علي عزت بيجوفيتش.. الرئيس المسلم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2
1اعجابات
  • 1 Post By ابو وليد البحيرى

الموضوع: علي عزت بيجوفيتش.. الرئيس المسلم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,089

    افتراضي علي عزت بيجوفيتش.. الرئيس المسلم

    علي عزت بيجوفيتش.. الرئيس المسلم

    . محمد وفيق زين العابدين



    وُلد في مدينة (بوساناكروبا) شمال غرب البوسنة في 23 أغسطس عام 1925م لأسرة عريقة بإسلامها، ثم قدم به والداه إلى (سراييفو) وعمره عامان ليكونوا قريبين من أسرة والدته، وكانت أسرته أسرة كبيرة، فله ستة من الإخوة والأخوات هو سابعهم، وكان والده يعمل في التجارة أُصيب فيما بعد بجرح في الحرب العالمية الأولى على الجبهة الإيطالية أورثه شللاً في السنوات العشر الأخيرة من عمره، ولهذا اضُطر الابن الصغير إلى أن يعمل وأن يساعد إخوانه بعد إصابة والدهم، وكانت أمهم ورعة حريصة على الصلاة توقظهم لصلاة الفجر.
    أمضى بيجوفيتش حياته في (سراييفو)، وهناك تعلم وأكمل تعليمه الثانوي في العام 1943م، وقد بدأ جهاده الفكري في وقت مبكر جداً من حياته، حيث اصطدم - وهو ابن 16 عاماً - مع السلطة نتيجة اهتماماته الفكرية الإسلامية المغايرة للمواقف الشيوعية، فقد اتفق هو وبعض زملائه في المدرسة على أن يُنشئوا نادياً في (سراييفو) للتعريف بالدين الإسلامي وتعاليمه سموه ملادي مسلماني، أي الشبان المسلمين، والذي تطور فيما بعد فلم يقتصر نشاطه على الاجتماعات والنقاشات الدينية، وإنما امتد إلى أعمال اجتماعية وخيرية، وأُنشئ به قسم خاص بالفتيات المسلمات، وصار بمنزلة جمعية أهلية استطاعت أثناء الحرب العالمية الثانية أن تُقدم خدمات فاعلة في مجال إيواء اللاجئين ورعاية الأيتام والتخفيف من ويلات الحرب، وسرعان ما انتهى نشاط الجمعية عندما احتلت النازية الألمانية (يوغوسلافيا) وأحالتها إلى جمهورية فاشية في 1941م، حيث تصدت الجمعية لنشاط الحزب النازي الأستاشا، ما أثار غضب النازيين الألمان فحاربوا الجمعية ولم يسمحوا لها بممارسة نشاطها بشكل رسمي.
    في العام 1946م قامت الحكومة الشيوعية في البلاد باعتقاله هو وصديقه نجيب شاكر بك بسبب مساعدتهما على إصدار جريدة المجاهد، واستطاع خلال فترة حبسه في سجن (فوتشا) أن يُؤلف كتابه هروبي إلى الحرية، وبعد خروجه من المعتقل لم يلبث الشيوعيون أن شنوا حملة أخرى على أعضاء جمعية الشبان المسلمين، حيث قُدم أربعة منهم في العام 1949م إلى المحاكمة التي قضت في النهاية بإعدامهم، فضلاً عن اعتقال عدد أكبر بسبب نشاطهم الإسلامي المناهض للشيوعية.
    تزوج بيجوفيتش عقب خروجه من السجن من زوجته خالدة، التي أنجبت له ثلاثة من الأولاد، هم: “ليلىوسابيناوبكر”.
    ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية وانهيار دولة هتلر النازية، استقلت يوغوسلافيا وأصبحت اتحاداً فيدرالياً شيوعياً، وزادت معاناة المسلمين بوصول جوزيف تيتووحزبه الشيوعي إلى السلطة في العام 1953م، والذي كان يكن عداءً مستحكماً للإسلام، ومع هذا التطور استطاع بيجوفيتش أن يوثق علاقته بالشيخ حسين دوزو، رئيس جمعية العلماء، الذي عيّنته الحكومة للإشراف على شؤون المسلمين، وهو ما فتح الباب له لنشر مقالاته تحت اسم مستعار في مجلة تاكفينالتي كانت تصدرها الجمعية، وكان لها انتشار كبير بين المسلمين.
    ولم ينفك بيجوفيتش مع هذا النضال ضد النازيين ثم الشيوعيين عن استكمال تعليمه، فقد التحق بالتعليم الجامعي في كلية الحقوق، وحصل على الشهادة العليا في القانون في العام 1950م، ثم نال شهادة الدكتوراه في العام 1962م، فشهادة عُليا في الاقتصاد في العام 1964م، وأجاد اللغات الألمانية والفرنسية والإنكليزية إلى جانب لغته القومية (البوسنية)، مع إلمام جيد باللغة العربية.
    عمل كمستشار قانوني، ولم ينثن عن مواصلة جهاده الفكري، ففي العام 1983م اعتُقل بيجوفيتش مرة أخرى عندما ألَّف كتابه البيان الإسلاميالذي قُدِّم بسببه إلى المحاكمة مع 12 زميلاً له بتهمة السعي لتكوين جمهورية أصولية إسلامية في قلب أوروبا. حوكم بيجوفيتش ورفاقه محاكمة صورية صدر فيها الحكم بسجنه لمدة 14 عاماً، ومن رحم السجن استطاع أن يُؤلف كتابه الشهير وإصداره الأعظم الإسلام بين الشرق والغربكما أخرج السرخسي الفقيه كتابه الكبير المبسوطمن رحم بئر معطلة سُجن فيها.
    وفي نهاية العام 1988م أُعيدت محاكمته وأُخلي سبيله، وكان يقول عن تجربته في السجن: (السجن يُقدم معرفة لكنها مؤلمة للغاية)، ويقول: (الإنسان يُعاني في السجن من نقص في المكان وفائض في الزمان).
    بعد تصدّع الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي في العام 1990م، وبعد عشرات السنين من القمع والاستبداد؛ اضطُر الحزب الشيوعي اليوغسلافيإلى السماح بإقامة نظام متعدد الأحزاب بعد احتكار للسلطة دام أكثر من 40 عاماً، فاغتنم بيجوفيتش هذه الفرصة وبادر إلى تأسيس حزب العمل الديمقراطيالذي أصبح فيما بعد من أكبر الأحزاب اليوغوسلافية، وأصبح رئيساً له في مايو من العام نفسه، وخاض الانتخابات وفاز في أربع جمهوريات يوغوسلافية، وتولى رئاسة (البوسنة) في 19 نوفمبر من ذات العام حتى عام 2000م.
    وفي العام 1991م أعلنت (كرواتيا) و(سلوفينيا) استقلالهما من جانب واحد، فسارع الجيش اليوغوسلافي الخاضع لقيادة الصرب بالهجوم على الجمهوريتين، وتدخلت أوروبا لإيقاف نزيف الدم المسيحي، وهددوا (صربيا) بالعقوبات، وأراد بيجوفيتش استغلال الموقف الدولي للحصول على استقلال (البوسنة)، فدعا المسلمين البوسنيين وغيرهم للإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء الشعبي لاستقلال (البوسنة والهرسك) عن يوغوسلافيا دون خوف، معلناً للعالم أجمع أنه قد انتهى إلى الأبد ذلك الأوان الذي يتقرر فيه مستقبل (البوسنة) دون إرادة شعبها، وفي العام 1992م وقع ما أراد واختار المسلمون المُضي نحو الحرية والاستقلال بأكثرية 63 ٪، لكن الشيوعيين لم يرضَوا بهذه النتيجة، فشنوا حملة إعلامية ظالمة ضد مسلمي (البوسنة)، وثار (الصرب) الهمج على البوسنة في حرب عرقية دموية، ناصرهم فيها نصارى أوروبا الذين تطوعوا بالآلاف للقتال في صفوف الصرب، ثم ما لبثت أن وقعت الدولة المسلمة الوليدة بين فكي كماشة أعداء الأمس؛ الصرب من جهة والكروات من جهة أخرى، فكادوا يجهزون على شعبها الأعزل الآمن على مرأى ومسمع الأوروبيين والأمريكان الذين ملؤوا الآذان بالأكاذيب حول الديمقراطية والليبرالية، أما الأمم المتحدة التي سبق أن اعترفت بـ (جمهورية البوسنة والهرسك)، فقد تركت الجيش الصربي والكرواتي وعصابات (الشِّتْنك) الصربية الإرهابية ومن انضم إليهم من نصارى أوروبا، يعيثون في (البوسنة والهرسك) الفساد، مرتكبين أبشع المذابح والمجازر الجماعية التي ظلت تُكتشف مقابرها مقبرةً بعد مقبرة لسنوات وسنوات، مخلفةً أكثر من 350 ألف قتيل مسلم، فضلاً عن اغتصاب نحو مائة ألف امرأة مسلمة.
    تولى بيجوفيتش رئاسة الجمهورية الإسلامية الوليدة في أصعب الأوقات وأحلكها، ولم يكن رئيساً عادياً كسائر رؤساء الدول الإسلامية، فقد نصر شعبه المسلم وقت أن تكالب عليهم أعداء الأمة من الغرب وخذلهم إخوانهم في الشرق، لم يفر ويهرب من الحصار، بل ظل صامداً مصراً على البقاء مع بني قومه تحت الحصار في (سراييفو)، ولم يزل يبذل مساعي كبيرة لإنقاذهم، حتى اضطر تحت وطأة القتل والاغتصاب والتعذيب إلى قبول اتفاق دايتونالظالم الذي وافقت عليه قمة رؤساء الجمهوريات اليوغسلافية في فبراير 1991م لإقامة جمهورية فيدرالية متناسقة، وكان هذا الاقتراح كفيلاً بإنقاذ شعبه من المذابح وتخليص يوغوسلافيا من الحرب الأهلية بين الجمهوريات والأعراق، وقد حظي بدعم الجماعة الأوروبية. عن هذا الصلح يقول الدكتور محمد حامد الأحمري: (كان قوياً مع مرونة، وأوضح ذلك حرصه على العمل والمفاوضات طوال الوقت وحرصه على إنجاز موقف عملي مفيد ولو كان جائراً أو أقل مما يطمح إليه، فقد كان يدرك توجهات العالم الغربي، وكراهته لكيان إسلامي في أوروبا، وحادثة القبول بالصلح أنموذج يستحق التقدير، فالتصلب هنا مهلكة، والصلح غبن، لكنه أخف الضررين، فقبل بما وصفه: «سلام جائر خير من حرب مهلكة»، وقد أوصله الوضع إلى شبه يأس من نصير في عالم القوى الدولية رغم بقايا صراع الغرب آنذاك، وعندما تلوح لحظة أمل، أو انفراج، فإنه لا يضيعها، ولا يمتهن نفسه في البحث عن عون المعرضين عنه).
    كان بيجوفيتش سياسياً داهية، ومناضلاً عنيداً، وفيلسوفاً حكيماً ذا نظرة إسلامية عميقة بعيدة المدى جعلته يتجاوز كونه مجرد رئيس مسلم، ليُعد وبحق زعيماً للأوروبيين المسلمين، ليعمل مع جنود الإسلام العاملين على نهوض المسلمين وتخليصهم من التخلف والركود، وهو ما أهَّله للفوز بعديد من الجوائز كجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلامفي العام 1993م، وجائزة مُفكر العاممن مؤسسة علي وعثمان حافظ عام 1996م، وجائزة جلال الدين الرومي الدولية لخدمة الإسلامفي تركيا، وجائزة الدفاع عن الديمقراطية الدوليةمن المركز الأمريكي للدفاع عن الديمقراطيات والحريات، وجائزة دبي الدولية للقرآن الكريمفي رمضان 1422 هـ تقديراً لجهوده في خدمة الإسلام والمسلمين، وجائزة شخصية العام للعالم الإسلاميفي العام 2001م (1422).
    وقد ترك مؤلفات عدة قيّمة ألفها قبل صدورها وذيوعها بأعوام، لكن ظهورها تأخّر جداً لعدة أسباب، أهمها: انتشار الجهل في الجمهوريات اليوغوسلافية، وشدة الظلام الشيوعي المتطاول على بلاده، فضلاً عن أن كتاباته كلها كانت بلغته القومية (البوسنية) المغلقة نسبياً، ولم يكتب بالعربية ولا الإنكليزية، وإنما تُرجمت أولاً إلى الإنكليزية وفي وقت متأخّر إلى العربية ولغات أخرى، ولذلك فقد ظل بيجوفيتش المفكر والفيلسوف مجهولاً زمناً طويلاً حتى أظهرته الأحداث الكبار، وكان قد قارب الستين من عمره، فصارت له الشهرة وكان التقدير.
    وأهم مؤلفاته:
    1- الإسلام بين الشرق والغرب:
    وهو أفضل كتبه وأقيمها، عرض فيه للتفرقة بين الأيديولوجيات والنظريات الدينية والفلسفية؛ الأيديولوجيات المادية - كنظرية داروين وأفكار نيتشة -، والأيديولوجية الروحية المتمثلة في الدين المسيحي، والنظرية الإسلامية التي تجمع بين الروح والمادة، ثم يفيض في شرح فلسفته ليبين خطر الأيديولوجيات المادية والروحية وفسادها وفشلها في تنظيم شؤون الحياة، وبيّن مدى عمق النظرة الإسلامية للحياة وشؤونها. وقد بدأ بيجوفيتش بكتابة بعض مسودات الكتاب قبل أن يُطبع بأكثر من 20 عاماً، وترجمه صديق له مقيم في كندا إلى اللغة الإنكليزية، ثم ترجمه الأستاذ الكبير محمد يوسف عدس من الإنكليزية إلى العربية بدقة وإتقان، وصدر الكتاب بمقدمة قيمة للدكتور عبد الوهاب المسيري، قال فيها: (مفكر ورئيس دولة يُحلل الحضارة الغربية، ويُبين النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفي نموذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه، لكنه في ذات الوقت يستفيد من اجتهادات المفكرين الغربيين المدافعين عن الإنسان، ولعل إيمانه بالإنسان الذي ينبع من إيمانه بالله وإدراكه ثنائية الطبيعة البشرية، هو الذي شد من أزره إلى أن كتب الله له ولشعبه النجاة، وهو الذي مكنه من أن يلعب هذا الدور المزدوج؛ دور المجاهد والمجتهد، ودور الفارس والراهب).
    2- البيان الإسلامي:
    كتبه في العام 1969م، وفكرته تدور حول أن الإسلام هو وحده الذي يستطيع إعادة إحياء القدرات الخلّاقة للشعوب المسلمة، ودعا فيه إلى العودة إلى أصول ومنابع الحضارة الإسلامية، ودعا إلى مزيد من الإنفاق على التعليم، والابتعاد عن العُنف، وضمان حقوق الأقليات، وقد أكد فيه أنه لا توجد حادثة واحدة في التاريخ لم تكن فيها الحركة الإسلامية الأصيلة حركة سياسية في نفس الوقت؛ لأن الإسلام أسلوب حياة متكامل. وقد أثار الكتاب ثائرة الشيوعيين الذين رأوا فيه نوعاً من المناهضة للشيوعية، لا سيما أنه أخذ الشكل العام في عنوانه لعنوان البيان الشيوعي الذي أصدره كارل ماركس وفريدريك أنجلز في العام 1848م، وأصبح دستور الحركة الشيوعية فيما بعد، ما حمل الحكومة على إقامة دعوى ضده بسبب الكتاب انتهت بالحكم عليه بالسجن لمدة 14 عاماً، نفذ منها خمسة فقط ثم أُفرج عنه.
    3- الهروب إلى الحرية:
    وهو عبارة عن تعليقات على بعض نصوص قرأها أو أفكار بدت له وهو سجين، وهو عميق الفلسفة، عميق النقد الفكري والأدبي والقانوني والديني والحضاري، على غير نسق سابق.
    4- مذكراتي:
    وهو عبارة عن سيرة ذاتية، وهي عدة أقسام، منها ما كتبه بنفسه ابتداءً عن حياته الخاصة والعامة، ومنها بعض أحداث متعلقة بالبوسنة، ومقابلات طويلة مهمة تلخّص رؤيته لكثير من الأحداث والأفكار، وملاحق ببعض المحاضرات والمقابلات، وبعض نصوص الاتفاقيات الدولية بشأن البوسنة كان له فيها دور. وأهم ما يميز هذه المذكرات أنه لم ينتصر فيها لنفسه تماماً كغيره من السياسيين والمفكرين الذين كتبوا مذكراتهم، بل اعترف في عدة مواضع بأخطائه التي ارتكبها واعتذر عنها.
    وفي الجملة فقد تميَّزت كتاباته بقوتها الفلسفية والتركيز على نقض الفلسفات الغربية المبنية على المادية، وأهم ما يميز أسلوبه استيعابه الشديد لمضامين الفلسفات الغربية، فهو يتحدث بطلاقة غير معتادة من المفكرين الإسلاميين عن نيتشة وياسبرز وكيركجارد.
    كما تمتاز كتاباته بقوة حُجتها المنطقية، بحيث لا يمكن لغير المسلم إلا التسليم بها، فمثلاً حين تصدى للإجابة عن السؤال المتكرر: هل يُقر الإسلام المساواة بين الرجل والمرأة؟! أجاب: نعم ولا.. نعم إذا كنا نتحدث عن المرأة باعتبارها شخصية إنسانية ذات قيمة مساوية للرجل تتحمّل مسؤولية وواجبات أخلاقية وإنسانية، ولا إذا كان الأمر يتعلق بالمساواة المطلقة في الوظائف والأدوار كما يُفهم من معنى المساواة في أوروبا، ثم يشرح وجهة نظره لافتاً الانتباه إلى أن الأمر هنا لا علاقة له بتفوق في جانب أو دونية في جانب آخر، لأن مسألة التفوق والدونية يمكن تصورها فقط بين أشياء من جنس واحد، ومن ثمَّ فإن المرأة لا يمكن وصفها مقارنةً بالرجل بأنها أعلى أو أدنى.. لماذا؟ لأنها بكل بساطة مختلفة عن الرجل، لذلك تسقط المقارنة، ويسقط معها تحديد الأعلى والأدنى، فلا معنى للسؤال: أيهما أهم القلب أم الرئة؟! لأن العضوين لا يمكن أن يقوم بوظيفة الآخر، بل إن الاختلاف بينهما يعزز قيمة كل منهما بالنسبة للآخر، ثم يستدل على وجهة نظره بأدلة علمية من واقع دراسات اجتماعية وطبية عديدة، من بينها ما أظهرته اختبارات الذكاء عند الرجل والمرأة من فوارق تتعلق بنوعية الذكاء وليس بمستواه، إذ أبرزت سمات أكبر من الحرية واتجاه نحو العالم الخارجي عند الرجل، أما ذكاء النساء فقد اتسم بحرية أقل واتجاه نحو الحياة والشخصية والعواطف، ثم هو يُرجع السبب في هذه الفوارق إلى اختلاف دور كل منهما في نشوء الحياة واستمرارها على الأرض، فالمرأة رمز الخصوبة والولادة وتعاقب الأجيال، وفي هذا المجال - بالغ الأهمية - تقوم المرأة بدور مباشر، أما دور الرجل فيبدو أقل أهمية وكأنه ليس أكثر من مشاهد حائر، وهنا لا يصح وصف العلاقة بأنها مجرد علاقة رجل وامرأة، وإنما الحقيقة أنها علاقة أم بوالد طفلها، فالأمور هنا لا بد أن تأخذ الشكل أو الصفة التي ينبغي أن تكون عليها كما تفرضها طبيعة الجنسين.. في هذه العلاقة يصبح السؤال عن المساواة بين الجنسين بلا معنى، بل يصبح سؤالاً مضحكاً!
    ولم يكن متعمّقاً في الفلسفات النظرية البعيدة عن واقع المجتمع، بل إنه لم يزل يستخدم هذه الفلسفات في كل موقف في حياته، من ذلك أنه وصل ذات مرة إلى صلاة الجمعة متأخراً وكان قد اعتاد الصلاة في الصفوف الأمامية، ففتح له الناس الطريق إلى أن وصل إلى الصف الأول، فاستدار للمصلين قائلاً: (هكذا تصنعون طواغيتكم).
    وكان يقول عن الثورات وموقف المسلم منها: (إن تقدُّم الإسلام - مثل أي تقدم آخر - سيتحقق على أيدي الشجعان الثائرين، لا على أيدي الوديعين المُطيعين)، ويقول: (كل ثورة حقيقية تتميز بسمات معينة تشتمل على الإيمان والرغبة العارمة في التضحية والموت)، ويقول: (المسلم بين خيارين لا ثالث لهما.. إما أن يُغيّر العالم، وإما أن يستسلم للتغيير).
    توفي بيجوفيتش يوم الأحد 19 أكتوبر 2003م عن عمر يُناهز 78 عاماً، وكان قد أوصى قبل وفاته بساعات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالبوسنة خيراً، وهو ما اعتبره البعض تصرفاً غريباً ينمّ عن بُعد نظر قد يُدرك مداه لاحقاً، ولم يتمكن مسلمو (البوسنة) من إعلان الحداد الرسمي على زعيمهم، إذ اعترض على ذلك ممثل الصرب في المجلس الرئاسي.
    يقول الدكتور محمد حامد الأحمري: (علي عزت أنموذج لندرة من الرجال الذين هم أكبر مما يسمح به زمانهم أو مكانهم لهم، وكانت تلك حال البوسنة مع علي، فقد أعطته البوسنة فوق ما تستطيع دويلة محاصرة أن تقدمه من الشهرة والتأثير، وأعطى من الجهاد لبناء أمته المحاصرة الكثير، وأعطى الفكر والثقافة الإسلامية أكثر مما يمكن أن يُعطيه مثقف مسجون أو محاصر كحصاره لعقود، كان يتمتع بقوة روحية هائلة).
    لقد كانت حياة علي عزت بيجوفيتش - رحمه الله - مليئة بالأحداث، حافلة بالدروس والعبر، لقي فيها جلائل المحن التي لم تفل من عزمه الشديد، ولم تُؤثر في نفسه المؤمنة المطمئنة، ولم تُغير من عقله وفكره العميق الواثق بنصر الله لعباده المؤمنين العاملين الصابرين. نحسبه قد لقي ربه سعيداً مطمئناً بعد أن حقق بعضاً من آماله وتغلب على شيءٍ كثيرٍ من أحزانه.. فرضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه، وآخرته خيراً من أولاه.



    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي

    الوجه الآخر لشخصية بيجوفيتش

    14 يونيو, 2016



    عرف الناس الرئيس والمفكر المسلم البوسني علي عزت بيجوفيتش سياسيا محنكا وقائدا قويا ومفكرا عميقا، لكنهم لم يعرفوا الكثير عن علي عزت الإنسان، رغم أن عاطفته الإنسانية الإسلامية تتدفق في كل جوانب حياته، الدكتور علي الفريضي يقدم في كتابه (علي عزت بيجوفيتش، المفكر المجاهد) صورة أخرى للرجل الذي بهر العالم بفكره وقوته وحنكته، وفيما يلي بعض من مواقفه:
    الرئيس الزاهد
    ليس عاديا في عالمنا الإسلامي أن يجتمع هذان الوصفان في شخص، فالغالب الأعم هو أن يكون الرؤساء في طبقة الأغنياء كسبا وسلوكا، أما علي عزت بيجوفيتش فكان استثناء ضمن أولئك. ويصف علي عزت معيشته قائلا:”إنني أعيش في شقة من غرفتين وهي ملك لرئاسة البوسنة والهرسك دون خدم أو بذخ، ولا أمتلك سوى ممتلكات بدائية، وليس لأولادي ممتلكات كذلك”ولعل سببين رئيسين يقفان خلف ذلك النمط من الزهد الذي عرف به، أولهما أنه جاء إلى الرئاسة من باب النضال والكفاح الحق، والثاني هو مسيرة حياته الراشدة منذ الطفولة وصدق انخراطه في مأساة البوسنة التي عاشها جسما وروحا.وفي استقالته طواعية من الرئاسة أصدق دليل على تلك الروح المتعالية على متاع الدنيا التي كان يحملها بين جنبيه، وقد قال عنه صديقه الحميم محمد الفاتح حسنين إنه وزع جائزة فيصل التي فاز بها على العائلات المنكوبة في مدينتي ( جبا ) و( سربنتيسا ).
    القائد الصفوح
    لم يكن علي عزت يحمل في طويته أي حقد على أحد، بل كان رحب الصدر واسع الحلم، وتعكس شهادة وزير خارجيته حارث سلايجيتش كيف أن هذا السلوك كان بارزا في شخصيته، يقول سلايجيتش:(أثناء عملي معه اكتشفت أن الرجل لا يحمل في صدره أي ضغينة لأحد ويحترم كل الآراء).وكان رحمه الله منصفا في أحكامه لا يقبل أن يسقط في فخ التعميم ولو كان يتحدث عن أعدائه الذين دمروا بلده وسجنوه سنوات عديدة، وقد خاطب مرة بعد الحرب جماهير الصرب والكروات قائلا:(إنني أخاطب كل أولئك الذي لم تلطخ أيديهم بدماء الأبرياء، إنهم أبرياء، إنهم موطن ترحيب في دولة البوسنة والهرسك).وقد أثر علي عزت بأخلاقه العالية في السجناء الذين كانوا معه وأغلبهم من سجناء الحق العام لدرجة أنهم أحيانا يخبرونه بأمور لم يبوحوا بها للمحكمة، وقد خاطر أحدهم بتهريب كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب) من السجن في علبة شطرنج متجاهلا كل ما يمكن أن يحدث له لو اكتشف أنه فعل ذلك ورافضا أن يتسلم مكافأة نقدية على ذلك.ولا ينسى علي عزت ذلك الرجل النبيل، بل يتحدث عنه في مذكراته قائلا:”الناس الذين نسميهم مجرمين يعرفون عادة الصداقة، وهم مستعدون للمخاطرة، وبعض من نسميهم طيبين يكونون غالبا مجردين من هذه الفضائل”؟
    المسلم الشجاع
    حاول علي عزت بكل حنكته السياسية تفادي الحرب، لكنه لم يكن خائفا منها، لذلك قال في خطابه المشهور:”وإذا ما دعت الحاجة فسوف يحمل المسلمون السلاح دفاعا عن البوسنة”، بهذه الكلمات أعلن علي عزت بدء مرحلة جديدة من تاريخ تحرر المسلمين من قبضة الصرب، سيدفع فيها المسلمون أرواحهم ودماءهم من أجل هذه الحرية التي صادرها الصرب عقودا من الزمن.وقد أبلى الجيش البوسنوي المسلم بلاء عظيما أمام القوة العسكرية الهائلة لجيش الصرب الذي كان ترتيبه الخامس في أوروبا. وكان علي عزت مهندس ذلك العمل الكفاحي الفريد، وكان يملك روحا من الأمل والثقة العالية، يقول في سيرته الذاتية متحدثا عن مرحلة الحرب:”لقد كنا نزداد قوة ويزدادون ضعفا، إن العائق الكبير هو قلة السلاح”.وحينما حاول المجتمع الدولي وأوربا كسر إرادته بأن يوقف الحرب من طرف واحد من أجل إدخال المساعدات قل كلمته القوية:”إنه لا يمكن وقف العدوان من خلال الصدقات التي ترمون بها إلى شعبنا”وقد استطاع بحنكته العسكرية أن يخادع الصرب عن جبال (إيجمان) الشيء الذي كان له الدور الأبرز في رفع الحصار عن سراييفو، فقال للمفاوض الأوروبي(أوين) إنه يشترط للتفاوض أن ينسحب الجيش الصربي منها، ولما انسحبوا منها احتلها الجيش البوسني المسلم، ولم يبد علي عزت أي رغبة للتفاوض.
    المناضل الذي لا يمل
    يروي عصمت كاسيموفيتش وهو رفيق درب لعلي عزت أن الأخير حينما خرج من سجنه الأول لم يذهب إلى بيته للقاء عائلته كما هو المتوقع، لكنه ذهب إلى عصمت كاسيموفيتش ودق عليه الباب، فلما فتح عنه قال:”السلام عليكم، من قائدي الذي يجب أن أتابع معه العمل؟”.إن هذه القصة تعكس كيف يتصور علي عزت الكفاح الذي انخرط فيه منذ نعومة أظافره، إنه يرى أنه هو رسالته في الحياة، إنه يرى الإسلام كفاحا وصبرا في المحن، يقول في كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب):”إن الإسلام لم يأخذ اسمه من تشريعاته ولا نظامه ولا محرماته، وإنما من شيء يتمثل هذا كله ويسمو عليه، من قوة النفس في مواجهة محن الزمن، من التهيؤ لاحتمال كل ما يأتي به الوجود من أحداث”.وفي مقولته العميقة التي ضمنها كتابه الإعلان الإسلامي تظهر هذه الفلسفة التي ترى الإسلام من زاوية الكفاح والنضال من أجل الحرية والحق والخير والجمال، يقول علي عزت:”إن اتصاراتنا وانكساراتنا هي في الحقيقة علامات انتمائنا للإسلام”.
    يتحدث همسا وبعيدا يُسمَع
    ذلك هو علي عزت بيجوفيتش الرجل الذي كان يتحدث همسا وبعيدا يسمع، كما تقول فحرية فيزيتش في كتابها (البوسنة:السر الكبير)، لقد آذاه أعداؤه ولكنهم لم يستطيعوا إخفاء إعجابهم بشخصيته، يقول عنه هولبرك:“لقد كانت في وسط تلك المعمعة شخصية علي عزة الآخذة للنظر، فلقد استطاع الإبقاء على فكرة البوسنة حية في أحلك الظروف، وكان الرجل ذو السبعين خريفا يرى في السياسة كفاحا مستمرا بعد قضائه ثماني سنوات في سجون تيتو، وصموده أربع سنوات في وجه هجمات الصرب، لقد ذكرني منذ الوهلة الأولى بماو تسيتونغ”.

    رحم الله المفكر والقائد المسلم النبيل علي عزت بيجوفتش رحمة واسعة

    https://islamonline.net/17131

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •