وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 9 من 9
1اعجابات
  • 1 Post By ابو وليد البحيرى

الموضوع: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,934

    افتراضي وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد




    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر





    التهنئة بدخول شهر رمضان (1-2)

    الحمد لله الذي مَنَّ على عباده المؤمنين بمواسم الخير، ليضاعف لهم الثواب والأَجر، وليكفِّر عنهم السيئات والوزر، وأُصلي وأُسلم على نبينا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن على نهجهم يسير، أما بعد:
    فالسلام عليكم معشر المسلمين ورحمة الله وبركاته، وأَسعد الله أوقاتكم، وطابت أَيامكم بكل خير وسرور، ومع مطلع شهر رمضان المبارك نقف الوقفات الآتية:
    الوقفـة الأولـى:
    أُهنئ كل مسلم ومسلمة ببلوغ هذا الشهر المبارك، وأَسأل الله تعالى أن يهلَّه علينا وعلى الأُمة الإسلامية بالأَمن والإِيمان والسلامة والإسلام، وأسأله جلَّت قدرته أن يبارك لي ولكم في أَيامه ولياليه، وأن يعيننا صيامه وقيامه، وأَن يلهمنا حسن القصد والعمل، ويجعلنا فيه من عباده السابقين إلى الخيرات، المتنافسين في الصالحات.
    الوقفة الثانية:
    يهنئ المسلمون في أَرجاء المعمورة كلها بعضهم بعضًا على مستوى الأَفراد والمجتمعات والدول بدخول هذا الشهر المبارك، قارنين هذه التهنئة بالدعوات الصادقة بأَن يضفي رمضان من نفحاته الإيمانية، وعبيره الفوَّاح، وخصائصه المتميزة، على كل فرد يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.
    أقول: حق لكل مسلم أن يبادر أخاه بالتهنئة في هذا الشهر الكريم، حق له ذلك لأن الرسول ﷺ قدوتنا وأُسوتنا كان يبادر أصحابهرضوان الله عليهمبهذه التهنئة العظيمة، روى الترمذي وابن خزيمة وغيرهما بإسناد حسن أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا هلَّ شهر رمضان: «إذا جاء شهر رمضان- أو إذا كان أول ليلة من رمضان – صفات الشياطين مردة الجن، وغلقت أبواب النيران، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أَقبِل ويا باغي الشر أَقصر، ولله عتقاء من النار«(1).
    وروى الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن عبادة بن الصامترضي الله عنهأن النبي ﷺ قال: «أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله«(2).
    حق لهم التهنئة بهذا الشكر الكريم، فالله سبحانه وتعالى خصه بخصائص تميزه عن غيره من الشهور، ففرض سبحانه صوم نهاره، وسن رسول الله ﷺ قيام ليله، والأَجر فيه مضاعف أضعافًا لا حدَّ لها: «الصوم لي وأنا أجزي به«(3).
    ومنح الله عباده ليلة القدر فيه، خير من ألف شهر، ومن فطر صائمًا كان مغفرة لذنوبه، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء.
    الوقفة الثالثة:
    ها نحن – أيها المسلمون الكرام – وقد تناءى بنا الزمن قرونًا عديدة عن العهد المشرق الذي شُرعَ فيه صيام رمضان، عهد رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم.
    ولكن رغم هذه القرون لا يزال رمضان هو رمضان بمقامه العظيم، ومنزلته العالية في دين الله تعالى، فهو الشهر الذي نزل فيه القرآن، ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليهدي البشرية من التيه والضلال إلى الحق والهدى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}(4)، وهو شهر النصر والعزة والفرقان، الذي ظهر فيه الحلق على الباطل، وهو شهر المغفرة والرحمة والعتق من النار، والتقوى والثواب الجزيل.
    هذا هو شهرنا الكريم يفد إلينا بمنابع الخير العامرة، وبروحانيته الضافية، فهل نحن معشر المسلمين أُمة وأَفرادًا على مستوى الوعي بقيمة رمضان، وعلى مستوى الهمة في استثمار خيراته، وبتعبئة النفس من نفحاته.
    لقد استهلكنا لحظات من الزمن كثيرة قبل رمضان محسوبة علينا شهورها وأَسابيعها وأَيامها وساعاتها، بلغ فيها الكثير منَّا ما بلغ من الوقوع في الشهوات، واللهو بالملذات، والتقلب في أَحوال الحياة بين أَفراح وأَتراح؛ مما أَورث القلوب القسوة، والبعد عن رب الأرض والسماوات، والغفلة عن الدار الآخرة، وتناسي أَو نسيان الممات، ويأتي رمضان لعلَّه يوقظ النفوس الغافلة، والعقول الشاردة؛ لتقف مراجعةً حساباتها، آيبةً إلى رشدها، مُقوِّمةً ما اعوجَّ من سلوكها.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
    (1) رواه الترمذي (3/66)، برقم(682)، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، وابن ماجه (1/526) (1642) في الصيام، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، وابن خزيمة (1883)، وابن حبان كما في الإِحسان (8/221)، برقم(3435)، والحاكم (1/421)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
    (2) رواه الطبراني في الكبير كما في المجمع (3/142)

    (3) رواه البخاري مع الفتح (4/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم؟ ومسلم (2/806)، برقم(1151) في الصيام، باب فضل الصيام.
    (4)
    [البقرة: 185]




    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,934

    افتراضي


    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 2)


    التهنئة بدخول شهر رمضان (2-2)




    الوقفة الرابعة:
    لا شكَّ أن جميع المسلمين يفرحون بقدوم رمضان، مستقلين له استقبالًا ينم عن ذلك الفرح العظيم، مجتهدين في مسالك الاستقبال؛ فذاك يجتهد في أنواع المأكولات والمشروبات، متفنِّنًا في صنوف الأَطعمة والملذات، وآخر يستعجل في تعديل برنامجه ليزيد في لهوه ومسامرة أصحابه وأصدقائه، وذاك ليستغله في بيعه وشرائه والصفق في الأَسواق، وآخرون اعتبروه مجالًا رحبًا في تنويع الأعمال الصالحات ليملؤوا سجلاتهم الأخروية بما يجدونه أمامهم بعد مفارقة الحياة.
    إنَّ نفحات هذا الشهر المبارك وأُجروه العظيمة – أخي المسلم – ليست من نصيب من يضيق بهذا الشهر، أو يجده مجالًا للهو والعبث، أَو من يتقلب في نعم الله تعالى غير شاكر لها، أو من يضيع نفسه وأُسرته بين نوم وسهر، فهؤلاء المساكين وأمثالهم عرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى، وأنزلوا أنفسهم منازل البُعد عن الله تعالى، والقرب من الشيطان، فقدوم رمضان وبال عليهم، والعياذ بالله.


    الوقفة الخامسة:
    إن رمضان يفد علينا منذ أعوام والمسلمون تكوى جباههم وجنوبهم نيرانُ الكيد من أعدائهم الذين كشروا عن أنيابهم، واستبانت حقيقة مواقفهم من الإسلام وأَهله عداءً وحقدًا، وحسدًا وبغضًا، مما يدمي القلب، ويجرح الضمير، ويحير العقل الراشد.
    هذا فضلًا عما يجنيه المسلمون على أنفسهم نتيجة بعدهم عن هدي ربهم وتفرقهم وإيثارهم الأنانية والمصالح القريبة، مما أوقعهم هدي ربهم وتفرقهم وإِيثارهم الأَنانية والمصالح القريبة، مما أوقعهم فريسة للفوضى والمجاعات والتناحر وسوء الأَحوال، فلعلَّ رمضان بخيراته ونفحاته، ولعل هذه المآسي بلهيبها المحرق، أن تحرك القلوب الغافلة، وتهز النفوس الشاردة كي تؤوب إلى رشدها، وتعود إلى ربها؛ لتصوغ حياتها على منهاج ربها سبحانه وتعالى، وهدي نبيها محمد غ، ولا شكَّ أن رمضان فرصة لمن أَراد أن يذكَّر أَو أراد شكورًا.
    أيها المسلمون الكرام:
    إننا ونحن نستقبل هذا الشهر المبارك نحتاج إلى وقفات ووقفاتٍ مع هذا الركن العظيم، ومع هذه العبادة؛ لنفقهها حق فقهها، فلا يكون حظنا التهنئة في بداية والتأسف في نهايته، والنسيان بعد مغادرته، فالله الله لأَن يكون هذا الشهر منطلقًا جديدًا للتعامل مع الله سبحانه وتعالى في كل مجالات الحياة وشعبها ومسالكها المختلفة.
    أَسأل الله تعالى الذي منَّ علينا ببلوغ هذا الشهر العظيم أن يعيننا على حسن الصيام والقيام، وأن يمنحنا القبول والرضوان، وأَن يرزقنا فيه الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، إنه سميع مجيب وهو المستعان.



    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,934

    افتراضي



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 3)

    حكمة الصيام (التقوى) -1
    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه، وعد الصائمين المتقين أجرًا كبيرًا، وأعد لهم خيرًا كثيرًا، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين، وهداية للخلق أجمعين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، وسلم تسليمًا كثيرًا،أما بعد:
    فإنه ما إن يدخل شهر رمضان المبارك إلا وتتغير حياة المسلمين، منفذين أمر ربهم جلَّ وعلا، بالقيام بالركن الرابع من أَركان الإسلام، والذي أعلنه المولى في أول آية تتحدَّث عن الصيام، وهي الآية الثالثة والثمانون بعد المائة من سورة البقرة، وختم الآية بالحكمة العظيمة من تكليف الأُمة بالصيام بعد أن خاطبهم جل شأنه في أهم صفاتهم؛ ليتم الربط القوي بين هذا الوصف العظيم، وتلك الحكمة الجليلة، هذه الآية هي التي سنقف معها متأملين مخاطبة المولى لعباده المؤمنين، مستخرجين شيئًا مما تنطوي عليه من الفوائد والفرائد، متدبرين حالنا وتطبيقاتنا في جمع شؤون حياتنا، تلكم هي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].



    الوقفة الأولى:
    يخاطب المولى سبحانه وتعالى المؤمنين بهذا الوصف العظيم ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ آمنوا بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد غ نبيًّا ورسولًا، آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، آمنوا بذلك اعتقادًا في قلوبهم، وصدقته أقوالهم بألسنتهم، وظهر أثر ذلك على جوارحهم بعملهم وتطبيقاتهم في جميع شؤون حياتهم، فلم يخدشوه بمعصية فيقل إيمانهم، ويضعف يقينهم، ولم يهملوه في بعض جوانب حياتهم فينقص إيمانهم، ولم يشككوا فيه أو في أجزاء منه فيتزلزل يقينهم.
    هذا النداء العظيم – أخي المسلم – من الرب الكريم- حريٌّ بسامعه المؤمن أن ترتعد فرائصه، وأن يرعوي سمعه عند سماعه لهذا النداء؛ ليعي ويفقه ما بعده، ألا ترى عند مناداة عظيم من عظماء البشر لأَحد الناس ممن تحت يده، كيف تكون استجابته فضلًا عن سماعه له ووعيه لما يتلفظ به، وسكون جوارحه حال كلامه! ولله العليِّ الأَعلى المثلُ الأَعلى.
    هذه الصفة للمؤمنين هي حالة سلف هذه الأُمة من الصحابة الكرام الذين يتمثلون قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 24]، فلنستمع إلى ما بعد هذا النداء، معلنين تنفيذ استجابتنا له.

    الوقفة الثانية:
    بعد هذا النداء من المولى سبحانه وتعالى يفرض جلَّ وعلا على هذه الأُمة ركنًا من أركان الإسلام، مبينًا أنه فرضه على من قبلهم ﴿ كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.
    وهذا الفرض عليكم جميعًا أيها المؤمنون، وكان هذا الفرض في السنة الثانية للهجرة بعد مضي أَكثر من أربعة عشر عامًا على بعثة محمد ﷺ، جاء هذا الفرض في المدينة النبوية التي بسطت فيها التشريعات العملية، وفرضت على الأُمة، بعد أن تغلغل الإيمان في قلوب الصحابة ممن أسلم في هذه الفترة، فكان الصيام تشريعًا عامًا منذ ذلك الوقت إلى أن تقوم الساعة.



    الوقفة الثالثة:
    ختم المولى جلَّ وعلا بيان هذا التشريع العظيم وهذا التكليف بحكمة عظيمة وغاية كبيرة فقال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فمن أهداف هذا الصيام: التقوى، فالصيام طريق لتحقيق هذه الكلمة العظيمة التي طالما رددها كل خطيب وواعظ، وأوصى بها كل حبيب محبيه، وخاصة عند مفارقة هذه الدنيا، ووداع الأَهل والأَحباب، والأَصدقاء والأصحاب، هذه الكلمة الجامعة التي اعتنى بها السلف الصالح، وعظموها في نفوسهم، وظهر أثر ذلك على جوارحهم وفي سلوكهم، عملوا بها أثناء عباداتهم، وحال أداء مسؤولياتهم، استشعروا معناها، وحققوا مقتضاها، في بيوتهم وفي شوارعهم وفي أسواقهم وفي ميادين أعمالهم المختلفة.
    هذه الكلمة الجامعة ذات ثمار عظيمة دنيا وأخرى، يسعد صاحبها، ويشفى ناسيها ومتناسيها، فضلًا عن الغافل عنها وتاركها.
    هذه الكلمة التي جعلها الله غاية للصيام، حري بنا جميعًا أن ندرك معناها ونعرف حقيقتها، ونطبق مدلولها، ونزن أعمالنا تجاهها، وهذا ما سنلقي عليه بعض الضوء فيما يأتي:

    الوقفة الرابعة:
    التقوى – أخي القارئ – ملكة إذا وجدت عند عبدٍ صبغت حياته صبغة خاصة تدفعه نحو الخير والطاعة، وتردعه عن الشر والمعصية؛ ابتغاء ثواب الله وخشية عقاب الله، ما أن يسمع بميدان الخير إلا ويسابق إليه، وما أن يسمع عن الشر والشبهة إلا ويبتعد عنه.
    حول هذا المعنى ترددت عبارات السلف في تصويرها وبيانها وتقريب معناها، يقول ابن عباس: «المتقون: الذين يحذرون من الله وعقوبته» ويقول ابن مسعود: «أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأَن يُشكر فلا يُكفر» وقال طلق بن حبيب: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخالف عقاب الله»، وأخذ هذا المعنى الشاعر (ابن المعتمر) فقال:
    خلِّ الذنوب صغيرها**واصنع كماشٍ فوق أر
    لا تحقرن صغيرة**وكبيرها فهو التقى
    ض الشوك يحذر ما يرى**إن الجبال من الحصى

    الوقفة الخامسة:
    التقوى بمعناها المذكور آنفًا هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، ووصية رسوله ﷺ لأَصحابهوأمته، والتي تنوعت النصوص القرآنية والنبوية في بيان عظمها ووجوب تطبيقها والأَمر بها، وما يترتب على تحصيلها تمن آثار عاجلة وآجلة، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّـهَ ﴾ [النساء: 131]، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18]، ويقول جل شأنه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
    وروى الترمذي بسند حسن أن رسول الله ﷺ أوصى معاذ بن جبل فقال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» ([2]).
    أخي المسلم: سمعت الاهتمام بهذه الكلمة العظيمة، والتي تمثل الغاية العظمى للصيام، ويأتينا رمضان ليبعث في النفوس الراغبة أهمية هذا الهدف العظيم من الصيام، وليحقق للصائمين الصادقين هذه الحكمة الجليلة، وليجدد العزم على فعل الخير والطاعة وليحمي النفوس من الضعف والخور والمعصية، وليستأنف العبد فيه التوبة والاستغفار، ولينفض عنه غبار الكسل والهزل.
    أسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المتقين، وأَن يحشرنا في زمرتهم، إنه سميع مجيب وهو المستعان.
    ____________
    ([2]) رواه أحمد في المسند (3/82).






    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني
    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,934

    افتراضي



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 4)

    حكمة الصيام التقوى -2
    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، أحمده سبحانه وهو أهل الحمد في الأُولى والأُخرى، وأصلي وأُسلم على النبي الذي لا ينطق عن الهوى، وعلى آله وأَصحابه والتابعين أُولي الأَلباب والنُّهى، ومن سار على نهجهم واهتدى، وعلى طريقتهم اقتفى، أما بعد:
    فقد وقفنا بعض الوقفات فيما سبق مع حكمة الصيام الكبرى، وغايته الأَسمى، تلكم هي التقوى المتمثلة بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، عرفنا معناها ومدلولها، وتنويه القرآن والسنة بشأنها، والحث على الالتزام والتمسك بها، ولا زال الحديث موصولًا معها في بقية من وقفات لنتعرف على آثارها ونتائجها، وأهم الصفات التي تحصل للمرء بها:



    الوقفة السادسة:
    اهتم السلف الصالح بهذه الكلمة قولًا وفعلًا، وظهرت واضحة جلية في وصاياهم، فهذا علي بن أبي طالب، استعمل رجلًا على سرية فقال له: «أوصيك بتقوى الله الذي لا بد لك من لقاه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة»، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل فقال: «أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياكم من المتقين»، وكتب أحد السلف إلى آخر فقال: «أما بعد: أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حال، في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره».

    الوقفة السابعة:
    هذه الكلمة بمدلولها الواسع إذا طبقها الفرد، وانتشرت في المجتمع، خلفت آثارًا يعجز القلم عن حصرها، ولكن حسبنا الإِشارة إلى ما يدل على شيء من ذلك:
    التقوى سبب لتيسير أمور الفرد والمجتمع، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]، ويقول سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَى*وَصَد َقَ بِالْحُسْنَىٰ*ف سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ [الليل: 5 – 7].

    والتقوى سبب لفتح البركات من السماء والأَرض، وحصول الأَرزاق، وسعة الأَموال، يقول المولى تقدّس في علاه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]، ويقول جلّ شأنه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا*وَيَر زُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2 – 3].



    والتقوى سبب للتوفيق والتسديد في الحياة، والسعادة في الدنيا والآخرة، يقول جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّـهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا ﴾ [الأنفال: 29]، ويقول تقدَّس اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ [الحديد: 28].

    والتقوى عامل قوي لعدم الخوف من كيد الكائدين، وضرر الكافرين، يقول جل وعلا: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120].

    والتقوى سبب لنيل ولاية الله تعالى، يقول تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ﴾ [الأنفال: 34].

    والتقوى طريق موصل إلى رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة، يقول جلّ شأنه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156].

    وأهل التقوى تحصل لهم البشرى والاطمئنان في الحياة الدنيا، سواء بالرؤيا الصالحة، أو بمحبة الناس لهم والثناء عليهم، والدعاء لهم، يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ*لهُم الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 63 – 64].

    هذه بعض آثار التقوى إضافة إلى ما يحصل عليه المتقي عند الله سبحانه وتعالى يوم يلقاه، من فوز وفلاح، ونجاة من عذاب الله تعالى، وقبول الأَعمال، وتكفير السيئات، ومحو الذنوب، والعفو عن الزلات، ورفعة الدرجات، وزيادة الأَجر والحسنات، يقول جل وعلا: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّـهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]، ويقول سبحانه: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا*كَان عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ﴾ [مريم: 71 – 72].
    ويقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، ويقول سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63].
    ويقول جلّ من قائل: ﴿لَـٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّـهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّـهُ الْمِيعَادَ ﴾ [الزمر: 20]، ويقول سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].





    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,934

    افتراضي


    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 5)

    حكمة الصيام التقوى -2

    الوقفة الثامنة:
    هذه الآثار الجليلة، والثمار الطيبة، ليست من نصيب من ادّعى تلبس التقوى بدون تصديق بالجوارح، وإحياء بالسلوك، فللمتقي سمات يعرف بها، وللعامل صفات يتميز بها، فمن أراد أن ينضم في سلك المتقين، وأن يلج ميدان المتنافسين، وأن يكون عاملًا في مجتمع المتقين، فليستمع إلى تلك الأوصاف، ولتظهر عليه تلك العلامات قولًا وفعلًا، حسًّا ومعنى، يقول تعالى مبيِّنًا سمات المتقين: ﴿الم*ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ*الَّ ِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ*أُول ـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 1 – 5].

    ويقول في بيان مزيد من تلك الأوصاف: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَة ِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
    وفي آيات أُخر يضيف أوصافًا أخرى فيقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين*ا َّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* َالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّـهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 133 – 135].

    ويتحل من مجمل ما مرَّ من آيات عظيمة أن من أبرز صفات المتقين: الإِيمان بالغيب، وإقامة الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام، والإنفاق في سبيل الله من الزكاة المفروضة والصدقة المستحبة، والتبرع في مجالات الخير المختلفة، والأَخلاق العالية التي تصل في علوها إلى درجة ضبط عواطف الإِنسان وكبح نزواته، وتحمل سيئات الآخرين عليه، والتوبة والاستغفار والإِنابة عند الزلل والوقوع في المعصية على حين غفلة أو ضعف نفس، وكذا الاستجابة الفورية لنداءات الله تعالى، فيكون القلب حاضرًا لتلبية تلك النداءات.
    وإذا بحثت عن التقي وجدته
    وإذا تقى الله امرؤ فأطاعه
    رجلًا يصدّق قوله بفعالِ
    فيداه بين مكارمٍ ومعالي

    أيها المسلمون الكرام:
    إن أيام السنة تمضي، والعمر سرعان ما ينقضي، والأَعمال المختلفة تتلاحق، والإنسان في دوامة من المشاغل لا تنتهي، ولا شك أنها تمر أوقات وأحداث تنبهه للرجوع إلى مولاه، فيؤوب ويرجع وسرعان ما يتلاشى ويضعف، وهكذا، وسبب ذلك كله ومرده أجمعه إلى فقدان تلك الكلمة الصغيرة لفظًا، الكبيرة معنًى (التقوى) فإذا ما دعتك نفسك الأمارة بالسوء إلى تجاوز حدود الله تعالى، وسوّلت لك ارتكاب معصية أو مخالفة أمر، فتذكر وتأمَّل (التقوى) واجعلها بين عينيك، في بيتك، وبين أسرتك، وفي مكتبك، وبين موظفيك، وفي الشارع، وبين إخوانك المسلمين، وفي أداء عبادتك وعلاقتك بربك، وفي كل شأن من شؤون حياتك.




    ولعل رمضان ونحن في أيامه الأولى، ونوازع الخير في النفوس قائمة، وللأَعمال الصالحة راغبة، أن يحيي بنا هذه الشعيرة العظيمة، ونعاهد الله تعالى لتحقيقها، مستشعرين وصيته سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، لابسين لباس التقوى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
    جعلني الله وإياكم من المتقين الأبرار، اللابسين لباس التقوى في الليل والنهار، إنه سميع مجيب عزيز غفّار، وهو المستعان.





    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,934

    افتراضي



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 7)

    من أداب الصوم (1-2)
    الحمد لله الأعلى، يعلم السر وأخفى، خلق فسوى، وقدَّر فهدى، وأصلي وأسلم على النبي المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واهتدى، أما بعد:
    فقد وقفنا فيما سبق مع هدف الصيام الأَسمى، وغايته العليا، ألا وهي: تقوى الله، ونقف اليوم وقفات نتذكر فيها عظم هذا الصوم وآدابه، وبخاصة في هذا الشهر المبارك، ويعظم الشيء بِعِظَم ما يحيط به، ولا ريب أن هذا الركن العظيم ليس أمرًا عاديًّا عند المسلم الحق، وهو ينفذ أمر ربه صائمًا، فليس الصوم مجرد شعار يرفعه، أو حالة معينة يرفض فيها تناول المفطرات الحسية ومن ثمَّ يعود إليها في ساعات الليل.
    بل هو مع هذا عبادة جليلة لها أجرها العظيم وثوابها الجزيل: «الصوم لي وأنا أجزي به»(1)، وهذا فيما إذا تحققت فيها آدابها وشروطها التي نجملها في الوقفات الآتية:



    الوقفة الأولى:
    يقف في مقدمة شروط الصيام وآدابه، بل هو رأسها والتي لا يقبل إلا بتحقيقها: «النية الخالصة في الصيام» وشأن الصيام شأن أي عبادة لله، فالمكلف لا تقبل منه أي عبادة إلا بهذه النية؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وقد ذكر أهل العلم أن نية صيام الفرض يجب أن تبيت من الليل؛ لما روى ابن عمر عن حفصة مرفوعًا: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له»(2) ولا يلزم التلفظ بهذه النية، ولكن يقوم مقام ذلك استشعاره للقيام لتناول وجبة السحر مثلًا، أو أي عمل أو قول يدل على ذلك.

    وعليه فينبغي للصائم أن يستشعر نية صيامه وأنه – أعني الصيام – عبادة يتقرب بها إلى مولاه، فلم يترك طعامه وشرابه وشهوته وقضاء وطره إلا تنفيذًا لأَمر مولاه، وهذا كله يشعرنا بأخطاء يقع فيها كثير من الصائمين بقصد أو بغير قصد، فذلك الذي لا يهتم لقدوم الشهر وإهلال هلاله، والآخر المسافر الذي يتردد بين الفطر ومواصلة الصوم، والثالث الذي لا يعرف من صيامه إلا ترك الأَكل والشرب والنكاح دون حضور قلبي لعظم الأَجر والثواب، هؤلاء وأمثالهم قد عرضوا صيامهم للنقص والخلل.
    فحري بنا – أخي المسلم – أن نجدد نية الصيام كل ليلة؛ ليعظم الأَجر ويزداد الثواب، ومما يكمل به قبول العمل مع النية: أن يكون الصوم على منهاج رسول الله ﷺ لا يخدش بأي من المفطرات الحسية أو المعنوية.



    الوقفة الثانية:
    ومما يحصل عند كثير من الناس حال صومهم: عدم استشعار هدف الصوم وأحكامه وحكمه، فيقع في كثير من المفسدات والمنقصات للأَجر، فلا يكون له من صيامه إلا الجوع والعطش، تأمل أخي الصائم وأنت تارك للملذات بأنواعِها: لِـمَ فعلت هذا ولم تستطع مخالفته؟ إن إجابتك على مثل هذه الأسئلة تجعلك تسلك طريق الوصول إلى تحقيق أهداف الصيام التي من أعظمها تقوى الله سبحانه وتعالى.
    إن تأملك – أخي المسلم – لحكم الصيام العظيمة الأُخرى يجعلك تحقق صومك وترقى إلى درجة تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، ودخول الجنة من باب الريان، إن الإِنسان وهو في غمرة الحياة، وبين مشاغلها ومتعها وتعبها قد يذهب قلبه عن استشعار تلك الحكم، فتأمل يا أخي ما أنعم الله به عليك؛ فأنت آمن في وطنك، شبعان ريّان، تنام على فراشك الوثير، تلتحف الناعم من الفرش، وتأكل الأطايب من الطعام، أليس الصيام الحقيقي يشعرك أن هناك فئاتٍ من المسلمين يعانون من الجوع والخوف ويفترشون الأَرض ويلتحفون السماء؟
    إن الصائم الحقيقي هو الذي يجيش في قلبه مثل هذه المشاعر والخواطر، فيدفعه لأَن يبذل من إمكاناته وقدراته، وما أنعم الله به عليه؛ لتشغيل جميع جوارحه بالصيام، فينطلق في أبواب الخير المتعددة مساهمًا فيها بقدر ما منحه الله تعالى، والآخر – هدانا الله وإياه – والذي فقد – أو ضعف عنده – استشعار الهدف والحكم من تلك العبادة العظيمة، لم يسجل في سجلاته إلا ترك الأَكل والشرب، فرضي لنفسه أن يعيش بلا طموح يرفعه إلى درجة السابقين بالخيرات.
    ___________
    ([1]) رواه البخاري مع الفتح (4/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم، ومسلم (2/806)، برقم(1151) في الصيام، باب فضل الصيام.
    ([2]) رواه أبوداود (1/745)، برقم(2454) في الصيام، باب النية في الصيام، وابن خزيمة (1933)، وأحمد في المسند (6/287).






    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,934

    افتراضي




    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 8)


    من أداب الصوم (2-2)



    الوقفة الثالثة:
    ومن أهم آداب الصوم: استغلال ما يحصل للصائم، من هدوء نفسي، وخلو من مشاغل القلب، وصفاء في الفكر – وهذه غالبًا ما تحصل للصائم في شهر رمضان – فحريٌّ بالمسلم الصائم أن يستغل هذا الصفاء ليدون في سجل أعماله ما يرضي ربه، فيزودها من الخير والتقوى، مبتدئًا بمحاسبة نفسه، وتقويم نظام حياته السابقة، ليستأنف حياة جديدة مليئة بالطاعة.
    ومما يشار إليه في هذا: قراءة كتاب الله تعالى الذي كان يعطيه الرسول ﷺ نصيبًا أكبر في شهر رمضان، وكذا الابتهال إلى الله سبحانه وتعالى بالذكر والدعاء، يجيش بهما قلبه، وينطق بهما لسانه، فيظل لسانه رطبًا بذكر الله، فهو يدرك أنه لا غنى له عن خالقه سبحانه، فيصله بهذا الذكر العظيم، أضف إلى ذلك نوافل الصلاة، وفي مقدمتها صلاة التراويح التي من أدَّاها إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه، وكذا بقية الأعمال الصالحة من الصدقات والبر والإِحسان وغيرها.

    الوقفة الرابعة:
    إن من أهم آداب الصوم التي لا تتحقق غايته إلا بها: ما وجهنا إليه الحبيب المصطفى ﷺ فيما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الصوم جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم»(3).



    فإذا تأملت – أخي المسلم الكريم – هذا التوجيه العظيم؛ وجدت أمرًا عظيمًا حري بك – وأنت تصوم في هذا الشهر المبارك – أن تتمثله منهاجًا خلقيًا في حياتك، وهذا فضل عظيم، وثواب جزيل، وغاية ينبغي أن يسعى إليها كلُّ من آمن بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، ولن يدرك هذه الغاية إلا من هذّبه صومه، وقوّم خلقه، وأدّب جوارحه، فصومه يمنعه من الفحش والبذاءة، كما يمنعه من دواعي الجماع في نهار رمضان؛ لئلا يقع في المحظور، ويعني ذلك أنه لا يستعمل إلا القول الحسن، والفعل الحسن، مبتعدًا عما يخدش صومه من المحرمات أو المكروهات، بل ينبغي أن يصل إلى درجة أعلى؛ تلكم هي ضبط النفس، وكبح الانفعالات عند من يعتدي عليه بكلمة نابية، أو سباب أو شتام، ولا يكتفي بعدم الرد، إنما ينبه الآخر إلى أن سبب منعه من مجاراته ف يخلقه المشين هو الصوم.

    ألا ما أجمل الصائم عندما يتحلى بتلك الآداب التي تظهر على الجوارح، وتصور – أخي المسلم – أن المجتمع المسلم وهو يؤدي هذه العبادة الجليلة يتخلق أفارده بهذا الخلق النبيل، لا شك أن الفرد المطبق لهذه الآداب، والمجتمع الذي تنتشر فيه هذه الآداب، يكون مدرسة دعوية تخرج الصالحين بأعمالهم وأخلاقهم وسلوكهم قبل أقوالهم.
    فلنعي هذا معشر الصائمين لنحقق الخير في الدنيا والآخرة، ولتقربنا هذه الآداب من الخالق سبحانه، ولتزيد نفوسنا من الصلاح والتقى، وإنما يتقبل الله من المتقين، جعلني الله وإياكم هداة مهتدين، وأصلح لي ولكم القصد، ورزقنا حسن العمل، إنه سميع مجيب وهو المستعان.

    ---------
    ([3]) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، حديث رقم(1894)، ومسلم في الصيام، باب فضل الصيام، حديث رقم(163).




    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,934

    افتراضي




    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 9)


    من مفسدات الصيام (1-2)




    الحمد الله الذي امتنَّ على عباده المؤمنين بصوم شهر رمضان، وتفضل عليهم بالعفو والغفران، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خير من صلَّى وصام، وقام لله حق القيام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
    فقد وقفنا فيما سبق مع ما ينبغي أن يتنبه له كل مسلم صائم، مبتدئًا بتجريد نيته لله سبحانه وتعالى في صيامه وعبادته كلها، مستشعرًا لحكمة العظيمة من صومه، محيطًا صومه بكل ما يزينه من أنواع الطاعات والقربات، مستفيدًا من هذه الشعيرة العظيمة؛ لتدفعه نحو كل ما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى.
    ومما يعين على ذلك: أن يجنب صومه كل ما يشينه، أو يخدش صفاءه، أو ينقص أجره، فضلًا عما يحبطه، أو يضيع جهده هباءً منثورًا، ولعلّنا نقف بعض الوقفات التي تذكرنا بما ينبغي أن يبتعد عنه المسلم وهو يمارس هذه العبادة الجليلة:




    الوقفة الأولى:
    يقول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
    في هذه الآية الكريمة ذكر المولى جل شأنه أصول المفطرات الحسية التي ما أن يرتكبها المكلف عامدًا إلا ويفسد صومه، ويعرض نفسه لخطر عظيم.
    في مقدمة هذه المفطرات: الأَكل والشرب، وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، والذي ذكره الله جل وعلا يقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
    فمن أكل أو شرب من بعد أذان الفجر إلى غروب الشمس من غير عذر فقد ارتكب جرمًا عظيمًا، واحتمل إثمًا مبينًا، روى أصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يومًأ من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه»(1)، وهذا قد يُستدل به على عِظَم الوزر، لكنه لا ينفي وجوب القضاء والكفارة الثابتين بأحاديث صحاح أصح من هذا الحديث، ويتبع الأَكل والشرب: كل ما يصل إلى الجوف عن طريق الفم أو الأَنف أو غيرهما مما يُغذَّى به الجسد.

    ومن المفطرات الحسية: الجماع في نهار رمضان، وهو أعظم المفطرات وأكرها إثمًا وأشدها جرمًا، فمع بطلان الصوم وفساده يجب القضاء والكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، مع التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله جل وعلا.
    ومن هذا نعلم أن هذه الأمور المحظورة في نهار رمضان تعطي دلالة واضحة للصائم بأنه عليه أن يصوم صومه، وأن يبتعد عن كل شبهة تؤدي إلى إفساد صومه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتفع فيه.

    ومما ينبه عليه: أن هناك مسائل ومشكلات في المفطرات؛ كخروج الدم، ومقدمات الجماع، وتناول بعض الأَدوية كالبخاخات للفم أو للأنف، وضرب الإبر المغذية والمعالجة، وخلع الأسنان، وغيرها مما يشكل على كثير من الصائمين والصائمات؛ فينبغي أخذ الحيطة وصيانة الصيام، وذلك بسؤال أهل العلم عن هذه القضايا والمسائل؛ لئلا يقع المسلم في المحظور وهو لا يدري، والمشايخ والعلماء كثر والحمد لله، وتيسرت سبل الاتصال بهم، فلم يبق عذرٌ للمقصرين في رفع الجهل عن أنفسهم.




    --------
    (1) رواه البخاري معلقًا كما في الفتح (4/160) في الصيام، باب إذا جامع في رمضان، ورواه أبوداود (1/729)، برقم(2396) في الصيام، باب التغليظ في من أفطر عمدًا، والترمذي (3/101)، برقم(723) في الصيام، باب ما جاء في الإفطار متعمدًا.




    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    2,934

    افتراضي




    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 10)


    من مفسدات الصيام (2-2)









    الوقفة الثانية:


    إذا كان الصوم بهذه المنزلة العظيمة الجليلة، فَرَغِمَ أنفُ عبدٍ لم يستفد من صومه، ولم يقربه إلى ربه سبحانه، ولم يربِّ فيه معانيَ الرجولة ومقاربة الكمال البشري علمًا وعملًا، خلقًا وسلوكًا.



    وإن المستفيد من هذا الصوم – وبخاصة في هذا الشهر المبارك – هو الذي تعمل جوارحه كلها بالصيام، فكما يصوم في النهار عن الطعام والشراب والنكاح، تصوم جوارحه عن كل ما يجرح الصيام، وعمدة هذه الجوارح وملكها القلب، فيصفّي قلبه عن كل ما يكدر صفاءه ونقاءه من الأَحقاد والضغائن، والغل والحسد، والظن السيء والبغض.

    وكذا اللسان، الناطق عن الجوارح، وأداة الإِرسال، والمعبر عن مكنونات الضمير، وما يحمله الفؤاد، وما يجيش به الخاطر، تلك الآلة الخطيرة، والوسيلة الفاعلة التي إن سخرت في مجالات الخير والدعوة أعطت نتائج وثمارًا يانعة، وإن سخرت في الشر – والعياذ بالله – أوردت صاحبها المهاوي والمهالك، ولهذا كثر في وصايا رسول الله ﷺ التنبيه على اللسان، فكم من كلمة رفعت صاحبها في عليين، وجعلته من الآمرين بالمعروف والداعين إلى الخير، وكم من كلمة أودت بصاحبها في أسفل سافلين.







    وإذا ما انتقلت إلى سائر الحواس والجوارح من السمع والبصر تجدها كذلك بحاجة إلى تربيتها على البر والطاعات، والمسابقة إلى الخيرات، والمسارعة إلى صنائع المعروف.



    ولنتدبر قول الرسول ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة: «كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحدٌ أو قاتله، فليقل إني صائم»(2).



    فلو رجعت إلى الحديث وكررت تلك العبارة: «يدع شهوته وطعامه من أجلي» فسبب الترك للملذات والشهوات من أجل الله سبحانه وتعالى، أفلا يكون عملنا للواجبات والمستحبات من أجل الله تعالى؟ وتركنا لجميع المحرمات والمكروهات من أجل الله تعالى؟ إن هذه غاية عظمى ترنو إليها القلوب الذاكرة والأَفئدة الصافية، ومثل هذه القلوب يحرص الشيطان أن يدخل عليها ليكدر صفوها، بأن يخرق هذا الإخلاص، فيجمع معه نوايا فاسدة من نظر العباد والرياء، أو رغبته في مصالح دنيوية قريبة، ونحو ذلك مما يخدش هذا الإِخلاص فيخرج صاحبه من دائرة الأَجر والثواب إلى دائرة الإِثم، والعياذ بالله.

    ثم لنتأمل قوله ﷺ: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم».



    تربية أيّما تربية للفؤاد والجوارح، وتحكم في العقل والعاطفة بأن يكون الموجه لها هو الدين متمثلًا في هذا الصيام، فالصيام هو الذي يمنع الصائم من ممارسة الأعمال المشينة، والكلام غير اللائق، يؤكد هذا ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»(3)، قال جابر: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع عنك أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا يكن صومك وفطرك سواء».





    إن قلب المؤمن الصائم أبيض نقي، يحركه الإيمان في شعب الخير المتعددة، ويأتي رمضان والصيام ليغسل ما رَانَ عليه من الأَوساخ والدنس، فلا تجعل الأَعمال المشينة، والممارسات السيئة، تختلط في هذا القلب النقي؛ فَصُنْ جوارحك وحواسك كلها عن ما يغضب ربك ومولاك، فبغض المسلمين وحسدهم والحقد عليهم، والكذب والخيانة، والغش والخداع، والغيبة والنميمة، وقول الزور، واللهو بالباطل، والسباب والشتائم، أمراض خطيرة فتاكة، تكدر صفو الصيام وتفسده، وتورد صاحبها المهالك.



    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر زللنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا، وأن يعفو عن أخطائنا، وأن يعيننا على أنفسنا ولا يكلنا إليها ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين، إنه سميع مجيب وهو المستعان.



    -------

    (2) رواه البخاري مع الفتح (4/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم، ومسلم (2/806)، برقم(1151) في الصيام، باب فضل الصيام.

    (3) رواه البخاري مع الفتح (4/116)، برقم(1903) في الصيام، باب من لم يدع قول الزور، وأبوداود (1/720) (2362) في الصوم، باب الغيبة للصائم.





    يا قدس متى تعودين يا زهرة المدائن يا ربيع العمر
    يا سيدى هنيئا لك هنيئا لك لفتح القدس على يديك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •