القرآن الكريم في رحاب السنة المطهرة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: القرآن الكريم في رحاب السنة المطهرة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,955

    افتراضي القرآن الكريم في رحاب السنة المطهرة

    القرآن الكريم في رحاب السنة المطهرة

    ا.د.فالح بن محمد الصغير




    المقدمة







    الحمد لله رب العالمين ( الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين )( رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين )

    وأصلي وأسلم وأبارك على سيدنا رسول الله الذي كانت أكبر معجزاته القرآن الكريم ، وكان إمامه القرآن ، وكان خلقه القرآن ، وكان ربيع صدره ، ونور قلبه ، وجلاء حزنه القرآن ، فصلوات ربي وسلامه عليه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ، ورضي الله عن أصحابه وأزواجه وأتباعه الذين عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون .

    أما بعد :

    1 ــ أهمية القرآن الكريم:

    فقد أكرمنا ربنا ــ نحن المسلمين ــ بخير كتاب أنزل ، كما أكرمنا بخير نبي أرسل قال تعالى : ( لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون )[ سورة الأنبياء / 10 ] إنه الكتاب الذي لا ريب فيه ،هو الذكر الحكيم ، والسراج المبين ، وحبل الله المتين ، والصراط المستقيم ، الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن ، ولا يخلق عن كثرة الترديد ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء ، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ،أمثاله عبر لمن تدبرها ، وأوامره هدى لمن استبصرها ، شرح الله فيه واجبات الأحكام ، وفرق فيه بين الحلال والحرام ، وكرر فيه المواعظ والقصص للأفهام قال تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) [ سورة الأنعام /38 ]

    2 ــ القرآن روح الأمة:

    إن القرآن الكريم هو روح الأمة الإسلامية ، به حياتها وعزها ورفعتها ، قال تعالى مخاطبا حبيبه صلى الله عليه وسلم ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) [ سورة الشورى / 52 ]

    فالقرآن العظيم روح يبعث الحياة ويحّركها وينميها في القلوب، وفي الواقع العملي المشهود ، والأمة بغير القرآن أمة هامدة لا حياة لها ولا وزن ولا مقدار.

    3 ــ القرآن هداية:

    والقرآن العظيم هو كتاب الهداية ، ولغة الحياة ، وقصة الكون الصادقة من بدايته إلى نهايته ، بل هو تجديد لميلاد الإنسان على اختلاف الحقب وتوالي الأجيال ، ومرور الدهور والعصور ، نزل لمخاطبة النفس البشرية والأخذ بيدها ، فهو معها آمرا وناهيا ، مرشدا وواعظا ، مبشرا ومنذرا ، حارسا ومدافعا ، مصبرا ومسليا ، معلما وموجها ، سميرا وجليسا ، صديقا وأنيسا ، فهو الحياة في سموها ، والسعادة في أوجها

    كالبدر من حيث التفت رأيته يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا

    كالشمس في كبد السماء وضوءها يغشى البلاد مشارقا ومغاربا

    لقد جعله الله هداية للبشرية جمعاء يهديها إلى أفضل غاية وإلى أقوم طريق ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) [ سورة الإسراء / 9 ]

    4 ــ القرآن نور :

    والقرآن ( نور ) من الله لعباده إلى جوار نور الفطرة والعقل ( نور على نور ) قال تعالى : ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم )[ سورة المائدة / 15 ]

    وقد وصف هو نفسه بأنه نور في آيات كثيرة ، كما في قوله تعالى ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ) [ سورة النساء / 174 ]وقوله تعالى ( فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ) [ سورة التغابن / 8 ]

    ومن خصائص النور : أنه بين في نفسه ، مبين لغيره ، فهو يكشف الغوامض ، ويوضح الحقائق ، ويدحض الأباطيل ، ويدفع الشبهات ، ويهدي الحائرين إذا التبس عليهم السبيل أو عدم لديهم الدليل ، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى.

    وإذا وصف القرآن بأنه (نور ) وأنه ( النور ) فقد وصفت التوراة بلفظ آخر ( فيها هدى ونور ) كما في قوله تعالى ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) [ سورة المائدة / 44 ] وكذلك وصف الإنجيل ، فقد قال الله تعالى عن عيسى عليه السلام ( وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور )[ سورة المائدة / 46 ]

    وهذا التمييز بين التعبيرين يدل على الفرق بين القرآن وغيره من الكتب ، وهو ما عبر عنه البوصيري في لاميته فقال :

    الله أكـبر إن ديـن محمـــد وكتابه أقوى وأقوم قيلا

    لا تذكروا الكتب السوالف عنده طلع الصباح فأطفئ القنديلا

    وذلك أن هذا القرآن جاء مصدقا لما بين يديه من الكتب ، أي في أصولها العقدية والأخلاقية قبل أن تحرف ، ومهيمنا عليها ، أي مصححا لها فيما أدخل عليها من أوهام البشر وانحرافاتهم ، وفي هذا يقول الله تعالى : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه )[ سورة المائدة / 48 ].

    5 ــ حاجة العالم أجمع إلى القرآن الكريم :

    إن العالم كله في حاجة إلى نور القرآن ، لتصان كرامة الإنسان الذي صار في عصرنا هذا أرخص شيء في دنيا الناس ، العالم في حاجة إلى القرآن ليكون الحق والعدل أساسا في معاملة الإنسان للإنسان

    وما أحوج المسلمين في هذا الزمن إلى القرآن ، ذلك أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا قضايا عصرهم وزمانهم إلا بالقرآن العظيم ، يعتصمون به في روابطهم ، ويقيمون أحكامه في حياتهم ، ويجاهدون به أعداءهم ، ويصلحون به دنياهم ، ويستقبلون به آخرتهم ، ولقد اقتضت سنة الله تعالى في خلقه أن يكون اتباعهم القرآن الكريم سببا لنجاتهم ، قال تعالى : ( فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) [ سورة طه / 123 ، 124 ]

    6 ــ كيف يتحقق الاتباع الحق للقرآن الكريم:

    وإن الاتباع الحق للقرآن الكريم ، والتطبيق السليم لتوجيهاته وأوامره ، لفرع عن الفهم الصحيح والفقه السليم ، فليس هناك أفضل من أن نفهم عن الله مراده منا ، وما أنزل القرآن إلا لنتدبره ، ونفقه أسراره ، ونحكمه في كل شأن من شؤون حياتنا.

    7 ــ أفضل حديث عن القرآن ما جاء عن رسول الله :

    وأفضل وأكرم من تحدث عن القرآن الكريم ــ إشادة بفضله وفضائله ، وتفسيرا لآياته وبيانا لمعانيه ــ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال ابن أبي حاتم " إن الله عز وجل ابتعث محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء ، وجعله موضع الإبانة عنه ، فقال : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) [ النحل / 44 ]وقال عز وجل ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ) [ النحل 64 ] فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين عن الله عز وجل أمره ، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس ، وما أراد الله عز وجل به وعنى فيه ، وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسننه التي سنها ، وأحكامه التي حكم بها ، وآثاره التي بثها "(1).

    وقال الإمام الشاطبي " السنة إنما جاءت مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه ، ولذلك قال تعالى ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) [ النحل 44 ] وقال ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) [ المائدة / 67 ] وذلك التبليغ من وجهين :تبليغ الرسالة وهو الكتاب ، وبيان معانيه ، وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم ، فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانا للكتاب ، هذا هو الأمر العام فيها ... "(2).

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية " فإن قال قائل : فما أحسن طرق التفسير ؟ فالجواب : إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن ، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر ، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر ، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة ، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي : كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن ، قال تعالى ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ) [ النساء / 105 ] وقال تعالى ( وأنزلنا لإليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) [ النحل / 44 ] وقال تعالى ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) [ النحل / 64 ] ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه )(3). يعني السنة ، والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى ، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك ، والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه ، فإن لم تجده فمن السنة "(4).

    واتباعا لهذا المنهج في علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم من حيث اشتمالها على بيان فضائل القرآن الكريم ، وتفسير آياته ، والحديث عن قراءاته ، فقد عني علماء الحديث عبر القرون المختلفة بجمع هذه المرويات التي تخدم القرآن الكريم من خلال هذه الجوانب التي ألمحنا إليها ، فمنهم من صنف في التفسير بالمأثور استقلالا : كالثوري ، ومالك بن أنس ، ووكيع بن الجراح ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني ، والفريابي ، وابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، والإمام أحمد بن حنبل ، وعبد بن حميد ، والدارمي ، وابن ماجه القزويني ، وبقيي بن مخلد ، وابن جرير الطبري ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ الأصبهاني ، وابن شاهين ، وابن مردويه ، والإمام البغوي ، والإمام السيوطي(5).

    ومنهم من ضمّن كتابه الذي صنفه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مرويات التفسير ، وفضائل القرآن ، وقراءاته : كسعيد بن منصور في سننه ، والإمام أحمد في مسنده ، والإمام البخاري في جامعه ، والإمام الترمذي في جامعه ، والإمام النسائي في سننه الكبرى ، والإمام الحاكم في مستدركه ، والإمام ابن الأثير في كتابه الماتع جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، والإمام الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد .

    واقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام ، وسيرا على دربهم ، ورغبة في التعايش مع القرآن الكريم من خلال السنة المطهرة ، وخدمة لأحبابنا الذين يتواصلون ليل نهار مع شبكة السنة النبوية المطهرة ، فقد عقدنا العزم مستعينين بالله تعالى مستمدين منه الحول والقوة في التعايش مع القرآن الكريم ــ فضائله ، تفسيره ، قراءاته ــ من خلال هذه الأيقونة الجديدة ، وسنحرص بإذن الله تعالى في ذكر الأحاديث على المقبول منها دون المردود ، وسنجمع في تناولنا لها وعرضنا إياها على جانبي الرواية والدراية معا ، فذلك من وجهة نظرنا أثرى في العرض وأعم في الفائدة التي نتغياها للقارئ الكريم ، فإن وفقنا في ذلك فلله الفضل والمنة ، وإن كانت الأخرى فحسبنا أننا اجتهدنا والمجتهد مأجور أصاب أم أخطأ .



    فضائل القرآن الكريم:

    في السنة النبوية المطهرة حديث عن فضائل القرآن الكريم من خلال ثلاث زوايا: الأولى : أحاديث تتحدث عن فضائل القرآن الكريم عامة .

    الثانية : أحاديث تتحدث عن فضائل بعض سور القرآن الكريم .

    الثالثة : أحاديث تتحدث عن فضائل بعض آياته .

    وتحت هذا العنوان الذي عنونا به لهذا الباب سنعرض بإذن الله تعالى للأحاديث المتعلقة بفضائل القرآن الكريم عامة ، أما الأحاديث المتعلقة بفضائل بعض سور القرآن الكريم ، أو المتعلقة بفضائل بعض آياته فستأتي بإذن الله تعالى في موضعها في الباب الثاني المتعلق بتفسير السنة للقرأن الكريم ، إذ الأمر يقتضينا حين نعرض للأحاديث المتعلقة بتفسير أي سورة أن نعرض لما ورد في فضل السورة أولا ، ثم حين نعرض للأحاديث المتعلقة بتفسير بعض الآيات فيها أن نعرض لزاما للأحاديث الوارد في فضلها إذا كانت هناك أحاديث تتعلق بفضلها بطبيعة الحال ، وهذا ما تقتضيه المنهجية العلمية من ناحية ، وحفاظا على عدم تشتيت القارئ من ناحية أخرى ، والله نسأل أن يرزقنا التوفيق والسداد .



    (1) الجرح والتعديل 1 / 1 ــ 2 .

    (2) الموافقات 3 / 230 .

    (3)أخرجه ابو داود ، كتاب السنة ، باب في لزوم السنة ( 4604 ) وأحمد ( 4 / 131 ) وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ( 12 ) وسنده صحيح

    (4) مجموع الفتاوى 13 / 363 .

    (5)انظر تفصيل ذلك : التفسير النبوي للدكتور خالد الباتلي 1 / 92 ــ 105






  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,955

    افتراضي

    القرآن الكريم في رحاب السنة المطهرة

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (2)

    خير الحديث والكلام كتاب الله تعالى




    عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش ، يقول : أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة .... )

    أولا : تخريجه :
    أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الجمعة ، باب تخفيف الصلاة والخطبة ( 867 )والنسائي في سننه ، كتاب صلاة العيدين ، باب كيف الخطبة ( 1578) وابن ماجه ، المقدمة ، باب اجتناب البدع والجدل ( 45 ) وغيرهم .
    ثانيا : معناه :
    الشاهد في هذا الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم ( فإن خير الحديث كتاب الله ) وهو يتوافق مع قول الله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [ الزمر / 23 ]
    فالقرآن الكريم حديث الله إلى عباده وكلماته إليهم ، فأي حديث أحسن من حديث الله ؟ وأي كلام أكرم وأطيب من كلام الله ؟
    قال الإمام القرطبي :" لما قال سبحانه (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) بين أن أحسن ما يسمع ما أنزل الله وهو القرآن .
    قال سعد بن أبي وقاص : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو حدثتنا ، فأنزل الله عز وجل ( الله نزل أحسن الحديث ) فقالوا: لو قصصت علينافنزل : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) [ يوسف / 3 ] ، فقالوا : لوذكرتنا فنزل : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) [ الحديد / 16 ](1) .
    والحديث ما يحدث به المحدِّث ، وسمي القرآن حديثا ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث به أصحابه وقومه ، وهو كقوله (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) [ الأعراف / 185 ] وقوله (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ) [ النجم / 59 ] وقوله (إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) [ الكهف / 6 ] وقوله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً) [ النساء / 87 ](2)
    فالقرآن الكريم أحسن الحديث وخير الكلام أنزله الله كتابا متشابها، إنه متشابه في جلال قدره ، وعلو منزلته ، وسمو معانيه ، إنه الحق في آياته وكلماته ، فهو على درجة واحدة في كماله وجلاله،ويستحيل صدوره عن النفس البشرية ، لأنه ليس فيه شيء من طباع هذه النفس ، وطبع النفس منعكس في كلامها ، وتستطيع أن تستخرجه من هذا الكلام ، وخصوصيات كل نفس مودعة في كلامها ، وإنك لتعرف كل ذي كلام من كلامه ، ولهذا قالوا : تكلم لأعرف من أنت ، وقالوا :
    وفي الصمت ستر للغبي وإنما صحيفة لب المرء أن يتكلما
    والقرآن العظيم ليس فيه شيء من هذه الأحوال ، ولا من هذه الخصوصيات ، لا تجد فيه ريح النفس الإنسانية ، ولا تجد فيه نفس الإنسان ،وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) [ النساء / 82 ]، أي لاعتراه ما يعتري كلام البشر من الاختلاف ، والتنوع ، والتلون ، فتختلف عليه القوة والضعف ، والسداد والاختلال ، وغير ذلك مما هو في كلام الناس ، ومما هو في طباعهم التي هي لا محالة كائنة في كل ما يصدر عنهم، وقد أدرك ذلك فحول العرب أهل الفصاحة والبيان ، وذلك حين كان يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوافدين منهم للحج القرآن الكريم ، يسمعهم ما جاء به صلى الله عليه وسلم ، وكان كثير منهم يقول له عليه السلام : أعد ، فيعيد ، فيقول : ليس هذا من كلام أهل الأرض ، أي ليس مصدره الإنسان ، وما دام ليس من كلام أهل الأرض ، كذلك بلاغته ليست من بلاغة أهل الأرض(3) .
    وقوله ( مثاني ) : جمع مثنى ، وذلك بما فيه من بيان للأمور وأضدادها ، كالإيمان والكفر ، والهدى والضلال ، والخير والشر ، والحسنات والسيئات ، والجنة والنار .. والقرآن الكريم في الحالين ، هو على مستواه العالي من الكمال والجلال .. فالحديث عن الكفر مثلا،معجز إعجاز الحديث عن الإيمان،لأن هذا وذاك من الله تعالى. إن اللفظ القرآني ( أحسن الحديث ) أو اللفظ النبوي ( خير الحديث كلام الله ) جاءا بأفعل التفضيل ( أحسن ، أو خير ) وهو يفيد أن غير حديث الله أو غير كلام الله قد يكون حسنا ، لكن أحسن الحديث على الإطلاق ، وأحسن الكلام على الإطلاق هو القرآن الكريم ، وإذا كانوا يقولون : كلام الملوك ملوك الكلام ، فكيف بكلام مالك الملك وملك الملوك سبحانه الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، إنه ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة ، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة ، ومتى وعدت من كرم الله تعالى جعلت الثغور تضحك في وجه الغيوب ، وإن أوعدت بعذاب جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب ، وصدق الله إذ يقول : (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ).
    تعدد وجوه الحسن في خير الحديث وأحسنه :
    وجوه الحسن ونواحي الجمال والكمال في خير الحديث وأحسنه كثيرة ومتعددة ، وقد تكلم عنها الكثيرون من العلماء عبر العصور المختلفة ، والقرون المتوالية .
    وعلى تفنن واصفيه بحسنه يفنى الزمان وفيه ما لا يوصف
    وهذا طرف مما جادت به قرائحهم ، وسطرته أيديهم :
    منها : حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة .
    ومنها : صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظما ونثرا ، حتى حارت فيه عقولهم ، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك ، وتقريعه لهم على العجز عنه .
    والمقصود بسياقه وأسلوبه صورته العامة ، من كونه سورا ، منها الطوال والقصار والمفصل ، ثم تأليف هذه السور من آيات وفواصل ، ولم يعهد العرب كلاما كهذا ، وإنما كلامهم : شعرا ورجزا وخطبا ووصايا .
    ومنها : ما اشتمل عليه من الأخبار عما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب ، وقد دلنا الله سبحانه على أن هذا وجه من وجوه إعجازه في آيات كثيرة ، مثل قوله تعالى :(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ )[ آل عمران / 44 ] وقوله سبحانه :( وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ* وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)[ القصص / 44، 45 ] فقد نفت الآيات عنه صلى الله عليه وسلم العلم بشيء من ذلك ولكنه الوحي.
    ومنها : الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي ، وبعضها بعده .
    ومنها : الروعة التي تحصل لسامعه .
    ومنها : أن قارئه لا يمل من ترداده ، وسامعه لا يمجه ، ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة ولذاذة ، مع تيسير حفظه لمتعلميه ، وتسهيل سرده لتاليه .
    ومنها : أنه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا .
    ومنها : جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضي عجائبها ، ولا تنتهي فوائدها(4)
    ومنها : روحانية القرآن الكريم فالقرآن ــ كما يقول الأستاذ محمد فريد وجدي ــ روح من أمر الله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) [ الشورى / 52 ] فهو يؤثر بهذا الاعتبار تأثير الروح في الأجساد ، فيحركها ويتسلط على أهوائها ، وأما تأثير الكلام في الشعور فلا يتعدى سلطانه حد إطرابها والحصول على إعجابها ، فقوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً) يكفي وحده في إرشادنا إلى جهة إعجاز القرآن ، وقصور الإنس والجن عن الإتيان بمثله ، وبقائه إلى اليوم معجزة خالدة تتلألأ في نورها الإلهي ، وتتألق في جمالها القدسي ، ذلك لما كان القرآن روحا من أمر الله ، فلا جرم كانت له روحانية خاصة هي عندنا جهة إعجازه، والسبب الأكبر في انقطاع الإنس والجن عن محاكاة أقصر سورة من سوره ، وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه ، وناهيك بروحانية الكلام الإلهي ، نعم ! إن جهة إعجاز هذا الكتاب الإلهي الأقدس هي تلك الروحانية العالية التي قلبت شكل العالم ، واكتسبت تلك الطائفة القليلة العدد خلافة الأرض في أرضه وأرغمت لهم معاطس الجبابرة والقساورة ، ووطأت لهم عروش الأكاسرة والقياصرة ، حتى صاروا ملوك الملوك وإخوان الملائكة في مدة لا يصعب عد سنيها على الأصابع (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)[ غافر / 15 ]لا مشاحة من أن القرآن فصيح قد أخرس بفصاحته فرسان البلاغة ، وقادة الخطابة ، وسادات القوافي ، وملوك البيان ، وهو حكيم بهر سماسرة الحكمة والفلسفة ، وأدهش أساطين القانون والشريعة ، وحير أراكين النظام والدستور ، وهو حق ألزم كل غال الحجة ، ودل كل باحث على المحجة ، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وهو هدى ورحمة ونور وشفاء لما في الصدور .... ، كل هذه صفات جليلة تؤثر على العقل والشعور والعواطف والميول ، فتتحكم فيها تحكم الملك في ملكه ، ولكنه فوق ذلك كله روح من أمر الله ، تصل من روح الإنسان إلى حيث لا تصل إليه أشعة البلاغة والبيان ، ولا سيالات الحكمة والعرفان ، وتسري من صميم معناه إلى حيث لا يحوم حوله فكر ولا خاطر ، ولا يتخيله خيال شاعر ، هذه الروحانية تنفذ إلى سر سريرة الإنسان وسويداء ضميره ، وتستولي منها على أصل حياته ومهب عواطفه وإحساساته ، وتخلقه خلقا جديدا ، وتصوره بصورة لا يتخيلها ، ولو قيلت له لما أدركها.
    ألا ترى كيف فعلت بأولئك العرب الذين لبثوا ألوفا من السنين على حالة واحدة لايتحولون عنها ولا يسأمون منها ! فنفحتهم بروح عالية قاموا بواسطتها يُحمِّلون الملوك سلطتهم ، ويُطوِّقون القياصرة بطوق سطوتهم ، ولم يُتموا جولتهم هذه حتى دانت لهم المعمورة من أقصاها إلى أقصاها ، أي برهان على تبدل أراوحهم أكبر من هذا ؟ قوم كانوا بالأمس ممزقين مشتتين ، لا تجمعهم رابطة سياسية ، ولا قومية ، بل ولا دينية ، في أخشن مواقع الأرض وأجدبها ، وأبعدها عن النظام والحكمة ، والآمال العظيمة والفتوحات ، يقومون بعد سنين قليلة من بعثة نبيهم ، ينشرون الفضل والفضيلة والكمال في أرجاء هذا العالم المضطرب ، ووسط هذه الفتن المزعجة ، أي حجة أكبر من هذه الحجة على أن القرآن روح إلهي وأمر سماوي؟! وأي وجه من وجوه إعجازه بعد مشاهدته هذا الأثر الفخم أوقع في النفس وأنفى للشك وأولى بالقبول من وجه روحانيته ؟! إن للقرآن فوق البلاغة والعذوبة والحكمة والبيان ( روحانية ) يدركها من لا حظ له في فهم الكلام وتقدير الحكمة وإدراك البلاغة ، ألا ترى أن الطفل والعامي كيف يعتريهما تهيب عند تلاوته ولو بغير صوت حسن ! حتى إنهما ليكادان يفرقان بين ما هو قرآن وما ليس بقرآن فيما لو أراد التالي أن يغشهما . هذه الروحانية تظهر ظهورا جليا عندما تكون آية من آياته جاءت على سبيل الاستشهاد والاقتباس في صفحة كبيرة ، فإنك ترى تلك الآية تتجلى لك بين السطور وخلال التراكيب كأنها الشمس في رابعة النهار ، مهما كانت درجة تلك الصفحة من البيان ، ومنزلتها من جمال الأسلوب وجزالة الألفاظ .
    هذه الروحانية تظهر للعارف باللغة وللجاهل بها ، أما ظهورها للعارف فبين لا يحتاج لبيان ، وأما ظهورها للجاهل بها من الأمم الأعجمية فبتأثيرها ونتيجتها ، أي إنسان يرى أن العربي الذي كان بالأمس جزارا أو تاجرا أو راعيا ، وهو من الجاهلية وعدم احترام الدستور على ما كان يعلم الناس منه : جاء اليوم يقود جيشا يرغم به معاطس أكبر قواد العالم من غطارفة الحرب ، ثم يدخل إلى أحشاء تلك الأمة المغلوبة ، فيؤمنها على دينها وشريعتها وأموالها وأعراضها ، ويكون عليها أشفق من رؤسائها ، وأحنى من حكومتها ، فينشر بينها العدل والإحسان ، ويغمرها بالإفضال والإنعام .
    قلنا من ينظر إلى هذا الأمر المدهش ، ولا يقر بأن العربي قد اكتسب ( روحا جديدة ) لم تكن فيه من قبل ، وليست من جنس الأرواح الموجودة في علياء النفوس وأصحاب الفضيلة من الأفراد ، كيف لا يستدل هذا الإنسان بالحس على تلك ( الروحانية ) وقد أصبح يرجو من كان يخافه ، ويتعلم ممن كان لا يرى أجهل منه ، ويتخلق بأخلاق من كان لا يعده إلا وحشا كاسرا "(5) .



    (1) أخرجه الحاكم ( 2 / 354 ) والواحدي في أسباب النزول ص 248 ، وابن حبان ( 6209 ) وابن جرير رقم ( 18776 شاكر ) وأبو يعلى ( 740 ) والبزار رقم ( 3218 ) وإسناده ـت كما قال العلي ــ قوي ، رجاله ثقات رجال الصحيح ، وحسنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ( 17 / 40 ) ، وانظر : صحيح أسباب النزول للعلي ص 190
    (2) تفسير القرطبي ( 8 / 335 ) .
    (3) انظر : شرح أحاديث من صحيح البخاري ص119 ، 120 .
    (4) فتح الباري 11 / 160 .
    (5) دائرة معارف القرن العشرين ، مادة : اقرأ ( 7 / 677 وما بعدها ).




  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,955

    افتراضي

    القرآن الكريم في رحاب السنة المطهرة

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة(3)


    فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه(1)







    عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الرب تبارك وتعالى : من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ، وفضل كلام الله على سائر الكلام ، كفضل الله على خلقه )


    تخريجه :

    أخرجه الترمذي في جامعه ، أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باب 26 ، رقم(2926 )وقال : هذا حديث حسن غريب ، والدارمي ( 3359 )وعبد الله بن أحمد في السنة ( 1 / 149 ــ 150 ) والطبراني في الدعاء ( 1851 ) وأبو نعيم في الحلية ( 5 / 106 ) وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن ( 26،27 ) والبيهقي في الأسماء ( ص307 )والاعتقاد ( ص101 ـ102 )والشعب ( 1860 )وغيرهم .

    وإسناده ضعيف ، فيه عطية العوفي ، وهو ضعيف يكتب حديثه كما قال أبو حاتم وابن معين وابن عدي ، وفيه أيضا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني ضعفه غير واحد من الأئمة ، وقال ابن عدي : ومع ضعفه يكتب حديثه .

    قلت : وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب، ومن حديث جابر بن عبد الله ، ومن حديث حذيفة بن اليمان ، ومن حديث حكيم بن حزام ، ومن حديث عمر بن مرة مرسلا .

    أما حديث عمر بن الخطاب فأخرجه البخاري في ( خلق أفعال العباد رقم 544 ) وفي الكبير ( 1/2/115 )والطبراني في الدعاء ( 1850 )وابن شاهين في الترغيب ( 153 ) وأبو نعيم في ( معرفة الصحابة ) ( 215 ) والبيهقي في الشعب ( 567، 3786 )وفي فضائل الأوقات ( 194) من طريق صفوان بن أبي الصهباء عن بكير بن عتيق عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده مرفوعا ( يقول الله عز وجل : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل مما أعطي السائلين )

    وصفوان بن أبي الصهباء وثقه ابن معين في رواية الدوري ، وقال ابن خلفون : أرجو أن يكون صدوقا ، وذكره ابن حبان وابن شاهين في ( الثقات ) وقال ابن عبد البر في التمهيد ( 6/ 46 ) : صالح ، وباقي رجاله ثقات .

    وأما حديث جابر فأخرجه القضاعي ( 584 ) والبيهقي في ( الشعب رقم 568) والأصبهاني في الترغيب ( 1364 ) من طرق عن أبي سفيان سعيد بن يحيي الحميري عن الضحاك بن حمرة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا ( قال الله جل وعز : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) ، الضحاك بن حمرة مختلف فيه والأكثر على تضعيفه .

    وأما حديث حذيفة فأخرجه محمد بن هارون الحضرمي في الفوائد ( 41 ــ منتقاه للمزي )عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد البغدادي ثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن ربعي عن حذيفة مرفوعا ( قال الله تعالى : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته قبل أن يسألني )

    ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في الحلية ( 7 / 313 ) وقال : غريب تفرد به أبو مسلم عن ابن عيينة .

    قلت : أبو مسلم ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن عدي : حدث بالمناكير عن الثقات ويسرق الحديث .

    وأما حديث حكيم بن حزام فأخرجه أبو الشيخ في ( طبقات الأصبهانيين ( 305 ) عن أحمد بن محمود بن صبيح الأصبهاني ثنا عامر بن أسيد ثنا محمد بن الصباح البزار ثنا أبو بكر بن عياش عن العمش عن مالك بن الحارث عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام مرفوعا ( قال الله تعالى : إذا شغل عبدي بذكري عن مسالتي ، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين )

    وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ( 2/ 38) عن أبيس أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن محمود بن صبيح به .

    أخرجاه ( أبو الشيخ وابو نعيم ) في ترجمة عامر بن أسيد بن واضح الواضحي ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

    وأما حديث عمرو بن مرة قفأخرجه ابن أبي شيبة ( 10 / 237 ) ثنا ابن نمير عن موسى بن مسلم عن عمرو بن مرة مرفوعا ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ) وهو مرسل رجاله ثقات ،

    وخلاصة الحكم على الحديث أنه بهذه الشواهد يرتقي إلى درجة الحسن لغيره والله أعلم .






  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,955

    افتراضي


    القرآن الكريم في رحاب السنة المطهرة

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة(4)


    فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه(2)



    ثانيا : معنى الحديث

    إن فضل القرآن العظيم على سائر ما أنزل الله تعالى من الكتب السابقة وما أوحى إلى أنبيائه أجمعين منذ آدم عليه السلام إلى خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم هو فضل لا يقدر ولا يقاس .

    يوضح ذلك في الحديث الذي معنا قوله صلى الله عليه وسلم (وفضل كلام الله على سائر الكلام ، كفضل الله على خلقه )

    وذلك لأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ، وهو صفة من صفاته تعالى ، وصفاته تعالى كما يليق بكماله وعظمته لا تشبه صفات البشر ، فلذلك كان التقرب إليه بكلامه الذي هو صفة لازمة له من أعظم القربات ، والله أعلم

    وما دام القرآن كلام الله تعالى فهو أفضل من كل شيء ، وأعظم من كل شيء ، وأحب إلى الله تعالى من كل شيء ، فإن المشتغل به ــ تلاوة وتدبرا وعملا ــ في دائرة الرضى والقرب من الله تعالى .

    فلا أحد يقدر على إحصاء الأفضال العظمى ،والمنن الكبرى التي امتن الله بها على خلقه ، بإنزال هذا الكتاب الذي امتاز على سائر ما أنزل الله عز وجل من الكلام أو مما أوحي به .

    فما بالك إذا قيس بسائر الكلام من كلام المخلوقين مما ليس بوحي(1).

    قال الإمام الصنعاني في هذا ( فضل القرآن على سائر الكلام ــ من كتب الله وغيرها ــ كفضل الرحمن على سائر خلقه ــ لأنه كلام أشرف الأشياء وأعظمها ، من قصرت العبارات عن وصف علاه ، ورجع كل طرف مخفق خاسئا عن الإحاطة بألفاظ كلامه ومعناه ، فكلامه أشرف الكلام ، ومعانيه أعظم المعاني التي دارت على الأفهام ، وحامله له من الفضل ما ليس لغيره من حافظ كل كلام)(2) .








    (1)- انظر : عظمة القرآن الكريم ص 380 ، 381.
    (2) - التنوير شرح الجامع الصغير 7 / 492 .




الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •