وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 19 من 19
1اعجابات
  • 1 Post By ابو وليد البحيرى

الموضوع: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد




    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر





    التهنئة بدخول شهر رمضان (1-2)

    الحمد لله الذي مَنَّ على عباده المؤمنين بمواسم الخير، ليضاعف لهم الثواب والأَجر، وليكفِّر عنهم السيئات والوزر، وأُصلي وأُسلم على نبينا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن على نهجهم يسير، أما بعد:
    فالسلام عليكم معشر المسلمين ورحمة الله وبركاته، وأَسعد الله أوقاتكم، وطابت أَيامكم بكل خير وسرور، ومع مطلع شهر رمضان المبارك نقف الوقفات الآتية:
    الوقفـة الأولـى:
    أُهنئ كل مسلم ومسلمة ببلوغ هذا الشهر المبارك، وأَسأل الله تعالى أن يهلَّه علينا وعلى الأُمة الإسلامية بالأَمن والإِيمان والسلامة والإسلام، وأسأله جلَّت قدرته أن يبارك لي ولكم في أَيامه ولياليه، وأن يعيننا صيامه وقيامه، وأَن يلهمنا حسن القصد والعمل، ويجعلنا فيه من عباده السابقين إلى الخيرات، المتنافسين في الصالحات.
    الوقفة الثانية:
    يهنئ المسلمون في أَرجاء المعمورة كلها بعضهم بعضًا على مستوى الأَفراد والمجتمعات والدول بدخول هذا الشهر المبارك، قارنين هذه التهنئة بالدعوات الصادقة بأَن يضفي رمضان من نفحاته الإيمانية، وعبيره الفوَّاح، وخصائصه المتميزة، على كل فرد يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.
    أقول: حق لكل مسلم أن يبادر أخاه بالتهنئة في هذا الشهر الكريم، حق له ذلك لأن الرسول ﷺ قدوتنا وأُسوتنا كان يبادر أصحابهرضوان الله عليهمبهذه التهنئة العظيمة، روى الترمذي وابن خزيمة وغيرهما بإسناد حسن أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا هلَّ شهر رمضان: «إذا جاء شهر رمضان- أو إذا كان أول ليلة من رمضان – صفات الشياطين مردة الجن، وغلقت أبواب النيران، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أَقبِل ويا باغي الشر أَقصر، ولله عتقاء من النار«(1).
    وروى الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن عبادة بن الصامترضي الله عنهأن النبي ﷺ قال: «أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله«(2).
    حق لهم التهنئة بهذا الشكر الكريم، فالله سبحانه وتعالى خصه بخصائص تميزه عن غيره من الشهور، ففرض سبحانه صوم نهاره، وسن رسول الله ﷺ قيام ليله، والأَجر فيه مضاعف أضعافًا لا حدَّ لها: «الصوم لي وأنا أجزي به«(3).
    ومنح الله عباده ليلة القدر فيه، خير من ألف شهر، ومن فطر صائمًا كان مغفرة لذنوبه، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء.
    الوقفة الثالثة:
    ها نحن – أيها المسلمون الكرام – وقد تناءى بنا الزمن قرونًا عديدة عن العهد المشرق الذي شُرعَ فيه صيام رمضان، عهد رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم.
    ولكن رغم هذه القرون لا يزال رمضان هو رمضان بمقامه العظيم، ومنزلته العالية في دين الله تعالى، فهو الشهر الذي نزل فيه القرآن، ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليهدي البشرية من التيه والضلال إلى الحق والهدى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}(4)، وهو شهر النصر والعزة والفرقان، الذي ظهر فيه الحلق على الباطل، وهو شهر المغفرة والرحمة والعتق من النار، والتقوى والثواب الجزيل.
    هذا هو شهرنا الكريم يفد إلينا بمنابع الخير العامرة، وبروحانيته الضافية، فهل نحن معشر المسلمين أُمة وأَفرادًا على مستوى الوعي بقيمة رمضان، وعلى مستوى الهمة في استثمار خيراته، وبتعبئة النفس من نفحاته.
    لقد استهلكنا لحظات من الزمن كثيرة قبل رمضان محسوبة علينا شهورها وأَسابيعها وأَيامها وساعاتها، بلغ فيها الكثير منَّا ما بلغ من الوقوع في الشهوات، واللهو بالملذات، والتقلب في أَحوال الحياة بين أَفراح وأَتراح؛ مما أَورث القلوب القسوة، والبعد عن رب الأرض والسماوات، والغفلة عن الدار الآخرة، وتناسي أَو نسيان الممات، ويأتي رمضان لعلَّه يوقظ النفوس الغافلة، والعقول الشاردة؛ لتقف مراجعةً حساباتها، آيبةً إلى رشدها، مُقوِّمةً ما اعوجَّ من سلوكها.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
    (1) رواه الترمذي (3/66)، برقم(682)، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، وابن ماجه (1/526) (1642) في الصيام، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، وابن خزيمة (1883)، وابن حبان كما في الإِحسان (8/221)، برقم(3435)، والحاكم (1/421)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
    (2) رواه الطبراني في الكبير كما في المجمع (3/142)

    (3) رواه البخاري مع الفتح (4/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم؟ ومسلم (2/806)، برقم(1151) في الصيام، باب فضل الصيام.
    (4)
    [البقرة: 185]




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي


    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 2)


    التهنئة بدخول شهر رمضان (2-2)




    الوقفة الرابعة:
    لا شكَّ أن جميع المسلمين يفرحون بقدوم رمضان، مستقلين له استقبالًا ينم عن ذلك الفرح العظيم، مجتهدين في مسالك الاستقبال؛ فذاك يجتهد في أنواع المأكولات والمشروبات، متفنِّنًا في صنوف الأَطعمة والملذات، وآخر يستعجل في تعديل برنامجه ليزيد في لهوه ومسامرة أصحابه وأصدقائه، وذاك ليستغله في بيعه وشرائه والصفق في الأَسواق، وآخرون اعتبروه مجالًا رحبًا في تنويع الأعمال الصالحات ليملؤوا سجلاتهم الأخروية بما يجدونه أمامهم بعد مفارقة الحياة.
    إنَّ نفحات هذا الشهر المبارك وأُجروه العظيمة – أخي المسلم – ليست من نصيب من يضيق بهذا الشهر، أو يجده مجالًا للهو والعبث، أَو من يتقلب في نعم الله تعالى غير شاكر لها، أو من يضيع نفسه وأُسرته بين نوم وسهر، فهؤلاء المساكين وأمثالهم عرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى، وأنزلوا أنفسهم منازل البُعد عن الله تعالى، والقرب من الشيطان، فقدوم رمضان وبال عليهم، والعياذ بالله.


    الوقفة الخامسة:
    إن رمضان يفد علينا منذ أعوام والمسلمون تكوى جباههم وجنوبهم نيرانُ الكيد من أعدائهم الذين كشروا عن أنيابهم، واستبانت حقيقة مواقفهم من الإسلام وأَهله عداءً وحقدًا، وحسدًا وبغضًا، مما يدمي القلب، ويجرح الضمير، ويحير العقل الراشد.
    هذا فضلًا عما يجنيه المسلمون على أنفسهم نتيجة بعدهم عن هدي ربهم وتفرقهم وإيثارهم الأنانية والمصالح القريبة، مما أوقعهم هدي ربهم وتفرقهم وإِيثارهم الأَنانية والمصالح القريبة، مما أوقعهم فريسة للفوضى والمجاعات والتناحر وسوء الأَحوال، فلعلَّ رمضان بخيراته ونفحاته، ولعل هذه المآسي بلهيبها المحرق، أن تحرك القلوب الغافلة، وتهز النفوس الشاردة كي تؤوب إلى رشدها، وتعود إلى ربها؛ لتصوغ حياتها على منهاج ربها سبحانه وتعالى، وهدي نبيها محمد غ، ولا شكَّ أن رمضان فرصة لمن أَراد أن يذكَّر أَو أراد شكورًا.
    أيها المسلمون الكرام:
    إننا ونحن نستقبل هذا الشهر المبارك نحتاج إلى وقفات ووقفاتٍ مع هذا الركن العظيم، ومع هذه العبادة؛ لنفقهها حق فقهها، فلا يكون حظنا التهنئة في بداية والتأسف في نهايته، والنسيان بعد مغادرته، فالله الله لأَن يكون هذا الشهر منطلقًا جديدًا للتعامل مع الله سبحانه وتعالى في كل مجالات الحياة وشعبها ومسالكها المختلفة.
    أَسأل الله تعالى الذي منَّ علينا ببلوغ هذا الشهر العظيم أن يعيننا على حسن الصيام والقيام، وأن يمنحنا القبول والرضوان، وأَن يرزقنا فيه الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، إنه سميع مجيب وهو المستعان.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 3)

    حكمة الصيام (التقوى) -1
    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه، وعد الصائمين المتقين أجرًا كبيرًا، وأعد لهم خيرًا كثيرًا، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين، وهداية للخلق أجمعين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، وسلم تسليمًا كثيرًا،أما بعد:
    فإنه ما إن يدخل شهر رمضان المبارك إلا وتتغير حياة المسلمين، منفذين أمر ربهم جلَّ وعلا، بالقيام بالركن الرابع من أَركان الإسلام، والذي أعلنه المولى في أول آية تتحدَّث عن الصيام، وهي الآية الثالثة والثمانون بعد المائة من سورة البقرة، وختم الآية بالحكمة العظيمة من تكليف الأُمة بالصيام بعد أن خاطبهم جل شأنه في أهم صفاتهم؛ ليتم الربط القوي بين هذا الوصف العظيم، وتلك الحكمة الجليلة، هذه الآية هي التي سنقف معها متأملين مخاطبة المولى لعباده المؤمنين، مستخرجين شيئًا مما تنطوي عليه من الفوائد والفرائد، متدبرين حالنا وتطبيقاتنا في جمع شؤون حياتنا، تلكم هي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].



    الوقفة الأولى:
    يخاطب المولى سبحانه وتعالى المؤمنين بهذا الوصف العظيم ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ آمنوا بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد غ نبيًّا ورسولًا، آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، آمنوا بذلك اعتقادًا في قلوبهم، وصدقته أقوالهم بألسنتهم، وظهر أثر ذلك على جوارحهم بعملهم وتطبيقاتهم في جميع شؤون حياتهم، فلم يخدشوه بمعصية فيقل إيمانهم، ويضعف يقينهم، ولم يهملوه في بعض جوانب حياتهم فينقص إيمانهم، ولم يشككوا فيه أو في أجزاء منه فيتزلزل يقينهم.
    هذا النداء العظيم – أخي المسلم – من الرب الكريم- حريٌّ بسامعه المؤمن أن ترتعد فرائصه، وأن يرعوي سمعه عند سماعه لهذا النداء؛ ليعي ويفقه ما بعده، ألا ترى عند مناداة عظيم من عظماء البشر لأَحد الناس ممن تحت يده، كيف تكون استجابته فضلًا عن سماعه له ووعيه لما يتلفظ به، وسكون جوارحه حال كلامه! ولله العليِّ الأَعلى المثلُ الأَعلى.
    هذه الصفة للمؤمنين هي حالة سلف هذه الأُمة من الصحابة الكرام الذين يتمثلون قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 24]، فلنستمع إلى ما بعد هذا النداء، معلنين تنفيذ استجابتنا له.

    الوقفة الثانية:
    بعد هذا النداء من المولى سبحانه وتعالى يفرض جلَّ وعلا على هذه الأُمة ركنًا من أركان الإسلام، مبينًا أنه فرضه على من قبلهم ﴿ كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.
    وهذا الفرض عليكم جميعًا أيها المؤمنون، وكان هذا الفرض في السنة الثانية للهجرة بعد مضي أَكثر من أربعة عشر عامًا على بعثة محمد ﷺ، جاء هذا الفرض في المدينة النبوية التي بسطت فيها التشريعات العملية، وفرضت على الأُمة، بعد أن تغلغل الإيمان في قلوب الصحابة ممن أسلم في هذه الفترة، فكان الصيام تشريعًا عامًا منذ ذلك الوقت إلى أن تقوم الساعة.



    الوقفة الثالثة:
    ختم المولى جلَّ وعلا بيان هذا التشريع العظيم وهذا التكليف بحكمة عظيمة وغاية كبيرة فقال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فمن أهداف هذا الصيام: التقوى، فالصيام طريق لتحقيق هذه الكلمة العظيمة التي طالما رددها كل خطيب وواعظ، وأوصى بها كل حبيب محبيه، وخاصة عند مفارقة هذه الدنيا، ووداع الأَهل والأَحباب، والأَصدقاء والأصحاب، هذه الكلمة الجامعة التي اعتنى بها السلف الصالح، وعظموها في نفوسهم، وظهر أثر ذلك على جوارحهم وفي سلوكهم، عملوا بها أثناء عباداتهم، وحال أداء مسؤولياتهم، استشعروا معناها، وحققوا مقتضاها، في بيوتهم وفي شوارعهم وفي أسواقهم وفي ميادين أعمالهم المختلفة.
    هذه الكلمة الجامعة ذات ثمار عظيمة دنيا وأخرى، يسعد صاحبها، ويشفى ناسيها ومتناسيها، فضلًا عن الغافل عنها وتاركها.
    هذه الكلمة التي جعلها الله غاية للصيام، حري بنا جميعًا أن ندرك معناها ونعرف حقيقتها، ونطبق مدلولها، ونزن أعمالنا تجاهها، وهذا ما سنلقي عليه بعض الضوء فيما يأتي:

    الوقفة الرابعة:
    التقوى – أخي القارئ – ملكة إذا وجدت عند عبدٍ صبغت حياته صبغة خاصة تدفعه نحو الخير والطاعة، وتردعه عن الشر والمعصية؛ ابتغاء ثواب الله وخشية عقاب الله، ما أن يسمع بميدان الخير إلا ويسابق إليه، وما أن يسمع عن الشر والشبهة إلا ويبتعد عنه.
    حول هذا المعنى ترددت عبارات السلف في تصويرها وبيانها وتقريب معناها، يقول ابن عباس: «المتقون: الذين يحذرون من الله وعقوبته» ويقول ابن مسعود: «أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأَن يُشكر فلا يُكفر» وقال طلق بن حبيب: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخالف عقاب الله»، وأخذ هذا المعنى الشاعر (ابن المعتمر) فقال:
    خلِّ الذنوب صغيرها**واصنع كماشٍ فوق أر
    لا تحقرن صغيرة**وكبيرها فهو التقى
    ض الشوك يحذر ما يرى**إن الجبال من الحصى

    الوقفة الخامسة:
    التقوى بمعناها المذكور آنفًا هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، ووصية رسوله ﷺ لأَصحابهوأمته، والتي تنوعت النصوص القرآنية والنبوية في بيان عظمها ووجوب تطبيقها والأَمر بها، وما يترتب على تحصيلها تمن آثار عاجلة وآجلة، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّـهَ ﴾ [النساء: 131]، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18]، ويقول جل شأنه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
    وروى الترمذي بسند حسن أن رسول الله ﷺ أوصى معاذ بن جبل فقال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» ([2]).
    أخي المسلم: سمعت الاهتمام بهذه الكلمة العظيمة، والتي تمثل الغاية العظمى للصيام، ويأتينا رمضان ليبعث في النفوس الراغبة أهمية هذا الهدف العظيم من الصيام، وليحقق للصائمين الصادقين هذه الحكمة الجليلة، وليجدد العزم على فعل الخير والطاعة وليحمي النفوس من الضعف والخور والمعصية، وليستأنف العبد فيه التوبة والاستغفار، ولينفض عنه غبار الكسل والهزل.
    أسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المتقين، وأَن يحشرنا في زمرتهم، إنه سميع مجيب وهو المستعان.
    ____________
    ([2]) رواه أحمد في المسند (3/82).






    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 4)

    حكمة الصيام التقوى -2
    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، أحمده سبحانه وهو أهل الحمد في الأُولى والأُخرى، وأصلي وأُسلم على النبي الذي لا ينطق عن الهوى، وعلى آله وأَصحابه والتابعين أُولي الأَلباب والنُّهى، ومن سار على نهجهم واهتدى، وعلى طريقتهم اقتفى، أما بعد:
    فقد وقفنا بعض الوقفات فيما سبق مع حكمة الصيام الكبرى، وغايته الأَسمى، تلكم هي التقوى المتمثلة بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، عرفنا معناها ومدلولها، وتنويه القرآن والسنة بشأنها، والحث على الالتزام والتمسك بها، ولا زال الحديث موصولًا معها في بقية من وقفات لنتعرف على آثارها ونتائجها، وأهم الصفات التي تحصل للمرء بها:



    الوقفة السادسة:
    اهتم السلف الصالح بهذه الكلمة قولًا وفعلًا، وظهرت واضحة جلية في وصاياهم، فهذا علي بن أبي طالب، استعمل رجلًا على سرية فقال له: «أوصيك بتقوى الله الذي لا بد لك من لقاه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة»، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل فقال: «أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياكم من المتقين»، وكتب أحد السلف إلى آخر فقال: «أما بعد: أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حال، في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره».

    الوقفة السابعة:
    هذه الكلمة بمدلولها الواسع إذا طبقها الفرد، وانتشرت في المجتمع، خلفت آثارًا يعجز القلم عن حصرها، ولكن حسبنا الإِشارة إلى ما يدل على شيء من ذلك:
    التقوى سبب لتيسير أمور الفرد والمجتمع، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]، ويقول سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَى*وَصَد َقَ بِالْحُسْنَىٰ*ف سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ [الليل: 5 – 7].

    والتقوى سبب لفتح البركات من السماء والأَرض، وحصول الأَرزاق، وسعة الأَموال، يقول المولى تقدّس في علاه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]، ويقول جلّ شأنه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا*وَيَر زُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2 – 3].



    والتقوى سبب للتوفيق والتسديد في الحياة، والسعادة في الدنيا والآخرة، يقول جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّـهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا ﴾ [الأنفال: 29]، ويقول تقدَّس اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ [الحديد: 28].

    والتقوى عامل قوي لعدم الخوف من كيد الكائدين، وضرر الكافرين، يقول جل وعلا: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120].

    والتقوى سبب لنيل ولاية الله تعالى، يقول تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ﴾ [الأنفال: 34].

    والتقوى طريق موصل إلى رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة، يقول جلّ شأنه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156].

    وأهل التقوى تحصل لهم البشرى والاطمئنان في الحياة الدنيا، سواء بالرؤيا الصالحة، أو بمحبة الناس لهم والثناء عليهم، والدعاء لهم، يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ*لهُم الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 63 – 64].

    هذه بعض آثار التقوى إضافة إلى ما يحصل عليه المتقي عند الله سبحانه وتعالى يوم يلقاه، من فوز وفلاح، ونجاة من عذاب الله تعالى، وقبول الأَعمال، وتكفير السيئات، ومحو الذنوب، والعفو عن الزلات، ورفعة الدرجات، وزيادة الأَجر والحسنات، يقول جل وعلا: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّـهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]، ويقول سبحانه: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا*كَان عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ﴾ [مريم: 71 – 72].
    ويقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، ويقول سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63].
    ويقول جلّ من قائل: ﴿لَـٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّـهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّـهُ الْمِيعَادَ ﴾ [الزمر: 20]، ويقول سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي


    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 5)

    حكمة الصيام التقوى -2

    الوقفة الثامنة:
    هذه الآثار الجليلة، والثمار الطيبة، ليست من نصيب من ادّعى تلبس التقوى بدون تصديق بالجوارح، وإحياء بالسلوك، فللمتقي سمات يعرف بها، وللعامل صفات يتميز بها، فمن أراد أن ينضم في سلك المتقين، وأن يلج ميدان المتنافسين، وأن يكون عاملًا في مجتمع المتقين، فليستمع إلى تلك الأوصاف، ولتظهر عليه تلك العلامات قولًا وفعلًا، حسًّا ومعنى، يقول تعالى مبيِّنًا سمات المتقين: ﴿الم*ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ*الَّ ِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ*أُول ـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 1 – 5].

    ويقول في بيان مزيد من تلك الأوصاف: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَة ِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
    وفي آيات أُخر يضيف أوصافًا أخرى فيقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين*ا َّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* َالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّـهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 133 – 135].

    ويتحل من مجمل ما مرَّ من آيات عظيمة أن من أبرز صفات المتقين: الإِيمان بالغيب، وإقامة الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام، والإنفاق في سبيل الله من الزكاة المفروضة والصدقة المستحبة، والتبرع في مجالات الخير المختلفة، والأَخلاق العالية التي تصل في علوها إلى درجة ضبط عواطف الإِنسان وكبح نزواته، وتحمل سيئات الآخرين عليه، والتوبة والاستغفار والإِنابة عند الزلل والوقوع في المعصية على حين غفلة أو ضعف نفس، وكذا الاستجابة الفورية لنداءات الله تعالى، فيكون القلب حاضرًا لتلبية تلك النداءات.
    وإذا بحثت عن التقي وجدته
    وإذا تقى الله امرؤ فأطاعه
    رجلًا يصدّق قوله بفعالِ
    فيداه بين مكارمٍ ومعالي

    أيها المسلمون الكرام:
    إن أيام السنة تمضي، والعمر سرعان ما ينقضي، والأَعمال المختلفة تتلاحق، والإنسان في دوامة من المشاغل لا تنتهي، ولا شك أنها تمر أوقات وأحداث تنبهه للرجوع إلى مولاه، فيؤوب ويرجع وسرعان ما يتلاشى ويضعف، وهكذا، وسبب ذلك كله ومرده أجمعه إلى فقدان تلك الكلمة الصغيرة لفظًا، الكبيرة معنًى (التقوى) فإذا ما دعتك نفسك الأمارة بالسوء إلى تجاوز حدود الله تعالى، وسوّلت لك ارتكاب معصية أو مخالفة أمر، فتذكر وتأمَّل (التقوى) واجعلها بين عينيك، في بيتك، وبين أسرتك، وفي مكتبك، وبين موظفيك، وفي الشارع، وبين إخوانك المسلمين، وفي أداء عبادتك وعلاقتك بربك، وفي كل شأن من شؤون حياتك.




    ولعل رمضان ونحن في أيامه الأولى، ونوازع الخير في النفوس قائمة، وللأَعمال الصالحة راغبة، أن يحيي بنا هذه الشعيرة العظيمة، ونعاهد الله تعالى لتحقيقها، مستشعرين وصيته سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، لابسين لباس التقوى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
    جعلني الله وإياكم من المتقين الأبرار، اللابسين لباس التقوى في الليل والنهار، إنه سميع مجيب عزيز غفّار، وهو المستعان.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر
    (الحلقة 7)

    من أداب الصوم (1-2)
    الحمد لله الأعلى، يعلم السر وأخفى، خلق فسوى، وقدَّر فهدى، وأصلي وأسلم على النبي المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واهتدى، أما بعد:
    فقد وقفنا فيما سبق مع هدف الصيام الأَسمى، وغايته العليا، ألا وهي: تقوى الله، ونقف اليوم وقفات نتذكر فيها عظم هذا الصوم وآدابه، وبخاصة في هذا الشهر المبارك، ويعظم الشيء بِعِظَم ما يحيط به، ولا ريب أن هذا الركن العظيم ليس أمرًا عاديًّا عند المسلم الحق، وهو ينفذ أمر ربه صائمًا، فليس الصوم مجرد شعار يرفعه، أو حالة معينة يرفض فيها تناول المفطرات الحسية ومن ثمَّ يعود إليها في ساعات الليل.
    بل هو مع هذا عبادة جليلة لها أجرها العظيم وثوابها الجزيل: «الصوم لي وأنا أجزي به»(1)، وهذا فيما إذا تحققت فيها آدابها وشروطها التي نجملها في الوقفات الآتية:



    الوقفة الأولى:
    يقف في مقدمة شروط الصيام وآدابه، بل هو رأسها والتي لا يقبل إلا بتحقيقها: «النية الخالصة في الصيام» وشأن الصيام شأن أي عبادة لله، فالمكلف لا تقبل منه أي عبادة إلا بهذه النية؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وقد ذكر أهل العلم أن نية صيام الفرض يجب أن تبيت من الليل؛ لما روى ابن عمر عن حفصة مرفوعًا: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له»(2) ولا يلزم التلفظ بهذه النية، ولكن يقوم مقام ذلك استشعاره للقيام لتناول وجبة السحر مثلًا، أو أي عمل أو قول يدل على ذلك.

    وعليه فينبغي للصائم أن يستشعر نية صيامه وأنه – أعني الصيام – عبادة يتقرب بها إلى مولاه، فلم يترك طعامه وشرابه وشهوته وقضاء وطره إلا تنفيذًا لأَمر مولاه، وهذا كله يشعرنا بأخطاء يقع فيها كثير من الصائمين بقصد أو بغير قصد، فذلك الذي لا يهتم لقدوم الشهر وإهلال هلاله، والآخر المسافر الذي يتردد بين الفطر ومواصلة الصوم، والثالث الذي لا يعرف من صيامه إلا ترك الأَكل والشرب والنكاح دون حضور قلبي لعظم الأَجر والثواب، هؤلاء وأمثالهم قد عرضوا صيامهم للنقص والخلل.
    فحري بنا – أخي المسلم – أن نجدد نية الصيام كل ليلة؛ ليعظم الأَجر ويزداد الثواب، ومما يكمل به قبول العمل مع النية: أن يكون الصوم على منهاج رسول الله ﷺ لا يخدش بأي من المفطرات الحسية أو المعنوية.



    الوقفة الثانية:
    ومما يحصل عند كثير من الناس حال صومهم: عدم استشعار هدف الصوم وأحكامه وحكمه، فيقع في كثير من المفسدات والمنقصات للأَجر، فلا يكون له من صيامه إلا الجوع والعطش، تأمل أخي الصائم وأنت تارك للملذات بأنواعِها: لِـمَ فعلت هذا ولم تستطع مخالفته؟ إن إجابتك على مثل هذه الأسئلة تجعلك تسلك طريق الوصول إلى تحقيق أهداف الصيام التي من أعظمها تقوى الله سبحانه وتعالى.
    إن تأملك – أخي المسلم – لحكم الصيام العظيمة الأُخرى يجعلك تحقق صومك وترقى إلى درجة تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، ودخول الجنة من باب الريان، إن الإِنسان وهو في غمرة الحياة، وبين مشاغلها ومتعها وتعبها قد يذهب قلبه عن استشعار تلك الحكم، فتأمل يا أخي ما أنعم الله به عليك؛ فأنت آمن في وطنك، شبعان ريّان، تنام على فراشك الوثير، تلتحف الناعم من الفرش، وتأكل الأطايب من الطعام، أليس الصيام الحقيقي يشعرك أن هناك فئاتٍ من المسلمين يعانون من الجوع والخوف ويفترشون الأَرض ويلتحفون السماء؟
    إن الصائم الحقيقي هو الذي يجيش في قلبه مثل هذه المشاعر والخواطر، فيدفعه لأَن يبذل من إمكاناته وقدراته، وما أنعم الله به عليه؛ لتشغيل جميع جوارحه بالصيام، فينطلق في أبواب الخير المتعددة مساهمًا فيها بقدر ما منحه الله تعالى، والآخر – هدانا الله وإياه – والذي فقد – أو ضعف عنده – استشعار الهدف والحكم من تلك العبادة العظيمة، لم يسجل في سجلاته إلا ترك الأَكل والشرب، فرضي لنفسه أن يعيش بلا طموح يرفعه إلى درجة السابقين بالخيرات.
    ___________
    ([1]) رواه البخاري مع الفتح (4/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم، ومسلم (2/806)، برقم(1151) في الصيام، باب فضل الصيام.
    ([2]) رواه أبوداود (1/745)، برقم(2454) في الصيام، باب النية في الصيام، وابن خزيمة (1933)، وأحمد في المسند (6/287).






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي




    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 8)


    من أداب الصوم (2-2)



    الوقفة الثالثة:
    ومن أهم آداب الصوم: استغلال ما يحصل للصائم، من هدوء نفسي، وخلو من مشاغل القلب، وصفاء في الفكر – وهذه غالبًا ما تحصل للصائم في شهر رمضان – فحريٌّ بالمسلم الصائم أن يستغل هذا الصفاء ليدون في سجل أعماله ما يرضي ربه، فيزودها من الخير والتقوى، مبتدئًا بمحاسبة نفسه، وتقويم نظام حياته السابقة، ليستأنف حياة جديدة مليئة بالطاعة.
    ومما يشار إليه في هذا: قراءة كتاب الله تعالى الذي كان يعطيه الرسول ﷺ نصيبًا أكبر في شهر رمضان، وكذا الابتهال إلى الله سبحانه وتعالى بالذكر والدعاء، يجيش بهما قلبه، وينطق بهما لسانه، فيظل لسانه رطبًا بذكر الله، فهو يدرك أنه لا غنى له عن خالقه سبحانه، فيصله بهذا الذكر العظيم، أضف إلى ذلك نوافل الصلاة، وفي مقدمتها صلاة التراويح التي من أدَّاها إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه، وكذا بقية الأعمال الصالحة من الصدقات والبر والإِحسان وغيرها.

    الوقفة الرابعة:
    إن من أهم آداب الصوم التي لا تتحقق غايته إلا بها: ما وجهنا إليه الحبيب المصطفى ﷺ فيما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الصوم جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم»(3).



    فإذا تأملت – أخي المسلم الكريم – هذا التوجيه العظيم؛ وجدت أمرًا عظيمًا حري بك – وأنت تصوم في هذا الشهر المبارك – أن تتمثله منهاجًا خلقيًا في حياتك، وهذا فضل عظيم، وثواب جزيل، وغاية ينبغي أن يسعى إليها كلُّ من آمن بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، ولن يدرك هذه الغاية إلا من هذّبه صومه، وقوّم خلقه، وأدّب جوارحه، فصومه يمنعه من الفحش والبذاءة، كما يمنعه من دواعي الجماع في نهار رمضان؛ لئلا يقع في المحظور، ويعني ذلك أنه لا يستعمل إلا القول الحسن، والفعل الحسن، مبتعدًا عما يخدش صومه من المحرمات أو المكروهات، بل ينبغي أن يصل إلى درجة أعلى؛ تلكم هي ضبط النفس، وكبح الانفعالات عند من يعتدي عليه بكلمة نابية، أو سباب أو شتام، ولا يكتفي بعدم الرد، إنما ينبه الآخر إلى أن سبب منعه من مجاراته ف يخلقه المشين هو الصوم.

    ألا ما أجمل الصائم عندما يتحلى بتلك الآداب التي تظهر على الجوارح، وتصور – أخي المسلم – أن المجتمع المسلم وهو يؤدي هذه العبادة الجليلة يتخلق أفارده بهذا الخلق النبيل، لا شك أن الفرد المطبق لهذه الآداب، والمجتمع الذي تنتشر فيه هذه الآداب، يكون مدرسة دعوية تخرج الصالحين بأعمالهم وأخلاقهم وسلوكهم قبل أقوالهم.
    فلنعي هذا معشر الصائمين لنحقق الخير في الدنيا والآخرة، ولتقربنا هذه الآداب من الخالق سبحانه، ولتزيد نفوسنا من الصلاح والتقى، وإنما يتقبل الله من المتقين، جعلني الله وإياكم هداة مهتدين، وأصلح لي ولكم القصد، ورزقنا حسن العمل، إنه سميع مجيب وهو المستعان.

    ---------
    ([3]) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، حديث رقم(1894)، ومسلم في الصيام، باب فضل الصيام، حديث رقم(163).




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي




    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 9)


    من مفسدات الصيام (1-2)




    الحمد الله الذي امتنَّ على عباده المؤمنين بصوم شهر رمضان، وتفضل عليهم بالعفو والغفران، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خير من صلَّى وصام، وقام لله حق القيام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
    فقد وقفنا فيما سبق مع ما ينبغي أن يتنبه له كل مسلم صائم، مبتدئًا بتجريد نيته لله سبحانه وتعالى في صيامه وعبادته كلها، مستشعرًا لحكمة العظيمة من صومه، محيطًا صومه بكل ما يزينه من أنواع الطاعات والقربات، مستفيدًا من هذه الشعيرة العظيمة؛ لتدفعه نحو كل ما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى.
    ومما يعين على ذلك: أن يجنب صومه كل ما يشينه، أو يخدش صفاءه، أو ينقص أجره، فضلًا عما يحبطه، أو يضيع جهده هباءً منثورًا، ولعلّنا نقف بعض الوقفات التي تذكرنا بما ينبغي أن يبتعد عنه المسلم وهو يمارس هذه العبادة الجليلة:




    الوقفة الأولى:
    يقول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
    في هذه الآية الكريمة ذكر المولى جل شأنه أصول المفطرات الحسية التي ما أن يرتكبها المكلف عامدًا إلا ويفسد صومه، ويعرض نفسه لخطر عظيم.
    في مقدمة هذه المفطرات: الأَكل والشرب، وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، والذي ذكره الله جل وعلا يقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
    فمن أكل أو شرب من بعد أذان الفجر إلى غروب الشمس من غير عذر فقد ارتكب جرمًا عظيمًا، واحتمل إثمًا مبينًا، روى أصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يومًأ من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه»(1)، وهذا قد يُستدل به على عِظَم الوزر، لكنه لا ينفي وجوب القضاء والكفارة الثابتين بأحاديث صحاح أصح من هذا الحديث، ويتبع الأَكل والشرب: كل ما يصل إلى الجوف عن طريق الفم أو الأَنف أو غيرهما مما يُغذَّى به الجسد.

    ومن المفطرات الحسية: الجماع في نهار رمضان، وهو أعظم المفطرات وأكرها إثمًا وأشدها جرمًا، فمع بطلان الصوم وفساده يجب القضاء والكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، مع التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله جل وعلا.
    ومن هذا نعلم أن هذه الأمور المحظورة في نهار رمضان تعطي دلالة واضحة للصائم بأنه عليه أن يصوم صومه، وأن يبتعد عن كل شبهة تؤدي إلى إفساد صومه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتفع فيه.

    ومما ينبه عليه: أن هناك مسائل ومشكلات في المفطرات؛ كخروج الدم، ومقدمات الجماع، وتناول بعض الأَدوية كالبخاخات للفم أو للأنف، وضرب الإبر المغذية والمعالجة، وخلع الأسنان، وغيرها مما يشكل على كثير من الصائمين والصائمات؛ فينبغي أخذ الحيطة وصيانة الصيام، وذلك بسؤال أهل العلم عن هذه القضايا والمسائل؛ لئلا يقع المسلم في المحظور وهو لا يدري، والمشايخ والعلماء كثر والحمد لله، وتيسرت سبل الاتصال بهم، فلم يبق عذرٌ للمقصرين في رفع الجهل عن أنفسهم.




    --------
    (1) رواه البخاري معلقًا كما في الفتح (4/160) في الصيام، باب إذا جامع في رمضان، ورواه أبوداود (1/729)، برقم(2396) في الصيام، باب التغليظ في من أفطر عمدًا، والترمذي (3/101)، برقم(723) في الصيام، باب ما جاء في الإفطار متعمدًا.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي




    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 10)


    من مفسدات الصيام (2-2)









    الوقفة الثانية:


    إذا كان الصوم بهذه المنزلة العظيمة الجليلة، فَرَغِمَ أنفُ عبدٍ لم يستفد من صومه، ولم يقربه إلى ربه سبحانه، ولم يربِّ فيه معانيَ الرجولة ومقاربة الكمال البشري علمًا وعملًا، خلقًا وسلوكًا.



    وإن المستفيد من هذا الصوم – وبخاصة في هذا الشهر المبارك – هو الذي تعمل جوارحه كلها بالصيام، فكما يصوم في النهار عن الطعام والشراب والنكاح، تصوم جوارحه عن كل ما يجرح الصيام، وعمدة هذه الجوارح وملكها القلب، فيصفّي قلبه عن كل ما يكدر صفاءه ونقاءه من الأَحقاد والضغائن، والغل والحسد، والظن السيء والبغض.

    وكذا اللسان، الناطق عن الجوارح، وأداة الإِرسال، والمعبر عن مكنونات الضمير، وما يحمله الفؤاد، وما يجيش به الخاطر، تلك الآلة الخطيرة، والوسيلة الفاعلة التي إن سخرت في مجالات الخير والدعوة أعطت نتائج وثمارًا يانعة، وإن سخرت في الشر – والعياذ بالله – أوردت صاحبها المهاوي والمهالك، ولهذا كثر في وصايا رسول الله ﷺ التنبيه على اللسان، فكم من كلمة رفعت صاحبها في عليين، وجعلته من الآمرين بالمعروف والداعين إلى الخير، وكم من كلمة أودت بصاحبها في أسفل سافلين.







    وإذا ما انتقلت إلى سائر الحواس والجوارح من السمع والبصر تجدها كذلك بحاجة إلى تربيتها على البر والطاعات، والمسابقة إلى الخيرات، والمسارعة إلى صنائع المعروف.



    ولنتدبر قول الرسول ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة: «كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحدٌ أو قاتله، فليقل إني صائم»(2).



    فلو رجعت إلى الحديث وكررت تلك العبارة: «يدع شهوته وطعامه من أجلي» فسبب الترك للملذات والشهوات من أجل الله سبحانه وتعالى، أفلا يكون عملنا للواجبات والمستحبات من أجل الله تعالى؟ وتركنا لجميع المحرمات والمكروهات من أجل الله تعالى؟ إن هذه غاية عظمى ترنو إليها القلوب الذاكرة والأَفئدة الصافية، ومثل هذه القلوب يحرص الشيطان أن يدخل عليها ليكدر صفوها، بأن يخرق هذا الإخلاص، فيجمع معه نوايا فاسدة من نظر العباد والرياء، أو رغبته في مصالح دنيوية قريبة، ونحو ذلك مما يخدش هذا الإِخلاص فيخرج صاحبه من دائرة الأَجر والثواب إلى دائرة الإِثم، والعياذ بالله.

    ثم لنتأمل قوله ﷺ: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم».



    تربية أيّما تربية للفؤاد والجوارح، وتحكم في العقل والعاطفة بأن يكون الموجه لها هو الدين متمثلًا في هذا الصيام، فالصيام هو الذي يمنع الصائم من ممارسة الأعمال المشينة، والكلام غير اللائق، يؤكد هذا ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»(3)، قال جابر: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع عنك أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا يكن صومك وفطرك سواء».





    إن قلب المؤمن الصائم أبيض نقي، يحركه الإيمان في شعب الخير المتعددة، ويأتي رمضان والصيام ليغسل ما رَانَ عليه من الأَوساخ والدنس، فلا تجعل الأَعمال المشينة، والممارسات السيئة، تختلط في هذا القلب النقي؛ فَصُنْ جوارحك وحواسك كلها عن ما يغضب ربك ومولاك، فبغض المسلمين وحسدهم والحقد عليهم، والكذب والخيانة، والغش والخداع، والغيبة والنميمة، وقول الزور، واللهو بالباطل، والسباب والشتائم، أمراض خطيرة فتاكة، تكدر صفو الصيام وتفسده، وتورد صاحبها المهالك.



    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر زللنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا، وأن يعفو عن أخطائنا، وأن يعيننا على أنفسنا ولا يكلنا إليها ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين، إنه سميع مجيب وهو المستعان.



    -------

    (2) رواه البخاري مع الفتح (4/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم، ومسلم (2/806)، برقم(1151) في الصيام، باب فضل الصيام.

    (3) رواه البخاري مع الفتح (4/116)، برقم(1903) في الصيام، باب من لم يدع قول الزور، وأبوداود (1/720) (2362) في الصوم، باب الغيبة للصائم.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 11)


    الفطور والسحور (1-3)

    الحمد لله واسع الفضل والعطاء، أعد للصائمين أفضل الجزاء، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه المتوالية، وآلائه المتتالية، وأصلي وأسلم على النبي الأُمي المبعوث رحمة للعالمين، وهداية للبشرية أجمعين، وعلى آله وأصحابه أهل الفضل والسبق، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:




    فإن رمضان المبارك يجدد في القلوب الإيمان، ويبعث في النفوس خصال الخير، ويحيي فيها الاقتداء بنبيها محمد ﷺ في أفعاله وأقواله، في فعل الواجبات والمندوبات، وفي ترك المحظورات والمكروهات.
    ونحن نعيش في رحاب هذا الشهر المبارك ومعاني الخير قائمة، يجتهد المسلم الصائم في تحري هدي نبينا محمد ﷺ فيقتدي به، ولرمضان والصيام خصوصية أعمالها التي تحتاج إلى وقفات وقفات، فتقف مع بعض خصوصيات رمضان والصيام تلكم ما جاءنا عن نبينا محمد ﷺ في الإِفطار والسحور:



    الوقفة الأُولى:
    السحور هي الأكلة الختام في آخر الليل للصائم، اهتم بها الرسول ﷺ ووجَّه إلى العناية بها، وتعاهدها، وكان يسميها: الغداء المبارك، كما أخرج النسائي أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بغداء السحور فإنه هو الغداء المبارك»(1).

    وجاء تكرار هذه البركة في توجيهه ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: «تسحروا فإنَّ في السحور بركة»(2)، وأخرج الإِمام أحمد وأبوداود وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين»(3).
    حريٌّ بك أخي المسلم أن تنشد هذه البركة التي تأتي – والله أعلم – من وجه كونها أكلة في وقت فاضل، وقت نزول الرب جل وعلا إلى سماء الدنيا، ومناداته لعباده المؤمنين التائبين المستغفرين الداعين المستغيثين؛ ليجيب دعاءهم، ويتوب على تائبهم، ويغفر لمستغفرهم، ويغيث مستغيثهم.
    ووجه من أوجه البركة: أن هذا الوقت غالبًا ليس وقت شهوة أكل وشرب، وإنما يتناول مريد الصيام شيئًا من الأَكل والشرب استجابة لمراد الله تعالى وطاعة لرسوله ﷺ، وهذه من أهم صفات المؤمن الحق، أعني الاستجابة لله تعالى ولرسوله ﷺ.



    ومن أوجه البركة أيضًا: أن يتقوَّى به الصائم على الصيام فيؤدِّيه بنشاط وقوة، كما يعينه على أداء العبادات الأخرى، ومما يُظهر أثر بركة السحور: اتباع هدي نبينا محمد ﷺ فيه، فإن من هديه صلوات الله وسلامه عليه تأخيره إلى آخر الليل، روى الشيخان أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور»(4)، ولايعني هذا التأخير تجاوز الحدّ، فيأكل الإِنسان عند سماع الأذان حتى نهايته كما هو منتشر عند كثير من العامة.

    حريٌّ بك أخي المسلم أن تطلب هذه الخيرية، وبخاصة في هذا الوقت المبارك الذي اجتمع فيه شرف اليوم وشرف الشهر، فتستغل هذه المنح العظيمة من الرب سبحانه وتعالى، فبعد استيقاظك وذكرك لله جل وعلا وتطهرك، تستفتح يومك بركعتين أو أكثر لله سبحانه وتعالى، وتدعو الله بما شئت من حاجاتك الدنيوية والأخروية.



    --------
    (1) رواه النسائي (4/146)، برقم(2164) في الصيام، باب تسمية السحور غداء.
    (2) رواه البخاري (4/139)، برقم(1923)، في الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب.
    (3) رواه مسلم (2/770)، برقم(1095)، في الصيام، باب في فضل السحور، أحمد (3/44، و5/370).
    (4) قوله: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» رواه البخاري (4/198)، برقم(1957) في الصيام، باب تعجيل الإفطار، ومسلم (2/771)، برقم(1098) في الصيام، باب فضل السحور وتأكيده، ورواه أحمد، برقم(22865).






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد





    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 12)


    الفطور والسحور (2-3)


    الوقفة الثانية:

    من خصوصيات رمضان والصيام: الفطر عند الغروب، ويتم بعد تحقق غروب الشمس، ومن السنة تعجيله كما سبق في الحديث: «لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر وأخّروا السحور»(5)، وأن يكون هذا الإفطار على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فماء؛ لما روى الإِمام أحمد وأبوداود والترمذي عن أنس أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتمر، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء»(6)، وأخرج الإمام مسلم وغيره عن سلمان بن عامر الضبيأن رسول الله ﷺ قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء فإنه طهور»(7).

    وعند فرحة الإِفطار التي نبه إليها الرسول ﷺ بتمام صوم الصائم في كل يوم؛ ينبغي ألا يغفل عن شكر المنعم، والإِكثار من الدعاء عند الفطر، فقد روى ابن ماجه وغيره أن النبي ﷺ قال: «إن للصائم عند فطره دعوة لا تُرد»(8).




    الوقفة الثالثة:
    هذه النعم العظيمة؛ من تمام الصيام ذلك اليوم، وتحقيق فرحة الفطر التي قال عنها الرسول ﷺ: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه»(9) واستجابة دعوات الصائم عند فطره، كل هذه النعم تحتاج إلى وقفة مع النفس بتأمل ومحاسبة، ليشكر عليها ربه جل وعلا، الذي تفضَّل جل وعلا فأنعم عليه بهذه النعم وغيرها، ومن مقتضيات هذا الشكر: تجديد الإِخلاص لله سبحانه وتعالى في عبادة الصيام وفي كل عبادة، والثناء عليه جل وعلا، والدعاء المستمر بأن يديم هذه النعم الجزيلة، وعدم فعل ما يخالف شرعه جل وعلا، تجاه هذه النعم، فيكون جمع بين متناقضين، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]، ويقول سبحانه: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم ْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]، وبالشكر تدوم النعم.

    الوقفة الرابعة:
    ومما ينبغي أن يؤكد عليه بشأن الفطور والسحور: أن يجتهد المسلم في تحري الحلال الطيب فيهما، وفي كل مال يكتسبه، فيجتهد في طرائق الكسب الحلال وفي سبيل تصريف هذا المال؛ فمسؤوليته عظيمة، وعاقبته جسيمة، فالله سبحانه أمرنا بأن نتعامل بالطيبات والأَكل منها، وأخبرنا رسول الله ﷺ فأنه سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبًا، وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المسلمين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، ويقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وغذي بالحرام فأنّى يُستجاب له(10).



    فاحذر أخي المسلم أن تدخل إلى جوفك لقمة حرامًا أو شرابًا حرامًا، فهذه تمثل حاجزًا للدعاء فلا يُقبل، ثم إن تأثيرها يتعدّى إلى أسرتك وذريتك، فتبني بيتك على الحرام، والعياذ بالله.

    --------
    (5) تقدم تخريجه آنفًا.
    (6) رواه أبوداود (1/719)، برقم(2356) في الصوم، باب ما يفطر عليه، وأحمد (3/164)، وابن خزيمة (2065)، والترمذي (696).
    (7) رواه الترمذي (3/46)، برقم(658)، في الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على غير القرابة، وابن خزيمة (1699)، في الصيام، باب ما جاء على ما يستحب الفطر، وأحمد (4/17، 18).
    (8) رواه ابن ماجه (1/557)، برقم(1753)، في الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته.
    (9) رواه البخاري (3/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم، ومسلم (2/807)، برقم(1151)، في الصيام، باب فضل الصيام.
    (10) رواه مسلم (2/703)، برقم(1015)، في الزكاة، باب قبول الصدقة.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 13)


    الفطور والسحور (3-3)



    الوقفة الخامسة:

    عندما يتناول المسلم وجبتي الإِفطار والسحور مع أولاده وأسرته، ويأكلون أطيب المطاعم والمشارب، بفرح وسرور وغبطة، وحمد وثناء، وشكر لله سبحانه على ما رزقهم من الطيبات، ينبغي للمسلم وهو في حاله هذه أن يتذكر إخوانًا له من المسلمين في بقاع من العالم مختلفة لا يجدون التمرة ليفطروا عليها، ولا كسرة خبز ليطعموا أولادهم، ولا كوبًا من الحليب ليرضعوا أطفالهم، فليكن – أخي المسلم – صومك وفطرك دافعًا لك لتذكر إخوانك هؤلاء فتجتهد كل الاجتهاد ليشاركك إخوانك في ثمراتك وأكلاتك، فتد يد العون والمساعدة لهم بأسرع وقت ممكن، والأجر بإذن الله تعالى أسبق: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّـهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ ۖ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المزمل: 20].



    الوقفة السادسة:
    مما نبّه إليه الرسول ﷺ في تناول السحور من المعاني الإِيمانية التي يجب تعميقها في النفوس: مخالفة أهل الكتاب في صيامهم، روى مسلم وغيره عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «فصل ما بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحور»( 11).
    حتى في وقت الأكل والشرب ينبغي مخالفة المشركين وأهل الكتاب، وهذا الأمر – أعني مخالفة الكفار – مبدأ من المبادئ التي وجه إليها الإسلام، وحذَّر المسلم من خرمها، والانسياق مع الأُمم الأُخرى في أفعالها وطرائق حياتها، فضلًا عن عباداتها وأعيادها، ولهذا قال النبي ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم»(12)، ولقد كانت عزة الأُمة المسلمة وغلبتها واحترام الأُمم الأُخرى لها حينما وقفت على ما جاء به نبيها محمد ﷺ من عقائد وعبادات وشرائع، وشعرت أنها بما تحمله من هذا الدين فوق الأُمم الأُخرى؛ لأن معها الحق الـمنزَّل من عند الله تعالى، أما غيرها فليس لديه إلا أهواء البشر وفلسفات العقول البشرية.



    هذه قاعدة عظيمة – أعني عزة الأمة المسلمة بما تحمله من هذا الدين – فهل يبعث رمضان في نفوسنا هذه القاعدة، فنعلمها ونفقهها ثم نطبقها في جميع شؤون حياتنا صغيرها وكبيرها، فنعتز بديننا عقيدة وسلوكًا، شريعة ومنهاج حياة، حتى يعود للأمة المسلمة عزها ومجدها وسؤددها؟ إن كل فرد مسلم صائم ينطلق من صيامه في تطبيق هذا المبدأ العظيم في كل أمر من أمور الحياة، وينبذ كل تقليد وتشبه بالكفرة في دقائق الأشياء وجليلها، وإنك لترى أقوامًا ضعف اعتزازهم بدينهم فبهرهم ما عند الغرب والشرق من أفكار منحرفة، وأعرافٍ معوّجة، فظنوا أنهم رقوا بأنفسهم ومجتمعهم مراقي العلا، وما علموا أنهم أذابوا شخصياتهم وتقهقروا بمجتمعاتهم فأصبحوا أذلّاء تابعين لا خير فيهم، لا يحسب لهم حساب، ولا يقام لهم وزن.



    أيها المسلمون الكرام:
    لنتعلم من مدرسة رمضان عزّنا بديننا، واستقلال شخصيتنا، وعلونا بتمسكنا بشريعة ربنا، أسأل الله تعالى أن يبصرنا بديننا ويفقهنا فيه، وأن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأَفعال، إنه سميع مجيب وهو المستعان.

    ---------
    (11) رواه مسلم في الصيام، برقم(1095).
    (12) رواه أبوداود في اللباس، باب في لبس الشهرة، برقم(4031).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 14)

    الصحة ورمضان (1-2)
    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واتبع رضوانه، أما بعد:
    فقد تحدثنا فيما سبق عن بعض دروس رمضان، وفيما يلي نقف مع درس من هذه الدروس العظيمة، نستفيده من هذا الشهر المليء بالحِكم والأسرار، نعم أيها الإخوة المسلمون: إن المسلم يكفيه في الحث على الصيام وغيره من الطاعات أن يقال له: إن الله أمرك بالصيام، دون أن تعدّد فوائده وأسراره؛ وذلك لأَن المسلم مطلوب منه العبودية الكاملة لله، ولكن مع ذلك علّمنا الله سبحانه وتعالى سِرَّ كثير من العبادات وحِكَمِها؛ لنقف عندها متفكرين عاملين، مدركين أن هذا التشريع الإلهي قام على أَساس ما يحقق مصالح الناس وما يدفع عنهم الأضرار، ولذا نجد أن الله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات التي بينت الأَحكام يعقبها بذكر الحكمة منها، فهو حين أمر المؤمنين بغض أبصارهم نبَّهنا إلى الفائدة من ذلك، فقال: ï´؟ذَظ°لِكَ أَزْكَىظ° لَهُمْï´¾ [النور: 30].




    وعلى هذا فالمدقق في الصيام يجد أن من أسراره العظيمة: حفظ الجسد والصحة، ومع بعض آثار الصوم الصحيحة نقف الوقفات الآتية:
    الوقفة الأولى:
    جاء في بعض الآثار عن الرسول ï·؛ فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: «سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا»(1) وهذا الحديث وإن كان في إسناده ضعف إلا أن معناه صحيح، وقد ذكر ابن القيم تأكيدًا لهذا ومبيِّنًا بعض آثار الصوم الصحيحة قائلًا: «وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والتقوى الباطنة، وحمايتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ القلب والجوارح صحتها، ويعيد ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَï´¾ [البقرة: 183]، وقال النبي ï·؛: «الصوم جنة»(2)، وأمر ï·؛ من اشتدت عليه شهوة النكاح – ولا قدرة له عليه – بالصيام، «وجعله وجاء هذه الشهوة»(3). انتهى كلامه.




    الوقفة الثانية:
    إننا إذا دقَّقنا النظر في التشريع الإسلامي نجد أنه وضع للمسلم منهجًا متكاملًا في معاملته مع جسده، وهنا أذكر شيئًا من معالم ذلك المنهج:
    أولًا: لا شكَّ أن الصحة والعافية من نعم الله، والكثير من الناس يفرِّطون في هذه النعمة، فلا يستغلونها بما يفيد وينفع، ولذا فقد ورد في الحديث الصحيح: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»(4)، وجاء الحث أيضًا بأن من أفضل الدعاء: سؤال الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، روى الترمذي وغيره عن أنس: أن رجلًا جاء إلى النبي ï·؛، فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ قال: «سل ربك العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة»، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، ثم قال: «فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت»(5).




    والعافية في الدنيا من أغلى ما يطلبه الإِنسان ويتمناه، ومما يزيد العافية: الصوم؛ إذ به تحفظ الجوارح الظاهرة والباطنة.
    ------------
    (1) رواه الإمام أحمد في المسند (3/380).
    (2) رواه البخاري مع الفتح (4/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم، ومسلم(2/806)، برقم(1151) في الصيام، باب فضل الصيام.
    (3) لفظ الحديث: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» رواه البخاري مع الفتح (9/106)، برقم(5065) في النكاح، باب قول النبي ï·؛: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، ومسلم(2/1018)، برقم(1400) في النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه.
    (4) رواه البخاري مع الفتح (11/229)، برقم(6412) في الرقاق، باب ما جاء في الرقاق.
    (5) رواه الترمذي (5/499)، برقم(53120) في الدعوات، باب رقم(85)، وابن ماجه (2/1265)، برقم(3848) في الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 15)

    الصحة ورمضان (2-2)
    ثانيًا: لا شكَّ أن الإنسان في هذه الدنيا معرض لابتلاء الله تعالى، وعلى قدر إيمان الإنسان يكون ابتلاؤه، والأَمراض بمختلف أنواعها من أنواع الابتلاء، وقد علمنا الإِسلام طرقًا كثيرة للوقاية من تلك الأَمراض، ومن أهمها:
    1- النظافة المستمرة للجسم ظاهرًا وباطنًا، ونظافة البيوت والمساجد والطرقات، كما أن نظافة الباطن من المعاصي حصانة كبرى من الأمراض الحسية والمعنوية، ومما ورد في ذلك قوله ﷺ فيما رواه الحاكم وغيره: «ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعمل بها علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم»(6).
    وكم من الأمراض تحصل بسبب مخالفة شرع الله وارتكاب نواهيه؟ وكم من أنواع البلايا حصلت بسبب اختلاط الجنسين اختلاطًا غير شرعي؟




    2- ومن طرق الوقاية: الاهتمام بالمطعم والمشرب، وفي مقدمة ذلك: أن يكون حلالًا طيبًا، وأن لا يكون ضارًّا بالجسم أو العقل، وفي هذه المناسبة أوجِّه دعوة صادقة للذين ابتلاهم الله تعالى بتناول شيء من المخدرات أو المسكرات وما شابهها كالتدخين مثلًا، واعتادوا على ذلك: وأدمنوا عليه، أوجه دعوة لهم بمناسبة هذا الشهر الكريم أن يحاولوا جادين الإِقلاع عن هذه الأُمور المحرمة، مستغلين هذا الشهر المبارك بما يفرض عليهم من كسر شهوة أنفسهم، مستغلين فترات إجابة الدعاء ليرفعوا أيديهم سائلين الله أن يعافيهم مما ابتلاهم به، والله سبحانه وتعالى يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، أوجه دعوة صادقة ليرأفوا بأنفسهم وأجسادهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم، فخطر هذه الأُمور عظيم وشرها مستطير.
    أيها المسلمون الكرام:
    ومن طرق الوقاية أيضًا: الاعتدال في المطعم والمشرب، ومن ذلك ما ورد عن النبي ﷺ من آثار في ذلك، ومنها: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه»(7)، ومنها: «إياكم والبطنة فإنها مفسدة للدين، مورثة للسقم – يعني المرض – مكسلة عن العبادة»(8)، ومنها: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفَّس في الإِناء»(9)، وغير ذلك من النصوص الكثيرة التي لا يتسع المجال لسردها.




    3- ومن منهج الإِسلام الصحي: الإيمان التام بأن ما حصل للإنسان من أمراض ونحوها بعد أخذه بالأسباب ما هو إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى، ولا يزل هذا المرض إلا هو سبحانه وتعالى، فإذا قابل هذا المرض بهذه العقيدة يكون مرضه أجرًا وثوابًا له، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها»(10)، وروى البخاري أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير؛ إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»(11).
    ومع ذلك أمرنا بالأخذ بالأَسباب قبل وقع المرض بالوقاية منه، وبعد وقوعه بالتداوي بما أحل الله لنا، روى مسلم عن جابر مرفوعًا: «لكل داء دواء فإن أصاب دواء الداء برأ بإذن الله»(12)، والآثار في هذا كثيرة، ومن أهم طرق العلاج قبل المرض وبعده: الصيام فرضًا ونفلًا، فلله الحكمة البالغة سبحانه من عليم حكيم.
    أيها المسلمون الكرام:
    ونحن على مشارف ختام شهرنا علينا أن نمعن النظر في مثل هذه الأَشياء، ليتقوى إيماننا وصلتنا بربنا سبحانه، ونمضي في هذه الحياة بعزم وصدق في التمسك بديننا، وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب وهو المستعان.




    _______
    (6) رواه ابن ماجه (2/1332)، برقم(4019) في الفتن، باب العقوبات، والحاكم (4/540) في الفتن والملاحم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
    (7) رواه الترمذي (4/510)، برقم(2380) في الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل، وأحمد (4/132)، وابن ماجه برقم(3349) في الأطعمة، باب الاقتصاد في الأكل.
    (8) رواه ابن حبان في المجروحين (2/35) في ترجمة «عبد الله بن عبد الرحمن الجزري»، وذكره ابن حجر في اللسان (3/307).
    (9) رواه البخاري (1/253)، برقم(153) في الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين، ومسلم (1/225)، برقم(267) في الطهارة، باب النهي عن الاستنجاء باليمين.
    (10) رواه البخاري (10/120)، برقم(5659) في المرضى، باب وضع اليد على المريض، ومسلم (4/1991)، برقم(2571) في البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من نصب أو حزن أو نحو ذلك.
    (11) رواه مسلم (4/2295)، برقم(2990)، في الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير.
    (12) رواه البخاري مع الفتح (10/134)، برقم(5678) في الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، ومسلم (4/1728)، برقم(2203) في السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 16)

    التنافس في الخير (1-3)

    الحمد لله الذي أمرنا بفعل الطاعات وترك السيئات، وحث على اغتنام الأوقات والمواسم الفاضلات بالاستباق إلى الخيرات، والمنافسة في الصالحات، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وزوجاته الطاهرات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم تبعث البريات، أما بعد:

    ما أن يدخل شهر رمضان المبارك ويهل هلاله على المسلمين إلا ويحس المسلم وكأنه في دورة إيمانية يلين بها قلبه، ويطمئن بها فؤاده، ويتقرب فيها من ربه سبحانه وتعالى، وينعم فيها بالتقلب في الصالحات وكأنه ينتقل من روضة إلى روضة، وكيف لا وهو في شهر التنافس في الخير، والتسابق في ميدان العمل الصالح؟ مع هذا التنافس نعيش سويًّا تبيانًا له وتوضيحًا وتشجيعًا في الوقفات الآتية:




    الوقفة الأولى:
    خلق الله تعالى الإِنسان ومنحه إمكانات عظيمة، يقوم عليها معاشه وحياته، وفضَّله بها على المخلوقات، منحه سبحانه العقل الذي يفكر به، ويميز به بين الخير والشر، والنافع والضار، ومنحه الحواس التي يحس بها بما حوله، ومنحه الشعور والإِحساس الذي تتحرك به عواطفه؛ كل ذلك لتكتمل شخصيته، وتتوازن مقومات حياته.
    وهذا كله بلا شك من نعم الله سبحانه على الإنسان، ولذا امتد الناس في معاشهم في هذه الحياة، وصاروا يتنافسون باستغلال هذه الإمكانات، وصارت الحياة ميدانًا لهذا التسابق بمختلف أنواع المنافسات، فكلما قلبت طرفك في مشارق الأرض ومغاربها تجد أحوال الناس كذلك.
    فهناك فئات من الناس همهم المال، ركزوا جهودهم في جمعه وتصريفه، ويختلف هؤلاء في النظر إليه وفي أساليب جمعه والصرف منه، وفئات أخرى همهم ما يجدُّ ويخترع في دنيا الناس، فما استحدث من آلة إلا والتفكير أسبق إلى ما بعدها، أيها أكثر تسهيلًا وأقل جمعًا، وفئات أخرى وجهوا همهم وإمكاناتهم إلى إرضاء رغباتهم وإشباع شهواتهم، كل بحسب ما يرغب ويهوى، مستغلًا ما استطاع من نعم الله سبحانه وتعالى، ومن الناس من استغل إمكاناته الجسمية والبدنية فوجهها إلى ميادين مناسبة لهذه الإِمكانات حتى على مستوى الأُمم بأكملها.
    هذه الميادين وغيرها التي يتبارى فيها الناس: ما مكانها وقيمتها في شرع الله سبحانه وتعالى؟ أيعارضها؟ أم يوافقها؟ أم يوجهها ويرشدها نحو نفع البلاد والعباد؟ هذا ما نتناوله في بقية الوقفات:
    الوقفة الثانية:




    لا شكَّ أن ديننا دين الخير والصلاح، ودين السعادة والرخاء، دين يقر لك ما فيه صلاح الفرد والمجتمع، أقرّ مبدأ المنافسة، وشجع على استغلال إمكانات الإِنسان، ووجه إلى ما يستحق بذل الجهد فيه، وخطَّ خطوطًا عريضة وقواعد كلية وأهدافًا تقصد لتحقيقها، وجعل في مقدمة ما يسعى إليه الإنسان وينافس فيه: ما يسعد الإِنسان في آخرته، ويُقَوِّم حياته في هذه الدنيا بما لا يتعارض مع السعادة في الأخرى، يقول سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77] فالهدف من السعي هو الدار الآخرة.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 17)

    التنافس في الخير (2-3)
    الوقفة الثالثة:
    على هذا الأَساس المتين والقاعدة العامة وجه المولى سبحانه وتعالى إلى المنافسة والتباري، يقول جل من قائل: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، ويقول جل شأنه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، ويقول جل ذكره: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الحديد: 21] أما ميدان التسابق فهو العمل الصالح، يقول سبحانه: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]، ويقول جل شأنه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].
    وفي الحث على هذا التنافس الشريف، يوصي الرسول ﷺ بقوله فيما رواه مسلم: «بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا»(1)، وروى الترمذي بإسناد حسّنه بعض أهل العلم أن النبي ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنًى مطغيًّا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمرّ؟»(2).




    الوقفة الرابعة:
    هذه الميادين الواسعة للتسابق هي ميادين المؤمنين الصادقين الذين قال الله عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ*وَ لَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون*وَال َذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ*وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ*أُول ـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57 – 61].
    وقد تمثل صحابة رسول الله ﷺ هذا التسابق الشريف والمنافسة العظيمة على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجماعي، وهاك مثالًا للتنافس الفردي لأَصحاب الهمم العالية والقلوب المؤمنة الصادقة: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرةأن النبي ﷺ قال: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن أطعم اليوم مسكينًا؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن عاد منكم مريضًا؟» قال أبو بكر: أنا، قال النبي ﷺ: «ما اجتمعت في امرئ إلا دخل الجنة»(3).
    أما التنافس الجماعي، فمما ورد فيه ما جاء في الصحيح أن جملة من فقراء الصحابةجاؤوا إلى رسول الله ﷺ شاكين حالهم، غابطين إخوانهم الأَغنياء؛ لأنهم وجدوا ما ينفقونه، ويتصدقون به ويبذلون، فقالوا لرسول الله ﷺ: «ذهب أهل الدثور بالأُجور – أي أهل الأموال – يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق»(4) همهم ومشكلتهم أن إخوانهم سبقوهم في هذا الميدان العظيم، أحزنهم لأَنهم لم يجدوا ما ينفقون، لكن هذا الدين العظيم يجعل ميادين التنافس كثيرة، لذلك أرشدهم الرسول ﷺ إلى شيءٍ من تلك الميادين يعوض ما فقدوه، دلّهم على ذكر الله تعالى فيسبحونه ويحمدونه ويكبرونه، ثلاثًا وثلاثين دبر كل صلاة، ويختمون المائة بلا إله إلا الله، هكذا كان السلف رضوان الله عليهم، فهل لنا أن نتشبه بهم ونحن نعيش في رحاب هذا الشهر المبارك؟
    فتشبـهوا إن لـم تكونـوا مثلهم***إن الـتشـبــه بـالكـرام فــلاح


    __________
    (1) رواه مسلم (1/118) في الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأَعمال، والإمام أحمد (2/304، 372، 523).
    (2) رواه الترمذي (4/478)، برقم(2306) في الزهد، باب ما جاء في المبادرة بالعمل.
    (3) رواه مسلم (2/713)، برقم(1028) في الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر.
    (4) رواه البخاري (2/325)، برقم(843) في الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، ومسلم (2/697)، برقم(1006) في الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 18)


    التنافس في الخير (3-3)
    الوقفة الخامسة:
    كل منافس يطمح لنيل مركز متقدم، ولا شك أن ثمار التسابق في ميادين الخير عظيمة، ونتائجها مُرْضِية في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: ï´؟وَسَارِعُوا إِلَىظ° مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* لَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ غ— وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* َالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّـهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىظ° مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ*أُو َـظ°ئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا غڑ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَï´¾ [آل عمران: 133 – 136].




    إن التنافس في الأُمور الشريفة يزيد المنافس شرفًا وهدًى وتقًى، ويفتح له من الخير ما لم يخطر له على بال، يقول تعالى: ï´؟وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْï´¾ [محمد: 17].
    إن التنافس في الطاعات يضاعف الحسنات ويرفع الدرجات، روى مسلم وغيره أن رسول الله ï·؛ قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء»(5)، ومن أعظم ثمرات المنافسة في الخير القرب من الرب جلا وعلا ï´؟وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ*أ ولَـظ°ئِكَ الْمُقَرَّبُونَï´¾ [الواقعة: 10 – 11].
    أيها المسلمون:
    إن أبواب الخير كثيرة ومفتوحة للراغبين، والمؤمن العاقل الحصيف هو الذي يبادر إلى الخيرات، ويقطف من ثمراتها، وبخاصة في هذا الشهر المبارك الذي تضاعف فيه الأُجور، فالله الله ما دام في الوقت مهلة، وفي العمر بقية، قبل فوات الأوان فيقول المفرط: ليت ليت، ولكن لا تنفع شيئًا ليت.
    أسأل الله تعالى أن يرفع درجاتنا، ويكفر سيئاتنا، وأن يعافينا ويعفو عنَّا، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، إنه سميع مجيب وهو المستعان.
    _________
    (5) رواه مسلم (2/704)، برقم(1017)، في الزكاة، باب الحث على الصدقة، والنسائي (5/75 – 77) في الزكاة، باب التحريض على الصدقة.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد




    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 19)

    الدعاء (1-3)
    الحمد لله القوي العزيز، له ما في السموات والأَرض، يقول للشيء: «كن» فيكون، أحمده سبحانه من لطيف خبير، وأشكره على فضله وامتنانه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد البشير النذير، والسراج المنير، أفضل الدَّاعين إلى الله والملتجئين إليه في السرَّاء والضرَّاء، وعلى آله وأصحابه والتابعين، أما بعد:
    فإن رمضان والصيام لهما ارتباط كبير، ووثاق شديد، مع كثير من الطاعات والقربات، فما أن يقدم شهر رمضان المبارك إلا ويتبارى الموفّقون للمزيد من تلك الطاعات، فيشدّون وثاقهم مع خالقهم رب الأَرض والسموات، ويرجعون إلى أنفسهم ليحاسبوها على التقصير والهفوات، ولازلنا نعيش في تلك الرياض المخضرة، المتزينة بزينة الإيمان.




    فنقف فيما يلي مع عبادة عظيمة جليلة، لها شأنها في رمضان، وارتباطها الوثيق بالمسلم في كل زمان ومكان وحال، عبادة مع شأنها العظيم هي يسيرة على من يسّرها الله تعالى عليه؛ ذلكم هو الدعاء، وما أدراكم ما الدعاء، إنه الحبل الوثيق الواصل بين الخالق والمخلوق، له فضل عظيم، وشروط وآداب مهمة، وثمار عاجلة وآجلة، نعرض ما يتيسر من ذلك في الوقفات الآتية:
    الوقفة الأولى:
    حقيقة الدعاء: إظهار الافتقار إلى الله، والتبري من الحول والقوة إلا له سبحانه، والاستشعار للذلة، وهو سمة العبودية.
    الدعاء هو الاستعانة بالله سبحانه واللجوء إليه ومناداته؛ لجلب النفع والخير، ودفع الأذى والشر، والدعاء هو الثناء على الله تعالى بما هو أهله وسؤاله خيري الدنيا والآخرة، هذا الدعاء له شأن عظيم في دين الله، فالعباد في هذه الحياة لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فلا غنى لهم عن خالقهم لحظة من اللحظات، تُرى هل يُقدِّر الإنسان ما يحصل له من خير أو شر في ساعاته المقبلة؟ وهل يعلم ما سيكون في غده ومستقبله؟
    فالإِنسان معلق بالله سبحانه وتعالى، لا يملك لنفسه – فضلًا عن غيره – خيرًا ولا شرًّا، يقول جل ذكره: ï´؟وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًاï´¾ [الفرقان: 3]، ويقول جلت قدرته: ï´؟قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّـهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًاï´¾ [الفتح: 11]، ويقول: ï´؟قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُï´¾ [الأعراف: 188].




    الوقفة الثانية:
    هذا الدعاء الذي يتلفظ به الإنسان وهو مليء بالشعور بالحاجة إليه تعالى، يتلفظ به بتذلل ورغبة ورهبة، لا غنى لأَي فرد عنه في أي حال من أحواله، شدة ورخاء، صحة وعافية، كبيرًا وصغيرًا.
    هذا الدعاء له فضله العظيم وآثاره المباركة، جاءت النصوص العظيمة ببيانها بصيغ مختلفة؛ بالحث عليه تارة، والتشجيع عليه، وبيان أهميته، وعظم نتائجه، تارة أخرى، يقول سبحانه: ï´؟وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ غڑ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَï´¾ [غافر: 60]، ويقول جل شأنه: ï´؟ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً غڑ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَï´¾ [الأعراف: 55].
    ومن اللطيف ذكره أن الله جل وعلا قرن الدعاء بالصيام، فبعد أن ذكر الصيام ذكر بعده قوله جل شأنه: ï´؟ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ غ– أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ï´¾ [البقرة: 186].






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    6,391

    افتراضي رد: وقفات مع المشتاقين لرمضان (اللهم بلغنا رمضان)فلنستعد



    وقفات مع الصائمين

    أ. د. فالح بن محمد بن فـالح الصغيّر


    (الحلقة 20)

    الدعاء (2-3)


    الوقفة الثالثة:
    الدعاء دأب الأنبياء والصالحين، فاستجاب الله لهم، ذكر الله سبحانه عن نوح: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ*فَد عَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ *فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ*وَحَمَلْ َاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ* تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ* وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 9- 15].




    وقال عن زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا*وَإِنِ ي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا*يَرِثُ ِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 4 – 6].
    وهذا إبراهيم يتضرع إلى الله حتى رزقه الذرية على كبره فحمد الله وشكره، يقول تعالى عنه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ*رَبِ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِي نَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 39 – 41] فلك – أخي في الله – قدوة في الصفوة من الخلق.
    الوقفة الرابعة:
    كان داعٍ يطمع في استجابة دعائه، وقبول تضرعه، وجلب الخير له، وفدع الشر عنه، وقد أخبر المولى جل وعلا بأن من كرمه وفضله وجوده أن ذلك حاصل لا محالة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
    ولكن لا تحصل الإِجابة إلا بحصول أسبابها، ومن أهمها: إخلاص هذا الدعاء لله وعدم إشراك أحد معه غيره من شجر أو حجر أو ضريح أو ولي أو سيد، أو كائنٍ من كان، يقول تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 65] فمن دعا غير الله، نبيًّا من الأنبياء أو ملكًا من الملائكة، أو وليًّا من الأَولياء، أو صاحب ضريح مقبور؛ فقد وقع في الشرك الأَكبر، والعياذ بالله، الذي بيَّن الله مصير أهله: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72].




    ومن عوامل إجابة الدُّعاء: أن يكون مطعم العبد ومشربه حلالًا، فلا يتعامل إلا بالمال الطيب، فالله طيب لا يقبل إلا طيِّبًا، فقد جاء في الصحيح أن الرسول ﷺ: «ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له»(1)، فإلى من يتعاملون بالغش والخديعة وإلى من ينمون أموالهم بالربا، وإلى من يأكلون أموال الناس بالباطل: أن يعلموا أنهم حجبوا دعاءهم عن القبول، ألا فليتأملوا حالهم قبل فوات الأوان.

    ومن المهم في الدعاء: ترك الاعتداء في الدعاء، وتعجُّل الإجابة، جاء في الصحيح عن الرسول ﷺ أنه قال: «ما من مسلم دعا الله تعالى بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، وأما إن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها»(2).
    ________
    (1) رواه مسلم في الزكاة، باب قبول الصدقة (2/703)، برقم(1015).
    (2) رواه أحمد (3/18)، والترمذي (5/529)، برقم(93573) في الدعوات، باب في انتظار الفرج، والحاكم (1/493) وقال: صحيح الإسناد إلا أن الشيخين لم يخرجاه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •