مقدِّمة في العلاقة بين اللُّغة والشرع
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مقدِّمة في العلاقة بين اللُّغة والشرع

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,955

    افتراضي مقدِّمة في العلاقة بين اللُّغة والشرع







    مقدِّمة في العلاقة بين اللُّغة والشرع 1/2

    صلاح عباس فقير

    أمّا بعد،
    فإنّ طالب العلم الشّرعيّ، لا غنى له عن دراسة علوم اللغة العربية، من نحو وصرف وبلاغة، ولا غنى له عن قراءة النصوص العربية البليغة، وهذه النّافذة مخصّصةٌ للوقوف بطالب العلم عند محطات مهمّة، تؤكّد وتؤصّل للعلاقة القويّة بين العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية.
    وفي محطّتنا الأولى هذه، نقف وقفةً تأصيليّةً مهمّةً، نوضح فيها حقيقة الارتباط الوثيق بين اللّغة العربيّة والشريعة الإسلامية، وذلك عبر حلقتين، هذه أُولاهما:
    أهمية اللُّغة:
    انتبهت كثير من الدراسات اللغويّة الحديثة، إلى أنَّ اللغة ليست مجرد وسيط للاتصال بين الأفراد في المجتمع، بل "هي الإطار العلمي الوحيد الذي يحدد خصائص أمة من الأمم"، تلك الخصائص التي نتجت عن "نمط الاتصال والتفاعل الإنساني مع الوسط البيئي الطبيعي والاجتماعي، وذلك لأن التراكيب اللغوية المختلفة في كل لغة تعبر عن طريقة معينة في التفكير"([1])، إذن فلغةُ القوم تتضمَّن رؤيتهم للحياة، وأسلوبَ فهمهم لها ونمط تفاعلهم معها.

    ولم يكن هذا الوعي بأهمية اللغة غائباً عن دائرة الفكر الإسلاميِّ، ومن أبلغِ ما يدلُّ على ذلك توكيد كثير من العلماء على حقيقة مهمَّة تتعلَّق بالقرآن الكريم: أنَّه ينبغي فهمه في إطار معاني اللغة العربية وأساليبها، وذلك بناءً على أنه قد نزل بلسان هذه اللغة، يقول مؤسس علم الأصول الإمام الشافعي: "إنَّما خاطب الله بكتابه العرب، على ما تعرف من معانيها"([2])، وهي الحقيقة التي انتبه لها مجدِّدُ علم الأصول الإمامُ الشَّاطبيُّ فقرَّرها بقوله: "إنَّ هذه الشريعة المباركة عربية... المقصودُ هنا: أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلبُ فهمه إنَّما يكونُ من هذا الطريق خاصَّةً؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً}... فمن أراد تفهُّمه فمن جهة لسان العرب يُفهم"([3]).

    وهذه القاعدة الأصوليّة المنهجيّة، إذ تجعل فهم الوحي معتمداً على فهم اللّسان العربيّ، إنّما تُراهن على وجود نظامٍ للوعيِ والفكر كامنٍ في بنية الكلام العربيّ، وهي بذلك تتجاوبُ مع كثيرٍ من آيات الذّكر الحكيم الّتي تقرّر أنّ الله عزّ وجلّ قد أنزله بلسانٍ عربيٍّ مبين، وجعله حُكماً عربيّاً.

    جوهر العلاقة بين اللغة والشرع:
    ويبدو أن هذه الحقيقة الهامة التي قرَّرها كلٌّ من الإمامين الشافعيّ ثم الشاطبي في شأن العلاقة بين اللغة والشرع، والتي جعلا بمقتضاها الشريعة الإسلامية قائمة على أساس اللغة العربية، يبدو أنه لم ينتبه لها الكثيرون بعد الإمام الشافعي، كما لحظ الإمام الشاطبي نفسه قائلاً: "والَّذي نبَّه على هذا المأخذ في المسألة، هو الشَّافعيُّ الإمام، في رسالته الموضوعة في أصول الفقه، وكثيرٌ ممَّن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ، فيجب التنبُّه لذلك"([4]).
    وإن كنا نجد لدى كثيرٍ من الأصوليّين تقريراً لهذه الفكرة، فعلى سبيل المثال قرّرها فخر الدين الرازي في كتابه "المحصول في علم أصول الفقه"، بقوله: "لما كان المرجع في معرفة شرعنا إلي القرآن والأخبار، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم ؛ كان العلم بشرعنا موقوفاً على العلم بهذه الأمور، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب"([5]) ولكن لا يبدو أنها قد شكَّلت عندهم ذلك البعد المنهجيَّ الذي يقرره بها الإمام الشاطبي.

    ونعثر لدى الإمام الشاطبي كذلك على مزيد من التعميق لهذه الفكرة، حيث قام بتوظيف مفهومي الظاهر والباطن من أجل فهم العلاقة بين الشرع واللغة، فذكر "أنَّ المراد بالظاهر هو المفهوم العربيُّ، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه... فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخلٌ تحت الظاهر... وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار لله بالربوبية فذلك هو الباطن المراد"([6])،

    ويمكننا أن نفهم من هذا السياق أن العلاقة بين الشرع واللغة هي في جوهرها علاقة كمون([7])، فمعاني الشرع ودلالاته كامنة في نصوص اللغة القرآنية والنبوية، كمون الدهن في العود أو كمون النار في الفحم، وعندئذ فلإدراكها نحتاج إلي عملية استنباط أو استخراج.

    وفي هذا الصدد حذَّر الإمامُ الشاطبي من بعض الاتجاهات المنحرفة التي تقوم بتوظيف زوجي الظاهر والباطن في إطار تأويلات خاطئة لا يدلُّ عليها سياق النص الظاهر، بقوله: "كلُّ معنىً مستنبط من القرآن غير جارٍ على اللسان العربي؛ فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به"([8]).

    تابع الحلقة القادمة من هذا الموضوع!
    بقلم : صلاح عبّاس فقير


    [1]- قاسم العتمة، "اللغة العربية كأداة توحيد"، مجلة الوحدة، ص 8.

    [2]- الرسالة، صـ52.

    [3]- الموافقات، جـ 2، ص 42-43.

    [4]- الموافقات، جـ2، ص44.

    [5]- المحصول، جـ1، ص 203.

    [6]- الموافقات، جـ 3، ص 228- 231.

    [7]- سيجيء مزيد من البيان لفحوى هذه الإشارة.

    [8]- الموافقات، جـ 3، ص 233.











  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,955

    افتراضي

    مقدِّمة في العلاقة بين اللُّغة والشرع 2/2

    صلاح عباس فقير




    الدلالة المنهجية للعلاقة بين اللغة والشَّرع:

    إذن، فإنَّ معاني الشرع تستند في قيامها إلي معاني اللغة العربية، ولهذه الحقيقة دلالة منهجية بارزة عند البحث عن معاني ودلالات الألفاظ والمفاهيم الشرعية المختلفة، فذلك يقتضي أن نقوم بخطوتين أساسيتين:


    1- استقراء متكامل لدلالات المفهوم الشرعي المبحوث عنه، كما وردت في معاجم اللغة العربية، ثم القيام بتصنيفها، واستنباط المعنى الأساسي الذي تتضمنه، وهذا المعنى اللغوي سنفترض أنه هو المعنى الذي قصده الشارع ما لم يثبت أنه قد نُقل عن معناه اللغوي إلي معنىً شرعيٍّ خاص، نقلاً كلياً أو نقلاً جزئياً[1]، وذلك يتضح عند القيام بالخطوة الثانية.


    2- استقراء متكامل لدلالات المفهوم الشرعي محل البحث كما وردت في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ثم تصنيفها لاستنتاج المعنى الأساسيِّ الذي تتضمنه.


    إذن: القاعدة في فهم معاني الألفاظ الشرعية أن نأخذها "على ما هي عليه في اللغة العربية"[2] إلا إذا ورد برهانٌ دالّ على نقل الألفاظ عن معانيها المعروفة عند العرب، وهذا الدليل أو البرهان عند ابن حزم "ينقسم قسمين لا ثالث لهما: إما طبيعة وإما شريعة، فالطبيعة هو ما دلَّ العقل بموجبه على أن اللفظ منقولٌ من موضوعه إلي أحد وجوه النقل... مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ... }آل عمران173 فصح بضرورة العقل أن المراد بذلك بعض الناس... وأما الشَّريعة فهي أن يأتي نصُّ قرآن أو سنة... أو إجماع على وجوه النقل"[3].


    المعنى اللغوي للمفهوم الشرعي:

    والواقع أننا نلحظ أنَّ جلَّ الباحثين في الدراسات الإسلامية، يمهدون لبحوثهم ببيان المعنى اللغوي، ثم يُعقّبون بالحديث عن المعنى الشرعي أو الاصطلاحي، ولكن قلَّما يتَّخذ هذا البيان صورة البحث العلميِّ المنهجي، الاستقرائيِّ الاستنباطيِّ، فيكتفي الباحث باختيار بعض الدلالات اللغوية للكلمة دونما نظر إلي علاقتها بالدلالات الأخرى أو مدى إسهامها في بيان الدلالة الشرعية، فيكون الأمرُ أشبه ما يكون بالزينة والديكور.


    إن الدلالات المعجمية في ذاتها أشبه بمادة خام تحتاج إلي تشكيل، وذلك عن طريق تصنيفها ومحاولة بناء فهمٍ منطقيٍّ متكامل لمجموع دلالاتها. ولنا أن نستهدي في ذلك بما توصَّل إليه اللغويون العرب من حقائق تُشير إلي غنى الدلالات المعجمية للألفاظ العربية وثرائها، وذلك من خلال بحثهم في ظاهرة الاشتقاق حيث وجدوا أنَّ الألفاظ والكلمات التي يجمع بينها أصل ثلاثي واحد، يجمعها كذلك معنى عامٌّ واحد، وهذا هو ما يُسمَّى بالاشتقاق بأقسامه المختلفة العام والكبير والصّغير[4].


    ويعتبر "معجم مقاييس اللغة" لأبي الحسين أحمد بن فارس أنموذجاً تطبيقياً موسعاً لهذه الفكرة، ومشروعاً لُغويَّاً رائداً، حيث تناول فيه معاني الجذور الثلاثية للمواد فردّ معظمها إلي أصل واحد مطّرد، وفي تحقيقه للمعجم المذكور يوضح الأستاذ عبد السلام هارون "أنَّ ابن فارس في كتابه هذا... قد بلغ الغاية في الحذق باللغة، وتكنُّه أسرارها وفهم أصولها، إذ يردّ مفرداتِ كل مادة من مواد اللغة إلي أصولها المعنوية المشتركة، فلا يكاد يخطئه التوفيق، وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف، لم يسبقه أحد ولم يخلفه أحد"[5].


    ويشير توضيح الأستاذ عبد السلام هارون إلى أن مثلَّ هذا الجهد العلمي الاستقرائي الذي يبذل لدراسة اللغة، هو في جوهره عملية استكناه لأسرارها، وهذا الاستكناه قد يمكن أن يتجاوز مرحلة استخراج المعاني الكلية البسيطة، إلي مرحلة استخراج مفاهيم فلسفية أو منطقية متكاملة، ولا يستبعد ذلك، ولعلنا في بحثنا هذا عن معنى الفطرة في اللغة نقدم محاولة مبسطة تدل على إمكان ذلك.


    وهذه الإمكانية إنما تستمد مصداقيَّتها في نظرنا من تلك الفكرة التي ترددت أصداؤها لدى كثير من الباحثين المعاصرين، والتي ترى أن لغة الأمة تتضمن رؤيتها للحياة ومنهج تفكيرها، فالحديث عن استكناه أسرار اللغة يدفعنا لملاحظة هذه الفكرة، بل ربما يقودنا كلُّ ذلك إلي التفكير في تلك المسألة الميتافيزيقية التي أثارها الأصوليون واللغويون القُدامى عن أصل اللغة وماهيتها، حيث نرى في هذا السياق أنّ المذهب القائل بأنّ اللغة وحيٌ وإلهامٌ إلهيٌّ[6] يكتسب أهمية خاصة، وذلك في نظرنا لا يتعارض مع الأصل التاريخيِّ الاجتماعيِّ للُّغة، إذ يُمكننا القول بأنّ ذلك الإلهام الإلهيَّ قد تنزّل عبر السِّياق التّاريخيِّ لتطوُّر المجتمع.










    [1]– الإحكام في أصول الأحكام ، جـ 1 ص 396 397.




    [2]- نفسه، جـ1 ص 388.




    [3]- الأحكام، جـ 1 ص 397- 398.





    [4]- علي عبد الواحد وافي، مدخل إلي علم اللغة، ص 177-185.




    [5]- معجم مقاييس اللغة، جـ 1 ص 23، من مقدمة المحقق.




    [6]- هذا القول هو مذهب الأشعري وابن فورك ومن اللغويين ينسب كذلك إلى الجاحظ وأبي علي الفارسي ومال إليه إبن جني وإبن فارس في كتابه "الصاحبي"، وفي العصور القديمة عرف عند هيرقليطس اليوناني -وقال به بعض المعاصرين- انظر د. علي عبد الواحد وافي في كتابه "نشأة اللغة عند الإنسان والطفل" ص 30 , د. عبد الصبور شاهين في كتابه "علم اللغة العام" ص 69-70 ، وفخر الدين الرازي في "المحصول" جـ 1، ص 169 إلى 181.





الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •