (المرجئة) ولا هؤلاء (الخوارج)، إنها تريد منهج النبوة الذي أكرم الله به الأمة الإسلامية، فهذه هي سلفية الحق والوسطية والاعتدال علمية وعملية لا تنفك إحداهما عن الأخرى فهي التي جمعت أوصاف الخير وسهام العلم وملامح النصرة التي كان عليها الأسلاف والأوائل التي قال الله عنها : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}، وإن الأمة تريد من يقول لها الحق ويعلمها الحق والآداب، إنها لا نريد أن يكون الإسلام مجرد ثقافة علمية ورصيد نظري من غير حقيقة عملية ميدانية وواقعيةعملية فالدعوة تبين الحق وتشرح الدين وتوضح الملة والسلطان يقيم العدل والحدود في الأمة ويقوّم الردة ويزيل الزيغ ويمحو الاعوجاج ويحارب الفواحش وينكر المنكرات ويطمس الانحراف في المجتمع، فالأمة الإسلامية بحاجة إلى كثير من العلماء والدعاة وطلبة العلم لتعليم الناس أمر دينهم أكثر مما هم بحاجة إلى إصلاح دنياهم،وخاصة فيما يتعلق بالمسائل المهمة التي ترتبط بأمور العقيدة والإلهية والعبادة والتوحيد كشروط لا إله إلا الله، ولوازم الإيمان ومقتضيات الإسلام وأساسيات العقيدة،فتعليم الأسماء الحسنى وصفات الله العظمى على فهم السلف رضوان الله عليهم للأمة أعظم وخير من تعليمهم ما يوجهون به سهامهم إلى بعضهم من الطرفين، وكذلك تفقيه المسلمين في أمور نواقض الإيمان وقوادح الإسلام، ومبطلات التوحيد وأحكام الولاء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والبراءة من الكفر والشرك والردة والكافرين لإقامة دين رب العالمين خير من تعطيل دعوة النبيين ومحاربة منهج المرسلين وقطع الطرق على طلبة العلم والدعاة العارفين، فالواجب على طلبة العلم تدريس العقيدة الصحيحة والمنهج السني الرباني القويم وتفقيه الناس في الطرق الحكمية لإصلاح أمتنا وتقويم سياسة شرعية في التعامل مع الحق والخلق أكبر فائدة لإخراج زمرة قادرة على تحمل مسؤولية هذا الدين في المستقبل، لأن الشباب هم في الحقيقة المستقبل المنير للأمة وطاقتها الزاهرة، فهل ننسى؟ ولما ننسى؟ وكيف ننسى سموم الإرجاء المقيتة وأهلها المنحرفين ! فهل مـن الإنصاف الوجيه توجيه كل السهام إلى أفكار الخوارج المنحرفين وعقائدهم الباطلة! وننسى منهج المرجئة الفاسد المنحرف عن سواء السبيل المقابل للتكفير الأعمى والزيغ المعوج وهو أشر منه كما قال السلف رضي الله تعالى عنهم : "المرجئة أخبث من الخوارج"، فالمخرج الوحيد من المنزلقين الخطيرين هو العلم الذي يعد من أعظم أسباب السيادة والتمكين كما قال عمر رضي الله عنه : [تفقهوا قبل أن تسودوا] وخاصة في هذا الزمان نحن فيه بحاجة إلى العلم أكثر من أي وقت مضى، فالذي يجب على طلبة العلم أن يتعلموا كل ما هم بحاجة إليه من أحكام التوحيد والأمر والنهي وإقامة الحدود وأحكم الجهاد وقواعد التمكين للإسلام والمسلمين، كما يجب معرفة منهج أهل السنة في ردع البغي والضلال والمبتدعة بالطرق الشرعية الدعوية من نصح وإرشاد وتوجيه وغير ذلك من أحكام معاملة أهل البدعة والضلالة، وكيف نعمل بالسبل الشرعية لإخراج الأمة من سبات الجهل وظلمات المعاصي، وكيف نعصم الشباب الفارغ روحيا من موجة الردة والتنصير، كيف نزيل الردة ونطهر الأمة الإسلامية من غزو الكفار لها بالأفكار العلمانية الغربية ونقابل غزوهم بغزو فكري عقائدي علمي منهجي مبرمج مقابل لغزوهم علميا لإبطال ضلالهم، وكيف نوجه أمة الإسلام إلى وجوب الإعداد العلمي والعملي والتكنولوجي بجميع وسائله الشرعية لمحاربة اليهود المحاربين والنصارى المعتدين أعداء الإسلام المحاربين المتسلطين على أمتنا المسلمة في مشارق الأرض ومغاربها، وكذلك يعلمون المسلمين قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وآدابه وأحكامه ومراتبه، فنحن في زمن بزغت فيه ملاح الخير وعودة الإسلام والخلافة النبوية الشريفة بإذن الله، وقد أضاء فجرها ورب الكعبة بظهور السنة المحمدية ومنهج السلف، فلا بد على طلبة العلم أن يتعلموا ويعلموا المسلمين أحكام العزة والتمكين ولنصرة دين رب البرية لنعلم علم اليقين أن من يدع إلى المنهج السلفي الصحيح في العلم النافع والعمل الصالح يلقى الأذى من طرف المرجفين المتخاذلين من طرفي الإرجاء والخوارج، ويواجه متاعب يرمى في دعوته بأنها دعوة خارجية أو بدعية ! وما يضرك الشاب السني السلفي السني أن تكون عند هؤلاء خارجيا مبتدعا وأنت عند الله من الصالحين المصلحين الطيبين أنصار المرسلين وأتباع النبيين من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة،وفي المقابل أي شيء ينفعك أيها المغفل المسكين إن كنت تكذب على الناس وتلبس عليهم أنك سلفي وأنت عند الله من المرجئة المرجفين المتخاذلين الكاذبين الذين يلبسون ثوب الافتراء والزور بسم الدين ويحاربون دعاة السنة والجماعة وأهل المنهج الرباني ويختفون ظلما وعدوانا من وراء السنة وأهلها وعلماءها ويفسرون كلامهم المظلم كما يشاءون ويَحلُوا لهم وقد ساعدهم على هذا التلاعب حملة الناس الظالمة على المتدينين ورميهم بكل وصف شنيع في زمان الغربة! ألا فليعلم هؤلاء المرجفون أن المستنصر بغير الله على أولياءه الربانين مخذول ! والمتعاون مع أعداء الإسلام مهزوم! وأن المرجف مهما كانت هيئته وجماعته وإن طالت صولته وشوكته فإن الزمان سيكشفه ويبينه ويفضحه ويرميه كما رمى غيره لأنه لعب بالدين ومن يلعب بالدين فإن الله سينتقم منه، فنقول له لا تطب نفسا ولا تقر عينا فإن زوال أيامك قد أذنت بالتلاشي والاندثار

و كتبه
عبد الفتاح زراوي حمداش
المشرف العام لموقع ميراث السنة
http://www.merathdz.com/play.php?catsmktba=1717