تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد) - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 36 من 36

الموضوع: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)


    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (21)



    عوامل صيانة السنة وحفظها(1-3)


    العامل الخامس:


    وهو أن تكون المادة العلمية نافعة ومفيدة في حياة الفرد والجماعة، كي يكون هناك حماس يدفع إلى التضحية وتحمل المشاق في سبيل تحصيلها – فقد انطبق على السنة النبوية تمام الانطباق:

    · إذ هي مثل القرآن، وصنوه في التشريع، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)(1).

    · وهي أيضا المفسرة، والمبينة، والشارحة للقرآن مصداقا لقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [سورة النحل /44-64].

    · وهي كذلك تستقل بتشريع أحكام زائدة على القرآن، مصداقا لقوله تعالى:

    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [سورة النساء / 59].

    وقوله: (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). [سورة الحشر /7].

    ومصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (...ألا يوشك رجل ينثنى شبعان على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروهم(2)، فإن لم يقروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم)(3).


    وأما العامل السادس:


    وهو أن يدرك الطالب أهمية، وفائدة ما يتعلمه ليقبل على التعليم بهمة ونشاط، مستعذبا التعب، ومستسهلا الصعب – فقد تحقق بجلاء، ووضوح في الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

    · إذا كانت تقع لهم حوادث خاصة في أنفسهم، أو في أهليهم، وذويهم ويبحثون عن المخرج،فلا يجدون سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    · وأيضا فالحق تبارك وتعالى أمرهم بالرجوع إليه في كل شيء، وحذر من معصيته ومخالفته قائلا: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [سورة آل عمران /31]. (فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة النور: 63].






    (1) الحديث أخرجه أبو داود في السنن، كتاب السنة، باب لزوم السنة (رقم 4604)، والترمذي في السنن، كتاب العلم،باب ما نهى عنه أنه يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم (رقم 2663)، وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجه في السنن، المقدمة،باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه (رقم 13)، وابن حبان في صحيحه، رقم (12 الإحسان)، وصححه الحاكم (1/109) وأقره الذهبي.
    (2) معنى يقروهم أي: يحسنوا إليهم بأن يقدموا لهم حق الضيافة المشروع، انظر: مختار الصحاح للرازي ص 533.
    (3) الحديث سبق تخريجه.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (22)



    عوامل صيانة السنة وحفظها(2-3)



    عوامل صيانة السنة وحفظها

    العامل السابع:


    وهو أن تكون هناك مشاركة عامة من الجميع رجالا ونساءاً، صغارا، وكباراً في طلب العلم – فقد تجلى بوضوح في مشاركة النساء للرجال في هذا الأمر .

    إذ كانت المرأة تأتي فتسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمور التي تتصل بحياتها، فيجيبها، فإذا لم تفهم أحالها إلى واحدة من أمهات المؤمنين،لتتولى تفهيمها .

    كما حدث في قصة المرأة التي سألته – صلى الله عليه وسلم: كيف تتطهر من الحيض، فقال لها: (خذي فرصة(1) ممسكة، فتتبعي بها أثر الدم، فلما لم تفهم، قال: يا عائشة خذيها فعلميها)(2) .

    بل لقد طلبت جماعة النساء منه صلى الله عليه وسلم:أن يجعل لهن يوما خاصا بهن في الموعظة، فأجابهن إلى ذلك:

    ففي الحديث:أنه جاء نسوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن يا رسول الله ما نقدر عليك في مجلسك من الرجال؟ فواعدنا منك يوما نأتيك فيه، فقال:موعدكن بيت فلان،وأتاهن في ذلك اليوم، ولذلك الموعد . قال – أبو هريرة راوي الحديث –فكان مما قال لهن: ما من امرأة تقدم ثلاثا من الولد تحتسبهن إلا دخلت الجنة، فقالت المرأة منهن أو اثنتان؟ قال أو اثنتان)(3).







    (1)
    الفرصة:قطعة من صوف، أو قطن،أو خرقة ونحوها . انظر: النهاية 3/193.
    (2) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الحيض: باب دلك نفسها إذا تطهرت، وباب غسل المحيض 1/85-86، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الأحكام التي تعرف بالدلائل 9/134-135.
    ومسلم في الصحيح: كتاب الحيض: باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم 1/260-261 رقم 60-61.
    (3) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح:كتاب العلم: بل هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم 1/36-37، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل 9/124، من حديث أبي سعيد الخدري .
    ومسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة والآداب: باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه 4/2028-2029 رقم 152، 153، من حديث أبي سعيد الخدري .





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (23)



    عوامل صيانة السنة وحفظها(3-3)



    وأما العامل الثامن:

    وهو أن يكون الطالب ذا منهج صحيح في التلقي والسماع – فقد تحقق كذلك في الصحابة – رضي الله عنهم – بشكل لا نظير له.

    وقام هذا المنهج على الأسس التالية:

    1- الحرص الشديد على حضور مجلسه صلى الله عليه وسلم إلى جانب قيامهم بأعمالهم المعاشية من الرعي، أو التجارة، أو الزراعة، أو نحوها، فإن تعذر على بعضهم الحضور تناوبوا فيما بينهم مجلسه صلى الله عليه وسلم.

    كما كان يفعل عمر –رضي الله تعالى عنه – مع جاره الأنصاري إذ يقول: (كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم.ينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي، وغيره،وإذا نزل فعل مثل ذلك، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فضرب بابي ضربا شديدا، فقال: أثم هو؟ ففزعت، فخرجت إليه فقال: قد حدث أمر عظيم، قال: فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري... الحديث)(1).

    2- تعليم الشاهد الغائب ما فاته من العلم امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليبلغ الشاهد الغائب)، (نضر أمرءاً سمع منى حديثا، فأداه كما سمعه...الحديث)(2).

    ويقول البراء بن عازب – رضي الله تعالى عنه -: (ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدثنا أصحابنا عنه، كانت تشغلنا عنه رعية الإبل)(3).

    3- الإنصات التام له صلى الله عليه وسلم كيلا يفوتهم شيء مما يقول: فقد جاء في الخبر: (أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا... الحديث)(4).

    4- السؤال عما لم يفهموا، فإذا استحيا بعضهم أمر غيره بالسؤال، كما جاء في حديث على رضي الله تعالى عنه قال: (كنت رجلا مذاء(5)، فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال: فيه الوضوء)(6).

    5- عدم تنازع الحديث عنده صلى الله عليه وسلم، وإنما حديثهم عنده حديث أولهم، ومن تكلم منهم أنصتوا له، ولم يقاطعوه حتى يفرغ.

    فقد جاء الخبر: (أنهم كانوا لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم)(7).







    (1)
    الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب العلم: باب التناوب في العلم 1/33، وكتاب المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها 3/174-177، وكتاب النكاح: باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها 7/36-38 من حديث عبدالله بن عباس عن عمر بن الخطاب مختصرا أو مطولاً.
    ومسلم في الصحيح: كتاب الطلاق: باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه)2/1108-1110 رقم 31 بمعناه مطولا من حديث ابن عباس عن عمر.
    (2) الحديث سبق تخريجه.
    (3) الحديث أخرجه أحمد في المسند 4/283 من حديث البراء بن عازب بلفظه، والحاكم في معرفة علوم الحديث: النوع الثالث ص 14، ولفظه عنده (ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحدثنا أصحابنا، وكنا مشتغلين في رعاية الإبل، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعونه من أقرانهم، وممن هو أحفظ منهم، وكانوا يشددون على من يسمعون منه).
    (4) الخبر أخرجه الترمذي في الشمايل المحمدية ص 375 بهامش الاتحافات الربانية للشيخ أحمد عبدالجواد الدومي ط التجارية بمصر الأولى 1381هـ، من حيث الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، وابن الأثير في أسد الغابة، باب ذكر صفته وشيء من أخلاقه صلى الله عليه وسلم 1/33 من حديث الحسين بن علي، عن أبيه به.
    (5) مذاء أي كثير المذى، والمذى: هو البلل اللزج الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء، ولا يجب فيه الغسل، وهو نجس يجب غسله، وينقض الوضوء.
    وأما الودي فهو: البلل اللزج الذي يخرج من الذكر بعد البول، وحكمه حكم المذى.
    انظر: النهاية في غريب الحديث 4/86، 202-203، والمصباح المنير 3/874-875، 1014.
    (6) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب العلم: باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال 1/45، وكتاب الوضوء: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر 1/55-56، وكتاب الغسل: باب غسل المذى والوضوء منه 1/76.
    (7) الخبر أخرجه الترمذي في الشمايل المحمدية ص 375 بهامش الاتحافات الربانية للدومي، وابن الأثير في أسد الغابة 1/33 كلاهما من حديث الحسين بن علي، عن أبيه به.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (24)



    عوامل انتشار السنة وذيوعها(1-3)




    وكما توافرت عوامل ساعدت على صيانة السنة وحفظها فقد توافرت عوامل كذلك أدت إلى ذيوع السنة وانتشارها، وتتخلص هذه العوامل فيما يلي:

    * العامل الأول:

    نشاطه صلى الله عليه وسلم، وحده في تبليغ الدعوة ونشر الإسلام: فمنذ اللحظة التي بعث فيها صلى الله عليه وسلم حتى لقي ربه لم يسترح ساعة واحدة بل قضى جميع أوقاته في نشر الدعوة، وتبليغها:

    لقد مكث يدعو سرا ً ثلاث سنين، ثم جهر بالدعوة فلما عورض أكثر من مرة توجه إلى الطائف، ولما لم يجد آذانا صاغية بدأ يعرض نفسه على القبائل الوافدة إلى مكة في موسم الحج، حتى قيض الله – عز وجل – له رجالا من أهل المدينة، فحملوه إليها بعد بيعات ثلاثة.

    وفي المدينة بدأ مرحلة الجهاد والغزوات حتى دانت الجزيرة كلها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فكان هذا التحرك المستمر الذي قام به – صلى الله عليه وسلم – عاملا مهما في ذيوع السنة وانتشارها.

    * العامل الثاني:

    طبيعة الإسلام، ونظامه الجديد: فقد دفعت طبيعة الإسلام ونظامه الجديد الناس إلى البحث والسؤال عنه، وعن أحكامه، وعن أهدافه، وعن رسوله، فإذا ما وقفوا على حقيقة ذلك كله: أسلموا، وانطلقوا إلى قومهم يبلغونهم ما رأوا، ويخبرونهم بما سمعوا.

    * العامل الثالث:

    نشاط الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم – رجالا ونساء في طلب العلم، وحفظه، وتبليغه، بحيث لم يهدأ لهم بال حتى صارت السنة في كل قلب، وعلى كل لسان، وقد حملهم على هذا النشاط:

    أ- تنفيذ أمره – صلى الله عليه وسلم – إذ قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج… الحديث)(1). وقال: (ليبلغ الشاهد الغائب)(2).

    ب- الظفر بالثواب الذي ربطه الله عز وجل بتحصيل العلم، وتبلغيه، إذا قال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)(3).

    ج- الخروج من إثم كتمان العلم: قال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [ سورة البقرة /159-160 ].







    (1)
    الحديث أخرجه البخاري في: الصحيح: كتاب الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل 4/207 من حديث عبد الله بن عمرو، وزاد في آخره: (ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، والترمذي في السنن: كتاب العلم: باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل 5/40 رقم 6 من 269 حديث عبد الله بن عمرو، وقال عقبه: (هذا حديث حسن صحيح).
    (2) الحديث سبق تخريجه.
    (3) الحديث سبق تخريجه.







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (25)



    عوامل انتشار السنة وذيوعها(2-3)

    العامل الرابع:
    نشاط أمهات المؤمنين في حفظ السنة، وتبليغها، لاسيما ما يتصل بأمر النساء، وقد اشتهرت عائشة – رضي الله تعالى عنها – من بين أمهات المؤمنين بعلمها الغزير، وحرصها على فهم الأحكام، حتى كانت – بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى – محط أنظار طلاب العلم، ومرجعهم في كثير من أمور دينهم.
    * العامل الخامس:
    ولاته وبعوثه إلى القبائل المسلمة لتبليغها الدعوة، وتعليمها إياها: فقد كانت القبيلة إذا أسلمت تطلب منه صلى الله عليه وسلم من يعلمها ويفقهها، ويقضي بينها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث واحداً أو أكثر من الصحابة يتوسم فيه الفقه، والحكمة ليقوم بهذا الدور، وكان كثيرا ما يوصى هؤلاء بالتيسير، والتبشير، والرفق بالناس.
    جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وصاهما قائلا: (ادعوا الناس، وبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا)(1).
    وكذلك كان يعلمهم كيفية الدعوة، إذ يقول لمعاذ – لما أرسله إلى اليمن -: (إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم:أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم: أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك: فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)(2).
    وكان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يشجع هؤلاء، ويدعو لهم بالتثبيت، والنجاح في مهمتهم.
    جاء عن علي – رضي الله تعالى عنه – قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، إنك تبعثني إلى قوم هم أسن مني لأقضى بينهم، قال: إذهب، فإن الله تعالى سيثبت لسانك، ويهدي قلبك)(3).
    * العامل السادس:
    رسله وكتبه إلى الملوك، والأمراء، ورؤساء القبائل المجاورين يدعوهم إلى الإسلام، إذ بعد صلح الحديبية بدأ صلى الله عليه وسلم يوجه رسله، يحملون كتبه إلى الملوك، والأمراء، ورؤساء القبائل المجاورين يطالبهم فيها بالدخول في الإسلام، حتى انطلق في يوم واحد ستة نفر إلى جهات مختلفة، كل منهم يتكلم بلغة ولهجة القوم الذي بعث إليهم، لقد أرسل صلى الله عليه وسلم رسله إلى قيصر الروم، وإلى أمير بصري، وإلى الحارث ابن أبي شمر أمين دمشق من قبل هرقل، وإلى المقوقس أمير مصر من قبل هرقل، وإلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى المنذر بن ساوي ملك البحرين، كما أرسل رسله وكتبه إلى عمان، واليمامة وغيرها.
    وكان هؤلاء الرسل يجيبون عما يسألهم عنه الملوك، والأمراء، ورؤساء القبائل، ويبينون لهم الإسلام، وأهدافه، وغاياته على ضوء ما زودهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوجيه والإرشاد. وكانت هذه الإجابة يسمعها الحاضرون، ويخرجون فينشروها في الناس. فتذاع وتشتهر.


    (1) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب المغازي: باب بعث أبي موسى، ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع 5/204 -206، وكتاب الأحكام: باب أمر الوالي إذا وجه أميرين 9/87-88. ومسلم في الصحيح:كتاب الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر 3/1568-1587 رقم 70-71، وكتاب الجهاد والسير: باب في الأمر بالتيسير وترك النفير 3/1358-1359 رقم 6، 7، 8.
    (2) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة، وباب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة 2/130، 147، وكتاب التوحيد: باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى 9/140، وكتاب المغازي: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع 5/205-206.
    ومسلم في الصحيح: كتاب الإيمان: باب الدعاء إلى الشهادتين، وشرائع الإسلام 1/50-51 رقم 29، 30، 31.
    (3) الحديث أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأقضية: باب كيف القضاء 2/270. وابن ماجه في السنن: كتاب الأحكام: باب ذكر القضاة 2/774 رقم 2310. وأحمد في المسند 1/88، 136، 149، 156 كلهم من حديث على مرفوعا به.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)


    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (26)



    عوامل انتشار السنة وذيوعها(3-3)



    * العامل السابع:

    غزوة الفتح الأعظم: ففي العام الثامن من الهجرة النبوية نقضت قريش صلح الحديبية، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن سار بجيشه إلى مكة،فقوض دعائم الشرك، والوثنية، وهدم الأصنام التي كانت حول الكعبة، ثم قام في الناس خطيبا، فعفا عن أعدائه الذين آذوه واضطهدوه،ثم أعلن كثيرا من أحكام الإسلام: منها:
    ألا يقتل مسلم بكافر، وإلا يتوارث أهل ملتين، وألا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها... ألخ، ثم أقبل الناس بعد ذلك يبابعونه، وحمل كل ما سمع إلى أهله وذويه في مكة، وفي غيرها.
    * العامل الثامن:

    حجة الوداع، فقد خرج صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة من العام العاشر للهجرة إلى مكة المكرمة حاجا ومعتمرا بالناس، وخرجت معه جموع غفيرة جدا من المسلمين بلغت أربعين ألفا، أو تسعين ألفا على خلاف في ذلك.
    وعلى جبل عرفات وقف صلى الله عليه وسلم يخطب فيهم، ويرشدهم، ويبين لهم معالم الحلال والحرام، كحرمة دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم، وضرورة أداء الأمانات، ووضع ربا الجاهلية، وإبطاله، ومنع العادات الجاهلية الباطلة... ألخ ما جاء في هذه الخطبة.
    ثم تفرق المسلمون كل إلى موطنه، وقد حملوا معهم علما غزيرا إلى أهليهم وذويهم، فبلغوهم إياه تحقيقا وتطبيقا لقوله صلى الله عليه وسلم في تلك الخطبة: (ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب).
    * العامل التاسع:

    الوفود بعد فتح مكة، وحجة الوداع:


    إذ بعد فتح مكة أقبلت الوفود من كل أنحاء الجزيرة العربية تبايع الرسول صلى الله عليه وسلم، وتنضوي تحت لواء الإسلام، وكثرت هذه الوفود كثرة عجيبة عقب الفراغ من حجة الوداع.
    وكان صلى الله عليه وسلم يرحب بهذه الوفود، ويكرمها، ويعلمها الإسلام، ويزودها بنصائحه وتوجيهاته، بل ربما أقامت عنده هذه الوفود أياما تتعلم منه الإسلام، ثم تعود إلى قبائلها فتبلغها إياه، وقد مضت قصة مالك بن الحويرث في هذا الشأن.
    ومن أشهر هذه الوفود: وفد بني سعد بن بكر، وكان وافدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ضمام بن ثعلبة سنة تسع من الهجرة، وكذلك وفد عبد القيس، وأيضا وفد تجيب، وكانوا ثلاثة عشر رجلا ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عز وجل عليهم، فسر النبي صلى الله عليه وسلم بهم، وأكرم مثواهم... وغير هؤلاء كثير(1).
    وهكذا ساعدت العوامل التي ذكرنا على ذيوع السنة وانتشارها بحيث وصلت إلى كل قلب، وجرت على كل لسان.




    (1) انظر السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب ص 68-74 بتصرف كثير.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (27)

    من عوامل العناية بالسنة في عصر النبوة (1-2)


    ثالثا: تأسيس المنهج العلمي للرواية:


    لم تقتصر العناية بالسنة في العصر النبوي علي الصيانة والحفظ، ولا علي الذيوع والانتشار، بل أسس المنهج العلمي للرواية: تحملا وأداء، وقد وضع أسس هذا المنهج ورسخ معالمه القرآن الكريم والسنة المطهرة، وتتلخص هذه الأسس في الآتي:




    أولا:تحريم الكذب.


    إن تحريم الكذب يعني فرض الأمانة العلمية من ناحية، وتحريم الخيانة العلمية من ناحية أخري

    ، ولخطورة الكذب في الرواية جاءت النصوص ظاهرة في الزجر عنه وتغليظ حرمته، حتي إنه جعل من صفات الكافرين والمنافقين، قال الله تعالي: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ....)(1)، وقال تعالي: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِسُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(2).

    وروي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)(3).

    وحذر رسول الله صلي عليه وسلم من الكذب عليه خاصة، وتوعد الكاذب عليه بمقعد من النار، فقال صلي الله عليه وسلم: (إن كذبا علي ليس ككذب علي أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)(4).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (مـن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)(5).

    فهذه الأحاديث تقرر تحـريم الكذب علي النبي صلي الله عليه وسلم، وأنه فاحشـة عظيمة، وموبقة كبيرة، وذلك لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلي يوم القيامة، بخلاف الكذب علي غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة، ولذا ناسب أن تكون عقوبة الكاذب فيه أغلظ وأبلغ، حماية لحياض الشريعة واحتياطا لسنة صاحبها عليه الصلاة والسلام.

    والمقصود من هذا: أن تغليظ الكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وتشديد عقوبته يعد الأساس الأول والعامل القوي الذي كان يدفع المسلمين إلي تحري الصدق فـي رواية الحديث وتحاشي الكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم خوفا من الوقوع في هذا الوعيد، ولذا كانوا يجتهدون في حفظ الحديث وضبط ألفاظه، ولا يقدمون علي روايته إلا إذا كانوا متأكدين من صحة ما يقولون، وكان كثير منهم يتحاشي كثرة الرواية خوفا من ذلك.

    روي البخاري ومسلم في صحيحيهما عن انس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار)(6).

    وروي البخاري عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان، قال: أما إني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)(7).

    وبناء علي هذا قرر كثير من العلماء أن من كذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم عمدا في حديث واحد فسق وردت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بها جميعها، حتي لو تاب وحسنت توبته، لا فرق في ذلك بين ما يتعلق منها بالأحكام وما لا يتعلق بها كالترغيب والترهيب والمواعظ.

    هذا هو الأصل الأول من الأصول العديدة التـي هيأها الإسلام لحماية السنة ونقلها نقلا صحيحا دونما زيادة أو تحريف.






    (1) سورة النحل / 105.
    (2) سورة الأعراف / 33.
    (3) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب علامات المنافق (33)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب خصال المنافق (211).
    (4) أخرجه مسلم، المقدمة (5) ط: دار السلام.
    (5) أخرجه مسلم، المقدمة (4).
    (6) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب علي النبي صلي الله عليه وسلم (108)، وصحيح مسلم، المقدمة (3).
    (7) صحيح البخاري، الكتاب والباب السابقين (107).






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (28)

    من عوامل العناية بالسنة في عصر النبوة (2-2)



    ثانيا: رفض رواية الفاسق.

    لقد أمر الله سبحانه وتعالي برد رواية الفاسق وحذر من قبولها ، فقال تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(1).
    والمراد بالنبأ الخبر ، وهو نكرة في سياق الشرط فيعم كل خبر سواء أخبر به عن رسول الله صلي الله عليه وسلم او عن غيره ، بل يدخل فيه الخبر المتعلق برسول الله صلي الله عليه وسلم قبل الخبر المتعلق بغيره ، لما يترتب علي الكذب عليه صلي الله عليه وسلم من المفاسد الدينية وطمس معالم الإسلام ، ولذا كان الكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم من أفحش الذنوب وأعظمها جرما وأشدها عقابا كما سبق.
    قال ابن العربي مستنبطا من الآية السابقة: (من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا ، لأن الخبر أمانة ، والفسق قرينة تبطلها)(2).
    وقال السيوطي: (في -الآية- رد خبر الفاسق ، واشتراط العدالة في المخبر ، راويا كان أو شاهدا أو مفتيا)(3).
    وقال السعدي: (الواجب عند خبر الفاسق ، التثبت والتبين ، فإن دلت الدلائل والقرائن علي
    صدقه ، عمل به وصدق ، وإن دلت علي كذبه ، كذب ولم يعمل به ، ففيه دليل علي أن خبر الصادق مقبول ، وخبر الكاذب مردود ، وخبر الفاسق متوقف فيه)(4).
    ومما جاء في التحذير من قبول رواية الفاسق قول النبي صلي الله عليه وسلم: (من حدث عني بحديث يري أنه كذب فهو أحد الكاذبين)(5).
    فالحديث يفيد التحذير عن أن يحدث احد عن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا بما تحقق صدقه علما أو ظنا ، إلا أن يحدث بذلك علي جهة إظهار الكذب ، فإنه لا يتناوله الحديث(6).


    (1) سورة الحجرات / 6.
    (2) أحام القرآن 4 / 147.
    (3) الإكليل في استنباط التنزيل 3 / 1195.
    (4) تيسير الكريم الرحمن ص 800.
    (5) أخرجه مسلم ، المقدمة (!).
    (6) انظر: المفهم للقرطبي 1 / 112.







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (29)

    من أسس المنهج العلمي للرواية (1-2)


    رابعا: التثبت من كل قضية.

    لقد ربى القرآن الأمة ـ وعلى رأسها جيل الصحابة ـ على التثبت في الأمور ، قال تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)(1)، فقد أوجبت هذه الآية التأكد من صحة العلم النقلي، وذلك لما كان عليه حال المجتمع في عصره صلي الله عليه وسلم ، حيث كان فيه الكفار والمنافقون الذين حاولوا الدس والكذب على رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه وزوجاته.
    وكان من تلك الأكاذيب: واقعة الإفك التي نزل فيها القرآن الكريم تبرئة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مما قال فيها أهل الإفك(2).
    وكان من تربية الله لهم قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنـون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين)(3)، وقوله: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم. ولـولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم)(4).
    وبما أننا نتحدث هنا عـن علم الرواية وهي من العلم النقلي ، فمعنى ذلك أنه لا يقبل شئ من الراوي فيما ينقله إلا بعد أن يتثبت من صحته ، ومطابقته للأصل الذي صدر عن صاحبه.
    كما أنها أوجبت علي كل من سمع حديثا أن يتوثق ولا يروي حتي يتثبت ويأخذ بالاحتياط ، وهذا
    ما أخذ به الصحابة ومن بعدهم كما سيأتي(5).
    قال قتادة: لا تقل: رأيت ، ولم تر ، وسمعت ، ولم تسمع ، وعلمت ، ولم تعلم ، فإن الله سائلك عن ذلك كله(6).
    وقال السعدي: (ولا تتبع ما ليس لك به علم ، بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله ، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسؤول عما قاله وفعله...أن يعد للسؤال جوابا)(7).


    خامسا: النهي عن التحديث بكل ما سمع الإنسان.

    الإنسان في العادة يسمع الصدق والكذب ، فإذا حدث بكل ما سمع فقد وقع في الكذب لإخباره بما لم يكن ، وقد ورد في النهي عـن التحديث بكل ما يسمعه المرء قول النبي صلي الله عليه وسلم: (كفي بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)(8).
    قال القرطبي: (ومعنى الحديث: أن من حدث بكل ما سمع حصل له الحظ الكافي من الكذب ، فإن الإنسان يسمع الغث والسمين ، والصحيح والسقيم ، فإذا حدث بكل ذلك حدث بالسقيم وبالكذب ، ثم يحمل عنه فيكذب في نفسه ، أو يكذب بسببه)(9).
    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع)(10).
    وبمثل ما قال عمر قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وقد تأصل هذا المنهج
    في الأجيال التالية.
    فقال مالك: (اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ، ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع)(11).
    فقول مالك (ولا يكون إماما أبدا) أي: إذا وجد الكذب في روايته لم يوثق بحديثه ، وكان ذلك جرحا فلا يصلح ليقتدي به أحد ـ ولو كان عالما ـ فلو بين الصحيح من السقيم ، والصادق من الكاذب ، سلم من ذلك ، وتقصي عن عهدة ما يجب عليه من النصيحة الدينية(12).
    وقال عبد الرحمن بن مهدي: (لا يكـون الرجل إماما يقتدي به حتي يمسك عـن بعض ما سمع)(13).
    وعن سفيان بن حسين قال: سألني إياس بن معاوية فقال: إني أراك قد كلفت بعلم القرآن فاقرأ علي سورة ، وفسر حتي انظر فيما علمت ـ قال ـ ففعلت ، فقال لي: احفظ علي ما أقول لك: إياك والشناعة في الحديث ، فإنه قلما حملها أحد إلا ذل في نفسه وكذب في حديثه(14).
    فهذه الآثار وغيرها كثير تفيد أن هذا الأصل كان باعثا علي الاحتياط في الرواية ، وعدم الإقدام عليها إلا بعد التأكد من صحة المروي ، والتثبت من صحة ما يسمعه المرء لاسيما ما يسمعه من الأحاديث.



    (1) سورة الإسراء / 36.
    (2) نظر القصة في صحيح البخاري ، كتاب التفسير (تفسير سورة النور) ، باب: لولا إذ سمعتموه (4750).
    (3) سورة النور / 12.
    (4) سورة النور / 15- 16.
    (5) انظر: المنهج العلمي للتعامل مع السنة ص 9.
    (6) عمدة التفسير 2 / 432.
    (7) تيسير الكريم الرحمن ص 457.
    (8) أخرجه مسلم ، المقدمة (7).
    (9) المفهم 1 / 117.
    (10) أخرجه مسلم ، المقدمة (9).
    (11) أخرجه مسلم ، المقدمة (10).
    (12) انظر: المفهم 1 /117.
    (13) أخرجه مسلم ، المقدمة (12).
    (14) أخرجه مسلم ، المقدمة (13).





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (30)

    من أسس المنهج العلمي للرواية (2-2)



    سادسا: التحذير من قبول رواية الضعفاء وأهل البدع والأهواء.


    لقد حذر رسول الله صلي الله عليه وسلم من قبول رواية الضعفاء والوضاعين ، فقال: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم)(1).
    فهذا الحديث إخبار من النبي صلي الله عليه وسلم بأنه سيوجد بعده كذابون عليه ، يضلون الناس بما يضعونه ويختلقونه ، وقد وجد ذلك علي نحو ما قاله ، ومن ثم كان التحذير النبوي لتحصين الأمة: (فإياكم وإياهم ، لا يضلونكم ، ولا يفتنونكم).
    وقد بوب النووي لهذا الحديث ولغيره من الآثار بقوله: (باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها).
    وقد وعي الصحابة ومن بعدهم هذا الأمر فاحتاطوا في الرواية ، وأمروا غيرهم بالاحتياط.
    قال أبو هريرة وابن عباس وابن سيرين رضي الله عنهم: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)(2).
    قال القرطبي معلقا علي هذا: (لما كان مرجع الدين إلي الكتاب والسنة ، والسنة لا تؤخذ عن كل أحد ، تعين النظر في حال النقلة واتصال روايتهم ، ولولا ذلك لاختلط الصادق بالكاذب ، والحق بالباطل ، ولما وجب الفرق بينهما وجب النظر في الأسانيد... وهو أمر واضح الوجوب لا يختلف فيه ، وقال عقبة بن نافع لبنيه: يا بني ! لا تقبلوا الحديث إلا من ثقة ، وقال ابن معين: كان فيما أوصي به صهيب بنيه أن قال: يا بني ! لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا من ثقة... وقال سليمان بن موسي: قلت لطاووس: إن فلانا حدثني بكذا وكذا ، فقال: إن كان مثبتا فخذ عنه)(3).
    وهذا بشير العدوي يأتي إلي ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه ، فقال: يا ابن عباس ! ما لي لا أراك تسمع لحديثي ؟ أحدثك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا تسمع ، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا ، وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعبة والذلول ن لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف(4).
    فابن عباس يقرر أنه كان في أول الأمر يحدث عن الصحابة - لأنهم عدول - ويأخذ عنهم ، لأن سماعه من رسول الله صلي الله عليه وسلم كان قليلا لصغر سنه ، فكان حاله مع الصحابة كما قال ، فلما تلاحق التابعون وحدثوا ، وظهر له ما يوجب الريبة لم يأخذ عنهم ، كما فعل مع بشير العدوي.
    وقوله: (فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف) هذا مثل ، وأصله في الإبل ، ومعناه: أن الناس تسامحوا في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم واجترؤوا عليه ، فتحدثوا بالمرضي عنه ، الذي مثله بالذلول من الإبل ، وبالمنكر منه الممثل بالصعب من الإبل(5).

    سابعا: رد ما يتنازع فيه إلي الكتاب والسنة الصحيحة.
    لقد أمر الله سبحانه وتعالى برد ما يتردد فيه ، وما يقع فيه تنازع لعدم تصديق النقل أو العقل له
    إلي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم الثابتة حتي لو ظن صحة روايته ، ويدل علي هذا قول الله تعالى: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلي الله والرسول)(6).
    - إذ المراد بالرد إلي الله الرجوع إلي كتابه القرآن الكريم.
    - وبالرد إلي الرسول الرجوع إليه صلي الله عليه وسلم حال حياته ، وإلي سنته بعد مماته.
    - وبالشئ الذي يتنازع فيه كل شئ من أمور الدين والدنيا لأنه نكرة في سياق الشرط فيعم كل ما يتنازع فيه المسلمون ، ويدخل في ذلك ما يتنازعون في قبوله من الأحاديث ، بل هو أولي بذلك من غيره لخطر ما يترتب عليه ، وعلي هذا وضع العلماء قاعدة مشهورة للحكم علي الحديث ، وهي قولهم: (إذا رأيت الحديث يباين المعقول ، أو يخالف المنقول ، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع)(7).
    هذه أبرز الأسس العلمية التي وضعت في عصر النبي صلي الله عليه وسلم للرواية ، وقد أخذ بهذه الأسس - في خدمة السنة - الصحابة الكرام والأجيال اللاحقة ، إذ حكمتهم هذه التعاليم ، وحددت سيرهم ، وبعثت فيهم النشاط لحفظها ، وألهبت في صدورهم الغيرة عليها ، والدفاع عنها ، والذود عن حياضها.
    وتأتي أهمية هذه الأصول التي صانت السنة وكانت سياجا قويا لحفظها ، وخطا منيعا للدفاع عنها من أن الذي رسخها وعمقها في نفوس الأمة جيلا بعد جيل هو القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وبهذا يتضح أن قواعد المحدثين التي وضعوها ، وضوابطهم التي احتكموا إليها في تدوين السنة والمحافظة عليها لم تأت من فراغ ، ولم تبن علي غير أساس ، وإنما أسسها القرآن وبنتها السنة ، ومع هذه الدلالة الظاهرة الواضحة بنصوصها فقد غفل كثير من الباحثين عنها وعن أهميتها ودورها في تأصيل قواعد الرواية والنقل الصحيحين.



    (1) أخرجه مسلم ، المقدمة (15 - 16).
    (2) الأثر أخرجه عن أبي هريرة وابن عباس ابن حبان في كتابه المجروحين (1 / 21 ، 22) وأخرجه عن ابن سيرين مسلم في مقدمة صحيحه رقم (26).
    (3) المفهم 1 / 121 - 122.
    (4) مقدمة صحيح مسلم ، رقم (21)
    (5) انظر: المفهم 1 / 124.
    (6) سورة النساء / 59.
    (7) انظر: تيسير علوم الحديث ص 20.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (31)

    السنة في عصر الصحابة

    لقد قام صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم بدور عظيم في خدمة السنة المطهرة، حيث تمثل في تلقيهم للسنة أروع صور التحمل، وتجسد في تبليغهم أعظم صور الأداء، وما كان ذلك منهم إلا لاعتقادهم أنها دين، يثبت به تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن ثم شاعت منذ ذلك العصر المبارك هذه الكلمة : (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)(1).
    وقد كانت جهودهم - بكل ملامحها - هي الأساس الذي بني عليه كل من جاء بعدهم، وإذا كان للاحقين فضل الكمال والإتمام، فللسابقين فضل التأسيس والإنشاء، ولكل درجات مما عملوا، وقبل إبراز جهود الصحابة في خدمة السنة أود أن أعرض لبعض النقاط أراها هامة وضرورية في هذا الباب.

    من هو الصحابي؟
    قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - : (الصحابي : من لقي النبي صلي الله عليه وسلم مؤمنا به ومات علي الإسلام).
    4ثم قال موضحا التعريف وشارحا : (فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روي عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمي، ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافرا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخري، وقولنا - به - يخرج من لقيه مؤمنا بغيره كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة.... ويدخل في قولن- مؤمنا به - كل مكلف من الجن والإنس، وخرج بقولنا - ومات علي الإسلام - من لقيه مؤمنا ثم ارتد ومات علي ردته والعياذ بالله، ويدخل فيه من ارتد وعاد إلي الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به صلي الله عليه وسلم مرة أخري أم لا، وهذا هو الصحيح المعتمد )(2).

    عدالة الصحابة :
    عدالة الصحابة مسألة عظيمة الجدوي - كما يقول الإمام العلائي - لأن الصحابة نقلة الشريعة ولم تصل إلي الأمة إلا من جميعهم، فمتي تطرق الطعن إلي أحد منهم حصل التشويش في أصول الشريعة، ولم يبق بأيدينا - والعياذ بالله - متمسك بشئ منها، وتوجهت المطاعن لأهل الزيغ والشبه في الدين، وأدي ذلك إلي الانحلال بالكلية، ولا محذور أصعب من ذلك(3).
    ومن هنا فقد اتفق جماهير العلماء وأهل السنة والجماعة علي القول بعدالة الصحابة ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة،


    (1) روي ذلك أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما. انظر : المجروحين لابن حبان ( 1 / 21 - 22 ).
    (2) الإصابة ( 1 / 7 ).
    (3) انظر : تحقيق منيف الرتبة ص 60.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (32)


    الأدلة من الكتاب والسنة على عدالة الصحابي
    وقد أثبت العلماء عدالة الصحابة بالنصوص من الكتاب والسنة والآثار المشتملة علي دلالة العقل ثم دلالة واقع جهادهم وتضحياتهم وروايتهم الثابتة .
    أما الاستدلال بالقرآن : فيقررها أهل السنة بأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم ، وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم في نص القرآن ، فمن ذلك قوله تعالي : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )(1) وقوله تعالي : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )(2) وهذا اللفظ كان عاما ، فالمراد به الخاص ، وقيل هو وارد في الصحابة دون غيرهم . وقوله تعالى : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ )(3). وقوله تعالى : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً )(4)
    أما السنة : فقد استدلوا بأحاديث منها
    1 - عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته )(5)
    2 - عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه ، قال : صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قلنا : لو جلسنا حتي نصلي معه العشاء ، قال : فجلسنا ، فخرج علينا فقال : ( ما زلتم ههنا ؟ ) قلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا : نجلس حتي نصلي معك العشاء ، قال : ( أحسنتم وأصبتم ) قال : فرفع رأسه إلي السماء ، وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلي السماء ، فقال : ( النجوم أمنة للسماء ، فإذا ذهبت النجوم أتي السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي ، فإذا ذهبت أتي أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتي أمتي ما يوعدون )(6)
    ففي هذين الحديثين دلالة واضحة علي أن الصحابة عدول علي الإطلاق حيث شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية المطلقة ، كما أخبر بأنهم أمان للأمة من ظهور البدع والحوادث في الدين ، ولا يخبر صلى الله عليه وسلم بهذا إلا لمن كانوا عدولا مستقيمين علي الصراط المستقيم .
    3 - عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ......ألا ليبلغ الشاهد الغائب ) (7)
    وجه دلالة الحديث على عدالة الصحابة رضي الله عنهم : أن هذا القول صدر من النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم جمع من الصحابة في حجة الوداع ، وهذا من أعظم الأدلة علي ثبوت عدالتهم ، حيث طلب منهم أن يبلغوا ما سمعوه منه من لم يحضر ذلك الجمع دون أن يستثني منهم أحدا .
    قال ابن حبان : ( وفي قوله صلى الله عليه وسلم " ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب " أعظم دليل علي أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف ، إذ لو كان فيهم أحد غير عدل لاستثني في قوله صلى الله عليه وسلم وقال : " ألا ليبلغ فلان منكم الغائب " فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم دل ذلك علي أنهم كلهم عدول ، وكفي بمن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفا )(8)
    والأحاديث غير ذلك كثيرة .
    قال الإمام الخطيب البغدادي : ( والأخبار في هذا المعني تتسع ، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن ، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة ، والقطع علي تعديلهم ونزاهتهم ، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالي لهم المطلع علي بواطنهم إلي تعديل أحد من الخلق لهم ، فهم علي هذه الصفة إلي أن يثبت علي أحدهم ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل ، فيحكم بسقوط عدالته ، وقد برأهم الله تعاليــ الكفاية من ذلك ، ورفع أقدارهم عنه )(9)
    وأما دلالة العقل والآثار : فيقول فيها الخطيب :
    ( على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها - من الهجرة والجهاد والنصرة ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين - القطع علي عدالتهم ، والاعتقاد بنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين ، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقولهم من الفقهاء )
    ثم عقب بقول أبي زرعة الرازي : ( إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدي إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولي وهم زنادقة )(10)
    وكلها استدلالات صريحة ناطقة بعدالة الصحابة يضاف إليها الاستشهاد بدلالة الواقع في مرويات الصحابة كما دل عليه أسلوب هو في البحث العلمي من وسائل المعرفة القاطعة ، وهو ما يسمي في مناهج البحث وعلم المنطق ( الاستقراء التام )
    يقول العلامة المعلمي اليماني : ( إن أئمة الحديث اعتمدوا فيمن يمكن التشكك في عدالته من الصحابة اعتبار ما ثبت أنهم حدثوا به عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي آخر عنه وعرضوها علي الكتاب والسنة ، وعلي رواية غيرهم ، مع ملاحظة أحوالهم وأهوائهم (11)، فلم يجدوا من ذلك ما يوجب التهمة ، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من الصحابة ، ممن لا تتجه إليه تهمة ، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو ما يشهد له )(12)
    ويضيف الدكتور نور الدين عتر قائلا : ( وأشهد أنه من خلال استقرائي لألوف تراجم الرواة والمرويات الضعيفة التي ذكرت في كتب الضعفاء فإنه لم يوجد حديث قط يحكم فيه بما يخل بهذا المبدأ عن الصحابة بصورة ما )(13)

    (1) سورة آل عمران / 110 .

    (2) سورة البقرة / 143 .

    (3) سورة الفتح / 18 .

    (4) سورة الفتح / 29 .

    (5) أخرجه الخاري ، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ( 3651 ) ومسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ( 6469 ) .

    (6) أخرجه مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب بيان أن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابه ... ( 6466 ) .

    (7) أخرجه البخاري ، كتاب العلم ، باب ليبلغ الشاهد الغائب ( 105 ) ومسلم ، كتاب القسامة ، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض ( 4383 ) .

    (8) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ( 1 / 91 ) .

    (9) الكفاية ( 1 / 186 ) .

    (10) الكفاية ( 1 / 186 ــ 188 ) .

    (11) أي نزعاتهم السياسية في الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما .

    (12) الأنوار الكاشفة 271 .

    (13) مناهج المحدثين العامة 58 .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (33)



    بواعث الصحابة في خدمة السنة


    هناك بواعث عديدة حفزت الصحابة – رضي الله عنهم - إلى خدمة السنة، وحفظها من كل دخيل، وصيانتها من كل عليل، ومن هذه البواعث:

    1- علم الصحابة – رضي الله عنهم – بمكانة السنة: لقد أدرك الصحابة – رضي الله عنهم – أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جزء من الدين الذي يدينون به، يجب اتباعه وتحرم مخالفته، لاسيما وقد أوجب القرآن الكريم طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها بجوار طاعة الله تعالى.

    فقال عز من قائل:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)(1).

    وجعل طاعته طاعة لله تعالى، فقال:( من يطع الرسول فقد أطاع الله) (2).

    وجعل ثمرة طاعته الاهتداء، فقال:( وإن تطيعوه تهتدوا)(3) ، كما جعل ذلك في اتباعه، فقال:( واتبعوه لعلكم تهتدون) (4).

    وجعل اتباعه دليلاً على محبة الله ومغفرته، فقال:( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)(5).

    وأمرهم بالانقياد له فيما يأمر به وينهى عنه، فقال:( وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا...)(6).

    وأمرهم بالاستجابة لدعوته، واعتبر ما يدعوهم إليه هو الحياة، فقال:( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (7).

    وحذر من مخالفة أمره، فقال:( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)(8).

    وأوجب الرجوع إليه عند التنازع، فقال:( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)(9).

    ولم يجعل للمؤمن ولا للمؤمنة خياراً في قبول حكمه، فقال:( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا)(10).

    وأقسم على نفي الإيمان عمن أعرض عن تحكيمه، أو لم يقبل حكمه راضياً مسلماً، فقال:( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما)(11).

    وجعل قبول حكمه أو التولي عنه المحك الذي يميز المؤمنين من المنافقين فقال:( ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، وإذ دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون.... إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون)(12).

    ورغب سبحانه وتعالى في الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، فقال:( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً)(13).

    وجعل من أدب المؤمنين معه أنهم لا يذهبون مذهباً إلا بإذنه، فقال:( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله...) (14).

    فإذا كان من لوازم الإيمان: أنهم لا يذهبون مذهباً إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي بعد استئذانه، وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه. (15)

    هذا بالإضافة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد حذر أصحابه من ترك سنته، وذلك حين قال لهم:(.... فمن رغب عن سنتي فليس مني).(16)

    وحين قال لهم يوم أن حرم عليهم أشياء يوم خيبر:( يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإنما حرم رسول الله كما حرم الله). (17)

    كل هذه النصوص وغيرها جعلت الصحابة يدركون مكانة السنة النبوية، ويستشعرون خطورة الإعراض عنها أو التفريط فيها أو تضييع شيء منها.

    وكيف يقعون في شيء من هذا، والسنة بنص القرآن الكريم هي المبينة له قال تعالى:( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)(18) ، لقد بينت السنة لهم كيفية الصلاة، ومقادير الزكاة، وأعمال الحج، وكيفية المعاملات الشخصية والاقتصادية والاجتماعية، ولولا هذا البيان ما استطاعوا أن ينفذوا أمر الله تعالى بذلك.

    لذا كان الحفاظ على السنة حفاظاً على الدين، والتفريط فيها تفريط في الدين، وهذا ما بعثهم على خدمتها، وبذل الجهود في نقلها والحفاظ عليها.







    (1) - سورة النساء /159



    (2) - سورة النساء /80



    (3) - سورة النور /54



    (4) - سورة الأعراف 158



    (5) - سورة آل عمران /31



    (6) - سورة الحشر /7



    (7) - سورة الأنفال /24.



    (8) - سورة النور/ 64.



    (9) - سورة النساء /59.



    (10) - سورة الأحزاب/ 36.



    (11) - سورة النساء /65.



    (12) - سورة النور /47-48-51.



    (13) - سورة الأحزاب / 21 .



    (14) - سورة النور /62



    (15) - انظر: أعلام الموقعين( 1/58).



    (16) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، رقم( 5063)، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب لمن تاقت نفسه إليه، رقم( 3403).



    (17) - الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك( 1/109،110) وقال: إسناده صحيح.



    (18) - سورة النحل /44





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (34)



    من بواعث الصحابة في خدمة السنة
    2- ترغيب الكتاب والسنة في تحمل العلم وتبليغه:
    لم يكن حفظ السنة ونشرها أمراً موكولاً إلى اختيار الصحابة – رضي الله عنهم – بل كان تكليفاً دينياً لازماً لهم، كي يترسموا خطاها في حياتهم أولاً، ثم يقوموا بتبليغها للأجيال اللاحقة ثانياً، ذلك أن التعليم إلزام للمتعلم، وتحميله مسئولية التبليغ، قال تعالى:( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(1).
    أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبدالله بن عبيد بن عمير، قال: كان المؤمنون يحرضهم على الجهاد إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية خرجوا فيها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في رقة من الناس، فأنزل الله تعالى:( وما كان المؤمنون لينفروا كافة...) أمروا إذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أن تخرج طائفة وتقيم طائفة، فيحفظ المقيمون على الذين خرجوا ما أنزل الله من القرآن، وما يسن من السنن، فإذا رجع إخوانهم أخبروهم بذلك وعلموهم.(2)
    وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال:( كنا نغزو وندع الرجل والرجلين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنجئ من غزاتنا، فيحدثونا بما حدث به رسول الله فنحدث به...)(3)
    وقد حضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلقي الحديث وتبليغه، فقال:( تسمعون، ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم). (4)
    وإذا كان الحديث قد ورد بصيغة الخبر فمعناه الإنشاء، أي لتسمعوا منى الحديث، ولتبلغوه عني، وليسمعه منكم من بعدي، وهكذا أداء للأمانة.
    وقال صلى الله عليه وسلم:( بلغوا عني ولو آية... ). (5) .
    وقال صلى الله عليه وسلم:( حدثوا عني ما تسمعون مني، ولا تقولوا إلا حقا، ومن قال علي ما لم أقل بني له في جهنم بيت يوقع فيه). (6)
    وقال صلى الله عليه وسلم:( إني أحدثكم بالحديث، فليحدث الحاضر منكم الغائب).(7)
    وكان صلى الله عليه وسلم يقول لهم عقب بعض خطبة:( ليبلغ الشاهد منكم الغائب).(8)
    وإذا كانت هذه النصوص توضح إلى أي مدى استحوذت قضية التلقي والتبليغ على اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم، فهناك نصوص أخرى ترمى إلى ذات الهدف.
    منها: ما يتعلق بالترغيب في ذلك عن طريق الدعاء لهم، ووعدهم بعظيم الأجر وجزيل المثوبة، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:( نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). (9)
    وقوله صلى الله عليه وسلم:( من دل على خير فله مثل فاعله).(10)
    وقوله صلى الله عليه وسلم:( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).(11)
    ومنها: ما يتعلق بالترهيب من كتمان العلم، والتقصير في تبليغه، ذلك أن العلم الديني ليس لحامله، بل لكل من يمكن أن يصل إليه، وكتمانه شر وظلم قال تعالى:( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا...) [ سورة البقرة /159-160].
    وقال تعالى:( وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينه للناس ولا تكتمونه)(12) .
    وعن عبدالله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار".(13)
    من أجل كل هذا أصبح واجباً على الصحابة – رضوان الله عليهم – تلقي الحديث وحفظه، ثم القيام بتبليغه إلى من بعدهم، كي يخرجوا من مسئولية التبليغ الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.



    (1) - سورة التوبة/ 122.

    (2) - الدر المنثور للسيوطي( 3/522).

    (3) - عزاه صاحب كنز العمال( 10/296رقم 29493)، إلى ابن شيبة وابن عساكر.

    (4) - الحديث أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، رقم( 3659)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 207رقم( 92)، وصححه ابن حبان، انظر: الإحسان( 1/263) رقم( 62)، والحاكم في المستدرك( 1/95) ووافقه الذهبي.

    (5) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم( 3461).

    (6) - أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 172 رقم( 16)، وعز الهيثمي نحوه في المجمع( 1/148) للطبراني، وقال: إسناده لم أر من ترجمهم.

    (7) - أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 171 رقم( 14)، وعزاه الهيثمي في المجمع( 1/139) إلى الطبراني في الكبير، ورجاله موثوق بهم.

    (8) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب ليبلغ الشاهد الغائب، رقم( 105)، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، رقم( 4383).

    (9) - أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم، فضل نشر العلم، رقم( 3660)، والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، رقم( 2656) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في سننه، المقدمة، باب من بلغ علماً، رقم( 233-234-235)، وقد خص الشيخ عبدالمحسن العباد هذا الحديث بدراسة مستقلة في كتابه" دراسة حديث( نضر الله امرءاً سمع مقالتي) رواية ودراية" وخلص إلى أنه حديث متواتر، رواه أربعة وعشرون صحابياً.

    (10) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، رقم( 1893)، والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في الدال على الخير كفاعله، رقم( 2671) وقال: حسن صحيح.

    (11) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة.. رقم( 6804).

    (12) - سورة آل عمران / 187.

    (13) - أخرجه ابن حبان في صحيحه، انظر: الإحسان( 1/298 رقم 96)، والحاكم في المستدرك( 1/102) وقال إسناده صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وعزاه الهيثمي في المجمع( 1/163) للطبراني في الكبير والأوسط، وقال: رجاله موثقون.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (35)



    حب الصحابة – رجالاً ونساءً – للنبي صلى الله عليه وسلم وأسلوب الحديث النبوي
    3-حب الصحابة – رجالاً ونساءً – للنبي صلى الله عليه وسلم :
    لقد أحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حباً يعلو على حبهم للآباء والأبناء، الأمر الذي جعلهم يقبلون عليه بمشاعرهم، ويحرصون على كل شيء يتصل به ويصدر عنه صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو تقرير.
    روى البخاري بسنده: أن عروة بن مسعود الثقفي – وافد قريش في صلح الحديبية – قال عنه وعن أصحابه:" والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له...". (1)
    وقد كان هذا الحب باعثاً لهم على التنافس في حضور مجالسه، وسماع دروسه ومواعظه، حتى إن النساء جئنه يوماً وقلن له:" يا رسول الله غلبنا عليك الرجال، فأجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهم فيه فوعظهن وأمرهن".(2)
    4- أسلوب الحديث النبوي:
    فقد أوتى صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وقوة البيان التي يندر مثلها في البشر، ومن هنا نجد القرآن الكريم يسمى السنة" حكمة"، ولا شك أن البيان البليغ يأخذ بمجامع القلوب، ويسرى في كيان الإنسان الذهني والعاطفي، الأمر الذي جعل الصحابة يقبلون على سماع حديثه، ويعملون على حفظه وصيانته، ويتلذذون بتكريره في مجالسهم، وتبليغه إلى من لم يسمعه منه صلى الله عليه وسلم.



    (1) - صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، رقم( 2731-2732).

    (2) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب هل يجعل للنساء يوماً على حده في العلم، رقم( 101).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    5,169

    افتراضي رد: تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين (متجدد)

    تاريخ السنة النبوية ومناهج المحدثين

    ا.د.فالح بن محمد الصغير

    الحلقة (36)



    وسائل الصحابة في خدمة السنة
    كان للصحابة رضي الله عنهم وسائل وضوابطهم التي أخذوا بها في خدمة السنة النبوية وصيانتها والمحافظة عليها، وتتمثل هذه الوسائل في:
    1- تلقي الحديث.
    2- تبليغه.
    3- كتابته.
    4- وضع قواعد الرواية.
    5- مدارسة الحديث.
    أولاً: تلقي الحديث:
    لقد تلقى الصحابة – رضي الله عنهم – الحديث وتحملوه بكل صور التحمل الممكنة في ذلك العصر، ومن تلك الصور:
    أ) السماع:
    كان الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصين كل الحرص على حضور مجلسه صلى الله عليه وسلم لسماع الأحاديث منه، والتزود من توجيهاته السديدة، ونصائحه الكريمة، وبيانه الرشيد للقرآن المجيد، وفي السنة أحاديث لا تكاد تحصى صرح فيها الصحابة بسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم، منها على سبيل المثال:
    ما رواه البخاري وغيره عن علقمة بن وقاص قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب قال: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول:( يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).(1)
    ولما كانت عندهم أعمال تشغلهم في بعض الأوقات عن حضور مجلسه صلى الله عليه وسلم، تناوبوا الذهاب إليه صلى الله عليه وسلم، كي يبلغ الشاهد منهم الغائب، فلا يفوت أحداً منهم أمراً من الأمور التي يجب أن يحفظوها عنه، وينفذوا ما فيها من تعاليم.
    فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:( كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالى المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوماً، وأنزل يوماً، فإذا نزلت جثته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك...) الحديث.(2)
    وفي رواية:( وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر).(3)
    وفي رواية:( وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدته أتيته بما يكون، وإذا غبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد أتاني بما يكون من ر سول الله صلى الله عليه وسلم) (4).
    ولما لم يكن من الممكن أن يكون كل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال، إذ لم يكونوا جميعا ًمن سكان المدينة المنورة، والذين كانوا من المدينة كانت لهم أعمالهم وتجارتهم وزراعتهم، من ثم كان لابد أن يطلبوا ما فاتهم سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعونه من أقرانهم، وأن يحمل بعضهم عن بعض.
    قال الحاكم:( وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسمعونه من أقرانهم، وممن هو أحفظ منهم، وكانوا يشددون على ما يسمعون منه).(5)
    وعن البراء بن عازب – رضي الله عنهما – قال:( ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحدثنا أصحابنا عنه، وكانت تشغلنا عنه رعية الإبل).(6)
    وفي رواية:( ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة(7) وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب).(8)
    وعن حميد الطويل، أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فغضب غضباً شديداً، وقال:( والله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان يحدث بعضنا بعضاً، ولا يتهم بعضنا بعضاً). (9)
    وفي رواية: كنا مع أنس بن مالك رضي الله عنه، فقال:( والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا).(10)
    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث صحابته الكرام، إذا سمعوا الحديث منه، على أن يبلغ بعضهم بعضا، وليحدث الحاضر منهم الغائب.(11)
    فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:( إني محدثكم الحديث، فليحدث الحاضر منكم الغائب).
    ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم يلتزمون بذكر إسنادهم عن الصحابة الذين أخذوا عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانوا ينسبون الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.
    قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:( كنا نغزو وندع الرجل والرجلين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنجئ من غزاتنا، فيحدثونا بما حدث به رسول الله، فنحدث به، نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم). (12)
    وكان بعضهم إذا سئل أو روجع ذكر الصحابة الذي سمع الحديث منه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي بكر بن عبدالرحمن قال: سمعت أبا هريرة – رضي الله عنه – يقص، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبا فلا يصوم، فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن الحارث – لأبيه – فأنكر ذلك.
    فانطلق عبدالرحمن وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، فسألهما عبدالرحمن عن ذلك – قال: فكلتاهما قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبدالرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول، قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبدالرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك ؟ قال: نعم، قال: هما أعلم.
    ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
    قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك الحديث. (13)
    قال ابن حبان:( وإنما قبلنا أخبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رووها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يبينوا السماع في كل ما رووا، وبيقين نعلم أن أحدهم ربما سمع الخبر عن صحابي آخر، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذلك الذي سمعه منه، لأنهم رضي الله عنهم أجمعين – كلهم أئمة سادة قادة عدول، نزه الله عز وجل أقدار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يلزق بهم الوهن.
    وفي قوله صلى الله عليه وسلم:( ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) أعظم الدليل على أن الصحابة كلهم عدول، ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير عدل لا ستثنى في قوله صلى الله عليه وسلم، وقال: ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب، فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم، دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً. (14)



    (1) الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحيل، باب في ترك الحيل...، رقم( 6953) ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنية"، رقم( 4927).

    (2) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب التناوب في العلم، رقم( 89)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، رقم( 3692).

    (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة التحريم، رقم( 4913)، ومسلم في الموضع السابق.

    (4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجوز من اللباس والبسط، رقم( 5843)، وفي كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خير الواحد الصدوق، رقم( 7256).

    (5) معرفة علوم الحديث ص 14.

    (6) أخرجه أحمد في المسند( 4/283) وقال الهيثمي في المجمع( 1/54):" ورجاله رجال الصحيح"، والحاكم في المستدرك( 1/95)وقال:" صحيح على شرط الشيخين وليس له علة ولم يخرجاه".

    (7) الضيعة: العقار والأرض المغلة. القاموس المحيط ص 960.

    (8) أخرجه الرامهرمزي في" المحدث الفاصل" ص 235 رقم( 133)، والخطيب في" الجامع"( 1/74) رقم( 102).

    (9) أخرجه الحاكم في المستدرك( 3/575) وسكت عليه هو والذهبي، وابن سعد في الطبقات( 7/21)، والخطيب في الجامع( 1/174، 175)رقم( 103).

    (10) أخرجه الطبراني في الكبير( 1/246) رقم( 699) وقال الهيثمي في المجمع( 1/153):" رجاله رجال الصحيح".

    (11) عزاه الهيثمي في المجمع( 1/139) للطبراني في الكبير، وقال:" رجاله موثقون"، وأخرجه الرامهرمزي في" المحدث الفاصل" ص 171 رقم( 14).

    (12) عزاه في كنز العمال( 10/296 رقم 29493) لابن أبي شيبة وابن عساكر.

    (13) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، رقم(2589).

    (14) مقدمة الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان( 1/161-162).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •