السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,280

    افتراضي السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (1)

    مقدمة

    النبوة نعمة ورحمة
    الحمد لله رب العالمين نحمدك اللهم على نعمة الإيمان بك وشرف الإسلام لك، ونسألك يا ربنا أن تجعل لنا من أنوارك نوراً يسرينا الخير والشر بصورتيهما، ويعرفنا الحق والباطل بحقيقتيهما، حتى نكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ومن الموصوفين بقولك : (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) [المجادلة /22].

    وأصلي وأسلم وأبارك على خير خلق الله ورحمته المهداة سيدنا محمد أكمل الخلق روحاً وعقلا، وأقومهم بدنا ورسما، وأعلاهم قدراً وذكراً، وأرفعهم فضلا ونبلا، وأشرفهم مجدا وعزا، وأحسنهم خُلقا وخَلقا، وأصدقهم قولاً وفعلا، وأصفاهم طوية وقلبا، وأطهرهم نية وقصدا، وأهداهم طريقا وهديا، وأرشدهم سلوكا ومنهجا، وأسدهم مسلكا ورأيا، وأنبلهم غاية ومقصدا، وأكرمهم أصلا ومحتدا، وأعزهم بيتا ومنبعا، وأعرقهم أرومة وجمعا .
    أدبه ربه فأحسن تأديبه، ورباه فأكمل تربيته، وجعله خاتما للنبيين والمرسلين، وحجة على جميع العالمين :
    (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الأنفال /42] .
    اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين . وبعد،

    فإن الأنبياء هم مجدفوا سفينة البشرية، وهم الذين قادوها إلى ساحل النجاة عبر التاريخ البشري، ومهما تنكر أحد لهذه السفينة، واستغنى عنها، وتفاداها إلى (جبل) فإن مصيره المحتوم هو مصير ابن نوح الشارد المارد العاتي الطاغي الذي قال : (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ) فقال له :
    (لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) [هود/ 43] .
    إن الأنبياء والرسل هم صفوة الخلق واجتباء الخالق :
    (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ) [الحج/ 75]. (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص/ 68] . وقد اختارهم الله لحمل رسالاته وإبلاغها للناس، ودعوة الخلق إلى عبادة الخالق وتوحيده، ووعد من أطاع بالثواب، وإيعاد من عصى بالعقاب ( لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء /165] .

    وقد تفرد الأنبياء بكمال علمهم بالله - تعالى - وبصفاته وأحكامه ومرضاته، وبخواص العقائد والأعمال والأخلاق صححيها وسقيمها، وصالحها وفاسدها، وما تجر وتستتبع من سعادة وشقاء في الدنيا، وثواب وعقاب وجنة ونار في الآخرة، وخصهم الله – بقدر ما يريد – بعلم ما يكون بعد هذه الحياة، وفي ذلك العالم من حشر، ونشر، وإنعام، وعذاب، ونعيم، وجحيم .
    (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) [الجن /26-27].
    لقد وقفوا عليهم - الصلاة السلام - على جبل النبوة يشرفون منها – بقدر ما يريد الله – على عالم الغيب والشهادة، ويخبرون بما يهجم على هذه البشرية، وعلى هذه المدنية في المستقبل القريب والبعيد، وما يكمن لها من خطر وضرر في حياتها، ثم ينذرون قومهم شفقة وإشفاقا، وحبا وإخلاصا، فإذا نازع منازع هذا الحق الطبيعي العقلي، وهذه البداهة، وشك أو شكك في مركزهم، قالوا في صيحة وإخلاص، وتألم وإشفاق
    (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) [سبأ /46] .وإلى لقاء قادم إن شاء الله


    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,280

    افتراضي

    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر(1)


    الحلقة(2)



    حاجة الإنسانية إلى النبوة
    إن الأنبياء هم الوسيلة الوحيدة للمعرفة الصحيحة والهداية الكاملة لذلك يلح القرآن على أن الأنبياء هم الأدلاء على الله وصفاته الحقيقية، وهم المصدر الوحيد لمعرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة، التي لا يشوبها جهل ولا ضلال، ولا سوء فهم، ولا سوء تعبير، ولا سبيل إلى معرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة إلا ما كان عن طريقهم، لا يستقل بها العقل، ولا يغني فيها الذكاء، ولا تكفي سلامة الفطرة، وحدة الذهن، والإغراق في القياس، والغني في التجارب، وقد ذكر الله تعالى هذه الحقيقة الناصعة على لسان أهل الجنة، وهم أهل الصدق، وأهل التجربة، وقد أعلنوا ذلك في مقام صدق كذلك: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [ الأعراف /43 ]. وقرنوا هذا الاعتراف والتقرير بقولهم: (لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ). فدل على أن الرسل وبعثتهم هي التي تمكنوا بها من معرفة الله تعالى، وعلم مرضاته، وأحكامه والعمل بها، الذي تمكنوا به من الدخول في الجنة، والوصول إلى دار النعيم.


    سر شقاء البشر:
    إذاً قد ضل وتعب، وجاهد في غير جهاد من أراد معرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة وصفاته وأسمائه الحسنى، وما بينه وبين هذا العالم من صلة، والعلم بإحاطته به، وقدرته عليه، ونفوذ أحكامه فيه، عن غير طريق الأنبياء والمرسلين، واعتمد في ذلك على عقله، وعلمه، وذكائه، وإلمامه ببعض العلوم والصنائع، ونجاحه في بعض المحاولات العلمية، وإنتاجه الضعيف المتواضع أو العظيم الضخم في بعض مجالات علمية، وحق عليهم قوله تعالى:
    (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [ آل عمران /66 ].


    مصير الأمم المتمدنة التي استغنت عن علم الأنبياء:
    إن التقدم العلمي، والرقي المدني، والذكاء الإنساني، والقفزة الحضارية الهائلة التي يشهدها عصرنا الراهن لم ولن تغني عن أصحابها شيئا إذا هم أعرضوا عن دعوات النبيين والمرسلين، وإن حاجتهم إلى هذا العلم الذي يحمله الأنبياء، وينفردون به بين الخلق، حاجة الغريق إلى قارب النجاة، وحاجة المريض المشرف على الهلاك إلى الدواء الإكسير، ولا يزال أفرادها بالنسبة إلى هذا العلم – مهما علا كعبهم في العلم والمدنية– جهالا أميين، وفقراء مفلسين، وأطفالا صغاراً، وكانت الأمم على خطر – رغم كل فتوحها العلمية وازدهار المدنية– إذا جهلته أو رفضته.


    وقد وقعت أمم متمدنة راقية غنية في العلوم والآداب التي يضرب بها المثل في الذكاء والعبقرية فريسة الإنكار والاستكبار، والإعجاب بنفسها، والادلال بعلومها وصنائعها، ونظرت إلى ما جاء به نبي عصرهم بعين الازدراء والاحتقار، وزهدت فيه واستصغرته، فذهبت ضحية الغرور، وكان عاقبة أمرها خسرا.
    وإلى لقاء قادم إن شاء الله







    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,280

    افتراضي


    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

    الحلقة(3)
    علم الأنبياء وعلوم البشر

    مثل العلم الذي يجئ به الأنبياء مع علوم البشر
    إن الفرق الواضح الذي بين علم الأنبياء وبين علوم العلماء والحكماء يتجلى بوضوح في هذه القصة:
    يحكي أن فريقا من تلاميذ المدارس ركبوا سفينة للنزهة في البحر، أو للوصول إلى البر، وكان في النفس نشاط،وفي الوقت سعة، وكان الملاح المجدف الأميَّ خير موضوع للدعابة، والتنادر، وخير وسيلة للتلهي وترويح النفس، وخاطبة تلميذ ذكي جرئ، وقال: يا عم! ماذا درست من العلوم؟ قال: ولا شيء يا عزيزي! قال: أما درست العلوم الطبيعية يا عمي؟! قال: كلا، ولا سمعت بها، وتكلم أحد زملائه، وقال: ولكنك لابد درست علم الإقليدس، والجبر، والمقابلة! قال: وهذا أغرب، وتصدقوني إني أول مرة أسمع هذه الأسماء الهائلة الغربية، وتكلم ثالث (شاطر) فقال: ولكني متأكد بأنك درست الجغرافية والتاريخ! فقال: وهل هما اسمان لبلدين، وعلمان لشخصين؟.

    وهنا لم يملك الشباب نفوسهم المرحة، وعلا صوتهم بالقهقهة، وقالوا: ما سنك يا عم؟! قال: أنا في الأربعين من سني! قالوا: لقد ضيعت نصف عمرك يا عمنا! وسكت الملاح الأمي على غصص ومضض، وبقي ينتظر دوره، والزمان دوار.
    وهاج البحر وماج، وارتفعت الأمواج، وبدأت السفينة تضطرب، والأمواج فاغرة أفواها لتبتلعها، واضطرب الشباب في السفينة – وكانت أول تجربة لهم في البحر – وأشرفت السفينة على الغرق، وجاء دور الملاح الأمي فقال في هدوء ووقار: ما هي العلوم والآداب التي درستموها في الكلية، وتوسعتم فيها في الجامعة من غير أن يفطنوا لغرض الملاح الجاهل الحكيم، ولما انتهوا من عد العلوم المرعبة أسماؤها، قال في وقار تمزجه نشوة الانتصار: لقد درستم يا أبنائي هذه العلوم الكثيرة فهل درستم علم السباحة؟ وهل تعرفون إذا انقلبت هذه السفينة – لا قدر الله – كيف تسبحون وتصلون إلى الساحل بسلام؟ قالوا: لا والله يا عم! هو العلم الوحيد الذي فاتتنا دراسته والإلمام به، هنالك ضحك الملاح، وقال: إذا كنت قد ضيعت نصف عمري فقد أتلفتم عمركم كله، لأن هذه العلوم لا تغني عنكم في هذا الطوفان، إنما كان ينجدكم العلم الوحيد، هو علم السباحة الذي تجهلونه.

    هذه هي قصة الأمم المتمدنة الراقية – التي مضت – كانت دائرة معارف، وكانت زعيمة العالم كله في كل ما أنتجه البشر، وتوصلوا إليه في العلوم والحكمة، واكتشفوا به هذا الكون الواسع والذخائر المودعة فيه، ولكنها جهلت العلم الوحيد الذي يوصل إلى الخالق، ويُعرِّف به، والذي تنال به النجاة، وهو بر السلام والساحل المقصود، هو الذي يضبط الأعمال، والرغبات، ويقهر النزوات، والشهوات، ويصلح الأخلاق، ويهذب النفوس، ويردع عن الشر، ويدفع إلى الخير، ويلهم خشية الله التي لا صلاح للمجتمع، ولا قوام للمدنية بغيرها، ويحمل الإنسان على التهيؤ للمصير، والاستعداد للآخرة، ويخفف من غلواء الأنانية، وحب الذات، والتكالب على حطام الدنيا، ويلهم الاقتصاد والسداد، ويمنعه من الجهاد في غير جهاد.

    وقد حكي الله قصة هذه الأمم التي غلب عليها الزهو والتيه، واستصغرت شأن الأنبياء المبعوثين في عصرها، الذين لم يشتهروا بامتياز في علم من العلوم السائدة فقال:
    (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)[ غافر/83 ].
    وهذه قصة كل أمة بلغت شأوا بعيدا في العلم والمدنية والصناعة والحكمة بعد بعثة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقد منعها استكبارها وزهوها واعتمادها الزائد على علومها وحضارتها، وعلى أساتذتها النوابغ وعباقرتها الكبار من الإفادة من العلم الغزير الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمسك بأهدابه، والسير في ركابه، وقصة كل أمة معاصرة تمكنها الإفادة من هذا الدين الخالد، ومن هذا النور الوضاء، وستلقى هذه الأمم كلها جزاء الاستكبار، ونتيجة هذا الإنكار أو الاستغناء، في تعفن حضارتها، وانهيار مدنيتها.

    وشأن الأقطار الإسلامية والعربية في الإعراض عن هذه التعليمات، وهذا العلم الغزير الموجود، والزهد في الاستفادة منه، والتهالك على الحضارة الغربية، والقيم المادية، والأوضاع الجاهلية، والفلسفات القومية أو الاشتراكية أغرب، وهي على خطر عظيم لا يدفعه شيء، ولا تزال معاقبة بالفرقة والاختلاف، والفوضى والثورات، والتحاسد والتباغض، وعدم التعاون والاتحاد، وذهاب الريح والشوكة، والهوان على العدو
    (1).


    (1) انظر: محاضرات إسلامية في الفكر والدعوة للعلامة أبي الحسن الندوي 3/15، 16، 19، 21.
    وإلى لقاء قادم إن شاء الله






    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    1,280

    افتراضي


    السيرة النبوية والشمائل المحمدية
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

    الحلقة(4)
    طوق النجاة: اتباع رسول الله


    إذا كانت النبوات – كما تقدم – نعمة، والرسالات رحمة، فإن خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم هو نعمة النعم وعين الرحمة، قال تعالى:
    (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [ الأنبياء /107 ]. وسيرته العطرة هي المثال الحي، والتطبيق العملي، والنموذج الواقعي للاستقامة على منهج الله وفق مراد الله.
    وقد عبرت عن ذلك أدق تعبير أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم، فقالت:
    (إن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن)(1).


    أي إنه صلى الله عليه وسلم كان نموذجا حيا للفضائل والأخلاق التي دعا إليها القرآن فإذا كان الإسلام يدعو إلى العدل، ويجعله إحدى قيمة العليا، ومبادئه الأساسية، ويقاوم الظلم بكل صوره، فإن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته مثال ناطق لتحقيق العدل في جميع المجالات: العدل مع النفس، والعدل مع الأسرة، والعدل مع الأقارب، والعدل مع الأصدقاء، والعدل مع الأعداء، وهكذا كل ما يمكن من صور العدل ومظاهره، والأمثلة التطبيقية لهذه الأنواع من العدل موفورة في سيرته صلى الله عليه وسلم، وستأتي معنا فيما بعد إن شاء الله تعالى.


    وإذا كان الإسلام يدعو إلى الشورى، بوصفها أساساً من أسس الحياة الاجتماعية والسياسية في الإسلام، فإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي وسيلة الإيضاح لتطبيق هذا المبدأ الجليل، كما يلمس ذلك الدارس لغزوات مثل: بدر وأحد وخيبر وغيرها.
    وقس على ذلك كل الفضائل الخلقية مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والرحمة وغيرها، فإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي التطبيق الرائع لهذه الأخلاق.


    وهكذا كل المبادئ والمعاني والقيم التي جاء بها الإسلام تتجلى في حياته صلى الله عليه وسلم.(2)
    ومن أجل ذلك كان صلى الله عليه وسلم أسوة، وكان قدوة، وكان على خلق عظيم وصدق الله العظيم، إذ يقول: سورة ا
    (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [لقلم/ 4]
    يقول ابن عباس في تفسير هذه الآية:
    (لعلى دين عظيم، لا دين أحب إلي، ولا أرضى عندي منه وهو دين الإسلام)(3).


    وهذا ما حدا بابن القيم أن يقول:
    (الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين).
    إذا كان هذا شأنه صلى الله عليه وسلم وشأنه سيرته، فإن دراسة السيرة تصبح من الأهمية بمكان كبير، ذلك أنها تبصير بمنهج الله تعالى، ثم هي أيضا منجاة من أمواج الشهوات والأهواء التي تعبث ببني البشر اليوم.
    إن سعادة الأمم والأفراد، والشرق والغرب، والأولين والآخرين، منوطة بالإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم، والاهتداء بسيرته، والتمسك بسننه، والالتفاف حول دينه، ومن اتجه عنه إلى الشرق أو الغرب، وآوى إلى (جبل) فلن يعود إلا بالويل، ولن ينال إلا الشقاء، ولن يستقبله إلا البلاء، ولن يظلم إلا نفسه.


    وهذا كتاب في السيرة النبوية، يرتكز في بنيانه على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، منهما يغترف، وإليهما يعود، ولن أهمل الاستفادة من كتب التاريخ والسير قديمها وحديثها، بعد البحث والتمحيص والتحقيق، والموازنة بين الروايات، والأخذ بما يصلح للاحتجاج منها، وترك ما عداه.


    ولن اقصر دراستي في السيرة النبوية على السرد التاريخي فحسب كما صنع معظم المتقدمين، وبعض المتأخرين، ولا على التعليق على مواقف السيرة أوجلها، مع إغفال الهيكل الأصلي، أو الجانب التاريخي كما صنع بعض المحدثين، وإنما جمعت بين الحسنين، الهيكل التاريخي مع تحري الحقيقة، والتعليق على المواقف، وانتزاع العبر النافعة، والدروس المفيدة منها.


    ولن أترك حدثا مهما، أو موقعة فاصلة، أو سرية مهمة، أو عملا بارعا، أو سياسة راشدة، أو قيادة حكيمة، أو أي تصرف كريم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأحد أصحابه، إلا أقف عنده، أو عندها وقفة أو وقفات، ليتبين للقارئ فرق بين الأخلاق المحمدية، وسياساته الحكيمة الرشيدة في السلم والحرب، ومع الأصدقاء، ومع الأعداء، مهما بلغ ذلك الغير من العقل، والعلم، والكياسة، والسياسة، والقيادة، والعدل، والرحمة، لكي أخلص من ذلك إلى الفرق البعيد ما بين النبوة، وغير النبوة، والبشر الرسول، وغير الرسول.


    وفي الحق أن المُحدَثين في باب التحليل، والتعليق، والموازنة بين المواقف قد أربوا في ذلك على المتقدمين، وأكسبوا السيرة جدة ورواء، وقد تفاوتوا في ذلك على حسب تفاوتهم في المواهب، وسعة العلم والأفق، والاطلاع على سير الآخرين.
    والله أسال أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يرزقني شفاعة نبيه العظيم، وأن يحشرني في زمرته وصحبته (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً) [ النساء /69 ].






    (1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، رقم (1739).
    (2)
    انظر ثقافة الداعية ص 57.
    (3)
    تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/402).

    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •