الغربة والرحلة في طلب الفقه
صالح بن صبحي القيم



(وغربةٌ) الغربة هنا هي الرحلة لطلب العلم، يعني أن تغترب وتترك أهلك ودارك لتطلب العلم, وهذه الرحلة من مفاخر العلماء.
قال الشافعى رضى الله عنه:
تغرب عن الأوطان فى طلب العلى ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيشة ... وعلم وأدب وصحبة ماجد
فأن قيل: في الأسفار ذل وغربة ... مشقة شمل وارتكاب شدائد
فموت الفتى خير له من حياته ... بدار هوان بين واش وحاسد
فالغربة ضرورية لطالب الفقه؛ لأن الفقيه ما كان يعظم في النفوس إلا إذا اغترب ورحل؛ لأنه يأخذ ما عند فقهاء الأمصار من الفقه ويضمه إلى علمه، فيعظم في نفوس الطلبة.
وللغربة فوائد كثيرة في طلب الفقه، فإن الطالب إذا رحل لطلب الفقه فإنه يلاقي أهل العلم وعندهم معارف مختلفة فيأخذ عنهم من معارفهم، ويتحلى من فضائلهم وأخلاقهم؛ لأن العلم يتعلم بأمور، منها: الملاقاة، والمحاكاة والتلقين المباشر، فإذا لقي الشيوخ وجلس إليهم فاحتك بهم يصل إليه من خيرهم ويرسخ في نفسه مما ينطبع فيها من أخلاقهم وشمائلهم؛ فيكون هذا الرسوخ قوياً. وكذلك فإن العلماء قد رحلوا وقرءوا واستفادوا، فالطالب إذا لقيهم وجلس إليهم يأخذ عنهم فوائد ربما لا يحصلها في الكتب سنين طويلة، أي: ربما تأخذ فائدة عن عالم لو جلست تبحث الكتب سنين ربما لا تجدها، لكن هو قد سبقك إليها وقرأ الكتب قبلك وحازها، فهو يعطيك نتائج سنوات طويلة من البحث، ويهبك بالمجان فوائد وفرائد قد لا تقع عليها في الكتب إذا قرأت، فلذلك فيها اختصار للأوقات، وفيها الحصول على كنوز وفرائد. وكذلك فإن عندهم ضوابط وتحذيرات وفوائد علمية تجل عن الحصر، ولا شك أن العلم الذي يؤخذ بصعوبة لا يفلت بسهولة، وهذا مجرب، فالإنسان إذا سافر ورحل وصرف المال ليلقى شيخاً يسمع منه ويأخذ منه فائدة يصعب أن تنسى هذه الفائدة، لكن الشيء الذي يؤخذ في البيت وتحت المكيفات بدون تعب من الصحف قد ينسى بسرعة؛ لأنه لم يتعب في تحصيله، فالمعلومات التي يتعب الإنسان في تحصيلها لا تنسى بسهولة، وهذه فائدة مهمة من فوائد الرحلة في طلب العلم.
ولذلك كان ديدن أهل العلم من عصر الصحابة بل من لدن الأنبياء والرسل السابقين حتى الآن التنقل والرحلة في طلب العلم وقطع المفاوز الصعبة والفيافي الوعرة من أجل تحصيل مسألة أو فهم معنى آية أو حديث، وهم مع ذلك يلتمسون فوق الفهم والتعلم ثواب الله في الآخرة تطبيقا لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة " [صحيح الترمذي 2646].
وأول من سن ذلك فيما نعلم رسول الله موسى – عليه السلام – فقد أورد البخاري في ذلك حديثا في كتاب العلم تحت ترجمة (الخروج إلى العلم) عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فمر بهما أُبَيُّ بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لُقِيِّه، هل سمعت رسول الله يذكر شأنه؟ فقال أُبَيُّ: نعم، سمعت الرسول يذكر شأنه يقول: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحدا أعلم منك ؟ قال موسى: لا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلى، عبدنا خضر، فسأل السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع، فإنك ستلقاه، فكان موسى – عليه السلام – يتَّبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، قال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصا، فوجدا خضرا، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه" [صحيح البخاري (1/ 41)].
قصة عجيبة يتجلى فيها شرف الرحلة في طلب العلم، وفضل العلم الذي يُضحّى في سبيله بكل نفيس وغالٍ.
ومنذ هذا الوقت اتخذت هذه السنة الحسنة حتى فشت بين طلاب العلم في الأمة الإسلامية، وبخاصة في عصر الصحابة الذين كان أحدهم يرحل من المدينة إلى الشام أو إلى مصر؛ ليأخذ الحديث عن أخيه، أو ليتوثق من رواية حديث سمعه.
ولقد عرف السلف الصالح هذا الفضل فسهروا الليالي الطويلة وأنفقوا الأعمار النفيسة، لأن العلم – بعد الهداية – شرف ما بعده شرف، وعبادة من أجلِّ العبادات.
فقد ذكر أصحاب التراجم والسير عن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت 277 هـ) يقول: أحصيت ما مشيت على قدميَّ زيادة على ألف فرسخ [الفرسخ نحو خمسة آلاف متر، فانظر كم قطع هذا الرجل من المسافات مشيًا على الأقدام]، لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته، وأما ما سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحر من قرب مدينة سلا ـ وذلك في المغرب الأقصى ـ إلى مصر ماشيًا، ومن مصر إلى الرملة ماشيًا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى إنطاكية، ومن إنطاكية إلى طرسوس، ثمَّ رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بَقِي عليَّ شيء من حديث أبي اليمان فسمعته، ثمَّ خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفي، كل ذلك ماشيًا، هذا سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة، أجول سبع سنين، وخرجت المرة الثانية ـ وكان سني في هذه الرحلة 47 سنة ـ .[ انظر مقدمة الجرح والتعديل ص (359)].
فهلا اجتهدنا في التفقه في الدين، والاسترشاد بأقوال أهل العلم من فقهاء الأمة الذين هم أهل الحل والعقد عند المسلمين, والرحلة إليهم, فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة, ولا يستطاع العلم براحة الجسد.

[خطبة للشيخ عائض بن عبدالله القرني بعنوان "الرحلة في طلب العلم"].
[مقال بعنوان "الرِّحلة يا طالب العلم ؟؟؟" حسام الدين سليم الكيلاني].
[محاضرة للشيخ محمد المنجد بعنوان "طالب العلم والرحلة"].
[دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني - (مفرغة)-].