إشكال حول العمل بحديث إذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: إشكال حول العمل بحديث إذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,221

    افتراضي إشكال حول العمل بحديث إذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله

    السؤال:
    هل هذه الجملة "العقائد مبناها على التوقيف" المذكورة في جواب السؤال رقم : (181206) صحيحة ؟ وإن كانت صحيحة فكيف إذن يجوز العمل بالحديث الضعيف ؟ أليس من الشرك أن يستغيث الرجل بعباد الله إذا أصابته عرجة بعد علمنا بضعف الحديث الوارد في ذلك ، فالله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يأمرونا بالاستغاثة بهم ، ولم يمنح الملائكة القدرة على مساعدة البشر وهم غير حاضرين ، فضلاً عن أنّ الاستغاثة بما لا تعلم وجوده هو من الغيب ، والرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ندعو الله ، مع العلم أنني أتفهم أن الفعل لا يكون شركًا لو كان الحديث في ذلك صحيحًا ؟


    الجواب :
    الحمد لله
    أولا:
    العقائد مبناها على التوقيف، وهذه جملة صحيحة معناها: أنه لا يثبت أمر عقدي إلا بدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع .
    وقول الصحابي مما لا مجال للرأي فيه ، إذا لم يكن معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب: له حكم المرفوع، كما هو مقرر في الأصول والمصطلح.
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " وفيه أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب ، وأن الصحابي الذي يكون كذلك ، إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه : يكون للحديث حكم الرفع" انتهى من " فتح الباري " (6/353).
    وقال رحمه الله : " والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي - رضي الله عنه - إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولا عن لسان العرب، فحكمه الرفع ، وإلا فلا، كالأخبار عن الأمور الماضية ، من بدء الخلق وقصص الأنبياء ، وعن الأمور الآتية ، كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار، والأخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها ، فيحكم لها بالرفع.
    قال أبو عمرو الداني: "قد يحكى الصحابي - رضي الله عنه - قولا يوقفه، فيخرجه أهل الحديث في المسند ، لامتناع أن يكون الصحابي - رضي الله عنه - قاله إلا بتوقيف. كما روى أبو صالح السمان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يجدن عرف الجنة ..." الحديث؛ لأن مثل هذا لا يقال: بالرأي، فيكون من جملة المسند".
    وأما إذا فسر آية تتعلق بحكم شرعي فيحتمل أن يكون ذلك مستفادا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن القواعد، فلا يجزم برفعه.
    وكذا إذا فسر مفردا فهذا نقلٌ عن اللسان خاصة، فلا يجزم برفعه.
    وهذا التحرير الذي حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة كصاحبي الصحيح، والإمام الشافعي، وأبي جعفر الطبري، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر ابن مردويه في تفسير المسند، والبيهقي، وابن عبد البر، في آخرين.
    إلا أنه يستثنى من ذلك ما كان المفسِّر له من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم- من عرف بالنظر في الإسرائيليات ، كمسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وغيره.
    وكعبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب، فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة حتى كان بعض أصحابه ربما قال له: حدثنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تحدثنا عن الصحيفة، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي قدمنا ذكرها الرفع ؛ لقوة الاحتمال والله أعلم " .
    انتهى من " النكت على مقدمة ابن الصلاح" (2/533).

    وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى : " فإن كان مما لا مجال للرأي فيه ، فهو في حكم المرفوع ، كما تقرر في علم الحديث ، فيقدَّمُ على القياس ، ويُخَصُّ به النص , إن لم يُعْرَف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات "انتهى من " مذكرة أصول الفقه " ( ص 256 ).
    وانظر تفصيل الكلام على حجية قول الصحابي في الجواب رقم : (229770) .

    ومن أمثلة احتجاج أهل السنة بقول الصحابي في العقيدة: احتجاجهم بقول ابن عباس: " الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدُر أحدٌ قدرَه" أخرجه الدارمي في "الرد على بشر المريسي "(1/400)، وعبد الله بن أحمد في "السنة" (1/300)، وابن أبي شيبة في "العرش"، ص437، وابن خزيمة في "التوحيد" (1/248)، وابن جرير في تفسيره (5/398)، والدارقطني في "الصفات"، ص49، والحاكم في "المستدرك" (2/ 310)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "مختصر العلو"( ص75).
    ثانيا:
    لا يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف في إثبات شيء من العقائد أو الأحكام، وإنما يجوز العمل به في الفضائل عند بعض أهل العلم بشروط ، وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم: (44877) .

    وحديث: ( إذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله يرحمكم الله تعالى) حديث ضعيف كما سبق بيانه في جواب السؤال رقم : (181206).
    ومثله حديث: (إذَا أَضَلَّ أَحَدُكُمْ شَيْئًا ، أَوْ أَرَادَ أَحَدُكُمْ عَوْنًا ، وَهُوَ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ ، فَلْيَقُلْ : يَا عِبَادَ اللَّهِ أَغِيثُونِي ، يَا عِبَادَ اللَّهِ أَغِيثُونِي ، فَإِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لا نَرَاهُمْ) وانظر: السؤال رقم : (132642) .

    فمن رأى ضعف الحديث لم يجز له العمل به في هذه المسألة العقدية ، وهي مناداة الملائكة ؛ لأنه لم يؤذن لنا في ذلك ، والأصل منع سؤال غير الله إلا الحي الحاضر فيما يقدر عليه ، وليس لأحد إذا نزل به ضر أو مكروه أن يقول: يا جبريل أو يا ميكائيل، فإن ذلك من الشرك بالله تعالى.
    لكن قد جاء هذا الحديث موقوفا من كلام ابن عباس رضي الله عنه.
    قال البيهقي: " هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِوُجُودِ صِدْقِهِ عِنْدَهُمْ فِيمَا جَرَّبُوا " انتهى من " الآداب للبيهقي" (ص: 269).

    وممن عمل بهذا الحديث : الإمام أحمد بن حنبل.
    قال عبد الله بن الإمام أحمد : " سمعت أبي يقول : حججْت خمس حجج ، منها ثنتين راكبًا ، وثلاثة ماشياً أو ثِنْتَيْنِ ماشياً وثلاثة راكبًا ، فضللت الطَّرِيق في حجَّة ، وكنت مَاشِيا ، فجعلت أقول : يا عباد الله دلوني على الطَّرِيق ، فلم أزل أقول ذلك حتى وقفتُ على الطريق " .
    انتهى من "مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله" (ص: 245) ، وينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (5/ 298(.

    فمن عمل بهذا، فلصحة الحديث عنده ، أو لصحته عن ابن عباس، وقد تقدم بيان أن مثل هذا له حكم المرفوع .
    والحديث محتمل للتحسين، ولهذا حسنه ابن حجر والسخاوي والألباني، واستظهر أن أحمد كان يقويه.
    قال الألباني بعد نقل تحسين ابن حجر والسخاوي: " ويبدو أن حديث ابن عباس الذي حسنه الحافظ كان الإمام أحمد يقويه ، لأنه قد عمل به ، فقال ابنه عبد الله في " المسائل " ( 217 ) : " سمعت أبي يقول : حججت خمس حجج منها ثنتين [ راكبا ] وثلاثة ماشيا ، أو ثنتين ماشيا وثلاثة راكبا ، فضللت الطريق في حجة وكنت ماشيا ، فجعلت أقول : ( يا عباد الله دلونا على الطريق ! ) فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق . أو كما قال أبي .
    ورواه البيهقي في " الشعب " ( 2 / 455 / 2 ) وابن عساكر ( 3 / 72 / 1 ) من طريق عبد الله بسند صحيح .
    وبعد كتابة ما سبق وقفت على إسناد البزار في " زوائده " ( ص 303 ) : حدثنا موسى بن إسحاق : حدثنا منجاب بن الحارث : حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد [ عن أبان ] ابن صالح عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فذكره .
    قلت : وهذا إسناد حسن كما قالوا ، فإن رجاله كلهم ثقات غير أسامة بن زيد وهو الليثي ، وهو من رجال مسلم ، على ضعف في حفظه ، قال الحافظ في " التقريب " : " صدوق يهم " .
    وموسى بن إسحاق هو أبو بكر الأنصاري ثقة ، ترجمه الخطيب البغدادي في " تاريخه " (13 / 52 - 54) ترجمة جيدة " انتهى من "السلسلة الضعيفة" (2/111).

    ثالثا:
    إذا صح الحديث ، أو حسن فلا إشكال في معناه، فيكون من الاستعانة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه، وهذا مشروع اتفاقا. قال تعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) القصص/15، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: (ناوليني الخمرة من المسجد) رواه مسلم (298) .
    فإذا ثبت الحديث ، وأن هناك ملائكة تعين الضال، كان هذا بمثابة أن تقول لصاحبك: أعني، أو رد علي دابتي، فهي استعانة بحاضر في أمر يقدر عليه.

    قال الألباني رحمه الله في الموضع السابق: " فهذا الحديث - إذا صح - يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول " يا عباد الله " : إنما هم الملائكة ، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ، ممن يسمونهم برجال الغيب من الأولياء والصالحين ، سواء كانوا أحياء أو أمواتا ، فإن الاستغاثة بهم وطلب العون منهم شرك بين لأنهم لا يسمعون الدعاء ، ولو سمعوا لما استطاعوا الاستجابة وتحقيق الرغبة ، وهذا صريح في آيات كثيرة ، منها قوله تبارك وتعالى : ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ، إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ، ولو سمعوا ما استجابوا لكم ، ويوم القيامة يكفرون بشرككم ، ولا ينبئك مثل خبير ) ( فاطر 13 - 14 )" انتهى.
    وقال الشيخ صالح آل الشيخ : " والحديث لا يدل على ما يدعيه المبطلة من سؤال الموتى ونحوهم ، بل إنه صريح في أن من يخاطبه ضالُّ الطريق هم : الملائكة ، وهم يسمعون مخاطبته لهم ، ويقدرون على الإجابة بإذن ربهم ؛ لأنهم أحياء ممكَّنون من دلالة الضال ، فهم عباد لله ، أحياء يسمعون ، ويجيبون بما أقدرهم عليه ربهم ، وهو إرشاد ضالي الطريق في الفلاة ، ومن استدل بهذه الآثار على نداءِ شخص معين باسمه ، فقد كذب على رسول الله ، ولم يلاحظ ويتدبر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وذاك سيما أهل الأهواء" .
    انتهى من " هذه مفاهيمنا (ص: 56) ، بتصرف يسير .
    والله أعلم.

    https://islamqa.info/ar/242425



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,221

    افتراضي

    الاستدلال على جواز الاستغاثة بحديث : " إذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله ".


    السؤال :
    يدعي الصوفية أن الإمام أحمد يعتقد في التوسل والاستغاثة . شعب الإيمان – ح 7697 (ج 6 / ص 128( - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبي يقول : حججت خمس حجج اثنتين راكب و ثلاث ماشي أو ثلاث راكب و اثنتين ماشي فضللت الطريق في حجة و كنت ماشيا فجعلت أقول يا عباد الله دلوني على الطريق قال : فلم أزل ذلك حتى وقفت على الطريق أو كما قال أبي . و يدعمون قولهم عن الإمام أحمد برواية في شعب الإيمان وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله عز و جل ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما سقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله يرحمكم الله تعالى ). رواه البزار من طريق حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد حدثني أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس.
    وبناء على هذا فيستحب التوسل بالنبي صلى الله عليه و سلم في الدعاء بناء على قول الإمام أحمد . من فضلكم أرجو الرد في أقرب وقت ممكن .


    الجواب :
    الحمد لله
    أولاً :
    روى البزار (4922) من طريق أسامة بن زيد الليثي ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس مرفوعاً : ( إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ سِوَى الْحَفَظَةِ ، يَكْتُبُونَ مَا سَقَطَ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ عَرْجَةٌ بِأَرْضٍ فَلاةٍ فَلْيُنَادِ : أَعِينُوا عِبَادَ اللَّهِ ).
    قال البزار : " وَهَذَا الْكَلامُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم بِهَذَا اللَّفْظِ إلاَّ مِن هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ " انتهى من "مسند البزار" (11/ 181) .
    وقد أعل هذا الحديث بعلتين :
    الأولى : أن مداره على أسامة بن زيد الليثي.
    وهو من الرواة المختلف فيهم عند علماء الجرح والتعديل ، فمنهم من وثقه ، ومنهم من ضعفه ، وعلى كل حال ففي حفظه وضبطه كلام .
    قال الإمام أحمد : " إن تدبرت حديثه ستعرف النكرة فيها ". انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (2/ 76).
    وقال الحافظ الذهبي عنه : " صَدُوق يهم ، اخْتلف قَول يحيى الْقطَّان فِيهِ ، وَقَالَ أحْمَد: لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ ابْن عدي : لَيْسَ بِهِ بَأْس ".
    انتهى من "المغني في الضعفاء " (1/ 66).
    وكذلك قال فيه الحافظ في التقريب : " صدوق يهم ". انتهى من " تقريب التهذيب " (ص: 98).
    الثانية : أن الرواة عن أسامة بن زيد اختلفوا عليه في هذا الحديث ، فمنهم من رواه عنه مرفوعاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من رواه موقوفاً على ابن عباس من قوله .
    وقد تفرد بروايته مرفوعاً : حاتم بن إسماعيل ، وأخرج روايته البزار في "مسنده" (4922).
    وخالفه أربعة من الرواة وهم :
    1=عبد الله بن فروخ ، وأخرج روايته البيهقي في "شعب الإيمان" (1/325).
    2= وروح بن عبادة ، وأخرج روايته البيهقي في "شعب الإيمان" (10/140).
    3= وجعفر بن عون ، وأخرج روايته البيهقي في "شعب الإيمان" (10/140).
    4= وأبو خالد الأحمر ، وأخرج روايته ابن أبي شيبة في " المصنف " (6/ 91).
    فرووه كلهم عن أسامة بن زيد الليثي ، فجعلوه من قول ابن عباس .
    ولا شك أن رواية الوقف أرجح ؛ لأن رواتها أكثر عدداً ، وأشد ضبطاً ، فهم أبعد عن الخطأ والوهم .
    قال الإمام الشافعي : " وَالْعَدَدُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنَ الْوَاحِدِ" انتهى من "اختلاف الحديث" صـ 177.
    وقال الحافظ شمس الدين الذَّهبي : " وإن كان الحديثُ قد رواه الثَّبتُ بإسنادٍ ، أو وَقَفَهُ ، أو أرسلَهُ ، ورفقاؤه الأثباتُ يخالفونه ، فالعبرةُ بما اجتمع عليه الثقات ، فإنَّ الواحد قد يَغلَط ، وهنا قد ترجَّح ظهور غلطه فلا تعليل ، والعبرةُ بالجماعة ". الموقظة صـ52.
    فالراجح في هذا الحديث - إن حكمنا بقبوله - أنه من قول ابن عباس ، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم .
    قال البيهقي: " هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِوُجُودِ صِدْقِهِ عِنْدَهُمْ فِيمَا جَرَّبُوا ". انتهى من " الآداب " (ص: 269).
    وممن عمل بهذا الحديث : الإمام أحمد بن حنبل .
    قال عبد الله بن الإمام أحمد : " سمعت أبي يقول : حججْت خمس حجج ، منها ثنتين راكبًا ، وثلاثة ماشياً أو ثِنْتَيْنِ ماشياً وثلاثة راكبًا ، فضللت الطَّرِيق في حجَّة ، وكنت مَاشِيا ، فجعلت أقول : يا عباد الله دلوني على الطَّرِيق ، فلم أزل أقول ذلك حتى وقفتُ على الطريق ".
    انتهى من "مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله" (ص: 245) ، وينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (5/ 298).

    ثانياً :
    من الأمور المهمة التي ينبغي التنبه لها أن ضابط الاستغاثة التي تكون شركاً هو : " سؤال غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ".

    أما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه فليست من الشرك في شيء .
    والأثر المذكور فيه إخبار عن وجود صنف من الملائكة ، وهم أحياء ، حياتهم الطبيعية الملائمة لهم ؛ جعلهم الله في الأرض لإعانة التائهين وإرشادهم ودلالتهم على الطريق ، فمن طلب منهم الإعانة فقد طلب من مخلوقٍ شيئاً يقدر عليه ، وأرصده الله له .

    وشتان بين هذا وبين أن يطلب من مخلوق ميت ، أو غائب أن يشفي مريضه ، وأن يرزقه مولودا ، وأن ييسر ولادة زوجته ، أو أن يرحمه ويعافيه ، ونحو ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وَالِاسْتِغَاثَ ةُ : طَلَبُ الْغَوْثِ ، وَهُوَ إزَالَةُ الشِّدَّةِ ، كَالِاسْتِنْصَا رِ طَلَبُ النَّصْرِ ، وَالِاسْتِعَانَ ةِ طَلَبُ الْعَوْنِ ، وَالْمَخْلُوقُ يُطْلَبُ مِنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُم ْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) ، وَكَمَا قَالَ: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى).
    وَأَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ ؛ فَلَا يُطْلَبُ إلَّا مِنْ اللَّهِ ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/103).
    وقال : " فَأَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ إلَّا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ لَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، وَلَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِغَيْرِ اللَّهِ: اغْفِرْ لِي ، وَاسْقِنَا الْغَيْثَ ، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ، أَوْ اهْدِ قُلُوبَنَا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ... فَأَمَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْبَشَرُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/329).
    وقال: " وَقَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْحَيَّ يُطْلَبُ مِنْهُ الدُّعَاءُ كَمَا يُطْلَبُ مِنْهُ سَائِرُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْمَخْلُوقُ الْغَائِبُ وَالْمَيِّتُ ، فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ شَيْءٌ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/344) .
    وقال : " الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ لَا تُطْلَبُ مِنْ غَيْرِهِ مِثْلُ: إنْزَالِ الْمَطَرِ ، وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ ، وَالْهُدَى مِنْ الضَّلَالَاتِ ، وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ". انتهى من " مجموع الفتاوى" (1/370).

    وقد أكثرنا من النقول عن شيخ الإسلام في هذه النقطة لكثرة اللبس فيها والتلبيس عند أهل الأهواء والبدع .
    وقال الشيخ صالح آل الشيخ : " والحديث لا يدل على ما يدعيه المبطلة من سؤال الموتى ونحوهم ، بل إنه صريح في أن من يخاطبه ضالُّ الطريق هم : الملائكة ، وهم يسمعون مخاطبته لهم ، ويقدرون على الإجابة بإذن ربهم ؛ لأنهم أحياء ممكَّنون من دلالة الضال ، فهم عباد لله ، أحياء يسمعون ، ويجيبون بما أقدرهم عليه ربهم ، وهو إرشاد ضالي الطريق في الفلاة ، ومن استدل بهذه الآثار على نداءِ شخص معين باسمه ، فقد كذب على رسول الله ، ولم يلاحظ ويتدبر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وذاك سيما أهل الأهواء .
    إذا تبين هذا : فالأثر من الأذكار التي قد يتساهل في العمل بها مع ضعفها ؛ لأنها جارية على الأصول الشرعية ، ولم تخالف النصوص القرآنية ، والأحاديث النبوية، ثم هو مخصوص بما ورد به الدليل؛ لأن هذا مما لا يجوز فيه القياس لأن العقائد مبناها على التوقيف". هذه مفاهيمنا (ص: 56) ، بتصرف يسير .

    والحاصل :
    أن ما لا يقدر عليه إلا الله ، وما هو من خصائص ربوبيته ، كالإحياء والإماتة ، والرزق ... كل هذا لا يسأل من غيره سبحانه ، ومن استغاث بغير الله في شيء من ذلك ، فقد أشرك .
    وأما ما يقدر عليه الخلق ، فلا حرج في سؤاله من يقدر على ذلك الشيء منهم ، والاستغاثة بهم فيه ؛ بشرطين : أن يكون المستغاث به : حيا ، حاضرا ، قادرا على ذلك الشيء .

    وللاستزادة ينظر جواب السؤال :(132642) .
    والله أعلم .

    https://islamqa.info/ar/181206



  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2017
    المشاركات
    67

    افتراضي

    لم أفهم الفرق بين الملائكة والجن في الحالة التي يجوز فيها العمل بهذا الحديث ( عند من صح عنده ) ..

    كلاهما ( أي الملائكة والجن ) غائب بالنسبة للمنادي ..

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2017
    المشاركات
    67

    افتراضي

    وجدت هذه الفتوى منقولة في أحد المنتديات, لكن عندما بحثت عن رقمها في موقع اللجنة الدائمة لم أجد شيئا, للتنبيه.
    ------------------
    بسم الله الرحمن الرحيم
    حكم الاستغاثة والاستعانة بالغائبين من الجن والإنس والملائكة
    فتوى رقم ( 25917) وتاريخ 18/12/1434 هـ

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
    فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفتاء الوارد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي / عبد الرحمن توتا كاتو محيي الدين، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (34010118)، وتاريخ 17/6/1434هـ، وقد سأل المستفتي سؤالا مضمونه: ظهر الخلاف بإصدار مقالة كتبت في إحدى المجلات، ومفادها (أن الجن والملائكة مخلوقون، وأعمالهم ليست خارجة عن الأسباب، ولذا إذا استغاث إنسان أو استعان بالجن أو الملائكة فيما يقدرون عليه فهو مثل ما يستغيث الإنسان بالإنسان الحي الحاضر فيما يقدر عليه؛ لأن الجن والملائكة والإنسان كلهم مخلوق لله فلا يكون شركا، وبين ذلك بأمثلة ثلاثة، كلها تدل على من الاستغاثة بالملائكة والجن فيما يقدرون عليه ليس بشرك).
    ج: وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت:
    بأن الاستغاثة والاستعانة بالغائبين من الجن والإنس والملائكة أمر محرم، وهو شرك بالله تعالى، وإنما يستغاث بالحي الحاضر القادر على إغاثة من استغاث به واستعان به، كما استغاث الإسرائيلي بموسى -عليه السلام- على عدوه من القبط فأغاثه، قال الله تعالى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ .
    لأن هذا من الأسباب المعروفة المقدرة للبشر عادة، وقد أمرنا باتخاذ الأسباب النافعة قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وإنما تكون الاستعانة فيما لا يقدر عليه إلا الله ، بالله وحده . قال الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فحصر العبادة والاستعانة به، وذلك فيما لا يقدر عليه إلا الله، وقياس الاستغاثة بالغائب على الاستغاثة بالحاضر القادر قياس مع الفارق، ثم إن العبادات توقيفية، الأصل فيها عدم القياس.
    وبالله التوفيق، وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •