التأمل في القرآن - خلق السموات والأرض
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: التأمل في القرآن - خلق السموات والأرض

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,980

    افتراضي التأمل في القرآن - خلق السموات والأرض





    التأمل في القرآن - خلق السموات والأرض (1)








    عبد الله جحيش







    سبق وأن تحدثنا في إحدى رحلاتنا التأملية أن من أسباب زيادة الإيمان : النظر في آية الله الشرعية وأن المقصود بالآيات الشرعية : هما القرآن والسنة والتأمل في القرآن هو نوع من أنواع النظر في الآيات الشرعية . نعم لم يرد التأمل بهذا اللفظ في القرآن صراحة إلا أن آيات القرآن الكريم أشارت إليه في العديد من الآيات التي تأمر بالنظر في آيات الله في الخلق، والاعتبار في رؤية عجائب الكون وآثار السابقين, بل إن كثيراً من الآيات نعت على المشركين عدم تأملهم فيما تقع عليه أعينهم وفيما يشاهدونه من عجائب قدرة الله عز وجل وإذا تأملنا في تلك الآيات نجد أنها قد اقترنت في كثير منها بأفعال تدل على الاستمرارية وإدامة النظر مثل ( يروا – ينظروا ) مثل قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ* قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآَخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت/20).



    إن التأمل الذي دعا إليه القرآن ونعى على الكفار والمشركين عدم تنبههم له وإعراضهم وغفلتهم عنه مما أدي إلى تماديهم في الباطل وجعلهم في غيهم يعمهون يتعلق بأشياء كثيرة منها:



    التأمل في عجائب صنع الله عز وجل في الكون.



    التأمل في خلق الإنسان.



    التأمل في إحياء الأرض بعد موتها.



    التأمل في إثار الأمم السابقة وقصص الأقوام المكذبة.



    لقد كان التأمل في ذلك كله أو بعضه بعين التجرد ومعرفة الحق كفيلاً بأن يهدي إلى الصواب ويرد إلى الحق ويحمل على التصديق بوحدانية الله والإيمان بالبعث ولكن أنى لهم ذلك وقد صاروا كالبهائم التي لا تعقل ولا تستنبط شيئاً مما تراه الأعين قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [ يوسف/109 ].



    وحين ننظر إلى آيات التأمل في القرآن الكريم نجد أنها لا تحرج في الجملة عن المحاور التالية:



    1- التأمل في خلق السموات والأرض.



    2- التأمل فيما تنبت الأرض.



    3- التأمل في أحوال الأمم السابقة.



    4- التأمل في خلق الإنسان.



    5- التأمل في أحوال الطير.



    6- التأمل في نعم الله وعجائب مخلوقاته.



    والآن دعونا نبحر نحو بعض آيات التأمل في القرآن الكريم لنستخلص منها العبر والدروس ونعمل النظر في بعض الدلائل والمعاني التي اشتملت عليها لكن قبل ذلك يجب أن تكون النفوس مستعدة والقلوب واعية ليحصل الانتفاع .



    التأمل في خلق السموات والأرض



    يقول الله تبارك وتعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ]البقرة:164[



    قال ابن كثير رحمه الله:



    "{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} تلك في لطافتها وارتفاعها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها وَوِهَادها وعُمْرانها وما فيها من المنافع"[1]



    "تأمل السماء ثم ارجع البصر إليها أخرى، انظر فيها وفي كواكبها، دورانها، وطلوعها، وغروبها، واختلاف ألوانها وكثرتها، وشمسها وقمرها، باختلاف مشارقها ومغاربها، حركتها من غير فتور ولا تغير في سيرها، تجري في منازل قد رتِّبت لها بحساب مُقدَّر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها فاطرها. تأمل تجد أنه ما من كوكب إلا ولله من خَلْقِه حِكْمَة، في مقداره، في شكله، في لونه، في موضعه في السماء، في قربه من وسطها وبُعْدِه، في قربه من الكواكب التي تليه وبعده، على صفحة سماوات ترونها أُمْسِكت مع عِظَمِها وَعِظَم ما فيها، فثبتت بلا علائق من فوقها، ولا عُمُدٍ من تحتها. {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}



    إن مجموعة النظام الشمسي، تتألف من مائة مليار نجم، قد عُرِف وعرف منها الشمس، وتبدو هذه المجموعة كقرص قطره تسعون ألف سنة ضوئية، وسمكه خمسة آلاف سنة ضوئية، ومع هذا البعد الشاسع فإن ضوء الشمس يصلنا في لحظات، وكذلك نور القمر. بل هناك مجموعات تكبرها بعشرات المرات، أحصى منها مائة مليار مجموعة تجري، كلها في نظام دقيق بسرعة هائلة، كل في مساره الخاص دون اصطدام، كل يجري لأجل {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا}]الفرقان / 61[



    إن الشعور بالتصاغر لينتاب النفس البشرية حين يكون الحديث عن السموات واتساعها وعظمة خلقها ودقة تراكيبها {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}]غافر/57["[2]







    {وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار} هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان، كما قال تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [الحج: 61] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا



    { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ }



    أي: في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعاش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء { وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } كما قال تعالى: { وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ } [يس: 33-36]{ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ } أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَه َا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [هود: 6]{ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ } أي: تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صبا، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبور وهي غربية تفد من ناحية دبر الكعبة والرياح تسمى كلها بحسب مرورها على الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم



    { وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ } أي: سائر بين السماء والأرض يُسَخَّر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى: { لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191]



    وأجمل بما قاله سيد – رحمه الله – عندما ألقى بظِلاله على هذه الآية إذ يقول:



    { إن في خلق السماوات . . . . لآيات لقوم يعقلون } . .



    وهذه الطريقة في تنبيه الحواس والمشاعر جديرة بأن تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون . العجائب التي تفقدنا الألفة جدتها وغرابتها وإيحاءاتها للقلب والحس ، وهي دعوة للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه أول مرة مفتوح العين ، متوفز الحس ، حي القلب . وكم في هذه المشاهد المكرورة من عجيب . وكم فيها من غريب وكم اختلجت العيون والقلوب وهي تطلع عليها أول مرة؛ ثم الفتها ففقدت هزة المفاجأة ، ودهشة المباغتة ، وروعة النظرة الأولى إلى هذا المهرجان العجيب .



    تلك السماوات والأرض . . هذه الأبعاد الهائلة والأجرام الضخمة والآفاق المسحورة ، والعوالم المجهولة . . هذا التناسق في مواقعها وجريانها في ذلك الفضاء الهائل الذي يدير الرؤوس . . هذه الأسرار التي توصوص للنفس وتلتف في رداء المجهول . . هذه السماوات والأرض حتى دون أن يعرف الإنسان شيئاً عن حقيقة أبعادها وأحجامها وأسرارها التي يكشف الله للبشر عن بعضها حينما تنمو مداركهم وتسعفهم أبحاث العلوم . .



    {واختلاف الليل والنهار} . . تعاقب النور والظلام . . توالي الإشراق والعتمة . ذلك الفجر وذلك الغروب . . كم اهتزت لها مشاعر ، وكم وجفت لها قلوب ، وكم كانت أعجوبة الأعاجيب . . ثم فقد الإنسان وهلتها وروعتها مع التكرار . إلا القلب المؤمن الذي تتجدد في حسه هذه المشاهد؛ ويظل أبداً يذكر يد الله فيها فيتلقاها في كل مرة بروعة الخلق الجديد .



    {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس}. . وأشهد ما أحسست ما في هذه اللفتة من عمق قدر ما أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط تحملنا وتجري بنا ، والموج المتلاطم والزرقة المطلقة من حولنا . والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك . ولا شيء إلا قدرة الله ، وإلا رعاية الله ، وإلا قانون الكون الذي جعله الله ، يحمل تلك النقطة الصغيرة على ثبج الأمواج وخضمها الرعيب!



    {وما أنزل الله من السماء من ماء ، فأحيا به الأرض بعد موتها ، وبث فيها من كل دابة} .وكلها مشاهد لو أعاد الإنسان تأملها - كما يوحي القرآن للقلب المؤمن - بعين مفتوحة وقلب واع ، لارتجف كيانه من عظمة القدرة ورحمتها [3]. . تلك الحياة التي تنبعث من الأرض حينما يجودها الماء . . هذه الحياة المجهولة الكنه ، اللطيفة الجوهر ، التي تدب في لطف ، ثم تتبدى جاهرة معلنة قوية . . هذه الحياة من أين جاءت؟ كانت كامنة في الحبة والنواة! ولكن من أين جاءت إلى الحبة والنواة؟ أصلها؟ مصدرها الأول؟ إنه لا يجدي الهرب من مواجهة هذا السؤال الذي يلح على الفطرة . لقد حاول الملحدون تجاهل هذا السؤال الذي لا جواب عليه إلا وجود خالق قادر على إعطاء الحياة للموات . وحاولوا طويلاً أن يوهموا الناس أنهم في طريقهم إلى إنشاء الحياة - بلا حاجة إلى إله! - ثم أخيراً إذا هم في أرض الإلحاد الجاحد الكافر ينتهون إلى نفض أيديهم والإقرار بما يكرهون : استحالة خلق الحياة! وأعلم علماء روسيا الكافرة في موضوع الحياة هو الذي يقول هذا الآن! ومن قبل راغ دارون صاحب نظرية النشوء والارتقاء من مواجهة هذا السؤال!



    {وتصريف الرياح}ثم تلك الرياح المتحولة من وجهة إلى وجهة ، وذلك السحاب المحمول على هواء ، المسخر بين السماء والأرض ، الخاضع للناموس الذي أودعه الخالق هذا الوجود . . إنه لا يكفي أن تقول نظرية ما تقوله عن أسباب هبوب الريح ، وعن طريقة تكون السحاب . . إن السر الأعمق هو سر هذه الأسباب . . سر خلقة الكون بهذه الطبيعة وبهذه النسب وبهذه الأوضاع ، التي تسمح بنشأة الحياة ونموها وتوفير الأسباب الملائمة لها من رياح وسحاب ومطر وتربة . . سر هذه الموافقات التي يعد المعروف منها بالآلاف ، والتي لو اختلت واحدة منها ما نشأت الحياة أو ما سارت هذه السيرة . . سر التدبير الدقيق الذي يشي بالقصد والاختيار ، كما يشي بوحدة التصميم ورحمة التدبير . .



    إن في ذلك



    {لآيات لقوم يعقلون} . .



    نعم لو ألقى الإنسان عن عقله بلادة الألفة والغفلة ، فاستقبل مشاهد الكون بحس متجدد ، ونظرة مستطلعة ، وقلب نوّره الإيمان . ولو سار في هذا الكون كالرائد الذي يهبط إليه أول مرة . تلفت عينه كل ومضة ، وتلفت سمعه كل نأمة ، وتلفت حسه كل حركة ، وتهز كيانه تلك الأعاجيب التي ما تني تتوالى على الأبصار والقلوب والمشاعر . .



    إن هذا هو ما يصنعه الإيمان . هذا التفتح . هذه الحساسية . هذا التقدير للجمال والتناسق والكمال . . إن الإيمان رؤية جديدة للكون ، وإدراك جديد للجمال ، وحياة على الأرض في مهرجان من صنع الله ، آناء الليل وأطراف النهار . .



    ومع هذا فإن هناك من لا ينظر ولا يتعقل ، فيحيد عن التوحيد الذي يوحي به تصميم الوجود ، والنظر في وحدة الناموس الكوني العجيب.[4]













    [1] تفسير ابن كثير(1/274)



    [2] من شريط دعوة للتأمل ( علي القرني)



    [3] يعني القدرة الإلهية



    [4] في ظلال القرآن (1/124).


















    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,980

    افتراضي


    التأمل في القرآن - خلق السموات والأرض (1)








    عبد الله جحيش

    في رحلتنا السابقة مع آيات التأمل في القرآن الكريم تفيأنا ظلال آية {أن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ...الآية }
    ] البقرة/164[.

    ولا تزال رحلتنا للتأمل في آيات القرآن الكريم مستمرة - بمشيئة الله تعالى – لذا سنبحر نحو سورة وآيات أخري من سور القرآن الكريم وآياته.
    محطتنا الأولى ستكون مع آيتين هما من أعظم الآيات الدالة والحاثة على التأمل في الخلق وحين نزلت هذه الآيات على رسولنا – صلى الله عليه وسلم – قام من الليل فبكى بكاء شديداً كما روي عن عطاء قال : دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها ، فقالعبد الله بن عمير : حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكتوقالت : قام ليلة من الليالي ، فقال : يا عائشة ! ذريني أتعبد لربي ، قالت : قلت : والله إني لأحب قربك ، وأحب ما يسرك ، قالت : فقام فتطهر ، ثم قام يصلي ، فلم يزليبكي حتى بل حجره ، ثم بكى ، فلم يزل يبكي حتى بل الأرض ، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال : يا رسول الله ! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وماتأخر ؟! قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ لقد نزلت علي الليلة آيات ، ويل لمن قرأهاولم يتفكر فيها : { إن في خلق السماوات والأرض}]آل عمران/ [(1)
    هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو أحب مخلوق عند الله عز وجل يبكي من وقع تلك الآيات العظيمات وما حوته من دلائل الإيمان وهي تشير إلى من يدبره بحكمته وتوحي بأن وراء هذا كله حياة أخرى فيها حساب وجزاء لكن من الذي يدرك ذلك كله إنهم أولوا الألباب الذي لا تمر عليهم مثل هذه الآيات وهم غافلون بل تزيدهم إيماناً إلى إيمانهم معرفة إلى معرفتهم .
    من هنا نعرف معنى قول النبي – صلى الله عليه وسلم – ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها – نعم إنه تهديد ووعيد لأصحاب القلوب الغافلة التي هي عن التأمل في آيات الله سادرة فأما أصحاب القلوب المؤمنة فلا يمكن أن تمر عليهم مثل هذه الآيات وهم عنها متشاغلون.
    ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، فعن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثُلث الليل الآخر قَعد فنظر إلى السماء فقال: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ } ثم قام فتوضأ واستن. فصلى إحدى عَشْرَة ركعة. ثم أذّن بلالٌ فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح(2).
    وإذا التفتنا إلى سلفنا الصالح رأينا عجباً فهذا الشيخ أبو سليمان الداراني يقول: إني لأخرجُ من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عَلَي فيه نِعْمَة، أوْ لِي فيه عِبْرَة.
    وعن الحسن البصري أنه قال: تَفَكُّر سَاعَة خير من قيام ليلة.
    وقال الفُضَيل: قال الحسن: الفكرة مِرْآة تريك حَسنَاتك وسيئاتك.
    وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك. وربما تمثل بهذا البيت:
    إذا المرء كانت له فكْرَةٌ ... ففي كل شيء له عبرَة ...
    وعن عيسى، عليه السلام، أنه قال: طُوبَى لمن كان قِيلُه تذكّرًا، وصَمْته تَفكُّرًا، ونَظَره عبرًا.
    وقال لقمان الحكيم: إن طول الوحدة ألْهَمُ للفكرة، وطولَ الفكْرة دليل على طَرْق باب الجنة.
    وقال وهب بن مُنَبِّه: ما طالت فكرة امرِئ قط إلا فهم، وما فهم امرؤ قط إلا علم، وما علم امرؤ قط إلا عمل.
    وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله، عز وجل، حَسَن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة.
    وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها، وكان يبكي عند ذلك حتى يُرْفع صَريعا من بين أصحابه، قد ذهب عقله.
    وقال عبد الله بن المبارك: مَرَّ رجل برَاهبٍ عند مَقْبَرة ومَزْبَلَة، فناداه فقال: يا راهب، إن عندك كَنزين من كنوز الدنيا لك فيهما مُعْتَبَر، كنز الرجال وكنز الأموال.
    وعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه، يأتي الخَرِبة فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين فيقول: أين أهْلُك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } [القصص:88].
    وعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تَفكُّر، خير من قيام ليلة والقلب ساه .
    وقال الحسن: يا ابن آدم، كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر تتنفَّس للفكرة.
    وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطَمَسَ مِنْ بَصَرِ قلبه بقدر تلك الغَفْلَة.
    وقال بِشْر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه.
    وقال الحسن، عن عامر بن عبد قيس قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان، أو نور الإيمان، التفكر.
    وعن عيسى، عليه السلام، أنه قال: يا ابن آدم الضعيف، اتق الله حيثما كنت، وكُنْ في الدنيا ضَيْفًا، واتَّخِذِ المساجدَ بيتا، وعَلِّم عينيك البكاء، وجَسَدك الصَّبْر، وقلبك الفِكْر، ولا تهتم برزق غد.
    وعن أمير المؤمنين عُمَرَ بن عبد العزيز، رضي الله عنه، أنه بكى يوما بين أصحابه، فسُئل عن ذلك، فقال: فَكَّرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تَنْقَضي حتى تكدرها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادّكر.
    وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحُسَين بن عبد الرحمن:
    نزهَة المؤمن الفكَرْ ... لذّة المؤمن العِبرْ ...
    نحمدُ اللهَ وَحْدَه ... نحْنُ كل عَلَى خَطَرْ ...
    رُبّ لاهٍ وعُمْرُه ... قد تَقَضّى وما شَعَرْ ...
    رُبّ عيش قَدْ كَانَ فو ... ق المُنَى مُونقَ الزَهَرْ ...
    في خَرير من العيُو ... ن وَظل من الشَّجَرْ ...
    وسُرُور من النَّبا ... ت وَطيب منَ الثَمَرْ ...
    غَيَّرَتْه وَأهْلَهُ ... سرعةُ الدّهْر بالغَيرْ
    نَحْمَد الله وحده ... إنّ في ذا لمعتبر ...
    إن في ذَا لَعبرةً ... للبيب إن اعْتَبَرْ ...
    نعم إن في ذا لعبرة للبيب إن اعتبر وما أجمل ما قاله الغزالي – رحمه الله – في الإحياء إذ يقول عن التفكر في السموات: "ولا تظنن أن معنى النظر إلى الملكوت بأن تمد البصر إليه فترى زرقة السماء وضوء الكواكب وتفرقها فإن البهائم تشاركك فى هذا النظر فإن كان هذا هو المراد فلم مدح الله تعالى إبراهيم بقوله وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض لا بل كل ما يدرك بحاسة البصر فالقرآن يعبر عنه بالملك والشهادة وما غاب عن الأبصار فيعبر عنه بالغيب والملكوت والله تعالى عالم الغيب والشهادة وجبار الملك والملكوت ولا يحيط أحد بشىء من علمه إلا بما شاء وهو عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فأجل أيها العاقل فكر فى الملكوت فعسى يفتح لك ابواب السماء فتجول بقلبك فى أقطارها إلى أن يقوم قلبك بين يدي عرش الرحمن فعند ذلك ربما يرجى لك أن تبلغ رتبة عمر بن الخطاب رضى الله عنه حيث قال رأى قلبى ربى وهذا لأن بلوغ الأقصى لا يكون إلا بعد مجاوزة الأدنى وأدنى شىء إليك نفسك ثم الأرض التى هى مقرك ثم الهواء المكتنف لك ثم النبات والحيوان وما على وجه الأرض ثم عجائب الجو وهو ما بين السماء والأرض ثم السموات السبع بكواكبها ثم الكرسى ثم العرش ثم الملائكة الذين هم حملة العرش وخزان السموات ثم منه تجاوز إلى النظر إلى رب العرش والكرسى والسموات والأرض وما بينهما فبينك وبين هذه المفاوز العظيمة والمسافات الشاسعة والعقبات الشاهقة وأنت بعد لم تفرغ من العقبة القريبة النازلة وهى معرفة ظاهر نفسك ثم صرت تطلق اللسان بوقاحتك وتدعى معرفة ربك وتقول قد عرفته وعرفت خلقه ففي ماذا أتفكر إلى ماذا أتطلع فارفع الآن رأسك إلى السماء وانظر فيها وفى كواكبها وفى دورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها فى الحركة على الدوام من غير فتور فى حركتها ومن غير تغير فى سيرها بل تجرى جميعا فى منازل مرتبة بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها الله تعالى طى السجل للكتاب وتدبر عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها فبعضها يميل إلى الحمرة وبعضها إلى البياض وبعضها إلى اللون الرصاصى ثم انظر كيفية أشكالها فبعضها على صورة العقرب وبعضها على صورة الحمل والثور والأسد والإنسان وما من صورة فى الأرض إلا ولها مثال فى السماء..... فهذه السماء بعظمها وكثرة كواكبها لا تنظر إليها بل انظر إلى بارئها كيف خلقها ثم أمسكها من غير عمد ترونها ومن غير علاقة من فوقها وكل العالم كبيت واحد والسماء سقفه"(3).
    وفي نهاية هذا المقال عد بالنظر إلى الآية الكريمة سترى كيف قرن الله بين عبادة الجسد وعبادة العقل ومنها التأمل والتفكر في آياته (... الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ويتفكرون في خلق السموات والأرض ...) الآية .
    وفي الآية دلالة واضحة أيضاً على تلازم الإيمان والعمل فلا إيمان بلا عمل فأهل الإيمان هم أهل الطاعة والعبادة والذكر والإخبات نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم منهم.





    (1) صحيح ابن حبان (2/336 رقم 620) وصححه الألباني في السلسة الصحيحة

    (2) البخاري (4/1655 رقم 4293) ومسلم (1/530 رقم 763).

    (3) إحياء علوم الدين (7/126) وما بعدها



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •