يا طالب العلم: إيَّاك أن تكون حاطب الليل


قاسم عبدالواحد







الحمد لله بارئ البريَّات, بديع الأرض والسّماوات, والصَّلاة والسّلام على أشرف البريَّات, الشّفيق على أمّته شفقة الآباء والأمهات, المنعوت بجزيل العطايا والمكرمات, وعلى آله وصحبه الأبرار, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار. أمَّا بعد:




قال سليمان بن موسى: يجلس إلى العالم ثلاثة أصناف من الطلبة:



الصّنف الأوَّل:صنف يأخذ كلّ ما يسمع؛ فذلك حاطب ليل.



الصّنف الثَّاني: وصنف لا يكتب ويسمع؛ فيقال له: جليس العالم.



الصِّنف الثَّالث: وصنف ينتقي وهو خيرهم, يعني: وهو العالم.



قال أبو عمر ابن عبد البر القرطبي: العرب تضرب المثل بحاطب الليل للذي يجمع كلّ ما يسمع من غث وسمين، وصحيح وسقيم، وباطل وحقّ؛ لأنّ المحتطب بالليل ربما ضمّ أفعى فنهشته؛ وهو يحسبها من الحطب[1].



فحاطب الليل: هو الذي يجمع كلّ شيء يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه كالذي يحطب ليلاً، أي يجمع الحطب فهو لا يدري ما يجمع[2].



يقول الشَّاعر:



يَا عجبا والدهر ذُو عجائب *** من شَاهد وَقَلبه كالغائب



كحاطب يحطب في بجاده *** في ظلمة الليل وفي سواده



يحمل فَوق ظَهره الصِّل[3] الذكر ** والأسود السالخ مكروه النظر[4].



فلتكن يا طالب العلم من الصّنف الثّالث؛ وهو المنتقي, المميز بين الصّحيح والسّقيم؛ وإيَّاك أن تكون حاطب الليل؛ لأن لا يكون ضررك بالنّاس أكثر من نفعك لهم؛ ذلك أنّ المنتقي هو الذي يتّصف بقول سفيان الثّوري الآتي.



قال سفيان الثّوري: إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه:



الوجه الأوَّل:حديث أكتبه أريد أن أتّخذه دينًا.



الوجه الثَّاني: وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به.



الوجه الثَّالث: وحديث رجل ضعيف أحبّ أن أعرفه ولا أعبأ به[5].



فإذا لم تكن – يا طالب العلم – منتقيًا؛ فكيف تفرّق بين الحديث الذي ينبغي عليك أن تعمل به, وتتّخذه دينًا, وبين الذي لا ينبغي لك أن تعوّل عليه؟!!



المراجع



[1] ينظر: جامع بيان العلم وفضله 1/327 بنوع من التّصرّف.




[2] الفاخر لأبي طالب المفضل ص: 112.



[3] الصِّلُّ: هو الحيّة. ينظر: الصحاح تاج اللغة 5/1745.



[4] ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ص: 640.



[5] المصدر السَّابق 1/330.