الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد) - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 88
3اعجابات

الموضوع: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (37 )



    الطاعنون في السنة - قديما وحديثا - (1-2)



    عرضنا فيما سبق لتاريخ الهجوم على السنة والمراحل التي مر بها عصرًا بعد عصرٍ ، وألمحنا في ثنايا ذلك إلى بعض الفرق التي طعنت في السنة وهاجمتها، وهنا نتناول بشيء من التفصيل الطاعنين في السنة ـ قديما وحديثا ـ والمهاجمين إياها، لكن في البداية أود التنبيه إلى أن الطاعنين في السنة فرق شتى، وجماعات مختلفة، وأفراد عديدون، لكن إنكارهم للسنة، وطعنهم فيها على درجات :

    1ـ فمنهم المنكرون للسنة كلها : مثل بعض الفرق القديمة أو الرافضة ، ومثل غلام أحمد برويز، الذي أسس ( جمعية أهل القرآن ).

    2ـ ومنهم من ينكر السنة لكن يستثني منها السنة العملية المتواترة، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج ، وهذا مذهب كثير من المعتزلة، وكثير من منكري السنة حديثًا .

    3ـ ومنهم المقرون بالسنة، لكن لا يحتجون منها بأخبار الآحاد في العقيدة، مثل كثير من أهل الكلام.

    4ـ ومنهم من ليس له قاعدة، ولا ضابط ، وإنما ينكر هذا الحديث أو ذاك؛ لمخالفته لمعقوله، أو لهواه، أو لغرض في نفسه، أو لسبب آخر.(1)

    وقد يتساءل البعض: لماذا الحديث عن هذه الفرق ؟.

    ونقول : إن الحديث عن هؤلاء إنما يأتي من باب قول الشاعر :



    عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر يقع فيه



    وهذه الفرق فضلا عن موقفها من السنة المطهرة، ومن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، كان لها الأثر الكبير في تفريق الأمة الإسلامية إلى أحزاب وشيع، من هذا المنطق تأتي أهمية دراسة تلك الفرق لما يأتي :




    أولاً: لأن هذه الفرق وإن كانت قديمة فليست العبرة بأشخاص مؤسسي تلك الفرق، ولا بزمنهم؛ ولكن العبرة بوجود أفكار تلك الفرق في وقتنا الحاضر، فإننا إذا نظرنا إلى بعض تلك الفرق الماضية كالخوارج( القرآنيون )، نجد أن لها امتدادا يسري في الأمة سريان الوباء ، وكذلك المعتزلة لا زالت أفكارهم حية قوية، يتشدق بها بعض المغرضين من الذين استهوتهم الحضارة الغربية والشرقية ، فراحوا يمجدون العقل، ويحكمونه في نصوص الشرع، قرآنا وسنة ، فما وافق عقولهم قبلوه، وإلا ردوه ، أو تأولوه تأويلا يضر بعقيدة المسلم ، ويصفون من يعتمد على ما وراء ذلك بالتأخر والانزواء .



    إنهم يريدون الخروج عن المنهج الإسلامي ، ولكنهم لم يجرؤا صراحة على ذلك ، فوجدوا أن التستر وراء تلك الآراء التي قال بها من ينتسب إلى الإسلام خير وسيلة لتحقيق ذلك ، فذهبوا إلى تمجيد تلك الأفكار؛ لتحقيق أهدافهم البعيدة .



    من هنا تأتي أهمية دراسة تلك الفرق لبيان ما فيها من أفكار وآراء هدامة، مخالفة لحقيقة الإسلام ، وكيف يعمل على إحيائها وترويجها في العصر الحاضر من سار على دربهم، أو تأثر بهم ، ذلك أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم في وضوح تام ، فلكل قوم وارث ، وصدق الله إذ يقول : ( كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم )(2).



    وأيضا لكشف القناع عن تلك الحركات، والأفكار الهدامة، التي يقول بها في العصر الحاضر أولئك الخارجون عن الخط السوي، والصراط المستقيم ، وتعرية دورهم الخطير في الطعن والتشكيك في الإسلام ( قرآنا وسنة ) من ناحية ، وإشاعة الفرقة والاختلاف في صفوف الأمة من ناحية أخرى ، وذلك إنما يكون بتعريف الناس بفكرهم، وحقيقة أمرهم؛ ليحذروهم .











    (1) - انظر : قضايا منهجية ودعوية ص62

    (2) - سورة البقرة /118







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)


    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (38 )



    الطاعنون في السنة - قديما وحديثا - (2-2)



    انتهينا في الحلقة السابقة إلى ذكر الأمر الأول في أهمية دراسة الفرق التي طعنت في السنة، ونستكمل في هذه الحلقة بقية الأمور، فأقول:

    ثانياً:
    إن دراسة تلك الفرق يكشف لنا جذور البلاء الذي شتت قوى المسلمين، وفرقهم شيعا، وجعل بأسهم بينهم شديدًا، كما يكشف لنا جذور شبهات أعداء السنة في الوقت الحاضر.(1)

    ثالثاً:
    إن الفرق التي ظهرت قديما ما من فرقة منها إلا وقد قامت مبادئها علي بعض المنكرات ، وهي تدعي أنها المحقة وما عداها علي الضلال ، فألبسوا الحق بالباطل ، وأظهروا مروقهم وخروجهم عن منهج الكتاب والسنة في أثواب براقة؛ لترويج بدعهم، والدعوة لها .
    فتأتي دراسة تلك الفرق لبيان أضرارها علي العقيدة الإسلامية، ووحدة الأمة ، وردًا على من يزعمون أن الخوارج كانوا من الصحابة ، وأن المعتزلة ــ وهم كانوا من الصحابة والتابعين ــ رفضوا السنة في العقائد، كما رفضها الخلفاء الراشدون والخوارج ، بل يزعمون - زيادة على ما سبق- أنهم هم الذين نقلوا القرآن ، ونقلوا شعائر الدين قبل إقرار مذهب السلف في ديار المسلمين .(2)

    رابعاً:
    إن عدم دراسة الفرق، والرد عليها، وإبطال الأفكار المخالفة للحق ، فيه إفساح المجال للفرق المبتدعة أن تفعل ما تريد ، وأن تدعوا إلى ما تريد، من بدع وخرافات، دون أن تجد من يتصدى لها بالدراسة والنقد، كما هو الواقع ، فإن كثيرا من طلاب العلم ـــ فضلا عن عوام المسلمين ــ يجهلون أفكار فرق يموج بها العالم ، وهي تعمل ليلا ونهارا علي نشر باطلها ، ولعل هذه الغفلة من المسلمين عن التوجه لكشف هذه الفرق المارقة من تخطيط أولئك المارقين، الذين يحلوا لهم حجب الأنظار عنهم، وعن مخططاتهم الإجرامية ، ولا أدل على ذلك من تلك الأفكار، وبعض العبارات التي يرددها كثير من المسلمين في كثير من المجتمعات الإسلامية، دون أن يعرفوا أن مصدرها، إما من الخوارج، مثل قولهم لا حجة في شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن، أما السنة فلا حجة فيها، ومثل استحلال دماء المسلمين لأقل شبهة، وتكفير الشخص، بل المجتمعات الإسلامية بأدنى ذنب، أو من المعتزلة، مثل تمجيد العقل، وتحكيمه في نصوص الشرع قرآنا وسنة، فما وافقه قُبِلَ، وإلا فيرد، أو من الشيعة،مثل تكفير الصحابة أو بعضهم، واتهامهم بالكذب، والخوض في فتنة عثمان، وعليٍّ، ومعاوية ــ رضوان الله على الجميع-، أو من البهائية، مثل تقديس العدد تسعة عشر، إلي غير ذلك.

    ومن المعلوم أن ذلك إنما يعود إلي الجهل بأفكار وأهداف هذه الفرق التي أضلت كثيرًا من شباب هذه الأمة في كثير من المجتمعات الإسلامية، قديما وحديثا . من هنا تأتي أهمية دراسة الفرق، وكشف القناع عن أهوائها وبدعها ، ليكون ذلك الكشف نورًا يضئ لشباب الأمة طريقه وسط هذا الظلام الفكري المفتعل من قبل ذيول تلك الفرق، التي تعمل في الظلام؛ لنشر أفكارها ، وفرض مخططاتها المعادية للإسلام .(3)






    (1) - انظر : السنة في كتابات أعداء الإسلام ( 1 / 73 ) .
    (2) - انظر : كشف الشبهات عن الشيخ الغزالي ص 63 ، 77 ، 94 .
    (3) - انظر : فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام، وموقف الإسلام منها ( 1 / 22 ــ 26 ) .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (39 )



    الخوارج وموقفهم من السنة
    التعريف بالخوارج :
    الخوارج في اللغة: جمع خارج وخارجي، وقد أطلقت هذه الكلمة في كتب اللغة علي طائفة من أهل الآراء والأهواء؛ لخروجها على الدين، أو على الإمام علي - رضي الله عنه-.
    قال الأزهري : " والخوارج : قوم من أهل الأهواء، لهم مقالة على حدة"(1)، وقال الزبيدي عنهم : " وهم الحرورية ، والخارجية طائفة منهم ، وهم سبع طوائف ، سموا بهم لخروجهم على الناس، أو عن الدين، أو عن الحق، أو عن علي - رضي الله عنه- بعد صفين "(2).
    وفي الاصطلاح : قال الشهرستاني: " كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًا ، سواء كان الخروج في زمن الصحابة على الأئمة الراشدين ، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان "(3).
    وترجع بداية نشأة الخوارج كفرقة ذات اتجاه سياسي، وفكر خاص حين خرجوا على الإمام علي ــ رضي الله عنه ــ بعد أن رضي بالتحكيم في موقعة صفين ، والتحموا معه في معركة النهروان الشهيرة (4).
    والخوارج وإن تفرقوا إلى فرق عديدة فإنه يجمعهم:
    1ــ القول بالتبري من عثمان، وعلي ــ رضي الله عنهما ــ، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك .
    2 ــ ويكفرون أصحاب الكبائر.
    3 ــ ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقاً واجبًا .
    إلا أن لعبد القاهر البغدادي رأيًا آخر فيما يجمع الخوارج ، فهو يقول : (وإنما الصواب فيما يجمع الخوارج كلها ما حكاه شيخنا أبو الحسن الأشعري - رحمه الله-: من تكفيرهم علياً، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن صوبهما، أو صوب أحدهما، أو رضي بالتحكيم )(5).
    ذلك أن أبا الحسن الأشعري يقول في مقالات الإسلاميين : ( أجمعت الخوارج على تكفير علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ أن حكم ، وهم مختلفون : هل كفره شرك أم لا ؟ وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات فإنها لا تقول ذلك ، وأجمعوا على أن الله – سبحانه- يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائما إلا النجدات ).


    (1) - تهذيب اللغة ( 7 / 50 )
    (2) - تاج العروس ( 2 / 30 )
    (3) - الملل والنحل ( 1 / 114 ).
    (4) - انظر: الفصل في الملل والنحل ( 4 / 157 )، والملل والنحل ( 1 / 21 )، والبداية والنهاية ( 7 / 189 )، وفرق معاصرة ( 1 / 70 ، 71 ) .
    (5) - الفرق بين الفرق ص 74 .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (40)




    موقف الخوارج من الحديث



    مما لاشك فيه أن موقف الخوارج من الحديث ينبني على موقفهم من رواته وحملته من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. وتجمع كتب التاريخ والفرق على أن الخوارج - على اختلاف فرقهم- يعدلون الصحابة جميعا قبل الفتنة، ثم يكفرون عليا، وعثمان، وأصحاب الجمل، وجمهور الصحابة الموجودين بعد التحكيم، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، كفروهم بدعوى أنهم خالفوا أمر الله(1).

    ونتيجة لهذا المروق، ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة، وامتنعوا عن قبول رواياتهم، كما امتنعوا عن قبول مرويات ( فقهاء الأمة الذين ضبطوا آثار الصحابة، وقاسوا فروعهم على فتاوى الصحابة ) إذ كفروهم بدورهم(2)،

    وبذلك وقعوا في ضلالات يندى لها الجبين، وتتنافى حتى مع الذوق السليم؛ لعزوفهم عن السنن والآثار .

    يقول الدكتور/ السباعي: " وإنه لبلاء عظيم أن نسقط عدالة جمهور الصحابة الذين اشتركوا في النزاع مع علي أو معاوية ، أو نسقط أحاديثهم، ونحكم بكفرهم أو فسقهم ، وهم في هذا الرأي لا يقلون عن الشيعة خطرًا، وفساد رأي، وسوء نتيجة، وإذا كان مدار الاعتماد على الرواية هو صدق الصحابي وأمانته فيما نقل ــ وقد كان ذلك موفورًا عندهم ــ وكان الكذب أبعد شيء عن طبيعتهم، ودينهم، وتربيتهم ، فما دخل ذلك بآرائهم السياسية وأخطائهم ؟ ووصفهم بأوصاف لا تليق بعامة الناس، فكيف بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الذين كان لهم في خدمة الإسلام قدم صدق، لولاها لكنا نتيه في الظلمات، ولا نعرف كيف نهتدي سبيلا "(3).










    (1) - انظر: الفرق بين الفرق ص 74، والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 149، وموقف الخوارج هذا معاكس لموقف أهل السنة الذين عدلوا كل الصحابة من شارك في الفتنة ومن لم يشارك.

    (2) - انظر: الفرق بين الفرق ص 322.

    (3) - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 133 بتصرف.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (41)



    مواطن انحراف الخوارج عن السنة (1-7)

    إن أبرز سمات الخوارج التشدد والغلو والتطرف في جميع أحكامهم ، ولهذا خرجوا عن الإسلام الدين الوسط ، الذي يتميز بالاعتدال الذي هو الفضيلة ، ووسموا فرقتهم بالجمود والتحجر الذي يتوقف عند ظواهر النصوص القرآنية دون مراعاة لما يمكن أن ينسخ تلك النصوص القرآنية، أو يخصص عمومها، أو يقيد مطلقها ، أو يزيد عليها بعض الأحكام مما تكفلت السنة المطهرة بتشريعه وبيانه .

    وقد سبق أن بينا موقفهم من مرويات جل الصحابة المتمثل في رد رواية الذين كفروهم منهم .
    وقد نشأ عن موقفهم هذا جحد أغلب النصوص الحديثية، بل فإنهم ( لم يلتفتوا إلى إجماع الأمة ولم يقدروه ، عند فهمهم لنصوص القرآن، مع أن الإجماع في الحقيقة يستند إلى أصل من الكتاب والسنة ، وليس أمرًا مبتدعا في الدين، أو خارجا على قواعده وأصوله )(1).
    كما كان لحدة مزاجهم، وتطرفهم، وميلهم الفاحش إلى تكفير من يخالفهم في جليل الأمور وحقيرها ، الدور الفعال في انقساماتهم على أنفسهم وتفرقهم إلى طرائق قددا. وكان لكل هذه المعاني مجتمعة الأثر الكبير فيما أحدثوه من الضلالات والبدع التي يربو العقلاء بأنفسهم عن اقترافها، فضلا عن المؤمنين الذين يستبرئون لدينهم .
    وهذه جملة من ضلالاتهم المخالفة صراحة ما ثبت من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.
    1ـ إن من أشهر ضلالاتهم وأوضحها، لا سيما التي اقترفتها المحكمة الأولى والأزارقة ( تكفيرعلي وعثمان وأصحاب الجمل ، ومعاوية وأصحابه والحكمين ومن رضي بالتحكيم )(2).
    ـ أما علي فخطؤه في التحكيم إذ حكم الرجال، ولا حكم إلا لله . . .(3)، كما خطؤوه في محو اسمه من إمرة المسلمين . . . وانتهوا إلى تكفيره .
    ـ أما عثمان فطعنوا فيه للأحداث التي عدوها عليه من محاباة بني قبيلته على حساب مصالح الأمة، إلى غير ذلك من التجاوزات التي ألمحنا إليها منذ حين.
    أما أصحاب الجمل، وأصحاب صفين، ومعاوية ، فطعنوا فيهم لانغماسهم في الفتنة؛ ولأنهم أطراف في النزاع .
    وقد طفق الأزارقة يتأولون الآيات، ويتعسفون في تفسيرها قصد تطويع معانيها لخدمة أغراضهم وأهوائهم، فتأولوا قوله تعالى : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ) ] البقرة : 204[
    وقالوا إنما نزلت هذه الآية في علي.
    كما صوبوا عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي ، حتى إن عمران بن حطان ، وهو مفتي الخوارج وزاهدهم وشاعرهم الأكبر ، أشاد به في أبيات مشهورة منها :

    يا ضربة من منيب ما أراد بها ** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا (4)

    وإن هذا الموقف من صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم- ليخالف السنة مخالفة صريحة ، ذلك أن عددا من الذين كفروهم قد شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالجنة ، كعلي، وطلحة بن عبيد الله، والزبير، وعثمان(5) ، كما كانوا ضمن بيعة الرضوان الذين قال الله تعالى فيهم : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة )(6)، وإن كتب السنة الخلية عن الهوى لتمتلئ بمناقب أولئك الأصحاب وفضائلهم الباقية على الزمن(7).
    أما محو علي لاسمه من إمرة المسلمين فليس إلا اقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية ، حيث محا لفظ ( رسول الله ) بعد أن اعترض عليه المشركون المتصالحون معه على ذلك(8)، والخوارج لما خالفوا السنة ابتعدوا عن هديها ولم يعتبروا بأحداثها(9).


    (1) - التفسير والمفسرون 2/313
    (2) - الفرق بين الفرق 81 .[2]

    (3) - ولما سمعها علي- رضي الله عنه- قال : (( كلمة حق أريد بها باطل )) أو (( كلمة عدل أريد بها جور، إنما يقولون لا إمارة، ولا بد من إمارة بر أو فاجر )) 1/116 ـ117 (ملل الشهرستاني )

    (4) - الملل ـ الشهرستاني 1/120 . البداية والنهاية 7\ 359 وقد عارضه بكر بن حماد الزناتي التاهرتي ( 200هـ 296هـ ) هاجيا له : فقال في قصيد طويل :
    بل ضربة من غوي أورثته لظى مخلدا قد أتى الرحمن غضبانا
    (5) - انظر الحديث رقم ( 3574 ، 3575 ) من سنن الترمذي .
    (6) - سورة الفتح / 18 .
    (7) - انظر : صحيح البخاري ، كتاب فضائل الصحابة ، ومسلم ، كتاب الفضائل . وسنن الترمذي ،أبواب المناقب .
    (8) - انظر : جامع بيان العلم وفضله 2 / 127 ، وصحيح البخاري ، كتاب الصلح ، باب كيف يكتب هذا ما صالح ...، وكتاب المغازي ، باب عمرة القضاء .
    (9) - انظر : أصول علم الحديث بين النهج والمصطلح ص 162 ــ 164 .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (42)



    مواطن انحراف الخوارج عن السنة (2-7)




    2ـ تكفيرهم أصحاب الكبائر ، وقد اجتمع على هذا المحكمة الأزارقة ( نسبة إلى نافع بن الأزرق ) وقالوا ( من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر كفر ملة ، خرج به عن الإسلام جملة ويكون مخلدا في النار مع سائر الكفار ) أما الصفرية الزيادية ( أتباع زياد بن الأصفر ) فيكفرون من أتى من الكبائر ما ( ليس فيها حد لعظم قدره مثل ترك الصلاة والفرار من الزحف ) أما ( ما كان من الأعمال عليه حد واقع فلا يتعدى بأهله الاسم الذي لزمه به الحد كالزنا والسرقة والقذف فسمي زانيا ، سارقا ، قاذفا لا كافرا مشركا ) (1) في حين تعتبر بعض فرقهم أصحاب الحدود كفارا مشركين وتعد كل ذنب صغير أو كبير شركا (2) .


    ويلتقي العجاردة ( نسبة إلى عبد الكريم بن عجرد ) مع الأزارقة في تكفير أصحاب الكبائر ، ويستدل الأزارقة ( نسبة إلى نافع بن الأزرق ) على صحة مذهبهم هذا ( بكفر إبليس ، فقالوا : ما ارتكب إلا كبيرة ، حيث أمر بالسجود لآدم عليه السلام فامتنع وإلا فهو عارف بوحدانية الله تعالى )(3) .



    وهذا الاستشهاد كما هو واضح من الأقيسة الفاسدة ، ذلك أن موقفهم هذا يتنافى مع صريح النص كما سنبينه بعد حين .

    ـ وإطلاق التكفير بهذا الشكل يتنافى مع النص الصريح لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ــ وحوله عصابة من أصحابه ـ : ( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا في معروف ، فمن وفي منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا ، ثم ستره الله ، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه ، فبايعناه على ذلك ) (4) .

    فالحديث يرد على الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ويخلدونه في النار ، إذ لو أقيم عليه الحد فذلك الحد كفارة له ، ولو ستر فأمره إلى الله ، ولم يقل الرسول إنه كافر .




    3ـ ومن انحرافاتهم إباحتهم قتل الأطفال مخالفيهم والنسوان معهم ، مع الإفساد في الأرض ، بالإبادة الجماعية وحرق الأشجار والزورع .

    فالحرورية : حين مروا بعبد الله بن خباب قتلوه ، وبقروا بطن جاريته ، ثم عدوا على قوم من بني قطيعة فقتلوا الرجال ، وأخذوا الأموال ، وغلوا الأطفال في المراجل (5)، وتأولوا قول الله تعالى : " إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " نوح : 27 .

    كما أن الأزارقة ( استباحوا قتل النساء مخالفيهم وقتل أطفالهم ، وزعموا أن الأطفال مشركون ، وقطعوا بأن أطفال مخالفيهم في النار ) (6) .

    وكذلك العجاردة روعوا الناس وسفكوا الدماء البريئة ، فهذا حمزة بن أدرك زعيم الفرقة التي تنتسب إليه ( الحمزية ) والذي ظهر سنة 179هــ في عهد الرشيد ، تذكر أعماله بفظاعات هولاكو ( 614 ـ 664 هــ ) وجده جنكيز خان ( 550 ـ 625 هــ ) اللذين روعا الدنيا وأغرقاها في الدماء ؛ فكان ( إذا قاتل قوما وهزمهم أمر بإحراق أموالهم وعقر دوابهم )(7) وقد قصد هراه (مدينة في أفغانستان ) فمنعه أهلها من دخولها ، فاستعرض الناس خارج المدينة ، وقتل منهم الكثير (8).

    وفي هذه الضلالات مخالفه لروح القرآن ونهيه عن الفساد ، وتتجافى مع تعاليم السنة المطهرة حيت جاء في صحيح مسلم في باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام(9)"










    (1) - ملل الشهرستاني 1/ 137 .

    (2) - ذهب إلى هذا اليزيدية أصحاب يزيد بن أنيسة من الإباضية أما الحفصية وهم أصحاب حفص بن أبي المقدام ففرقوا بين الشرك والإيمان فمن عرف الله ( ثم كفر بما سواه من رسول أو كتاب أو قيامة أو جنة أو نار أو ارتكب الكبائر من الزنا ، والسرقة وشرب الخمر فهو كافر لكنه برئ من الشرك ) ملل الشهرستاني 1/ 146 .


    (3) - ملل الشهرستاني 1/ 122 .

    (4) - صحيح البخاري متن فتح الباري 1/ 70 ـ 75 ( كتاب الإيمان ـ باب بيعة العقبة بعد الفتح ) .

    (5) - جامع بيان العلم وفضله 2/ 129 .

    (6) - الفرق بين الفرق 83 ـ الملل الشهرستاني 1/ 121 ـ 122 .

    (7) - الفرق بين الفرق 98.

    (8) - المصدر السابق 99.
    (9) - البخاري 1/ 168 ـ مسلم 3/ 1306 ـ الترمذي 3/ 461 ـ ابن ماجه 2 / 1015 ـ الدرامي 1 /393 .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (43)



    مواطن انحراف الخوارج عن السنة (3-7)



    4- ومن الأمثلة على مخالفتهم لما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ما جاء عن الأزارقة من أنهم أسقطوا الرجم عن الزاني (1) بدعوى أن القرآن لم يشر إلى الرجم . قالوا : ( رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ، ورجمت الأمة من بعده ، والله تعالى يقول في الإماء : (( فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب )) ] النساء : 25 [ والرجم إتلاف للنفس ، لا يتبعض ، فكيف يكون على الإماء نصفه ؟
    وذهبوا إلى (أن المحصنات هن ذوات الأزواج وقالوا : وفي هذا دليل علي أن
    المحصنة حدها الجلد ) (2) .
    كما أسقطوا حد القذف عمن قذف المحصنين من الرجال مع وجوب الحد علي قاذف المحصنات من النساء (3) .
    وإسقاط الأزارقة للرجم يتنافى مع سنة الرسول ، فقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجم أبو بكر ورجمت ، ولولا أني أكره أن أزيد في كتاب الله ، لكتبته في المصحف فإني قد خشيت أن أقوام فلا يجدونه في كتاب الله فيكفرون به ) ، ويقوم الإمام أبو عيسى الترمذي عن هذا الحديث : حديث عمر ، حسن صحيح (4).
    كما أن قصة ماعز (5) والغامدية (6) ، وقصة العسيف (7) وغيرها ، تثبت أن الرسول رجم الزناة المحصنين .
    أما إسقاطهم حد القذف فيعود إلى سوء فهمهم لظاهر النص فقد قال تعالى : (( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون )) ]النور: 4 [ .
    فرأوا أن حد القذف مقصور على من يقذف المحصنات دون المحصنين . والفهم الصحيح للآية الشريفة يقتضي إدخال المحصنين ضمن الحكم قياسا (8).وهكذا نرى أنهم يحجمون عن استخدام القياس المحمود كما هو الحال بالنسبة لآية القذف ، في حين يتمسكون بالقياس المذموم والتأويل المتعسف كما رأينا عند الأزارقة في قياسهم تكفير صاحب الذنب على إثم إبليس الذي اقترف ذنبا واحدا ، فكفر وخلد في النار .



    (1) مقالات الإسلاميين 1/ 173 .
    (2)التفسير و المفسرون 2/ 313
    (3) مقالات الإسلاميين 1/ 174
    (4) سنن الترمذي 4 / 38 .

    (5) قصة ماعز بن مالك الأسلمي ، انظرها في البخاري ـ الحدود ـ باب لا يرجم المجنون ـ حديث رقم 6815 ـ متن فتح الباري 12 / 120 ـ 121 .

    (6) مسلم ـ الحدود ـ باب من اعترف على نفسه بالزنى 3 / 1321 ـ حديث رقم 1695 ، 1696 .
    (7) البخاري ـ الحدود ـ باب الاعتراف بالزنى ـ عدد الحديث 6827 متن فتح الباري 12 / 136.
    (8) جامع بيان العلم وفضله 2 / 82



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (44)



    مواطن انحراف الخوارج عن السنة (4-7)



    5ـ كما أنكروا أيضا قول الرسول في الوصية بدعوى أن القرآن يدفعها : ( قالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا وصية لوارث ) (1)، والله تعالى يقول : " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ، الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين " ] البقرة : 180 [ والوالدان وارثان على كل حال ، لا يحجبهما أحد عن الميراث ، وهذه الرواية خلاف كتاب الله عز وجل (2)وهم يسقطون وظيفة السنة المطهرة التي تبين وتخصص ، وتقيد ، ما ورد في الكتاب من آيات عامة المعنى أو مطلقته أو هي في حاجة إلى بيان وشرح من أعلم الناس بالكتاب وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمعلوم أن السنة قضت بأن لا وصية لوارث ، وهو معنى خرجه الستة بالإضافة إلى مالك في الموطإ وأحمد في مسنده .


    6ـ وخالفوا السنة في الأمر بقطع يد السارق متى توفرت شروط إقامة الحد ، ذلك أن الأزارقة ذهبوا إلى قطع ( يد السارق في القليل والكثير ، ولم يعتبروا في السرقة نصابا ) (3) معولين في ذلك على فهمهم لظاهر الآية الكريمة التي تقول : " والسارق والسارقة ، فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ، والله عزيز حكيم " ]المائدة : 38 [ والحال أن السنة قد خصصت الآية المذكورة وقالت : إنه لا يجوز القطع إلا إذا بلغت السرقة نصابا حده الأدنى ربع دينار أو ثلاثة دراهم (4) ، وأن يكون المسروق حرزا ، فقد صح عن عائشة قولها : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا ) ، كما صح عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ( وهو الترس ، أو ما يستتر به ) ثمنه ثلاثة دراهم (5) .




    (1) البخاري ـ الوصايا ـ باب لا وصية لوارث ـ فتح الباري 5 / 372 ـ أبو داود ـ وصايا ـ باب ما جاء في الوصية للوارث 3 / 114 عدد الحديث 2872 ـ الدارمي 2 / 301 .
    (2) التفسير والمفسرون 2 / 313 .
    (3) الفرق بين الفرق 84 .
    (4) يروى لأبي العلاء قوله :
    يد بخمس مئين عجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
    فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي :
    صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم حكمة الباري
    (فتح الباري 15 / 104 ) .
    (5) الموطإ 519 .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)


    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (45)



    مواطن انحراف الخوارج عن السنة (5-7)



    7ـ وخالفوا السنة وإجماع الأمة في مسألة منع الجمع بين إمرة وخالتها أو عمتها كما يثبت ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" كما لم يلتزموا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي تقول بالتحريم بالرضاع ما يحرم بالنسب، وكان معولهم في هذه المخالفة ظاهر النص القرآني الذي يقول فيه الله تعالى : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُم ُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } [النساء23] فقالوا : ( لم يذكر الكتاب الكريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها ولم يحرم من الرضاع إلا الأم المرضعة والأخت بالرضاع ، ثم قال : " {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ }النساء24" ، فدخلت المرأة على عمتها وخالتها وكل رضاع سوى الأم والأخت فيما أحله الله ) (1).

    بل ذهب العجاردة والميمونية إلى جواز ( نكاح بنات البنات وبنات البنين وبنات أولاد الأخوة والأخوات ، وقالوا : إن الله تعالى : حرم نكاح البنات وبنات الأخوة والأخوات ، ولم يحرم نكاح أولاد هؤلاء )(2).

    وهم بهذا المسلك وهذا التفسير المتعسف للقرآن مع الإعراض عن السنة المبينة له يكونون قد خالفوا إجماع الأمة حول منع الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها ، وما يلحق بهما من بنات البنات وبنات البنين وغيرهن مما هو مفضل في كتب الفقه والحديث ، لما في ذلك من قطع للأرحام (3).

    يقول القرطبي : ( اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ، ولا يعتد بخلافهم ، لأنهم مرقوا من الدين ) . ويعلق ابن حجر العسقلاني على هذا المعنى بقوله : ( وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بين فإن عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة ، وإنما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها ) (4) .








    (1) التفسير والمفسرون 2 / 314 وحديث تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها رواه البخاري ـ النكاح ـ باب لا تنكح المرأة على عمتها عدد الحديث 5108 ؛ 5110 ـ متن فتح الباري 9 / 160 ـ ورواه مسلم ـ النكاح ـ باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح: 2 / 1028 ـ وجاء في البخاري قول عائشة موقوفا : حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب ـ النكاح متن فتح الباري 9 / 160 .


    (2) الفرق بين الفرق 96 ـ والملل والنحل 1 / 129 .

    (3) انظر ما يلحق بالعمة والخالة في فتح الباري 11 / 5 ـ 58 وقد جاء عن الرسول في تعليل النهي عن تزوج المرأة على العمة والخالة قوله : ( إنكم إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن ) .

    (4)فتح الباري 11 / 65 .


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (46)



    مواطن انحراف الخوارج عن السنة (6-7)



    8ـ ومن مخالفتهم للسنة أيضا ما ذهبت إليه الرشيدية ، وهم أصحاب رشيد الطوسي إحدى فرق الثعالبة من القول بأداء نصف العشر فيما سقي بالعيون والأنهار الجارية وأنه يجب إخراج العشر كاملا فيما سقته السماء فحسب(1). وهو قول معارض صراحة للسنة ذلك أنه ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله : " فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر ، وفيما يسقى بالنضج نصف العشر " (2).



    9 ـ ومن غريب ضلالاتهم أن اليزيدية ( أصحاب يزيد بن أنيسة ) زعمت : ( أن الله تعالى سيبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا ، قد كتب في السماء وينزل عليه جملة واحدة ، ويترك شريعة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ويكون على ملة الصابئة المذكورة في القرآن ، وليست هي الصابئة الموجودة بحران وواسط ) (3) ، وهذا الموقف يوضح عدم مبالاتهم بما ثبت في السنة المطهرة من أن النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء . يقول الرسول عليه السلام : " سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأما خاتم النبيين لا نبي بعدي (4) ويقول أيضا : " كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي " (5).









    (1) الفرق بين الفرق 102 ملل الشهرستاني 132 .

    (2) الموطإ 182 . البخاري 4 / 90 مسلم 2 / 675 الترمذي 3 / 22 أبو داود 1 / 470 النسائي 1 /5 ابن ماجه 1 / 580 ـ 581 الدارمي1 / 231 .

    (3) الفرق بين الفرق 104 ـ 105 ـ ملل الشهر ستاني 1 / 136 .

    (4) أبو داود 2 / 414 ـ الفتن ـ باب ذكر الفتن .

    (5) البخاري متن فتح الباري 7 / 407 ونحوه في مسلم 1 / 185 ـ 186 الترمذي 4 / 624 .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (47)



    مواطن انحراف الخوارج عن السنة (7-7)



    ومن ضلالاتهم : ( أن الحرورية يوجبون على الحائض إذا طهرت قضاء الصلاة ) وهو قول معارض صراحة لحديث عائشة رضي الله عنها : ( أن معاذة بنت عبد الله البدوية سألتها : أتقضي إحدانا الصلاة أيام حيضها ؟ فقالت عائشة : أحرورية أنت ؟ فقد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لا تؤمر بقضاء الصلاة )(1).
    وضلالات فرق الخوارج أكثر من أن تحصى ، وهي فرق ولئن جمع بينها المروق والعقوق لكتاب الله وسنة الرسول ، فإنها فيما بينها متنافرة متناقضة فقد تؤمن الفرقة منهم بخلاف ما تؤمن به الأخرى فأصحاب السؤال من البيهسية (2) ( أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر ) والمعلومية (3) والحمزية (4) ( أتباع حمزة بن أكرك ) من العجاردة والحارثية ( أتباع حارث بن يزيد الأباضي ) أجمعوا على القول بنفي القدر ، وقالوا : إن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى . وهو عين قول المعتزلة في القدر ، في حين ذهب الثعالبة على القول بالجبر على مذهب الجهمية القائلين بنفي القدرة الحادثة (5).
    ومما يلفت النظر هنا هو قول البيهسية ـ التي تتفق مع المعتزلة في مسألة القدر ـ : إن الإيمان هو العلم بالقلب دون القول والعمل (6)، والحال أن العمل عند المعتزلة يعد شرط صحة الإيمان ، فالبيهسية في هذا المضمار تلتقي مع بعض فرق المرجئة . والمعلوم أن أهل السنة يرون أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، حتى أن الإمام البخاري عقد بابا في كتاب الإيمان بجامعه الصحيح ترجم له بقوله : ( باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ) (7) أورد فيه عددا من الأحاديث الصحيحة التي تؤيد معنى الترجمة .






    (1)ـ البخاري ـ الحيض ـ باب لا تقضي الحائض الصلاة ـ عدد الحديث 321 ـ متن فتح الباري 1 / 421ـ أبو داود ـ الطهارة ـ باب في الحائض لا تقضي الصلاة ـ عدد الحديث 262 ـ ( 1 / 68 ) .
    (2) الملل الشهر ستاني 1 / 167 .
    (3) الفرق بين الفرق 97 .
    (4) المصدر السابق 105 .
    (5)الملل الشهر ستاني 1 / 133 .
    (6)المصدر السابق 1 / 126 .
    (7)صحيح البخاري ـ متن فتح الباري 1 / 79 .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (48)


    الشيعة وموقفهم من السنة (1-4)

    التعريف بالشيعة :

    الشيعة لغة :

    هم الأتباع والأنصار ، قال الفيروز آبادي : " شيعة الرجل أتباعه وأنصاره،ويقع على الواحد والاثنين والجمع،والمذكر والمؤنث ، وجمعه أشياع وشيع كعنب "(1).

    وقال الزبيدي:"الشيعة كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة،وكل من عاون إنسانا وتحزب له فهو شيعة له،وأصله من المشايعة،وهي المطاوعة والمتابعة(2).

    الشيعة اصطلاحا :

    اختلفت وجهات نظر العلماء في التعريف بحقيقة الشيعة ، وأرجح تلك الأقوال هي : أنهم الذين يزعمون أنهم أتباع الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنصاره ، ويعتقدون أنه أفضل الخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم أجمعين- وأنه وأهل بيته أحق بالخلافة ، وإن خرجت منهم فبظلم يكون من غيرهم(3)

    الشيعة فرقة منحرفة ومأوى كل مارق :

    الشيعة كفرقة ذات أفكار وآراء غلب عليهم هذا الاسم ، ويشيع فيهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أئمتهم ، وذلك باعتراف علمائهم ، وهذا من أشد الخطر على الإسلام والمسلمين ، وذلك بسبب :

    1 - استعمالهم التقية المرادفة للكذب .

    2 - تظاهرهم بنصرة آل البيت ، حيث انخدع بهم كثير من العوام ، بل وخواص المسلمين .

    3 - بغضهم وتكفيرهم ولعنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفر يسير ، وبغضهم وتكفريهم لأهل السنة بسبب تعاليم خاطئة ، وضعها بعض كبرائهم قديما وسار عليها بعض كبرائهم حديثا.

    وقد قام التشيع في ظاهر الأمر على أساس الاعتقاد بأن عليا رضي الله عنه وذريته هم أحق الناس بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم،وأن عليا أحق بها من سائر الصحابة بوصية النبي صلى الله عليه وسلم كما زعموا في رواياتهم التي اخترعوها وملئوا بها كتبهم قديما وحديثا(4).

    والحق أن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد ، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزردشتية وهندية ، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته ، كل هؤلاء كانوا يتخذون حب آل البيت ستارا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم.

    فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة ، وقال الرافضة السبئية : إن النار محرمة على الشيعي إلا قليلا ، كما قال اليهود ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) (5).

    والنصرانية ظهرت في فرق الحلولية ، وهي فرق أكثرها يرجع إلى غلاة الروافض ، فقال بعضهم : إن نسبة الإمام إلى الله كنسبة المسيح إليه ، وقالوا : إن اللاهوت اتحد بالناسوت في الإمام ، وإن النبوة والرسالة لا تنقطع أبدا فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي(6).

    وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول ونحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة ، والفلاسفة ، والمجوس من قبل الإسلام ، وقال بها الرواندية من الروافض الحلولية(7).

    وتستر بعض الفرس بالتشيع ، وحاربوا الدولة الأموية والعباسية ، وقاموا بثورات عديدة ، سجلها علماء الفرق والتاريخ ، وما في نفوسهم إلا الكره للعرب ودولتهم والسعي لاستقلالهم وهيمنتهم(8)، وتاريخ الشيعة في القديم والحديث شاهد صدق على أن الحركات المارقة والهدامة إنما خرجت من تحت عباءتهم بعد أن رضعت لبنهم وهدهدت بين ذراعيهم(9) .









    (1) - القاموس المحيط ( 3 / 46 ).

    (2) - تاج العروس ( 5 / 405 ) .

    (3) - انظر : الملل والنحل ( 1 / 146 )، وفرق معاصرة ( 1 / 132 ، 133 ) ، والشيعة الإثناعشرية ومنهجهم في التفسير للدكتور محمد العسال ص 19 -23 .

    (4) - فرق معاصرة تنسب إلى الإسلام للدكتور غالب عواجي ( 1 / 128 ) بتصرف .

    (5) - انظر : الفرق بين الفرق ص 215 ، والملل والنحل ( 1 / 186 ) ، ومنهاج السنة ( 1 / 7 ).ومختصر التحفة الإثناعشرية للألوسي ص 317 ، 318 .

    (6) - الفرق بين الفرق ص 228 ــ 230 ، والملل والنحل ( 1 / 186 ) .

    (7) - الفرق بين الفرق ص 242 ، والملل والنحل ( 1 / 186 ) .

    (8) - فجر الإسلام للدكتور أحمد أمين ص 276 ، 277 بتصرف .


    (9) - الدفاع عن السنة للدكتور طه الدسوقي حبيشي ( 1 / 31 ).





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (49)


    الشيعة وموقفهم من السنة (2-4)


    انحراف الشيعة وأثره على السنة المطهرة :

    لقد كان لانحراف الشيعة عن الأمة أثرا سيئا على السنة النبوية وحملتها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كفروا الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ إلا القليل منهم ، ولعنوا الأمة ، وأكثروا من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتفصيل ذلك نسوقه في النقاط التالية :

    أولا : موقف الشيعة من الصحابة .

    يقول الدكتور محمد العسال : " يعتقد الشيعة أن الصحابة كلهم كانوا كفرة منافقين مخادعين لله ورسوله -ونعوذ بالله من ذلك- لا يستثنون إلا خمسة أو سبعة أو بضعة عشر ، على خلاف بينهم في هذا ، والمجمع على استثنائهم هم : سلمان الفارسي ، وعمار بن ياسر ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد ، وجابر بن عبد الله الأنصاري- رضي الله عنهم- .

    ويرى بعض الشيعة أن الصحابة : إنما كفروا وارتدوا عن الإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لا في حياته ، وإنما قال ذلك أصحاب هذا الرأي لما وجدوا صريح القرآن يمدحهم ويثني عليهم ، فظنوا أن القول بكفرهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفادون به التعارض مع القرآن بخلاف القول بكفرهم والقرآن ينزل والوحي متواصل ، هكذا يزعمون .

    كما زعموا أن كفر الصحابة إنما هو بسبب إنكارهم النص على ولاية على - رضي الله عنه- التي هي أساس الدين عند الشيعة ، وقد تواطأ الصحابة على جحده وإنكاره إلا الخمسة الذين مر ذكرهم ، أما كبار الصحابة مثل أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وبقية العشرة ، وعائشة ، وحفصة وغيرهم – رضي الله عنهم- ، فإنهم كانوا متظاهرين بالإسلام في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إبطانهم الكفر ، خاصة فيما يتعلق بولاية علي -رضي الله عنه- حقدا عليه ، حيث كانوا يطمعون في هذه الولاية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    بل هؤلاء الصفوة من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم في عقيدة الشيعة رؤساء الكفر والنفاق ، فهم أصله ومعدنه وفرعه وثمرته ، ونعوذ بالله من ذلك

    وهذه عقيدة لا ينفك عنها الشيعة من الإثنا عشرية ، وإن تظاهر بعضهم بإنكار ذلك فإنما يقولها ( تقية ) لأنها عقيدة لا تقبل المساومة عندهم ، إذ لو صحح الشيعي إمامة أبي بكر وعمر وعثمان – رضي الله عنهم - لوجب عليه أن يعترف ببطلان الولاية والإمامة لعلي وبنيه ، وهذا كفر بإجماع الإثنا عشرية .

    وللشيعة في تكفيرهم للصحابة شبهات سيأتي ذكرها بعد والرد عليها . هذا وقد امتلأت كتب الشيعة -تفسيرا وحديثا- على كثرتها وبطلانها بهذه العقيدة الفاسدة ، وسودوا هذه الكتب بما تضيق منه الصدور من عقيدتهم هذه "(1).

    فمثلا في أصح الكتب عندهم بعد كتاب الله تعالى ، وهو الكافي الذي يعد عندهم كالبخاري عند أهل السنة ، أخرج الكليني بسنده عن أبي جعفر عليه السلام قال : كان الناس أهل ردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة ، فقلت ومن الثلاثة ، فقال : المقداد بن الأسود ، وأبو ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، رحمة الله وبركاته عليهم(2).

    وأخرج أيضا عن أبي بصير عن أحدهما عليه السلام قال : إن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة ن وإن أهل المدينة اخبث من أهل مكة ، أخبث منهم سبعين ضعفا(3) إلى غير ذلك الكثير والكثير من إفكهم الذي امتلأت به كتبهم تفسيرا وحديثا ، والتي كانت منفذا للمستشرقين وأتباعهم نفذوا منها إلى الطعن في صحابة رسول الله حملة السنة .







    (1) _ الشيعة الإثنى عشرية ومنهجهم في التفسير ص 461 . بتصرف ، وانظر : أصل الشيعة وأصولها لمحمد الحسين الكاشف ص 68 ــ 74 .

    (2) _ الكافي ، كتاب الروضة ( 8 / 168 ، 314 ) .

    (3) _ الكافي ، كتاب الإيمان والكفر ، باب صنوف أهل الكفر وذكر القدرية والخوارج ( 2 / 400 رقم 4 ).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (50)


    الشيعة وموقفهم من السنة (3-4)




    أثر موقف الشيعة من الصحابة علي السنة النبوية.
    كان من آثار تكفير الشيعة للصحابة أن هوجمت السنة التي جمعها الجمهور وحققها أئمتهم ونقادهم، منذ عصر الصحابة حتى عصر الجمع والتدوين، من قبل الشيعة التي وصمت أحاديث الجمهور من أهل السنة بالكذب والوضع، وخاصة ما كان منها في فضائل الصحابة الذين يكفرهم الشيعة ويلعنونهم .
    ولم يقبلوا من أحاديث أهل السنة إلا ما وافق أحاديثهم التي يروونها عن أئمتهم المعصومين في نظرهم، والتي إن لم يزيدوا فيها كذباً تأولوها بما يشهد لعقائدهم وأحكامهم الباطلة، أما ما عدا ذلك من السنة فلا يعتبرون به إلا إذا جاء من طريق آل البيت والتي لا يمكن إثبات صحتها لعدم اهتمامهم بصحة السند .
    فالعدالة عندهم لا عبرة بها ما دام الراوي إمامياً يوالي الأئمة ولو لم يكن متهماً، بل ولو كان مطعوناً في دينه . وإذا تتبعت تراجم أعلام الشيعة الرافضة في زمن أئمتهم رأيتهم بين كذابين، وملاحدة، وشعوبيين، وفاسدي العقيدة، ومذمومين من أئمتهم، وكل ما يخطر ببالك من نقائص، ولذا تراهم يصححون أحاديث من دعا عليه المعصوم بقوله أخزاه الله وقاتله الله، أو لعنه أو حكم بفساد عقيدته أو أظهر البراءة منه، وحكموا أيضاً بصحة روايات المشبهة والمجسمة، ومن جوز البداء عليه تعالى(1)، مع أن هذه الأمور كلها مكفرة،ورواية الكافر غير مقبولة، فضلاً عن صحتها، فإذا كان هذا هو حال من يصححون حديثه وهو أقوى الأقسام عندهم، فما بالنا بحال الحسن والموثق والضعيف عندهم! (2) .
    إذ لا عبرة عندهم بالعدالة وإنما العبرة بمن معهم؟ ومن عليهم؟ فمن كان معهم معتقداً بعقيدتهم كان مؤمناً تقياً، وإلا كان كافراً منافقاً إذا تبرأ منهم ومن عقيدتهم .
    كما أنهم لا يشترطون اتصال السند في الحديث من الإمام إلى الرسول؛ لأن الإمام في حد ذاته كلامه في قوة كلام الرسول وقدسيته، ووجوب العمل به؛ لأنه معصوم ويوحي إليه، ومن تلك الأحاديث التي يصححونها
    ولا عدالة لرواتها ولا اتصال لسندها حديث "غدير خم"(3) الذي يكاد يكون عمدة المذاهب الشيعية كلها ودعامتها الأولي، والأساس الذي أقاموا عليه نظريتهم إلي الصحابة من تكفيرهم وسبهم ولعنهم ليل نهار، وتابعهم علي ذلك دعاة اللادينية(4).
    هذا الحديث هو عند أهل السنة حديث مكذوب لا أساس له باللفظ الذي يروونه عن طواغيتهم، الذين وضعوه ليبرروا به هجومهم وتجنيهم علي صفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين - رضي الله عنهم أجمعين- .
    وبالنظر في كتب الحديث النبوي عندهم؛ كالكافي، والاستبصار، والتهذيب، ومن لا يحضره الفقيه(5) وغيرها، نجد رواياتها ليست كلها متصلة من أصحابها إلي أئمتهم الذين وجدوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم . فالأحاديث المدونة بها قد خلا أكثرها من الإسناد فنجد الروايات تذكر عن عدة من أصحابنا، أو عن الإمام جعفر، ثم تعد هذه الأقوال أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم . مع وجود الفارق الزمني الكبير بين أصحاب هذه الروايات وبين النبي صلى الله عليه وسلم . وهو فارق زمني يصل إلي عدة قرون(6) .
    وكان لهجومهم وتجنيهم علي الصحابة الأثر الكبير فيما أثير حول السنة من شبهات، ولم لا ومروياتهم رضي الله عنهم لا تزن عندهم مقدار جناح بعوضة .
    يقول الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء : والشيعة لا يعتبرون من السنة إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم يعني ما رواه الصادق، عن أبيه الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن الحسين السبط، عن أبيه أمير المؤمنين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .، أما ما يرويه مثل : أبي هريرة، وسمرة بن جندب، ومروان بن الحكم، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، ونظائرهم، فليس لهم عند الأمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم أشهر من أن يذكر(7) أ.هـ



    (1)ــ الكافي ، كتاب الروضة ( 8 / 168 ، 314 )
    (2) ــ الكافي ، كتاب الإيمان والكفر ، باب صنوف أهل الكفر وذكر القدرية والخوارج ( 2 / 400 رقم 4 ).
    (3) ــ وخلاصة هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم . في رجوعه من حجة الوداع جمع الصحابة في مكان يقال له "غدير خم" مكان بين مكة والمدينة، وأخذ بيد علي رضي الله عنه ووقف به علي الصحابة جميعاً وهم يشهدون وقال : "هذا وصيي وأخي والخليفة من بعدي فاسمعوا له واطيعوا" والحديث بهذه الرواية التي انفرد بها الرافضة مكذوب وأصل الحديث كما في صحيح مسلم من رواية زيد ابن أرقم رضي الله عنه قال : "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم . يوماً فينا خطيباً . بماء يدعي خما -بين مكة والمدينة- فحمد الله وأثني عليه، ووعظ وذكر . ثم قال : "أما بعد . ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدي والنور . فخذوا بكتاب الله . واستمسكوا به" فحث علي كتاب الله ورغب فيه . ثم قال : "وأهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي ... الحديث" أخرجه مسلم (بشرح النووي) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه 8 /190 رقم 2408. هذا هو أصل الحديث كما في صحيح السنة، والحديث برواية الرافضة يشهد علي نفسه بالبطلان فالحديث يصرح بالخلافة للإمام علي -كرم الله وجهه- علي مشهد من الصحابة جميعاً، ومثل هذا تتوافر الدواعي علي نقله ويشتهر، في حين أن هذا النص بالخلافة للإمام علي لم يبلغه أحد بإسناد صحيح . قال الإمام بن تيمية في فصل (الطرق التي يعرف بها كذب المنقول) ما ينفرد به، ويتضمن أمراً تتوافر الدواعي علي نقله قال : "ومن هذا الباب نقل النص علي خلافة علي، فإنا نعلم أنه كذب من طرق كثيرة، فإن هذا النص لم يبلغه أحد بإسناد صحيح فضلاً عن أن يكون متواتراً كما تزعم الرافضة، ولا نقل أن أحداً ذكره علي جهة الخفاء، مع تنازع الناس في الخلافة وتشاورهم فيها يوم السقيفة، وحين موت عمر وحين جعل الأمر شوري بينهم في ستة، ثم لما قتل عثمان واختلف الناس علي علي، فمن المعلوم أن مثل هذا النص لو كان كما تقوله الرافضة من أنه نص على علي بن أبي طالب نصاً جلياً قاطعاً للعذر وعلمه المسلمون، لكان من المعلوم بالضرورة في مثل هذه المواطن التي تتوافر الهمم علي ذكره فيها غاية التوفر، فانتفاء ما يعلم أنه لازم يقتضي انتفاء ما يعلم أنه ملزوم" أ.هـ. من منهاج السنة لابن تيمية 4 /118، وانظر : للاستزادة في الرد علي استدلالات الرافضة بروايات الحديث فيما كتبه الدكتور علي السالوس في كتابيه مع الشيعة الإثني عشرية في الأصول والفروع 1 /96-162، وأثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله ص 78-136، وانظر: مختصر التحفة الإثني عشرية لألوسي ص 123، 176، 208، 219، والعواصم من القواصم لابن العربي ص 183، والمؤتمر العالمي الرابع للسيرة والسنة بحث الدكتور علي السالوس حديث الثقلين وفقهه 2 /701 - 725 والشيعة والتصحيح للدكتور موسي الموسوي ص 8-50، ونظام الخلافة بين أهل السنة والشيعة للدكتور مصطفي حلمي ص 33-223 .
    (4) ــ انظر : مجمع البيان في تفسير القرآن للفضل بن الحسن الطبرسي 6 /152، والميزان في تفسير القرآن محمد حسين الطباطبائي 6 /42، وأصل الشيعة وأصولها محمد الحسين آل كاشف ص48، ومصباح الهداية في إثبات الولاية علي الموسوي ص 190 وما بعدها التبيان في تفسير القرآن محمد بن الحسن الطوسي 3 /587، والمراجعات عبد الحسين شرف الدين ص 51، والغدير في الكتاب والسنة والأدب عبد الحسين الأميني 1 /21، 216، 223، 225، وكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين الحسن بن المطهر الحلبي ص 254، 293، 471 = = وما بعدها، ومعالم المدرستين لمرتضي العسكري المجلد 1 /493، الشيعة في عقائدهم وأحكامهم لأمير محمد القزويني ص 71، والنص والاجتهاد لعبد الحسين شرف الدين ص 347، ونظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام لأحمد حسين يعقوب ص 247 - 256، ولماذا أنا شيعي محمد حسين الفقيه ص 36، لقد شيعني الحسين أدريس الحسيني ص 358 - 367، الإفصاح في إمامة علي بن أبي طالب لمحمد بن النعمان العكبري ص 15-18، والسنة ودورها في الفقه الجديد لجمال البنا ص 25، وإعادة تقييم الحديث لقاسم أحمد ص 97، والسلطة في الإسلام لعبد الجواد ياسين ص 258 وغيرهم .
    (5) ــ انظر : في مكانة هذه الكتب وأصحابها، وما فيها من غلو كتابي الدكتور علي السالوس (مع الشيعة الإثني عشرية) 3 /135-240، وأثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله ص 290-361
    (6) ــ السنة المفتري عليها للمستشار البهنساوي ص 136 بتصرف، وانظر : أثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله ص 276-282.
    (7) ــ أصل الشيعة وأصولها ص 79، 80، وانظر : أصول الرواية عند الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، للدكتور عمر الفرماوي ص 87



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (51)


    الشيعة وموقفهم من السنة (4-4)



    أساليب الشيعة في العبث بالسنة المطهرة :

    تعد الشيعة الرافضة من أكثر الفرق كذباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم . بل وعلى آل البيت أيضاً .

    وفي ذلك يقول الإمام ابن تيمية : [ومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأي المعروف عند مصنفيها بالكذب في الشيعة أكثر منه في جميع الطوائف](1).

    وسئل الإمام مالك عن الرافضة فقال : "لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون"(2) ويقول شريك بن عبد الله القاضي -وقد كان معروفاً بالتشيع مع الاعتدال فيه-(3) : "احمل عن كل من لقيت إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً"(4) .

    وقال حماد بن سلمة : حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال : "كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً جعلناه حديثا(5).

    وقال الإمام الشافعي : "ما رأيت في أهل الأهواء قوماً أشهد بالزور من الرافضة"(6)

    ولقد أخذ هؤلاء المتشيعون أعداء الإسلام يصنعون الأحاديث في أغراض شتي حسب أهوائهم ونحلهم، فمن ذلك أحاديث وضعوها في فضائل الإمام علي -كرم الله وجهه- وآله الكرام كحديث "من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه - وإلى نوح في تقواه وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسي في هيبته، وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي"(7) و"أنا ميزان العلم وعلي كفتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمة منا عموده توزن فيه أعمال المحبين لنا والمبغضين لنا"(8)إلي غير ذلك من روايات مكذوبة تثبت النبوة لعلي طوراً، والخلافة والوصية بها طوراً آخر علي حسب عقائد الوضاعين وآرائهم (9).

    وكما وضعوا الأحاديث في فضل علي وآل البيت، وضعوا الأحاديث في ذم الصحابة؛ وخاصة الشيخين وكبار الصحابة، حتى قال ابن أبي الحديد وهو شيعي معتزلي : "فأما الأمور المستبشعة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلي بيت فاطمة، وأنه ضربها بالسوط، فصار في عضدها كالدملج، وأن عمر ضغطها بين الباب والجدار، فصاحت : يا ابتاه وجعل في عنق علي حبلاً يقاد به، وفاطمة خلفه تصرخ، وابناه الحسن والحسين يبكيان ... ثم أخذ ابن أبي الحديد في ذكر الكثير من المثالب، ثم قال: فكل ذلك لا أصل له عند أصحابنا، ولا يثبته أحد منهم، ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه، وإنما هو شئ تنفرد الشيعة بنقله(10) وكذلك وضعوا الأحاديث في ذم معاوية رضي الله عنه إذا رأيتم معاوية علي منبري فاقتلوه(11) وفي ذم معاوية وعمرو بن العاص-رضي الله عنهما-"اللهم أركسهما في الفتنة ركساً ودعهما في النار دعا(12)"

    وهكذا أسرف غلاة الشيعة الرافضة في وضع الأحاديث بما يتفق مع أهوائهم، والتي بلغت من الكثرة حداً مزعجاً . حتى قال الخليلي في الإرشاد : "وضعت الرافضة في فضائل علي وأهل بيته نحو ثلاثمائة ألف حديث"(13)ومع ما في قوله من المبالغة فإنه دليل على كثرة ما وضعوا من الأحاديث .

    ويكاد المسلم يقف مذهولاً من هذه الجرأة البالغة علي رسول الله صلى الله عليه وسلم . لولا أن يعلم أن هؤلاء الرافضة أكثرهم من الفرس الذين تستروا بالتشيع لينقضوا عرى الإسلام، أو ممن أسلموا ولم يستطيعوا أن يتخلوا عن كل آثار ديانتهم القديمة، فانتقلوا إلي الإسلام بعقلية وثنية لا يهمها أن تكذب على صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم . لتؤيد حباً ثاوياً في أعماق أفئدتها، وهكذا يصنع الجهال والأطفال حين يحبون وحين يكرهون .

    وقد ضارعهم الجهلة من أهل السنة، فقابلوا -مع الأسف- الكذب بكذب مثله وإن كان أقل منه دائرة وأضيق نطاقاً(14)ومن ذلك حديث "ما في الجنة شجرة إلا مكتوب على ورقة منها لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو النورين"(15).

    كذلك قابلهم المتعصبون لمعاوية والأمويين، فوضعوا أحاديث مثل قولهم "الأمناء ثلاثة، أنا وجبريل ومعاوية"(16) و"لا افتقد في الجنة إلا معاوية فيأتي آنفاً بعد وقت طويل، فأقول : من أين يا معاوية، فيقول من عند ربي يناجيني وأناجيه، فيقول : هذا بمانيل من عرضك في الدنيا(17)

    وكذلك فعل المؤيدون للعباسيين فوضعوا إزاء حديث وصاية علي المكذوب وصاية العباس ونسبوا إلى النبي قوله : "العباس وصيي ووارثي(18)، إلي غير ذلك من الأكاذيب والتي طفحت بها كتب الموضوعات .

    ولولا رجال صدقوا في الإخلاص لله عزَّ وجلَّ، ونصبوا أنفسهم للدفاع عن دينهم، وتفرغوا للذب عن سنة رسول الله وأفنوا أعمارهم في التمييز بين الحديث الثابت وبين الحديث المكذوب، وهم أئمة السنة وأعلام الهدي - لولا هؤلاء لاختلط الأمر علي العلماء والدهماء، ولسقطت الثقة بالأحاديث(19) نتيجة حركة الوضع التي كثرت في أهل البدع والأهواء والجهلة من أهل السنة، إلا أنه تبدوا خطورة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . من أهل البدع بسبب أهدافهم الخبيثة للنيل من الإسلام وتشويه صورته بما يضعونه من خرافات .

    فالجهلة من أهل السنة؛ وإن قابلوا مع الأسف كذب الشيعة بكذب مثله، إلا أنهم لم يحاولوا العبث والكيد للسنة المطهرة كما فعل الشيعة، وهذا لا ينفي عن الوضاعين من الفريقين إثم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

    وعن مكايد الشيعة للسنة ومحاولاتهم العبث بها يقول العلامة الألوسي

    1- إن جماعة من علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث أولاً، وسمعوا الأحاديث من ثقات المحدثين من أهل السنة فضلاً عن العوام. ولكن الله سبحانه وتعالي قد تفضل علي أهل السنة، فأقام لهم من يميز بين الطيب والخبيث، وصحيح الحديث وموضوعه، حتى أنهم لم يخف عليهم وضع كلمة واحدة من الحديث الطويل .

    2- ومن مكايدهم أنهم ينظرون في أسماء الرجال المعتبرين عند أهل السنة، فمن وجدوه موافقاً لأحد منهم في الاسم واللقب أسندوا رواية حديث ذلك الشيعي إليه، فمن لا وقوف له من أهل السنة يعتقد أنه إمام من أئمتهم فيعتبر بقوله ويعتد بروايته؛ كالسدي فهما رجلان؛ أحدهما السدي الكبير،

    والثاني السدي الصغير، فالكبير من ثقات أهل السنة، والصغير من الوضاعين الكذابين وهو رافضي غال.

    3- ومن مكايدهم أنهم ينسبون بعض الكتب لكبار علماء السنة مشتملة على مطاعن في الصحابة، وبطلان مذهب أهل السنة، وذلك مثل كتاب (سر العالمين) فقد نسبوه إلى الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- وشحنوه بالهذيان، وذكروا في خطبته على لسان ذلك الإمام وصيته بكتمان هذا السر وحفظ هذه الأمانة وما ذكر في هذا الكتاب فهو عقيدتي، وما ذكر في غيره؛ فهو للمداهنة، فقد يلتبس ذلك على بعض القاصرين ... نسأل الله تعالى العصمة من الزلل .

    4- ومن مكايدهم أنهم يذكرون أحد علماء المعتزلة، أو الزيدية أو نحو ذلك، ويقولون: إنه من متعصبي أهل السنة، ثم ينقلون عنه ما يدل علي بطلان مذهب أهل السنة، وتأييد مذهب الإمامية الإثنى عشرية ترويجاً لضلالهم؛ كالزمخشري صاحب الكشاف الذي كان معتزلياً تفضيلياً، والأخطب الخوارزمي؛ فإنه زيدي غال، وابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة الذي هو من غلاة الشيعة علي حد قول، ومن المعتزلة علي قول آخر، وهشام الكلبي، وكذلك المسعودي صاحب مروج الذهب، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني وغيرهم، وقصدوا بذلك إلزام أهل السنة بما لهم من الأقوال، مع أن حالهم لا تخفي حتى على الأطفال (20)






    (1) ـ المنتقي في منهاج الاعتدال ص 22.

    (2) ــ المصدر السابق

    (3) ــ قال فيه الحافظ ابن حجر : صدوق، يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً، شديداً علي أهل البدع . مات سنة 177هـ أو 178هـ. له ترجمة في : تقريب التهذيب 1 /417 رقم 2795، والكاشف 1 /485 رقم 2276، والثقات للعجلي ص217،رقم664، والثقات لابن حبان6 /444، ومشاهير علماء الأمصار ص201 رقم1353، والثقات لابن شاهين ص 169 رقم 528

    (4)ــ منهاج السنة لابن تيمية 1 /13.

    (5)ــ منهاج السنة لابن تيمية 1 /13.

    (6)ــ منهاج السنة لابن تيمية 1 /14.

    (7)ــ انظر : اللآلئ المصنوعة للسيوطي 1 /325، وتنزيه الشريعة لابن عراق 1 /385، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني ص 367.

    (8)ــ انظر : المقاصد الحسنة للسخاوي ص 97، رقم 189، وتنزيه الشريعة 1 /397.

    (9)ــ الحديث والمحدثون للدكتور محمد أبو زهو ص 93.

    (10)ــ شرح نهج البلاغة 1 /135.

    (11) ــ انظر : اللآلئ المصنوعة 1 /388، وتنزيه الشريعة 2 /8، والفوائد المجموعة ص 407.

    (12)ــ انظر : الموضوعات لابن الجوزي 2/28، واللآلئ المصنوعة 1 /390، وتنزيه الشريعة 2 /16، والفوائد المجموعة ص407.

    (13) ــ الإرشاد في معرفة المحدثين ص 12.

    (14) ــ السنة ومكانتها في التشريع ص 80،81 بتصرف .

    (15)ــ انظر : اللآلئ المصنوعة 1 /292، وتنزيه الشريعة 1 /350، والفوائد المجموعة ص 342.

    (16)ــ انظر : تنزيه الشريعة 2 /4، والفوائد المجموعة ص 404.


    (17) ــ انظر:الموضوعات لابن الجوزي2 /23، واللآلئ المصنوعة1 /387، وتنزيه الشريعة 2 /7، الفوائد المجموعة ص 406.

    (18) ــ انظر : الموضوعات 2 /31، واللآلئ المصنوعة 1/393، وتنزيه الشريعة 2 /10، والفوائد المجموعة ص 402.

    (19)ــ الباعث الحثيث للأستاذ محمد شاكر ص 72

    (20)ــ مختصر التحفة الإثني عشرية للعلامة الألوسي ص32،33 بتصرف، وانظر : منهاج السنة لابن تيمية 3 /246.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (52)



    المعتزلة وموقفهم من السنة النبوية(1- 8)



    التعريف بالمعتزلة:

    المعتزلة : اسم يطلق على فرقة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري ما بين سنة 105 وسنة 110هـ بزعامة رجل يسمى واصل بن عطاء الغزال، ونشأت هذه الفرقة متأثرة بشتى الاتجاهات الموجودة في ذلك العصر، وقد أصبحت المعتزلة فرقة كبيرة تفرعت عن الجهمية في معظم الآراء، ثم انتشرت في أكثر بلدان المسلمين انتشاراً واسعاً، وعن كثرتهم وانتشارهم يقول الشيخ جمال الدين القاسمي "هذه الفرقة من أعظم الفرق رجالاً وأكثرها تابعاً، فإن شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية، والشامية، والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن . فإنهم على مذهب المعتزلة في الأصول كما قاله العلامة المقبلي في "العلم الشامخ" وهؤلاء يعدون في المسلمين بالملايين، بهذا يعلم أن الجهمية المعتزلة ليسوا في قلة فضلاً عن أن يظن أنهم انقرضوا وأن لا فائدة من المناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان ومذاهب أهلها(1) .

    والمعتزلة : قوم من المتكلمين فتنتهم؛ الفلسفة اليونانية، والمنطق اليوناني، وما نقل من الفلسفة الهندية، والأدب الفارسي، وقد كانوا كلهم أو جمهورهم ممن ينتمون إلى أصل فارسي فأولوا القرآن الكريم لينسجم مع الفلسفة اليونانية، وكذبوا الأحاديث التي لا تتفق مع هذه العقلية اليونانية الوثنية، واعتبروا فلاسفة اليونان أنبياء العقل الذي لا خطأ معه(2).

    والمعتزلة حين حاولت في أول الأمر أن تواجه المتكلمين في الديانات السالفة للإسلام والمذاهب المنحرفة، استطاعت أن تحقق نتائج طيبة، ولكنها حين استقلت بنفسها وخرجت عن حدودها لتقيم لنفسها منهجاً عقلانياً خالصاً يستعلى على مفهوم الإسلام الجامع؛ فإنها قد انحرفت انحرافاً شديداً وأخطأت خطأ بالغاً، وكان نتيجة طبيعية لتأثرها بشتى الاتجاهات الموجودة في عصرها، ثم أثرت هي الأخرى بعد ذلك في تلك الاتجاهات الفكرية قديماً(3)، وتأثر بها حديثاً كثير من خصوم الإسلام، وأعداء السنة، حيث وجدوا في مذهبهم الفكري عشاً يفرخون فيه بمفاسدهم وآرائهم، ويطلقون من قنواته دسهم على الإسلام والسنة النبوية المطهرة أ.هـ.(4) .

    نشأة المعتزلة:

    وترجع بداية نشأة المعتزلة كفرقة ذات اتجاه سياسي ومنهج فكرى، إلى ما وقع بين الحسن البصري وواصل بن عطاء من خلاف في حكم مرتكب الكبيرة، حين سئل الحسن البصري عن ذلك، فبادر واصل بن عطاء إلى الجواب قبل أن يجيب الحسن البصري، ومن هنا تطور الأمر إلى اعتزال واصل ومن معه حلقة الحسن البصري، فسموا معتزلة، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء(5).

    وقد ضعف هذا الرأي الدكتور أحمد أمين، وأياً كانت بداية نشأتهم، فالذي يعنينا ويهمنا هنا في هذا المقام هو أصول مذهبهم الفكري، وأثرها على السنة المطهرة .





    (1) - تاريخ الجهمية ص 56، وانظر : فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام للدكتور غالب عواجى 2/821، والخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية للدكتور محمد عمارة ص 273.

    (2) - السنة ومكانتها في التشريع ص7، وانظر : الفرق بين الفرق ص 127، والملل والنحل 1/32، وموقف المعتزلة من السنة النبوية ومواطن انحرافهم عنها للدكتور أبولبابة حسين ص42-46.

    (3)- انظر:تفصيل تأثر المعتزلة بغيرها من الفرق،وتأثيرها في غيرها سواء مما تأثرت به أو غيرها في: مقالات الإسلاميين 1 /187، ورسائل العدل والتوحيد للدكتور محمد عمارة 1 /79، وضحى الإسلام3 /207وفرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام2 /865، والشيعة الإثنا عشرية ومنهجهم في التفسير ص 562، والمعتزلة واتجاههم العقلى وأثره في تطور الفكر الإسلامى الحديث ص420، 421، 422 ، والاتجاه الاعتزالى في الفكر الإسلامى الحديث للدكتور أحمد محمد عبد العال .

    (4)- انظر : المؤامرة على الإسلام للأستاذ أنور الجندى ص 21، وموقف المعتزلة من السنة للدكتور أبو لبابة ص 169-172، وتاريخ المذاهب الإسلامية ص 131.

    (5) - انظر:الملل والنحل للشهرستانى1 /40، والفرق بين الفرق للبغدادى ص116، وفرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام 2 /822، والخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية للدكتور محمد عمارة ص179-198




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (53)



    المعتزلة وموقفهم من السنة النبوية(2- 8)



    أصول المعتزلة وأثرها على السنة المطهرة:
    وإذا كانت المعتزلة قد تفرقت إلى فرق كثيرة تصل إلى اثنتين وعشرين فرقة واختلفوا في المبادئ والتعاليم إلى حد تكفير كل فرقة الأخرى، إلا أنه يجمعهم إطار عام، وهو الاعتقاد بالأصول الخمسة :

    1- التوحيد على طريقة الجهمية .
    2- العدل على طريقة القدرية .
    3- الوعد، والوعيد.
    4ـ المنزلة بين المنزلتين.
    5ـ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على طريقة الخوارج (1) .
    ولقد حددها على هذا النحو صاحب الانتصار عندما قال : "وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة : التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس؛ فهو معتزلي(2) .
    ومعنى هذه الأصول إجمالاً :
    1ــ التوحيد : وهم يقصدون به البحث حول صفات الله تعالى، وما يجب له، وما يجوز، وما يستحيل، وفي هذا الأصل نفوا أن يكون لله تعالى صفات أزلية من علم، وقدرة، وحياة، وسمع، وبصر، بل، الله عالم، وقادر، وحى، وسميع، وبصير بذاته، وليست هناك صفات زائدة مع ذاته، وتأولوا الآيات التي تثبت هذه الصفات، والتي يفهم منها أن له صفات كصفات المخلوقين، ورفضوا الأحاديث التي تثبت هذه الصفات أيضاً، وحجتهم في إنكار صفات الله عزَّ وجلَّ أن إثباتها يستلزم تعدد القدماء وهو شرك على حد زعمهم ، ولأن إثبات الصفات يوحى بجعل كل صفة إلهاً، والمخرج من ذلك هو نفي الصفات وإرجاعها إلى ذات الباري تعالى، فيقال عالم بذاته، قادر بذاته إلخ، وبذلك يتحقق التوحيد في نظرهم، والمعتزلة في نفيهم الصفات وتعطيلها وتأويل ما لا يتوافق مع مذهبهم من نصوص الكتاب والسنة وافقوا بذلك الجهمية (المعطلة) ... فهم الذين أحيوا آرائهم، ونفخوا في رمادها، وصيروها جمراً من جديد، ومن هنا استحق المعتزلة أن يطلق عليهم جهمية أو معطلة(3)، وبناء على هذا الأصل أطلق المعتزلة على من عاداهم وخصوصاً أهل السنة أسماء جائرة مثل المشبهة، والحشوية ، وسموا أنفسهم أهل التوحيد، والمنزهون لله، حيث نفوا الصفات عنه(4) .

    2 ــ العدل : وهم يقصدون به البحث في أفعال الله عزَّ وجلَّ التي يصفونها كلها بالحسن، ونفي القبح عنها، بما فيه نفي أعمال العباد القبيحة، وتحت ستار العدل؛ نفوا القدر، وأسندوا أفعال العباد إلى قدرتهم وأنهم الخالقون لها مع أنهم يؤمنون بأن الله تعالى عالم بكل ما يعمله العباد، وأنه تعالى هو الذي أعطاهم القدرة على الفعل أو الترك(5) .
    والمعتزلة لنفيهم القدر يلقبون؛ بالقدرية لموافقتهم للقدرية في إنكار القدر، وهم يسمون أيضاً؛ بالثنوية، والمجوسية؛ لقولهم إن الخير من الله، والشر من العبد، فوافقوا بذلك الثنوية، والمجوسية الذين يقررون وجود إلهين أحدهما للخير، والآخر للشر، وهم لا يرضون بهذه الأسماء السابقة من القدرية، والثنوية، والمجوسية، ويرضون باسم أهل العدل لنفيهم القدر، ولأن أهل السنة يثبتون القدر لله عزَّ وجلَّ ويؤمنون به خيره وشره، حلوه ومره، فهم يطلقون عليهم القدرية المجبرة(6).
    وبناء على هذا الأصل (العدل) الذي يعنى نفي القدر؛ تأولوا الآيات التي تفيد إثبات القدر لله عزَّ وجلَّ كقوله تعالى : (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) [ سورة الرعد / 8 ] . وقوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) [سورة الحجر /21 ] . وقوله تعالى : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [ سورة القمر / 49 ] .
    ووقفوا من أحاديث القدر موقف الإنكار؛ فردوا الأحاديث الصحيحة التي تثبت القدر



    (1)- انظر : الفرق بين الفرق ص112 - 115، وفرق معاصرة 2 /822.
    (2) - الانتصار ص 188، 189.
    (3) - فرق معاصرة2/823،824،832، وانظر: فتح البارd 13 /357، وانظر: شرح الأصول ص197، وفضل الاعتزال ص140-141، وأدب المعتزلة ص135،136، ومقالات الإسلاميين 1 /235، والملل والنحل1/40، وموقف المعتزلة من السنة ومواطن انحرافهم عنها للدكتور أبو لبابة ص33
    (4) -فرق معاصرة 2 /825.
    (5) - فرق معاصرة 2 /834، وانظر : شرح الأصول ص 301، والملل والنحل 1 /41، والفصل في الملل والنحل لابن حزم 3 /164 والمغنى في أبواب التوحيد والعدل 3 /8.

    (6) - فرق معاصرة 2 /824، 825، وانظر : موقف المعتزلة من السنة للدكتور أبو لبابة ص 31.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (54)



    المعتزلة وموقفهم من السنة النبوية(3- 8)




    3- الوعد والوعيد : وهم يقصدون به أن الله وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب فيجب على الله - تعالى الله عن ذلك - أن ينفذ وعده ووعيده؛ بأن يعطى العبد أجر ما كلفه به من طاعات استحقاقاً منه على الله مقابل وعد الله له إذا التزم العبد بجميع التكاليف التي اختارها الله وكلف بها عباده، وكذلك يجب على الله أن ينفذ وعيده فيمن عصاه، ويلزم على هذا الأصل أن الله عزَّ وجلَّ لا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد؛ لأن ذلك يكون بخلف الوعيد والكذب، والله عزَّ وجلَّ لا يجوز عليه الخلف والكذب، وبمقتضى هذا الأصل فإن أصحاب الكبائر من عصاه المؤمنين إذا ماتوا من غير توبه؛ فإنهم يستحقون بمقتضى الوعيد من الله النار خالدين فيها إلا أن عقابهم يكون أخف من عقاب الكفار(1) .
    وبناء على هذا الأصل تأولوا الآيات التي تفيد بأن الله عزَّ وجلَّ يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء؛ كقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [ سورة النساء / 48 ] . وقوله تعالى : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [ سورة الزمر /53 ] .
    واستدلوا بالآيات الواردة في نفي الشفاعة عن غير المؤمنين الفائزين؛ كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ) [ سورة البقرة /48 ] وكذا قوله تعالى (مَا للظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [ سورة غافر / 18 ] إلى غير ذلك من الآيات الواردة بهذا المعنى .
    وبناءً على هذا الأصل أيضاً ردوا الأحاديث الواردة في شفاعة عصاة المؤمنين من أهل الكبائر، والأحاديث التي تفيد أنهم تحت المشيئة إن شاء الله عذبهم، وإن شاء غفر لهم .
    4- المنزلة بين المنزلتين : وهم يقصدون بها أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان،ولا يدخل في الكفر؛ فهو ليس بمؤمن ولا كافر، لكنه في منزلة بينهما فاسق، والفاسق يستحق النار، والمعتزلة بقولهم بهذا الأصل وافقوا الخوارج؛ لأن الخوارج لما رأوا لأهل الذنوب الخلود في النار سموهم كفرة، وحاربوهم، والمعتزلة رأت لهم الخلود في النار، ولم تجسر على تسميتهم كفرة ولا جسرت على قتال أهل فرقة منهم، فضلاً عن قتال جمهور مخالفيهم، ولهذا قيل للمعتزلة : إنهم مخانيث الخوارج(2) .
    ويعد هذا الأصل الرابع هو نقطة البدء في تاريخ المعتزلة كما سبق في نشأتهم .
    وكان لهذا الأصل أثره السيء في موقف المعتزلة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .، وخصوصاً أصحاب الجمل، وصفين من الفريقين؛ على، ومعاوية - رضي الله عن الجميع - كما سيأتي .
    5- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : هذا الأصل توافق فيه أهل السنة والمعتزلة، واتفقوا على أنه من الواجبات على الكفاية، وهو ما قرره المولى عزَّ وجلَّ في كتابه العزيز (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [ سورة آل عمران /104 ](3).
    إلا أنه وقع خلاف بين أهل السنة والمعتزلة فيما يلي :
    أ- حملهم الناس على المعروف والمنكر في مذهبهم وإلزامهم به، ويبدوا هذا واضحاً في محنة خلق القرآن .
    ب- طريقة تغيير المنكر؛ ساروا فيها عكس الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم .، في بيان موقف المسلم من المنكر إذا رآه وهو قوله صلى الله عليه وسلم . : (من رأى منكم منكراً؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)(4)بينما تغيير المنكر عندهم يبدأ بالحسنى، ثم باللسان، ثم باليد، ثم بالسيف على عكس ما يرشد إليه الحديث، ويذهب إليه أهل الحق .

    ج- حمل السلاح في وجوه المخالفين لهم سواء كانوا من الكفار أو من أصحاب المعاصي من أهل القبلة .
    د- أوجبوا الخروج على السلطان الجائر، وهم في كل ذلك متأثرون بتنطع الخوارج(5). وخلاصة هذا الأصل عندهم أنهم قالوا : "علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به، وأن نلزمه بما يلزمنا(6) .





    (1) - شرح الأصول ص 134، وانظر : الملل والنحل 1 /42، والمعتزلة زهدى جار الله ص 51، 52، وفضل الاعتزال ص 154.
    (2)- الفرق بين الفرق للبغدادى ص116، وانظر : الملل والنحل 1 /42، وشرح الأصول ص137، 697، وفضل الاعتزال 17، 64.
    (3) - انظر : شرح الأصول ص 141، 744.
    (4) - أخرجه مسلم ، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان ... إلخ رقم 49 من حديث أبى سعيد الخدرى رضي الله عنه .
    (5) - فرق معاصرة 2 /849 - 851، وانظر : الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية ص 256، 261، والمعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها للأستاذ عواد عبد الله ص273، 276.
    (6) - شرح العقيدة الطحاوية 2 /286.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)


    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (55)




    المعتزلة وموقفهم من السنة النبوية(4- 8)

    ومن فوارق الأصول عند المعتزلة :
    ما ذهب إليه الإمام القاسم الرسي : "أن القرآن الكريم فصل محكم، وصراط مستقيم، ولا خلاف فيه ولا اختلاف، وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ما كان لها ذكر في القرآن ومعنى(1) .
    وفى هذا الأصل الخامس بيان لموقفهم السيء من سنة المعصوم صلى الله عليه وسلم ، فهم لا يأخذون إلا بالسنة الموافقة للقرآن فقط، ولا يأخذون بالسنة المستقلة، وهذا الموقف له أثره السيء حيث اتخذوه منهجاً خاصاً بهم حكموا من خلاله على سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو عرض الحديث على القرآن الكريم، فما خالفه ولو مخالفة ظاهرية يمكن الجمع بينهما ردوه حتى ولو كان في أعلى درجات الصحة .
    ومن فوارق الأصول عند المعتزلة أيضاً ما ذهب إليه أحمد بن يحيى المرتضى: تولى الصحابة، والاختلاف في سيدنا عثمان رضي الله عنه بعد الأحداث، والبراءة من معاوية وعمرو بن العاص - رضي الله عنهما-.
    فاتفق المعتزلة على صحة خلافة أبى بكر، حتى من قال منهم بأفضلية علىِّ على أبى بكر - رضي الله عنهما - حيث إنهم رأوا علياً بايع أبا بكر غير مكره، فلابد أن تكون بيعته صحيحة، فإذا وصلنا إلى سيدنا عثمان رضي الله عنهم ، نرى الخياط المعتزلي يقول : إن واصل بن عطاء وقف في عثمان وفى خاذليه وقاتليه وترك البراءة من واحد منهم؛ لأنه أشكل عليه الأمر بين حالته المحمودة قبل أحداث السنين الست الأواخر وبعدها،
    فتعارضت عنده الأدلة، فترك أمره لله(2) ومثل ذلك قول أبو الهذيل العلاف قال : "لا ندري أقتل عثمان ظالماً أو مظلوماً"(3).
    فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الحروب التي كانت مع على ومعاوية -رضي الله عنهما، رأينا أن واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وجعفر بن مبشر، يؤيدون وجهة نظر علي بن أبى طالب ويتبرءون من معاوية وعمرو بن العاص ومن كان في شقهما"(4) .
    بل إن البلخي وهو أحد شيوخ المعتزلة رمى عمرو بن العاص ومعاوية - رضي الله عنهما – بالإلحاد(5) ونعوذ بالله عزَّ وجلَّ من الخذلان .
    وهكذا كان المعتزلة في أصولهم مخالفين لأهل السنة في مفهوم الإسلام الجامع، وكان لهذه الأصول الأثر السيء على الإسلام "قرآناً وسنة" وعلى المسلمين .



    (1) - رسائل العدل والتوحيد 1 /76، وانظر : رسائل الجاحظ 1 /287، وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 181، 182.
    (2) - الانتصار ص 151.
    (3) - مقالات الإسلاميين 2/145.
    (4) - الانتصار للخياط ص 152.
    (5) - شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 1/137، وانظر : ضحى الإسلام 3/177-180.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (56)



    المعتزلة وموقفهم من السنة النبوية(5- 8)

    موقف المعتزلة من السنة المطهرة :
    لما كان المعتزلة لا يؤمنون إلا بما يتفق مع عقولهم وأصولهم الخمسة، وكان هناك من الأحاديث النبوية ما يهدم مذهبهم ويناقض أدلتهم، كان موقفهم من السنة غاية في الخطورة، ولا نكاد نكون مبالغين إذا قلنا : بأنهم كادوا يهدمون المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، فهم تناقضوا في موقفهم من السنة ونشأ التناقض بتشبثهم بالعقل إلى ما يشبه تقديسه وتأليهه، ورفض ما يتعارض معه أو تأويله بما لا يخالف رأيهم، ولذلك وقعوا في كثير من الهنات والتناقضات دفعتهم إليها نزعتهم العقلية .
    موقفهم من الخبر المتواتر :
    درج المعتزلة على مخالفة إجماع الأمة على إفادة المتواتر القطع . فذهب بعضهم إلى إنكار حجية المتواتر وإفادته العلم، وتجويز وقوعه كذباً، وحكي الإمام أبو منصور البغدادي ذلك عن "النظامية"، وهم فرقة من المعتزلة فقال في الفضيحة السادسة عشرة من فضائح النَّظَّام :" قوله بأن الخبر المتواتر مع خروج ناقليه عند سماع الخبر عن الحصر، ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف دواعيها يجوز أن يقع كذباً، هذا مع قوله بأن من أخبار الآحاد ما يوجب العلم الضروري . وقد كفره أصحابنا مع موافقيه في الاعتزال في هذا المذهب الذي صار إليه"(1) .
    ثم قال في الفضيحة السابعة عشرة من فضائحه : "تجويزه إجماع الأمة في كل عصر، وفي جميع الأعصار على الخطأ من جهة الرأي والاستدلال، ويلزمه على هذا الأصل أن لا يقف بشيء مما اجتمعت الأمة عليه، لجواز خطئهم فيه عنده، وإذا كانت أحكام الشريعة منها ما أخذه المسلمون عن خبر متواتر، ومنها ما أخذوه عن أخبار الآحاد، ومنها ما أجمعوا عليه وأخذوه عن اجتهاد وقياس، وكان النظام دافعاً لحجة التواتر، ولحجة الإجماع، وقد أبطل القياس وخبر الواحد إذا لم يوجد العلم الضروري، فكأنه أراد إبطال أحكام فروع الشريعة لإبطاله طرقها أ.هـ.(2) .
    والمعتزلة : هم أول الفرق التي اشترطت في قبول الأخبار العدد كما في الشهادة،وما أرادوا بذلك الشرط إلا تعطيل الأخبار والأحكام الواردة فيها .
    وفي ذلك يقول الإمام الحازمي : "ولا أعلم أحداً من فرق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخري المعتزلة؛فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الأحكام كما قال أبو حاتم ابن حبان(3) .
    وها هم رؤساء المعتزلة يصرحون باشتراط العدد ويتناقضون في نسبته .
    فيحكى الإمام أبو منصور البغدادي عن الهذيلية وهم فرقة من المعتزلة فقال في الفضيحة السادسة من فضائح أبى الهذيل قوله :" إن الحجة من طريق الأخبار فيما غاب عن الحواس من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفيما سواها، لا تثبت بأقل من عشرين نفساً فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر، ولم يوجب بأخبار الكفرة والفسقة حجة وإن بلغوا عدد التواتر الذين لا يمكن تواطؤهم على الكذب إذا لم يكن فيهم واحد من أهل الجنة، وزعم أن خبر ما دون الأربعة لا يوجب حكماً، ومن فوق الأربعة إلى العشرين قد يصح وقوع العلم بخبرهم، وقد لا يقع العلم بخبرهم، وخبر العشرين إذا كان فيهم واحد من أهل الجنة يجب وقوع العلم منه لا محالة، واستدل على أن العشرين حجة بقول الله تعالى : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [سورة الأنفال /65 ] . وقال : لم يبح لهم قتالهم إلا وهم عليهم حجة، وهذا يوجب عليه أن يكون خبر الواحد حجة موجبة للعلم؛ لأن الواحد في ذلك الوقت كان له قتال العشرة من المشركين، فيكون جواز قتاله لهم دليلاً على كونه حجة عليهم .
    قال الإمام عبد القادر البغدادي : ما أراد أبو الهذيل باعتبار عشرين في الحجة من جهة الخبر إذا كان فيهم واحد من أهل الجنة إلا تعطيل الأخبار الواردة في الأحكام الشرعية عن فوائدها لأنه أراد بقوله : "ينبغي أن يكون فيهم واحد من أهل الجنة، واحداً يكون على بدعته في الاعتزال والقدر وفي فناء مقدورات الله عزَّ وجلَّ لأن من لم يقل بذلك لا يكون عنده مؤمناً ولا من أهل الجنة، ولم يقل قبل أبى الهذيل أحد ببدعة أبى الهذيل حتى تكون روايته في جملة العشرين على شرطه(4).
    ونقل الإمام الآمدي في الإحكام : اتفاق الجمهور من الفقهاء، والمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة على أن العلم الحاصل عن خبر التواتر ضروري .وقال الكعبي ، وأبو الحسين البصري، من المعتزلة، والدقاق من أصحاب الشافعي؛ أنه نظري(5) .
    ثم اختلف هؤلاء في أقل عدد يحصل معه العلم(6) .
    ويحكى الإمام ابن حزم مثل ما حكاه الحافظ الحازمي : من أن المعتزلة : هم أول من اشترطوا العدد في قبول الأخبار، فخالفوا بذلك جميع أهل الإسلام فقال : "إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة على النبي صلى الله عليه وسلم . يجرى على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنة، والخوارج، والشيعة، والقدرية حتى حدث متكلموا المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع بذلك، ولقد كان عمرو بن عبيد يتدين بما يروى عن أبى الحسين البصري من المعتزلة ويفتى به، هذا أمر لا يجهله من له أقل علم(7).
    وإذا كان الحازمي حكى في شروط الأئمة الخمسة عن بعض متأخري المعتزلة اشتراط العدد في الرواية كما في الشهادة، وحكى ذلك أيضاً عن بعض أصحاب الحديث كما حكاه السيوطي (8).
    فقد أجاب شيخ الإسلام ابن حجر رضي الله عنه عن حكاية ذلك الشرط عن بعض أصحاب الحديث بقوله :"وقد فهم بعضهم ذلك من خلال كلام الحاكم في معرفة علوم الحديث، وفي المدخل إلى الأكليل عند كلامه في شرط البخاري ومسلم، وبذلك جزم ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول وغيره، ولا حجة لهم فيما فهموه، ومنقوض بما في الصحيحين من الغرائب الصحيحة التي تفرد بها بعض الرواة"(9) .
    يقول الحافظ ابن حجر : وقد وهم بعضهم حيث نسب إلى الحاكم أنه ادعى أن شرط الشيخين رواية الاثنين، ولكنه غلط على الحاكم(10) .



    (1) - الفرق بين الفرق ص 137، وانظر : الانتصار للخياط ص 230، وآراء المعتزلة الأصولية دراسة وتقويماً للدكتور على بن سعد بن صالح ص 347.
    (2) - الفرق بين الفرق ص 137، 138، وانظر : الانتصار للخياط ص 232، والملل والنحل 1 /50، وتأويل مختلف الحديث ص 28.
    (3) - شروط الأئمة الخمسة ص 47
    (4) - الفرق بين الفرق ص 124، 125، وانظر : الملل والنحل 1 /47.
    (5) - الإحكام للآمدي 2 /27، وانظر : المسودة في أصول الفقه آل تيمية ص 234.

    (6) - الإحكام للآمدي 2 /39، والمسودة في أصول الفقه ص 236، والبرهان 1 /217.
    (7) - الإحكام لابن حزم 1 /110، وانظر : الاعتصام للشاطبي 1 /187.
    (8) - تدريب الراوي 1 /70.
    (9) - تدريب الراوي 1 /71
    (10) - فتح الباري 13 /246 أرقام 7250 - 7257، وانظر : سؤالات مسعود بن على السجزي للحاكم ص 209 رقم 267.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •