السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,970

    افتراضي السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (1)

    مقدمة

    النبوة نعمة ورحمة
    الحمد لله رب العالمين نحمدك اللهم على نعمة الإيمان بك وشرف الإسلام لك، ونسألك يا ربنا أن تجعل لنا من أنوارك نوراً يسرينا الخير والشر بصورتيهما، ويعرفنا الحق والباطل بحقيقتيهما، حتى نكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ومن الموصوفين بقولك : (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) [المجادلة /22].

    وأصلي وأسلم وأبارك على خير خلق الله ورحمته المهداة سيدنا محمد أكمل الخلق روحاً وعقلا، وأقومهم بدنا ورسما، وأعلاهم قدراً وذكراً، وأرفعهم فضلا ونبلا، وأشرفهم مجدا وعزا، وأحسنهم خُلقا وخَلقا، وأصدقهم قولاً وفعلا، وأصفاهم طوية وقلبا، وأطهرهم نية وقصدا، وأهداهم طريقا وهديا، وأرشدهم سلوكا ومنهجا، وأسدهم مسلكا ورأيا، وأنبلهم غاية ومقصدا، وأكرمهم أصلا ومحتدا، وأعزهم بيتا ومنبعا، وأعرقهم أرومة وجمعا .
    أدبه ربه فأحسن تأديبه، ورباه فأكمل تربيته، وجعله خاتما للنبيين والمرسلين، وحجة على جميع العالمين :
    (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الأنفال /42] .
    اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين . وبعد،

    فإن الأنبياء هم مجدفوا سفينة البشرية، وهم الذين قادوها إلى ساحل النجاة عبر التاريخ البشري، ومهما تنكر أحد لهذه السفينة، واستغنى عنها، وتفاداها إلى (جبل) فإن مصيره المحتوم هو مصير ابن نوح الشارد المارد العاتي الطاغي الذي قال : (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ) فقال له :
    (لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) [هود/ 43] .
    إن الأنبياء والرسل هم صفوة الخلق واجتباء الخالق :
    (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ) [الحج/ 75]. (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص/ 68] . وقد اختارهم الله لحمل رسالاته وإبلاغها للناس، ودعوة الخلق إلى عبادة الخالق وتوحيده، ووعد من أطاع بالثواب، وإيعاد من عصى بالعقاب ( لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء /165] .

    وقد تفرد الأنبياء بكمال علمهم بالله - تعالى - وبصفاته وأحكامه ومرضاته، وبخواص العقائد والأعمال والأخلاق صححيها وسقيمها، وصالحها وفاسدها، وما تجر وتستتبع من سعادة وشقاء في الدنيا، وثواب وعقاب وجنة ونار في الآخرة، وخصهم الله – بقدر ما يريد – بعلم ما يكون بعد هذه الحياة، وفي ذلك العالم من حشر، ونشر، وإنعام، وعذاب، ونعيم، وجحيم .
    (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) [الجن /26-27].
    لقد وقفوا عليهم - الصلاة السلام - على جبل النبوة يشرفون منها – بقدر ما يريد الله – على عالم الغيب والشهادة، ويخبرون بما يهجم على هذه البشرية، وعلى هذه المدنية في المستقبل القريب والبعيد، وما يكمن لها من خطر وضرر في حياتها، ثم ينذرون قومهم شفقة وإشفاقا، وحبا وإخلاصا، فإذا نازع منازع هذا الحق الطبيعي العقلي، وهذه البداهة، وشك أو شكك في مركزهم، قالوا في صيحة وإخلاص، وتألم وإشفاق
    (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) [سبأ /46] .وإلى لقاء قادم إن شاء الله


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,970

    افتراضي

    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر(1)


    الحلقة(2)



    حاجة الإنسانية إلى النبوة
    إن الأنبياء هم الوسيلة الوحيدة للمعرفة الصحيحة والهداية الكاملة لذلك يلح القرآن على أن الأنبياء هم الأدلاء على الله وصفاته الحقيقية، وهم المصدر الوحيد لمعرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة، التي لا يشوبها جهل ولا ضلال، ولا سوء فهم، ولا سوء تعبير، ولا سبيل إلى معرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة إلا ما كان عن طريقهم، لا يستقل بها العقل، ولا يغني فيها الذكاء، ولا تكفي سلامة الفطرة، وحدة الذهن، والإغراق في القياس، والغني في التجارب، وقد ذكر الله تعالى هذه الحقيقة الناصعة على لسان أهل الجنة، وهم أهل الصدق، وأهل التجربة، وقد أعلنوا ذلك في مقام صدق كذلك: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [ الأعراف /43 ]. وقرنوا هذا الاعتراف والتقرير بقولهم: (لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ). فدل على أن الرسل وبعثتهم هي التي تمكنوا بها من معرفة الله تعالى، وعلم مرضاته، وأحكامه والعمل بها، الذي تمكنوا به من الدخول في الجنة، والوصول إلى دار النعيم.


    سر شقاء البشر:
    إذاً قد ضل وتعب، وجاهد في غير جهاد من أراد معرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة وصفاته وأسمائه الحسنى، وما بينه وبين هذا العالم من صلة، والعلم بإحاطته به، وقدرته عليه، ونفوذ أحكامه فيه، عن غير طريق الأنبياء والمرسلين، واعتمد في ذلك على عقله، وعلمه، وذكائه، وإلمامه ببعض العلوم والصنائع، ونجاحه في بعض المحاولات العلمية، وإنتاجه الضعيف المتواضع أو العظيم الضخم في بعض مجالات علمية، وحق عليهم قوله تعالى:
    (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [ آل عمران /66 ].


    مصير الأمم المتمدنة التي استغنت عن علم الأنبياء:
    إن التقدم العلمي، والرقي المدني، والذكاء الإنساني، والقفزة الحضارية الهائلة التي يشهدها عصرنا الراهن لم ولن تغني عن أصحابها شيئا إذا هم أعرضوا عن دعوات النبيين والمرسلين، وإن حاجتهم إلى هذا العلم الذي يحمله الأنبياء، وينفردون به بين الخلق، حاجة الغريق إلى قارب النجاة، وحاجة المريض المشرف على الهلاك إلى الدواء الإكسير، ولا يزال أفرادها بالنسبة إلى هذا العلم – مهما علا كعبهم في العلم والمدنية– جهالا أميين، وفقراء مفلسين، وأطفالا صغاراً، وكانت الأمم على خطر – رغم كل فتوحها العلمية وازدهار المدنية– إذا جهلته أو رفضته.


    وقد وقعت أمم متمدنة راقية غنية في العلوم والآداب التي يضرب بها المثل في الذكاء والعبقرية فريسة الإنكار والاستكبار، والإعجاب بنفسها، والادلال بعلومها وصنائعها، ونظرت إلى ما جاء به نبي عصرهم بعين الازدراء والاحتقار، وزهدت فيه واستصغرته، فذهبت ضحية الغرور، وكان عاقبة أمرها خسرا.
    وإلى لقاء قادم إن شاء الله





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,970

    افتراضي


    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

    الحلقة(3)
    علم الأنبياء وعلوم البشر

    مثل العلم الذي يجئ به الأنبياء مع علوم البشر
    إن الفرق الواضح الذي بين علم الأنبياء وبين علوم العلماء والحكماء يتجلى بوضوح في هذه القصة:
    يحكي أن فريقا من تلاميذ المدارس ركبوا سفينة للنزهة في البحر، أو للوصول إلى البر، وكان في النفس نشاط،وفي الوقت سعة، وكان الملاح المجدف الأميَّ خير موضوع للدعابة، والتنادر، وخير وسيلة للتلهي وترويح النفس، وخاطبة تلميذ ذكي جرئ، وقال: يا عم! ماذا درست من العلوم؟ قال: ولا شيء يا عزيزي! قال: أما درست العلوم الطبيعية يا عمي؟! قال: كلا، ولا سمعت بها، وتكلم أحد زملائه، وقال: ولكنك لابد درست علم الإقليدس، والجبر، والمقابلة! قال: وهذا أغرب، وتصدقوني إني أول مرة أسمع هذه الأسماء الهائلة الغربية، وتكلم ثالث (شاطر) فقال: ولكني متأكد بأنك درست الجغرافية والتاريخ! فقال: وهل هما اسمان لبلدين، وعلمان لشخصين؟.

    وهنا لم يملك الشباب نفوسهم المرحة، وعلا صوتهم بالقهقهة، وقالوا: ما سنك يا عم؟! قال: أنا في الأربعين من سني! قالوا: لقد ضيعت نصف عمرك يا عمنا! وسكت الملاح الأمي على غصص ومضض، وبقي ينتظر دوره، والزمان دوار.
    وهاج البحر وماج، وارتفعت الأمواج، وبدأت السفينة تضطرب، والأمواج فاغرة أفواها لتبتلعها، واضطرب الشباب في السفينة – وكانت أول تجربة لهم في البحر – وأشرفت السفينة على الغرق، وجاء دور الملاح الأمي فقال في هدوء ووقار: ما هي العلوم والآداب التي درستموها في الكلية، وتوسعتم فيها في الجامعة من غير أن يفطنوا لغرض الملاح الجاهل الحكيم، ولما انتهوا من عد العلوم المرعبة أسماؤها، قال في وقار تمزجه نشوة الانتصار: لقد درستم يا أبنائي هذه العلوم الكثيرة فهل درستم علم السباحة؟ وهل تعرفون إذا انقلبت هذه السفينة – لا قدر الله – كيف تسبحون وتصلون إلى الساحل بسلام؟ قالوا: لا والله يا عم! هو العلم الوحيد الذي فاتتنا دراسته والإلمام به، هنالك ضحك الملاح، وقال: إذا كنت قد ضيعت نصف عمري فقد أتلفتم عمركم كله، لأن هذه العلوم لا تغني عنكم في هذا الطوفان، إنما كان ينجدكم العلم الوحيد، هو علم السباحة الذي تجهلونه.

    هذه هي قصة الأمم المتمدنة الراقية – التي مضت – كانت دائرة معارف، وكانت زعيمة العالم كله في كل ما أنتجه البشر، وتوصلوا إليه في العلوم والحكمة، واكتشفوا به هذا الكون الواسع والذخائر المودعة فيه، ولكنها جهلت العلم الوحيد الذي يوصل إلى الخالق، ويُعرِّف به، والذي تنال به النجاة، وهو بر السلام والساحل المقصود، هو الذي يضبط الأعمال، والرغبات، ويقهر النزوات، والشهوات، ويصلح الأخلاق، ويهذب النفوس، ويردع عن الشر، ويدفع إلى الخير، ويلهم خشية الله التي لا صلاح للمجتمع، ولا قوام للمدنية بغيرها، ويحمل الإنسان على التهيؤ للمصير، والاستعداد للآخرة، ويخفف من غلواء الأنانية، وحب الذات، والتكالب على حطام الدنيا، ويلهم الاقتصاد والسداد، ويمنعه من الجهاد في غير جهاد.

    وقد حكي الله قصة هذه الأمم التي غلب عليها الزهو والتيه، واستصغرت شأن الأنبياء المبعوثين في عصرها، الذين لم يشتهروا بامتياز في علم من العلوم السائدة فقال:
    (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)[ غافر/83 ].
    وهذه قصة كل أمة بلغت شأوا بعيدا في العلم والمدنية والصناعة والحكمة بعد بعثة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقد منعها استكبارها وزهوها واعتمادها الزائد على علومها وحضارتها، وعلى أساتذتها النوابغ وعباقرتها الكبار من الإفادة من العلم الغزير الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمسك بأهدابه، والسير في ركابه، وقصة كل أمة معاصرة تمكنها الإفادة من هذا الدين الخالد، ومن هذا النور الوضاء، وستلقى هذه الأمم كلها جزاء الاستكبار، ونتيجة هذا الإنكار أو الاستغناء، في تعفن حضارتها، وانهيار مدنيتها.

    وشأن الأقطار الإسلامية والعربية في الإعراض عن هذه التعليمات، وهذا العلم الغزير الموجود، والزهد في الاستفادة منه، والتهالك على الحضارة الغربية، والقيم المادية، والأوضاع الجاهلية، والفلسفات القومية أو الاشتراكية أغرب، وهي على خطر عظيم لا يدفعه شيء، ولا تزال معاقبة بالفرقة والاختلاف، والفوضى والثورات، والتحاسد والتباغض، وعدم التعاون والاتحاد، وذهاب الريح والشوكة، والهوان على العدو
    (1).

    (1) انظر: محاضرات إسلامية في الفكر والدعوة للعلامة أبي الحسن الندوي 3/15، 16، 19، 21.
    وإلى لقاء قادم إن شاء الله




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,970

    افتراضي


    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

    الحلقة(4)
    طوق النجاة: اتباع رسول الله


    إذا كانت النبوات – كما تقدم – نعمة، والرسالات رحمة، فإن خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم هو نعمة النعم وعين الرحمة، قال تعالى:
    (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [ الأنبياء /107 ]. وسيرته العطرة هي المثال الحي، والتطبيق العملي، والنموذج الواقعي للاستقامة على منهج الله وفق مراد الله.
    وقد عبرت عن ذلك أدق تعبير أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم، فقالت:
    (إن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن)(1).


    أي إنه صلى الله عليه وسلم كان نموذجا حيا للفضائل والأخلاق التي دعا إليها القرآن فإذا كان الإسلام يدعو إلى العدل، ويجعله إحدى قيمة العليا، ومبادئه الأساسية، ويقاوم الظلم بكل صوره، فإن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته مثال ناطق لتحقيق العدل في جميع المجالات: العدل مع النفس، والعدل مع الأسرة، والعدل مع الأقارب، والعدل مع الأصدقاء، والعدل مع الأعداء، وهكذا كل ما يمكن من صور العدل ومظاهره، والأمثلة التطبيقية لهذه الأنواع من العدل موفورة في سيرته صلى الله عليه وسلم، وستأتي معنا فيما بعد إن شاء الله تعالى.


    وإذا كان الإسلام يدعو إلى الشورى، بوصفها أساساً من أسس الحياة الاجتماعية والسياسية في الإسلام، فإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي وسيلة الإيضاح لتطبيق هذا المبدأ الجليل، كما يلمس ذلك الدارس لغزوات مثل: بدر وأحد وخيبر وغيرها.
    وقس على ذلك كل الفضائل الخلقية مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والرحمة وغيرها، فإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي التطبيق الرائع لهذه الأخلاق.


    وهكذا كل المبادئ والمعاني والقيم التي جاء بها الإسلام تتجلى في حياته صلى الله عليه وسلم.(2)
    ومن أجل ذلك كان صلى الله عليه وسلم أسوة، وكان قدوة، وكان على خلق عظيم وصدق الله العظيم، إذ يقول: سورة ا
    (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [لقلم/ 4]
    يقول ابن عباس في تفسير هذه الآية:
    (لعلى دين عظيم، لا دين أحب إلي، ولا أرضى عندي منه وهو دين الإسلام)(3).


    وهذا ما حدا بابن القيم أن يقول:
    (الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين).
    إذا كان هذا شأنه صلى الله عليه وسلم وشأنه سيرته، فإن دراسة السيرة تصبح من الأهمية بمكان كبير، ذلك أنها تبصير بمنهج الله تعالى، ثم هي أيضا منجاة من أمواج الشهوات والأهواء التي تعبث ببني البشر اليوم.
    إن سعادة الأمم والأفراد، والشرق والغرب، والأولين والآخرين، منوطة بالإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم، والاهتداء بسيرته، والتمسك بسننه، والالتفاف حول دينه، ومن اتجه عنه إلى الشرق أو الغرب، وآوى إلى (جبل) فلن يعود إلا بالويل، ولن ينال إلا الشقاء، ولن يستقبله إلا البلاء، ولن يظلم إلا نفسه.


    وهذا كتاب في السيرة النبوية، يرتكز في بنيانه على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، منهما يغترف، وإليهما يعود، ولن أهمل الاستفادة من كتب التاريخ والسير قديمها وحديثها، بعد البحث والتمحيص والتحقيق، والموازنة بين الروايات، والأخذ بما يصلح للاحتجاج منها، وترك ما عداه.


    ولن اقصر دراستي في السيرة النبوية على السرد التاريخي فحسب كما صنع معظم المتقدمين، وبعض المتأخرين، ولا على التعليق على مواقف السيرة أوجلها، مع إغفال الهيكل الأصلي، أو الجانب التاريخي كما صنع بعض المحدثين، وإنما جمعت بين الحسنين، الهيكل التاريخي مع تحري الحقيقة، والتعليق على المواقف، وانتزاع العبر النافعة، والدروس المفيدة منها.


    ولن أترك حدثا مهما، أو موقعة فاصلة، أو سرية مهمة، أو عملا بارعا، أو سياسة راشدة، أو قيادة حكيمة، أو أي تصرف كريم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأحد أصحابه، إلا أقف عنده، أو عندها وقفة أو وقفات، ليتبين للقارئ فرق بين الأخلاق المحمدية، وسياساته الحكيمة الرشيدة في السلم والحرب، ومع الأصدقاء، ومع الأعداء، مهما بلغ ذلك الغير من العقل، والعلم، والكياسة، والسياسة، والقيادة، والعدل، والرحمة، لكي أخلص من ذلك إلى الفرق البعيد ما بين النبوة، وغير النبوة، والبشر الرسول، وغير الرسول.


    وفي الحق أن المُحدَثين في باب التحليل، والتعليق، والموازنة بين المواقف قد أربوا في ذلك على المتقدمين، وأكسبوا السيرة جدة ورواء، وقد تفاوتوا في ذلك على حسب تفاوتهم في المواهب، وسعة العلم والأفق، والاطلاع على سير الآخرين.
    والله أسال أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يرزقني شفاعة نبيه العظيم، وأن يحشرني في زمرته وصحبته (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً) [ النساء /69 ].





    (1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، رقم (1739).
    (2)
    انظر ثقافة الداعية ص 57.
    (3)
    تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/402).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,970

    افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

    الحلقة(5)

    معنى السيرة


    قال ابن فارس: (السين والياء والراء أصل يدل على مضي وجريان ... والسيرة الطريقة في الشيء والسنة لأنها تسير وتجري)
    (1).
    وقال الراغب:
    (والسيرة الحالة التي يكون عليها الإنسان وغيره غريزياً كان أو مكتسباً، يقال: فلان له سيرة حسنة وسير ة قبيحة، وقوله: (سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى) [ سورة طه / 21] أي الحالة التي كانت عليها من كونها عودا(2).
    وقال ابن منظور: والسيرة: السنة ... والسيرة: الطريقة، ... والسيرة: الهيئة .. وسير سيرة: حدث حديث الأوائل(3).


    وفي المعجم الوسيط:
    (والسيرة النبوية، وكتب السير: مأخوذة من السيرة بمعنى الطريقة، وأدخل فيها الغزوات وغير ذلك، ويقال: قرأت سيرة فلان: تاريخ حياته)(4).
    والخلاصة: أن السيرة بمعناها اللغوي تعني: حكاية أخبار الأوائل والأمم السابقة أو السابقين من أبناء الأمة، وقد يراد بالسيرة أيضا ترجمة حياة شخص ما، أو ذكر الأخبار الخاصة بشخص من الأشخاص، ومن هنا فإنه حينما يمدحون شخصا يقولون عنه (حسن السيرة) ويعنون أنه مستقيم الخلق والسلوك، لكن علماء المسلمين قرروا أن لفظ (السيرة) إذا جئ بها مفردة ومعرفة قصد بها على الفور (السيرة النبوية) والتي تعني: ترجمة حياة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث أصبحت علما على علم قائم بذاته وهو علم السيرة، وعليه:


    فعلم السيرة:هو ذلك العلم الذي تدرس فيه أنباء النبي صلى الله عليه وسلم من مولده – والذي يستلزم التعريف بأصوله صلى الله عليه وسلم وأجداده،وما كان لهم من مكانة في قومهم – ونشأته، وبعثته – والتي تستلزم ذكر الإرهاصات التي سبقت البعثة – وما أتاه الله من معجزات وموقف قومه من الدعوة، وموقفه منهم، وأساليبه صلى الله عليه وسلم في الدعوة، ومنهجه في تربية أصحابه وتعليمهم، وأخبار المسلمين الأوائل، وبيان ما لقبه هؤلاء، وهجرته صلى الله عليه وسلم من بلد الله الحرام (مكة) إلى المدنية المنورة، وجهاده في سبيل نشر الدين الذي بعث به، وأخبار أصحابه الذين شاركوه هذا الجهاد، وأخبار غزواته ومعاركه ووفاته صلى الله عليه وسلم .(5)



    (1) معجم مقاييس اللغة 3/ 120- 121.
    (2)
    المفردات ص 247.
    (3)
    اللسان، مادة: سير.
    (4)
    المعجم الوسيط 1/485.
    (5)
    السيرة النبوية للدكتور عبدالمهدي 1/7، الجامع الصحيح للسيرة النبوية 1/8، محمد رسول الله بين كتاب السيرة العطرة ص 18.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,970

    افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

    الحلقة(6)


    العلاقة بين السيرة والمغازى




    كان المؤرخون المسلمون في فترة سابقة يقرنون كلمة المغازي بكلمة السير، فيقولون (المغازي والسير) ولبعض المتقدمين مؤلفات تحمل الكلمتين معا، فلابن عبدالبر كتاب اسمه (الدرر في اختصار المغازي والسير) ولابن سيد الناس كتاب أسماه (عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير)، وقد عقد البخاري في صحيحه كتابا أسماه كتاب (المغازي).

    وكلمة المغازي مأخوذة من الفعل: غزا، يقال: غزا يغزو غزوا فهو غاز وجمعه غزاة وغز، والغزو: الخروج إلى محاربة العدو(1).

    وقد أطلق العلماء الغزوات على أخبار الغزاة وغزواتهم ثم صارت تستخدم في الحديث عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده ومعاركه التي خاضها في سبيل نصرة الدين وانتشار الدعوة، ثم توسعوا في هذا المعنى فصارت تشمل حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها،وهي بهذا المعنى الأخير مرادفة لمعنى كلمة السير(2).

    يقول محققوا كتاب السيرة لابن هشام: (لفظتا المغازي والسير إذا أطلقتا فالمراد بهما عند مؤرخي المسلمين: تلك الصفحة الأولى من تاريخ الأمة العربية، صفحة الجهاد في إقامة صرح الإسلام وجمع كلمة العرب تحت لواء الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يضاف إلى ذلك من نشاط النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبائه وما سبق حياته من أحداث لها صلة بشأنه وحياة أصحابه الذين أبلوا معه في إقامة الدين)(3).










    (1) المفردات ص 260.
    (2) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة لشيخي الأستاذ الدكتور مروان شاهين ص 9، ومحمد رسول الله بين كتاب السيرة العطرة ص 18-19.
    (2) السيرة النبوية لابن هشام، المقدمة، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الإبياري وعبدالحفيظ شلبي.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,970

    افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

    الحلقة(7)



    علاقة السيرة بالسنة




    يجدر بنا قبل تبيان أوجه العلاقة بين السيرة والسنة، أن نعرف بالسنة كما عرفنا بالسيرة.

    فالسنة في اللغة: السيرة أو العادة أو الطريقة المبتدأة حسنة كانت أم سيئة، غير أن أهل اللغة اتفقوا على أن كلمة السنة إذا أطلقت انصرفت إلى الطريقة أو السيرة الحميدة فقط، ولا تستعمل في غيرها إلا مقيدة(1).

    السنة في الاصطلاح: هي أقواله – صلى الله عليه وسلم – غير القرآن الكريم، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخلقية والخلقية، وسائر أخباره سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها(2).

    وإذا نظرنا إلى هذا التعريف وجدناه يلتقي في كثير منه مع موضوع علم السيرة، فدراسة الصفات الخلقية للنبي صلى الله عليه وسلم ودراسة أحواله قبل البعثة وبعدها كل ذلك من موضوعات علم السيرة، وهو في الوقت ذاته من موضوعات السنة، وهذا يوضح مدى العلاقة بين هذين العلمين الجليلين، وإن كانت هناك بعض الفروق التي لا تخرم هذه العلاقة ولا تخل بها، منها:

    1-أن هناك عموما وخصوصا وجهيا بين كل من السيرة والسنة بمعنى أنهما يجتمعان في أشياء وينفرد كل علم منهما عن الآخر بأشياء، فيجتمعان في بيان صفة أكله صلى الله عليه وسلم وشربه ونومه وما شابه ذلك.

    وتنفرد السيرة بالتعرض لتحديد ليلة مولده صلى الله عليه وسلم، والتعريف بنسبة وأجداده ومكانة أجداده صلى الله عليه وسلم في قومهم وطهارتهم وقيامهم على خدمة بيت الله الحرام، وكثير من شئونه صلى الله عليه وسلم كالآبار التي شرب منها، وكثير من أخبار المغازي كعدد من شهدها وتوقيتها، وكم من أشياء انفردت بها السيرة احتاجها شراح الحديث في شروحهم(3).

    وتنفرد السنة بأحاديث الأحكام، والتي فيها النهي عن الربا، وشريعة الخيار، وشريعة الحوالة، والرهن وما شابه ذلك(4).

    يقول أحد الباحثين المعاصرين: (كانت سيرته صلى الله عليه وسلم تنقل وتروي على أنها أحداث الدين، بكل ما فيها من أقوال وأعمال، وهدى وسلوك، وجهاد وقتال، حتى كان الفصل لأقواله وأفعاله وتقريراته في كتب الحديث، حينما بدأ تدوين كتب السنة، وبقيت بعد ذلك روايات السيرة بمفهومها العلمي، ولابد أن نعيد إلى الأذهان أن السيرة بمفهومها العام قبل التقسيمات العلمية: لها سنة وسيرة – أو مغاز وسير – تشمل كتب السنة وكتب السير، ولهذا تتسم بالكمال والشمول والحيوية، وكان الداعي إلى مثل هذا الفصل هو حاجة المسلمين لروايات الحديث في نطاق الأحكام والاستدلال الفقهي، وعدوا ما بقي من ذلك – مما سمى بالسيرة – أموراً شخصية أو عامة يرجع إليها المسلم بصدد إنماء العلاقة بين المسلمين ورسولهم صلى الله عليه وسلم لمعرفة شخصيته، وأبرزوا فيها ما سبق ولادته عليه الصلاة والسلام من الأحداث، وما تلاها، ثم بعثته إلى الناس ودعوته لقومه وصبره على أذاهم، ثم هجرته وما تلاها من تركيز على غزواته وجهاده... إلى انتقاله إلى الرفيق الأعلى..)(5)

    2- أن الكتابة في السيرة النبوية يراعي فيها الزمن وأحداثه وذلك غير الكتابة في الحديث حيث المنهج فيه يختلف بمنهج الكتاب وغرض مؤلفه وجامعه، وهو فيه يدور على أمرين:

    أولهما: يتناول أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث دلالتها على الأحكام الشرعية كما في الكتب الستة وسنن الدرامي والموطأ.

    ثانيهما: يتناول الحديث من حيث مرويات الصحابة والشيوخ كالمسانيد والمعاجم.











    (1) انظر: اللسان، مادة: سنن، تاج العروس، نفس المادة، المعجم الوسيط، نفس المادة، إرشاد الفحول ص 33.
    (2) انظر: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 47، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث ص 16.
    (3) انظر: فتح الباري كتاب الجهاد، باب وجوب النفير 6/44.
    (4) السيرة النبوية للدكتور عبدالمهدي 1/7-8.
    (5) شعاع من السيرة النبوية في العهد الملكي للدكتور راجح عبدالحميد الكردي ص 6.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,970

    افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

    الحلقة(8)




    علاقة السيرة بالتاريخ


    التاريخ فعله (أرَخَ) يقال : أرَّخ الكتاب : حدد تاريخه ، وأرخ الحادث ونحوه : فصل تاريخه وحدد وقته (1).
    والتاريخ: فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت ، بل عما كان في العالم ، وموضوعه: الإنسان والزمان (2).
    ومن خلال هذا التعريف للتاريخ تتضح علاقة السيرة به وأنها علاقة وثيقة، إذ تمثل السيرة حقبة معينة من هذا التاريخ، فعلاقتها إذا بالتاريخ علاقة الجزء بالكل .
    فكتب التاريخ هي المؤلفات التي تهتم بسرد وقائع الأمم والدول والأخبار البشرية من لدن خلق آدم عليه السلام – غالباً – إلى عصر المصنف .
    أما كتب السيرة النبوية فهي قاصرة على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتصل بها من أحداث وأحوال.
    وتفترق السيرة عن التاريخ في أن موضوعها لا يستقيم بغير الإسناد الذي بمثله يقبل الحديث ، ومن ثم وجب التحري في إثبات أحداثها، ولا ينبغي للمؤرخ الذي يعني بالسيرة أن يقحم نزعته الذاتية أو اتجاهه الفكري والديني أو السياسي في تفسير الأحداث وتعليلها .
    يقول الدكتور البوطي : (كُتَّاب السيرة وعلماؤها، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة ، إلا تثبيت ما هو ثابت منها ، بمقياس علمي يتمثل في قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن ، وفي قواعد الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم) .

    فإذا انتهت بهم هذه القواعد العلمية إلى أخبار ووقائع ، وقفوا عندها ، ودونوها ، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية ، أو انطباعاتهم النفسية ، أو مألوفاتهم البيئية ، إلى شيء من تلك الوقائع بأي تلاعب أو تحوير .
    لقد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية التي يتم الوصول إلى معرفتها، ضمن نفق من هذه القواعد العلمية التي تتسم بمنتهى الدقة ، حقيقة مقدسة، يجب أن تجلي أمام الأبصار والبصائر كما هي ، كما كانوا يرون أن من الخيانة التي لا تغتفر أن ينصب من التحليلات الشخصية والرغبات النفسية التي هي في الغالب من انعكاسات البيئة ، ومن ثمار العصبية ، حاكم مسلط يستبعد منها ما يشاء ويحور فيها كما يريد .
    لقد كان العمل التاريخي إذن بالنسبة إلى هذه السلسلة من سيرته صلى الله عليه وسلم ، ينحصر في نقلها إلينا محفوظة مكلوءة ، ضمن تلك الوقاية العلمية التي من شأنها ضبط الرواية من حيث الإسناد واتصاله ، ومن حيث الرجال وتراجمهم ، ومن حيث المتن أو الحادثة وما قد يطوف بها من شذوذ ونحوه .
    أما عملية استنباط النتائج والأحكام والمبادئ والمعاني من هذه الأخبار (بعد القبول التام لها) فعمل علمي آخر منضبط بأسس وقواعد أخرى ، تقوم ضمن قالب علمي يقصيها عن سلطان الوهم وشهوة الإرادة النفسية (3).

    السيرة النبوية والمذهب الذاتي في كتابة التاريخ
    في القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة متنوعة في كتابة التاريخ وتدوينه ، منها المذهب الذاتي ، ويعد (فرويد) من أكبر الدعاة إليه والمتحمسين له .
    ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقحم المؤرخ نزعته الذاتية أو اتجاهه الفكري والديني أو السياسي ، في تفسير الأحداث وتعليلها والحكم على أبطالها... بل إنهم يرون أن هذا هو واجب المؤرخ ، لا مجرد وصف الأخبار وتجميع الوقائع العارية .
    وهذا المذهب الجديد في كتابة التاريخ قد أصبح أساساً لمدرسة جديدة في دراسة السيرة النبوية وفهمها عند طائفة من الباحثين والذين تصوروا أن الغرب لم يتحرر من أغلاله ، إلا يوم أخضع الدين لمقاييس العلم ... فالدين شيء والعلم شيء أخر ، ولا يتم التوفيق بينهما إلا بإخضاع الأول للثاني ، وإذا كان العالم الإسلامي حريصا حقا على مثل هذا التحرر فلا مناص من أن يسلك الطريق ذاته ، وأن يفهم الإسلام هنا ، كما فهم الغرب النصرانية هناك ، ولا يتحقق ذلك إلا بتخلص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيات التي لا تفهم ولا تخضع لمقاييس العلم الحديث .
    فكان أن قاموا بما أسمى فيما بعد بالإصلاح الديني ، واقتضى منهم ذلك أموراً عديدة ، منها تطوير كتابة السيرة النبوية وفهمها ، واعتماد منهج جديد في تحليلها، يتفق وما قصدوا إليه من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيات والخوارق التي لا يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قبول .
    وبدأت تظهر كتب وكتابات في السيرة النبوية ، تستبدل بميزان الرواية والسند ، وقواعد التحديث وشروطه ، طريقة الاستنتاج الشخصي ، وميزان الرضا النفسي ، ومنهج التوسم الذي لا يضبطه شيء إلا دوافع الرغبة ، وكوامن الأغراض والمذاهب التي يضمرها المؤلف .
    واعتماداً على هذه الطريقة أخذ يستبعد هؤلاء الكاتبون ، كل ما قد يخالف المألوف ، مما يدخل في باب المعجزات والخوارق ، من سيرته صلى الله عليه وسلم ، وراحوا يروجون له : صفة العبقرية والعظمة والبطولة وما شاكلها، شغلا للقارئ بها عن صفات قد تجره إلى غير المألوف من النبوة والوحي والرسالة ونحوها مما يشكل المقومات الأولى لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم .
    ويعد كتاب (حياة محمد) لحسين هيكل أبرز نموذج لهذا الاتجاه في كتابة السيرة النبوية ، ويعبر مؤلفه عن اتجاهه هذا بصراحة وفخر عندما يقول : (إنني لم آخذ بما سجلته كتب السيرة والحديث لأنني فضلت أن أجرى في هذا البحث على الطريقة العلمية)(4).
    ومن نماذج هذه الطريقة الحديثة في كتابة السيرة وفهمها ، تلك المقالات المتتابعة التي نشرها المرحوم محمد فريد وجدي في مجلة نور الإسلام تحت عنوان : (السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة)، والتي يقول في بعض منها :
    (وقد لاحظ قراؤنا أننا نحرص فيما نكتبه في هذه السيرة ، على ألا نسرف في كل ناحية إلى ناحية الإعجاز ، ما دام يمكن تعليلها بالأسباب العادية حتى ولو بشيء من التكلف).
    ومن نماذج هذه الطريقة أيضا تلك الكتابات الكثيرة التي ظهرت لطائفة من المستشرقين عن حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في نطاق أعمالهم وكتاباتهم التاريخية التي قامت على المنهج الذاتي الذي ألمحنا إليه آنفا.
    إنك لتراهم يمجدون شخص محمد صلى الله عليه وسلم ، وينوهون بعظمته وصفاته الحميدة، ولكن بعيدا عن كل ما قد ينبه القارئ إلى شيء من معنى النبوة أو الوحي في حياته، وبعيدا عن الاهتمام بالأسانيد والروايات التي قد يضطرهم الأخذ بها إلى اليقين بأحداث ووقائع ليس من صالحهم اعتمادها أو الاهتمام بها.
    وهكذا وجد أبطال هذه المدرسة الجديدة في إتباع المذهب الذاتي في كتابة التاريخ الميدان الفسيح الذي يمكنهم من نبذ كل مالا يعجبهم من حقائق السيرة النبوية مهما جاءت مدعومة بدلائل العلم واليقين ، متخذين من ميولهم النفسية ، ورغباتهم الشخصية، وأهدافهم البعيدة ، حاكما مطلقا على حقائق التاريخ وتحليل ما وراءه من العوامل ، وحكما مطلقا لقبول ما ينبغي قبوله ورفض ما يجب رفضه.
    لقد رأينا – مثلا – أن كل خارقة قد جاء بها متواتر السنة ، وربما صريح القرآن تؤول ، ولو بتكلف وتمحل ، بما يعيدها إلى الوفاق مع المألوف ، وبما يجعلها تنسجم مع الغرض المطلوب.
    فطير الأبابيل يؤول – على الرغم من أنف الآية الصريحة الواضحة – بداء الجدري.
    والإسراء الذي جاء به صريح القرآن ، يحمل على سياحة الروح وعالم الرؤى.
    والملائكة الذين أمد الله المسلمين بهم في غزوة بدر يؤولون بالدعم المعنوي الذي أكرمهم الله به ...
    وآخر المضحكات العجيبة التي جاءت على هذا الطريق ، تفسير النبوة في حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيمان الصحابة به وعموم الفتح الإسلامي، بأن جميعه لم يكن إلا ثورة يسار ضد يمين ، أثارتها النوازع الاقتصادية انتجاعا للرزق وطلبا للتوسع، وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء وأصحاب الإقطاع.
    وبعد فقد كانت هذه الطريقة في دراسة السيرة النبوية خصوصاً ، والتاريخ الإسلامي عموما ، مكيدة خطيرة عشيت عن رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين ، وصادفت هوى وقبولا حسنا عند طائفة أخرى من المنافقين وأصحاب الأهواء.
    لقد غاب عن أعين أولئك البسطاء، أن ذلك الهمس الاستعماري الذي يدعو المسلمين إلى ما أسموه بثورة إصلاحية في شئون العقيدة الإسلامية ، إنما قصد في الحقيقة نسف هذه العقيدة من جذورها.
    وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية ، إنما يعني حشوه بمنجزات ناسفة تحيله أثراً بعد عين ، ذلك لأن الوحي الإلهي – وهو ينبوع الإسلام ومصدره – يعد قمة الخوارق والحقائق الغيبية كلها، ولا ريب بأن الذي يسرع إلى رفض ما قد جاء في السيرة النبوية من خوارق العادات ، بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث، يكون أسرع إلى رفض الوحي الإلهي كله بما يتبعه ويتضمنه من إخباراته عن النشور والحساب والجنة والنار بالحجة الطبيعية ذاتها .
    كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج في عصر ما إلى مصلح يتدارك شأنه، أو إصلاح يغير من جوهره(5).
    إن حرص هؤلاء الكتاب على نقل كل جديد ، والجري وراء كل طريف براق كان سببا في زلزلة إيمان الشرق ، وحيرة وجدانه ، وغزو عقله وقلبه ، بما أخذ عليه المسالك ، فأضل الشرقيون أنفسهم ، فإذا هم أجساد تنبض بقلوب الغرب وتفكر بعقوله ، وإذا هم مستسلمون لكل ما تطلع به أوربا ، منقادون لكل ما تأمرهم به ، متهافتون على كل ما اتصل بها ، ثم إذا هم أذلاء مقلدون ، يحقرون أنفسهم وآباءهم وميراث حضارتهم وتاريخهم ، وذلك أشر حال وأسوأ موقف ، وعلينا أن نحسن التفكير في الذي نأخذه من الغرب والذي ندعه ، فإذا أحسنا التفكير عرفنا فرق ما بين الصناعات والأخلاق والعادات ، فلنأخذ من أوربا علومها الطبيعية ونتائجها، ولنتجنب أخلاقها وآدابها، فإنه لا فرق بين الحساب والهندسة والكيمياء في الشرق والغرب، ولكن شتان ما بينهما في العقائد والخلق وسنن الاجتماع وما يتصل بذلك، فإنه لكل أمة من أخلاقها وآدابها ثوبا حاكته القرون وعملت فيه الأجيال ، فليس يصلح لغيرها، ولا يصلح لها غيره .
    وليدرك الذين يتناولون الإسلام بفكر الغرب وعقله خطورة ما يقومون به ، وإنهم بعملهم هذا يهدمون ولا يبنون ، ويخربون ولا يعمرون .
    قال ابن عبدالبر : ( أهل البدع أجمع أضربوا عن السنن ، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة ، فضلوا وأضلوا ) (6).
    فنعوذ بالله من العجب بالرأي ، أو الكلام في دين الله بغير حجة من الوحي، وكم أخر المسلمين اليوم كثرة الكلام واضمحلال العمل ، فحولوا الإسلام في كثير من حياتهم إلى كلام وفلسفة وجدل ، والتاريخ يشهد على سفاهة من مضي على هذا السبيل عبر الزمان ،وجزي الله القائل :
    لقد قرأنا السجـلات التي كتبـوا
    فـمـا رأينا صلاحًـا فـي أئمتهم
    جاؤوا إلينا بعـقـلانية سقـطـت
    فـظـن أصحابها أن الضلال هدى
    إذا أخـذنـا بدعوى كل مبتدع
    قوم تسيرهم أهواؤهـم وبـهـم
    يـا حائـدين عن الإسلام أسكركم
    سلوا رجال الحديث المخلصيـن ومن
    هـل جاء في ديننا معنى يعـارضـه
    وهل يـعد لدينا عـالـمـاً فطنا
    يا مقلة الوحي ما أمعنت فـي لهو
    إن كنت واجهت عقلانية مكـثت
    فنحن نشـقى بعلمانية يـدها ممدودة
    تـشابه القوم في التضليل واجتمعوا
    إذا أخذنـا بدعـوى كـل مبتدع

    فيما مضـى والأفاعيل التي فعلوا
    ولا رأيناه في النسل الـذي نسلوا
    عمادها سفسطات القول والجدل
    وأن نـملتهم في دربها جـمـل
    فأين يذهب ما جاءت به الـرُّسل
    تشقى قلوب وتأتي منهم الـعـلل
    لهو وأعماكم عن ديننا الخـجـل
    تحروا الصدق في كل الـذي نقلوا
    عقل سليم من الآفات معتدل
    من يكتم الحق مختاراً وينعـزل
    إلا وحركت جرحا كاد يـندمـل
    ثير فـي الناس أوهامـاً وتفتعل
    ولـها فـي عـصـرنا كـتـل
    عـلى التنكر للوحيين واتـصـلوا
    فـأين يذهب ما جاءت به الرسل






    (1) المعجم الوسيط ( 1/13).
    (2) الإعلان التوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي ص 7.
    (3) فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطبي ص 20 بتصرف.
    (4) حياة محمد ص 16، 17، 20.
    (5) انظر : فقه السيرة للبوطي ص 21-25.
    (6) جامع بيان العلم ( 2/193 ).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •